الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
14 - سُوْرَةُ إِبْرَاهِيمَ
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (52)
موضوع السورة
ملة الخليل إبراهيم، ملة التوحيد لله والتعظيم والنصر للمؤمنين والخزي للكافرين
-
منهاج السورة
-
1 -
انتصار الله تعالى للقرآن العظيم، الذي يخرج الناس بإذن الله الملك من الظلمات إلى النور المبين.
2 -
الكفار اختاروا الدنيا على الآخرة، وصدوا عن سبيل الله، وهم أهل الضلال البعيد.
3 -
حكمة الله في إرسال كل رسول بلغة قومه لإقامة حجته تعالى عليهم.
4 -
إرسال الله نبيّه موسى بآياته، وتذكيره قومه بأنعم الله عليهم.
5 -
قضاء الله مقابلة شكره بمزيد عطائه، وهو سبحانهُ الغني الحميد.
6 -
إخبار الله تعالى عن أقوام سالفة تتابعوا على تكذيب الرسل، وقابلهم رسلهم بالصبر والتوكل على الله، حتى نزل نصر الله.
7 -
استكبار الكافرين وتهديدهم لرسلهم، والخزي والنكال والدائرة عليهم، وأعمال الكفار كالرماد تحمله الريح العاصفة لا انتفاع لهم بها في الآخرة.
8 -
تنبيه الله العباد على قدرته العجيبة بخلق السماوات والأرض، وأنه لو شاء أهلكهم وجاء بغيرهم.
9 -
تصوير الله خروج الكفار للحشر، وتقابل الرؤساء والضعفاء في مشهد الذل، والمؤمنون في جنات النعيم.
10 -
مثل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة، وقلوب العباد بيد الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعدله وحكمته.
11 -
تغيير الكفار نعمة الله على أقوامهم بجحدهم النبوة، وإصرارهم على الشرك باللهِ، ومآلهم إلى نار الجحيم.
12 -
أَمْرُ الله عبادهُ بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله قبل مجيء يوم انعدام البيع والصحبة.
13 -
نعم الله على العباد لا يمكن إحصاؤها، وإن الإنسان لظلوم كفار.
14 -
دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام بجعل البلد الحرام آمنًا وتجنيبه وولده عبادة الأصنام، وجعل الأفئدة من الناس تهوي قلوبهم قصد البيت الحرام، وببسط الرزق عليهم من كل مكان.
15 -
تسلية الله نبيّهُ بأنه تعالى غير غافل عما يمكر الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم الخزي والندامة الواقع بالمجرمين.
16 -
وَعْدُ الله نبيّه النصر الأكيد المبين، واللهُ عزيز ذو انتقام.
17 -
نَعْتُ الله تعالى يوم تبدل السماوات والأرض، للقيامِ ليوم الحشر.
18 -
المجرمون يوم الحساب مصفّدونَ بالأغلال، وسرابيلهم من قطران، وتغشى وجوههم النار.
19 -
كل نفس يوم القيامة بما كسبت رهينة، واللهُ سريعُ الحساب.
20 -
هذه السورة تحمل النذارة للناس ليتداركوا أنفسهم بإفراده تعالى بالعبادة والتعظيم، قبل أن ينزل بهم العقاب الأليم.
° ° °
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
1 -
3. قوله تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)}.
في هذه الآيات: انْتِصارُ الله تعالى للقرآن العظيم، الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور المبين، بإذن الله مالك السماوات والأرض وللكافرين عذاب أليم. الذين اختاروا الدنيا على الآخرة ومضوا يصدون الناس عن سبيل الله يبغون إشاعة الكفر والفواحش في الأرض، أولئك أهل الضلال البعيد.
وقوله: {الر} . قد سبق القول في الحروف المقطعة أوائل السور، وأن فيها بيانًا لإعجاز هذا القرآن المؤلف من جنس هذه الأحرف، ولا يستطيعُ أحد أن يُرَكِّبَ من مثل هذه الحروف سورة من مثله.
وقوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} . تاكيد للمعنى السابق، وانتصار لهذا القرآن، أنزله اللهُ عليكَ - يا محمد - فهو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، واختار لحملهِ وتلقيه منه أشرف رسول، بعثهُ الله تعالى إلى العالمين، وختم به النبوة والرسالة إلى الثقلين.
وقوله: {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} .
قال ابن جرير: (يقول: لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفر، إلى نور الإيمان وضيائه، وتُبَصِّرَ به أهل الجهل والعمى سُبل الرَّشاد والهُدَى).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1].
2 -
3 -
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39].
4 -
وقال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257].
قال ابن القيم رحمه الله: (فأولياؤهم يعيدوهم إلى ما خلقوا فيهِ من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرقَ لهم نورُ النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلكَ إخراجهم من النور إلى الظلمات)(1).
وفي صحيح السنة في مفهوم النور والظلمة أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:[إن الله تعالى خلق خلقهُ في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلكَ النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ](2).
الحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه من حديث عياض، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[قال الله تعالى: إني خلقتُ عبادي حنفاءَ كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزِل بهِ سلطانًا](3).
(1) انظر "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص (5)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 69).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (2/ 176 - 197)، وابن حبان (1812)، والحاكم (1/ 30)، وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1076).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2865)، وأخرجه أحمد في المسند (4/ 266).
قلت: فالظلمة هي ظلمةُ الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات.
والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانهُ على عباده بِنَعْمانَ وهو واد إلى جنب عرفات.
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[أخذ اللهُ تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بِنَعمان - يعني عرفة - (وفي رواية: يوم عرفة). فأخرج من صُلْبِهِ كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديهِ كالذر ثم كلمهم قُبُلًا قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}](1).
ووَحَّد سبحانه لفظ النور، وجمع الظلمات، لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة، كما قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، وقال تعالى:{عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النحل: 48]، مما يدل على شرف النور وتفرد الحق، وانتشار الباطل وتشعبه.
وقوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} .
إشارة إلى المشيئة الإذنية: وهي المشيئة المرتبطة بعلم الله وعدله وحكمته، فما أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختيارهِ تحت مشيئتهِ سبحانه.
كما في التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: 100]
2 -
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64].
3 -
وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99].
قال ابن جرير: (وقوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} ، يعني بتوفيق ربهم لهم بذلكَ ولطفهِ
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (1/ 272)، والنسائي في "الكبرى"(11191)، والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1623).
بهم، {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ} ، يعني: إلى طريق الله المستقيم، وهو دينهُ الذي ارتضاهُ، وشَرَعَهُ لخلقه).
وقوله: {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} - أي ملكًا وخلقًا وتصريفًا وتدبيرًا. قرأه قراء المدينة والشام برفع اسم الجلالة {اللَّهُ} على الابتداء، وقرأهُ قراء العراق والكوفة والبصرة بالخفض:{اللَّهِ} على البدل، وكلاهما قراءتان مشهورتان،
وقولهُ: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} .
تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ للكفار من سوء العذاب يوم القيامة. قال الزجاج: ({وَوَيْلٌ} هي كلمة تقال للعذاب والهلكة).
وقوله: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} - نَعْتٌ لأولئك الكفار، إذ اختاروا الحياةَ الفانية في هذه الدار الزائلة، على الحياة الأبدية السرمدية في الدار الآخرة الباقية، ولم يكتفوا بكفرهم وجنايتهم على أنفسهم، بل استطالوا على أهل العلم والحق لصدهم عن الدعوة إلى الله، مستخدمينَ بذلكَ كل أساليب الظلم والمكر لصد الناس عن سبيل الله ودينه الحق. قال القرطبي:({وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي يطلبون لها زَيْغًا وميلًا لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم).
وقوله: {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} . أي في ذهاب عن الحق بعيد، وجور عن قصد السبيل، وتخبط في الظلمات والأهواء والفتن.
4 -
5. قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)}.
في هذه الآيات: تقديرُ الله تعالى حكمتهُ في إرسال كل رسول بلسان قومه ولغتهم ليبينَ لهم ويقيم عليهم حجة الله البالغة، فمن اهتدى فبتوفيق الله له ومن ضلّ فبعقوبة الله له واللهُ عزيز حكيم. وإِخْبارُ الله سبحانه عن إرساله نبيّه موسى عليه السلام بآياته
ليخرج قومه من الظلمات إلى النور، وليذكرهم بأنعم الله عليهم، وفي هذا التذكير دلالات لكل صبار شكور.
فقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} .
قال ابن كثير: (هذا مِنْ لُطْفِهِ تعالى بخلقه أَنَّهُ يرسل إليهم رُسُلًا منهم بلغاتهم لِيفهمُوا عنهم ما يريدونه وما أُرسلوا به إليهم).
وعن قتادة: ({لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}، الذي أرسل إليهم، ليتخذ بذلكَ الحجة).
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لم يبعث الله تعالى نَبِيًّا إلا بلغةِ قومهِ](1).
وقوله: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
قال النسفي: ({فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ} من آثر سبب الضلالة، {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} من آثر سبب الاهتداء {وَهُوَ الْعَزِيزُ} فلا يغالب على مشيئته {الْحَكِيمُ} فلا يخذل إلا أهل الخذلان).
وقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} .
قال مجاهد: ({وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا}، قال: التسع البيّنات). وفي لفظ قال: (التسع الآيات، الطوفان وما معه).
وعن ابن عباس: ({أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، يقول: من الضلالة إلى الهدى).
وقوله: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه} . قال مجاهد: (بأنعم الله)، أو قال:(بنعم الله)، وقال:(بالنعم التي أنعم بها عليهم، أنجاهم من آل فرعون، وفلق لهم البحر، وظلَّلَ عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسَّلوى).
وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} .
قال قتادة: (نعم العبد عبدٌ إذا ابتلي صبر، وإذا أُعطيَ شكر).
(1) حديث صحيح. أخرجهُ أحمد (5/ 158)، وقال الهيثمي في "المجمع" (11095):(رجاله رجال الصحيح). والحديث يشهد له القرآن - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (5073).
وقال الشعبي: (الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شُكْر).
قال القرطبي: ({إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في التذكير في أيام الله {لَآيَاتٍ} أي دلالات {لِكُلِّ صَبَّارٍ} أي كثير الصبر على طاعة الله، وعن معاصيه. {شَكُورٍ} لنعم الله).
قال: (وإنما خصَّ بالآيات كل صبار شكور، لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها، كما قال: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45]، وإن كان منذِرًا للجميع).
ومن كنوز صحيح السنة في مفهوم ودلالة هذه الآية، أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الدارمي في سننه، وأحمد في مسنده، بسند صحيح، عن صهيب قال:[بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبتُ لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان لهُ خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن](1).
