الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
منهاج السورة
-
1 -
الانتصار لهذا القرآن العظيم، من الله الخالق المدبر لأمر هذا الكون من فوق عرشه الكريم، الذي أحسن كل شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسلهُ من سلالة من ماءٍ مهين، ثم سواه وأتم خلقهُ ولكن أكثر الخلق لا يشكرون.
2 -
إنكارُ البعث بعد الموت من المشركين، ونَعْتُ حالة الذل والخزي عليهم في أرض المحشر وهم يسألون الرجعة ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين.
3 -
سجودُ المؤمنين عند سماع آياتِ القرآن، وجفاءُ العلاقةِ بينهم وبين فرشهم لأَجْلِ صلاة القيام، وإنفاقهم في وجوه الخير وقد أعدّ الله لهم طيب العيش في الجنان.
4 -
اختلاف السبيلين: سبيل أهل الإيمان أهل النعيم، وسبيل أهل الفسق أهل الجحيم.
5 -
إرسال الله العذاب الأدنى دون عذاب الآخرة لعلهم يرجعون، ولا أظلم ممن ذكر بآيات الله ثم استكبر عنها، وقد توعد الله المستكبرين بقوله:{إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} .
6 -
جَعْلُ الله التوراة هدى لبني إسرائيل، واختياره الأئمة والقادة منهم لما حققوا الصبر واليقين، والله يفصل بين عباده يوم الحساب فيما كانوا فيه يختلفون.
7 -
توجيه الخطاب للمشركين المكذبين بالرسل لينظروا في كثرة ما أهلك الله من الأمم قبلهم فهم يمشون في مساكنهم.
8 -
الاعتبار بإيصالهِ تعالى الماء إلى الأرض اليابسة فيخرج به الزرع ويسقي الأنعام.
9 -
استعجالُ المشركين العذاب، ويوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا يؤخرون.
10 -
الأمر بالإعراض عنهم وعدم المبالاةِ بمكرهم، واللهُ منزل نصره قريبًا على رسوله والمؤمنين.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
9. قوله تعالى: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)}.
في هذه الآيات: انتصارُ الله تعالى لهذا القرآن العظيم، فهو الحق من الله خالق السماوات والأرض المدبر لأمر هذا الكون من فوق عرشه الكريم، الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم نفخ فيه الروح وسواه وعدله وجعل له السمع والبصر والعقل والقلب وأكثر الخلق لا يشكرون.
فقوله تعالى: {الم} . كسابقه في أول سورة البقرة وآل عمران، ومفهومه: أَنَّ هذا القرآن المعجز هو من جنس هذه الأحرف، وقد أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله.
وقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
انتصار لهذا القرآن بعد تلك البداية العجيبة. قال ابن جرير: (معنى الكلام: أن هذا القرآن الذي أُنزل على محمد لا شكّ فيه أنه من عند الله، وليس بشعر ولا سجع كاهن، ولا هو مما تخرّصه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كذّب جل ثناؤهُ بذلكَ قولَ الذين
{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]، وقول الذين قالوا:{إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4]).
وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} . أي: بل يقولون اختلقهُ من تِلقاء نفسه.
وقوله: {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} . قال القرطبي: (كذبهم في دعوى الافتراء).
وقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} .
قال قتادة: (كانوا أمَّةً أُمِّيَّةً، لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم).
قلت: والراجح أن العرب كانوا مطالبين بملة التوحيد - ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين - وإنما جدّد الله لهم البلاغ ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} إلى الحق الذي كان عليه الأحناف منهم ممن لزموا الدين الحق ولم يشاركوا قومهم في شركهم.
ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر رضي الله عنه: [وقد صليتُ يا ابنَ أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأينَ توجه؟ قال: أتوجهُ حيث يوجهني ربي عز وجل، أصلي عشاءً حتى إذا كان من آخر الليل أُلقِيتُ كأني خِفاء - أي كساء - حتى تعلوني الشمس](1).
وفي صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة قال: [كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان](2).
وقوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} .
أي: اللهُ تعالى هو الذي أبدعَ السماوات والأرض فأوجدها من العدم في ستة أيام، فهو المعبود جل ثناؤه الذي لا تصلح العبادة إلا لهُ أيها الناس.
قال قتادة: (يقول: ما لكم أيها الناس إله إلا من فعل هذا الفعل، وخلقَ هذا الخَلْقَ العجيب في ستة أيام).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: [خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2473)، كتاب فضائل الصحابة. باب من فضائل أبي ذر، رضي الله عنه. وانظر تفصيل الحديث والبحث في كتابي: السيرة النبوية (1/ 189 - 192).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (832)، كتاب صلاة المسافرين. باب إسلام عمرو بن عبسة.
المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (1).
وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} . أي: علا وارتفع على العرش بعد خلقه السماوات والأرض وما بينهما.
