المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ منهاج السورة - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٤

[مأمون حموش]

الفصل: ‌ منهاج السورة

‌12 - سُوْرَةُ يُوْسُفَ

وهي سورة مكية كلها. وقال ابن عباس وقتادة: (إلا أربع آيات منها). وعدد آياتها (111).

أخرج الحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه، عن سعد بن أبي وقاص قال:[أنزل الله القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا! فأنزل الله: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِيْنِ} - إلى قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} - الآية. فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا! فأنزل الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} الآية](1).

‌موضوع السورة

قصة يوسف عليه الصلاة والسلام

- منهاج الشباب المؤمنين، في التقوى والعفاف والصبر والتمكين -.

-‌

‌ منهاج السورة

-

1 -

انتصار الله لكتابه الكريم، فهو القرآن العربي المبين، فيه أحسن القصص لقوم يعقلون.

(1) صحيح الإسناد. أخرجه الحاكم (2/ 345)، والواحدي (544) من حديث سعد، وابن راهويه كما في "المطالب العالية"، وأخرجه ابن جرير، وابن حبان، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وانظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة يوسف، آية (3).

ص: 106

2 -

ابتداء قصة يوسف عليه السلام برؤيا رآها فقصّها على أبيه، فيها بشائر العز والتمكين.

3 -

اصطفاء الله تعالى يوسف صلى الله عليه وسلم وتعليمه تأويل الأحاديث، واختصاصه كآبائه بالنبوة.

4 -

في خبر يوسف مع إخوته الكثير من الفوائد والعبر. ذِكْرُ تخطيط الإخوة لقتل يوسف أو إلقائه في البئر يلتقطه بعض المسافرين.

5 -

توطئة إخوة يوسف لأبيهم لإرسال يوسف معهم، وخشية الوالد على ولده الضياع أو الذئب، وتأكيد الإخوة الحرص عليه، وَوَحْيُ الله ليوسف وهم لا يشعرون.

6 -

رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون، وقصة القميص والدم الكذب عليه.

7 -

ورود بعض السيارة إلى البئر، وأخذهم يوسف، وشراء الوزير له بمصر، وتمكين الله يوسف وإعطاؤه العلم والحكمة والله يجزي المحسنين.

8 -

محاولة امرأة العزيز إغراء يوسف، واستحياء يوسف من الله العلي العظيم.

9 -

مسابقة امرأة العزيز يوسف إلى الباب وتمزيقها قميصه، وشهادة الشاهد من أهلها، وبراءة يوسف من كيدهن إن كيدهن عظيم.

10 -

إشاعة الخبر بمصر، وتكلم بعض نساء الأمراء والكبراء يَعبْنَ على امرأة الوزير ما صدر منها، ومقابلة ذلك من امرأة العزيز بمائدة المكر، وتهديدها يوسف بالسجن، ولجوء يوسف عليه السلام إلى الله.

11 -

دخول يوسف السجن، وقصة يوسف مع ساقي الملك وخبازه.

12 -

دعوة يوسف صاحبيه لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وتأويله الرؤيا لهما بما أوتيه من توفيق الله الحكيم.

13 -

وصية يوسف عليه السلام الذي ظن خروجه ذكر مظلمته عند سيده، فأنساه الشيطان فكان المكث في السجن بضع سنين.

14 -

خبر الرؤيا التي رآها الملك، وتذكّر الذي نجا يوسف لتأويلها بعد مضي السنين، وتأويل يوسف لرؤيا الملك بتوفيق الله العزيز الحكيم.

15 -

طلب الملك إحضار يوسف عند سماعه روائع التأويل، واعتذار يوسف حتى تظهر براءته، واعتراف امرأة العزيز، وإقرار النسوة ليوسف بالبراءة.

ص: 107

16 -

استخلاص الملك يوسف لنفسه وتمكين الله يوسف في الأرض.

17 -

مجيء إخوة يوسف أيام القحط، ومعرفة يوسف بهم، وطلبه إحضار أخيهم، وإعادته بضاعتهم في رحالهم.

18 -

رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم ومفاوضته لإرسال أخيهم معهم.

19 -

نصيحة يعقوب لبنيه الدخول من عدة أبواب خشية العين عليهم.

20 -

دخول إخوة يوسف على يوسف عليه السلام واختلاء يوسف بأخيه، واحتياله عليهم بقصة صواع الملك لإبقاء أخيه عنده.

21 -

تصريح إخوة يوسف تجاه الموقف باللمز بيوسف وتشبيه بنيامين به في صنيعه، وطعن يوسف بمقولتهم في نفسه، واستعطافهم له لإطلاق أخيهم، وإصرار يوسف على مقام العدل.

22 -

فَقْدُ إخوة يوسف الأمل بإطلاق أخيهم، ورجوعهم عدا كبيرهم الذي أصرَّ على وصول سماح والده قبل رجوعه.

23 -

تلقّي يعقوب الخبر بالتشكيك برواية أولاده، وتذكر يوسف مع شدة الحزن، وعودة إخوة يوسف إلى مصر راجين عفوه حتى كشفت لهم الحقيقة، وإعطاء يوسف القميص لإخوته ليلقوه على وجه أبيهم ليرتد بصيرًا بإذن الله.

24 -

شعور يعقوب عليه السلام بريح يوسف، وتصديق الشعور بإلقاء البشير القميص على وجهه وعودته بصيرًا، واعتراف الأبناء بخطئهم واستغفار الوالد لهم، ثم قدوم المركب إلى يوسف وتفاصيل الاستقبال المهيب.

25 -

التجاء يوسف إلى ربه بالدعاء، بعد تمام نعمته تعالى عليه.

26 -

إخبار الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم بهذا القصص من الغيب تثبيتًا له عما يلقاه من أذى قومه والعاقبة للمتقين.

27 -

أكثر الناس لا يفيدون من آيات الله، بل يعيشون مستكبرين مشركين.

28 -

التأكيد على لزوم منهاج النبوة في الدعوة إلى الله، والصبر على الأذى.

29 -

التأكيد على النصر والتمكين للرسل وأتباعهم في نهاية طريق الجهاد والصبر.

30 -

الاعتبار بقصص القرآن، ففيها عبرة لأولي الألباب، وتأكيد على ثوابت المنهج، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.

ص: 108

بسم الله الرحمن الرحيم

1 -

3. قوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)}.

في هذه الآياتِ: انْتِصارٌ من الله تعالى لهذا الكتاب المبين، فهو القرآن العربي المعجز لقوم يعقلون، وفيه يقصّ الله سبحانه خير القصص على نبيه صلى الله عليه وسلم ما كان يعلمها - لتكون له عونًا في سبيل دعوته، ومجاهدة قومه، وليصبر والعاقبة للصابرين.

فقوله: {الر} - هو شأن ما سبقه من الحروف المقطعة التي وردت أوائل بعض السور. وخلاصة القول فيها: هذا القرآن من جنس هذه الأحرف العربية التي تتكلمون وتتخاطبون بها، ولكنه يتألق بإعجازه ليعلو كل كلام للبشر، ولا يرقى كلام أحد له بحال من الأحوال.

وقوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} .

تَأْكيدٌ لما سبق ذكره من آفاق معاني تلك الحروف، وانْتِصارٌ لهذا الكتاب العزيز المبين، فهو القرآن الواضح الجلي الذي يُفصح عن معاني الخلق ومغزى الحياة وخبر الماضي والحاضر والمستقبل، في إعجاز في البيان لا يُسْبَقُ ولا يُجارى.

وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .

قال ابن كثير: (وذلك لأن لغة العرب أفصَحُ اللغات وأبينُها وأوسعُها، وأكثرُها تأديةً للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أُنزِلَ أشرفُ الكُتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل، بسِفارة أشرَف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتُدئ إنزالُه في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمُلَ من كلِّ الوجوه).

ص: 109

وقوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} .

أي: نحن يا محمد نوحي إليك فنخبرك عن سيرة الأمم الماضية، وأخبار الأقوام السالفة مع رسلها، وإن كنت من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك لا تعلمه ولا تدري عن تفصيل ذلك.

فعن قتادة: ({نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ}، من الكتب الماضية، وأمور الله السالفة في الأمم).

أخرج ابن جرير والحاكم بسند صحيح من حديث سعد قال: [أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانًا فقالوا: لو قصصت علينا، فنزل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}](1).

قلت: وهذه الآية الكريمة هي في مدح القرآن الكريم، وأنه أصل العلوم والمعارف والأخبار الصحيحة، وفي ذلك إشارة إلى أن أي فكر لا يتأصل من هذا القرآن فهو فكر قاصر، وأي فلسفة كذلك مرفوضة، وأي قصص وحديث لا يوافق هذا القرآن فهو مرفوض، فمن القرآن الحكم وإليه المرجع مع صحيح السنة.

وفي تأصيل هذا المنهج أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله: [أن عمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي](2).

قلت: والتهوك كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير رؤية، والمتهوك الذي يقع في كل أمر.

الحديث الثاني: أخرج الطبراني والبيهقي بسند حسن لشواهده، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: [جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ

(1) حديث صحيح. أخرجه الطبري (12/ 150)، والواحدي (544)، والحاكم (2/ 345) وصححه ووافقه الذهبي، وله شواهد أخرى عند ابن جرير، وقد مضى بتمامه.

(2)

حديث حسن. انظر مسند أحمد (3/ 470 - 471)، وتخريج أحاديث "زاد المعاد"(3/ 232).

ص: 110

لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا. قال: فَسُرِّيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين] (1).

الحديث الثالث: أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا](2).

4 -

6. قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)}.

في هذه الآيات: ابتِدَاءُ قصة يوسف عليه الصلاة والسلام برؤيا رآها فقصها على أبيه، فيها بشائر العِزِّ له والقوة والتمكين، فحذَّره والده يعقوب عليه السلام مِنْ قَصِّها على إخوته لئلا يكيدوا له، فإن الشيطان للإنسان عدو مبين. إنّ ربك يصطفيك - يا يوسف - ويعلمك تأويل الأحاديث والأحلام ويختصك بالنبوة، كما اختص آباءك إبراهيم وإسحاق، إنه تعالى عليم حكيم.

(1) حسن لطرقه. أخرجه أحمد (4/ 266)، والطبراني كما في "المجمع"(1/ 173 - 174) ح (806). وورد من حديث جابر أخرجه البزار (124)، وأخرجه البيهقي في "الشعب"(5202)، و (5203)، وأخرجه أبو يعلى وغيرهم من طرق يقوي بعضها بعضًا.

(2)

حديث صحيح. رواه ابن أبي شيبة (12/ 165)، وأخرجه ابن نصر في "قيام الليل" (74) من طريق أخرى عن أبي خالد الأحمر به. قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 338): قلت: (وهذا سند صحيح على شرط مسلم)، وأورده فيها برقم (713).

ص: 111

فقوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} .

قال ابن عباس: (كانت الرؤيا فيهم وحيًا). وقال قتادة: (رأى أبويه وإخوته سجودًا له). وقال: (الكواكب إخوته، والشمس والقمر أبواه). وعن ابن جريجٍ: (قوله: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا}، إخوته {وَالشَّمْسَ}، أمه، {وَالْقَمَرَ}، أبوه).

فالآية إخبار من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن قصة أخيه يوسف عليه الصلاة والسلام مع أبيه يعقوب صلوات الله وسلامه عليه، وما كان من رؤيته لأحد عشر كوكبًا - والذين كانوا إخوته - أحد عشر رجلًا - والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه، فوقع تفسير هذه الرؤيا بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، والله تعالى أعلم. وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه، كما قال تعالى في آخر هذه السور:{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100].

وقد جاءت السنة الصحيحة بوفير الثناء وأعطره على يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، في ذرية عطرة اختصَّها الله تعالى بالنبوة:

الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [الكريم ابنُ الكريم ابنُ الكريم ابنُ الكريم، يوسف بنُ يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيم](1).

الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: [سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أكرمُ؟ قال: أكرمُهم عند الله أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألُك. قال: فأكرمُ الناس يوسف نبي الله، ابنُ نبي الله، ابن نبي الله، ابنِ خليل الله. قالوا: ليسَ عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم. قال: فخيارُكم في الجاهلية خيارُكم في الإسلام إذا فَقِهُوا](2).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (3390)، (4688) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه أحمد (2/ 96)، والبغوي في "شرح السنة"(3547).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (3353)، (3374)، (3383)، وأخرجه مسلم (2378)، (2526)، وأخرجه أحمد (2/ 257)، وابن حبان (92)، (636)، وغيرهم.

ص: 112

وقوله تعالى: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} .

قال ابن جرير: (قال يعقوب لابنه يوسف: {يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ}، هذه، {عَلَى إِخْوَتِكَ}، فيحسدوك، {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}، يقول: فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}، يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدوٌّ، قد أبان لهم عداوته وأظهرها. يقول: فاحذر الشيطان أن يغرِيَ إخوتك بك بالحسد منهم لك، إن أنت قصصت عليهم رؤياك).

وعن السدي قال: (نزل يعقوب الشأم، فكان همُّهُ يوسف وأخاه، فحسده إخوته لما رأوا حبَّ أبيه له. ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم ساجدين، فحدث أباه بها، فقال: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}، الآية).

قلت: وهذا النظر العميق من يعقوب عليه الصلاة والسلام يدل على سعة علم النبوة بطبيعة الناس، وكيف ينبغي التعامل معهم، وقد جاء ذلك في السنة الصحيحة، في أحاديث، منها:

الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[العين حق، ولو كان شيء سابقَ القدر سبقته العين، وإذا اسْتُغْسِلْتُم فاغسلوا](1).

الحديث الثاني: يروي الطبراني بسند صحيح لشواهده، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود](2).

الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [الرؤيا الصالحةُ من الله، والحُلْمُ من الشيطان، فمَنْ رأى شيئًا يَكرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عن شِمالِه ثلاثًا

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2118)، كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقي.

(2)

صحيح لطرقه. أخرجه الطبراني في المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، وأبو نعيم في "الحلية"(5/ 215)، (6/ 96)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(2/ 291/ 1)، وأخرجه ابن عدي في "الكامل"(182/ 1)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (1453).

ص: 113

وليتَعَوَّذ من الشيطان، فإنها لا تضرُّه، وإنّ الشيطان لا يتراءى بي] (1).

الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث أبي رزين العقيلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّر، فإذا عُبِّرتْ وَقَعَتْ](2).

قال ابن كثير - وقد أورد هذا الحديث -: (ومن هذا يؤخَذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجَد وتظهر).

الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند حسن عن الزبير بن العوام، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسدُ، والبغضاء هي الحالقة، وفي رواية: (الحسد والبغضاء، والبُغْضة هي الحالقة)، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يُثَبِّتُ ذاكُمْ لكم! أفشوا السلام بينكم](3).

وقوله: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} .

قال عكرمة: ({يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}، يصطفيك). وقال قتادة: (فاجتباه واصطفاه وعلّمه من عَبْر الأحاديث، وهو {تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}).

وقال مجاهد: ({وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}، قال: عبارة الرؤيا).

قلت: لقد أكرم الله يوسف وبعض إخوته الأنبياء بفهم تأويل الأحلام، من خلال وحي الله تعالى لهم، وأما سائر البشر من العلماء والصالحين فلا يصحّ ادعاء أحد منهم بتفسير الأحلام بدقة حدوثها في المستقبل، اللهم إلا الرؤيا الصالحة ودلالتها على المبشرات، والرؤيا المزعجة التي قد تكون من حديث النفس أو الشيطان، وعلى هذا المنهاج جاءت السنة الصحيحة:

الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (6995) - كتاب التعبير - وأخرجه مسلم، (2261) ح (1)، (3)، (4)، وأخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة"(899)، وأخرجه أحمد في المسند (5/ 303)، والدارمي (2/ 124).

(2)

حديث حسن. أخرجه أحمد (4/ 10)، وأبو داود (5020)، والترمذي (2278)، وابن ماجه (3914) من حديث أبي رزين العقيلي، وإسناده حسن.

(3)

حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (2038)، أبواب صفة القيامة.

ص: 114

قال: [الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزءٌ من سِتَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة](1).

ورواه من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [رؤيا المؤمن جزءٌ من ستةٍ وأربعين جُزءًا من النبوة].

الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [الرؤيا الصادقة من الله، والحُلْمُ من الشيطان](2).

وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:[إذا رأى أحدُكُم رُؤيا يُحِبُّها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليُحَدِّثْ بها، وإذا رأى غير ذلك مِمَّا يَكْرَه فإنَّما هي من الشيطان، فليستعِذْ من شَرِّها ولا يَذْكُرْها لأحد فإنها لا تَضُرُّه](3).

وله شاهد أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"(1/ 287 - 288) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا رأى أحدكم الرؤيا تعجبه فليذكرها، وليفسرها، وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوءه، فلا يذكرها، ولا يفسرها].

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن أبي شيبة في "المصنف" بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا:[الرؤيا ثلاث، فالبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي](4).

الحديث الرابع: أخرج البخاري في "التاريخ"، وابن ماجه في السنن، بإسناد صحيح، عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[الرؤيا ثلاث، منها أهاويلُ من الشيطان، لِيُحْزِنَ بها ابنَ آدم، ومنها ما يَهُمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامِه، ومنها جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة](5).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6983) - كتاب التعبير - باب رؤيا الصالحين، وانظر الحديث (6987) - باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (6984) - كتاب التعبير - باب الرؤيا من الله.

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (6985) - كتاب التعبير - باب الرؤيا من الله.

(4)

رجاله ثقات. أخرجه أحمد في المسند (2/ 395)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(12/ 193/ 2)، وعنه ابن ماجه (2/ 449). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (1341).

(5)

أخرجه البخاري في "التاريخ"(4/ 2/ 348)، وابن ماجه (2/ 450)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(12/ 193/ 2)، وابن حبان (1794)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (1870)، وقال الألباني:"وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".

