الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
38 - سورة ص
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (88)
موضوع السورة
تعظيم الوحي الكريم
منهاج الحكم والقوة في حياة المرسلين
-
منهاج السورة
-
1 -
إقسامُ الله تعالى بكتابه الكريم، وثناؤه عليه فهو القرآن ذو الذكر الحكيم.
2 -
إخبار الله تعالى عن استكبار الكافرين، واعتزازهم بالباطل وعدم اعتبارهم بمصير المجرمين.
3 -
خوف المشركين من "لا إله إلا الله" التي تكشف كذبهم وظلمهم وجرائمهم، وتفضح عجز آلهتهم وأوثانهم.
4 -
استكبارُ المشركين عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبثّهم الشكوك في أمر النبوة.
5 -
تأخيرُ الله عذابه عن الكافرين، وتذكيرهم بنفسه تعالى وجبروته وملكوته خزائن السماوات والأرضين، وتحدّيهم أن يصعدوا ويتفقدوا ملكهم إن كانوا شركاء له تعالى بل كانوا كاذبين.
6 -
تكذيب الأمم السابقة ونزول العذاب بهم، وتقريع مشركي قريش في تقليدهم من قبلهم.
7 -
تسليةُ النبي صلى الله عليه وسلم وتذكيره تعالى له بنعمته على عبده داود عليه السلام، وتسخيره له الجبال والطير وأسباب القوة وفصل الخطاب بين الأنام، وقصة الخصمين والدرس الناتج عنها بوجوب سماع طرفي الخصام، والحكم بالعدل دون شطط وإلا فالقصاص يوم الزحام.
8 -
الغايةُ من خلق السماوات والأرض وما بينهما، والويل كل الويل على الكفار، واختلاف الطريقين والمصيرين بين المتقين والفجار.
9 -
قصةُ سليمان عليه السلام، وطموح كالجبال لإقامة الحق والحكم بين الأنام، وتسخيره تعالى له الريح والجن والجند عطاء من الله للشاكرين الكرام.
10 -
ذِكْرُ الله تعالى أيوب عليه السلام والنداء الصادق وإجابة الله الدعاء، وذِكْرُ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، الذين اختصهم الله بمنقبة عظيمة وهي ذكر الآخرة والاستعداد للرحيل لتلك الدار.
11 -
ثناء الله تعالى على إسماعيل واليسع وذي الكفل عليهم السلام.
12 -
ثناءُ الله تعالى على المتقين المتبعين هذا الذكر العظيم، ونَعْتُهُ تعالى ما أعدَّ لهم في جنات النعيم.
13 -
تقريعُ الله المشركين ووصفه عذابهم في الجحيم، ودخولهم إليها أمة بعد أمة في الأذلين، وتخاصم الأتباع المستضعفين مع المتبوعين المجرمين.
14 -
إثباتُ الرسالة من الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، وقصة خلق الإنسان واستكبار إبليس وتوعده غواية الذرية إلى يوم الوقت المعلوم.
15 -
تبرؤ الرسول صلى الله عليه وسلم من طلب الأجر على دعوته إلا من الله العظيم، وإثباته لقومه أنه إنما هو نذير مبين، وأنهم سيعلمون نبأ هذا الأمر ولو بعد حين.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
16. قوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)}.
في هذه الآيات: يقسم سبحانه بالقرآن المشتمل على أنواع كثيرة من الذكر، كذكر العباد ومنافعهم ومعايشهم ومعادهم، وذكر أحوال الأمم الماضية وكبرهم ثم هلاكهم، وكونه ذكرًا يذكره المؤمنون بألسنتهم ويتلونه ويتذكرون به فيعتبرون بعبره وقصصه وأمثاله ويأتمرون بأمر ربهم ويلتزمون بِحَثِّهِ على طاعة نبيّهم، وإنما لم ينتفع الكافرون به لأنهم مضوا في استكبارهم عنه وفي غيّهم، وفي الشقاق والمعاندة والمفارقة والعجب بعقولهم وخدمة أهوائهم، لكن الله يخوفهم أن يحيق بهم ما حاق بالأمم من قبلهم، جأروا إلى الله واستغاثوا به حين أنزل العذاب بساحتهم، فنادوا بالتوحيد حين غرغرت أرواحهم، فما نفعتهم بذلك ذكراهم، وقد عجبوا من قبل أن يرسل الله فيهم بشرًا مثلهم، فاتهموه بالسحر والكذب وكيف جعل المعبود واحدًا
وعاب عليهم شركهم، فانطلق رؤساؤهم وكبراؤهم يأمرونهم أن يصبروا على ما عهدوه من عبادة أوثانهم وعادة آبائهم، مستبعدين أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد خُصِّصَ بإنزال القرآن عليه من بينهم، ولكنهم تطاولوا وكذبوا لأن الله قد أخّر عذابه عنهم وما عاجلهم، فذكرهم بنفسه وجبروته وقوته وملكوته لخزائن السماوات والأرض قبل أن ينزل نقمته بهم، فهل شاركوه في خزائنها أم شاركوه في خلقها فهي تمضي بأمرهم، فإن كانوا يملكون ذلك فليصعدوا في طرق السماء وأبوابها فيتفقدوا بذلك ملكهم، ويشرفوا بذلك ويتعهدوا سلطانهم، ولكن هؤلاء من أحزاب إبليس وأتباعه الذين مضوا قبلهم فأهلكهم الله بذنوبهم، فقد مضى قوم نوح وقوم فرعون وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة لما كذبوا الرسل أخزاهم الله وأرداهم، وما قريش بتكذيبها لك يا محمد إلا سينالها ما نال أولئك الأحزاب جميعهم، وقد حقَّ وَعْدُ الله فدكهم المؤمنون يوم بدر بقيادة نبيّهم، ثم نفخة الفزع في الصيحة يؤخذون بها فلا إفاقة بعدها ولا رجوع إلى دنياهم، وقد كانوا قبل ذلك يستعجلون العذاب مستهزئين فأذاقهم الله عذابًا في دنياهم وفي قبورهم ثم في أخراهم. وتفصيل ذلك:
قوله: {ص} . قيل: من المصاداة، أي صادِ بعملك القرآن: أي عارضه به، كما قال الحسن:(عارض القرآن بعملك). وقيل: المعنى: (اعرضه على عملك فانظر أين عملك من القرآن). وقيل: بل هو قسم أقسمه الله، وقيل: بل هو اسم للقرآن. وقيل: بل المعنى صدق الله، إلى غير ذلك مما لا دليل عليه تقوم به الحجة. وإنما أميل إلى تفسير هذه الحروف المقطعة بأنها لبيان الإعجاز، إذ القرآن الكريم مركب من مثل هذه الأحرف، فليعارضوه بمثله إن استطاعوا، وقد أنزل عليهم وهم أهل الفصاحة والبيان. قال شيخ الإسلام رحمه الله:(إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها). وعامة القراء قرؤوها بسكون الدال.
وقوله: {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} . الواو واو القسم، والقرآن مجرور بها إذ الواو بدل الباء. فأقسم به سبحانه بيانًا لشرفه وتنبيهًا على جلالة قدره وعظمته وبيانه، وإشارة إلى إعجازه وسموّ معانيه، فهو كلام الله فيه شفاء لما في الصدور.
وقوله: {ذِي الذِّكْرِ} . ذي: في محل جر صفة، وعلامة جره الياء، وفي مفهوم {ذِي الذِّكْرِ} معان جميلة وفيرة:
المعنى الأول: (ذي الشرف). فعن أبي حصين: ({ذِي الذِّكْرِ} قال: ذي الشرف) ذكره ابن جرير.
المعنى الثاني: (ذي البيان). فعن ابن عباس ومقاتل: ({ذِي الذِّكْرِ}: ذي البيان).
المعنى الثالث: {ذِي الذِّكْرِ} أي يُرفع ذكر صاحبه المؤمن به العامل بمنهاجه. فعن الضحاك قال: (ذي الشرف، أي من آمن به كان شرفًا له في الدارين، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ}: أي شرفكم).
المعنى الرابع: {ذِي الذِّكْرِ} أي: فيه ذكركم وذكر أخباركم. ففي رواية عن الضحاك: ({ذِي الذِّكْرِ} قال: فيه ذكركم. قال: ونظيرتها {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ}).
المعنى الخامس: {ذِي الذِّكْرِ} أي: ذي التذكير يذكركم الله به بمنهج النجاة في الدنيا والآخرة. قال ابن جرير: (فكان معلومًا بذلك أنه إنما أخبر عن القرآن أنه أنزله ذكرًا لعباده ذكرهم به وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق). فرجح هذا المعنى وقال: (أي ذي التذكير ذكَّركم الله به أولى لأنه أتبع بقوله: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} فأنزله ذكرًا لعباده ذكَّرهم به).
المعنى السادس: أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين.
المعنى السابع: أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده. ذكره والذي قبله القرطبي.
المعنى الثامن: أي ذي الموعظة والذكر. أشار إليه الحافظ ابن كثير.
قلت: وكلها معان متقاربة واختلافات تنوع لا تضاد، وغاية المعنى أن يقال: إن الله جل ثناؤه أقسم بعزيز وهو أعز ما يصل العباد به، وهو القرآن ذو الشرف والبيان، ذو التذكير والترغيب والترهيب، وذو الوعد والوعيد، وذو الخبر عن الأمم التي مضت وذكر أخبار الطغاة وما حاق بهم لما كذبوا القرآن وما عظموه ولم يتحاكموا إليه، وذكر مصير المؤمنين ومصير المجرمين يوم القيامة. قال الله جل ثناؤه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} .
فالقرآن - كما جاء نَعْته في الأثر-: (كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزْلِ، مَنْ تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو
الصراطُ المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلُقُ عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبُه، هو الذي لم تنتهِ الجنُّ إذ سمعته حتى قالوا:{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليهِ هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم).
وأما جواب القسم ففيه أقوال:
القول الأول: قيل جوابه: {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} ، ذكره الحافظ ابن كثير، وذكره القرطبي عن الأخفش قال: (جواب اقسم {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} ، ونحو منه قوله تعالى:{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} وقوله: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
…
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ}). قال ابن الأنباري: (وهذا قبيح لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص).
القول الثاني: قيل جوابه: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} . فعن قتادة: ({بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ} قال: ها هنا وقع القسم). واختاره ابن جرير وقال: ({بَلِ}، دلت على التكذيب، وحلت محلّ الجواب، استغني عن الجواب).
القول الثالث: قيل جوابه: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} . قاله بعض النحويين في الكوفة. قال الكسائي: (جواب القسم قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}). وعارضه ابن الأنباري أيضًا كما عارض القول الأول. قال: (وهذا أقبح من الأول، لأن الكلام أشدُّ طولًا فيما بين القسم وجوابه).
القول الرابع: قيل جوابه: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} . ذكره القرطبي.
القول الخامس: قيل جوابه ما تضمنته السورة بكمالها. ذكره ابن كثير.