وقوله: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} . قال ابن كثير: (أي: بل هو المالك لأزمَّةِ الأمور، الخالقُ لكل شيء، المدبِّرُ لكل شيء القادرُ على كل شيءٍ، فلا وَليَّ لِخَلْقِهِ سواه، ولا شفيعَ إلا من بعدِ إذْنِهِ. {أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}، يعني: أيها العابدون غيرهُ، المتوكِّلون على مَنْ عَداه، تعالى وتقدَّسَ وتنزَّهَ أَنْ يكونَ لهُ نظيرٌ أَو شريكٌ أَو ندِيْدٌ، أو وَزير أو عَديل، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه).
قال مجاهد: (النزول من الملك في مسيرة خمس مئة عام، وصعوده في مسيرة خمس مئة عام، ولكنه يقطَعُها في طَرْفة عَين).
والمقصود: ينزل أمر الله تعالى من أعلى السماوات إلى أقصى تخُوم الأرض السابعة، ثم تُرفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، في مسافة هي مسيرة خمس مئة سنة مما نَعُدُّ من السنين في الصعود والهبوط، إلا أن المَلكَ يقطعها بإذن الله في لحظة.
قلت: والآية دليل صريح على علو الله تعالى على جميع خلقه، فإن الأمر ينزل من عنده من السماء إلى الأرض ثم ترفع تقارير أعمال العباد إليهِ جل ثناؤه.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12].
2 -
وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2789)، كتاب صفات المنافقين، باب ابتداء الخلق، وخلق آدم عليه السلام، وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات"(ص 275 - 276).
أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعدُ إلى الله كأنها شرارة](1).
وقوله تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .
تهديد ووعيد. أي: فإن الذي يفعلُ ما وُصف لكم في هذه الآيات هو عالمُ الغيبِ، الذي يعلم ما غاب عن أبصاركم أيها الناس، فلستم تبصرونه مما تكنّه الصدور، وتخفيه النفوس، وهو عالم الشهادة مما شاهدته الأبصار في كل أرجاء الكون، {الْعَزِيز} في انتقامه ممن كفر به، وكذب رسله. {الرَّحِيمُ} بمن أناب إليه وتاب من كفره ومعصيته، واتبعَ منهاج رسله. فأخلصوا إليه أفعالكم وأقوالكم أيها الناس، فإن الثواب والعقاب بين يديه يوم ترجعون إليه.
وقوله: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} . قال مجاهد: (أتقن كل شيء خلقه).
وقوله: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} . أي: وبدأ خلق آدم من طين.
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ الله خلَقَ آدمَ مِنْ قُبْضَةٍ قَبَضَها مِنْ جميعِ الأرض، فجاء بنو آدمَ على قَدْرِ الأرض، فجاءَ منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلكَ، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطيب](2).
وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} . قال ابن عباس: ({مِنْ سُلَالَةٍ}: صفو الماء). وقال قتادة: (السلالة: هي الماء المهين الضعيف).
وعن مجاهد: {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} قال: ضعيف نطفة الرجل، ومهين: فعيل من قول القائل: مهن فلان، وذلكَ إذا زلَّ وضعف).
والمقصود: ثم جعل سبحانه ذرية آدمَ يتناسلون كذلكَ من نطفة تخرجُ من بين صُلب الرجل وتَرائب المرأة.
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (1/ 29)، والديلمي في "المسند"(1/ 1/ 42 - 43)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (871).
(2)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي (3143)، في التفسير، من سورة البقرة. وانظر صحيح سنن الترمذي (2355)، ورواه أحمد (4/ 406)، وابن حبان (2083 - 2084).
وقوله: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} . يعني آدم لما خلقه تعالى جعلهُ سويًّا مستقيمًا، ثم نفخ فيه من روحه.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ثم سوّى الإنسان الذي بدأ خلقهُ من طين خلقًا سويًا معتدلًا، ونَفَخَ فيهِ مِنْ روحِه فصارَ حَيًا نَاطِقًا).
وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} .
أى: وجعل لكم سبحانهُ الأسماع والأبصار والعقول لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا ثم أنتم لا تشكرونه تعالى على نعمه إلا قليلًا، كما قال تعالى:{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].
وفي جامع الترمذى بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يُؤتى بالعبدِ يومَ القيامةِ فيقولُ له: ألَمْ أجْعَل لكَ سمعًا وبَصَرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرتُ لك الأنعام والحَرْثَ، وتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وترْبَعُ، فكنت تَظُنُّ أنكَ مُلاقىَّ يَوْمَك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليومَ أنساكَ كما نسيتني](1).
10 -
14. قوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)}.
في هذه الآيات: إنكارُ المشركين البعث بعد الموت، ونَعْتُ الله حال المجرمين في أرض المحشر، وهم أذلاء يسألون الرجعة ليكونوا مؤمنين. وقد خيّب الله آمالهم
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (2558)، أبواب صفة القيامة، وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (1978)، وأصله في صحيح مسلم.
بقضائه ملء جهنم من الجِنَّةِ والناس أجمعين. ليذوقوا وبال أمرهم وعذاب الخزي الذي كانوا به يكذبون.
فقوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} .
قال الضحاك: (يقول: أئذا كنا عظامًا ورفاتًا أنبعث خلقًا جديدًا؟ يكفرون بالبعث).
وعن مجاهد: ({أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} يقول: أئذا هلكنا).
وقوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} .
قال قتادة: (ملك الموت يتوفاكم، ومعهُ أعوان من الملائكة).
وفي المسند وسنن أبي داود بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كانَ في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليهِ من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح (1) من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول .. فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتى يجعلوها في تلك المسوح](2).
وقوله: {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} . أي يوم بعثكم من قبوركم للحساب والجزاء.
وقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ} . قال ابن زيد: (قد حزنوا واستحيوا). أي: ولو ترى - يا محمد - حال المشركين يوم القيامة الذين أنكروا البعث والقصاص وهم يقفون بين يدي ربهم حقيرين أذلاء صاغرين، ناكسي رؤوسهم من الحياء والخجل والذل الذي غشيهم.
وقوله: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} .
أي: يقولون ربنا نحنُ الآن أبصرنا الوعد الحق ونعاهدكَ أن نسمعَ قولك ونطيع أمرك ونتبع رسلكَ، فائذن لنا بالرجوع إلى الدار الدنيا نعمل صالحًا فنحن الآن موقنون مؤمنون.
(1) المسوح: جمع مِسح، وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفًا وقهرًا للبدن.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 287 - 288)، (4/ 295 - 296)، وأبو داود (2/ 281)، وأخرجه الحاكم (1/ 37 - 40)، والطيالسي (رقم 753) - في أثناء حديث طويل.
وقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} .
قال قتادة: (لو شاء الله لهدى الناس جميعًا، لو شاء الله لأنزل عليهم من السماءِ آية، فظلت أعناقهم لها خاضعين).
والمقصود: ولو شئنا - يا محمد - لآتينا كل نفس رشدها وتوفيقها إلى الإيمان بالله واتباع رسوله والعمل بشريعته.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99].
2 -
وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107].
3 -
وقال تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97].
أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند صحيح لغيره عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب كتف أبي بكر وقال: [إنَّ الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس](1).
وفي لفظ - عند اللالكائي والبيهقي - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جده، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:[يا أبا بكر، لو أرادَ اللهُ أن لا يُعصى ما خلق إبليس].
وقوله: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .
أي: ولكن - يا محمد - وجب العذابُ مني على من كفر واستكبر وأصَرَّ على العناد ومخالفة الرسل، وحقّ عليهم القول بأن أملأ جهنم من عصاة الجن والإنس أجمعين.
وقوله: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ} . قال قتادة: (نسوا من كل خير، وأما الشر فلم ينسوا منه). وعن ابن عباس: {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} ، يقول: تركناكم).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [فيلقى العَبْدَ فيقول: أي فُلْ (2)! ألم
(1) صحيح لغيره. أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(6/ 92) واللالكائي في "السنة"(1/ 41/ 1)، والبيهقي في "الأسماء والصفات"(157)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1642)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (2/ 884 - 887) لتفصيل البحث.
(2)
معناه: يا فلان، وهو ترخيم على خلاف القياس.
أُكْرِمْكَ وأسَوِّدْكَ وأزوجْكَ وأسخِّر لكَ الخَيْلَ والإبلَ وأذَرْكَ تَرْأَسُ وتربَعُ؟ فيقول: بلى أي ربِّ، قال: فيقول: أفظنَنْتَ أنَّكَ مُلاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساكَ كما نسيتني] (1).
وقد مضى نحوه عند الترمذي وفي لفظه: [اليوم أنساكَ كما نسيتني]. ومعناهُ كما قال أبو عيسى: (اليومَ أتركك في العذاب. قال: وكذا فسّرَ بعض أهل العلم هذه الآية: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} [الأعراف: 51]. قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب).
وقوله: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
قال ابن جرير: (يقال لهم أيضًا: ذوقوا عذابًا تخلدون فيهِ إلى غير نهاية {بِمَا كُنْتُمْ} في الدنيا {تَعْمَلُونَ} من معاصي الله). والآية كقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 24 - 30].
وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يُؤتى بالموتِ يوم القيامة. فيوقَفُ على الصِّراط. فيقال: يا أهل الجنة! فَيَطَّلِعونَ خائفين وَجِلين أَنْ يُخْرَجُوا من مكانهم الذي هم فيه. ثم يقال: يا أهل النار! فيطلعونَ مُسْتَبْشِرين فَرِحين أن يُخرَجُوا مِنْ مكانهم الذي هم فيه. فيقال: هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ قالوا: نَعَمْ. هذا الموتُ. قال: فَيُؤمَرُ بهِ فَيُذْبحُ على الصراط. ثم يُقالُ للفريقين كِلاهُما: خُلودٌ فيما تجدون. لا مَوْتَ فيها أبدًا](2).