ص: 115

وقوله: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .

أي: يتم الله تعالى نعمته على يوسف صلى الله عليه وسلم بالرسالة والاجتباء وتعليمه تأويل الأحاديث والأحلام، كما أتمها على أهل دين يعقوب وملته من ذريته الصالحين، ومن قبلهم باتخاذ إبراهيم خليلًا من بين المرسلين، وإسحاق نبيًا من المخلصين، أخلصه واختصه مع أبيه إبراهيم وابنه يعقوب بذكرى الدار الآخرة، إن ربك عليم بمواضع الفضل وأهل الاختصاص والاجتباء من عباده، حكيم في تقديره وتدبيره وتشريعه.

وفي التنزيل: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} [ص: 45 - 47].

7 -

10. قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)}.

في هذه الآيات: يخبر تعالى أن في قصة يوسف مع إخوته الكثير من الفوائد والدروس والعبر، فهم قابلوا حبّ أبيهم لأخيهم بالمكر والبغي والحسد، فكان التخطحط منهم لقتله أو إلقائه في بئر على الطريق يلتقطه بعض المسافرين، ثم اختاروا بعد التشاور آخر الأمرين.

فقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} .

قال ابن إسحاق: (إنما قصَّ الله تبارك وتعالى على محمد خبر يوسف، وبَغْيَ إخوته عليه، وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه، لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي قومه وحسده حين أكرمه الله عز وجل بنبوته، ليأتسي به).

ص: 116

والخلاصة: إن في قصة يوسف مع إخوته من العبر والدروس الكثيرة، لمن أراد الفائدة في البحث واستنباط المواعظ من تلك الأخبار.

وقوله تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .

قال السدي: ({إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا}: يعنون بنيامين. قالوا: وكانوا عشرة). وقال ابن زيد: ({وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}: العصبة، الجماعة). وقيل: العصبة العشرة فصاعدًا. والمراد: أنهم حلفوا فيما يظنون أن يوسف وبنيامين - وكان شقيقه لأمه - أحب إلى أبيهما منهم وهم جماعة.

وقوله: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . قال ابن جرير: (يعنون: إنّ أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله، في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة). وقال النسفي: (غلط في تدبير أمر الدنيا، ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا).

وقوله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} .

قال ابن كثير: (يقولون: هذا الذي يُزاحِمكم في مَحبّة أبيكم لكم أعدِموه من وجه أبيكم ليخلوَ لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تُلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتَخْتَلُوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من بعد إعدامِه قومًا صالحين. فأضمروا التوبة قبل الذنب).

قال السدي: ({وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}: تتوبون مما صنعتم، أو: من صنيعكم).

وقوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} .

قيل: قائل ذلك "روبيل"، ابن خالة يوسف. قال ابن إسحاق:(ذكر لي، والله أعلم، أن الذي قال ذلك منهم "روبيل"، الأكبر من بني يعقوب، وكان أقصدهم فيه رأيًا).

وقال قتادة: (ذكر لنا أنه روبيل، كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، فنهاهم

ص: 117

عن قتله). وقال مجاهد: (هو شمعون)، والله تعالى أعلم. و {غَيَابَتِ الْجُبِّ} ما غاب وأظلم من قعر البئر.

والخلاصة: إنه أشار عليهم بعدم قتل يوسف وإنما بإلقائه في قعر البئر، حيث يغيب خبره، يأخذه بعض المارة من المسافرين، إن كنتم عازمين على التخلص منه. ولا شك أن الله تعالى هو الذي صرفهم عن قتله لِما أراد له من النبوة والتمكين في بلاد مصر والحكم بها، وإحقاق بعض الآيات العظيمة في حياة خلقه. ولا شك أنهم أقدموا على عمل عظيم الإثم، من قطيعة الرحم وعقوق الوالد، والقسوة على الطفل الصغير ووالده العجوز إذ حرموه من محبوبه الصغير واستغلوا ضعفه وشيخوخته، وحرموا الطفل من حنان والده وقربه ورعايته.

وقد جاءت السنة الصحيحة بالترهيب من مثل هذه الأفعال، في أحاديث:

الحديث الأول: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ما من ذنب أجدرُ أن يُعَجَّلَ لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له، من البغي وقطيعة الرحم](1).

الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي بإسناد حسن، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [ثلاثة دعوات مستجابات لهن، لا شك فيهن: دعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالدين على ولدهما](2). وفي لفظ: [ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم].

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[مَنْ فَرَّقَ بين والدة وولدِها، فرَّق الله بينه وبين أحِبَّتهِ يوم القيامة](3).

قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: كرهوا التفريق بين السَّبي بين الوالدة وولدها، وبين الولد والوالد، وبين الإخوة).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(29)، باب عقوبةُ عقوق الوالدين. انظر:"صحيح الأدب المفرد"(23)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

(2)

حديث حسن. أخرجه أبو داود (1536)، والترمذي (2/ 256)، وابن ماجه (3862)، وغيرهم.

(3)

حديث صحيح. أخرجه الترمذي (1629) - باب في التفريق بين السَّبي - انظر صحيح الترمذي (1271)، ورواه أحمد والحاكم وغيرهم. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (6288).

ص: 118

11 -

15. قوله تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)}.

في هذه الآيات: توطئة إخوة يوسف لأبيهم بعدما بيّتوا أمرهم في إرساله معهم يتنزه ويلعب وهم له حافظون. وتردُّدِ والدهم أول الأمر خشية الذئب أو الضياع على ولده الغلام وهم عنه غافلون. وتأكيد الإخوة لأبيهم حرصهم على أخيهم وهم عصبة وإلَّا فهم خاسرون. وَوَحْيُ الله تعالى إلى يوسف حين علم مكرهم أنه تعالى سيجعل له من ذلك الضيق مَخرجًا، ونَصْرًا وفرجًا، وهم لا يشعرون.

فقوله تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} .

هو قول إخوة يوسف لأبيهم يعقوب عليه السلام بعد تواطئهم على أخذ يوسف وطرحه في البئر، فوطؤوا لوالدهم بهذه المقدمة ليصلوا إلى مرادهم وقد امتلأت قلوبهم بالحسد على يوسف لحب أبيه له. قال ابن جرير:({وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}، نَحُوطُهُ ونكلؤه).

وقوله: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} . قال ابن عباس: (يسعى وينشط). أو قال: (يلهو وينشط ويسعى). وقال الضحاك: (يتلهّى ويلعب).

وقراءة أبي عمرو: {نرتَعْ ونلعب} ، وقراءة أهل الكوفة {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} وهي الأشهر.

وقوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} - أي: نحفظه ونحوطه من أجلك فلا يناله سوء.

وقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} .

إِخْبارٌ من الله تعالى عن مشاعر يعقوب عليه السلام تجاه ما سأله أبناؤه من إرساله يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء، فإنه وجد أن ذلك يشق عليه لفرط محبته ليوسف

ص: 119

وما يتوسم فيه من المستقبل المزهر الذي يحتاج إلى رعاية قريبة، وكأنه يقرأ شمائل النبوة وهو يبصر في يوسف كمال الخَلْق والخُلُق، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى المرسلين أجمعين.

قال ابن كثير: ({وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ}، يقول: وأخشى أن تَشتَغلِوا عنه بِرَمْيِكُم وَرَعيَّتِكم فيأتيه ذئبٌ فيأكلَه، وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فَمِه هذه الكلمة، وجعلوها عُذْرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة: {لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ}، يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكَلَه من بيننا، ونحنُ جماعةٌ، إنا إذن لهالِكون عاجِزون).

وقوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .

قال القاسمي: ({فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} أي بعد مراجعة أبيهم في شأنه {وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} فيه تعظيم لما أزمعوا، إذ أخذوه ليكرموه، ويدخلوا السرور على أبيه، ومكروا ما مكروا).

وقال القرطبي: ({وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} دليل على نبوّته في ذلك الوقت).

قال مجاهد: (أوحى إلى يوسف وهو في الجُبُّ أنْ سينبئهم بما صنعوا، وهم لا يشعرون بذلك الوحي). وقال قتادة: ({وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} بإيحاء الله إليه).

وقال ابن عباس: (ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك).

والخلاصة: لقد أوحى الله إلى يوسف أثناء ذلك الضيق والمفاجأة بمكر إخوته به لِيُطَيِّبَ خاطره، ويثبت قلبه، وينزل اليسر على العسر، بأن الله جاعل له من هذا الضيق مَخرجًا، ومن ذلك المكر نَصْرًا وفَرجًا، وأنه سبحانه سيرفعه عليهم ويُعلي مقامه ومنزلته وسيخبرهم يومًا بما فعلوا وبما صَدَرَ منهم.

16 -

18. قوله تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا

ص: 120

صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)}.

في هذه الآيات: رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون. وقد ركّبوا رواية كاذبة في شأن فقدان يوسف بأن أكله الذئب وهم يلعبون. وجاؤوا بدم كذب على قميصه فأيقن الأب بمكرهم فاحتسب وصبر مستعينًا بالله على ما يصفون.

فقوله تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} - أي أقبلوا إلى أبيهم في ظلمة يبكون، ويظهرون الندم والأسف على فقدهم يوسف عليه الصلاة والسلام في حيلة كاذبة.

وقوله: {قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} .

قال النسفي: ({نَسْتَبِقُ} أي: نتسابق في العدو أو في الرمي). وقال ابن جرير: (ننتضل، من السباق).

وقال ابن كثير: ({إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نترامى).

وقال القاسمي: ({وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} أي ما يتمتع به من الثياب والأزواد وغيرهما ليحفظه). {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} أي كما حذرتَ).

وقوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} . قال السدي: ({وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}: بمصدق لنا).

وفيه تلطّف منهم في محاولتهم تثبيت ما زعموا. أي نحن نعلم أنك لن تصدقنا على هذه الحالة ولو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت غير واثق بما نقول، ونحن في موضع اتهام عندك في هذه القصة.

وقوله: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} - إذ غمسوا قميصه بدم معز كانوا ذبحوه.

قال مجاهد: (كان ذلك الدم كاذبًا، لم يكن دمَ يوسف). وقال ابن عباس: ({بِدَمٍ كَذِبٍ} بدم سخلة).

فلطخوا ثوب يوسف بدمها ليوهموا بذلك أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب. ولكنه فاتهم أن يخرقوه لتكتمل الرواية، فلم يرج صنيعهم على أبيهم يعقوب عليه السلام، وشعر في نفسه بمؤامرتهم وتمالئهم عليه فقال:

ص: 121

{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} - قال ابن عباس: (لما أتي يعقوب بقميص يوسف فلم ير فيه خرقًا قال: كذبتم، لو أكله السبع لخرق قميصه).

وعن قتادة: ({بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} قال: يقول: بل زيَّنَت لكم أنفسكم أمرًا).

وقال مجاهد: ({فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}: ليس فيه جزع) - أي صبر لا شكوى فيه. أي: سأصبر صبرًا جميلًا على هذا المصاب والمكر الذي اتفقتم عليه حتى يفرِّجه الله ويكشفه بلطفه ورحمته.

وقوله: {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} - أي: وأستعين بالله تعالى على ما بَيَّتُم من الخديعة وعلى ما تذكرون من الكذب والمحال.

وقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من جوامع الكلم في مفهوم الصبر والصبر الجميل:

الحديث الأول: أخرج البخاري من حديث عائشة - في قصة الإفك - قالت: [والله ما أجدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذْ قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}](1).

قال شيخ الإسلام رحمه الله: (الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه).

الحديث الثاني: أخرجه البيهقي بسند صحيح من حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمد الله وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه](2).

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح على شرط مسلم، عن صهيب قال: [بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (2661) - كتاب الشهادات، وأخرجه مسلم في الصحيح (2770)، في أثناء حديث طويل.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البيهقي، ونحوه الطيالسي (211) بإسناد صحيح، وله شاهد في مسند أحمد (6/ 16) وسنن الدارمي (2/ 318)، وأصل معناه في صحيح الإمام مسلم (8/ 227).

ص: 122

كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (1).

وله شاهد رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له](2).

19 -

22. قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)}.

في هذه الآيات: وُرُودُ بعض المارة يسقون من البئر، فاستبشروا بوجود غلام، واتفقوا على إخفاء ذلك عن أصحابهم بأنهم اشتروه من أهل الماء لئلا يشركوهم فيه، ثم باعوه بثمن زهيد ليستفيدوا من ثمنه قبل تدخل غيرهم. وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير بها وأوصى به امرأته، وقد أراد الله بذلك تمكين يوسف في الأرض، ثم آتاه الله العلم والحكمة - حين بلغ أشده - والله يجزي المحسنين.

قال قتادة: ({فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} يقال: أرسلوا رسولهم، فلما أدلى دلوه تشبث بها الغلام). أو قال: (فتشبث الغلام بالدلو، فلما خرج قال: {يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ}. قال: تباشروا به حين أخرجوه، - أو قال: بشرهم واردهم حين وجد يوسف - قال: وهي بئر بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانها).

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (6/ 16)، والدارمي (2/ 318)، وبنحوه روى مسلم المرفوع في صحيحه (8/ 227)، وهو رواية لأحمد (4/ 332)(6/ 15)، وسنده صحيح على شرط مسلم.

(2)

حديث صحيح. رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (5/ 24)، وأبو يعلى (200/ 2)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (148).

ص: 123

وقوله: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} - فيه أقوال:

1 -

قال مجاهد: ({وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً}، قال: صاحب الدلو ومن معه، قالوا لأصحابهم: إنما استبضعناه، خيفة أن يشركوهم فيه إن علموا بثمنه).

2 -

قال السدي: (لما اشتراه الرجلان، فَرَقًا من الرفقة أن يقولوا: اشتريناه، فيسألونهم الشركة، فقالا: إن سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعة استبضعناه أهل الماء. فذلك قوله: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً}، بينهم).

3 -

قال مجاهد: (أسره التجار بعضهم من بعض).

4 -

قال قتادة: ({وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً}، قال: أسروا بيعه).

5 -

قال مجاهد: ({وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً}، قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعة).

6 -

قال ابن عباس: ({وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} يعني: إخوة يوسف، أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، فكتم يوسف شأنه مخافة أن تقتله إخوته، واختار البيع. فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه قال: يا بشرى! هذا غلامٌ يباع! فباعه إخوته).

قلت: والراجح ما ذكره شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية حيث قال: (وأولى هذه الأقوال بالصواب، قولُ من قال: وأسَرَّ وارد القوم المدلي دلوَه ومن معه من أصحابه، من رفقته السيارة، أمر يوسف أنهم اشتروه، خيفةً منهم أن يستشركوهم، وقالوا لهم: هو بضاعة أبضعها معنا أهل الماء).

وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .

قال ابن كثير: (أي: يعلم ما يفعله إخوةُ يوسف وَمُشتروه، وهو قادرٌ على تغيير ذلك ودَفعه، ولكن له حكمةٌ وقدرٌ سابقٌ، فترَكَ ذلك ليمضي ما قدَّره وقضاه، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]. وفي هذا تعريضٌ لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإعلامٌ له بأني عالمٌ بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكن سأملي لهم، ثم أجعلُ لك العاقبة والحُكم عليهم، كما جعلتُ ليوسف الحكمَ والعاقبة على إخوته).

وقوله: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} - أي: باع السيارة يوسف بثمن قليل.

ومن أقوال أهل التأويل في ذلك:

1 -

قال ابن عباس: (فباعه إخوته بثمن بخس). قال الضحاك: (البخس: الحرام).

ص: 124

2 -

وعن مجاهد قال: (إخوة يوسف أحد عشر رجلًا، باعوه حين أخرجه المدلي بدلوه).

3 -

قال قتادة: ({وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}، وهم سيارة الذين باعوه). وقال: (البخس: الظلم). وقال عكرمة: (البخس: القليل).

قلت: والراجح في الضمير في {وَأَسَرُّوهُ} {وَشَرَوْهُ} أنه يعود على السيارة، وهم أولئك القوم المسافرون أثناء مسيرهم، فهم الذين باعوا يوسف بثمن زهيد دراهم قليلة ليستفيدوا من ثمنه قبل غيرهم أن يشركهم، وبعيد أن يكون الضمير يعود على إخوة يوسف لأنهم اقترحوا إلقاءه في البئر:{يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} ، ولم يكونوا يبحثون عن تجارة ببيع يوسف وإنما أرادوا التخلص منه، والله تعالى أعلم.

وقوله: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} - قال الضحاك: (وذلك أنهم لم يعلموا نُبُوَّتَهُ ومنزلته عند الله عز وجل.

وقوله: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} - قال ابن جريج: (منزلته). أي: هو قول الذي اشترى يوسف من بائعه بمصر، قال لامرأته: أكرمى منزلته. وعن قتادة: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} ، منزلته، وهي امرأة العزيز). قال ابن جرير:(يقول: أكرمي موضع مقامه، وذلك حين يثوي ويُقيم فيه).

وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها. قال السدي:(انطُلق بيوسف إلى مصر، فاشتراه العزيز ملك مصر، فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}).

وقوله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} - قال ابن جرير: (يقول عز وجل: وكما أنقذنا يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله، وأخرجناه من الجبّ بعدَ أن ألقي فيه، فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر، كذلك مكّنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها).

وقوله: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} - قال مجاهد: (عبارة الرؤيا)، وقال السدي:(تعبير الرؤيا).

وقوله: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} - قال سعيد بن جبير: (أي: فعال لما يشاء).

ص: 125

فهو سبحانه قائمٌ على أمر نبيّه يوسف صلى الله عليه وسلم، يسوسه ويدبّره ويحوطه، ويهيِّئ له ما ينبغي لمقام النبوة.

وقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} - أي: لا يدرون حكمة الله في تقديره، وتلطفه في أوليائه، ومكره بأعدائه.

وقوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} .