الحديث الثاني: أخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وأبو يعلى بسند رجاله ثقات عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [عجبًا للمؤمن لا يقضي اللهُ لهُ شيئًا إلا كانَ خيرًا له](2).
الحديث الثالث: أخرج الطيالسي والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [عجبتُ للمسلم إذا أصابتهُ مصيبةٌ احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمدَ الله وشكر، وإنّ المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه](3).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط](4).
(1) حديث صحيح. أخرجه الدارمي (2/ 318)، وأحمد (6/ 16)، وسنده صحيح على شرط مسلم، وقد أخرج مسلم في صحيحه (8/ 227) نحوه، وهو رواية لأحمد (4/ 332).
(2)
حديث صحيح. أخرجه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (5/ 24)، وأبو يعلى (200/ 2)، ورجاله ثقات، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (148).
(3)
أخرجه الطيالسي (211) بإسنادٍ صحيح. وانظر صحيح الجامع (3881)، ورواه البيهقي وغيره.
(4)
أخرجه الترمذي (2/ 64)، وابن ماجه (4031)، وسنده حسن. وانظر:"الصحيحة"(146).
6 -
8. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)}.
في هذه الآيات: تَذْكِيرُ موسى عليه السلام قومه بنعمة الله الكبيرة عليهم في نجاتهم من فرعون وجنده، الذين كانوا يذيقونهم سوء العذاب ويذبحونَ أبناءهم ويستبقون نساءهم، وفي ذلكم اختبار من الله شديد. وَقَضَاءُ الله تعالى بمقابلة شكره بمزيد عطائه ومقابلة جحد نعمه بالحرمان والعذاب الشديد. وإِعْلانُ موسى عليه السلام لقومهِ أن الله تعالى غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود ولو كفر جميع خلقه، فإنما مردّ الكفر على أهله.
فعن ابن عيينة: ({وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}، أياديَ الله عندكم وأيَّامه).
وقوله: {إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} . أي: حين أنجاكم من أهل دين فوعون وطاعته.
وقوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} . أي: يذيقونكم أذل العذاب وأصعبه، حين كانوا يذبحون مَنْ وجد من أبنائكم، ويستبقون إناثكم.
وقد وردت الآية في سورة البقرة: {يُذَبِّحُونَ} ، وفي الأعراف:{يُقْتِّلُونَ} بلا واو، وهنا في سورة إبراهيم جاءت مع الواو، فيكون التذبيح هنا زائدًا على جنس العذاب، في حين يكون مفسرًا له حيث ورد بلا واو.
وقوله: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} . أي: اختبار عظيم، وبلاء شديد.
وقوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} . أي قضى سبحانهُ زيادة نعمه للشاكرين.
قال ابن زيد: ({وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ}: وإذ قال ربكم، ذلك "التأذن").
قال ابن كثير: (وقوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ}، أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم. ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعِزَّته وجَلاله وكبريائه، كما قال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 167]. وقوله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها).
وقوله: {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} .
أي: وإن جحدتم النعم ولم تؤدوا شكرها قابلكم ربكم بحرمانها أو بتسليط العذاب عليكم، فإن النعم تُقابل بالشكر لا بالتمرد والعصيان.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله ليرضى عن العبد أن يأكلَ الأكلةَ فيحمده عليها، ويشربَ الشربةَ فيحمدهُ عليها](1).
الحديث الثاني: أخرجَ أبو داود بسند صحيح عن أبي أيوب الأنصاري، قال:[كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أكل أو شرب، قال: الحمدُ لله الذي أطعم وسقى، وسَوَّغَه وجعلَ له مَخْرَجًا](2).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي أمامة قال: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رُفعت المائدة قال: "الحمدُ لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غيرَ مَكْفِيٍّ، ولا مُوَدَّعٍ، ولا مستغنى عَنْهُ، ربُّنا"](3).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجدَ ثوبًا سماهُ باسمه: إما قميصًا أو عمامة، ثم يقول: اللهم
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم - في الصحيح (8/ 87) -. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (1305) كتاب الأطعمة، باب: في الحمد لله على الأكل والشرب.
(2)
حديث صحيح. أخرجهُ أبو داود (3851)، كتاب الأطعمة، باب ما يقول الرجل إذا طعم.
(3)
حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (3284)، كتاب الأطعمة، باب ما يقال إذا فرغ من الطعام.
لكَ الحَمْدُ أَنْتَ كسوتَنيهِ، أَسألُك مِنْ خَيْرِه وخَيْرِ ما صُنِعَ له، وأعوذُ بك من شرِّه وشَرِّ ما صنِعَ له] (1).
وقوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} .
المقصود: أن الله تعالى غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود ولو كفر جميع خلقهِ، فإنما مردَّ الكفر على أهله.
يروي ابنُ جرير بسندهِ عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي:({فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ}، قال غني عن خلقه، {حَمِيدٌ}، قال: مُسْتَحْمِدٌ إليهم).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7].
2 -
وقال تعالى: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)} [التغابن: 6].
وفي صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال:[يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركُمْ وإِنْسَكُمْ وجِنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلكَ في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإِنْسَكُمْ وجِنَّكُمْ كانوا على أفجرِ قلب رجل منكم ما نقصَ ذلكَ في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكُم وآخِركم وإِنْسَكُم وجِنكم قامُوا في صَعيدٍ واحِدٍ فسَأَلُوني فأعطيتُ كُلَّ واحد مَسْألته. ما نقص ذلكَ من مُلكي شيئًا، إلا كما ينقصُ المِخيَطُ إذا أُدْخِلَ في البحر. . .] الحديث (2).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قال الله تعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببتُ لقاءه، وإذا كره لقائي كرهتُ لقاءه](3). ورواهُ البخاري والنسائي.
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (4020)، كتاب اللباس، وأخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (1838).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (8/ 17)، وأخرجه أحمد في المسند (5/ 160).
(3)
حديث صحيح. أخرجهُ البخاري (7504)، كتاب التوحيد، ورواهُ أحمد والنسائي ومالك في الموطأ وغيرهم. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (4179).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قال الله تعالى: يا ابن آدم! مهما عَبَدْتني ورجوتني ولم تُشركْ بي شيئًا غفرتُ لكَ على ما كان مِنْكَ، وإن استقبلتني بملءِ السماء والأرض خطايا وذُنوبًا استقبلتكَ بملئِهنَّ من المغفرة، وأغفِرُ لكَ ولا أُبالي](1).
9 -
12. قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)}.
في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى عن أقوام سالفة لا يعلم عددهم إلا الله رَدُّوا رسلهم بعدما جاؤوهم بالحجج البينات والدلائل القاطعات، وواجهوهم بالتشكيك والتكذيب، وطالبوهم بالمعجزات والخوارق، فقابلهم الرسل بالصبر على الأذى والتوكل على الله، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.
فقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} - خبر من الله تعالى عن هذه الأقوام المكذبة للرسل - قوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم - لا يعلم ولا يحصي عددهم إلا الله.
(1) حديث صحيح. انظر تخريج: "مشكاة المصابيح"(3365)، وانظر المرجع السابق (4217).
وقوله: {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} . قال ابن جرير: (يعني بِحُجَجٍ ودلالاتٍ على حقيقة ما دعوهم إليه معجزات).
وقوله: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} - فيه أكثر من تأويل محتمل:
التأويل الأول: عن أبي الأحوص، عن عبد الله:{فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} ، قال:(عضوا عليها تَغَيُّظًا). أو قال: (عضوا على أناملهم). أو قال: (عضوا على أطراف أصابعهم).
وقال ابنُ زيد: (أدخلوا أصابعهم في أفواههم. وقال: إذا اغتاظ الإنسان عضَّ يده).
التأويل الثاني: عن ابن عباس: ({فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ}، قال: لما سمعوا كتاب الله عجِبوا، ورَجعوا بأيديهم إلى أفواههم).
التأويل الثالث: عن مجاهد: ({فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ}، قال: ردوا عليهم قولهم وكذّبوهم). وقال قتادة: (كذبوا رسلهم وردّوا عليهم ما جاؤوا به من البينات، وردّوا عليهم بأفواههم، وقالوا: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}).
إخْبَارٌ عن قيل أولئك الأقوام الذين صرحوا لرسلهم بكفرهم بما أرسلوا به، يقولون: لسنا مصدقين لكم فيما جئتم به، بل عندنا شك قوي فيما تدعوننا إليه.
وقوله: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يحتملُ شيئين في التأويل:
1 -
أفي وُجود اللهِ شك؟ وقد جُبلت الفِطر على الإقرار بوجوده، فإن عرض لها اضطراب فذكرتهم الرسل بما يدلُ عليه ويوصل إليه وهو أنه:{فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} - مبدعهما وموجدهما ومن فيهما، إذْ لا بُدَّ لذلكَ من صانع، ألا وهو الله لا إله إلا هو.
2 -
أفي إلاهِيَّتهِ وتفرّده بالعبادة والتعظيم شك؟ فإن تفرّده بالخلق والملك والتدبير، يقتضي تفرده بالتعظيم والدعاء والعبادة.
وقوله: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} .
قال القاسمي: (أي: يدعوكم إلى الإيمان بإرساله إيانا، لا أنَّا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم {تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ}. وقوله تعالى: {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمًّى} أي: يمتعكم متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى).
وقال ابن جرير: (يقول: يدعوكم إلى توحيدهِ وطاعته" {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ}، يقول: فيستر عليكم بعضَ ذنوبكم بالعفو عنها، فلا يعاقبكم عليها، {وَيُؤَخِّرَكُمْ}، يقول: وينسئ في آجالكم، فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم، ولكن يؤخركم إلى الوقت الذي كتَبَ في أمّ الكتاب أنه يقبضكم فيه، وهو الأجل الذي سمّى لكم).
وفي التنزيل: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3].
أجابهم القوم: ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا في الصورة والهيئة، ولستم ملائكة أو خلقًا خارقًا، ومن ثمَّ فلا فضلَ بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا، فلم تُخصونَ بالنبوة والرسالة دوننا، وإنما تريدون صرفنا عن عبادة ما كان يعبدهُ آباؤنا من الأوثان، فأتونا بحجة بينة تثبت صدق ما تدعوننا إليه.
قال النسفي: ({فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} بحجة بينة، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتًا ولجاجًا).
إِخْبَارٌ عن إجابة رسلهم لهم، قالوا: صحيح أنّا بشرٌ مثلكم، وإنما يمنّ اللهُ بالرسالة والنبوة على من يشاء من عباده، فيصطفي لذلكَ من شاء من خلقه، ولا طاقة لنا كبشر على استحضار الآيات والمعجزات إلا بإذن الله لنا وتقديرهِ وتوفيقه، وما ثقتنا إلا باللهِ، عليهِ نتوكل وبه نستعين، شأن جميع المؤمنين.