القول السادس: قيل جوابه {كَمْ أَهْلَكْنَا} كأنه قال: والقرآن لَكَمْ أهلكنا، فلما تأخرت (كم) حذفت اللام منها. كقوله تعالى:{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ثم قال: {قَدْ أَفْلَحَ} أي لقد أفلح. قال المهدوي: وهذا مذهب الفراء.
القول السابع: قيل الجواب محذوف. قال قتادة: (الجواب محذوف تقديره {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} لتبعثن). وقال القاسمي: (والجواب محذوف لدلالة السياق عليه أي إنه لحق).
القول الثامن: قيل جواب القسم {ص} ، لأن معناه حق، فهي جواب لقوله:{وَالْقُرْآنِ} كما تقول: حقًّا والله، نزل واللهِ، وجب والله، فيكون الوقف من هذا
الوجه على قوله: {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} حسنًا وعلى {فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} تمامًا. قاله ابن الأنباري وحكى معناه الثعلبي عن الفراء كما ذكر القرطبي.
قلت: وغاية القول، إنها أجوبة للقسم كلها محتملة، ولكن خبأها الله ليكون ذلك أبلغ في الخوف منه من هذا القسم العظيم الذي أقسم به، والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} فيه أوجه من التفسير:
الوجه الأول: أي لم ينتفع به الكفار لأنهم في كبر وعناد. قال الحافظ ابن كثير: (إن هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم {فِي عِزَّةٍ}: في استكبار عنه وحمية {وَشِقَاقٍ}: مخالفة له ومعاندة ومفارقة). وهو تفسير جميل مناسب. قال النسفي: ({وَشِقَاقٍ} خلاف لله ولرسوله، والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما وتفاقمهما).
الوجه الثاني: أي الذين كفروا في عداوة ومشاقة لمحمد. واختاره ابن جرير وقال: (بل الذين كفروا بالله من مشركي قريش في حمية ومشاقة وفراق لمحمد وعداوة، وما بهم أن لا يكونوا أهل علم بأنه ليس بساحر ولا كذّاب. قال: ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون بل هم في عزة وشقاق). وهو تفسير آخر لطيف مناسب.
الوجه الثالث: أي الذين كفروا في استعلاء عن قبول الحق. ذكره القرطبي حيث قال: (أي في تكبر وامتناع من قبول الحق، كما قال جل وعز: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} والعزة عند العرب الغلبة والقَهْر). وقال القاسمي: ({بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ} أي كبر {وَشِقَاقٍ} أي عداوة للحق والإذعان له. إضراب عمّا قبله. كأنه قيل: لا ريب فيه قطعًا. وليس عدم إيمان الكفرة به لشائبة ريبٍ ممّا فيه. بل هم في حمية جاهلية وشقاق بعيد لله ولرسوله. ولذلك لا يذعنون له).
قلت: ومنه يفهم قول مجاهد: ({فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} قال: معازِّين)، وقول قتادة:({فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} قال: أي في حمية وفراق). فقد اعترى قلوبهم من الأمراض الفتاكة والأوبال الضارة والعيوب المدمرة: كحب الرياسة والعلو والكلمة النافذة والكبر وظلم الناس ما سيطر على قلوبهم وعمّ في حركة فكرهم وأفئدتهم وعشعش في نفوسهم، فلمّا لم يدافعوها ولم ينتفعوا بحقائق الحياة والموت والكون لمعاكستها وعلاجها، بقيت أمامهم فرصة ثمينة للاستفادة منها وهي نزول الوحي أمام أعينهم وسماع القرآن وهو يخاطب قلوبهم، ولكنهم أمام هذا النداء العظيم الذي أقرّوا به من داخلهم،
انهزموا أمام شهواتهم فسقطوا صرعى كبرهم وعنادهم، وما سهر الشيطان على رعايته في قلوبهم، فعادوا وظهروا في عزة وشقاق أي في مظهر الكبر وعداوة محمد والحق وفي استعلاء واستهزاء، إذ أراهم الشيطان خَطر محمد والحق على زعاماتهم وعروشهم وما جمعوا في دنياهم.
والشقاق في لغة العرب من الشقّ: وهو نِصف الشيء، والمشاقَّةُ والشِّقاق: الخلاف والعداوة. فالمشركون في عزة وشقاق: أي في إظهار خلاف وعداوة ومباينة فكأن هذا في شق وذاك في شق.
وقوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} . أي: كم دَمَّرنا أقوامًا أشد منهم منعة وقوة فجأروا مستغيثين وبالتوبة منادين لكنهم فعلوا ذلك متأخرين حين فات الأوان. وفيه تفاسير:
التفسير الأول: نادوا بالتوبة حين لا تنفعهم. فعن الحسن: ({وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال: نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل). وقال قتادة: (نادى القوم على غير حين نداء، وأرادوا التوبة حين عاينوا عذاب الله فلم يقبل منهم ذلك). قال ابن جرير: (فعجّوا إلى ربهم وضجوا واستغاثوا بالتوبة إليه حين نزل بهم بأس الله وعاينوا به عذابه فرارًا من عقابه وهربًا من أليم عذابه).
التفسير الثاني: نادوا مستنجدين في وقت ليس بحين نزو ولا فرار ولا مغاث. فعن ابن عباس: (في قوله {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال: ليس بحين نزو ولا حين فرار). وفي رواية: (ليس حين مغاث). والنزو: هو ضَرْبٌ من العَدْوِ والهرولة.
التفسير الثالث: قيل من عادة الأقوام إذا قاتلوا فاضطروا للفرار قال بعضهم لبعض (مناص).
قال الكلبي: (كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص، أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص، فقال الله عز وجل: {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ}). قال القشيري: (وعلى هذا فالتقدير: فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه، أي ليس الوقت وقت ما تنادون به). واختار الأخفش أنها (لا) النافية للجنس زيدت عليها تاء.
التفسير الرابع: قيل المعنى لا خلاص: قال الجرجاني: (أي فنادوا حين لا مناص، أي ساعة لا منجىً ولا فوت). وقيل لا خلاص منصوب بوقوع لا عليه.
وقيل فلما قدم (لا) وأخر (حين) اقتضى ذلك الواو. قال القرطبي رحمه الله: (فحين ظرف لقوله {فَنَادَوْا} والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص، أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص). وقال القاسمي: (أي وليس الحين حين فِرار ومهرب ونجاة). قال النسفي: ({فَنَادَوْا} فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب {وَلَاتَ} هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على ربّ وثم للتوكيد. قال: وقوله: {حِينَ مَنَاصٍ} منجى منصوب بها كأنك قلت ولا حين مناص لهم). أي التقدير: وليس الحين حين مناص. قال ابن جرير: (وقد حقت كلمة العذاب عليهم وتابوا حين لا تنفعهم التوبة واستقالوا في غير وقت الإقالة).
قلت: وخلاصة المعنى أن القوم استرسلوا في غيِّهم ومضوا في عنادهم وتكذيبهم، كل أمة منهم تكذب رسولها، فلما عاينوا العذاب والدمار الذي حُذّروا من وقوعه بهم، هُرعوا مسرعين إلى التوبة والاستغفار والتصديق فنادوا مستنجدين في ساعة متأخرة ليس فيها خلاص وفي وقت لا نزو فيه ولا فرار ولا مغاث.
و(النَّوْصُ) في لغة العرب التأخر، و (المناص) الملجأ والمفَرُّ، وهو مفعل من النَّوْص.
وقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} .
أي: فعجبوا أن لم ياتهم ملك ينذرهم بل بشر منهم. فَعن قتادة: ({وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ}، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقال الكافرون هذا ساحر كذّاب). وفي صلة الآيات بما قبلها وما بعدها وجوه من البلاغة:
الوجه الأول: أن يكون قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا} اعتراضيًا ويكون الكلام بما قبله متصلًا، أي التقدير: بل الذين كفروا في عزة وشقاق وعجبوا.
الوجه الثاني: أن يكون معنى {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ} هو (وعجبوا من أن جاءهم) و (أنْ) في محل نصب.
الوجه الثالث: أن يكون الكلام مستأنفًا بهذه الآية، أي: ومن جهلهم أظهروا التعجب واستبعدوا أن يكون النبي من البشر منذرًا لهم منهم.
وكلها وجوه متقاربة مفادها أن الكفار استبعدوا بخفة عقولهم وقلوبهم أن يرسل الله فيهم رسولًا منهم يعرفون نسبه وصدقه، فقد تعلقت قلوبهم لخفتها بالخوارق والخيالات، لذلك اتهموه بالسحر وبأنه يجيء بالكلام المموّه الذي يخدع به الناس
وما هو بصادق في دعوى النبوة، ونسبوا إليه التفريق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجتهِ.
وقوله: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} . أي: صيّر الآلهة إلهًا واحدًا، فإن جعل تعدت لمفعولين.
وعن قتادة: ({أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} قال: عجب المشركون أنْ دُعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعًا إله واحد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة).
ومنهم من فرّق بين العجيب والعجاب. ففي لغة العرب: العَجبُ والعجَابُ الأمر الذي يُتَعجَّب منه. وكذا (العُجَّاب) بتشديد الجيم وهو أكثر. قال الخليل: (العجيب العَجَب، والعُجَاب الذي قد تجاوز حدّ العَجَب). ونحوه طويل وطُوال فالطويل الذي به طول، والطُوال هو الموصوف بشدة الطول. قال القاسمي رحمه الله:({أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي بليغ في العجب. وذلك لتمكن تقليد آبائهم في نفوسهم، ورسوخه في أعماق قلوبهم. ومضيّ قرون عديدة عليه، وإلفهم به وأنسهم له، حتى ران على قلوبهم، وغشي على أبصارهم، ونسي باب النظر والاستدلال. بل محي بالكلية من بينهم، وصار عندهم من أبطل الباطل وأمحل المحال).
وقوله تعالى: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} .
يروي ابن سعد في الطبقات: (أن وفدًا من زعماء قريش قدموا إلى أبي طالب ليلتمسوا إليه أن يكف ابن أخيه، فاستدعاه وقال له: يا ابن أخي، هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا أن ينصفوك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: أسمع. قالوا: تدعنا وآلهتنا وندعك وآلهتك. قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أعطيتكم هذه هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم. فقال أبو جهل: إن هذه كلمة مربحة، أَنْعِم وأبيك لنقولنها وعشر أمثالها. فقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله، فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: {وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}).
فاستنكر المشركون ما يدعُوهم إليه محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعلموا أن لا إله إلا الله تفضح الظلم والبغي وتهدد القصور والعروش الآثمة وتدعوهم أن يتركوها، لقد علموا أن لا إله إلا الله تكشف الأموال الحرام التي يأكلونها، ولا تغطي
على الدماء الحرام التي يسفكونها، حبًّا منهم بالفاحشة والكبر في الأرض وتقليد الشياطين في ما يفسدونها ولا يعمرونها. فقالوا:{إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} . قال الحافظ ابن كثير: (أي يريد محمد بدعوته الشرف والاستعلاء عليكم). ثم ذكر رواية ابن أبي حاتم والسدي للحديث السابق قال: [استأذن نفر من مشيخة قريش فيهم أبو جهل والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وغيرهم على أبي طالب فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا، وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا. فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم! أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ قال: وإلامَ تدعوهم؟ قال: أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون العجم، فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطينّكها وعشرَ أمثالها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقولون: لا إله إلا الله. فنفروا وقالوا: سلنا غيرها. قال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها فقاموا من عنده غضابًا وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}]. وأن: في محل نصب، والمعنى بأن امشوا. وقيل بل بمعنى أي امشوا.