أي: ولما بلغ يوسف عليه الصلاة والسلام منتهى شدته وريعان شبابه وغاية قوته، أعطيناه الفهم والحكمة والعلم، وكذلك سنة الله تعالى في مجازاة المحسنين، فإن من حفظ شبابه وجوارحه وقلبه عن معصية الله، حفظه الله وأكرمه وعلمه ورعاه.

قال ابن كثير: ({وَلَمَّا بَلَغَ}، أي: يوسف عليه السلام {أَشُدَّهُ}، أي: استكمل عقلهُ وتمَّ خلقُه، {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} يعني النبوة، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، أي: إنه كان محسنًا في عَمَلهِ، عاملًا بطاعةِ ربه تعالى).

23 -

24. قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)}.

في هذه الآيات: محاولة امرأة العزيز - التي كان يوسف في بيتها بمصر وقد أوصاها زوجها بإكرامه، إلا أنها أحبته حبًّا شديدًا لشدة جماله وحسنه وبهائه - فحاولته عن نفسه، وتجملت له، وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها فأبى عليه الصلاة والسلام واعتصم بالله ليحميه من الوقوع والزلل، ومن خيانة سيده في أهله، إنه لا يفلح الظالمون. ولقد أرادت مراودة يوسف وإغراءه بكل طريقة وما زالت به حتى خطر في نفسه ما يخطر مما زَيَّنَت له، إلا أنه تذكَّر عظمة الله سبحانه فاستحيا منه فعصمه الله، إنه من عباد الله المخلصين.

فعن السدي: ({وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ}، قال: أحبته).

ص: 126

قال ابن إسحاق: (ولما بلغ أشدَّه، راودته التي هو في بيتها عن نفسه، امرأة العزيز).

وقوله: {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} - قال ابن جرير: (يقول: وغلقت المرأة أبواب البيوت عليها وعلى يوسف، لما أرادت منه وراودته عليه، بابًا بعد باب).

وقوله: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} - أي: هَلُمَّ لك، وادن، وتقرب، تدعوه للوقوع بها. ومن أقوال أهل التأويل:

1 -

قال ابن عباس: ({هَيْتَ لَكَ}، تقول: هلمّ لك). وقال السدي: (هلم لك، وهي بالقبطية).

2 -

وقال مجاهد: ({هَيْتَ لَكَ}، قال: لغة عربية، تدعوه بها). أو قال: (لغة بالعربية، تدعوه بها إلى نفسها). وقال ابن زيد: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} ، قال: هلمَّ لك، إليّ).

3 -

وقال أبو عبيد: كان الكسائي يحكيها، يعني: هيت لك. قال: (وقال: وهي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز، معناها: تعال).

4 -

وعن قتادة قال: كان عكرمة يقول: (تهيأت لك). فأصلها عند بعضهم: "وقالت هِئْتُ لك" - أي: تهيأت لك. وفي قراءة أهل المدينة {هِيْتَ لَكَ} ، وبعض المكيين:{هَيْتُ لَكَ} ، وبعض البصريين {هَيْتِ لَكَ} . وأرجح القراءات المشهورة {هَيْتَ لَكَ} .

قلت: وكل ما سبق يفيد في مفهوم دعوة امرأة العزيز يوسف عليه السلام إلى نفسها للوقوع بها، وقد تهيأت له وتجمّلت على أحسن حال.

وقوله: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ} - أي: هو ردّ يوسف عليه الصلاة والسلام إذ دعته المرأة إلى الفاحشة فأجاب بقوله: معاذ الله، أي: أعتصم بالله وأستجير به ليحميني من الوقوع والزلل.

وقوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} - أي يقول: إن صاحبك وزوجك سيدي قد أحسن منزلتى وأكرم إقامتي وائتمنني في بيته فلا أخونه في أهله.

قال مجاهد: ({إِنَّهُ رَبِّي}، قال: سيدي، يعني زوج المرأة).

ص: 127

قال ابن إسحاق: ({أَحْسَنَ مَثْوَايَ}، أمنني على بيته وأهله). وقال السدي: ({أَحْسَنَ مَثْوَايَ}، فلا أخونه في أهله).

وقوله: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} - قال ابن إسحاق: (قال: هذا الذي تدعوني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به).

وقوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} .

أي: ولقد أرادت مراودة يوسف وبذلت لذلك من محاولاتها بإغرائه بزينتها وجمالها ليدنو منها، وما زالت به حتى خطرَ في نفسه من خطرات ما زَيَّنَت له، وأوشك أن يجيبها إلى ما دعته إليه، إلا أنه تَذَكَّرَ عظمة الله سبحانه فاستحيا منه فعصمه ربه عز وجل.

وهَمَّ بالشيء - في كلام العرب - أراده. وكذلك الهَمُّ بالشيء: حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يُواقع. قلت: ومن هنا فإن قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} ينزل على المعنى الأول: أرادت وحاولت. وقوله: {وَهَمَّ بِهَا} - ينصرف إلى المعنى الثاني: هَمُّ خَطَرات وحديث النفس والاقتراب من الوقوع. وهذا التفسير ينسجم مع عصمة النبوة.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ له حَسَنَةٌ، ومَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فعمِلَها كُتِبَتْ له عَشْرٌ إلى سبع مئة ضِعْفٍ، ومَنْ هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها، لَمْ تُكْتَب، وإن عَمِلَها كُتِبَتْ](1).

وفي لفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قال الله عز وجل: إذا هَمَّ عَبْدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإنْ عَمِلَها فاكتبوها سيئة، وإذا هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْها فاكتبوها حسنة، فإن عَمِلها فاكتبوها عَشْرًا].

وهناك أقوال غريبة بعيدة ذكرها المفسرون في تفسير هذه الآية:

قيل: همَّ بضربها. وقيل: تمنّاها زوجة. وقيل: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ، أي: فلم يَهُمَّ بها. وهذا وجه بعيد لغة، وهو أبعد مما قيل قبله. وأبعد من ذلك كله ما روي أنها استلقت له وجلس بين رجليها أو حَلَّ ثيابه، إلى غير ذلك، مما لا يليق بمقام النبوة. وكان أولى بالمفسرين ألا يُسَطِّروا مثل هذه التفاسير - المستنكرة المأخوذة

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (129) - كتاب الإيمان. باب إذا همَّ العبد بحسنة كتبت وإذا همَّ بسيئة لم تكتب. واللفظ الآخر برقم (128)، ورواه أحمد (2/ 315)، وابن حبان (379)، وغيرهم.

ص: 128

من الإسرائيليات - في تفاسيرهم، فإن عصمة الأنبياء وحياءهم ورفيع درجاتهم يعارضه من كل وجه، ويبقى ما ذكرناه في تفسير "الهَمِّ" بنوعيه، من امرأة العزيز وما قابله من يوسف عليه الصلاة والسلام، فعصمه الله بحيائه وصدق خوفه من ربه عز وجل.

وقوله: {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} - أي: لولا أن أراه الله تعالى من آياته ما زجره عما كان همَّ به، وذكّره بعظمة ربه تعالى فاستحيا منه. لقد رأى يوسف عليه السلام الإيمان، فاستحيا من الله تعالى فَلَزِمَ مقام الإحسان.

وأما ما رُوي عن مجاهد والحسن والضحاك وغيرهم أنه رأى صورة أبيه يعقوب عليه السلام عاضًا على إصبعه بفمه، وفي رواية: فضرب في صدر يوسف، أو ما رُوي عن ابن عباس: أنه رأى خيال سيده، يعني الملك، إلى غير ذلك، من التصاوير والخيالات فإنه لا تقوم بها حجة.

وقوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} .

أي: أريناه برهانًا صرفه إلى الخوف من الله وتعظيم أمره فوق شهوات الدنيا، لِنَقِيَهُ الوقوع في السوء والفحشاء، فإنه من عبادنا المطهَّرِين المُجْتَبين الأخيار الصالحين.

25 -

29. قوله تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)}.

في هذه الآيات: مُسَابَقَةُ امرأة العزيز يوسف إلى الباب وتمزيقها قميصه أثناء هروبه منها، وظهور سيدها لدى الباب، فأظهرت الكذب باتهامها يوسف بإرادته السُّوء محرضة عليه زوجها بالسجن أو العذاب الأليم. فكذبها يوسف وشهد شاهد من أهلها إن كان تمزيق القميص من قُبُلٍ فهي صادقة وإلا كانت من الكاذبين. فلما رأى زوجها قميصه قد مُزق من خلفه علم أنه من كيدهن إن كيدهن عظيم. فأمره ألا يحدث بذلك

ص: 129

وأمر زوجته أن تستغفر ما صدر منها فإنها كانت من الخاطئين.

فعن قتادة: ({وَاسْتَبَقَا الْبَابَ}، قال: استبق هو والمرأة الباب، {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ}). وقال ابن إسحاق: (لما رأى برهان ربه، انكشف عنها هاربًا، واتبعته فأخذت قميصه من دبر، فشقّته عليه).

وعن مجاهد: ({وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا}، قال: سيدها زوجها، {لَدَى الْبَابِ}، قال: عند الباب).

قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب، يوسفُ هاربٌ، والمرأة تطلبُه ليرجع إلى البيت، فلحِقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه من ورائه فَقَدَّته قدًّا فظيعًا، يقال: إنه سَقَطَ عنه، واستمر يوسف هاربًا ذاهبًا، وهي في إثره، فألفيا سَيِّدها - وهو زوجها - عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها مُتَنَصِّلَة وقاذِقَةً يوسفَ بدائها: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا}، أي: فاحشة، {إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ}، أي: يُحْبَسَ، {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي: يُضربُ ضربًا شديدًا موجعًا).

وقوله: {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} - قال النسفي: (ولولا ذلك لكتم عليها ولم يفضحها). أي: لما قذفته امرأة العزيز، وأوقعته في الشبهة باتهامه، وعرضته للسجن والعذاب، انتصر للحق ودافع عن نفسه.

وقوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} - الصواب (1) أنه كان مستشارًا للعَزيز.

قال أبو جعفر النحاس: (والأشبه بالمعنى - والله أعلم - أن يكون رجلًا عاقلًا حكيمًا شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة).

وقوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .

قال ابن إسحاق: (قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبل لقد صدقت وهو من الكاذبين. وذلك أن الرجل إنما يريد المرأة مقبلًا، {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ}، وذلك أن الرجل لا يأتي المرأة من دبر).

(1) قيل: طفل في المهد تكلم، وقيل: ابن عمها أو ابن خالها، وقيل: الشاهد: قَدُّ القميص، وقيل: خلق من خلق الله تعالى ليس بإنسي ولا جني، وهذا يرده قول تعالى:{مِنْ أَهْلِهَا} ، وقيل غير ذلك.

ص: 130

وخلاصة المعنى: شهد الحكم من أهلها، إن كان قميص يوسف قد شُقَّ من قُدّامه فهو بذلك إنما أرادها عن نفسها فأبت ودفعته في صدره فقَدَّت قميصه من مقدمته فيصح عند ذلك قولها. وأما إن كان الشق من خلف القميص فهو يعني أنها لما أرادته لنفسها وهرب منها واتبعته طالبة له فأمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدّت بذلك قميصه من ورائه وهو بذلك بريء ولا يصح قولها.

وقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} .

قال ابن كثير: (أي فلما تحقق زوجُها صدقَ يوسف وكَذِبها فيما قذفته ورمته به، {قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ} أي: إن هذا البهت واللَّطخ الذي لَطَختِ عِرْضَ هذا الشاب به من جُملة كيدِكُنَّ، {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}). والكيد: المكر والحيلة.

قال القرطبي: (وإنما قال {عَظِيمٌ} لعظم فتنتهنّ واحتيالهنّ في التخلّص من ورطتهنّ).

وقوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} .

أي: يأمر زوجُها يوسفَ عليه السلام حين تبين له حقيقة ما حصل أن يكتم ما وقع ولا يذكره لأحد، ويأمر امرأته أن تستغفر مما صدر منها بحق هذا الشاب البريء فإنها هي التي أذنبت وأخطأت.

قال ابن زيد: ({يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا}، قال: لا تذكره، واستغفري أنت زوجك، يقول: سليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبت، وأن يصفح عنه فيستره عليك).

قال ابن كثير: (يقول لامرأته وقد كان ليِّنَ العريكة سهلًا، أو أنه عذرها، لأنها رأت ما لا صَبْرَ لها عنه، فقال لها: {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ}، أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قَذْفِه بما هو بريءٌ بلا منه، استغفري من هذا الذي وقع منك، {إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ}).

30 -

34. قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ

ص: 131

أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)}.

في هذه الآيات: إشاعَةُ خبر يوسف وامرأة العزيز في المدينة، وهي مصر، فتكلم بعض نساء الأمراء والكبراء يَعِبْنَ على امرأة الوزير ما صدر منها، حيث أقدمت على دعوة غلامها إلى نفسها الذي ملأ قلبها عشقه وبلغ حبه شَغَاف قلبها. ومقابلةُ ذلك من امرأة العزيز بموقف من المكر لتبرير موقفها، ثم توعُّدُها يوسف إن خالف أمرها بالسجن والتضييق والإهانة. وَلُجُوءُ يوسف عليه الصلاة والسلام إلى الله عز وجل بصرف كيدهن عنه، وأن السجن أحب إليه من طلبهن، فاستجاب الله تعالى له إنه هو السميع العليم.

فقوله: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} - قال ابن كثير: (مثل نساء الأمراء والكبراء يُنْكرن على امرأة العزيز - وهو الوزير - وَيَعِبْنَ ذلك عليها). قلت: والعزيز لغة من العزة، والمراد هنا الوزير. قال ابن إسحاق (وشاع الحديث في القرية، وتحدث النساء بأمره وأمرها، وقلن: {امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ}، أي عبدها).

وقوله: {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} - شغاف القلب غلافه وحجابه، والمقصود دخل حبه فتغلغل تحت غلاف القلب. قال السدي:(والشغاف جلدة على القلب يقال لها "لسان القلب". يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب). وقال عكرمة: ({قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا}: دخل حبه تحت الشَّغاف). وقال مجاهد: (دخل حبه في شغافِها). وعن ابن عباس قال: (يقول: عَلَّقها حبًّا). أو قال: (غلبها). وقال الحسن: (قد بطنها حبًّا). وقال قتادة: (استبطنها حبها إياه). وقال الضحاك: (يقول: هلكت عليه حبًّا).

وقوله: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} - أي: في صنيعها هذا وما أقدمت عليه من مراودة فتاها عن نفسه وتعلق قلبها به.

وقوله: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} - قال السدي: (يقول: بقولهن). وقال قتادة: (أي بحديثهن).

وقوله: {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} - أي: أرسلت إلى النسوة اللاتي مَكَرْنَ بها

ص: 132

بإشاعة خبرها مع فتاها لتريهن يوسف. قال ابن إسحاق: (وكان يوصف لهن بُحسنه وجماله، {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً}).

قال ابن عباس: ({وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً}، قال: مجلسًا). وقال سعيد: (طعامًا وشرابًا ومتكأ). قال ابن جرير: (أعدّت لهن، {مُتَّكَأً}، يعني: مجلسًا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد). قيل: وفي الطعام ما يقطع بالسكاكين مِن أُتُرُجٍّ ونحوه، وهو قوله:{وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا} . قال ابن كثير: (وكان هذا مكيدةً منها، ومقابلة لهنَّ في احتيالهن على رؤيته).

وقوله: {وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} - حيث كانت قد خَبَّأَتْه في مكان آخر، فخرج عليهن يوسف.

وقوله: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} - قال مجاهد: (أعظمنه) - أي: أجللنه وعظّمنه لشدة حسنه. وقال ابن زيد: (فخرج، فلما رأينه أعظمنه وبُهِتن) - أي: من شدة بهائه وجماله عليه الصلاة والسلام.

وقوله: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} - أي: جَعَلْنَ يقطعن أيديهنَّ من روعة جمال يوسف، وهُنَّ يحسبن أنهن يقطعن الأترُجّ. قال مجاهد:{وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ، حَزًّا حزًّا بالسكين). والمقصود: أنهن حَزَزْنَ أيديهن من حيث لا يشعرن من دهشة ما رأين. قال ابن زيد: (جعلن يحززن أيديهن بالسكين، ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج، قد ذهبت عقولهنّ مما رأين! ).

وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة - حديث الإسراء - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فأتيت على يوسف فَسَلَّمتُ فقال: مَرْحَبًا بك من أخٍ ونبي. وفي لفظ: ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، فإذا هو قد أُعطي شطرَ الحسن، فرحّب بي ودعا لي بخير](1).

وقوله: {وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} - وهي قراءة أهل الكوفة، وأما بعض البصريين فأثبتوا الياء:{حَاشَ لِلَّهِ} والمراد التنزيه. قال مجاهد: ({وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} وقال: معاذ الله).

وقوله: {مَا هَذَا بَشَرًا} - قال ابن زيد: (ما هكذا تكون البشر). لأنهن لم يعهدن

(1) حديث صحيح. هو بعض حديث الإسراء أخرجه البخاري (3207)(3887)، ومسلم (164)، وأخرجه النسائي (1/ 217)، وأحمد (4/ 208)، (4/ 210)، وأخرجه ابن حبان (48).

ص: 133

الحُسْنَ في البَشَرِ على هذه الصورة الرائعة المدهشة التي تأخذ بالعقول والألباب.

وقوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} - قال قتادة: (قلن: ملك من الملائكة).

وقوله: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} - قال ابن كثير: (تقول هذا مُعتذِرة إليهن بأن هذا حقيق بأن يُحَبَّ لجماله وكماله).

ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه، وكان منها ما تحدَّثن به في شأنها معه.

وهو قوله: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} - قال ابن عباس: (فامتنع).

وقوله: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} - قال ابن جرير: (يقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه، {لَيُسْجَنَنَّ}، تقول: لَيُحْبَسَنَّ، وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن، ولأهينَنَّه).