هو من تمام قيل الرسل لأممها: وَلمَ الا نثقُ كُلَّ الثقة بالله، ونستجير برحمته ونستعين بعنايته وكفايته ونصره، وهو الذي عَرَّفنا سبيل النجاة من سخطهِ وعذابه، وطريق السعادةِ في الدنيا والآخرة، وإنا سنتابعُ الطريق في دعوته متحمِّلين كل ألوان
الأذى وما تلقوننا به من المكروه والمكر، وإنما يتوكل على الله المتوكلون.
13 -
18. قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)}.
في هذه الآيات: اسْتِكْبَارُ الكافرين وتهديدهم لرسلهم، وتَثْبِيتُ الله المرسلين بأن الدائرة ستكونُ على معانديهم، الخزي في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة. إنما مثل أعمال الذين كفروا بربهم وكذبوا رسله كالرماد تحمله الريح العاصفة فتنثره لا يقدرون على جمعه، وكذلك يجد الكافرون أعمالهم يوم القيامة هباءً منثورًا لا سبيل للانتفاع بها أحوج ما يحتاجون إلى نفعها.
هو نَعْتُ صنيع الأمم بوسلها بعد التكذيب والعناد، فهم يلجؤون إلى التضييق والتهديد إن لم يحصل للملأ الكافر الانقياد، وقد وصف الله هذا المسلك من الطغاة عبر الزمان في آيات كثيرة:
1 -
قال تعالى - في شأن شعيب وتكذيب قومه له -: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88].
2 -
وقال تعالى - في شأن لوط وتكذيب قومه له -: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56].
3 -
وقال تعالى - في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه -: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 76].
وقال أيضًا: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
وقوله: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} .
هو فَصْلُ الأمر من الله تعالى تجاه مكر القوم والملأ الكافر برسولهم، بأنه تعالى سيهلك القوم الذين ظلموا وطغوا وأفسدوا في البلاد، وحاربوا الرسل وهم يدعونَ إلى دين الواحد الأحد.
وقوله: {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} - هو من تمام وعد الرحمن للمؤمنين الصابرين.
قال قتادة: (وعدهم النصرَ في الدنيا، والجنة في الآخرة).
وقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} . قال القرطبي: (أي مقامه بين يديّ يوم القيامة). والوعيد: الاسم من الوعد.
قال الأخفش: ({ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي عذابي، {وَخَافَ وَعِيدِ} أي القرآن وزواجره).
وقيل: ({ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي قيامي عليه، ومراقبتي له). كما في التنزيل: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33].
وقوله تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} .
قال مجاهد: ({وَاسْتَفْتَحُوا}، قال الرسل كلها. يقولى: استنصروا، {عَنِيدٍ}، قال: معاند للحق مجانبه). قال القرطبي: {وَاسْتَفْتَحُوا} أي واستنصروا. أي أُذِن للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم).
قال ابن عباس: (كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرُونهم ويكذبونهم، ويدعونهم إلى أن يعودوا في مِلَّتهم، فأبى اللهُ عز وجل لرسلهِ وللمؤمنين أن يعودُوا في مِلّةِ الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يُسْكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز الله لهم ما وعدهم، واستفتحوا كما أمرهم أن يستفتحوا، وخاب كل جبار عنيد).
قال إبراهيم: ({وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}، قال: هو الناكب عن الحق). وقال قتادة: ("الجبار العنيد"، الذي يأبى أن يقول: لا إله إلا الله).
وقوله: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} .
أي: وراء هذا الكافر جهنم بعد هلاكه، وشرابه ماء كالصديد وهو ما يسيلُ من أجسام أهل النار من القيحِ والدم. قال قتادة:(والصديد: ما يسيل من لحمه وجلده).
وعن مجاهد: ({مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} قال: قيح ودم)، وقال الضحاك:(يعني بالصديد: ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القيح والدم).
وقوله: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} .
أي: يتحسَّاه جُرَعًا لا مرة واحدة لمرارته وحرارته، ولا يكاد يبتلعه لشدةِ أذاه، بل يتغصَّصُه ويتكرّهه.
وقوله: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} .
قال ابن عباس: (أنواع العذاب التي يُعذِّبهُ اللهُ بها يوم القيامةِ في نار جهنم، وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكن لا يموتُ، لأن الله تعالى قال: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36]).
وعن ميمون بن مِهران: ({وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}، قال: مِنْ كُلِّ عظم، وعِرْقٍ، وعَصَبٍ).
وقال عكرمة: (حتى من أطراف شعره). وقال إبراهيم التيميّ: (من موضع كل شعرة، أي: من جَسَدِه، حتى من أطراف شعره). وقال ابن جرير: (أي: من أمامه وورائه، وعن يمينهِ وشماله، ومن فوقِه ومن تحتِ أرجُلِه، ومن سائر أعضاء جسده).
وقوله: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} . أي: وله بعد ما هو فيه من سوء الحال، عذاب أغلظ وأشد. قال ابن كثير:(أي: وله من بعد هذا الحال عذابٌ آخرُ غليظٌ، أي: مؤلم صعب شديدٌ أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمرُّ. وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 64 - 68]. فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارةً يردون إلى الجحيم، عياذًا باللهِ من ذلك).
وفي التنزيل أيضًا:
1 -
قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)} [الواقعة: 41 - 44].
2 -
وقال تعالى: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص: 55 - 58].
وفي صحيح مسلم من طريق النعمان بن بشير مرفوعًا: [إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغهُ كما يغلي المرجل، ما يَرى أن أحدًا أشدُّ منهُ عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا]. ورواه البخاري (1).
قال ابن عباس: (يقول: الذين كفروا بربهم وعبدوا غيره، فأعمالهم يوم القيامةِ كرماد اشتدت به الريح في يومٍ عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم، كما لا يُقْدَر على الرماد إذا أُرْسِلَ في يوم عاصف).
وعن ابن جريجٍ: ({كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ}، قال: حملتهُ الريح في يومٍ عاصف).
والمقصود: هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عظموا غيره سبحانهُ، أو أشركوا في عبادته، وكذبوا رسله، فإنهم يرون أعمالهم التي ظنوا أنها تنفعهم كالرماد تحمله الريح العاصفة فتنثره لا يقدرون على جمعهِ في ذلكَ اليوم، وكذلكَ أعمالهم يجعلها اللهُ هباءً منثورًا، ولا يقدرونَ على الانتفاع بها يوم الحساب أحوج ما يحتاجون إلى ذلك.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117].
2 -
وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23].
(1) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري - حديث رقم - (6561) - (6562) - كتاب الرقاق - ومختصر صحيح مسلم، حديث رقم، (99) - (100).
3 -
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ الله لا يظلم مُؤمِنًا حَسَنَةً يُعطي بها في الدنيا ويَجْزِي بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطْعَمُ بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجْزَى بها](1).
وقوله: {ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} - إشارة إلى انحراف سعيهم عن منهج النجاة، وكون أعمالهم على غير أساس واستقامة، ففقدوا الثواب، وبطل العمل وحصل الندم وانقطع الأمل.
19 -
20. قوله تعالى: " {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)}.
في هذه الآيات: تنبيه الله تعالى على قدرته العجيبة في خلق السماوات والأرض ليدرك العباد ضعفهم وعجزهم، وأنه تعالى لو شاء أهلكهم وذهب بهم وجاء بغيرهم، وما ذلكَ عليه بعزيز.
فقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} - إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى وثبوت المعاد.
قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا على مَعاد الأبدان يوم القيامة، بأنه خلق السماوات التي هي أكبرُ من خلقِ الناس، أفليس الذي قَدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتّساعها وعَظَمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلِفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرضُ بما فيها من مهادٍ ووهادٍ، وأوتادٍ وبَرَاريَّ وصحارَى وقفار، وبحار وأشجار، ونبات وحيوانٍ، على اختلاف أصنافها ومنافِعها، وأشكالها وألوانها، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33].
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2808)، كتاب صفات المنافقين. باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم، ولم يَكُنْ له ذلكَ، وشتمني، ولم يكن لهُ ذلك، فأما تكذيبهُ إيايَّ فزعمَ أني لا أقدِرُ أن أعيدَهُ كما كانَ، وأما شَتْمُهُ إيايَ، فقولهُ: لي ولد، فسبحاني أن أتّخِذَ صاحبة أو ولدًا](1).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[قال اللهُ تعالى: يؤذيني ابنُ آدم، يقول: يا خيبةَ الدهر! فلا يقولنَّ أحدُكم: يا خيبة الدهر! فإني أنا الدهرُ، أقلِّبُ ليلهُ ونهارهُ، فإذا شئتُ قبضتهما](2).
وقوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} .
قال النسفي: (أي هو قادرٌ على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقًا آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم إعلامًا بأنه قادرٌ على إعدام الموجود وإيجادِ المعدوم {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} بمتعذر).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر: 15 - 17].
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (4482) - كتاب التفسير - باب: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} [البقرة: 116].
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (7/ 45) من حديث أبي هريرة. انظر مختصر صحيح مسلم (1813) - كتاب البر والصلة - باب: النهي عن سبّ الدهر.
2 -
وقال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].
3 -
وقال تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء: 133].
4 -
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54].
وكذلكَ قال القرطبي: ({إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أفضل وأطوع منكم، إذ لو كانوا مثل الأولين فلا فائدةَ في الإبدال. {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي منيع متعذر).
21 -
23. قوله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)}.
في هذه الآيات: تصوير الله خروج الكفار من قبورهم ليوم الحشر، وتقابل الأتباع الضعفاء مع المتبوعين المستكبرين الرؤساء، وتبرؤ الكبراء من الضعفاء، وكذلكَ تبرؤ الشيطان من أتباعه، والظالمون في عذاب أليم، والمؤمنون في جنات النعيم.
فقوله: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا} . قال ابن جرير: (وظهر هؤلاء الذين كفروا به يوم القيامةِ من قبورهم، فصاروا بالبَراز من الأرض {جَمِيعًا} يعني كلهم).
قال ابن جريج: ({فَقَالَ الضُّعَفَاءُ}، قال الأتباعُ، {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا}، قال: للقادة). أي: قال التُّباع - حين برزوا لله جميعًا للحساب - للمتبوعين الطغاة المتكبرين عن اتباع الرسل وإقامة دين الله وشرعه في الأرض والحكم به، إنا كنا لكم تبعًا في الدنيا نمضي بأمركم وننفذ مكركم، فهل أنتم دافعون عنا اليوم من عذاب الله من شيء.
وقوله: {قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} .
قال النسفي: (أي لو هدانا اللهُ إلى الإيمانِ في الدنيا لهديناكم إليهِ، أو لو هدانا اللهُ طريق النجاةِ من العذابِ لهديناكم أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاةِ كما سلكنا بكم طريق الهلكة).
وقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} .
أي: إن الجزع والصبر سواء في حق من كتب اللهُ عليه النار، إذ لا منجى ولا ملجأ ولا مهرب من أمر الله الذي قد قضاه على الكافرين، وهذه المراجعة يمكن أن تكونَ قبل دخولهم النار وبعده.
وفي التنزيل:
1 -
2 -
3 -
تَنَصُّلٌ من إبليس اللعين، من أتباعهِ الذين أطاعوه وكانوا من حزبهِ المشين، بعد أن قُضي الأمر ودخلَ أهل الجنة الجنةَ وأهل النار الجحيم، فخاطب الأتباع: إن الله وعدكم معشر الأتباع النار، ووعدتكم النصرة والتأييد والدفاع عنكم، فأخلفتكم وعدي، وصدق اللهُ وعده لكم. قال النسفي:({إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم {وَوَعَدْتُكُمْ} بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء {فَأَخْلَفْتُكُمْ} كذبتكم).
وقوله: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} . أي: وما كان لي عليكم من تسلط واقتدار لأجبركم على شيء مما دعوتكم إليه، وإنما هي وسوستي لكم، وتزييني لضلالكم وانحرافكم فأسرعتم في إجابتي وتركتم تحذير الله لكم:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ؛ {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} . فلا تلقوا اللوم عليّ بل لوموا أنفسكم إذ جئتموني من غير حجة.
وقوله: {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} .
أي: ما أنا بمغيثكم، ولا أنتم بمغيثيَّ من عذاب الله فمنجيَّ منه. وفي كلام العر: أصْرَخْتُ الرجل إذا أغثتُه. والمُصْرِخ المغيث.
وقوله: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} .
قال ابن جريج: (إني كفرتُ اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشرك باللهِ تعالى).
وقال قتادة: (إني عصيت الله). وقال الثوري: (كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا).
وقوله: {إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
يقول: إن الكافرين بالله والمشركين في عبادته لهم عذاب يوم القيامة مؤلم موجع.
ذِكْرٌ للصورة المقابلة، وَعَطْفٌ على ذكر حال الأشقياء وما آلوا إليهِ من سوء المستقر في دار الخزي والنكال، بذكر حال السعداء وحسن مستقرهم في جنات النعيم
التي تجري تحتها أنهار الماء والعسل واللبن والخمر لذة للنظر والشاربين، ماكثين فيها لا يحولون عنها ولا يزولون، والملائكة يدخلون عليهم ويحيونهم بالسلام.
قال ابن جريج: ({تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}: الملائكة يُسلِّمون عليهم في الجنة).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23، 24].
2 -
وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].
3 -
وقال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10].
4 -
وقال تعالى: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [الفرقان: 75].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البزار والطبراني بسند جيد عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[السلامُ اسمٌ من أسماء الله وضعهُ في الأرض، فأفشُوه بينكم، فإن الرجل المسلِمَ إذا مَرَّ بِقَومٍ فسَلَّمَ عليهم فردُّوا عليه، كان له عليهم فضل درجةٍ، فإن لم يردوا عليه ردّ عليهِ من هو خيرٌ منهم وأطيب](1).
الحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند، والشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخلق اللهُ عز وجل آدَمَ على صورته طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب فسلِّم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحيةُ ذريتك. قال: فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلامُ عليكَ ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. قال: فكلُ من يدخلُ الجنةَ على صورة آدم طوله ستون ذراعًا. فلم يزل ينقص الخلق بعده حتى الآن] (2).
(1) حديث حسن لشواهده. أخرجه البزار (1999)، والطبراني في "الكبير"(10392)، وإسناده جيد، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (1894).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3326)، كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (6227)، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام. وأخرجه مسلم (2841)، كتاب الجنة ونعيمها، ورواه أحمد.
24 -
27. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)}.
في هذه الآيات: شبه سبحانهُ الكلمة الطيبة بأنها لشدة ثبات جذورها وتأثيرها في قلوب الناس لا تزال تثمر في حياتهم وقلوبهم، كالشجرة الطيبة التي لا تزالُ تؤتي أكلها في كل موسم وحين، فيُذكر صاحب الكلمة الطيبة بالإحسان والخير في كل وقت وحين. وأما الكلمةُ السيئة والأسلوب المؤذي فلا يزال يتركُ أثرًا سيئًا يُذكر صاحبه بسوء الخلق حتى لو كان عنده من العلم الكثير، فلا يجد في قلوب الناس مكانًا فَيُجْتَثُّ من حياتهم ويخرج من قلوبهم كما تُجتَثُّ الشجرة المؤذية من طريق الناس وتستأصل من جذورها.
فمن كان من أهل الكلمة الطيبة التي أعلاها "لا إله إلا الله" ثبّته الله عند الغرغرة والاحتضار، وعند سؤال الملكين في القبر قبل الاستقرار، ومن كان جاحدًا لكلمة التوحيد يعيشُ على خلاف منهاجها أضلّه الله وأخزاهُ عند السؤال والامتحان، ليكون ذلك علامة سوء في الخاتمة وحرمان من الجنان، فقلوب العباد وأعمالهم بيد الله سبحانهُ يضل من يشاء ويهدي من يشاء بحكمته وعدله وعلمه ويفعل سبحانه ما يشاء.
فعن ابن عباس: ({أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً}، قال: شهادةُ أن لا إله إلا الله، {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} وهو المؤمن، {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} يقول: يُرفَعُ بها عمل المؤمن إلى السماء).
وقال سعيد بن جبير ومجاهد: (إن ذلك عبارةٌ عن المؤمن، وقوله الطيِّب، وعمله الصالح، وإن المؤمن كالشجرة من النّخل، لا يزالُ يُرفع له عملٌ صالحٌ في كل حينٍ ووقتٍ، وصباح ومساء).
وعن ابن عباس: ({كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} قال: هي شجرة في الجنة).
وعن أنس وابن مسعود رضي الله عنهما قالا: (هي النخلة).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، وذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن نافع، عن ابن عمرَ قال:[كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبروني بشجرة تُشبه - أو: كالرجل - المسلم، لا يتحاتُّ ورقُها وَلا وَلا وَلا، تؤتي أُكُلَها كُلَّ حين! قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النَّخلة، ورأيتُ أبا بكر وعمرَ لا يتكلمان فَكَرِهْتُ أَنْ أَتكَلَّم. فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هيَ النخلة. فلمَّا قُمْنا قلتُ لِعُمَرَ: يا أبتاه، واللهِ لقد كانَ وقعَ في نفسي أنَّها النَّخْلةُ، فقال: ما مَنَعك أَنْ تَكَلَّم؟ قال: لم أَرَكُمْ تَكَلَّمُون، فكرِهْتُ أنْ أَتَكَلَّمَ أو أقولَ شيئًا. قال عمر: لأَنْ تكونَ قُلْتَها أَحَبُّ إليَّ من كذا وكذا](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن من الشجرِ شَجَرةً لا يَسْقُط وَرَقُها، وإنها مَثَلُ المُسْلِم فحدِّثوني ما هي؟ فوقعَ الناسُ في شجرِ البوادي، قال عبد الله، ووقَعَ في نفسي أنها النخلة، فاسْتَحييتُ ثم قالوا: حدِّثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة](2).
الحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان عن مجاهد قال: [صحبتُ ابنَ عمر إلى المدينة، فلم أسمعهُ يحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثًا واحدًا، قال: كُنَّا عند النبي صلى الله عليه وسلم فَأُتِيَ بِجُمَّار (3) فقال: إنَّ مِنَ الشجر شجرةً مَثَلُها كَمَثَلِ المُسْلمِ. فأردت أن أقولَ: هي النَّخْلَةُ، فإذا أنا أصْغَرُ القَوْمِ فسكتُّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هِيَ النَّخْلَةُ](4).
وخلاصة المعنى كما ذكر عطية العوفي: ({ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}، قال: ذلكَ مثل المؤمن لا يزال يخرجُ منهُ كلامٌ طيبٌ وعمل صالح يَصْعَدُ إليهِ).
(1) حديث صحيح، أخرجه البخاري (4698)، كتاب التفسير، وأخرجه مسلم في الصحيح (2811).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (61) - كتاب العلم - باب قول المحدّث: حدَّثنا وأخْبَرنا وأَنبأَنا، وانظر صحيح البخاري (131)، ومسند أحمد (2/ 61)، (2/ 123)، وصحيح ابن حبان (243).
(3)
الجُمَّار: شحم النخل، ومنه يخرج الثمر.
(4)
أخرجه البخاري (72)، كتاب العلم، باب الفَهْم في العِلم. وانظر الحديث رقم (2209) منه، وأخرجه مسلم (2811)، وأحمد (2/ 12)، وابن حبان (244).
وعن الربيع بن أنس قال: ({أَصْلُهَا ثَابِتٌ}، قال: أصلُ عمله ثابتٌ في الأرض، {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}، قال: ذكرُه في السماء).
وقوله: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} - فيه أقوال متقاربة:
1 -
قال ابن عباس: (غُدوة وعشية). أو قال: (بُكْرةً وعشيًّا). قال: ({تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}، قال: يذكر الله كلّ ساعة من الليل والنهار).
2 -
وقال الضحاك فيها: (المؤمن يطيع الله بالليل والنهار وفي كل حين).
3 -
وقال الربيع بن أنس: (يَصْعَدُ عملهُ أولَ النهار وآخره). وقال: ({تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}، قال: تخرجُ ثمرتها كُلَّ حين. وهذا مثلُ المؤمن يعمل كل حين، كل ساعة من النهار وكل ساعة من الليل، وبالشتاء والصيف، بطاعة الله). وقال النسفي: ({بِإِذْنِ رَبِّهَا} بتيسير خالقها وتكوينه). قلت: وكذلكَ عمل المؤمن الصالح هو بتوفيق الله وتيسيره ومنّه وكرمه.
وقيل الحين ستة أشهر أو سنة أو غير ذلك، وما سبق أعمّ من ذلك.
وقوله: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} . قال ابن جرير: (يقول: ويمثِّل الله الأمثال للناس، ويُشَبِّهُ لهم الأشباه، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، يقول: ليتذكروا حُجَّةَ الله عليهم، فيعتبروا بها ويتعظوا، فينزجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان).
وقوله: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} .
قال أنس: (تلكم الحنظل، ألم تروا إلى الرياح كيف تُصَفِّقُها يمينًا وشمالًا).
وقال مجاهد: ({كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}، الحنظلة).
قال ابن كثير: (هذا مثلُ كفرِ الكافرِ، لا أصلَ لهُ ولا ثباتَ، وشُبِّهَ بشجرةِ الحَنْظَلِ. ويقالُ لها: الشَّريان).