15 -
17. قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (8/ 216)، كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة الله وغير ذلك. باب: تقرير النعم يوم القيامة على الكافر والمنافق. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (1932)، وهو جزء من حديث طويل.
(2)
حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (4327)، كتاب الزهد. باب صفة النار. انظر صحيح سنن ابن ماجة (3493)، وأصل معناه في الصحيحين والسنن.
رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)}.
في هذه الآيات: سجودُ المؤمنين عند سماعِ آياتِ القرآن تتلى عليهم فهم لا يستكبرون. وجفاءُ العلاقة بينهم وبين فرشهم فهم إلى قيام الليل يهرعون، ومما رزقهم الله ينفقون. فلا تعلم نفس ما هيأ لهم سبحانه من الكرامةِ والنعيم في الجنةِ جزاء بما كانوا يعملون.
قال النسفي: {إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا} أي وعظوا بها {خَرُّوا سُجَّدًا} سجدوا لله تواضعًا وخشوعًا وشكرًا على ما رزقهم من الإسلام {وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} : ونزهوا الله عما لا يليقُ به وأثنوا عليهِ حامدين له {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} عن الإيمان والسجود له).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا قرأ ابنُ آدمَ السَّجْدَةَ فسَجَدَ، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا وَيْلَهُ - وفي رواية يا ويلي! - أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسّجود فسَجَدَ فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيتُ فَلِيَ النَّارُ](1). وفي رواية: (فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ).
وقوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} . تتجافى: من الجفاء، والجفاء: النبو. أي: ترتفع جنوبهم وتتنحى عن الفرش ومضاجع النوم لانشغالهم بالصلاة. فشبه سبحانه العلاقة بينهم وبين فرشهم أنها علاقة جفاء لتعلق قلوبهم بصلاة الليل.
فعن مجاهد: ({تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} قال يقومون يصلون من الليل).
وقال ابن زيد: (هؤلاء المتهجدون لصلاة الليل). وقال الحسن: (قيام الليل).
وعن قتادة قال: (هو الصلاة بين العشاءين). وعن أنس قال: (هو انتظار صلاة العَتَمَةِ).
وقد أخرج أبو داود في السنن بإسناد صحيح عن أنس بن مالك في هذه الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قال: [كانوا
(1) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم (81)، كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ح (133)، وانظر للرواية الأخرى الحديث بعده في الباب.
يَتَيَقَّظون ما بين المغرب والعشاء يصلون، وكان الحسن يقول: قيام الليل] (1).
وأخرج الترمذي في الجامع، وابن جرير في التفسير، بإسنادٍ جيد:[عن أنس بن مالك عن هذه الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة](2).
وفي صحيح البخاري عن ابن شهاب قال: أخبرني الهَيثَمُ بنُ أبي سِنانٍ أنه سمعَ أبا هريرةَ رضي الله عنه وَهُوَ يَقُصُّ في قَصَصِهِ، وهو يَذْكُرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ أخًا لكم لا يقول الرَّفثَ، يعني بذلكَ عَبْدَ الله بنَ رواحة.
وفينا رسولُ الله يتْلو كِتابَهُ
…
إذا انْشَقَّ مَعْروفٌ من الفَجْرِ ساطِعُ
أرانا الهدى بَعْدَ العمى فَقُلوبنا
…
بهِ مُوقِناتٌ أَنَّ ما قالَ واقِعُ
يبيتُ يُجافي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ
…
إذا اسْتَثْقَلَتْ بالمشركينَ المضاجِعُ] (3).
وفي المسند للإمام أحمد، والجامع للإمام الترمذي، بسند حسن عن معاذ بن جبل قال:[كنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في سَفَر، فأصبحتُ يومًا قريبًا منه، ونحنُ نَسيرُ، فقلت: يا نبيَّ الله، أخبرني بعمل يُدْخِلني الجنة ويُباعدني من النار. قال: لقد سألتَ عن عظيم، وإنه ليسير على من يَسَّرَهُ الله عليه، تعبدُ الله ولا تشرك بهِ شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتُؤتي الزكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحُجُّ البيتَ. ثم قال: ألا أدلُّكَ على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقة تُطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوفِ الليل. ثم قرأ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}، حتى بلغ {يَعْمَلُونَ}. ثم قال: ألا أخبرُكَ برأس الأمرِ وعمودهِ وذِرْوَةِ سَنامه؟ فقلت: بلى، يا رسول الله. فقال: رأس الأمر الإسلام، وعمُودُه الصلاة، وذروةُ سنامهِ الجهادُ في سبيل الله. ثم قال: ألا أخبرُكَ بملاك ذلكَ كله؟ فقلت: بلى، يا نبي الله، فأخذ بلسانهِ ثم قال: كُفَّ عَليكَ هذا. فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مَنَاخِرهم - إلا حصائدُ أَلسنتهم](4).
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (1321). وانظر صحيح سنن أبي داود (1173).