فهناك لجأ يوسف عليه الصلاة والسلام إلى ربه عز وجل ليحميه من كيدهن، وهو قوله تعالى:{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} .

قال ابن إسحاق: (قال يوسف، وأضاف إلى ربه، واستغاثه على ما نزل به، {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}، أي: السجن أحبَّ إلي من أن آتي ما تكره). وقال السدي: (من الزنا). وقال ابن زيد: ({وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ}: قال: إلا يكن منك أنت العون والمنعة، لا يكن مني ولا عندي).

قال القرطبي: ({أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} جواب الشرط، أي: أمِلْ إليهن). وقال النسفي: (والصبوة الميل إلى الهوى، ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها).

عن ابن إسحاق: ({وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، أي: جاهلًا، إذا ركبت معصيتك).

وقوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

قال ابن كثير: (وذلك أن يوسفَ عليه السلام عصمه الله عِصمةً عظيمة، وحماه فامتنع منها أشدَّ الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقاماتِ الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سَيِّدَتُه، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غايةِ الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السِّجنَ على ذلك، خوفًا من الله ورجاءَ ثوابه).

ص: 134

قلت: وفي هذه القصة ما يشدّ عزيمة الشباب الذين أسرفوا على أنفسهم في اتباع الهوى والشهوات، وغاصوا في متاهاتها، وعلقوا في حبائلها، أنهم لو صدقوا الله الدعاء بالنجاة من تبعاتها وشباكها، وعزموا على التماس حياة الطهارة والعفاف، لأعانهم ربهم سبحانه على ترك تلك المآثم والمحرمات. وقد مررت بشباب انغمسوا في تلك المحرمات حتى صارت تلحقهم، فَذَكَّرْتُهُم بصدق يوسف عليه الصلاة والسلام إذ التجأ إلى ربه ليخلصه من مكرهن، فَصَدَقَهُ سبحانه الإجابة:{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} لدعاء يوسف ودعاء عباده جميعًا {الْعَلِيمُ} بصدق نياتهم وإخلاصهم لربهم وبجميع أحوالهم.

وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[سبعةٌ يُظلهم الله في ظله يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، إمامٌ عادلٌ، وشاب نشأَ في عبادة الله، ورجُلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه. ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجلٌ تَصَدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمالُهُ ما أنفقت يمينُه، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضَتْ عيناه، ورجل دعتْهُ امرأةٌ ذات مَنْصِبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله](1).

35 -

38. قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)}.

في هذه الآيات: ظُهُورُ المصلحة للقوم بسجن يوسف إخفاء للحقيقة، ودرءًا

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031) ح (91)، والترمذي بعد الحديث (2391)، والنسائي (8/ 222 - 223)، وأحمد (2/ 439)، وابن خزيمة (358)، وابن حبان (4486) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 135

للفضيحة. وقصة يوسف مع ساقي الملك وخبازه في السجن في تأويل رؤياهم. وإعلانُ يوسف اجتنابه ملة الكفر واتباعه منهاج النبوة.

فعن ابن إسحاق: ({ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ}، ببراءته مما اتهم به، من شق قميصه من دبر، {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ}).

وعن قتادة: ({مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ}، قال: {الْآيَاتِ}، حزُّهُنَّ أيديهن، وقدُّ القميص). وذكر السّدي: أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقِّه ويبرأ عرضُه فيفضَحَها.

والخلاصة: لقد ظهر لهم أن المصلحة سجنه إلى مدة، رغم ما ظهر من عِفَّته وأدلة صدقه ونزاهته وبراءته، لضبط ما شاع بين الناس في حق امرأة العزيز، ليوهموا بذلك على الناس الأمر. قال ابن كثير:(ولهذا لما طلبه الملكُ الكبيرُ في آخر المدة، امتنع من الخروج حتى تتبَيَّنَ براءتُه مما نُسِبَ إليه من الخيانة، فلما تقرّر ذلك خَرَجَ وهو نَقِيُّ العِرْض، صلوات الله عليه وسلامه).

وقوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} - قال قتادة: (كان أحدهما ساقِيَ الملك، والآخر خَبَّازَه). وقال السدي: (وكان سبب حَبْسِ الملك إياهما أنه توهَّمَ أنهما تمالآ على سَمِّه في طعامه وشرابه).

وقوله: {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .

إنهما رَأَيَا منامًا، فرأى الساقي أنه يعصر عِنَبًا، ورأى الخبَّاز أنه اختبز خبزًا فحمله على رأسه فجاء الطير فأكل منه. وفي قراءة ابن مسعود:{إني أراني أعصر عِنَبًا} . وقال الضحاك: ({إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} يعني عِنَبًا، قال: وأهل عُمَان يُسَمُّون العِنَبَ خمرًا). وقال عكرمة: (قال له: إني رأيتُ فيما يرى النائمُ أني غَرَسْتُ حَبَلَةً من عِنَبٍ فنبتت، فخرج فيه عناقيد، فعصرتُهُنَّ ثم سَقَيْتُهُنَّ المَلِك. قال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرجُ فتسقيَه خَمْرًا. وقال الآخر: وهو الخبّازُ: {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}). قال الضحاك: ({إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}: كان يوسع للرجل في مجلسه، ويتعاهد المرضى).

وكان يوسف عليه الصلاة والسلام قد عُرِف في السجن بكرمه وجوده وصدق حديثه، وحُسْن سمته، وكثرة عبادته ومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن،

ص: 136

وعيادة مرضاهم وحسن الخلق والمعاملة، مما دفع الرجلان لاستشارته في رؤياهم والتماس الخير على يديه.

وقوله: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} .

قال ابن عباس: (إنما عُلِّمَ فَعَلِمَ). وقال السدي: (قال يوسف لهما: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ}، في النوم، {إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ}، في اليقظة).

وقوله: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} - قال ابن جرير: (يقول: هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا، مما علمني ربي فعلمته).

وذلك أني اجتنبت ملة قوم كفروا بالله واليوم الآخر. قال النسفي: (وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم). وهو قوله: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} .

قال ابن كثير: (يقول: هجرتُ طريقَ الكفر والشرك، وسلكتُ طريقَ هؤلاء المرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وهكذا يكونُ حالُ من سَلَكَ طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين، وأعرضَ عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه ويُعَلِّمه ما لم يكن يَعْلَمُه، ويجعَلُه إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد).

وقوله: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} .

قال النسفي: (وهي الملة الحنيفية. وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله).

وقوله: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} - هذه صفة آل النبوة واتباع الرسل، الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإفراده تعالى بالدعاء والعبادة والتعظيم.

وقوله: {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} .

قال القرطبي: (قيل: {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا} إذ جعلنا أنبياء، {وَعَلَى النَّاسِ} إذ جعلنا الرسل إليهم. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} على نعمة التوحيد والإيمان).

39 -

41. قوله تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا

ص: 137

أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)}.

في هذه الآيات: نَصيحةُ يوسف في السجن لصاحبيه إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، ونبذ الشرك وسبل الشيطان الرجيم، وتأويله الرؤيا لهما بما أوتيه من توفيق الله الحكيم.

فعن ابن إسحاق قال: (ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام، فقال: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}، أي: خيرٌ أن تعبدوا إلهًا واحدًا، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئًا).

فاستفاد يوسف عليه الصلاة والسلام من إقبال الرجلين عليه إلى دعوتهما إلى عبادة الله وحده، وإفراده بالكبرياء والتعظيم، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعكف عليها القوم، فإن الله هو الواحد القهار الذي قهر كل شيء، وذلّ له كل شيء.

وقوله: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} .

قال القاسمي: (يعني أنكم سميتم، ما لا يستحق الإلهية، آلهة، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} أي: حجة تدل على صحتها).

وقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} .

قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية:(أُسِّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له).

وقوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} - أي: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من الطواغيت والأوثان، وإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو منهج الصدق في الإيمان.

وقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} - أي: فهم يشركون بالله ويحسبون أنهم مهتدون.

ص: 138

وفي التنزيل: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103].

وقوله تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} .

قال القاسمي: ({يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} أي: يخرج من السجن، ويعود إلى ما كان عليه من سقي سيده الخمر، {وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} أي: فيقتل ويعلق على خشبة، فتأكل الطير من لحم رأسه. {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} أي: قطع وتم ما تستفتيان فيه. يعني: ماله، وهو نجاة أحدهما، وهلاك الآخر. والتعبير عنه بـ {الْأَمْرُ}، وعن طلب تأويله بـ "الاستفتاء" تهويلًا لأمره، وتفخيمًا لشأنه، إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم، المبهمة الجواب).

42.

قوله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)} .

في هذه الآية: وصية يوسُف عليه السلام الذي ظن خروجه من الرجلين ذكر مظلمته عند سيده، فأنساه الشيطان فلبث في السجن بضع سنين.

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}، يقول: اذكرني عند سيدك، وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم).

فأنسى الشيطان ذلك الموصى أن يذكِّر مولاه الملك بأمر يوسف، وكان ذلك مكيدة من الشيطان لئلا يخرج يوسف من السجن، وكان الأَوْلى أن يطلب يوسف عليه الصلاة والسلام الفرج خالصًا من الله تعالى - كما أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: [عجبتُ لصَبْرِ أخي يوسف وكرَمِه، والله يَغْفِرُ له حيثُ أرسلَ إليه لِيُستَفْتَى في الرؤيا، ولو كُنْتُ أنا لم أفعلْ حتى أخرجَ. وَعَجِبْتُ لصبره وكرمه والله يغفِرُ لهُ أُتِيَ لِيخرُجَ فلم يخرُجْ حتى أخبرهم بعذرِهِ، ولو

ص: 139

كنت أنا لبادرت الباب، ولولا الكلمةُ لما لبثَ في السِّجْن حيث يبتغي الفرجَ من عند غير الله عز وجل] (1).

وله شاهد في مسند الإمام أحمد، بسند حسن لطرقه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لو لبثْتُ في السجن ما لبثَ يوسفُ ثم جاء الداعي لأجبتُه، إذ جاءه الرسول فقال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}، ورحمةُ الله على لوط إنْ كان ليأوي إلى ركن شديد، إذْ قال لقومه: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}، وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه](2).

وعن مجاهد قال: (فلبث في السجن بضع سنين، عقوبةً لقوله: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}).

وعن قتادة قال: (البضع ما بين الثلاث إلى التسع). وقال: (لبث يوسف في السجن سبع سنين) - والله تعالى أعلم -.

43 -

49. قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ

(1) حديث صحيح لشواهده. أخرجه الطبراني (11640)، وانظر مسند الإمام أحمد (2/ 232)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (1945)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (3879).

(2)

أخرجه أحمد (2/ 232)، وانظر تفسير ابن جرير (12/ 139)، وسنن الترمذي (4/ 129)، وصحيح ابن حبان (1747)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (1867).

ص: 140

لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)}.

في هذه الآيات: خَبَرُ الرؤيا التي رآها الملك وسعى في تأويلها فَقُوبِلَ باعتذار من حوله عن المعرفة بتأويل الأحلام. وَتَذَكُّرُ الذي نجا من الرجلين علم يوسف بتأويل الأحلام فلجأ إليه بعدما نسيه عبر الأيام. وتأويل يوسف لرؤيا الملك بتوفيق الله له تأويلًا صدقته الأحداث والأزمان.

قال ابن إسحاق: (ثم إن الملك الريان بن الوليد رأى رؤياه التي رأى فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من أهل مملكته: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} إلى قوله: {بِعَالِمِينَ}).

وعن السدي قال: (إن الله أرى الملك في منامه رؤيا هالته، فرأى سبع بقراتٍ سمانٍ يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحُزَاة فَقَصَّها عليهم، فقالوا: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ}).

وهذه الرؤيا هي مما قدّر الله تعالى أن يراها ملك مصر لتكون سببًا لخروج يوسف عليه الصلاة والسلام من السجن عزيزًا مُكرّمًا، فجمع لتأويل رؤياه الكهنة والسحرة والحزاة وكبراء دولته ليفهموا أبعادها فاعتذروا بقولهم:{أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} - أي: إنها أخلاط، من الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها، وَمِنْ ثَمَّ فهي رؤيا كاذبة لا حقيقة لها. قال ابن عباس:({أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ}، كاذبة). أو قال: (يقول مشتبهة). وقالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} - قال ابن جرير: (يقول: وما نحن بما تؤول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين).

وعند ذلك تذكَّر الذي نجا من القتل من صاحبي السجن، وكان الشيطان قد أنساه ما وصّاه به يوسف من ذكر أمْرِه للملك، فتذكر بعد مدة فقال أنا أخبركم بتأويل هذا المنام فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السِّجن. وهو قوله:{وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} .

وعن ابن عباس: ({وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}، قال بعد حين) - أي: تذكر ما كان نسي من أمر يوسف وما وصّاه به، بعد مدة، فذكره بعد حين - أو قال:(بعد سنين). وعن

ص: 141

عكرمة قال: (أي: بعد حقبة من الدهر). وعن مجاهد: (أنه قرأ: {وادّكر بعد أَمَهٍ}) - والأمَهُ: النسيان.

قال ابن عباس: (لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف فقال: {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ}، الآيات).

وقوله تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} .

قال قتادة: (أما السمان فسنون منها مخصبة، وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا). والعجاف جمع عَجْفاء، وهي المهازيل.

قال ابن جرير: (قوله: {وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ}، أما الخضر فهي السنون المخاصيب، وأما اليابسات فهن الجُدُوب المحول. وقوله: {لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}، يقول: أي: أرجع إلى الناس فأخبرهم. يقول: ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا).

فعند ذلك أفاض يوسف عليه الصلاة والسلام مما علَّمه الله تعالى من تعبير الرؤيا من غير تعنيف لذلك الفتى الذي نسيَ ما وصّاه به، ومن غير اشتراطٍ للخروج قبل ذلك (1)، بل قال:{تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ} أي: تزرعون هذه السبع السنين كعادتكم، وفيها يأتيكم الخِصْبُ والمطر. قال ابن كثير:(فَفَسَّر البقر بالسنين، لأنها تثير الأرض التي تُسْتَغَل منها الثمرات والزروع، وهُنَّ السنبلات الخضر. ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ}، أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخِصْبَ فاخزِنُوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعدَ عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدارَ الذي تأكُلونه، وليَكُنْ قليلًا قليلًا لا تُسْرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهنَّ السبع السنين المُحْل التي تعقب هَذه السبع مُتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكُلن السمان، لأن سِني الجَدْب يُؤْكَلُ فيها ما جمعوه في سِني الخِصْب، وهُنَّ السنبلات اليابسات. وأخبرهم أنهنَّ لا يُنْبِتْنَ شيئًا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء).

(1) وإن كان الأولى عدم إخبارهم بذلك العلم عن تفسير الرؤيا حتى يرفعوا عنه الظلم ليخرج، كما سيأتي من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 142

وهو قوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} . قال قتادة: ({مِمَّا تُحْصِنُونَ}: مما تدخرون). وقال ابن عباس: (تخزنون) أو قال: (تحزرون).

وقوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} .

أي: بشّرهم بعد ذلك القحط والجدب بعام مطر وغيث ونماء، تُغِلّ فيه البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسُكّر ونحوه.

قال قتادة: ({ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ}، قال: فيه يغاثون بالمطر). وعن ابن عباس: ({وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، قال: الأعناب والدُّهْن). وقال أيضًا: ({وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا). أو قال: (يصيبهم غيث، فيعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزيت، ويعصرون من كل الثمرات). وقال أيضًا: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} ، قال: فيه يحلبون). فدخل في ذلك أيضًا حلْب اللّبن. وهناك قراءة لأهل الكوفة: {وفيه تَعْصِرون} .

50 -

53. قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)}.

في هذه الآيات: طَلَبُ الملك إحضار يوسف عند سماعه روائع التأويل، واعتِذارُ يوسف عن الخروج حتى تُظهر براءته، ودعوة الملك النسوة وامرأة العزيز لإظهار الحقيقة، واعتراف امرأة العزيز ببراءة يوسف وزلل نفسها الأمارة بالسوء، والله غفور رحيم.

ص: 143

قال ابن إسحاق: (فخرج نبو (1) من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك، حتى أتى الملك فأخبره بما قال، فلما أخبره بما في نفسه كمثل النهار، وعرف أن الذي قال كائن كما قال، قال:{ائْتُونِي بِهِ}

وقال السدي: (لما أتى الملك رسوله فأخبره، قال: {ائْتُونِي بِهِ}، فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك، أبى يوسف الخروج معه، وقال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، الآية. قال السدي: قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلمَ الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجَةٌ! يقول: هذا الذي راود امرأته).

وعن قتادة: (قوله: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ}، أراد نبيُّ الله عليه السلام أن لا يخرج حتى يكون له العذر). وقال ابن جريج: (أراد يوسف العذر قبل أن يخرج من السجن).

قلت: ولكن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الأَوْلى في مثل هذه الأحوال الخروج من الضيق ومن تحت القيود والظلم، فإن الضيق والسجن قد يسيء إلى دين العبد ويفتنه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الطغاة قد لا ينفع معهم بسط القضايا للاعتذار، فإن الظلم دَيْدَنهم، ومن ثمَّ فإن المسارعة إلى الخروج هو السنة.

فقد أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عباس مرفوعًا: [عجبتُ لِصَبْر أخي يوسف وكرمه، والله يَغْفر له حيث أرسلَ إليه لِيُستَفْتى في الرؤيا، ولو كنت أنا لم أَفْعَل حتى أخرج. وعَجِبْتْ لصبره وكرمه والله يَغْفِرُ لهُ أُتيَ ليخرجَ فلم يخرجْ حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب](2).

وله شاهد من حديث الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لو لَبِثْتُ في السجن ما لبث يوسفُ ثم جاء الداعي لأجَبْتُهُ، إذ جاءه الرسولَ فقال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}](3).