قلت: والآية تشمل إضافة إلى كلام الكفر الفحش من القول والمنكر والبذيء، فإن صاحبه بعيد عن قلوب الناس لا أُنْسَ بلقائه ووجوده بينهم.
وفي صحيح السنة المطهرة أحاديث في هذا المعنى:
الحديث الأول: أخرج العُقَيلي بسند حسن عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة مرفوعًا:
[يا عائشة: إياك والفحشَ إياك والفحش، فإن الفحش لو كان رجلًا لكان رجل سوء](1).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[المؤمن يألف، ولا خيرَ فيمن لا يألفُ ولا يؤلف](2).
وله شاهد عند الطبراني من حديث جابر بلفظ: [المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس].
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه والبيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[خير الناس ذو القلب المحموم واللسان الصادق! قيل: ما القلب المحموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيهِ ولا بغي ولا حسد. قيل فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة. قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن](3).
وقوله: {اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} . قال قتادة: (استؤصلت من فوق الأرض). أي فما لهذه الشجرة الخبيثة المؤذية من قرار ولا أصل في الأرض تقوم عليه وتثبت بجذره، وكذلكَ كفر الكافر ومعصيتُه في الأرض. قال ابنُ عباس:(ضرب اللهُ مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر. يقول: إن الشجرةَ الخبيثةَ اجتُثّت من فوق الأرض ما لها من قرار، يقول: الكافر لا يُقبل عمله ولا يصعد إلى الله، فليس لهُ أصلٌ ثابتٌ في الأرض، ولا فرعٌ في السماء. يقول: ليسَ له عمل صالح في الدنيا ولا في الآخرة).
وقوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} . أي: يثبت الله المؤمنين على منهاج الإيمان باللهِ ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في حياتهم الدنيا رغم تقلب الأحوال والفتن، ثم يثبتهم سبحانه عند سؤال الملكين في قبورهم ليشهدوا أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فيموتوا على دين الإسلام.
(1) حديث حسن. رواه العقيلي (259)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (537).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (5/ 335)، (2/ 400)، وأورده الهيثمي (8/ 87) وكذلكَ (10/ 273)، وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح. وانظر للشاهد "المجمع"(10/ 273 - 274)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (426 - 427).
(3)
حديث صحيح. انظر سنن ابن ماجه - حديث رقم - (4216)، وصحيح الجامع (3286)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (948).
وفي ذلكَ أحاديث من السنة الصحيحة العطرة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إذا أُقْعِدَ المُؤمِنُ فيِ قَبرِهِ أُتِيَ ثم شَهِدَ أَنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلكَ قولُه: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}](1).
ثم قال البخاري: حدَّثنا محمد بن بشَّار: حدَّثنا غُنْدَرٌ: حَدثنا شعبة بهذا، وزاد:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} نزلت في عذاب القبر.
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه، عن سَعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} قال: نزلت في عذاب القبر، يُقال له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فذلكَ قولُهُ عز وجل: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}](2). ولفظ الترمذي: [{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} قال: "في القبر إذا قيل له: من ربُّكَ وما دينُكَ ومَنْ نَبيُّك"].
الحديث الثالث: روى أحمد وأبو داود والبيهقي بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: [خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يدهِ عودٌ يَنْكُتُ بهِ في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا باللهِ من عذاب القبر. مرتين أو ثلاثًا. ثم قال: إن العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليهِ ملائكة من السماء بيض الوجوه كأنَّ وجوهَهم الشمسُ، معهم كفنٌ من أكفان الجنةِ وحنوطٌ من حَنُوطِ الجنّة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر. ثم يجيء ملكُ الموتِ حتى يجلسَ عند رأسهِ، فيقول: أيَّتُها النفسُ الطيِّبةُ، اخرجي إلى مغفرة من اللهِ ورضوانٍ. قال: فتخرجُ تسيل كما تسيلُ القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعُوها في يدهِ طرْفة عينٍ حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلكَ الكفن وفي ذلكَ الحنوطِ، ويخرجُ منها كأطيب نَفَحةِ مِسْكٍ وُجدت على وَجْهِ الأرض. فيصعَدُون بها، فلا يمرّون بها على ملأٍ من
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (1369)، كتاب الجنائز. باب ما جاء في عذاب القبر. وانظر (4699) منه.
(2)
حديث صحيح أخرجه مسلم (2871) كتاب الجنة ونعيمها، وانظر سنن أبي داود (4750)، وسنن الترمذي (3120)، وأخرجه النسائي في "التفسير"(284)، والطبري (20759).
الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروح الطيِّب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمُّونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السَّماءِ الدنيا، فيستفتحون له، فَيُفْتَحُ له، فيشيّعُهُ من كل سماء مُقَرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماءِ السابعةِ، فيقولُ الله: اكتبوا كتابَ عبدي في عِلِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارةً أخرى. قال: فتعادُ روحهُ في جسدهِ، فيأتيه ملكان فيجلسانِه فيقولان له: من ربُّكَ. فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينُكَ؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما عِلْمُكَ؟ فيقول: قرأتُ كتابَ الله، فآمنتُ به وصدّقت. فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينكَ؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنةٍ تعرض على المؤمن، فذلكَ حين يقول اللهُ عز وجل:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، وَنَبِيّي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادِ منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبرهِ مدّ بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومكَ الذي كنتَ توعد. فيقول: مَنْ أَنْتَ؟ فوجْهُكَ الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملكَ الصالحُ. فيقول: ربّ، أقِمِ الساعة، ربِّ أقمِ الساعة، حتى أرجعَ إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافرَ إذا كانَ في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نَزَلَ إليهِ من السماء ملائكةٌ سود الوُجوه معهم المُسُوح، فجلسوا منه مَدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرُجي إلى سَخَطٍ من الله وغَضَب. قال: فَتُفَرَّقُ في جسده، فَيَنْتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يَدَعوها في يدهِ طرفة عين، حتى يجعلوها في المُسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وُجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يَمُرُّونَ بها على ملأ من الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان. بأقبح أسمائه التي كان يُسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يُفتح له. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ({لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، فيقول الله: أكتبوا كتابه في سِجِّين - في الأرض السفلى - فتُطرح روحُه طَرحًا. ثم قرأ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31]. فتعاد روحُه في جسده، ويأتيه
مَلَكان فيُجلسانه ويقولان له: من ربُّكَ؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري؟ فيقولان: ما دينُك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري؟ فينادي مناد من السماء: أن كذَبَ، فَأَفرِشُوه من النار، وافتحوا لهُ بابًا إلى النار. فيأتيهِ من حَرِّها وسَمُومِها، وَيُضَيَّقُ عليهِ قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعهُ، ويأتيهِ رجلٌ قبيحُ الوجهِ، قبيحُ الثيابِ، مُنْتِنُ الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد! فيقول: ومن أَنت؟ فوجْهُكَ الوجهُ يجيءُ بالشر! فيقول: أنا عَمَلُكَ الخبيث، فيقول: رَبِّ، لا تُقِم الساعة] (1).
وقوله: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} . أي يخذل الله المنافق والكافر عند السؤال، فلا يوفقه للنطق بالشهادتين والحق الذي فيه النجاة، أحوج ما يحتاجُ إليه.
قال ابن عباس: (أما الكافر، فتنزل الملائكة إذا حضره الموت، فيبسطُون أيديهم، "والبَسطُ"، هو الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت. فإذا أُدْخِل قبره فقيل له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئًا، وأنساهُ اللهُ ذكر ذلك. وإذا قيلَ له: من الرسول الذي بُعث إليكَ؟ لم يهتد له، ولم يرجع إليهِ شيئًا، يقول الله: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ}).
وقوله: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} . قال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بذلك: وبيدِ الله الهداية والإضلال، فلا تنكروا، أيها الناس، قدرتَه، ولا اهتداءَ من كان منكم ضالًا، ولا ضلالَ مَنْ كانَ منكم مهتديًا، فإنَّ بيدهِ تصريفَ خلقه وتقليبَ قلوبهم، يفعلُ فيهم ما يشاء).
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذا المعنى، أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[إن الله تعالى هو الخالق القابض الباسط الرازق](2).
الحديث الثاني: أخرج الإمامُ مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص
(1) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (4753)، وأحمد (4/ 287)، والبيهقي في "إثبات عذاب القبر"(20، 55)، وصححه الحاكم (1/ 37 - 40). وانظر أحكام الجنائز - الألباني ص 159.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (3451)، كتاب الإجازة، باب في التسعير. انظر صحيح سنن أبي داود (2945)، ورواه ابن ماجه (2200)، ورواه الترمذي والبيهقي وأحمد - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (1842).
يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إن قلوبَ بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحدٍ يصرفه كيف يشاء. ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرِّف قلوبنا إلى طاعتك](1).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن هانئ بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الله هو الحَكَمُ، وإليهِ الحُكْمُ](2).
28 -
30. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)}.
في هذه الآيات: يخاطب الله تعالى نبيّهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم فيقول: ألم تنظر يا محمد إلى كفار قومكَ غيروا ما أنعم الله عليهم من نعمه فجعلوها كفرًا به، إذ جحدوا نبوتكَ ونعمةَ اللهِ العظيمة في إرسالكَ إليهم لتنقذهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأنزلوا قومهم من مشركي قريش بذلكَ دار الهلاك، جهنم يصلونها وبئس المستقر. لقد أصروا على الشرك بالله على طريقة آبائهم في اتخاذ الأنداد والأوثان والطواغيت يعبدونها من دون الله، ويصرفون لها الخضوع والتذلل والرجاء والدعاء، وهم في ذلكَ ضالون مضلون عن سبيل الله - قل لهم يا محمد: تمتعوا بترويج فاسد عادات الآباء وتعظيم تقاليد الجاهلية فإن مآلكم في إصراركم هذا إلى النار.
قال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} : ({أَلَمْ تَرَ} ألم تَعْلَمْ، كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا} [البقرة: 243]. {الْبَوَارِ}: الهلاك. بارَ يَبُورُ بَوْرًا، {قَوْمًا بَوْرًا} [الفرقان: 18]: هالكين. حدَّثنا عليُّ بن عبد الله: حدَّثنا سفيان عَنْ عُمْرو، عَنْ عَطاءٍ: سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} قال: هُمْ كفّار أهل مكة).
وقال السُّدي: ({أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} الآية! ذكر مسلم المستوفي
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (8/ 51)، وأحمد (2/ 168 - 173)، والطبري (6657).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (4955)، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (4145)، ورواه النسائي.