وأما لفظ ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي! ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عم إني أريدُهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العربُ، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله. فقال القوم كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عشرًا. فقالوا وما هي؟ فقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أَجَعَلَ لْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: {لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ}]. وفي رواية: (فقاموا وهم يقولون: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا
اخْتِلَاقٌ} ونزل القرآن {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} ذي الشرف {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} حتى قوله {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} ). وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل وأبو معيط.
وعن مجاهد: ({وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ} قال: عقبة بن أبي معيط). {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} قال ابن جرير: (أي إن هذا القول الذي يقول محمد ويدعونا إليه من قول لا إله إلا الله شيء يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا وأن نكون له فيه أتباعًا ولسنا مجيبيه إلى ذلك). ثم قال سبحانه يصف قولهم {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} . وفيه تفاسير:
التفسير الأول: أي النصرانية. فعن ابن عباس: (قوله: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} يعني النصرانية. فقالوا: لو كان هذا القرآن حقًّا أخبرتنا به النصارى). وقال قتادة: (يعنون ملة عيسى النصرانية وهي آخر الملل). قال الحافظ ابن كثير: (قالوا لو كان هذا القرآن حقًّا لأخبرتنا به النصارى).
التفسير الثاني: ملة قريش. فعن مجاهد: ({مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} قال: ملة قريش).
التفسير الثالث: قيل يعني في آخر الزمان. فعن الحسن قال: (ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان).
التفسير الرابع: قيل بل عنى بذلك دين قريش وزمانهم. فعن قتادة: ({مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} أي في ديننا هذا ولا في زماننا قطّ).
التفسير الخامس: قيل الملة الدين. قال ابن زيد: (الملة الآخرة: الدين الآخر، قال: والملة الدين).
التفسير السادس: قيل المراد أهل الكتاب. أي: (ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمدًا رسول حق) ذكره القرطبي.
قلت: وغاية المعنى أن قريشًا قد استنكروا الدعوة إلى التوحيد في عالم يعيشونه مليء بالوثنيات والشرك ونسبة الولد إلى الله والاعتقاد بالوسطاء والشفعاء ونسبة البنات إلى الله بأنهم الملائكة وغير ذلك مما كان يسود الأرض أيام بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من خرص اليهود وضلال النصارى وضياع الأمم، والله تعالى أعلم.
وقوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} . هو من الخلق والابتداع. ففي لغة العرب خَلَقَ الإفكَ واخْتَلَقَهُ وتَخَلّقهُ إذا افتراه، ومنه قوله تعالى:{وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} . وخلق واختلق إذا
ابتدعَ، ومنه خَلْقُ الله الخلقَ ابتداعهم على غير مثال. فأراد المشركون أن يقولوا إن هذا إلا كذب وتخرص.
فعن ابن زيد: (في قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} قالوا: إن هذا إلا كذب). وعن السُّدي: ({إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم). وعن قتادة: ({إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} إلا شيء تَخْلُقُه).
وقوله: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} . فاستبعدوا تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والقرآن والوحي أن ينزل عليه من بينهم كلهم وقد كانوا يقولون كما حكى الله عنهم في سورة الزخرف: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} . فهم يريدون الحق أن يمضي في أعرافهم وتقاليدهم فيقع وينزل إلى رؤسائهم وزعمائهم. فعن ابن عباس قال: (يعني بالعظيم: الوليدَ بنَ المغيرة القرشي أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. وبالقريتين: مكة والطائف). فأجابهم الله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} .
فقوله: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} استفهام إنكار وعنى بالذكر القرآن، فقد كانت قلوبهم تغلي بالحسد على ما أوتي محمد من شرف النبوة. قال ابن جرير:(أأنزل على محمد الذكر من بيننا فخصّ به وليس بأشرف منا حسبًا). وقال القاسمي: (أي مع أن فينا مَنْ هو أثرى وأعلى رياسة).
ثم قال جل ثناؤه: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} . قال القرطبي: (أي من وحيي وهو القرآن. أي قد علموا أنك لمِ تزل صدوقًا فيما بينهم، وإنما شكوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا {بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} أي إنما اغتروا بطول الإمهال ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك ولما قالوا ذلك، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ). فهؤلاء المشركون ما زالوا على يقين بأن محمدًا صادق ولكنهم ما استطاعوا أن يُصَدِّقوا بأن الله يوحي إليه وبأنه يتلقى القرآن من لدن حكيم خبير، فإن الكبر أعماهم عن قبول ذلك، وبأنه لو كان حقًّا لكانوا هم أولى به، ولكنهم لم يذوقوا عقابَ الكبر بعد من الله، والكبر من أكبر الشرك، وإنما أمهلهم الله ولو عاجلهم بالعذاب لما نطقوا بهذا الهزل، ولكنهم إذا نزل بهم العذاب فلا ينفعهم حينئذ إيمان ولا إحسان ولا إسلام. ولمّا بمعنى لم وما زائدة.
قال الحافظ ابن كثير: (إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا عذاب الله ونقمته). قلت:
ولمّا نفي لفعل يتوقع وجوده وهي لائقة هنا فإنك لا تقول (الحجر لما يتكلم) وإنما تقول (الحجر لا يتكلم)، ففيه إشارة إلى أن العذاب قادم لا يستحيل بحقهم بل هو واقع بهم.
وقوله تعالى: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} . أم هنا للتقريع لاتصال الكلام بما قبله كقوله: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} . فاستنكروا ذلك لأن ملك خزائن السماوات والأرض لهم فكان الأولى أن يختاروا هم للرسالة من شاؤوا. كلا، الأمر ليس لهم بل لله ولو تركه لهم لاختاروا ما يضرهم وما لا ينفعهم، كما قال سبحانه:{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} . قال ابن جرير: ({أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} يعني مفاتيح رحمة ربك يا محمد العزيز في سلطانه الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من مُلك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد ما من الله به عليك من الكرامة وفضّلك به من الرسالة). فالله سبحإنه له الأمر من قبل ومن بعد. قال في سورة الأنعام: {للَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} . وقال في سورة القصص: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} . فهو العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد فتبارك الله العزيز الحكيم.
لقد أخرج ابن ماجة والطبراني بسند حسن عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [عندَ اللهِ خزائن الخير والشر، مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعلهُ الله مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير](1).
وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} . هو تقريع آخر وتوبيخ للمشركين ومنطقهم وتفكيرهم، فإن كانوا يظنون أن لهم ملكًا في السماوات فليصعدوا وليمضوا في معارج الوصول علّهم يصلون إلى العرش فيجلسوا عليه فيتحكموا بملكهم ويشرفوا على خزائنهم وينزلوا الوحي بما شاؤوا على من أرادوا وأحبوا.
وفي لغة العرب رقيَ يرقى وارتقى إذا صَعِدَ، والسبب: الحبلُ وكلُ شيء يُتَوصَّل به إلى غيره، وأسباب السماء نواحيها، وقيل الأسباب الحبال. قال أبو جعفر: (وأصل
(1) حديث حسن. انظر سنن ابن ماجة (237)، وكتاب "السنة"- لابن أبي عاصم - (251)، (252).
ورواه الطبراني والبيهقي. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1332).
السبب عند العرب كل ما تسبب به إلى الوصول للمطلوب من حبل أو وسيلة أو رحم أو قرابة). فعن الربيع بن أنس قال: (الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد ولكن لا ترى). وفي معنى الأسباب وَرَدَ أقوال:
القول الأول: عن مجاهد قوله: ({فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} قال: طرق السماء وأبوابها). وعن قتادة قال: (الأسباب أبواب السماوات التي تنزل الملائكة منها). وقال السدي: (أسباب السماوات).
القول الثاني: عن السدي: ({فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} قال: في الفضل والدين).
القول الثالث: الأسباب: الحبال. قال القرطبي: (يعني إن وجدوا حبلًا أو سببًا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا وهذا أمر توبيخ وتعجيز. قال: فليصعدوا إلى السماوات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد).
القول الرابع: الأسباب: القوة. فقد روي عن أبي عبيدة من أهل اللغة: (أي فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة).
القول الخامس: الأسباب: السماوات نفسها، أي فليصعدوا سماء سماء.
وخلاصة القول: فإذا كان لهؤلاء المشركين الذين هم في عزة وشقاق وكبر ومعاندة، ملك في السماوات والأرض وما بينهما، فليصعدوا في أبواب وطرق السماء ليؤكدوا ملكهم وقوتهم فيدبروا الأمر ويتفقدوا الكون ويتعهدوا ويشرفوا وينزلوا الوحي بما شاؤوا على من يختاروا، وإلا فإن الله لا يعازّه ولا يشاقّه من كان في ملكه وسلطانه.
وقوله تعالى: {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} . هو وعد بالنصر من الله لنبيّه على هؤلاء المكذبين، والتقدير هم جند، فجند خبر لمبتدأ محذوف، و (ما) زائدة أو صفة للجند، و (هنالك) إشارة لمعركة بدر وهو الموضع الذي تَحَزَّبوا فيه لقتال المؤمنين. وقيل بل هو إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول. قال القاسمي:(فهو مجاز). وقد رود في الآية معان متقاربة:
المعنى الأول: المراد يوم بدر. فعن قتادة قال: (وعده الله وهو بمكة يومئذ أنه سيهزم جندًا من المشركين فجاء تأويلها يوم بدر). وقال الحافظ ابن كثير: (هذه الآية كقوله جلت عظمته {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} وكان ذلك يوم بدر).
المعنى الثاني: المراد الأحزاب يوم الخندق يوم أتوا المدينة وتَحَزَّبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وخان اليهود ومكروا.
المعنى الثالث: المراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفار التي دمّرها الله بكفرها. فعن مجاهد: ({جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} قال: قريش من الأحزاب. قال: القرون الماضية). وقال ابن جرير رحمه الله: (يعني من أحزاب إبليس وأتباعه الذين مضوا قبلهم فأهلكهم الله بذنوبهم). قال القرطبي: (أي هؤلاء جند على طريقة أولئك، كقوله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} أي على ديني ومذهبي).
المعنى الرابع: أي جند هذه الآلهة المزيفة مهزوم لا محالة. قال الفراء: (المعنى هم جندٌ مغلوب، أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء).