(1) هو اسم الرجل الذي نجا فيما ذكر، واسم الآخر مجلث - الذي قُتل - وهما صاحبا السجن.

(2)

صحيح لشواهده. أخرجه الطبراني (11640)، وانظر مسند أحمد (2/ 232)، وقد مضى بتمامه.

(3)

حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (2/ 232)، وابن جرير في "التفسير"(12/ 139)، وانظر السلسلة الصحيحة (1867). وكذلك أخرج الإمام أحمد اللفظ الآخر (2/ 389)، رقم (9037)، وانظر تعليق أحمد شاكر: المسند رقم (8535).

ص: 144

وفي لفظ: [لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر].

وقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} - قال النسفي: (أي: إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن عليه).

وقوله: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} .

أي: فلما رجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف دعا الملك النسوة المقطعات أيديهن ودعا امرأة العزيز ثم قال لهن ما شأنكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ هل وجدتن منه ميلًا إليكن؟

وقوله: {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} .

أي: أجابت النسوة الملك: حاش لله أن يكون يوسف متهمًا، وما عهدنا عليه من سوء.

وقوله: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} - من الحَصِّ: استئصال الشيء.

أي: فعند ذلك قالت امرأة العزيز الآن ظهر الحق وتبين. قال ابن عباس: ({الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ}، قال: تبيَّن). وقال ابن إسحاق: (قالت راعيل امرأة إطفير العزيز: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ}، أي: الآن برز الحق وتبيّن، {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}، فيما كان قال يوسف ممّا ادّعت عليه).

وقوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} .

هو من كلام امرأة العزيز - وقيل من كلام يوسف (1)، أي: رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في غيابه - والأول أليق بالسياق، وأنسب لتتابع أحداث القصة. فالمعنى: قالت امرأة العزيز: إني أعترف أني أنا الذي راودته عن نفسه وزللت، ليعلم زوجي أني لم أخنه بارتكاب المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلمَ أني بريئة ولم يقع ما كان يُتوقع.

وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} - قال القرطبي: (معناه أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم).

(1) واختاره ابن جرير وابن أبي حاتم، وقيل أراد: ليعلم الله أني لم أخنه، لأن المعصية خيانة. وما رجحناه أنه من كلام امرأة العزيز أشهر وأنسب بسياق القصة، واختاره ابن كثير.

ص: 145

وقوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

هو قول امرأة العزيز (1): أي وما أبرئ نفسي من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال أو في هذه الحادثة، فإن النفس لأمارة بالسوء في كل وقت. قال النسفي:(يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة، أو هو استثناء منقطع، أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، وقيل هو من كلام امرأة العزيز - أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قَرّفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن وأودعته السجن - تريد الاعتذار مما كان منها، إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي - إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف - {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}: استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت).

54 -

57. قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)}.

في هذه الآيات: استِخْلاصُ الملك يوسف لنفسه وتقريبه، واختيار يوسف عليه الصلاة والسلام العمل على خزائن الأرض لحفظه وعلمه، وكذلك كان تمكين الله ليوسف في الأرض والله لا يضيع أجر المحسنين، ولأجر الآخرة خير وأحسن للمؤمنين المتقين.

فقوله: {وَقَالَ الْمَلِكُ} - يعني ملك مصر - وذكر ابن إسحاق أنه الوليد بن الريان.

وقوله: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} - قال سلمة، عن ابن إسحاق: (حين تبيَّنَ عذر

(1) أي: بحضرة الملك، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.

ص: 146

يوسف، وعرف أمانته وعلمه، قال لأصحابه:{ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} ، يقول: أجعله من خُلصائي دون غيري).

وقوله: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} .

قال ابن جرير: (يقول: فلما كلّم الملك يوسف، وعرف براءته وعِظَم أمانته قال له: إنك، يا يوسف، {لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}، أي: متمكن مما أردت وعرض لك من حاجة قِبَلَنا، لرفعة مكانك ومنزلتك، لدينا، {أَمِينٌ} على ما اؤتمنت عليه من شيء).

وقوله تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} .

هو مسألة يوسف عليه الصلاة والسلام للملك، ليوليه ما هو متقن في إدارته، مختص في شؤونه. قال ابن إسحاق:({إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، إني حافظ لما استودعتني، عالم بما وليتني. قال: قد فعلت). وعن شيبة الضبي في قوله: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} ، قال:(على حفظ الطعام). وقال: (يقول: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بسني المجاعة).

قال ابن كثير: ({إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جُهِلَ أمرُه، للحاجة. وذكر أنه {حَفِيظٌ}، أي: خازِنٌ أمين، {عَلِيمٌ}، ذو علم وبصر بما يتولاه. قال: وسأل العملَ لعِلْمِهِ بقدرته عليه، ولما في ذلك من المصالح للناس، وإنما سأل أن يُجْعَلَ على خزائن الأرض، وهي الأهراءُ التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السِّنين التي أخبرهم بشأنها، ليَتَصَرَّفَ لهم على الوجه الأحوطِ والأصلحِ والأرشدِ. فأجيبَ إلى ذلك رغبةً فيه، وتَكرِمَةً له).

قلت: والآية تدل على أركان العمل الصالح، أو العمل المقبول:

1 -

الإخلاص.

2 -

الصواب.

فقوله: {إِنِّي حَفِيظٌ} يشير إلى الإخلاص. وقوله: {عَلِيمٌ} يشير إلى سلامة المنهج. وكذلك العمل الصالح لا بد فيه لينال رضوان الله وقبوله من الإخلاص والصواب. وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

2 -

وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].

ص: 147

قال الفضيل بن عياض: (أخلصه وأصوبه) - وأخلصه أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى. وأصوبه: أن يكون على السنة. لذا لما قيل: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: (إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة).

وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن أبي سعيد مرفوعًا:[ألا أخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزيِّنُ صلاته، لما يرى من نظر رجل](1).

الحديث الثاني: أخرج البيهقي وابن خزيمة من حديث محمود بن لبيد قال: [خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس، إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه. فذلك شرك السرائر](2).

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده: [أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله يا رسول الله ما أتيتك إلا بعدما حلفتُ عدد أصابعي هذه: أن لا آتيك. فبالذي بعثك بالحق، ما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تُسلم قلبك لله، وأن توجِّهَ وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلوات المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة](3).

وقوله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} .

قال السدي: (استعمله الملك على مصر، وكان صاحبَ أمرها، وكان يلي البيعَ والتجارة، وأمرها كله). وعن مجاهد قال: (أسلم الملك الذي كان معه يوسف).

(1) حديث حسن. أخرجه الإمام أحمد في المسند (3/ 30)، وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 497) لتفصيل هذا البحث - في النهي عن الرياء وحب الرياسة والشهرة والتعظيم.

(2)

أخرجه البيهقي في السنن (2/ 290)، وهو حديث حسن. وانظر فتح المجيد (440).

(3)

حديث حسن. أخرجه أحمد في مسند البصريين (19171) من حديث بهز عن أبيه عن جده مرفوعًا. وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 497) لتفصيل هذا البحث.

ص: 148

قال ابن زيد: ({يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}، قال: ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا، يصنع فيها ما يشاء، فُوِّضَتْ إليه).

والخلاصة: لقد مكّنَ الله تعالى يوسف عليه السلام في أرض مصر، يتصرف فيها كيف يشاء، ويتخذ منها منزلًا حيث يشاء، بعد الضيق والحَبْس والإسار.

وقوله: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} .

أي: تنال رحمته تعالى من يشاء من عباده، ولا يضيع جزاء من أحسن الطاعة وأقام الدين، وعظّم حرمات الله، كما كان ليوسف عليه الصلاة والسلام بعد الصبر على أذى إخوته واختيار السجن على المعصية، فكتب الله له في النهاية السلامة والنصر والتأييد، وكذلك حال كل مؤمن صبر على طاعة الله واجتناب معصيته ونصر دين ربهِ عز وجل.

يروي ابن جرير بسنده عن سلمة عن ابن إسحاق قال: (لما قال يوسف للملك: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} ، قال الملك: قد فعلت! فولاه، فيما يذكرون، عملَ إطفير، وعزل إطفير عما كان عليه. يقول الله:{وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} ، الآية. قال: فذكر لي، والله أعلم، أن إطفير هلَكَ في تلك الليالي، وأن الملكَ الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة، ناعمةً في مُلْكٍ ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلَكَ الله في حُسنك وهيئتك على ما رأيتَ. فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها فولدت له رجلين: أفراثيم بن يوسف، وميشَا بن يوسف. وولد لأفراثيم نونُ، والد يُوشَع بن نون، ورحمةُ امرأةُ أيوبَ عليه السلام.

وقوله تعالى: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .

أي: ثم إنّ ما ادّخره الله ليوسف في الآخرة من الأجر والثواب الجزيل والخلود في النعيم، لهو أعظم من النفوذ والتمكين الذي أعطاه إياه في الدنيا، وكذلك شأن من جاهد لإعلاء كلمة الله في الأرض، فإن ما ينتظره في الآخرة من السرور والرزق الكريم أكبر من التمكين في الدنيا وسعادة قهر الأعداء ورؤية دين الله وشرعه يعلو كل منهج في الأرض.

وفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قال الله تعالى:

ص: 149

أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطرَ على قلب بَشَر] (1).

58 -

62. قوله تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)}.

في هذه الآيات: بعد مضي سني الخصب السبع وتلتها سنين الجدب، وعَمَّ القحط بلاد مصر حتى وصل إلى بلاد كنعان، التي يقطنها يعقوب عليه السلام وأولاده، وقد مكّن الله تعالى ليوسف في وزارته بتلك البلاد، وباشَرَ مَهَامَّهُ فيها لتوزيع الثروات والغلات في أحسن وجه، لمواجهة القحط وسنوات الجدب، وكان بحق رحمة من الله على أهل مصر، وهنا ورد عليه الناس من مختلف الأقاليم والأمصار، يلتمسون عطاءه ويمتارون لأنفسهم وعيالهم، وكان من جملة مَنْ وَرَدَ للميرة إخوة يوسف، عن أمر أبيهم لهم بذلك، وكان بلغهم أن عَزيز مصر يُعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نَفر، وبقي يعقوب مع ابنه بنيامين شقيق يوسف وأحب ولده له بعد يوسف، فلما دخلوا على يوسف وهو جالس على كرسي رياسته ووزارته في كامل أبّهته وسلطانه، عرفهم حين نظر إليهم، ولم يعرفوه، إذ كانوا فارقوه صغيرًا ولم يخطر ببال أحدهم أنه سيصير إلى ما آل إليه، فسألهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: أيها العزيز، إنا قدمنا للميرة. قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله. قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله. قال: له أولادٌ غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر، فذهب أصغرُنا، هلك في البَرِّية، وكانَ أحَبَّنا إلى أبيه، وبقي شقيقُه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه. فأمر بإنزالهم وإكرامهم. ثم لما وفّاهم كَيْلهم، وحَمّل لهم أحمالهم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (3244)، كتاب بدء الخلق، وكذلك (4779)، كتاب التفسير، ورواه أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح (2824).

ص: 150

ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم، ألا ترون وفائي، وإن لم تفعلوا فلا كيل لكم عندي بعد اليوم. فوعدوه أن يفعلوا، فأمر فتيانه بإعادة بضاعتهم التي قدموا بها إلى رحالهم من حيث لا يشعرون، حكمة منه بذلك.

فعن قتادة: ({وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}، قال: لا يعرفونه).

وعن ابن إسحاق قال: (لما اطمأن يوسف في ملكه وخرج من البلاء الذي كان فيه، وخلت السنون المخصبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسنين التي أخبرهم بها أنها كائنة، جُهِدَ الناس في كل وجه، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة. وكان يوسف، حين رأى ما أصاب الناس من الجهد، قد آسى بينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين (1)، تقسيطًا بين الناس وتوسيعًا عليهم. فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون، لما أراد الله أن يبلغ ليوسف عليه السلام فيما أراد).

وعن السدي قال: (فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما أمركم، فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: عشرة. قال: فأخبروني خبركم؟ قالوا: إنا إخوة بنو رجل صِدِّيق، وإنا كنا اثني عشر، وكان أبونا يحبّ أخًا لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها، وكان أحَبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه).

وعن ابن إسحاق قال: (لما جَهَّزَ يوسف فيمن جَهَّزَ من الناس، حَمّل لكل رجل منهم بعيرًا بعدّتهم، ثم قال لهم: {ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ}، أجعل لكم بعيرًا آخر، أو كما قال: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ}، أي: لا أبخس الناس شيئًا، {وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ}، أي: خير لكم من غيري، فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم، وأحسنت إليكم، وازددتم به بعيرًا مع عدَّتكم، فإني لا أعطي كل رجل منكم إلا بعيرًا، {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ}، لا تقربوا بلدي).

(1) أي: في السنة الواحدة من تلك السنين. وذُكر أنه كان عليه السلام لا يشبع نفسه ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفّى الناس بما في أيديهم مُدَّة السبع السنين.

ص: 151

وعن قتادة: ({ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ}، يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه).

وعن مجاهد: ({وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ}، يوسف يقوله: أنا خيرُ من يُضيف بمصر).

وعن ابن إسحاق: ({وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ}، لنجتهدنّ) - أي: في إقناع أبينا بإرساله معنا بنيامين - قال: (ثم أمر ببضاعتهم التي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام، فجعلت في رحالهم وهم لا يعلمون).

وفي تأويل قوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ثلاثة أقوال ذكرها ابن جرير ومن بعده ابن كثير:

1 -

قيل: خشي يوسفُ عليه السلام ألا يكون عِندهم بضاعةٌ أخرى يرجعون للميرة بها.

2 -

وقيل: تَذَمَّمَ أن يأخذ من أبيه وإخوته عِوَضًا عن الطعام.

3 -

وقيل: أراد أنْ يَرُدَّهُم إذا وجدوها في متاعهم تَحَرُّجًا وتورُّعًا لأنه يعلم ذلك منهم. والله أعلم.

63 -

66. قوله تعالى: {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)}.

في هذه الآيات: رُجوعُ إخوة يوسف إلى أبيهم يشكون إليه منع الكيل عنهم حتى يرسل معهم أخاهم ويتعهدون بحفظه. وَفَتْحُهُم متاعهم ليجدوا فيه بضاعتهم ردت

ص: 152

إليهم. وَإِرْسَالُ الأب ابنه معهم بعد أخذه التوثيق منهم على حفظه والله هو الحفيظ العليم.

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم، {قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ}، يقول: منع منا الكيل، فوق الكيل الذي كِيلَ لنا، ولم يكل لكل رجل منّا إلا كيل بعير، {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا}، بنيامين يَكتَل لنفسه كيلَ بعير آخر زيادة على كيلِ أباعرِنا، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، من أن يناله مكروه في سفره).

وقرأ عامة قراء المدينة: {نَكْتَلْ} ، وكذلك بعض أهل مكة والكوفة، في حين قرأها بعض قراء الكوفة:{يَكْتَل} - بمعنى: يكتل هو لنفسه، كما نكتال لأنفسنا. وكلاهما قراءتان معروفتان.

وقوله تعالى: {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .

قال النسفي: (يعني أنكم قلتم في يوسف: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يأمنني من مثل ذلك. ثم قال: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} - فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم - {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} فأرجو أن ينعم عليّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين).

وقوله: {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} .

قال قتادة: (يقول: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل).

وقوله: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} - أي: ونطلب لأهلنا طعامًا فنشتريه لهم. {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} ، الذي ترسله معنا، {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} - وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام كان يعطي كلَّ رجل حمل بعير. قال ابن جريج:(كان لكل رجل منهم حمل بعير. وقال مجاهد: حمل حمار (1)).

(1) وهي لغة. قال القاسم: يعني مجاهد أن "الحمار" يقال له في بعض اللغات "بعير".

ص: 153

وقوله: {ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} - قال ابن كثير: (هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي: إنّ هذا يسير في مقابلة أخذِ أخيهم ما يَعدِلُ هذا).

وقوله: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} .

قال مجاهد: (إلا أن تهلكوا جميعًا). وقال قتادة: (إلا أن تغلَبوا حتى لا تطيقوا ذلك).

وقال ابن إسحاق: (إلا أن يصيبكم أمرٌ يذهب بكم جميعًا، فيكون ذلك عذرًا لكم عندي).

والمقصود: أن يعقوب عليه السلام أراد توثيق العهد مع بنيه، لتأتنني بأخيكم إلا أن يصيبكم ما لا قدرة على منعه.

وقوله: {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} . قال القرطبي: (أي: حافظ للحلف. وقيل: حفيظ للعهد قائم بالتدبير والعدل). وقال ابن إسحاق: (وإنما فعل ذلك؛ لأنه لم يجد بُدًّا من بعثهم لأجل الميْرَةِ التي لا غِنى لهم عنها، فبعثه معهم).

67 -

68. قوله تعالى: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)}.

في هذه الآيات: نَصيحةُ يعقوب عليه السلام لبنيه بعدم الدخول من باب واحد بل من أبواب متفرقة خشية العين عليهم، وهو بذلك متوكل على الله حق التوكل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

فقوله: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} .

قال الضحاك: (خاف عليهم العين). وقال قتادة: (خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم العينَ على بنيه، كانوا ذوي صورة وجمال). وفي رواية قال: (كانوا قد أوتوا صورة وجمالًا فخشي عليهم أنفُسَ الناس). وقال السدي: (خاف يعقوب صلى الله عليه وسلم على بنيه العين، فقال:

ص: 154

{لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ} فيقال: هؤلاء لرجل واحد! ولكن ادخلوا من أبواب متفرقة).