عن علي أنه قال: هما الأفجران من قريش: بنُو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فأحلّوا قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أُحُدٍ. وكان أبو جهل يومَ بدر. وأبو سفيان يومَ أحد. وأما دار البَوار فهي جهنم).
وروى نحوهُ ابن أبي حاتم عن عمرو بن مُرّ قال: (سمعتُ عليًا قرأ هذه الآية: {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}، قال هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة فأهلِكوا يوم بدر، وأما بنو أمية فمتِّعوا إلى حين).
قلت: ولا شك أن الآية عامة تعم في مفهومها جميع الكفار، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا ويتحاكمون لأهوائهم مستهزئين بشرع الله العظيم.
وقوله: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} . أي مآلهم إلى النار في الآخرة وبئس المستقر.
قال قتادة: ({دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} هي دارهم في الآخرة). وقال ابن زيد ({دَارَ الْبَوَارِ} النار، قال: وقد بيَّنَ الله ذلكَ وأخبرك به؟ فقال: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}).
وقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} .
أي: وجعلوا لله شركاء كي يضلوا الناس عن منهجِ عبادة الله الذي يحبهُ ويرضاه. قل لهم يا محمد: تمتعوا قليلًا بتعظيمِ جاهليتكم فإن مثواكم إلى النار.
قال ابن جرير: (يقول: قل يا محمد لهم: تمتعوا في الحياة الدنيا وعيدًا من الله لهم، لا إباحة لهم التمتع بها، ولا أمرًا على وجهِ العبادة، ولكن توبيخًا وتهديدًا ووعيدًا، وقد بين ذلكَ بقوله: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} يقول: استمتعوا في الحياة الدنيا، فإنها سريعة الزوال عنكم، وإلى النار تصيرون عن قريب، فتعلمون هنالك غبّ تمتعكم في الدنيا بمعاصي الله وكفركم فيها به).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 24].
2 -
قال تعالى: {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 70].
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن اللهَ لَيُملي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}](1).
31 -
34. قوله تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)}.
في هذه الآيات: أمْرُ اللهِ تعالى عبادهُ المؤمنين بإقامِ الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيلهِ قبل مجيء يوم ينعدمُ فيه البيع وتُفقد فيهِ الخلة والصحبة. إنه تعالى الخالق الرزاق المسخّر المنعم الذي أعطاكم من كل ما سألتموه، وإن تحاولوا إحصاء نعم الله عليكم لا تدركوا بعض ذلك، وإنما الإنسان ظلوم كفار.
فقول: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} . قال ابن عباس: (يعني الصلوات الخمس).
وقوله: {وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} . قال ابن عباس: (يقول: زكاة أموالهم). قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرًا العباد بطاعته والقيام بحقِّه، والإحسان إلى خلقه، بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادةُ الله وحدَه لا شريكَ له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات، والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب. والمرادُ بإقامتها هو: المحافظة على وَقتها وحُدودها، وركُوعها وخشوعها وسُجودها. وأمر تعالى بالإنفاق مما رَزَق في السِّر، أي: في الخُفْيَةِ، والعَلانية وهى، الجهرُ، وليبادروا إلى ذلكَ لخلاص أنفسهم).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4686)، كتاب التفسير، وانظر مختصر صحيح مسلم (1831).
وقوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} .
قال قتادة: (إن الله تبارك وتعالى قد علم أن في الدنيا بيوعًا وخلالًا يتخالُّونَ بها في الدنيا، فلينظر رجل من يخالل، وعلام يصاحب، فإن كان للهِ فليداوم، وإن كان لغير الله فإنها ستنقطع).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 123].
2 -
وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحديد: 15].
3 -
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254].
قال ابن جرير: (ليس هناكَ مُخَالّة خليل فيصفحَ عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمُخَالَّته، بل هناك العدلُ والقسط).
والخلال جمع خلة، والمقصود أنه لا ينفعُ أحدًا بيعٌ ولا فدية ولو كانَ بملء الأرض ذهبًا لو وجده، وكذلكَ لا ينفعهُ صداقة أحد ولا شفاعة أحد يوم القيامة إذا لقي الله كافرًا. قال القاسمي:({مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ} وهو يوم القيامة {لَا بَيْعٌ فِيهِ} أي: ليتداركَ به التقصير، أو يفتدي به {وَلَا خِلَالٌ} أي: مخالة. مصدر بمعنى المصاحبة، أي لا مفاداة فيه ولا خلة أحد بمغنية شيئًا من شفاعة أو مسامحة بمال يفتدى به).
تَعْريفٌ من الله تعالى عباده بعض نعمه الكبيرة عليهم، كنعمة خلق ما في السماوات وما في الأرض، فالملائكةُ مسخرون لما ينفع العباد، وكذلكَ الأفلاكُ والمجرات، وجعل السماء سقفًا محفوظًا، وجعل الأرض فراشًا مبسوطًا، وأنزل من السماء الماء لحياة عباده وثمارهم وزروعهم ودوابهم، وسخّر السفن تجري بتيارات الهواء والماء في البحار لأسفارهم ومعاشهم ومنافعهم، وشقّ الأنهار تعبر الأقطار والأرجاء يشرب منها الناسُ والدواب والأشجار رحمة بهم، لعل في عرض بعض هذه النعم عبرة لهم لشكره سبحانه وتعظيمهِ حق التعظيم.
وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} .
متابعة في بَسْط النعم الجليلة التي ينتفع بها العبادُ صباح مساء. قال القرطبي: ({وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} أي في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، والدُّؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية. وقيل: دائبين في السير امتثالًا لأمر الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران. {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} أي: لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار).
قلت: وفي تعاقب الليل والنهار وحركة الشمس والقمر مواسم للتوبة والاستغفار فيها خيرٌ كبيرٌ.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54].
2 -
وقال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40].
3 -
وقال تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص: 73].
4 -
وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 61، 62].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق مفهوم الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنَّ الله تعالى يَبْسُطُ يدَهُ بالليل ليتوبَ مُسيءُ النّهار، ويَبْسُطُ يدهُ بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل حتى تطلعَ الشمسُ مِنْ مَغْرِبها](1).
الحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (2759)، كتاب التوبة. باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة.
[من تابَ قبلَ أَنْ تطلعَ الشمسُ من مَغْرِبها تابَ اللهُ عَليهِ](1).
وقوله: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} .
قال مجاهد: (من كل ما سألتموه ورغبتم إليه فيه). وقال رُكانة بن هاشم: (ما سألتموه وما لم تسألوه). وقال الضحاك: (يقول: أعطاكم أشياء ما طلبتموها، ولا سألتموها، صدق اللهُ كم من شيء أعطاناهُ الله ما سألناه إياه، ولا خطر لنا على بال).
قال النسفي: ("من" للتبعيض" أي أتاكم بعض جميع ما سألتموه، أو وآتاكم من كل شيء سألتموه وما لم تسألوه، فما موصولة، والجملة صلة لها).
وقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} .
إخبار الله تعالى عبادهُ عن عجزهم عن القيام بحق شكره، إذ هم عاجزون عن إحصاء نعمه عليهم وفضله وإحسانه لهم، بل غالب حال الإنسان غفلة وظلم وجهل ونسيان للنعيم وحق المنعم جلّ ذكره.
قال طلق بن حبيب: (إنَّ حقّ الله أثقل من أن تقوم بهِ العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبِحوا تَوَّابين وأمسُوا توَّابين).
وفي صحيح السنة العطرة من آفاق معنى هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: [والذي نفسي بيده! لَتُسْأَلُنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم](2).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لَنْ يُنْجِيَ أحدًا مِنكم عملُهُ، ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللهُ برحمته، ولكن سدّدوا وقاربوا واغْدُوا وَرُوحوا، وشيءٌ من الدُّلجَةِ، والقصدَ القَصْدَ تَبْلُغوا](3).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي أمامة: [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (2703)، كتاب الذكر والدعاء، باب استجاب الاستغفار والاستكثار منه.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2038) - كتاب الأشربة - وهو جزء من حديث طويل.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (6463)، وانظر (5673)، ورواه مسلم (2816)، (2817).
رفع مائدته قال: الحمدُ للهِ كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيهِ، غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مُوَدَّعٍ ولا مُسْتَغْنَىً عَنْهُ ربَّنا] (1).
وفي رواية: [الحمدُ للهِ الذي كفانا وأرْوانا، غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مَكْفُور].
35 -
41. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)}.
في هذه الآيات: دعوة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربه بجعل البلد الحرامِ آمنًا، وتجنيبه وولده عبادة الأصنام، وبجعل أفئدة من الناس تهوي قلوبهم قصد مكة، وبِبَسْطِ الرزق عليهم من كل مكان. واستجابة الله دعاءه وإكرامه بإسماعيل وإسحاق في ذريته من الصالحين. وببلوغ دعائه إلى جميع المؤمنين.
فعن مجاهد: ({وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} قال: فاستجابَ اللهُ لإبراهيم دعوته في ولده، قال: فلم يعبد أحد من ولده صنمًا بعد دعوته. والصنم: التمثال المصوّر، ما لم يكن صنمًا فهو وثن، قال: واستجاب اللهُ له، وجعل هذا البلدَ آمنًا، ورزق أهله من الثمرات، وجعلهُ إمامًا، وجعلَ من ذُرِّيَتِهِ يقيم الصلاة، وتقبّل دعاءه، فأراهُ مناسِكَهُ، وتابَ عليه).
وقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} . يعني الأصنام. قاله قتادة، وقال أيضًا:
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (5458)، كتاب الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه. وانظر (5459) للرواية الأخرى.
(يعني الأوثان). قال ابن جرير: (يقول: يا ربّ إنّ الأصنامَ أضللن، يقول: أزلن كثيرًا من الناس عن طريق الهُدى وسبيلِ الحق حتى عبدوهنّ، وكفروا بك).
وقوله: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
قال النسفي: (فمن تبعني على ملتي وكان حنيفًا مسلمًا مثلي {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي {وَمَنْ عَصَانِي} فيما دون الشرك {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} - أو ومن عصاني عصيان شرك - فإنك غفور رحيم إن تاب وآمن).
وعن قتادة: ({فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال: اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم، لا والله ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين، وكان يقال: إنَّ من أشرّ عباد الله كلَّ طعان لعّان، قال نبي الله ابن مريم عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وقول عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، ورفع يديه، قال: "اللهم أمتي، اللهم أمّتي". وبكى، فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد - وربُّكَ أعلم - وسَله ما يُبكيك؟ فأتاهُ جبريل عليه السلام فسألهُ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال. فقال الله: اذهب إلى محمد: فقل لهُ: إنا سنرضيكَ في أمتك ولا نسوؤك](1).
وقوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} - الآية.