وقال القتبي: (يعني أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم، فهم لا يقدرون على أن يدّعوا الشيء من آلهتهم، ولا لأنفسهم شيئًا من خزائن الله، ولا من ملك السماوات والأرض). وقال النسفي: ({مِنَ الْأَحْزَابِ} متعلق بجند أو بمهزوم، يريد ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم مهزوم عما قريب فلا تبال بما يقولون ولا تكترث لما به يهذون).
وجملة القول أنها أقوال متقاربة مفادها أن هؤلاء المعاندين للوحي المفضلين الاحتكام لأهوائهم سينالون مصير الباطل الذي سنّه الله له يوم يقوى أهل الحق ويرضى عن حالهم فيقذفهم على الباطل وجنده، ويذيقهم يومًا من أيام الله التي تعود بين الفينة والأخرى لتخرس الباطل في الأرض كلما ضجّ وجال وفتن النّاس.
يخاطب الله نبيّه محمد صلوات الله وسلامه عليه معزّيًا له مما يلقى من المشركين ومُسَلّيًا له ليصبر على محن الطريق بأن ملل الكفر مصيرها واحد، فها هم أحزاب البغي والكبر في عصر الرسل عليهم السلام قد دمّرهم الله بذنوبهم لما أسرفوا وآثروا أهواءهم وشهواتهم على تعظيم الحق والقيام بأمر الوحي.
وفي تأنيث ذكر الله للقوم وجهان عند أهل العربية:
الوجه الأول: أنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.
الوجه الثاني: أنه مذكرٌ وإنما المعنى وقع على القبيلة والعشيرة فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} .
وأما وصف فِرعون بذي الأوتاد فقد ورد في تفسير ذلك معان متقاربة:
المعنى الأول: ذو البناء القوي. فعن ابن عباس قال: (المعنى ذو البناء المحكم).
المعنى الثاني: ذو الأوتاد إشارة لكثرة البنيان. فعن الضحاك قال: (كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادًا).
المعنى الثالث: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها.
فعن ابن عباس: ({وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ} قال: كانت ملاعب يلعب له تحتها). وعن قتادة قال: (كان له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها). قال النسفي: (قيل كانت له أوتاد وحبال يلعب بها بين يديه).
المعنى الرابع: أي ذو القوة والبطش والتنكيل. فعن الضحاك قال: (ذو القوة والبطش). وعن السُدّي: (في قوله: {ذُو الْأَوْتَادِ} قال: كان يُعَذّب الناس بالأوتاد، يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع صخرة تُمَدُّ بالحبال ثم تُلقى عليه فتشدخه). وقال مقاتل: (كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مدّه مستلقيًا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت). قال القرطبي: (وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوارٍ، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وَتِد من حديد ويتركه حتى يموت).
المعنى الخامس: قيل ذو الأوتاد: إشارة إلى كثرة الجنود، فكنى بالأوتاد يصف بها الجنود لأنهم يقوّون أمره ويثبتون حكمه، كما يقوي الوتد البيت وكما يثبت الوتد الخيمة. قال ابن قتيبة:(العرب تقول هم في عزّ ثابت الأوتاد، يريدون دائمًا شديدًا). ذكره القرطبي وقال: (وأصل هذا أن البيت من بيوت الشَّعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. قال الأسود بن يَعْفُر:
ولقد غَنَوْا فيها بأنعم عيشة
…
في ظل مُلْكٍ ثابتِ الأوتاد
قال: وواحد الأوتاد وتِد بالكسر، وبالفتح لغة). قال القاسمي: ({وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ} : أي الملك الثابت. وأصله البيت المطنّب، أي المربوطة أطنابه - أي حباله - بأوتاده. استعير للملك استعارة تصريحية. ثم قال: أو المعنى: ذو الجموع الكثيرة.
سمّوا بذلك لأن بعضهم يشد بعضًا، كالوتد يشد البناء).
قلت: وكل ما سبق من التفاسير صادق في وصف ملك فرعون وطبيعة نفسه من الطغيان والكبر الذي يحتاج للمباني العظيمة، والهياكل الثابتة الفخيمة، وأسباب الترف واللعب وألوان القسوة في تعذيب مخالفيه، وكثرة الشرط والعملاء والجند، شأن الطغاة في كل زمان ومكان، والله تعالى أعلم.
وأما أصحاب الأيكة: فهم قوم شعيب صلوات الله وسلامه عليه، والأيكة: الغيْضَة، فهم سكان الغيضة الكثيفة الملتفة الشجر. فعن قتادة:({وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} قال: كانوا أصحاب شجر. وكان عامة شجرهم الدوم). وعن السُّدي: (قوله: {وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} قال: أصحاب الغَيْضَة).
وخلاصة القول: فلقد كذب نوحًا قومُه كما كذب هودًا قومه عاد، كما استكبر فرعون وجنده وطغوا في الأرض، كما كذب صالحًا قومه ثمود وكذلك كذب لوطًا قومُه أصحاب الأخلاق الدنيئة وأهل الفاحشة والرذيلة، كما كذب شعيبًا قومُهُ أصحابُ الشجر الملتف الكثيف، فهؤلاء جميعهم أحزاب مضت قبل قريش تحزبوا على أنبيائهم وتطاولوا على الحق والوحي فأنذرهم الله فتمادوا فدكهم ودمرهم وجعلهم للناس أحاديث فإن الله لا يحابي أحدًا، وهؤلاء قومك يا محمد إن تمادوا فهم مسلوك بهم سبيل من قبلهم {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ}. وكقوله:{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} . قال قتادة: (هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل فحق عليهم العذاب). فمن كذب رسوله فقد كذب الرسل فإن (إن) نافية وجملة (كَذَّبَ) هي الخبر، فتكذيب واحد من الرسل تكذيب للكل.
وقوله تعالى: {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} . أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون من قريش إلا صيحة الفزع يوم القيامة بعد أن عاينوا صيحة بدر وذل الهزيمة والقتل فيها، وتلك الصيحة يوم البعث لا رجعة فيها. و {يَنْظُرُ} بمعنى ينتظر، كقوله سبحانه:{فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا} ، وقوله:{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} . و {هَؤُلَاءِ} هم كفار مكة. وقد جاء في هذه الآية تفاسير متقاربة من حيث الخطاب:
التفسير الأول: الصيحة هي النفخة الأولى والخطاب لكفار مكة. قال ابن جرير: (وما ينظر هؤلاء المشركون من قريش إلا النفخة الأولى في الصور، وهي صيحة واحدة
مالها من فواق، قال: يقول ما لتلك الصيحة من فيقة يعني من فتور ولا انقطاع). وبنحوه قال الحافظ ابن كثير: (أي مالها من رجعة تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها، أي اقتربت ودنت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل يُطَوِّلها فلا يبقى أحد في السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله).
وقال القرطبي: (أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة. قال: وقيل ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور، كما قال تعالى {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} وهذا إخبارٌ عن قرب القيامة والموت).
التفسير الثاني: الخطاب لجميع الأحزاب. قال النسفي: ({وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ} وما ينتظر أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب).
التفسير الثالث: الخطاب لكفار هذه الأمة إلى آخرها. أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة المتدينين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. ذكره القرطبي.
وأما قوله: {مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} . فإن العرب يلفظونها بالفتح والضم (فَواق) و (فُواق). قال الرازي في مختار الصحاح: (والفُوَاق بضم الفاء وفتحها ما بين الحلبتين من الوَقتِ لأنها تُحْلَبُ ثم تُتْرَك سُوَيعةً يَرْضَعُها الفصيل لِتَدُرَّ ثم تُحْلَب. يقال: ما أقام عنده إلا فُواقًا. قال: وقوله تعالى: {مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} يُقرأ بالفتح والضم أي ما لَها من نَظرةٍ وراحة وإفَاقَةٍ). والفيقة بالكسر اسم اللبن الذي يجتمع بين الحَلْبتين كما قال الأعشى:
حتى إذا فيقةٌ في ضَرعِها اجتمعت
…
جاءتْ لتُرضِعَ شِق النَّفْسِ لوْ رضعا
والمراد بشق النفس ولدها لأنه قطعة منها. وقد قرأها قراء المدينة والبصرة بالفتح (فَواق)، وقرأها قراء الكوفة بالضم (فُواق).
فقوله: {صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} فيه أوجه من التأويل متقاربة:
الوجه الأول: الصيحة نفخة الفزع مالها من ارتداد ولا رجوع. فعن ابن عباس: ({مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} يقول: من ترداد). وفي رواية عنه قال: (يقول ما لها من رجعة).
وقال قتادة: (يعني الساعة ما لها من رجوع ولا ارتداد). قال النسفي: (من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة وفواق الناقة ساعة يرجع الدّر إلى ضرعها، يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد). قال القرطبي: (والمعنى المراد أنها ممتدة لا تقطيع فيها).
الوجه الثاني: المراد ما لهؤلاء المشركين إذا سمعوا النفخة رجوع إلى الدنيا. فعن السُدّي: ({مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} يقول: ليس لهم بعدها إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا).
الوجه الثالث: قيل المراد بالصيحة العذاب. أي: إن ما ينتظرون عذابٌ لا إفاقة منه. فقد روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله عز وجل على أهل الأرض).
وعن ابن زيد في قوله {مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} قال: (ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ما لها من فواق، يا لها من صيحة لا يفيقون فيها كما يفيق الذي يغشى عليه، وكما يفيق المريض تهلكهم ليس لهم فيها إفاقة).
قلت: وجملة القول أنَّ هؤلاء المشركين الذين يسلكون منهاج الأحزاب الماضية الذين تَحَزَّبوا على أنبيائهم ورسلهم بالعناد والتكذيب والاستهزاء بالوحي مدعوّون اليوم لأن ينالوا ما حاق بأولئك من قبلهم وكذلك من سيأتي بعدهم ويمضي على طريقتهم في الاستهزاء والكبر، فالكل ينتظرون صيحة العذاب في الدنيا والفزع يوم القيامة فتأتيهم بغتة بنفخة واحدة لا تقطيع فيها فلا يستطيعون رجوعًا إلى الدنيا، ولا إفاقة لهم من تبعاتها، ولا وقت ولا فرصة تُعطى لهم بعدها.
لقد أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظِرُ متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعمَ الوكيل](1).
وقوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} . قال الفراء: (القطّ في كلام العرب الحظّ والنصيب). وقال أبو عبيدة: (القِطّ الكتاب بالجوائز والجمع القطوط). وقال الرازي: (القِط الكتاب والصَّك بالجائزة ومنه قوله تعالى: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا}). ففي لغة العرب يقال للنصيب قِطٌّ وللكتاب المكتوب بالجائزة قطّ. وفي الآية وجوه من التأويل:
التأويل الأول: المراد تعجيل العذاب في الدنيا. قال ابن عباس: (سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامة). وقال مجاهد: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا} قال:
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (2431). انظر صحيح سنن الترمذي (1980).
عذابنا). وقال قتادة: ({وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} أي نصيبنا: حظنا من العذاب قبل يوم القيامة. قال: قد قال ذلك أبو جهل: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًّا {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} .. الآية).