وكذلك قال ابن إسحاق: (لما أجمعوا الخروج، خشي عليهم أعين الناس، لهيأتهم، وأنهم لرجل واحد). وقال القاسمي: ({وَقَال} أي أبوهم: {يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} أي: لئلا يستلفت دخولهم من باب واحد، أنظار من يقف عليه من الجند، ومن يعسّ للحاكم، فيريب بهم، لأن دخول قوم على شكل واحد، وزيّ متحد، على بلدٍ هم غرباء عنه، مما يلفت نظر كل راصد. وكانت المدن وقتئذ مبوّبة لا ينفذ إليها إلا من أبوابها، وعلى كل باب حرسه، وليس دخول الفرد كدخول الجمع في التنبه، وإتباع البصر. وقيل: نهاهم لئلا تصيبهم العين إذا دخلوا كوكبة واحدة).

وقوله: {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} .

قال ابن كثير: (أي: هذا الاحتراز لا يردُّ قدرَ الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئًا لا يُخالَفُ ولا يمانَعُ).

وقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} .

أي: وما الحكم إلا لله سبحانه، لا يشاركه أحد، ولا يمانعه أحد، وإنما أفوض أمري إليه، وإلى الله فليفوِّض أمورَهم المفوِّضون.

وقوله: {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} .

قال مجاهد: ({إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا}، خيفة العين على بنيه).

وقال ابن إسحاق: (ما تخوّفَ على بنيه من أعين الناس، لهيأتهم وعِدَّتهم).

وقال ابن جرير: (ولما دخل ولد يعقوب من حيث أمرهم أبوهم، وذلك دُخولهم مصر من أبواب متفرقة، {مَا كَانَ يُغْنِي} دخولهم إياها كذلك، {عَنْهُمْ} من قضاء الله الذي قضاه فيهم فحتمه، {مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا}، إلا أنهم قضوا وطرًا ليعقوب بدخولهم، لا من طريق واحد، خوفًا من العين عليهم، فاطمأنت نفسه أن يكونوا أُتوا من قبل ذلك، أو نالهم من أجله مكروه).

قلت: وهذه الآية من جملة الآيات في القرآن الدالة على أثر العين، وقد تنبّه

ص: 155

يعقوب صلوات الله وسلامه عليه إلى ذلك لما أوتي أبناؤه من حسن الهيئة وجمال السمت، فخشي عليهم من أنفس الناس.

وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [القلم: 51، 52].

2 -

وقال تعالى: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 67].

ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:

الحديث الأول: يروي الإمام البخاري في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال:[استرقوا لها فإن بها النظرة](1).

الحديث الثاني: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [العين حق، ولو كان شيء سابقَ القدر سبقته العين، وإذا استغسِلتُم فاغسلوا](2). أي: إذا عُرف العائن - وهو الحاسد - يطلب منه الاغتسال، ويجب عليه أن يفعل، ثم يؤخذ هذا الماء ويصب على رأس المصاب وظهره فيبرأ بإذن الله.

الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[استعيذوا بالله من العين، فإن العين حق](3).

الحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة](4).

وقوله: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} .

قال قتادة: (أي: مما علمناه) - أي: وإن يعقوب لذو علم، لتعليمنا إياه.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5739) - كتاب الطب - باب رُقْيَة العين.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (2188) - كتاب السلام - باب الطب والمرض والرقي.

(3)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (2/ 356) من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (737).

(4)

حديث حسن. أخرجه الحاكم بسند حسن من حديث عائشة مرفوعًا. انظر تخريج مشكاة المصابيح (2234)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (7616).

ص: 156

وقال أيضًا: (إنه لعامل بما عَلم). وقال سفيان: ({وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ}، مما علمناه. وقال: من لا يعمل لا يكون عالمًا).

وقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} - قال ابن جرير: (ولكن كثيرًا من الناس غير يعقوب، لا يعلمون ما يعلمه، لأنا حَرَمناه ذلك فلم يعلمه).

69 -

76. قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)}.

في هذه الآيات: دُخُولُ إخوة يوسف على يوسف عليه الصلاة والسلام، واختِلاءُ يوسف بأخيه بنيامين وتعرِيفُه بأمره، واحتيالُ يوسف بالتواطؤ معه لإبقائه عنده معززًا مكرمًا بقصة صواع الملك، واستخراجها من وعاء أخيه، وإخوتُهُ لذلك مندهشون.

فقوله: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ} .

أي: لما قدم إخوة يوسف ومعهم بنيامين رحّب بهم يوسف عليه الصلاة والسلام، وأنزلهم دار كرامته وأراهم حسن ضيافته، واختلى بأخيه فأخبره بخبره وعرّفه أنه أخوه، وقال له: لا تحزن على ما صدر منهم نحوي، واكتم ذلك بيني وبينك، وتواطأ معه أنه سيحتال ليبقيه عنده معززًا مكرمًا.

وقوله: {فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} - قال قتادة: (فلا تحزن ولا تيأس). وقال السدي: (يقول: لا تحزن على ما كانوا يعملون). قال ابن جرير: (فتأويل الكلام

ص: 157

إذن: فلا تحزن ولا تستكن لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك، وفي أخيك من أمك، وما كانوا يفعلون قبل اليوم بك).

وقوله: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} .

قال قتادة: (يقول: لما قضى لهم حاجتهم ووفَّاهم كيلهم). - يقول: جعل الإناء الذي يكيل به الطعام في رَحْل أخيه. والسقاية: المشربة. قال مجاهد: (السقاية: الصواع الذي كان يشرب فيه يوسف). وقال قتادة: (مشربة الملك).

قيل: هو إناء من ذهب كان يشرب به ويكيل الناس به من عزَّة الطعام إذ ذاك - ذكره ابن عباس ومجاهد. وقيل: بل هو من فضة - وهو قول الأكثرين، ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضًا.

والخلاصة: لقد احتال يوسف عليه الصلاة والسلام لإبقاء أخيه عنده فأمر بعض فتيانه أن يضع الإناء في متاع بنيامين من حيث لا يشعر بذلك أحد.

وقوله: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} .

أي: ثم نادى منادٍ بينهم قبل أن ترتحل العير: إنكم لسارقون.

وقوله تعالى: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ} .

أي: قال بنو يعقوب حين سمعوا النداء وأقبلوا على المنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم: ما الذي تفقدون؟

وقوله تعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} .

قال ابن عباس: ({صُوَاعَ الْمَلِكِ}، قال: كان من فضة مثل المكوك. وكان للعباس منها واحدٌ في الجاهلية). وقال سعيد بن جبير: ({صُوَاعَ الْمَلِكِ}: وكان إناءه الذي يشرب فيه). وعن قتادة: ({وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}، يقول: وقر بعير. {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}، قال: كفيل).

قال ابن كثير: ({وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}، وهذا من باب الجعَالة، {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}، وهذا من باب الضَّمان والكَفَالة).

وقوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} .

قال الربيع: (يقول: ما جئنا لنَعْصي في الأرض). أي: لقد عرفتمونا منذ جئناكم وتحققتم أننا لسنا بأهل شرور وفساد - وقد شاهدوا منهم حُسْنَ سيرة - وليست السرقة

ص: 158

من سجايانا. وقوله: {تَاللَّهِ} وأصله "والله"، فقلبت الواو تاء لكثرة استخدام العرب لها.

وقوله تعالى: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} .

أي: كيف ستكون عقوبة من وجدنا عنده ما نفقده؟

وقوله تعالى: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} .

قال ابن إسحاق: ({فَهُوَ جَزَاؤُهُ}، أي: سُلِّمَ به، {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}، أي: كذلك نصنع بمن سرقَ منَّا). وقال معمر: (أخبروا يوسف بما يحكم في بلادهم، أنه من سرق أخذ عبدًا). أي: يُدْفع السارق إلى المسروق منه - هكذا في شريعة إبراهيم عليه السلام.

وقوله: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} .

أي: ففتش يوسف عليه السلام أوعية إخوته من أبيه قبل تفتيشه وعاء بنيامين، ثم فتش آخر ذلك وعاء أخيه فاستخرج الصواع من وعاء أخيه، وإنما فعل ذلك تورية.

وقوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} .

قال ابن كثير: (فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزامًا لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}، وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحِكْمةِ والمصلحة المطلوبة. قال: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}، أي: لم يكن له أخذُه في حكم ملك مصر).

ومن أقوال أهل التأويل:

1 -

عن مجاهد: ({كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}، كادها الله له، فكانت علة ليوسف. {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}، قال: إلا فعلة كادها الله، فاعتلّ بها يوسف).

2 -

وعن ابن عباس: ({مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}، يقول: في سلطان الملك). وقال السدي: (في حكم الملك). وعن قتادة قال: (يقول: ما كان ذلك في قضاء الملك أن يستعبد رجلًا بسرقة). قال معمر: (كان حكم الملك أن من سَرَقَ ضوعف عليه الغُرْم).

3 -

وعن ابن إسحاق: ({مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} ، أي: بظلم، ولكن الله

ص: 159

كاد ليوسف ليضمّ إليه أخاه). قال ابن زيد: (ليس في دين الملك أن يؤخذ السارق بسرقته. قال: وكان الحكم عند الأنبياء، يعقوب وبنيه، أن يؤخذ السارق بسرقته عبدًا يسترقّ).

قلت: وهذه الأقوال متقاربة في معناها متكاملة في مفادها، فغاية القول: إن الله تعالى شاء ليوسف عليه السلام هذه الحيلة ليحتفظ بأخيه عنده، فاستفاد من حكم السارق في شريعتهم - شريعة أبيهم يعقوب - أن يُسْتَرَقَّ فيصير عبدًا للمسروق منه، فأخذه بإقرارهم، وما أراد يوسف من ذلك قضاء حكم ملك مصر وتعريض أخيه لقوانين تلك البلاد، ليظلم بلا حجة وبلا ذنب.

قال القاسمي رحمه الله: (وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا، لاستبد بما شاء، وهذا من وفور فطنته، وكمال حكمته، ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر "دينًا" لها والآيات في ذلك كثيرة). وقال النسفي: ({إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} أي: ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه).

وقوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} - قال ابن جريج: (يوسف وإخوته، أوتوا علمًا، فرفعنا يوسف فوقهم في العلم).

وقال ابن جرير: (بمعنى: نرفع منازل من نشاء رفع منازله ومراتبه في الدنيا بالعلم على غيره، كما رفعنا مرتبة يوسف في ذلك ومنزلته في الدنيا على منازل إخوته ومراتبهم).

وقوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} - قال الحسن: (ليس عالمٌ إلا فوقه عالم، حتى ينتهي العلم إلى الله). وعن قتادة: ({وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلَّمت العلماء، وإليه يعود. وفي قراءة عبد الله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}).

77 -

79. قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ

ص: 160

مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)}.

في هذه الآيات: تَصْريحُ إخوة يوسف تجاه الموقف باللمز بيوسف وتشبيه بنيامين به في صنيعه، وَطَعْنُ يوسف بمقولتهم في نفسه، واستِعطافُ الإخوة يوسف لإطلاق بنيامين وأخذ أحدهم مكانه، وإصرار يوسف على مقام العدل في محاسبة الجاني دون غيره.

فقوله: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} - قال القاسمي: (هذا تنصل منهم إلى العزيز بالتشبيه به. أي: إِنَّ هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف).

وعن ابن جريج: (قال: كانت أم يوسف أمرت يوسف يسرق صنمًا لخاله يعبده، وكانت مسلمة). وقال قتادة: (ذكر أنه سرق صنمًا لجده أبي أمه، فعيروه بذلك)، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.

قلت: والذي أرادوا من قولهم ذلك - كما ذكر ابن كثير والقاسمي وغيرهم - التنصل من فعل بنيامين، ومحاولة طعنه مع أخيه أمام العزيز ليظهروا أمامه بالصفاء والصدق.

وقوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} .

قال ابن عباس: (يقول: أسَرَّ في نفسه قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} . والمقصود: أن يوسف عليه السلام طعن في نفسه بشهادتهم الكاذبة، بقوله:{أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا} أي: منزلة، حيث سرقتم أخاكم من أبيكم، ومكرتم به شر مكر، ثم طفقتم تفترون على بنيامين البريء، والله أعلم بما تصفون من أمر يوسف وأخيه وبما تكذبون.

وقوله تعالى: {قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .

قال النسفي: ({قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} في السن وفي القدر {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} أبدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد، فإن أباه يتسلى به عن أخيه

ص: 161

المفقود {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} إلينا، فأتمم إحسانك، أو من عادتك الإحسان فَاجْرِ على عادتك ولا تغيّرها).

وقوله تعالى: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} .

قال ابن إسحاق: (يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعًا عنده، إنّا إذن نفعل ما ليس لنا فعله ونجورُ على الناس).

80 -

82. قوله تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)}.

في هذه الآيات: فَقْدُ إخوة يوسف الأمل من إطلاق سراح بنيامين، وتَحاوُرُهم في ذلك، ورَفْضُ كبيرهم الرجوع معهم حتى يحظى بسماح والده، ونصيحته لهم إخبار والدهم بحقيقة ما جرى وبتصديق أهل القرية لروايتهم.

فقوله: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} - أي: فلما يئسوا من يوسف أن يخلي سبيل بنيامين ويأخذ منهم واحدًا مكانه. وقال ابن إسحاق: ({خَلَصُوا نَجِيًّا}، أي: خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا: ماذا ترون؟ ). والمقصود: أنهم انفردوا عن الناس يتناجون بينهم فيما حصل، وينظرون كيف يخلصون من غضب أبيهم وسخطه وكيف يعتذرون!

وقوله: {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ} .

أي: قال أكبرهم وهو فيما ذكر - روبيل - ألم تعلموا - أيها القوم - أن أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهود الله ومواثيقه لتردن إليه بنيامين إلا أن يحاط بكم، هذا إضافة إلى ما كان من تفريطكم في يوسف من قبل.

ص: 162

وقوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} .

أي: فلن أغادر هذه البلدة حتى يسمح لي أبي بالرجوع إليه، أو يحكم الله لي بأخذ أخي بالسيف أو بتمكيني من ردّه، أو بما يشاء سبحانه وهو خير الحاكمين.

قال ابن إسحاق: ({فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ}، التي أنا بها اليوم، {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي}، بالخروج منها). وعن أبي صالح: ({أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي}، قال: بالسيف) - وكأنه أراد حربهم وتخليص أخيه من بين أيديهم. قال ابن جرير: ({أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي}، أو يقضي لي ربي بالخروج منها، وترك أخي بنيامين، وإلا فإني غير خارج، {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}، يقول: والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس).

وقوله تعالى: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} .

أي: عودوا إلى أبيكم - وأنا في انتظاري هنا - فأخبروه بصورة ما وقع ليكون لنا عذرًا عنده. قال مجاهد: ({وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}: ما كنا نظن ولا نشعر أنه سيسرق). وقال قتادة: (ما كنا نظن أن ابنك يسرق).

وقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} .

قال ابن عباس: ({وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا}، يعنون مصر). وعن ابن إسحاق: ({وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا}، فقد علموا ما علمنا وشهدوا ما شهدنا، إن كنت لا تصدقنا، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}).

قال ابن جرير: ({وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا}، وهي مصر، يقول: سل من فيها من أهلها، {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا}، وهي القافلة التي كنا فيها، التي أقبلنا منها معها، عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك عنه من سَرَقهِ، فإنك تَخْبُرُ مصداق ذلك، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}، فيما أخبرناك من خبره).

83 -

87. قوله تعالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ

ص: 163

يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)}.

في هذه الآيات: تَلَقّي يعقوب الخبر بالتشكيك بأولاده، والصبر على المصاب الجديد، وتَذَكُّر يوسف والبكاء من شدة الحزن، وبثه الشكوى إلى الله العظيم، ثم أَمْرُه لهم بالضرب في الأرض لالتماس خبر يوسف وأخيه، وعدم القنوط من رحمة الله، فإنه لا يقنط من روح الله إلا القوم الكافرون.

فقوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} - قال قتادة: (يقول: زينت). أي: لما رجع إخوة بنيامين إلى أبيهم وتخلف روبيل وأخبروه أنه سرق اتهمهم أبوهم بأنه قد زينت لكم أنفسكم أمرًا هممتم به. قال محمد بن إسحاق: (لما جاؤوا يعقوب وأخبروه بما جرى اتَّهَمَهُم وظنّ أنَّها كفعلتهم بيوسف: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}).

وقوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} - أي: أصبر على ما نالني من فقد ولدي صبرًا لا شكاية فيه ولا جزع، عسى الله أن يرد عليّ أولادي الثلاثة: يوسف، وبنيامين، وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه.

وقوله: {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} - قال ابن جرير: ({إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ}، بِوَحْدَتي، وبفقدهم وحزني عليهم، وصِدْق ما يقولون من كذبه، {الْحَكِيمُ}، في تدبيره خلقه).

وقوله: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} - أي: أعرض عن بنيه وقد تجدّد له الحزن القديم وقال: {يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} . قال ابن عباس: (يقول: يا حزني على يوسف). والأسف أشد الحزن والتندم.

وعن ابن إسحاق: ({وَتَوَلَّى عَنْهُمْ}، أعرض عنهم، وتتامَّ حزنه وبلغ مجهودَه، حين لحق بيوسف أخوه، وهَيَّجَ عليه حزنه على يوسف فقال: {وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}). وعن مجاهدْ ({يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}، قال: يا جَزعاه حزنًا).

روى عبد الرزاق وابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قال: (لم يُعْطَ أحدٌ غيرَ هذه الأمة

ص: 164

الاسترجاع، ألا تسمَعُون إلى قول يعقوب عليه السلام {يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} ).

وقوله: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ} . أي: من شدة الحزن. {فَهُوَ كَظِيمٌ} - قال مجاهد: (كظيم الحزن) - أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق. وقال الضحاك: (كئيب حزين). وقال قتادة: (تردَّدَ حُزْنُهُ في جوفه، ولم يتكلّم بسوء). أو قال: (كظيم على الحزن، فلم يقل إلا خيرًا).

وقوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} .

أي: قال بنو يعقوب له: إنك لا تزال تذكر يوسف حتى يجهدك المرض ويؤذي جسمك وعقلك أو يهلكك.