قال ابن كثير: (وهذا يدل على أن هذا دعاء ثانٍ بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولّى عن هاجر وولدها، وذلكَ قبلَ بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه، تأكيدًا ورغبةً إلى الله عز وجل.
قال قتادة: ({غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}، قال: مكة لم يكن بها زرع يومئذ). وقال: ({عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}، وإنه بيتٌ طهَّره الله من السُّوء، وجعله قبلة، وجعله حَرَمه (2)، اختاره نبيُّ الله إبراهيم لولده). قال ابن عباس:(أسكن إسماعيل وأمه مكة).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (202) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وأخرجه ابن حبان (7234)، والطبري في "التفسير"(20841).
(2)
مفهوم المحرّم: أي من استحلال حرمات الله فيه، والاستخفاف بحقه.
وقوله: {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} . قال ابن جرير: (يقول: فعلت ذلكَ يا ربنا كي تؤدّى فرائضكَ من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرّم).
وقوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} - تتمة الدعاء، وكانت الإجابة بتشريع الحج.
قال مجاهد: (لو قال أفئدة الناس تهوي إليهم، لازدحمت عليهم فارس والروم).
وقال عكرمة وعطاء وطاووس: (البيت تهوي إليهِ قلوبهم يأتونه). وقالوا: (الحج - هواهم إلى مكة أن يحجوا). وقال ابن عباس: (إن إبراهيم خليل الرحمن، سأل الله أن يجعل أناسًا من الناس يهوَوْن سكنى أو سكن مكة).
والخلاصة: لقد استجاب الله تعالى دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام، فشرع الحج، وشرع العمرة، يَستهوي ذلك قلوب المسلمين إلى تلك الديار فتنزع إليها.
وقوله: {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} .
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التي هي ذوات المياه والأنهار، وإن كنتَ أسكنتهم واديًا غير ذي زرع ولا ماء، فرزقهم الله جلّ ثناؤه ذلك).
وفي التنزيل: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص: 57].
وقوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} .
قال ابن عباس ومقاتل: (تعلم جميع ما أخفيه وما أعلنه من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أُسْكِنَا بوادٍ غير ذي زرع).
وقيل: قوله: {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} - هو قول إبراهيم. وقيل هو من قول الله تعالى.
وقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} . ثناء على الله تعالى من إبراهيم عليه السلام وشكر له على إجابته دعوته فيما سأله من الولد، وقد رزقه الله ما رزقه من الولد بعد الكِبَر رحمة منه وآية من لدنه، واللهُ
سميع الدعاء مجيب لعباده قريب منهم ويزيدهم من نعمه كلما شكروا له واستقاموا على دينه.
ففي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
2 -
وقال تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65].
3 -
وقال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلكَ أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[تعوّذوا بالله من جهد البلاء، ودَرْك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء](2).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحبُّ الجوامعَ من الدعاء، ويدعُ ما سِوَى ذلكَ](3).
الحديث الرابع: أخرجَ الترمذي بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [دعوة ذي النون إذْ دعا ربَّه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانكَ إني كنتُ من الظالمين، فإنه لم يَدْعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجابَ له](4).
(1) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (298)، كتاب الصلاة، باب الدعاء في السجود.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4/ 256)، وأخرجه مسلم (8/ 76)، وغيرهما.
(3)
إسناده جيد. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (1332)، وتخريج المشكاة (2246)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (4825).
(4)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (3505). انظر صحيح سنن الترمذي (2785)، وكذلكَ صحيح الجامع (2602) لرواية الحاكم.
ورواه الحاكم بلفظ: [ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كَرْبٌ، أو بلاءٌ، من أمر الدنيا دعا به فَفُرِّجَ عنه؟ دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانكَ إني كنتُ من الظالمين].
وقوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} .
متابعة الدعاء من إبراهيم عليه السلام: إذ سأل ربهُ أن يجعلهُ محافظًا على الصلاة مقيمًا لحدودها هو وذريته في ذلك، وأن يتقبل الله تعالى دعاءه في كل ما سألهُ.
وقوله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} .
قال ابن كثير: (وقرأ بعضهم {ولوالدي} على الإفراد. وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه، لما تَبَيَّن له عداوته لله عز وجل {وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، أي: كلّهم، {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} أي: يوم تحاسبُ عبادكَ فتجزيهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ).
42 -
46. قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)}.
في هذه الآيات: خِطَابُ الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم مسليًا له بأنه - جلت عظمته - غير غافل عن مكر الظالمين، إنما يؤخرهم ليوم المذلة والخزي الذي سيحيط بهم صاغرين. فأنذر الناس - يا محمد - عذاب ذلك اليوم الذي تنزل به الندامة بالمجرمين، الذين يصدون عن سبيل الله ولم يعتبروا بمصير من قبلهم من الماكرين.
فقوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} .
قال ميمون بن مِهران: (هي وعيد للظالم وتعزية للمظلوم). والآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تحسَبَنَّ - يا محمد - الله ساهيًا عن أعمال هؤلاء المشركين من قومك، بل هو عالم بها وإنما يجازيهم بها في يوم كتب فيه مجازاتهم بها، وهو يوم الحساب. قال قتادة:({إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} قال: شخصت فيه والله أبصارهم، فلا ترتدّ إليهم).
قال القرطبي: ({لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} أي: لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم).
وقوله: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} . أي: مسرعين رافعي رؤوسهم.
قال النسفي: ({مُهْطِعِينَ} مسرعين إلى الداعي {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} رافعيها).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} [القمر: 8].
2 -
وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108].
وفي لغة العرب: أهطع الرجلُ إذا مدّ عُنقه وصَوّب رأسه، وأهْطَعَ في عَدْوِه إذا أسرع. ومنه قول الضحاك:({مُهْطِعِينَ}، قال: شدَّة النظر الذي لا يطرف). قال ابن جرير: (والإهطاع في كلام العرب بمعنى الإسراع أشهر منه بمعنى إدامة النظر).
وعن ابن عباس: ({مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ}، قال: الإقناع: رفع رؤوسهم).
وقال قتادة: (المقنع الذي يرفع رأسه شاخصًا بصره لا يطرف).
وقوله: {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} . أي: لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، بل أبصارهم طائرة شاخصة، لشدة ما هم فيه من الهول والفِكرةِ والمخافة لما سينزل بهم.
وقوله: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} . قال ابن عباس: (ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة). وقال مرّة: (متخرقة لا تعي شيئًا). وقال مجاهد: (ليس من الخير شيء في أفئدتهم، كقولك للبيت الذي ليس فيه شيء إنما هو هواء). وقال ابن زيد: (الأفئدة: القلوب هواء كما قال الله، ليس فيها عقل ولا منفعة). وقال قتادة: ({وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}
انتزعت حتى صارت في حناجرهم لا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أمكنتها).
والراجح: أن المقصود خلو القلوب من العقل والخير من هول المشهد، حتى تصبح خاوية من الخير كالخراب.
أي: أنذر الناس يا محمد يوم حلول العذاب في القيامة، فيقول الذين كفروا بربهم وكذبوا نبوتك: ربنا أخّر عنا عذابك وأمهلنا لفرصة أخرى نجبْ دعوة الحق فَنَصْدُقَك الإيمان ونصدّق المرسلين ونتابع دعوتهم.
قال مجاهد: ({فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} قال: مدّة يعملون فيها من الدنيا).
وقوله: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} . أي: أو ما حلفتم أنه لا معاد ولا جزاء.
قال مجاهد: ({مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}، أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة). وقال: (هو قسم قريش أنهم لا يبعثون).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12].
2 -
وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27، 28].
3 -
وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99، 100].
4 -
وقال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10].
ومن كنوز صحيح السنة في مفهوم الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم -
قال: [يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنتَ مُفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أرَدْتُ مِنْكَ أهونَ من هذا وأنت في صُلْبِ آدم: أن لا تشرك ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك](1).
وفي لفظ: [فيقال له: كذبتَ، وقد سُئِلت ما هو أيسرُ من ذلك].
وفي رواية: فيؤمر به إلى النار).
وقوله: "كَذَبْتَ". قال النووي: (معناهُ لو رددناكَ إلى الدنيا لما افتديت لأنك سئلت أيسر من ذلك، فأبيت، فيكون من معنى قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، وبهذا يجتمعُ معنى هذا الحديث مع قوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ}).
الحديث الثاني: أخرج الإمام الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[يؤتى بالعَبْدِ يَوْمَ القِيامةِ فيقولُ لهُ: ألمْ أَجعَلْ لكَ سَمْعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخَّرت لك الأنعام والحرث، وتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول: اليومَ أَنْساكَ كَمَا نَسيتني](2).
قال أبو عيسى: (ومعنى قوله: "اليوم أنساكَ كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسّر بعض أهل العلم هذه الآية: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} [الأعراف: 51]. قالوا: معناه اليوم نتركهم في العذاب).
وقوله تعالى: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} .
قال ابن زيد: (سكنوا في قراهم مدين والحجر والقرى التي عذّب الله أهلها، وتبيَّن لكم كيف فعل الله بهم، وضرب لهم الأمثال). وقال مجاهد: ({الْأَمْثَالَ}: الأشباه).
قال القاسمي: ({وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} كعاد وثمود {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2805)، كتاب صفات المنافقين، باب طلب الكفار الفداء بملء الأرض ذهبًا. ورواه البخاري (2/ 333)، (4/ 239 - 242)، وأخرجه أحمد (3/ 127 - 129).
(2)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (2558)، أبواب صفة القيامة. انظر صحيح سنن الترمذي (1978).
وما تواترَ عندكم من أخبارهم {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم. أي ومع ذلك فلم يكن لكم فيهم معتبر ولا مزدجر).
قلت: وفي الآية تقريع لأولئك الظالمين في سكناهم أماكن دمار الأمم التي أنزل اللهُ بها عذابهُ - وهو معنى لم أجد من المفسرين من لفت إليه - وهو من صُلب السنة الصحيحة. وفي ذلكَ حديثان.
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابهِ - يعني لما وصلوا الحِجْر: وهي ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا تُصيبُكم ما أصابهم](1). وفي لفظ لمسلم: (ثم قَنَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي). وفي لفظ للبخاري: (ثم تَقَنَّعَ بردائه وهو على الرّحل).
الحديث الثاني: أخرج مسلم عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره: [أن الناسَ نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرضِ ثمود فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُهريقوا ما استقوا، ويَعْلِفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة](2).
قال ابن القيم في "زاد المعاد"(3/ 560): (ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود، لا يجوز شُربهُ، ولا الطبخُ منهُ، ولا العجينُ بهِ، ولا الطهارةُ بهِ، ويجوزُ أن يُسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة. قال: ومنها: أنَّ من مرَّ بديار المغضوب عليهم والمعذبين، لم ينبغ له أن يدخُلَها، ولا يُقيمَ بها، بل يُسرع السير، ويتقنّع بثوبه حتى يجاوزَها، ولا يدخل عليهم إلا باكيًا معتبرًا).
وقوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} - له تأويلان:
1 -
قال ابن عباس: (ما كان مكرهم لتزول منه الجبال). وكان الحسن يقول: (وإن
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (3381)، كتاب الأنبياء، ومسلم (2980)، وأخرجه أحمد في المسند (2/ 9 - 58).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2980)، كتاب الزهد والرقائق، وانظر صحيح البخاري (3381).
كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال). فوجّهوا "إنْ" بمعنى "ما" أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه.
2 -
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:({وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}، يقول شركهم، كقوله {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 90، 91]).
وعن شِمر، عن عليّ قال:(الغدر: مكر، والمكر: كفر).
قال القاسمي: ({وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ} أي بالنبي صلوات الله عليه " {مَكْرَهُمْ} أي العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل {وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي جزاء مكرهم {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ} أي في العظم والشدة {لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} أي مُسَوّىً ومُعَدًّا لإزالة الجبال عن مقارّها، لتناهي شدته).
قلت: والمعنى الثاني هو الراجح في مفهوم هذه الآية، وهو الأنسب للسياق.
47 -
52. قوله تعالى: {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)}.
في هذه الآيات: متابعة الله خطابه لنبيهِ يَعِدُهُ بالنصر المبين. ويَنْعَتُ لهُ يومَ تُبدل السماوات والأرض حال المجرمين. وقد صُفِّدوا بالأغلال وسرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم نار الجحيم. ليجزي الله بعدله الصادقين والكاذبين. إنما هذا بلاغ للناس من الله رب العالمين.
فقوله: {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} - تثبيت من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وتسلية له عما يلقاه من تكذيب قومهِ وعنادهم وجحود نبوَّته عليه الصلاة والسلام.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} . قال ابن جرير: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} : لا يمانع منه
شيء أراد عقوبته، قادر على كل من طلبه، لا يفوته بالهرب منه. {ذُو انْتِقَامٍ} ممن كفر برسله وكذّبهم، وجحد نبوَّتهم، وأشرك به واتخذ معه إلهًا غَيْره).
وقوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} .
قال القاسمي: (وذلكَ أن تسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوَّى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وتبدل السماوات بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابًا).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث.
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ عَفراءَ، كقُرصة النَّقِيّ، ليس فيها مَعْلَم لأحد](1).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه، وأحمد في مسنده، عن مسروق، عن عائشة، أنها قالت:[أنا أوّل الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، قالت: قلت: أينَ الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: على الصراط](2)
وفي رواية: (هم في الظلمة دون الجسر).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [كنتُ قائمًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهُ حَبْرٌ من أحبارِ اليهود، فقال: السلامُ عليكَ يا محمد. فدفعتهُ دَفعةً كاد يُصرعُ منها، فقال: لِمَ تدفعُني؟ فقلتُ: ألا تقول: يا رسول الله؟ ! فقال اليهودي: إنَّما ندعُوهُ باسمهِ الذي سمَّاهُ بهِ أهلُه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اسمي محمدٌ الذي سمّاني به أهلي. فقال اليهودي: جئتُ أسألكَ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينفعكَ شيءٌ إن حَدَّثتُكَ؟ فقال: أسمعُ بأذني. فنكتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعودٍ معهُ، فقال: سَلْ. فقال اليهودي: أينَ يكونُ الناس حين تُبدلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في الظلمة دون الجسر. قال: فمن أَوَّل الناس إجازةً؟ قال: فقال
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6521)، ومسلم (2790)، وابن حبان (7320).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2791)، والترمذي في الجامع (3121)، وابن ماجه في السنن (4279)، وأحمد في المسند (6/ 35).
فقراء المهاجرين. قال اليهودي: فما تُحْفَتُهُم حينَ يدخلونَ الجنة؟ قال: زيادة كبدِ الحوت. قال: فما غِذاؤُهم في أثرها؟ قال: يُنْحَر لهم ثورُ الجنةِ الذي كانَ يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عينٍ فيها تسمّى سلسبيلا. قال: صدقت. قال: وجئتُ أسألكَ عن شيء لا يعلَمه أحدٌ من أهلِ الأرض إلا نبيٌّ أو رجلٌ أو رجلان؟ قال: ينفعكَ إن حدَّثتك؟ قال: أسمعُ بأذني. قال: جئتُ أسألكَ عن الولد. قال: ماء الرجل أبيضُ وماء المرأة أصفرُ. فإذا اجتمعا فَعَلا مَنِيُّ الرجل مَنِيَّ المرأة أذْكَرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة منيَّ الرجل أنَّثَا بإذن الله. قال اليهودي: لقد صَدَقْتَ، وإنكَ لنبيٌّ. ثم انصرف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علمٌ بشيءٍ منهُ، حتى أتاني اللهُ به] (1).
وقوله: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} .
قال ابن كثير: (أي: خرجتِ الخلائق جميعُها من قبورهم لله {الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي: الذي قَهَرَ كل شيء وغَلَبَهُ، ودانت لهُ الرقابُ، وخضعت له الألبابُ).
وقوله تعالى: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} .
قال ابن عباس: (قوله: {مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} يقول: في وثاق). وقال الضحاك (الأصفاد: السلاسل). وقال قتادة: (مقرّنين في القيود والأغلال).
والأصفاد: جمع صَفَد، وهو القيد. قال الأعمش:(الصفد: القيد).
وقال ابن زيد: (صفدت فيها أيديهم وأرجلهم ورقابهم، والأصفاد: الأغلال).
والخلاصة: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وتبرز الخلائق جميعًا من قبورها لديّانها، ترى - يا محمد - يومئذ المجرمين - الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم ومحاربة الرسل والدين الحق وأهله - مشدودين بالأغلال والقيود بعضهم إلى بعض، وقد جُمع يومئذ بين الأصناف المتماثلة والأشباه والنظراء من كل صنف وزوج من أهل الكفر والبغي والفساد في الأرض في صورة من الذل والهوان والخزي في عرصات القيامة.
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (315)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (7422)، وأخرجه البيهقي في "البعث"(315).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22، 23].
2 -
وقال تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7].
3 -
وقال تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 37، 38].
4 -
وقال تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 13].
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينةِ الخبال](1).
وقوله: {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} . أي: ثيابهم وقمصهم من كثرة ما طليت بهناء الإبل الذي هو سائل أسود اللون منتن الريح يسرعُ فيه اشتعال النار صار كالسرابيل وغلب على لباسهم. وقَطِرَان وقَطْرَان وقِطْران ثلاث لغات. ومن قرأها "قَطْرٍ آنٍ" فسّره بالنحاس المذاب.
قال الحسن: ({مِنْ قَطِرَانٍ} يعني: الخَضْخَاض هِناء الإبل). وقال ابن عباس: ({مِنْ قَطِرَانٍ} نحاس). وعن الربيع بن أنس: (من قَطْرٍ آنٍ" قال القطر: النحاس، والآن: يقول: قد أنى حرّه، وذلكَ أنه يقول: حميمٌ آن). وقال سعيد: (والآن: الذي قد انتهى حرّه).
وعن ابن عباس: (من قَطْرٍ آنٍ" قال: هو النحاس المذاب).
قلت: وسواء المراد هِناء الإبل، أو النحاس المذاب فإنهُ لباس ألصق شيء بالنار، فبئس اللباس الذي جعلهُ اللهُ لباس المجرمين في النار.
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي بسند حسن من حديث ابن عمرو. انظر صحيح سنن الترمذي (2025)، وتخريج "مشكاة المصابيح"(5112)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (7896).
قال النسفي: ({سَرَابِيلُهُمْ} قمصهم {مِنْ قَطِرَانٍ} هو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الحربى فيحرق الجرب بحدته وحره، ومن شأنهِ أن يسرع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنهُ ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة، نعوذ باللهِ من سخطهِ وعذابه).
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أربعٌ من أمرِ الجاهليةِ لا يُتركن: الفخر بالأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحة، والنائحةُ إذا لم تَتُبْ قبل موتها تقام يوم القيامةِ وعليها سربالٌ من قطران ودِرْعٌ من جَرَبٍ](1).
وقوله: {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} - كقوله: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [المؤمنون: 104]. أي: تضرب النار وجوههم فتعلوها باشتعالها، قال القاسمي:(وتخصيص الوجوه لكونها أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ولذلكَ قال: {تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 7]، ولكونها مجمع الحواس التي خلقت لإدراكِ الحق، وقد أعرضوا عنه، ولم يستعملوها في تدبره. كما أن الفؤاد أشرف الأعضاء الباطنة ومحل المعرفة، وقد ملؤوها بالجهالات. أفاده الزمخشري وأبو السعود) انتهى. قلت: وحكى نحوه النسفي في تفسيره.
وقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
أي: ليجزي الله يوم الحساب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وما حسابه لجميع عباده إلا أسرع من لمح البصر، إذ لا تخفى عليه خافية من أعمالهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حسابه سريع مجيئهُ. قال ابن كثير: ({لِيَجْزِيَ اللَّهُ} أي: يوم القيامة، كما قال:{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31]. {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، يحتملُ أن يكون كقوله تعالى:{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1]، ويحتمل أنه في حال محاسبتهِ لعبده
(1) حديث صحيح: أخرجه مسلم (934)، وأحمد (5/ 342 - 344)، وابن حبان (3143)، وأخرجه البيهقي (4/ 63) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
سريعُ النّجاز، لأنه يعلم كلّ شيء؛ ولا يخفى عليه خافية، وإن جميعَ الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم. كقوله تعالى:{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28]، وهذا معنى قول مجاهد:{سَرِيعُ الْحِسَابِ} إحصاءً. ويحتمل أن يكون المعنيان مُرادَين، واللهُ أعلم).
أي: هذا القرآن وما فيهِ من وعد ووعيد بلاغ لجميع الناس، كفاية في التذكير والموعظة، لينتفعوا بعظاته ويتعظوا بنذارته، وليوقنوا أنما إلههم إله واحد فيفردوه بالتعظيم والألوهية، وإنما يتذكر وينتفع بالذكرى أولو العقول والنهى.
قال ابن زيد: ({هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ}، قال: القرآن: {وَلِيُنْذَرُوا بِهِ}، قال بالقرآن).
أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبشروا أبشروا، أليسَ تشهدونَ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآنَ سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسّكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا]. (1)
تم تفسير سورة إبراهيم
بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
° ° °
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(12/ 165)، ورواه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند"(58/ 1)، وابن نصر في "قيام الليل"(74)، وسنده صحيح على شرط مسلم. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (713).