التأويل الثاني: قيل المراد تعجيل منازلهم مِن الجنة ليصدقوا محمدًا. قال الحسن: (نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا). وعن السُدّي: (قوله: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ} قالوا: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك. قال: سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به).
التأويل الثالث: قيل سألوا نصيبهم من الجنة أن يُعجَّل لهم في الدنيا. فعن سعيد بن جبير في قوله: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} قال: (نصيبنا من الجنة).
التأويل الرابع: قيل المراد بسؤالهم عجل لنا أرزاقنا. فعن إسماعيل بن أبي خالد قال: (المعنى عجل لنا أرزاقنا).
التأويل الخامس: قيل المراد عجل لنا ما يكفينا. ذكره القرطبي وقال: من قولهم: قَطْنِي، أي يكفيني.
التأويل السادس: قيل المراد بسؤالهم أن يُعَجّل لهم بكتبهم التي أخبرهم أنهم آخذوها بأيمانهم أو بشمائلهم. ذكره ابن جرير حيث قال: (قيل سألوه أن يعجل لهم كتبهم التي قال الله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} في الدنيا لينظروا بأيمانهم يُعطونَها أم بشمائلهم ولينظروا من أهل الجنة هم أم النار استهزاء بالقرآن ووعد الله).
وجملة القول أَنَّ كفار مكة وصل بهم الاستهزاء ما وصل بقوم نوح من قبل وبقوم عاد وثمود وقوم لوط، فقد سألوا النبي عليه السلام سخرية تعجيل ما ينذرهم به إن تمادوا في الغي وتكذيب الوحي، بأن يعجل لهم عذاب الدنيا أو رؤية آيات الدمار والهلاك أو يريهم الجنة وأرزاقها وما يوعدون به لو آمنوا، ليكون ذلك مما يحملهم على التصديق، أو يريهم كتبهم التي سيعطونها يوم القيامة، إلى غير ذلك مما يخطر ببال المتكبر المعاند، فإن أصل القِطّ القَطّ وهو القطع، فالقِط اسم للقطعة من الشيء فأطلق على النصيب والرزق والكتاب وهو في الكتاب أكثر شهرة ولكن أطلق على الرزق لقطعه عن غيره والله تعالى أعلم.
قال النسفي: (ويقال لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس).
وقوله: {قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} . أي: قبل حلول يوم القيامة فهم يريدون ذلك في الدنيا، إذْ أمر الآخرة عندهم في شك. قال ابن جرير:(إن القوم سألوا ربهم تعجيل صِكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعده الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله).
17 -
26. قوله تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)}.
في هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه محمدًا عليه الصلاة والسلام مخففًا عليه مما يلقاه من المشركين واستهزائهم، مسليًا له في صبره على أذاهم، أن اصبر على هذه المكاره فإنا ممتحنوك امتحاننا سائر إخوتك الرسل من قبلك، ثم جاعلو العلو والنصر والظفر لك على من كذبك، سنتنا في الرسل وظفرهم على مكذبيهم من الأمم قبلك، ومن هؤلاء الإخوة داود عليه الصلاة والسلام، فقد كان قويًا في العبادة والعلم، رجاعًا لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أوابًا مطيعًا، وآتيناه من القوة وأسبابها كرامة له ورفعة وتأييدًا، فتلك الجبال سخرناها له إذا سبّح ستحت معه وجاوبته بالحق
غدوًا وعشيًا، وشاركته بذلك الطير فسبحت واجتمعت في الهواء تعظم الجبّار المتكبر سبحانه، وزودناه فوق ذلك بأسباب الملك والقوة وكل ما يحتاج إليه الملوك من الجند والحديد لينصر الحق ويحكم به، وأعطيناه من الحكمة والفهم والنبوغ في الحكم والقضاء ما يستعين به مع الحديد والقوة لإقامة العدل في الأرض والحكم بمنهج الوحي، ثم قصّ سبحانه امتحانه لداود عليه السلام ليثبت لديه إقامة منهج العدل في الحكم والقضاء، وذلك حين كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره، فتسوّر رجلان عليه المحراب ففزع إذ دخلوا عليه فجأة من غير بابه، يختصمان إليه ويسألانه أن يحكم بالعدل والحق بينهما ولا يُسرف بالميل إلى أحدهما، فذكر أحدهما أن لصاحبه تسعة وتسعين نعجة وهي أنثى الضأن وأن له نعجة واحدة فسأله أن يكفلها له فيصبح له مئة، فلم يسمع داود عليه السلام من الآخر وإنما قضى بما سمع من طرف واحد بأن صاحب ذلك السائل قد ظلمه بهذا العمل والسؤال والإحراج، وبأن أصحابَ السوء كثير، والصالحين منهم قليل، ثم تبين لداود بأنه قد فتنه الله بهذه المسألة وبأنه قد تسرع في الحكم دون أن ينصت ويصغي لسماع الطرف الآخر فاستغفر ربه سبحانه فتاب الله عليه ووعده بحسن المنزلة يوم القيامة فإنه من عباد الله الصالحين. ثم أعاد له سبحانه صياغة نتيجة ذلك الامتحان والاختبار، بأن الله جل ثناؤه قد اختاره حكمًا في الأرض بمنهج الوحي والحق والعدل، فليحذر مسالك الشيطان ووساوسه واتباع الرأي والهوى دون حجة أو علم أو تثبت، فإن الذين يضلون عن اتباع منهج الوحي والحق والعدل في حكمهم ويؤثرون عليه أهواءهم وحظوظهم، سينالهم عذاب شديد من الله العظيم، أنْ تحاكموا إلى غير شرعه وأهملوا يوم القيام بين يديه والاستعداد للقائه.
وتفصيل ذلك:
{اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} يا محمد فإن الله قد وعدك بالنصر والظفر فلا يحزنك استهزاؤهم فهم ماضون إلى ذلهم وهوانهم. قال ابن جرير: (فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك ثم جاعلو العلو والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقّك، سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك، فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا). وقيل: المعنى اصبر على قولهم، واذكر لهم أقاصيصَ الأنبياء لتكون برهانًا على صحة نبوتك، والأول أظهر.
وقوله: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} . أي صاحب القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس: (ذا الأيد: ذا القوة).
فعن قتادة: ({وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} قال: أُعطي قوة في العبادة وفقهًا في الإسلام). وقال ابن زيد: (في قوله: {دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} قال: ذا القوة في عبادة الله. الأيد: القوة، وقرأ {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} قال: بقوة).
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: [أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نِصفَ الليل ويقوم ثلثَهُ وينام سُدُسَهُ ويصوم يومًا ويفطر يومًا]. واللفظ للبخاري (1).
فقد كان داود عليه الصلاة والسلام مثلًا أعلى في القوة في العبادة، وكان متميزًا في أشد أنواعها وهي الصلاة في الليل والدعاء، والصيام في النهار، فأورثه الله بها قوة في الجهاد وصبرًا عند الشدائد واللقاء، وجمع له معها قوةً في العلم والفهم والحكم وفصل القضاء، فكان له بذلك شرف عند الله ومكانة عالية أظهرها سبحانه بقوله {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا} إبرازًا لشرفه بهذه الإضافة.
وقوله: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} . قال مجاهد: (رجاع عن الذنوب). وقال قتادة: (أي كان مطيعًا لله كثير الصلاة). وقال الضحاك: (أي تواب). وقيل: أنه كلما ذكر ذنبه أو خطر على باله استغفر منه فكان رجّاعًا إلى الله في جميع شؤونه وأحواله، حرفي أن يقتدى به.
وآب في لغة العرب: رجع. قال ابن جرير: (إن داود رجّاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أواب).
قلت: وهذه الصفة من صفات أعلام النبوة. فقد امتدح الله بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} . وامتدح بها سليمان عليه الصلاة والسلام بقوله: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} . ووعد المؤمنين الموصوفين بهذه الصفة مغفرة وخيرًا فقال جل ثناؤه: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} . وامْتُدِحَ إمام الأوابين بها، محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما روى النسائي وابن حبان بسند صحيح عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إني لأتوبُ إلى الله تعالى في اليوم سبعين مرة](2). وكما روى الترمذي عن أبي هريرة عنه صلوات الله
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (1131)، كتاب التهجد. ورواه مسلم (1159) بنحوه.
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح ابن حبان (2456)، وصحيح الجامع الصغير (2473).
وسلامه عليه قال: [إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة](1). ورواه ابن حبان ولفظه: [إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة]- وأصله في صحيح الإمام البخاري.
وقوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} . فسخر له سبحانه الجبال الشامخات تجيبه وترجّع معه التسبيح والتهليل والتعظيي فرحًا منها بذكر الله سبحانه، كما قال جل ثناؤه:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} . وكقوله جل وعز: {قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} . وكقوله: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} . وعن قتادة: ({إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} قال: يسبحن مع داود إذا سبَّحَ بالعشي والإشراق). وقال ابن زيد: (حين تُشرق الشمس وتضحي). وقال ابن عباس: (يسبّحن: يصلين). وقال ابن جرير رحمه الله: (يقول تعالى ذكره: إنا سخرنا الجبال يسبّحن مع داود {بِالْعَشِيِّ} وذلك من وقت العصر إلى الليل، {وَالْإِشْرَاقِ} وذلك بالغداة وقت الضُّحا. ذكر أن داود كان إذا سبح سبحت معه الجبال).
قلت: فقوله: {يُسَبِّحْنَ} في محل نصب حال، وكان هذا معجزة من الله سبحانه وبرهانًا أيَّد به نبيّه داود عليه السلام، وكان يفقه ما يقولون كما قال مقاتل:(كان داود إذا ذكر الله جل وعز ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال). وقد آتاه الله من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دوي حسن، وما تصغي لحسنه وجماله الطير فتصوّت معه وتشاركه بذلك الطبيعة إيمانه وتوحيده وذكره وتعظيمه فتعالى الله أحسن الخالقين.
وأما الإشراق في لغة العرب فهو يطلق على ابيضاض الشمس بعد طلوعها فيقال: شرقت الشمس أي طلعت وأشرقت إذا أضاءت، وأشرق وجه الرجل أي أضاء وتلألأ حُسْنًا. فكان داود عليه الصلاة والسلام يسبح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها.
قلت: وهذا هو وقت الضُّحا وصلاته سمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم صلاة الأوابين. قال ابن عباس: (ما عرفت صلاة الضُّحا إلا بهذه الآية {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ}).
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (3259). انظر صحيح الترمذي (2597). وانظر صحيح البخاري (1/ 186)، وصحيح الجامع (2479).
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [صلاةُ الضُّحا صلاةُ الأوابين](1).
وقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه أن زيدَ بن أرْقَم رأى قومًا يصلون من الضُّحا فقال: أمَا لقد عَلِمُوا أن الصلاة في غيرِ هذه الساعةِ أفضل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[صلاة الأوابين حين تَرْمَضُ الفِصَال](2).