(2)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي في "التفسير"(3425). سورة السجدة، آية (16). انظر صحيح سنن الترمذي (2554)، ورواه ابن جرير في "التفسير"(28231).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (1155)، كتاب التهجد، باب فضل من تعارَّ من الليل فصلى. ورواه كذلكَ برقم (6151)، كتاب الأدب، باب هجاء المشركين.
(4)
حديث حسن. أخرجه أحمد (5/ 231)، والترمذي (2616)، والنسائي في "الكبرى"(11392)، وأخرجه ابن ماجة (3973). وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .
قال قتادة: (خوفًا من عذاب الله، وطمعًا في رحمة الله، ومما رزقناهم ينفقون في طاعة الله، وفي سبيله).
أخرج أحمد وأبو داود بسند حسن عن مُرّة الهَمدانيِّ، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[عَجِبَ رَبُّنا من رَجُلين: رجلٍ ثار من وِطائِه ولِحافهِ، من بينِ حِبِّهِ وأهله إلى صلاته، فيقول ربُّنا: أيَا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثارَ من فِراشِهِ ووطائهِ، ومن بينِ حِبِّهِ وأهلِه إلى صلاتهِ رغبةً فيما عندي، وشفَقَةً مما عندي. ورَجُلٌ غزا في سبيل الله عز وجل فانهزموا، فعلم ما عليه من الفِرار، وما له في الرجوعِ، فرجَعَ حتى أُهريقَ دمُهُ، رغبةً فيما عندي، وشفقة مما عندي، فيقول الله عز وجل للملائكةِ: انظروا إلى عبدي رجعَ رغبةً فيما عندي ورهبةً مما عندي حتى أُهريقَ دَمُه](1).
وقوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
أي: فلا تدري نفس ما أخفى اللهُ لهؤلاء - أهل السجود والتسبيح والقيام والإيمان - مما تقرّ بهِ أعينهم في جناتِ النعيم، ثوابًا لهم من الله على أعمالهم التي كانوا في الدنيا يعملون.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلكَ في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الشيخان والترمذي عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: [قال اللهُ تعالى: أَعْدَدْت لعبادي الصالحين، ما لا عينٌ رأَتْ ولا أذُن سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْب بَشَرٍ، وتصديق ذلكَ في كتاب الله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}](2). وفي رواية: [قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}].
وفي رواية للبخاري: [يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت،
(1) حديث حسن. أخرجه أبو داود (2536)، وأحمد (1/ 416)، وابن حبان (2557)، وصححه الحاكم (2/ 112)، ووافقه الذهبي، وله شواهد.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4779)، ومسلم (2824)، والترمذي (3197)، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"(369).
ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، ذُخْرًا مِنْ بَلْهَ ما أُطْلِعْتُمْ عليه، ثم قرأ:{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ] (1).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في الصحيح، وأحمد في المسند، عن أبي هريرة مرفوعًا:[من يَدْخُلِ الجنة ينعَم لا يَبْأَسُ، لا تَبْلَى ثيابُه ولا يفنى شبابُه](2).
زاد في رواية أحمد: [في الجنة ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر].
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في الصحيح، والترمذي في الجامع - واللفظ له - عن المغيرة بن شعبة على المنبر، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول:[إنَّ موسى سألَ رَبَّهُ، فقال: أي رَبِّ أىُّ أهل الجنةِ أَدْنَى مَنْزِلَةً؟ قال رَجُل يأتي بَعْدَ ما يَدْخُلُ أَهل الجنة الجنة فيقالُ لَهُ: ادْخُلْ فيقول: كيفَ أَدْخُلُ وَقد نزَلُوا مَنازِلَهم وَأَخَذُوا أَخَذاتِهم؟ قال: فيقالُ له: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لكَ ما كانَ لِمَلِكٍ مِنْ ملوكِ الدُّنيا؟ فيقول: نعم أي ربِّ قد رضيتُ. فيقالُ لهُ: فإنَّ لكَ هذا ومِثْلَهُ ومِثْلَهُ ومِثْلَهُ، فيقول: قد رضيتُ أي ربِّ، فيقالُ له: فإنَّ لك هذا وعشرةُ أمثالهِ، فيقول: رضيتُ أيْ ربِّ، فيقالُ له: فإنَّ لكَ مع هذا ما اشتهت نَفْسُكَ ولَذَّتْ عَينُك](3).
18 -
22. قوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4780)، ومسلم (2824)، وابن ماجة (4328)، ورواه أحمد في المسند (2/ 466).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2836)، كتاب الجنة ونعيمها، وأخرجه أحمد (2/ 396)، وكذلك (2/ 407)، ورواه أبو نعيم في "صفة الجنة"(97).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1/ 120 - 121)، وأخرجه الترمذي في السنن (3427) - كتاب التفسير - سورة السجدة، آية (17). انظر صحيح الترمذي (2556).
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)}.