قال مجاهد: ({تَفْتَأُ}، تفتر من حبه). أي: إنك لا تفتر من حب يوسف واستعراض ذكراه. وقال قتادة: (لا تزال تذكر يوسف).

وعن ابن عباس: ({حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا}، يعني الجَهْدَ في المرض، البالي). وقال مجاهد: (الحرض، ما دون الموت). وعن قتادة: ({حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا}، حتى تبلى أو تهرم).

وقال الضحاك: (الحرض: الشيء البالي الفاني). أو قال: (البالي المُدْبر).

قال ابن جرير: (وأصل "الحرض" الفساد في الجسم والعقل من الحزن أو العشق).

والمقصود: إن كثرة ذكرك ليوسف يؤذي بدنك ويُعِلّ صحتك وينعكس على نفسك وعقلك بالفساد والسوء - يقوله بنو يعقوب لأبيهم.

وقوله: {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} - قال مجاهد: (من الميتين). أي: تكون ممن هلك بالموت.

وقوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

قال ابن عباس: ({بَثِّي}، همي). وقال الحسن: (حزني). أو قال: (حاجتي)، وقيل: غمّي. وعن ابن إسحاق قال: (قال يعقوب عن عِلْمٍ بالله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، لما رأى من فظاظتهم وغلظتهم وسوء لَفْظِهم له: لم أشك ذلك إليكم، {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}).

ص: 165

قال ابن عباس: ({وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له). وقال ابن كثير: ({وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، أي: أرجو منه كلَّ خير).

وقوله: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} .

أي: التمسوا خبر يوسف وأخيه وتعرَّفوا أمرهما. وأصل التحسُّس من الحِسّ. وهو قول يعقوب لبنيه حين طمع في يوسف وأحسّ قرب لقائه. قال السدي: ({يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ}، بمصر).

وقوله: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} - قال قتادة: (أي: من رحمة الله). وقال السدي: (من فرج الله أن يردَّ يوسف). وقال ابن زيد: (من فرج الله، يفرِّج عنكم الغمَّ الذي أنتم فيه).

قال ابن إسحاق: (ثم إن يعقوب قال لبنيه وهو على حسن ظنه بربه، مع الذي هو فيه من الحزن: يا بني، اذهبوا إلى البلاد التي منها جئتم {فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ}، أي: من فرجه).

وقوله: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} - قال ابن جرير: (يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته، ويقطع رجاءه منه، {إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، يعني: القوم الذين يجحدون قُدرته على ما شاء تكوينه).

88 -

93. قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ

ص: 166

الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)}.

في هذه الآيات: عَوْدَةُ إخوة يوسف إلى مصر، ودخولُهم على يوسف ببضاعة قليلة، وهم يرجونه رحمتهم في شأن أخيهم وحسن التزود من كيله، وَكَشْفُ يوسف الحقيقة في أمره، واعترافُهُم له بالذنب وتفضيل الله له عليهم، وصفحه هو عنهم ورجاؤه عفو الله عنهم، وإعطاؤهم قميصه ليلقوه على وجه أبيهم ليرتد بصيرًا بإذن الله ثم ليأتوه أجمعين.

فقوله: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ} - في الكلام محذوف، والتقدير: فلما خرجوا من عند يعقوب وتوجهوا إلى مصر ودخلوا على يوسف. {قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ} - يعنون من الجَدْب والقحْط وقلة الطعام.

وقوله: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} - قال ابن إسحاق: (وخرجوا إلى مصر راجعين إليها، {بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ}، أي: قليلة لا تبلغ ما كانوا يتبايعون به، إلا أن يتجاوز لهم فيها، وقد رأوا ما نزل بأبيهم، وتتابَعَ البلاء عليه في ولده وبصره، حتى قدموا على يوسف. فلما دخلوا عليه قالوا: {يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ}، رَجَاةَ أن يرحمهم في شأن أخيهم، {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ}).

وعن ابن عباس: ({بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ}، قال: رَدِيَّةِ زُيُوفٍ، لا تنفق حتى يوضَعَ منها). أو قال: (رَثَّةُ المتاع، الحبلُ والغرارةُ والشيء). أو قال فيها: (كاسدة غير طائل). وعن مجاهد: ({مُزْجَاةٍ}، قال: قليلة). وقال الضحاك: (كاسدة، لا تنفق). وقال قتادة: (يسيرة).

وأصل الإزجاء: السَّوْق بدفع. قال القرطبي: (والمعنى أنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد). وقال ثعلب: (البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة).

قلت: والمقصود أنهم قدموا ليمتاروا بثمن طعام قليل.

وقوله: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} - قال ابن كثير: (أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك وقرأ ابن مسعود: {فأوقِرْ ركابنا وتصَّدق علينا}). وعن ابن جريجٍ: ({وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا}، قال: رُدَّ إلينا أخانا).

ص: 167

وقال سعيد بن جبير: ({وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا}، يقولون: تصدَّق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتجوَّزْ فيها).

وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} - يعني في الدنيا والآخرة. فهو سبحانه يثيب المتفضلين على أهل الحاجة بأموالهم.

في صحيح مسلم عن أنس بن مالك، أنه حَدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:[إن الكافِرَ إذا عملَ حسنةً أُطعِمَ بها طُعمةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدّخِرُ له حسناته في الآخرة ويُعقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا، على طاعته](1).

وقوله: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} - قال القرطبي: (استفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال الله: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا} [يوسف: 15] الآية).

وعن ابن إسحاق قال: (ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام، غلبته نفسه، فارفَضَّ دمعه باكيًا، ثم باح لهم بالذي يكتم منهم، فقال: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}).

وخلاصة المعنى هي كما ذكر ابن كثير: (أنه لما ذكر له إخوتُه ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعُموم الجَدْب. وتذَكَّر أباه وما هو من الحزن لفقد ولديه، مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسَّعة، فعند ذلك أخذته رِقَّةٌ ورأفةٌ ورحمةٌ وشفقة على أبيه وإخوته، وبَدَرَه البكاءُ، فتعرَّف إليهم، يقال: إنه رفع التاجَ عن جبهته، وكان فيها شامةٌ، وقال: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}).

وقوله: {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} - أي: بإثم العمل الذي أقدمتم عليه وتبعاته.

وقوله: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} .

قال ابن إسحاق: (لما قال لهم ذلك، يعني قوله: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}، كشف الغِطاء فعرفوه، فقالوا: {أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ. . .}، الآية).

قال ابن جرير: ({وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا}، بأن جمع بيننا بعد ما فرقتم بيننا).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2808)(56)(57)، كتاب صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.

ص: 168

وقوله: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} .

أي: إنه من يجمع بين التقوى والصبر على المحن وعلى طاعة الله فإن الله يحفظ ذلك له، ويبادله بالإحسان الإحسان.

قال مجاهد: ({إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ}، يقول: من يتق معصية الله، ويصبر على السجن).

وقوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} .

هو اعتراف إخوة يوسف له بالفضل والرفعة والأثرة عليهم في الخَلْق والخُلُق، والسَّعة، والملك، والتصرف والنبوة. قال قتادة:({تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا}، وذلك بعدما ما عرَّفهم أنفسهم. يقول: جعلك الله رجلًا حليمًا).

وعن السدي قال: (لما قال لهم يوسف: {أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي}، اعتذروا إليه وقالوا: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ}، فيما كنا صنعنا بك).

وقوله تعالى: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .

قال ابن إسحاق: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم).

وعن السدي قال: (اعتذروا إلى يوسف فقال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، يقول: لا أذكر لكم ذنبكم). قال ابن جرير: (يقول: لا تعيير عليكم، ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة، ولكن لكم عندي الصفح والعفو).

قال ابن كثير: (يقول: لا تأنيبَ عليكم ولا عَتْب عَليكُم اليوم، ولا أعِيدُ ذنبكم في حقي بعد اليوم. ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}).

وقوله تعالى: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} .

قال السدي: (قال لهم يوسف: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: لما فاته بنيامين عمي من الحزن. قال: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}).

قلت: وهذا بلا شك من النبوة، فإن يعقوب عليه السلام كان قد عمي من كثرة

ص: 169

البكاء، فأمر يوسف عليه السلام إخوته بإلقاء قميصه على وجه أبيه ليرتد إليه بصره بإذن الله، كما أمرهم بإحضار جميع أهلهم إليه لتتم الآية ويحصل تأويل الرؤيا.

94 -

98. قوله تعالى: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)}.

في هذه الآيات: شُعورُ يعقوب عليه السلام بريح يوسف عند قدوم العير، واستِنكارُ الأولاد شعور أبيهم، وتصديقُ الشعور بإلقاء البشير القميص على وجه يعقوب وعودته بصيرًا، واعتِرافُ الأبناء أمام أبيهم راجين عفوه وصفحه عنهم، واستِغفارُ يعقوب ربه تعالى لأبنائه والله هو الغفور الرحيم.

فقوله تعالى: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} .

قال ابن عباس: (هاجت ريح فجاءت بريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال).

أي: لما خرجت عير بني يعقوب من عند يوسف متوجهة إلى يعقوب قال لهم أبوهم يعقوب عليه السلام: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} .

وعن مجاهد: ({لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ}. قال: تُسَفِّهون). وقال الحسن: (تُهَرِّمون). وقال الضحاك: (تكذبون): والتفنيد: الإفساد، فيدخل في مفهومه الضعف والهرم والكذب وذهاب العقل.

وقوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} .

قال ابن عباس: (يقول: خطئك القديم). وعن قتادة: (أي: من حب يوسف، لا تنساه ولا تسلاه. قالوا لوالدهم كلمةً غليظة، لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم، ولا لنبي الله صلى الله عليه وسلم). وعن ابن إسحاق قال: ({قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ}، أي: إنك لمن ذكر يوسف في الباطل الذي أنت عليه).

ص: 170

وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

قال ابن عباس: ({الْبَشِيرُ}: البريد). والمقصود: لما جاء البشير من عند يوسف، وهو المبشِّر برسالة يوسف، فوصل إلى يعقوب فألقى القميص على وجهه فارتد بصره بإذن الله. فعندها قال يعقوب لبنيه: ألم أقل لكم إني أعلم من الله أنه سيردّ عليّ يوسف وستنكشف القصة ويظهر أمر الرؤيا. قال ابن جرير: (لأن رؤيا يوسف كانت صادقة، وكان الله قد قضى أن أخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت موقنًا بقضائه - يقول يعقوب).

وقوله تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .

أي: فلما أبصر بنو يعقوب المشهد أمامهم، أيقنوا أن الله تعالى قد كشف الأمر وأعز يوسف عليه الصلاة والسلام، فعندئذ طلبوا من أبيهم أن يَسأل ربه تعالى ليعفو عنهم ويستر عليهم ذنوبهم التي كانوا أذنبوها في حق يعقوب أبيهم وابنه يوسف أخيهم، فلا يعاقبهم بها يوم القيامة، وها هم يعترفون بذنبهم ويقرون بما صدر منهم. فأجابهم يعقوب عليه السلام إلى طلبهم: أن سوف أسأل ربي عز وجل أن يعفو عنكم ويصفح عن ذنوبكم، إنه هو الغفور الرحيم.

99 -

100. قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)}.

في هذه الآيات: قُدُومُ موكب يعقوب عليه الصلاة والسلام وزوجته - أم يوسف -، وبنيه بلادَ مصر، للقاء يوسف عليه الصلاة والسلام، وقد كان حمَّل إخوته الأمر أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحمَّلوا عن آخرهم وترحّلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر، فلما أُخبر يوسف عليه السلام باقترابهم خرج هو والملك لتلقي نبي الله

ص: 171

يعقوب صلى الله عليه وسلم. وقد أمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج والمشاركة باستقبال موكب والدي يوسف وعائلته، فكان الاستقبال الرائع من يوسف لأبويه ودخلوا مصر بإذن الله آمنين. ورفع يوسف أبويه على سريره وخرّوا له سجدًا، وأخبرهم حصول تأويل رؤياه في هذا المشهد الرهيب بعد رحلة شاقة طويلة بين السجن والغربة وفراق الأبوين ونزغ الشيطان بينه وبين إخوته، والله لطيف في تقديره وهو العليم الحكيم.

فعن السدي قال: (فحملوا إليه أهلهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر، كَلَّم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج هو والملوك يتلقَّونهم، فلما بلغوا مصر قال: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}، {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ}).

وعن ابن إسحاق: ({فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ}، قال: أباه وأمه).

وقوله: {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} - قال ابن كثير: (ما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: {ادْخُلُوا مِصْرَ}، وضمَّنه: اسكنوا مصر؟ {إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}، أي: مما كنتُم فيه من الجَهْد والقَحْطِ، ويُقال - والله أعلم - إن الله تعالى رَفَع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قُدوم يعقوب عليهم. كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة حين قال: "اللهم أعني عليهم بسَبْعٍ كسَبْعِ يوسف" (1)، ثم لما تضرعوا إليه واستشفعُوا لديه وأرسلوا أبا سفيان في ذلك، فدعا لهم، فَرُفِعَ عنهم بقيةُ ذلك ببركة دعائه عليه السلام.

وقوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} .

قال مجاهد: (العرش: السرير). وقال ابن زيد: ({وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ}، قال: مجلسه). والمقصود أن يوسف رفع أبويه على السرير، أي: أجلسهما معه على سريره. وعن ابن عباس: ({وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا}، يقول: رفع أبويه على السرير وسجدا له، وسجد له إخوته).

وقال ابن إسحاق: (تحمّل - يعني يعقوب - بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان، أبوه وأمه وإخوته).

قال ابن كثير: (وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سَلَّموا على الكبير يسجُدون له،

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (1007)، (1020)، ومسلم (2798) ح (40)، وأحمد (1/ 380) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

ص: 172

ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدَمَ إلى شريعة عيسى عليه السلام فحرَّم هذا في هذه الملة، وجُعِلَ السجود مختصًا بجناب الرب سبحانه وتعالى. هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث، أن معاذًا قدِمَ الشام فوجَدَهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجَعَ سَجَدَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: إني رأيتهم يسجُدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يُسجدَ لك يا رسول الله! فقال:"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ الزوجة أن تسجُدَ لزوجها من عِظَم حَقِّه عليها"(1)).

وقوله: {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} .

قال يوسف لأبيه: يا أبت، هذا ما آلت إليه رؤياي أيام الصبا، حين رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر كلهم لي ساجدون، فهو هذا السجود الذي سجدت أنت وأمي وإخوتي لي، فقد حقّقها ربي عز وجل.

وقوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} .

قال قتادة: (وكان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواشٍ وبرّية).

وقال ابن جريج: (كانوا أهل بادية وماشية، وقال: كانوا يسكنون بالعَرَبات من أرض فلسطين، من غور الشام، قال: وبعضٌ يقول: كانوا بالأولاج من ناحيةِ شِعْبٍ أسفلَ من حُسْمى، وكانوا اصحاب باديةٍ وشاءٍ وإبل).

والخلاصة: يتذكر يوسف عليه الصلاة والسلام نعم الله عليه إذ أخرجه من السجن وعزّزه وكرّمه، وحمل إليه أهله من البادية ليرونه على أحسن حال، وفي أبّهة الملك والسلطان، ومع ذلك فهو يملك نفسًا عالية رفيعة بعيدة عن أحوال الملوك والسلاطين وما يعتريهم من الكبر والعجب، وهو اليوم يصفح عن إخوته ولا يشمت بهم ولا يجرح مشاعرهم بل يقول:{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} .

قال النسفي: (ولم يذكر الجُبَّ لقوله لا تثريب عليكم اليوم {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} أي: أفسد بيننا وأغرى {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} أي: لطيف

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (2322)، والبغوي في "التفسير"(587) من حديث معاذ بن جبل، وأخرجه ابن ماجه (1853)، وأحمد (4/ 381)، وابن حبان (4171) من حديث ابن أبي أوفى.

ص: 173

التدبير {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} بتأخير الآمال إلى الآجال أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف).

101.

قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)} .

في هذه الآية: التِجاءُ يوسف عليه الصلاة والسلام إلى ربه بالدعاء بعد تمام نعمه سبحانه عليه، من قوة السلطان وحسن التمكين، وتأويل الأحلام للسائلين، والحكم والعلم والنبوة، ليتم نعمته عليه بحسن الختام، والوفاة على الإيمان، واللحوق بالصالحين.

فعن مجاهد: (في قوله: {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}، قال: العِبارة).

وعن الضحاك يقول: في قوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} ، يقول:(توفني على طاعتك، واغفر لي إذا توفيتني).

قال ابن جرير: (قال يوسف: بعدما جمع الله له أبويه وإخوته، وبسط عليه من الدنيا ما بسط من الكرامة، ومكنه في الأرض، متشوِّقًا إلى لقاء آبائه الصالحين: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ}، يعني: من ملك مصر، {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}، يعني من عبارة الرؤيا، تعديدًا لنعم الله عليه، وشكرًا له عليها، {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، يقول: يا فاطر السماوات والأرض، يا خالقها وبارئها، {أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}، يقول: أنَّت وليي في دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك، وتغذوني فيها بنعمتك، وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك، {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا}، يقول: اقبضني إليك مسلمًا، {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}، يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك).

قلت: وليس في الآية ما يدل على تمني يوسف الموت، أو أنه أول من تمناه من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين، بل غاية المعنى أنه يسأل حسن الختام، والوفاة على الإيمان، وأن يلحقه الله تعالى عند وفاته بآبائه الصالحين.

ص: 174

وقد جاءت سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بآفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها:

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يَتَمَنَّينَ أحدُكمُ الموتَ لِضُرٍّ نزلَ به، فإن كانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فليَقُل: اللهم أَحْيِني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي](1).

الحديث الثاني: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أم الفضل رضي الله عنها: [أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخل عليهم، وعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم! لا تتمن الموت، فإنك إن كنت محسنًا، فأن تؤخر تزداد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنّ الموت](2).