في هذه الآيات: تأكيدُ الله تعالى اختلافَ السبيلين، سبيل أهل الإيمان أهل النعيم، وسبيل أهل الفسق أهل الجحيم، وكل من الفريقين في مستقرهم خالدون. وإرسال الله العذاب الأدنى دون عذاب الآخرة لعلهم يرجعون، ولا أحد أظلم ممن ذكر بآياتِ الله ثم استكبر عنها وفي الآخرة هم مخذولون.
فقوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} .
إخبار الله عن عَدْلِهِ سبحانه وكمال حكمه يوم القيامةِ، فلا يساوي بين المؤمنين والفاسقين.
قال القاسمي: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا} أي: كافرًا جاحدًا {لَا يَسْتَوُونَ} أي: في الآخرة بالثواب والكرامة. كما لم يستووا في الدنيا بالطاعةِ والعبادة).
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21].
2 -
وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28].
3 -
وقال تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر: 20].
وفي الصحيحين والمسند عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ الله يدني المؤمن فيضع عليهِ كَنَفَه (1) ويستُرهُ فيقول: أتعرفُ ذنبَ كذا؟ أتعرفُ ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسهِ أنه قد هلكَ، قال: سترتها عليكَ في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم
(1) أي: حفظه وستره.
على رؤوس الخلانق: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18](1).
وقوله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
أي: أما الذين اختاروا منهج الإيمان وأكّدوا يقينهم بالعمل الصالح فأولئك لهم بساتين المساكن والدور والغرف العالية التي جعلها الله لهم {نُزُلًا} : أي: ضيافة وكرامة لهم في الدار الآخرة مقابل صدق منهاجهم.
وقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} . أي: وأما الذين خرجوا عن طاعة الله ومضوا خلف أهوائهم فإن موعدهم النار مثوى لهم.
قال القرطبي: (أي: إذا دفعهم لهب النار إلى أعلاها ردّوا إلى موضعهم فيها، لأنهم يطمعون في الخروج منها. {وَقِيلَ لَهُمْ} أي يقول لهم خزنة جهنم. أو يقول الله لهم: {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} والذوق يستعمل محسوسًا ومعنىً).
وعن الفضيل بن عياض قال: (والله إن الأيدي لموثَّقة، وإن الأرجل لمقيَّدة، وإنَّ اللهبَ ليَرفَعُهم، والملائكة تقمَعُهم).
وفي التنزيل: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 22]. أي: يقال لهم ذلكَ تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا.
وفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يقول الله تبارك وتعالى لأهونِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منكَ أهونَ من هذا، وأنتَ في صلب آدم، أن لا تشرك ولا أدخلكَ النار، فأبَيْتَ إلا الشرك](2).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2441)، ومسلم (2768)، وأخرجه أحمد (2/ 74).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (8/ 134)، كتاب صفة القيامة. باب في كثرة العرق يوم القيامة.
وانظر مختصر صحيح مسلم (1955)، ورواه البخاري بنحوه.
وقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .
قال ابن عباس: (يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحلُ بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه).
وفي رواية عنه قال: (يعني به إقامة الحدود عليهم). وعن مجاهد: (يعني به عذاب القبر).
وفي صحيح مسلم عن أبي كعب، في قوله عز وجل:{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} قال: [مصائبُ الدنيا، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، أو الدُّخان](1).
وقال عبد الله بن مسعود: (العذاب الأدنى: ما أصابهم من القتل والسَّبي يوم بدر).
قال السدي: (لم يبقَ بيتٌ بمكة إلا دخلهُ الحزنُ على قتيل له أو أسير، فأُصيبوا أو غَرِمُوا، ومنهم مَنْ جُمِعَ له الأمران).
قلت: وبالجمع بين مختلف الأقوال، فإن مصيبات الدنيا وآلامها وأسقامها والحدود والقتل والسبي - الذي ينزل بأهل الحرب - والجوع والقحط كل ذلك من عذاب الله الأدنى دون عذاب الآخرة، وفيه ذكرى لمن أرادَ أن يتوب إلى ربهِ وينجو من العذاب الأكبر.
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} .
قال ابن كثير: (أي: لا أظلم ممن ذكَّرَهُ الله بآياتهِ وبيَّنَها له ووضَّحها، ثم بعد ذلكَ تركها وجَحَدَها وأعرضَ عَنْها وتَناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة رحمه الله إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإنَّ من أعرض عن ذكرِه فقد اغتَرَّ أكبرَ الغرَّةِ، وأَعْوَرَ أشدَّ العَوْرَةِ، وعَظُمَ مِنْ أعظمِ الذنوب. ولهذا قال متهددًا لمن فعل ذلك: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}، أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام).
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 124 - 126].
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2799)، كتاب صفات المنافقين، باب الدخان.
2 -
وقال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67].
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يُؤتى بالعبد يوم القيامةِ فيقول له: ألمْ أجعل لكَ سمعًا وبَصَرًا، ومالًا وولدًا، وسَخَّرت لكَ الأنعامَ والحرثَ، وتركتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أَنَّكَ ملاقِيَّ يوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساكَ كما نسيتني](1).
23 -
25. قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25)}.