الحديث الثالث: أخرج الترمذي وأحمد من حديث معاذ وابن عباس - في قصة المنام - والدعاء الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم مما علَّمه الله تعالى وقال له: [يا محمدُ! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعلَ الخيرات، وتركَ المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وأن تغفرَ لي، وترحمني، وتتوبَ عليَّ، وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتون](3).

102 -

107. قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)}.

في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن ما قصَّه عليه في هذه السورة من أنباء

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6351) - كتاب الدعوات، ومسلم (2682)، وأبو داود (3109). وأخرجه أحمد في المسند (2/ 514)، والنسائي (4/ 3)، وابن ماجه (4265) من طرق.

(2)

حديث صحيح. أخرجه الحاكم (1/ 339)، والبيهقي (3/ 377)، وهو على شرط الإمام البخاري.

(3)

حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (3235)، ومسند أحمد (5/ 243)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (59)، وصحيح سنن الترمذي (2580) - (2582).

ص: 175

الغيب إنما هو لتثبيته على الصراط فيما يلاقيه من أذى قومه وتكذيبهم، وبأن المكر سيرجع على المكرة بالنكال والوبال. إِنَّ أكثر الناس لا يفيدون من آيات الله في هذا الكون الفسيح بل يعيشون مستكبرين مشركين. فهل أمنوا مكر الله وعذابه أو الساعة تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون؟ !

فقوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} - قال ابن جرير: (يقول: من أخبار الغيب الذي لم تشاهده ولم تعاينه، ولكنا نوحيه إليك ونعرِّفكه لنثبِّتَ به فؤادك، ونشجع به قلبك، وتصبر على ما نالك من الأذى من قومك في ذات الله، وتعلم أن من قبلك من رسل الله، إذ صبروا على ما نالهم فيه، وأخذوا بالعفو، وأمروا بالعُرْف، وأعرضوا عن الجاهلين، فازوا بالظفر، وأُيِّدُوا بالنصر، ومُكِّنوا في البلاد، وغلبوا من قَصدوا من أعدائهم وأعداء دين الله).

وقوله: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} - قال ابن عباس: (هم بنو يعقوب). وقال قتادة: (يقول: ما كنت لديهم وهم يلقونه في غَيَابَةِ الجب).

والمعنى: ما كنت يا محمد حاضرًا عند إخوة يوسف، حين عزموا على إلقاء يوسف في غيابة الجب واجتمعت آراؤهم على ذلك المكر، ولكن أعلمناك به وحيًا أنزلناه إليك. وفي التنزيل نحو هذا كثير:

1 -

قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].

2 -

وقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [القصص: 44].

3 -

وقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 46].

4 -

وقال تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [ص: 69، 70].

وقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} .

قال النسفي: (أراد العموم أو أهل مكة، أي: وما هم بمؤمنين ولو اجتهدت كل الاجتهاد على إيمانهم). وقال ابن كثير: (يقرر تعالى أنه رسُوله، وأنه قد أطلعه على

ص: 176

أنباء ما قد سبق مما فيه عبرة للناس ونجاةٌ لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثر الناس).

قلت: والآية في ذم الكثرة الضائعة، فإن القلة المؤمنة ممدوحة وعليها يعول. وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116].

2 -

قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 8].

وفي صحيح مسلم عن عمير بن هانئ قال: سمعت معاوية على المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم أو خالفهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم ظاهرون على الناس](1).

وقوله تعالى: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} .

أي: وإنك لا تسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم ونصحك لنجاتهم في الدنيا والآخرة أجرًا أو مالًا، وإنما تبتغي من وراء ذلك رضوان الله، وإن هو إلا ذكر لهم ليتذكروا ويتعظوا وليكونوا من الناجين.

وقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} .

قال القاسمي: (أي: وكم من آية على وحدانية الخالق، وقدرته الباهرة، ونعوته الجليلة، في السماوات: من كواكبها وأفلاكها، وفي الأرض: من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وقفار شاسعات، وحيوان ونبات، وثمار مختلفات، وأحياء، وأموات، يشاهدونها، ولا يعتبرون بها).

وقوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} .

قال ابن عباس: (من إيمانهم، إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: "الله"، وهم مشركون). وقال عكرمة نحوه: (فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره). وعن قتادة قال: (إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته).

وعن الضحاك قال: (كانوا يشركون به في تلبيتهم). وعن ابن عباس: (ولئن

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1037) - كتاب الإمارة -، وانظر (1921)، (1923) من الباب نفسه.

ص: 177

سألتهم: من يرزقكم من السماء والأرض؟ ليقولن: الله. وهم مع ذلك يشركون به ويعبدون غيره، ويسجدون للأنداد دونه).

وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها:

الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [كان المشركون يقولون: لبَّيْكَ لا شريك لك، قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَيْلكُمْ! قَدٍ قَدٍ (1)، فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت](2).

الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الذنب أعظمُ عند الله؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك، - قلت: إن ذلك لعظيم -، قلت: ثم أيّ؟ قال: وأنْ تقتلَ ولدك تخافُ أن يطعمَ معك، قلت: ثم أيُّ؟ قال: أنْ تُزانيَ حليلة جارك] (3).

الحديث الثالث: أخرج الحكيم الترمذي ونحوه أبو يعلى بسند جيد في الشواهد عن أبي بكر مرفوعًا: [الشِّرك فيكم أخفى من دبيب النَّمل، وسأدلك على شيء إذا فعلتهُ أذهب عنكَ صغارَ الشركِ وكبارَه، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشركَ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم](4).

الحديث الرابع: أخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: [من حلف بغير الله فقد أشرك](5).

الحديث الخامس: أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [إن الرُّقى والتمائم والتولة شرك](6).

(1) أي كفاكم فاقتصروا عليه.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (1185) - كتاب الحج - باب التلبية وصفتها ووقتها.

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4477) - كتاب التفسير - سورة البقرة، آية (22).

(4)

صحيح لشواهده. أخرجه الحاكم الترمذي من حديث أبي بكر رضي الله عنه مرفوعًا. انظر مجمع الزوائد (10/ 224)، وفتح المجيد (83)، وصحيح الجامع (3625).

(5)

حديث صحيح. أخرجه الترمذي (1535)، وأحمد (2/ 34، 87، 125)، وأبو داود (3251).

(6)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود (3883)، وأحمد (1/ 381)، وابن ماجه (3530)، والبيهقي (9/ 350). وفي لفظ عند أحمد:[الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل].

ص: 178

وقوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .

قال مجاهد: ({أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ}، قال: تغشاهم). وقال قتادة: (أي: عقوبة من عذاب الله). أو قال: (وقيعة تغشاهم من عذاب الله).

والمقصود: هل أمن هؤلاء المشركون أن يغشاهم عذاب قريب من الله فيهلكهم أو تأتيهم القيامة فجأة وهم مقيمون على جحودهم وشركهم.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل: 45 - 47].

2 -

وقال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 97 - 99].

أخرج أبو نعيم والبزار عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنتُه يوم أجمع عبادي](1).

108 -

111. قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى

(1) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(6/ 98)، ورواه البزار كما في "المجمع"(10/ 308). وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (4208).

ص: 179

وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}.

في هذه الآيات: خاتِمةٌ رائِعةٌ في أعقاب أحداث هذه السورة الكريمة، فيها تأكيدٌ على وجوب لزوم منهاج النبوة في الدعوة إلى الله والصبر على الأذى، ودعوة الناس للاعتبار بقصص القرآن والاستعداد للآخرة، وتأكيدٌ على النصر والتمكين للرسل وأتباعهم في نهاية الرحلة والمجاهدة للمعاندين والمستكبرين والمجرمين. إن في قصص القرآن عبرة لأولي الألباب وتأكيد على ثوابت المنهج وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.

فعن الربيع بن أنس قوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} ، قال:(هذه دعوتي). وقال ابن زيد: (هذا أمري وسنتي ومنهاجي). قال النسفي: ({قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي}: هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي. والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان).

وقوله: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} - أي: أدعو إلى الدين الحق على حجة واضحة وبرهان ساطع، فهو شأني وشأن من سار على منهجي واتبع أثري.

قال ابن زيد: (وحقٌ والله على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكِّر بالقرآن والموعظة، وَينْهى عن معاصي الله).

فإن كان قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَنِي} معطوفًا على الضمير في {أَدْعُو} ، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله، وإن كان معطوفًا على الضمير المنفصل، فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون غيرهم - ذكره العلامة ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ثم قال:(وكلا المعنيين حق) -.

وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . - قال ابن كثير: (وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ}، أي: وَأُنَزِّهُ الله وأُجِلُّهُ وأُعَظِّمُه وأقدِّسُه، عن أن يكون له شريكٌ أو نظير، أو عديل أو نديدٌ، أو ولدٌ أو والدٌ أو صاحبةٌ، أو وزيرٌ أو مُشيرٌ، تباركَ وتقدَّسَ وتنزَّهَ تعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا، {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)} [الإسراء: 44]).

وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا} . - قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا، يا محمد، من قبلك إلا رجالًا، لا نساءً ولا ملائكة). قال ابن عباس: ({وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا} أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم). وفي التنزيل:

ص: 180

1 -

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20].

2 -

وقال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء: 8، 9].

وقوله: {نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} . - أي: نوحي إليهم آياتنا الدالة على إفراد الله بالدعاء والتعظيم، وهم من أهل الأمصار دون البوادي.

والقرى: جمع قرية، وهي لغة: المصر الجامع. لأن القرية كل مكان اتصلت به الأبنية، واتخذ قرارًا، والمراد هنا المدن دون البوادي، فأهل المدن أرق طباعًا وألطف من أهل البادية الذين يغلب عليهم الجفاء لتأثرهم بقسوة الريف والسواد.

وعن قتادة: ({وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى}، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العَمود (1)).

وفي التنزيل: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97].

أخرج الإمام أبو داود بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[مَنْ سَكَنَ البادية جَفَا، ومن اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومن أتى السلطان افتُتِنَ](2).

وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} .

قال ابن جريج: ({أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا}، من أهلكنا؟ قال لقريش: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم، فيعتبروا ويتفكروا؟ ).

وقوله: {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُون} .

قال القرطبي: (والمراد بهذه الدار الجنة، أي: هي خير للمتقين. وقُرِئ: {وللدّار الآخِرة}. وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر).

(1) أهل العمود: هم أهل البادية، والمراد بالعمود الخشبة القائمة وسط الأخبية والخيام، وهي بيوت أهل البوادي، ولذلك سمي أهل البادية أهل العمود.

(2)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود (2859) - كتاب الصيد - باب في اتباع الصيد، وانظر صحيح سنن أبي داود (2486)، ورواه أحمد وبعض أهل السنن، انظر صحيح الجامع (6172).

ص: 181

وقال القاسمي: ({أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: تستعملون عقولكم، فتعلموا أن الآخرة خير، أو تعلموا كيف عاقبة أولئك).

وفي التنزيل: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51، 52].

وأضاف الدار إلى الآخرة نحو قولك صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وبارحة الأولى. والتقدير على قول البصريين: ولدار الحال الآخرة خير، ولا شك أن المقصود الجنة.

وفي صحيح البخاري عن جابر قال: [جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا. فقالوا: مثله مثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا. فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أوِّلوها له يفقهها. فقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. الدار الجنة، والداعي محمد. فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد فرَّق بين الناس](1).

وقوله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} .

إِخْبَارٌ من الله تعالى أنه ينزل نصره وفرجه على رسله حالة اشتداد الضيق وحصول العنت، وتطلع القلوب المؤمنة إلى الله بالفرج واليسر بعد العسر.

وفي قوله {كُذِبُوا} قراءتان:

1 -

القراءة الأولى بالتخفيف، {كُذبوا} وهي قراءة ابن عباس، وأهل المدينة والكوفة.

2 -

القراءة الثانية بالتشديد، {كُذِّبوا} ، وهي قراءة عائشة رضي الله عنها، وأهل الشام.

فعلى القراءة الأولى يكون التأويل على عدة أقوال:

1 -

قال ابن عباس: (لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومُهم، وظنَّ قومهم أن

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (7281)، وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (2/ 782 - 783) لمزيد من التفصيل.

ص: 182

الرسل قد كَذَبوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجّي من نشاء).

2 -

قال ابن زيد: (استيأس الرسل أن يؤمن قومهم بهم، وظنّ قومهم المشركون أن الرسل قد كَذَبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم عليهم، وأخْلِفُوا، وقرأ: {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}، قال: جاء الرسلَ النصرُ حينئذٍ). قال: وكان أبيّ يقرؤها: {كُذبوا} ).

3 -

قال ابن جريج: (أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قرأ: {وظنوا أنهم قد كُذبوا}، خفيفة، قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخْلِفوا. قال عبد الله: قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباس: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضَعُفوا فظنوا أنهم أخْلِفوا).

وعلى القراءة الثانية يكون التأويل:

4 -

قال قتادة: (حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنوا أنهم قد كُذِّبوا، أي: استيقنوا أنه لا خير عند قومهم ولا إيمان، {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}).

5 -

أخرج البخاري في صحيحه عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة: أنه سأل عائشة رضي الله عنها زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيْتِ قولَ الله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} أو كُذِّبُوا؟ قالت: بل كَذَّبهم قومهم، فقلتُ: واللهِ لقد استيقنوا أنَّ قومهم كذَّبوهم وما هو بالظَّن، فقالت: يا عُرَيَّةُ، لقد استيقنوا بذلك، قلتُ: فَلَعلَّها أَوْ كُذِبُوا، قالت: معاذَ اللهِ، لم تكن الرسلُ تظُنُّ ذلك بِرَبِّها، وأما هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وَصَدَّقوهم وطالَ عليهم البلاءُ واستأخرَ عَنْهم النَّصْرُ حتى إذا استَيْأَسَتْ مِمَّن كَذَّبَهُمْ منْ قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذَّبوهم جاءهم نصر الله] (1).

قال القرطبي: ({وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا} - وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عمّا لا يليق بهم. وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يَزِلَّ الإنسان فيكون في سواء الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالًا ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب. {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} أي: يئسوا من إيمان قومهم. {وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا} وبالتشديد، أي أيقنوا أن قومهم كَذَّبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كَذَّبوهم، لا أنَّ القوْمَ كَذَّبوا، ولكن الأنبياء ظنوا

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (3389) - كتاب أحاديث الأنبياء - وانظر (4695) - كتاب التفسير -.

ص: 183

وحسِبوا أنهم يُكذِّبونهم، أي: خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك).

قلت: فالراجح في تأويل الآية: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} أي: من إيمان أقوامهم بعدما ظهر إصرارهم وعنادهم، ثم - على القراءة الأولى -:{وظنوا أنهم قد كُذِبوا} بالتخفيف، أي: أوشكوا على الضعف حتى خطر في قلوبهم ما خطر لتأخر النصر عنهم، وعلى - القراءة الثانية - بالتشديد:{وظنوا أنه قد كُذِّبوا} ممن تابعوهم لشدة المحنة عليهم فهنالك: {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} .

وفي السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى:

الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الله تجاوز عن أمتي ما حَدَّثت به أنْفُسها ما لم تَعْمَلْ أَوْ تتكلم](1).

قال قتادة: (إذا طَلَّقَ في نفسه فليس بشيء).

وفي لفظ: [إن الله تجاوز لي عنْ أمتي ما وسوستْ به صُدورها ما لم تَعْمل أو تَتكلَّم].

الحديث الثاني: أخرج الخطيب في "التاريخ"، والديلمي في "الفردوس"، بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا:[النَّصْر مع الصَّبر، والفرج مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا](2).

وقوله: {فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} .

قرأ عامة قراء المدينة ومكة والعراق: {فُنُنْجي من نشاء} مُخَفَّفة بنونين، والقراءة بالإدغام لبعض الكوفيين. والمعنى: فننجي الرسل ومن نشاء من المؤمنين حين يجيء نصرنا، ولا رادّ لعقوبتنا وبطشنا عن أهل الكفر ومعاندة الرسل.

قال ابن عباس: ({فننجي من نشاء}، فننجي الرسل ومن نشاء، {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}، وذلك أن الله تبارك وتعالى بَعَث الرسل فدعوا قومهم، وأخبروهم أنه من أطاع نجا، ومن عصا عُذِّبَ وغَوَى).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5269) - كتاب الطلاق - وكذلك (2528) - كتاب العتق.

(2)

رجاله ثقات. أخرجه الخطيب في "التاريخ"(10/ 287)، والديلمي (4/ 111 - 112)، وله شواهد عند الحاكم (3/ 541)، وأبي نعيم في "الحلية"(1/ 314)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (2382)، وقال: الحديث صحيح.

ص: 184

وقوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} .

قال مجاهد: ({لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ}، ليوسف وإخوته). قال ابن كثير: (يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين {عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} وهي العقول، {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى}، أي: وما كان لهذا القرآن أن يُفترى من دون الله، أي: يُكَذَّب ويُخْتَلق، {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}، أي: من الكتب المُنَزَّلة من السماء، وهو يُصَدِّقُ ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنَّسْخِ أو التقرير، {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ}، من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبّات، والنهي عن المحرّمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور على الجَلِيَّةِ، وعن الغُيُوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرّبِ تبارك وتعالى بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مُمَاثلة المخلوقات).

وقوله: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .

قال النسفي: ({وَهُدًى} من الضلال، {وَرَحْمَةً} من العذاب، {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالله وأنبيائه).

وقال القاسمي: ({لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: يصدقون به، ويعملون بأوامره، فإن الإيمان قول وعَقْدٌ وعمل. وخصّهم لأنهم المنتفعون به).

تمَّ تفسير سورة يوسف

بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه

فله الحمد أولًا وآخرًا

° ° °

ص: 185