في هذه الآيات: جَعْلُ الله التوراةَ التي أنزلها على موسى هدىً لبني إسرائيل، وَجَعْلُهُ منهم الأئمةَ والقادة لما حققوا الصبر واليقين، عماد الإمامة في الدين، واللهُ يفصل بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
فقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} - يعني التوراة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة، كما آتيناكَ الفرقان يا محمد).
وقوله: {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} . قال قتادة: (يعني بهِ ليلة الإسراء).
يروي الطبري بسند رجاله ثقات عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية الرِياحي، قال: حدَّثنا ابن عمّ نبيكم، يعني ابن عباس، قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: [أُرِيْتُ لَيْلةَ أُسْرِيَ بي موسى بنَ عمرانَ رَجُلًا آدَمَ طِوالًا جَعْدًا، كأنَّهُ مِنْ رجالِ شَنُوءَة، ورأيتُ عيسى رجلًا مربوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبياض، سَبْطَ الرأس، ورأيتُ مالكًا خازن النار، والدّجال. في آيات أراهُنَّ الله إياه، فلا تكن في مرية من لِقائه أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أُسري بهِ](2).
(1) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (1978). أبواب صفة القيامة، ورواه مسلم بنحوه.
(2)
أخرجه الطبري (28299)، ورجاله ثقات، لكن فيهِ عنعنة قتادة، ومع ذلكَ فلأصله شواهد.
قال النسفي: ({فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ} شك {مِنْ لِقَائِهِ}: من لقاء موسى الكتاب، أو من لقائك موسى ليلة المعراج أو يومَ القيامة، أو من لقاء موسى ربه في الآخرة).
وقوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} . الضمير في {وَجَعَلْنَاهُ} يعود على موسى أو الكتاب.
1 -
قال قتادة: (جعل الله موسى هدىً لبني إسرائيل).
2 -
وعن الحسن: (جعلنا الكتاب هدىً لبني إسرائيل) - يعني: التوراة.
والتأويل الثاني أرجح وهو كقوله تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2]. وإن كان التأويل الأول صحيح المعنى.
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} .
أي: وجعلنا منهم قادة وقدوة يقتدى بهم في دينهم، {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أي يدعون الخلق إلى طاعة الله وأمره، لما حققوا الصبر واليقين، فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
قال قتادة: ({وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} قال: رؤساء في الخير. وقوله: {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} يقول تعالى ذكره: يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك، وتقويتنا إياهم عليه). وقال غيره: (لما أخذا برأس الأمر صاروا رؤوسًا).
وقرأ عامةُ قراء المدينة والبصرة: {لَمَّا صَبَرُوا} أي: حين صبروا، أو إذ صبروا.
وقرأ عامة قراء الكوفة: {لِما صَبَرُوا} أي: لصبرهم عن الدنيا وشهواتها، واجتهادهم في طاعة الله. قال سفيان:(لما صبروا عن الدنيا). قال: (لا بُدَّ للدِّين من العمل، كما لا بُدَّ للجسد من الخُبْز).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (والصبر صبران: صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة كما قال الحسن رحمه الله:"ما تجرع عبد جرعةً أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة". وذلكَ لأن أصل ذلك: هو الصبر على المؤلم وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم. قال: وإذا عظمت المحنةُ كان ذلكَ للمؤمن الصالح سببًا لعلو الدرجة. وعظيم الأجر. كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أي النَّاس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل. يُبْتَلى الرجل على حسب
دينه. فإن كانَ في دينه صلابة: زيد في بلائه. وإنْ كان في دينهِ رِقّة: خُفِّف عنه. وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليسَ عليه خطيئة". وحينئذ فيحتاج من الصبر ما لا يحتاجُ إلى غيره. وذلكَ هو سبب الإمامة في الدين، كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} . فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور بهِ، وعلى ترك السيِّئ المحظور المنهي عنه). ثم قال:(ويدخل في ذلك: الصبر على الأذى، وعلى ما يقال. والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر عن البَطَر عند النعم، وغير ذلك من أنواع الصبر).
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116].
2 -
وقال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].
3 -
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35].
وفي صحيح السنة العطرة في آفاق ذلكَ أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن المغيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون](1).
الحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك](2).
الحديث الثالث: أخرج ابن نصر في "السنة" بسند صحيح من حديث عتبة بن غزوان، وكان من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إنَّ من ورائكم أيام الصبر،
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4/ 187)، (8/ 149)، (8/ 189)، ومسلم (6/ 53)، وأخرجه أحمد في المسند (4/ 244)، (4/ 248)، (4/ 252).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (6/ 52 - 53)، وأبو داود (2/ 202)، والترمذي (2/ 36)، وابن ماجة (2/ 464 - 465)، وأحمد (5/ 278 - 279)، وغيرهم.
للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليهِ أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم] (1).
وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} .
قال النقاش: (يقضي بين الأنبياء وبين قومهم). وقيل: (يقضي ويحكمُ بين المؤمنين والكفار، فيجازي كُلًّا بما يستحق). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو يبينُ جميع خلقه يوم القيامةِ فيما كانوا فيهِ في الدنيا يختلفون من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيفرق بينهم بقضاء فاصل بإيجابه لأهل الحقّ الجنة، ولأهل الباطل النار).
26 -
30. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)}.
في هذه الآيات: الخطاب للمشركين المكذبين بالرسل لينظروا في كثرة ما أهلكَ الله من الأمم قبلهم فهم يمشون في بلادهم وأرضهم، وليعتبروا بلطفه تعالى في إيصال الماء إلى الأرض اليابسة فيخرج لهم به الزرع ويسقي أنعامهم. وهم يستعجلون العذاب وهو واقع بهم.
قال قتادة: (عاد وثمود وأنهم إليهم لا يُرجعون). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أولم يبين لهم كثرة إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعاد وثمود). والخطاب للمشركين المكذبين بالرسل وما معهم من الوحي.
وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} . أي: إن في رحيل أولئك الأقوام عن
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن نصر في "السنة"(ص 9)، وله شاهد عند الطبراني في "المعجم الكبير"(3/ 76/ 1) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا به. وشاهد آخر من حديث أبي ثعلبة الخشني عند أبي داود (4341)، والترمذي (2/ 177). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (494).
مساكنهم بعد نزول الهلاك بهم لعظات ودلالات وعبرًا. فهل يسمعون أخبار من هلك قبلهم ومضى بحلول العذاب والدمار.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
2 -
وقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: 98].
وفي صحيح سنن ابن ماجة عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما مِنْ قومٍ يُعْمَلُ فيهم المعاصي، هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وأَمْنَعُ، لا يُغَئرونَ، إلا عَمَّهُم الله بعقاب](1).
وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ} . أي التي لا نبات فيها.
قال الضحاك: (ليس فيها نبت). وقال ابن زيد: (الأرض الجرز: التي ليس فيها شيء، ليس فيها نبات). ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: 8] أي: يَبَسًا لا تنبتُ شيئًا.
وقوله: {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} .
تنبيه على تلطفه سبحانه بعبادهِ، كيف يرسل الماء من السماء أو مما تحمله الأنهار وتتحدّرُ بهِ الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليهِ، فيخرجُ الله تعالى به الزرع والثمار، ويسقي به البهائمَ والأبدان المحتاجة إليه.
قال ابن جَرير: (يقول تعالى ذكره: فنخرج بذلكَ الماء الذي نسوقه إليها على يبسها وغلظها وطول عهدها بالماء زرعًا خضرًا تأكل منه مواشيهم، وتغذى به أبدانهم وأجسامهم فيعيشون بهِ {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} يقول تعالى ذكره: أفلا يرون ذلكَ بأعينهم، فيعلموا برؤيتهموه أن القدرة التي بها فعلت ذلكَ لا يتعذّر عليّ أن أُحيي بها الأموات وأُنشرهم من قبورهم، وأعيدهم بهيئاتهم التي كانوا بها قبل وفاتهم).
(1) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (4009)، كتاب الفتن. باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (3238).
وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . الفتح هنا: الفصل والقضاء، ومن زعم أن المقصود فتح مكة فقد أَغْرَبَ وأَبْعَد. قال قتادة:(الفتح القضاء).
قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن استعجال الكفار وقوع بأس الله بهم وحُلولَ غَضَبهِ ونِقْمَتِه عليهم، استبعادًا وتكذيبًا وعنادًا {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ}، أي: متى تُنْصَرُ علينا يا محمد كما تزعم أن لكَ وقتًا تُدال علينا، ويُنْتَقَمُ لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنتَ وأصحابكَ إلا مُخْتَفين خائِفين قليلين ذَليلين! قال الله تعالى: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ}، أي: إذا حلّ بكم بأسُ الله وسَخطُه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى، {لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 83 - 85]).
وقوله: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ} . أي: لا ينفعهم إيمانهم حال القتل كما لم ينفع فرعون إيمانه حال الغرق.
وقوله: {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} . قال القرطبي: (أي يؤخرون ويمهلون للتوبة، إن كانَ الفتح يومَ بدر أو فتح مكة، ففي بدر قُتِلوا، ويوم الفتح هربوا فلحقهم خالد بن الوليد فقتلهم). وقال القاسمي: ({قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} لحلول ما يغشى الأبصار ويعمي البصائر. وظهور منار الإيمان وزهوق الفريق الكافر).
وقوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} . أي: لا تبالِ بالمشركين وبلغ رسالةَ ربكَ وانتظر نصره فإنهم ينتظرون هلاككم ويتمنون الدوائر أن تنزل بكم، كما قال تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} [الطور: 30 - 31].
قال النسفي: ({فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ} النصرة وهلاكهم {إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} الغلبة عليكم وهلاككم).
تم تفسير سورة السجدة بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّهِ وكرمه
* * *