وفي رواية قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قُبَاء وهم يُصلون فقال: [صلاة الأوابين إذا رمِضَتِ الفِصَالُ]. والفصال جمع فَصيل وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل، والرمضاء شدة الحر في الأرض. قال القرطبي:(وخصّ الفصال هنا بالذكر، لأنها هي التي تَرْمَض قبل انتهاء شدة الحر التي تَرْمَضُ بها أمهاتها لقلة جَلَدها وذلك يكون في الضُّحا أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: [أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثةِ أيام من كل شهر، وركعتي الضُّحا، وأن أوتِرَ قبل أن أرقُدَ](3).
وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويُجْزئ من ذلك ركعتان يَركعهما من الضُّحا](4).
وفي المسند عن بُريدة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم يقول: [في الإنسان ستون وثلاثُ مئة مَفْصِلٍ، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة. قالوا: فمن يطيق ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: النخاعةُ في المسجد تدفِنُها، والشئ تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدِر، فركعتا الضُّحا تُجزئ عنك](5).
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة. انظر صحيح أبي داود (1286)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (3721).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2/ 171)، وأحمد (4/ 366 - 367)، وابن خزيمة (1127).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (1981) -كتاب الصوم-، ورواه مسلم في الصحيح (721).
(4)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (720) -كتاب صلاة المسافرين- ح (84). ورواه أبو داود -حديث رقم- (1286).
(5)
حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان. انظر صحيح أبي داود (4365)، وصحيح ابن =
وفيه أيضًا عن عبد الله بن عمرو، وعند أبي يعلى من طريق أبي هريرة بإسناد رجاله رجال الصحيح واللفظ له قال:[بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم بعثًا فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكرّة، فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأينا بعثًا قط أسرعَ كَرَّةً ولا أعظمَ غنيمة من هذا البعث. فقال: ألا أخبركم بأسرعَ كرةً منهم، وأعظم غنيمة؟ رجلٌ توضأ فأحسن الوضوء، ثم عمدَ إلى المسجد، فصلى فيه الغداةَ، ثم عقَّب بصلاة الضّحوة، فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة](1).
وأقل الضُّحا ركعتان وأكثره ثمان ركعات: ففي الصحيحين عن أم هانئ: [أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة اغتسل في بيتها فصلى ثمان ركعات](2).
فمن صلاها أربعًا كفاه الله ذلك اليوم وكان في ذمته وحمايته. فقد أخرج الإمام أحمد وأبو يعلى عن عقبة بن عامِر الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله عز وجل يقول: يا ابنَ آدم! اكفني أوَّلَ النهار بأربع ركعات، أكْفِكَ بهن آخرَ يومِك](3).
وقوله تعالى: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} . أي: مجموعة له، مجتمعة تجيبه وتردد معه التسبيح والتهليل والتعظيم.
فعن ابن عباس قال: (كان داود عليه السلام إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه). وعن قتادة: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} قال: مسخرة). قال القرطبي: (فالمعنى وسخرنا الطير مجموعة إليه لتسبح الله معه. وقيل: أي وسخرنا الريح لتحشر الطيور إليه لتسبح معه، أو أمرنا الملائكة تحشر الطيور).
وجملة القول: أنّ قوله: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} معطوف على قوله: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} . فإذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه وجاوبته بالتعظيم والتقديس لله الواحد الأحد، فاجتماعها إليه كان حشرها.
= حبان (633)، ومسند أحمد (5/ 354)، (5/ 359)، والإرواء (2/ ص 213)، من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، عقب الحديث (461).
(1)
حديث صحمِح. رواه أبو يعلى والبزار وابن حبان. انظر صحيح الترغيب (1/ 668 - 669).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (1176) -كتاب التهجد-، ومسلم (336) -كتاب الحيض-، وأخرجه أبو داود (1277)، والترمذي (295)، وأخرجه النسائي (126).
(3)
حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو يعلى وبنحوه أبو داود. انظر صحيح أبي داود (1146) من حديث نعيم بن همار. وانظر تخريج الترغيب (1/ 236)، وصحيح الجامع -حديث رقم- (1909).
وعن قتادة: {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} : (أي مطيع). والهاء في قوله (له) عائدة على داود عليه السلام، أي تأتيه وتشاركه تسبيحه. وقيل: بل الهاء لله عز وجل. فعن السدي: (قوله: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} يقول: مسبح لله).
وقوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} . فيه تفاسير:
التفسير الأول: أي قويناه بأسباب القوة والثبات. قال القرطبي: (أي قويناه حتى ثبت).
التفسير الثاني: أي قويناه بوفرة الجنود وكثرة الحرس. فعن السّدي: (قوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} قال: كان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف). وعن ابن عباس قال: (كان داود أشد ملوك الأرض سلطانًا. كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبيّ الله).
التفسير الثالث: قيل بل بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب. قال القاسمي رحمه الله: (أي قويناه بوفرة العَدَدِ والعُدَدِ ونفوذِ السلطة وإمداده بالتأييد والنصر). وقال ابن العربي: (بالتأييد والنصر).
وجملة القول أن الله سبحانه قد أعطى نبيّه داود عليه السلام من أسباب القوة والملك ما يُذِلُّ به أعداءَه وينصر به الحق ويحميه. قال الحافظ ابن كثير: (أي جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك).
وقوله: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} - فيه معان متقاربة:
المعنى الأول: الحكمة: أي النبوة. فعن السّدي: ({وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} قال: النبوة).
المعنى الثاني: العدل. فعن مجاهد: ({وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} قال: العدل).
المعنى الثالث: السنة. فعن قتادة: (قال: السنة).
المعنى الرابع: العلم بكتاب الله تعالى. ذكره أبو العالية.
المعنى الخامس: العلم والفقه. قاله شريح.
وجملة القول أنّه سبحانه أضاف له في قوة السلطان والحديد قوة في العلم والفهم والعقل والذكاء والمعرفة بالعدل الذي دلّ عليه الوحي ليحكم بمنهج النبوة والحق.
وقوله: {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: الفصل في القضاء والإصابة فيه. قال مجاهد: {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} قال: إصابة القضاء وفهمه). وقال قتادة: (يعني الفصل في القضاء). وقال ابن عباس: (أعطي الفهم).
التأويل الثاني: بيان الكلام. قاله ابن عباس.
التأويل الثالث: ما روي عن علي رضي الله عنه حيث قال: (هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر). وذكره الشَّعبي أيضًا.
التأويل الرابع: علم القضاء. ذكره السدي.
التأويل الخامس: قيل: البيان الفاصل بين الحق والباطل. وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل.
التأويل السادس: هو قوله أما بعد. قال الشعبي: (هو قوله أما بعد، وهو أول من قال أما بعد، فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله بقوله أما بعد) - ذكره النسفي.
وخلاصة المعنى أنّ الله سبحانه علّم نبيّه داود علم القضاء ووهبه قوة الفهم والفصل بين المتخاصمين ليقيم العدل والحق في الأرض كما يحب الله ويرضى.
وقوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} . فخرج الخصم في لفظ الواحد لأنه مصدر مثل الزور والسفر لا يثنى ولا يجمع، مع أن المراد ملكان والله تعالى أعلم. وقوله:{تَسَوَّرُوا} أي أتوه من أعلى سوره. قال القرطبي: (يقال: تسور الحائط تسلقه، والسور حائط المدينة وهو بغير همز، وكذلك السُّور جمع سورةِ مثل بُسْرَةٍ وبُسَرٍ وهي كل منزلة من البناء. ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى). والمحراب هو مقدم كل مجلس وصدره وأشرفه. قال أبو عبيدة: (إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد).
وقوله تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} . قال الحافظ ابن كثير: (كان داود صلى الله عليه وسلم في محرابه وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسوّرا عليه المحراب أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما).
فقوله: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} أي: لدخولهما عليه من غير الباب وقيل لدخولهما ليلًا في غير وقت نظره بين الناس. وقيل: ملكان في صورة إنسيين بعثهما الله إليه امتحانًا واختبارًا، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين، فاختصما إليه طالبين منه الفصل بينهما في خلاف وقع بينهما. وقوله:{فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} أي بالعدل والقسط {وَلَا تُشْطِطْ} . قال قتادة: (أي لا تَمِل). وقال السدي: (يقول لا تحُف). أي اقض بيننا بالعدل ولا تجرُ أو تُسْرِف في حكمك فتميل مع أحدنا على صاحبه. وفي لغة العرب: أشطَّ في القضية أي جارَ، واشتطَّ أي أبْعَدَ، والشَطَط مجاوزة القدر في كل شيء، والشطُ: جانب النهر، فأشطَّ وشطَّ لغتان. وقيل لا تُسْرِف، وقيل لا تفرط، وكلها معان متقاربة كما قال جل ثناؤه في سورة الكهف:{لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} أي جَورًا وبُعدًا عن الحق. {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} قال قتادة: (أي إلى عدله وخيره). وعن وهب بن منبه قال: (أي احملنا على الحق ولا تخالف بنا إلى غيره). فالمقصود أرشدنا إلى طريق الرشد والفصل وقصد السبيل.
وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} . قال وهب بن منبه: {إِنَّ هَذَا أَخِي} أي على ديني). {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} وهي أنثى الضأن {وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} من تلك النعاج ومثيلاتها. {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} ، قال ابن زيد:(أعطنيها). ليصبح لي منها مئة كاملة {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} . قال وهب: (أي قهرني في الخطاب وكان أقوى مني فحاز نعجتي إلى نعاجه وتركني لا شيء لي). أي أراد تملكها كما قال ابن عباس: (اجعلها كفلي أي نصيبي) وغلبني في الحجة والخصومة والإحراج.
وقوله: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} . أي: ما أنصفك بهذا الطلب. قال القاسمي: (أي طلب نعجتك التي أنت أحوج إليها ليضمها إلى نعاجه).
قال ابن جرير: (وإن كثيرًا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا بالله وعملوا بطاعة الله وانتهوا إلى أمره ونهيه ولم يتجاوزوه).
فالأخلاء الصالحون قليل ما هم كما قال جل ثناؤه: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} . فإن أغلب علاقات الناس في الدنيا تقوم على المصالح الأرضية
والصلات المادية ومتابعة الشهوات، وأما أخوة الإيمان التي يميزها الصدق والحب والوفاء الخالص في وجه الله فهي قليلة في كل زمان والله المستعان، ولذلك خصّ الله سبحانه هذه الصلة بشرف عظيم في الدار الآخرة وهو شرف الاستظلال تحت عرشه في زحمة الحشر في عرصات القيامة.
ففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ربَّ العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينُه](1).
وفي المسند ومعجم الطبراني بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [قال الله تعالى: حُقَّتْ محبتي للمتحابين فيَّ، وحُقَّتْ محبتي للمتواصلين فيَّ، وحُقَّتْ محبتي للمتناصحين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ. المتحابون فيَّ على منابر من نور، يغبطِهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء](2).
وله شاهد عند ابن أبي الدنيا عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [قال الله تعالى: حُقت محبتي على المتحابين، أظلهم في ظل العرش يومَ القيامة يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي] وسنده صحيح.
وقوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} فيهم فيه وجهان في التقدير: الأول: وقليل هم. والثاني: وقليل ما تجدهم. قال ابن عباس: (وقليل الذين هم). وقال ابن زيد: (قليل من لا يبغي).
وقوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} . قال النحاس: (فيقالُ إنَّ هذه كانت خطيئة داود عليه السلام، لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبت ببيّنة، ولا إقرار من الخصم، هل كان هذا كذا أو لم يكن). وقد قيل في أنَّ: قوله تعالى:
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031)، والنسائي (8/ 22)، وأخرجه ابن حبان (4486). ورواه أحمد في المسند (2/ 439)، وغيرهم.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد والطبراني والحاكم من حديث عبادة بن الصامت. انظر صحيح الجامع (4197)، وكذلك (4196) للشاهد بعده.
{قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول. قال ابن العربي:(وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر). أي فلا بد أن يسمع من الخصم والطرف الآخر.
وقد ذكر القرطبي قول الحليمي أبي عبد الله في كتاب منهاج الدين له: (أخبر الله عز وجل عن داود عليه السلام، أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر عنه أنه سأل الآخر، إنما حكى أنه ظلمه، فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم مخائل الضعف والهضيمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول، ودعاه ذلك إلى ألّا يسأل الخصم، فقال له مستعجلًا: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} إلى أن قال: ولما تكلم داود بما حملته العجلة عليه، علم أن الله عز وجل خلاه ونفسه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرناها، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير منه، فاستغفر ربه وخرّ راكعًا لله تعالى شكرًا على أن عصمه بأن اقتصر على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك شيئًا من انتهار أو ضرب أو غيرهما، مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، فغفر الله له ثم أقبل عليه يعاتبه فقال: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصيرَ في الحكم، والمبادرةَ إلى تظليم من لم يثبت عنده ظلمه. ثم جاء عن ابن عباس أنه قال سجدها داود شكرًا، وسجدها النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم اتباعًا، فثبت أن السجود للشكر سنة متواترة عن الأنبياء صلوات الله عليهم).
قلت: وهذا الفهم أليق عندي بمقام النبوة وشرف من اصطفاهم الله بالرسالة وبتبليغ الأمانة وامتثال منهج الوحي والحكم به، ولعمر الله كمن سُوِّدَتْ صفحات في كتب التفسير وأوراق المفسرين حتى الأعلام منهم، من قصص لا تليق بمقام وشرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، دسَّها المبطلون والكذبة من بني إسرائيل وأمثالهم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم بقوله:[إن بني إسرائيل لما هلكوا قصّوا]، أي اشتغلوا بالحكايات والخرافات لما تركوا العلم وأعرضوا عنه واستصعبوا منهج العمل، فنسبوا هنا لداود عليه السلام أن طلب من الله أن يتركه وَيَكَلِهُ لنفسه ساعة ظنًا أنه لا يفتن من كثرة وشدة عبادته، وركبّوا قصة تافهة في ذلك من أنه لبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه فوقع طائر بين يديه فأتبعه بصره فإذا به قد أتى على سطح تغتسل عليه امرأة عريانة فرأى أجمل النساء خَلْقًا فأرسل إلى عامله أن يبعث زوجها إلى ساحات القتال فقُتِلَ فنكح
امرأته، إلى آخر أمثال هذه التوافِه التي تُشْغِل قلوب قوم غضب الله عليهم وأحلوا ما حرَّم وحرَّموا ما أحل، وإنما الأليق في هذه المناسبة أن تبقى النعاج محمولة على مدلولها كما يفهمه العرب، فالقرآن ليس بكتاب شعر أو نثر تنظمه الكنايات والاستعارات، بل هو صريح في أوامره ونواهيه، وإذا ما شبّه أو استعار دلّ على ذلك بأدوات التشبيه والتمثيل ليعود إلى الأصل بعد ذلك الذي هو إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولو فتح الباب هنا لما بقيت آية على مدلولها ولضاع الوحي والأمر والنهي، فمدلول الآية هنا واضح في تثبيت منهج العدل عند داود عليه السلام بأن يسمع للطرف الآخر من المتخاصمين ليقيم بذلك أحسن القضاء وأمثله. وفي السنة فيض من ذلك كثير:
فقد أخرج الترمذي في جامعه بإسناد حسن عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [إذا تقاضى إليكَ رجلانِ فلا تقضِ للأول حتى تسمع كلامَ الآخر، فسوف تدري كيف تقضي](1).
وفي المسند وصحيح الحاكم وسنن البيهقي بإسناد حسن عن علي أيضًا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [إذا جلس إليك الخصمان فسمعتَ من أحدهما، فلا تقض لأحدهما حتى تسمعَ من الآخر كما سمعتَ من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لكَ القضاء](2).
وفي الصحيحين والمسند عن ابن عباس مرفوعًا: [لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه](3).
وقد أخرج البيهقي والشافعي عن ابن المسيب: [أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم في أمر فجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم بينهما].
فدلّ النبي صلى الله عليه وسلم: أولًا: بهديه في القضاء وبمنهاجه في الحكم بأن العدل أن يسمع من كلا المتخاصمين، وعند الاختلاف والغموض يطلب شهادة الشهود وحلف اليمين ثم يقضي. وأصل ذلك:
ما روى الإمام البخاري والإمام مسلم -واللفظ للبخاري- عن الأشعث بن قيس الكندي قال: [كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم،
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (1331). انظر صحيح الترمذي (1070).
(2)
حديث حسن. أخرجه الحاكم (4/ 93) برقم (7025) من حديث علي وصححه، ووافقه الذهبي.
ورواه أحمد (2/ 745)، والبيهقي بإسناد حسن. انظر صحيح الجامع (491).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4552)، كتاب التفسير. ومسلم (1711) في الأقضية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهداك أو يمينه، قلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين يستحق بها مالًا، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك، ثم قرأ هذه الآية:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ] (1).
وكذلك أخرج البيهقي بسند صحيح عن سالم بن عبد الله: [أن عبد الله بن عمر باع غلامًا بثمان مئة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء، لم يسمه، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبدًا وبه داء، لم يسمه لي، فقال عبد الله بن عمر: بعته بالبراءة، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر باليمين أن يحلف له: لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف له، وارتجع العبد، فباعه عبد الله بن عمر بعد ذلك بألف وخمس مئة درهم]. ولفظ أحمد: [أنه باع زيد بن ثابت عبدًا فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالمًا بعيبه، فأنكره ابن عمر فتحاكما إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: احلف أنك ما علمت به عيبًا، فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد].
ثانيًا: لم تكن تقبل شهادة أي أحد، بل من كان عدلًا من الناس ثقة غير متهم.
فقد روى الدارقطني والبيهقي والعقيلي عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر قال: [شهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر: إني لست أعرفك ولا يضرك أني لا أعرفك فائتني بمن يعرفك. فقال رجل: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين، قال: بأي شيء تعرفه؟ فقال: بالعدالة. قال: هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملك بالدرهم والدينار الذي يستدل بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فصاحبك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: فلست تعرفه، ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك].
ثالثًا: أن يتمهل القاضي زمنًا مناسبًا إن احتاج لمعرفة أبعاد القضية، ولا يتعجل. وأصل ذلك: ما روى البيهقي والدارقطني بسند صحيح عن أبي المليح الهذلي قال: [كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاد له، واس
(1) حديث صحيح. أخرجه الشيخان من حديث الأشعث بن قيس. انظر صحيح البخاري (2416) - (2417)، كتاب الخصومات. ورواه مسلم في الصحيح (138).
بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، ولا يطمع شريف في حيفك. واجعل لمن ادعى حقًّا غائبًا أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له حقه، وإلا استحللت القضية عليه، فإنه أنقى للشك وأجلى للغم].
وعن ابن عباس: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي: اختبرناه). وقال أبو عمرو والفراء: ظن بمعنى أيقن.
وقوله: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} أي خر ساجدًا، فإنه يعبر عن السجود بالركوع أحيانًا.
قال ابن العربي: (لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هاهنا السجود). وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم كان يسجدها.
فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه في (كتاب تفسير القرآن) عن العَوَّام قال: [سألت مجاهدًا عن سَجْدَةٍ في "ص" فقال: سألت ابن عباس من أين سَجَدْتَ؟ فقال: أوَ ما تَقْرأ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ}، {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}. فكان داود مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أن يقتديَ به، فسجَدَها داود عليه السلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. .] الحديث (1).
قال الحافظ ابن كثير: (واختلف الأئمة هل هذه السجدة من عزائم السجود، فمنهم من اعتبرها كذلك ومنهم من عدّها سجدة شكر).
قال ابن العربي: (والذي عندي أنها ليست موضع سجود، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم سجد فسجدنا بالاقتداء به). وأصل ذلك ما روى الإمام البخاري عن ابن عباس أنه قال: ["ص" ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم يسجد فيها](2). ثم روى من طريق عن ابن مسعود أنه قال: [{ص} توبة نبيّ ولا يسجد فيها](3)، وعن ابن عباس: [أنها
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4807)، كتاب التفسير، سورة (ص).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (1069)، كتاب سجود القرآن، باب سجدة "ص"، وأخرجه النسائي (2/ 159)، وابن حبان (2766)، وأحمد (1/ 360).
(3)
وأخرج أبو داود (1410) بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري أنه قال: [قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر "ص"، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ -أي تأهَّب- الناس للسجود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم: "إنما هي توبةُ نبيّ، ولكني رأيتكم تشزّنتم للسجود" فنزل فسجد وسجدوا].
توبة نبي، ونبيّكم ممن أمر أن يقتدي به] والله تعالى أعلم، فمن سجدها تَأَسِّيًا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه فله أجر ذلك إن شاء الله تعالى.
وقوله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} . قال قتادة: (أي: الذنب). ويجوز الوقف على {فَغَفَرْنَا لَهُ} ثم تستأنف بقوله {ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ} ذكره القرطبي عن القشيري.
وقوله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى} . قال مجاهد: (الزلفى الدنو من الله عز وجل يوم القيامة). وقال محمد بن كعب: (قربة بعد المغفرة). واختار ابن جرير المعنى الذي أشار له مجاهد حيث قال: (وإن له عندنا لَلقُرْبة منا يوم القيامة).
وقوله: {وَحُسْنَ مَآبٍ} . قال السّدي: (حسن المنقلب). وقيل: (أي مرجعًا حسنًا وكرامة في الآخرة) ذكره القاسمي. قال الحافظ ابن كثير: (أي وإن له يوم القيامة لقربة يقرّبه الله عز وجل وحسن مرجع وهو الدرجات العالية لنبوته وعدله التام في ملكه).
وجملة القول أنّ الله سبحانه زاد داود بهذا التنبيه قسطًا وعدلًا ونقاء ودينًا، ووعده في الآخرة جوارًا وجنانًا.
وقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إن المقسطين عندَ الله يومَ القيامة على منابرَ من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين: الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا](1).
وفي صحيح أبي داود والحاكم عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار، وواحدٌ في الجنة، رجلٌ عَلِمَ الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار](2).
قال السدي: (قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} ملَّكه في الأرض، {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} يعني بالعدل والإنصاف {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى} يقول: ولا تُوثِر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه فتجور عن الحق {فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : فيميل بك اتباعك هواك في
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1827)، كتاب الإمارة. باب فضيلة الأمير العادل وعقوبة الجائر.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (3573) -كتاب الأقضية-باب في القاضي يخطئ. ورواه ابن ماجة (2315)، والحاكم. انظر صحيح أبي داود (3051)، وصحيح الجامع (4323).
قضائك على العدل والعمل بالحق عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله). وأما معنى الخلافة فهو الاستخلاف كما قال ابن جرير:(وقلنا لداود: يا داود إنا استخلفناك في الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكمًا بين أهلها). وبه قال القرطبي رحمه الله: (أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين).
وهذه الآية أصل في وجوب التحاكم إلى منهج الله فهو الشرع العظيم، الذي به الأحكام والأقضيات تستقيم، كما قال لنبيّه محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} ، وقال:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} . وقال للمؤمنين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} .
فقد رُوي عن الشعبي أنه قال: (كان بين عمر وأُبيّ خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر: هذا أول جورك، أجلسني وإياه مجلسًا واحدًا، فجلسا بين يديه).
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} . قال عكرمة: (هذا من التقديم والتأخير يقول: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا). وعن السدي: (أي لهم عذاب شديد بمَا تركوا أن يعملوا ليوم الحساب).
وغاية القول: أنّ الله سبحانه قد أرشد الحكام بهذه الآية العظيمة ليقوموا بمنهاج الوحي في الحكم، والعدل في القضاء، فإنهم موقوفون يومًا بين يدي الجبار العظيم جل ثناؤه، فسائلهم عن مواقف حكمهم، وعن حجج قضائهم وفصلهم، في أمور مَنْ وَكّلهم الله برعايتهم وإدارة شؤونهم من عباده وخلقه.
كما أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاضٍ قضى بالهوى فهو في النار، وقاض قضى بغير عِلمٍ فهو في النار، وقاض قضى بالحق فهو في الجنة](1).
وفي صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه
(1) حديث صحيح. رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث ابن عمر. ورواه أبو داود بنحوه. انظر صحيح أبي داود (3051)، وصحيح الجامع (4323).
عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [القُرآن شافِعٌ مُشَفَّعٌ، وماحِلٌ مُصَدَّق، مَنْ جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار](1).
وقد روي أن الوليد بنَ عبد الملك قال لأبي زرعة وكان قد قرأ الكتاب: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت، فقلت يا أمير المؤمنين: أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى:{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . ذكره الحافظ ابن كثير عن ابن أبي حاتم.
قال القاسمي رحمه الله: (وقال الرازي: اعلم أن الإنسان خلق مدنيًّا بالطبع. لأن الإنسان الواحد لا تنتظم مصالحه إلا عند وجود مدنية تامة. حتى هذا يحرث وذاك يطحن وذلك يخبز وذلك ينسج والآخر يخيط. وبالجملة، فيكون كل واحد منهم مشغولًا بمهم. وينتظم من أعمال الجميع مصالح الجميع. فثبت أن الإنسان مدني بالطبع. وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات. ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات ويفصل تلك الحكومات. وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل. فثبت أنه لا تنتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس. ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس، إن كان حكمه على وفق هواه، ولطلب مصالح دنياه، عظم ضرره على الخلق. فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه، ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه. وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق. وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك: أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحقة الإلهية، انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه: فهذا هو المراد من قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} يعني لا بد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك).
27 -
40. قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي
(1) إسناده جيد. أخرجه ابن حبان (1793)، وله شاهد عند الطبراني في "الكبير"(3/ 78/ 2)، وعند أبي نعيم في "الحلية"(4/ 108). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (2019).
الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)}.
في هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه عليه الصلاة والسلام بأنه ما خلق الخلق إلا لعبادته وتعظيمه، وما خلق السماوات والأرضين عبثًا ولهوًا، بل لخدمة الحق الذي هو غاية الخلق ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، ولكن الذين كفروا يظنون بالأمر لهوًا ولعبًا، ويسخرون ولا يدرون أنهم سيصلون جحيمًا وسعيرًا، فهل الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما يحبّ واجتنبوا ما يسخطه سبحانه كالمفسدين في الأرض من المشركين والمستكبرين والطغاة والمجرمين، وهل الذين اتقوا الله وراقبوه وعظموا أمره كالفجار الذين انتهكوا حرماته وتحاكموا لأهوائهم وشهواتهم، وعطّلوا شرعه في الأرض وتركوا منهاجه، فهذا يا محمد كتاب عظيم هو القرآن الكريم، أنزلناه إليك ليتدبروا حججه وبيانه وليستعد أولو النهى والعقل للقاء الله الذي أنزله وتكلم به. فهذا سليمان عليه السلام ابن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم الكريم داود عليه أفضل الصلاة والتسليم مضى على منهاج والده وأكرمه الله بالنبوة كأبيه فكان كثير الطاعة والإنابة والعبادة جمع الله له من أسباب الملك والتمكين ما لم يسبقه له أحد من الملوك وأولي العزم، فقد آتاه الله علمًا وقوة، فاستعرض يومًا في مملكته وسلطانه الخيل الصافنات السراع وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، فشغل بها ففاتته صلاة العصر نسيانًا فهرع إلى ربه عز وجل وجعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًا لها كيف شغلته عن صلاته وعبادته، ثم فتنه سبحانه فالقى جسد شيطان على كرسيه متمثلًا بإنسان يسلبه ملكه فأناب سليمان إلى الله الملك القدوس فرجع إلى ملكه وأقبل على ربه سبحانه مستغفرًا
راغبًا راهبًا من جبروته سائلًا إياه ملكًا وقوة وسلطانًا لا يستخفه شيطان ولا يُسْلَبهُ ولا يكون مثله لأحد بعده، طموحًا منه وأملًا باللهِ، فأجابه سبحانه فسخر له الرياح تجري بأمره والشياطين تعمل بإشارته، وأما مردتهم فمقيدون في الأغلال تحت سيطرته، فخذ يا سليمان هذا الملك من ربك فاعط ما شئت وامنع ما شئت واحبس من شئت، واحكم بمنهج الوحي في الأرض تقيم العدل وتعظم الحق وإن لك في الآخرة أعظم مما أعطيناك في الدنيا من الثواب والقرب والنعيم، فضلُ الله وكرمه على من حَكَّم في الأرض شرعه ومنهاجه. وتفصيل ذلك:
فقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} يشبه قوله في سورة الذاريات: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} . وهوِ كقِوله في سورة الأنبياء: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} ، وكقوله في سورة الدخان:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .
فالله سبحانه ما فطر الخلائق هزلًا ولعبًا وما خلق السماوات والأرض لهوًا وعبثًا بل لأمر جلل عظيم يدل على قدرته وجبروته سبحانه فيفرد بالتعظيم إذ لا أحد يستحق كمال التعظيم سواه جل ثناؤه. ونقل القاسمي عن الزمخشري قوله: (ومن جحد الخالق فقد جحد الحكمة من أصلها. ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره، فكان إقراره بكونه خالقًا، كَلَا إقرار).
فمن أفرده بالتعظيم، فقد فهم غاية الخلق ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، وسيرضيه ربّه بذلك في جنانه يوم القيامة، ومن عظّم شهواته ومضى طائعًا لها فسيتخلى عنه ربّه في الآخرة، أحوج ما يحتاج إلى رحمته والأنس به وبقدرته، وكل ذلك في علم الله سبحانه وتحت حكمته وعدله.
أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم قال: [خلق الله آدمَ، فضربَ بسند كتِفَهُ اليُمنى، فأخرج ذُرِّية بيضاء كأنَّهم اللَّبنُ، ثم ضرب كتفهُ اليُسرى، فخرج ذريَّةٌ سوداءُ كأنهم الحُمَمُ، قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي](1).
(1) حديث صحيح. رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(ج 15/ 136/ 1)، ورواه أحمد وابنه في زوائد "المسند"(6/ 441)، وإسناده صحيح.
وقوله: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار} . أي: فظنوا الأمر عبثًا، والخلق لهوًا، والغاية لعبًا، فأضاعوها سكرًا وهزوًا، واستخفوا بأمر الآخرة والبعث بعد الموت وما أيقنوا بها وبما ينتظرهم فويل لهم مما ينتظرهم.
وقوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} . هو كقوله في سورة السجدة: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)} . وفي الآية ردّ على المرجئة بقولهم: يجوز أن يكون المفسد كالصالح أو أرفع درجة منه، وبأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كلا فإن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعات وينقص بالسيئات والموبقات.
قال ابن عباس: {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} أي أنجعل أصحاب محمد عليه السلام كالكفار). قال القرطبي: (وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين وهو أحسن، وهو ردّ على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد). ونقل القاسمي عن المهايمي قوله: (أي: أنترك البعث بالكلية، أم نبعث ونجعل الذين آمنوا فشكروا نعمة العقل والكتاب. وعملوا الصالحات فشكروا نعمة الأعضاء، كالمفسدين، بصرف العقل والأعضاء إلى غير ما خلقت له؟ {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ} مخالفةَ أمر الله رعاية لمحبته. {كَالْفُجَّارِ} الذين يخالفون أوامر الله ولا يبالون بعداوته. أي لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله).
وقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} . أي: فهذا القرآن أنزلناه إليك يا محمد ليتدبروا حُجَجَ الله فيه وليفهموا ما أمرهم وما نهاهم وليقوموا بمقتضاه وبشرائعه فيتعظوا ويعملوا لينجوا في الآخرة.
وعن السدي: ({أُولُو الْأَلْبَابِ} قال: أولو العقول). وروي عن الحسن البصري قوله: (والله ما تدبُّرُه بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل). والألباب جمع لبٍّ وهو العقل. وفي قوله: {لِيَدَّبَّرُوا} قراءتان مشهورتان:
القراءة الأولى: وهي قراءة جمهور القراء {لِيَدَّبَّرُوا} أي ليتدبر هذا القرآن قومُكَ يا محمد. والقراءة الثانية: هي قراءة عاصم وأبي جعفر (لِتَدَّبَّروا) آياته: أي لتتدبره أنت
وأصحابك يا محمد وأتباعك من بعدك. وروي عن الحسن قوله: (تدبر آيات الله اتباعها). قال القرطبي: (وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهَذّ) -وهو سرعة القراءة-.
وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} . إِخبارٌ من الله سبحانه أن سليمان كان نبيًا ورث النبوة وشرف القيام بالأمانة من والده داود عليه السلام، وأنه كان أوابًا كثير الطاعة سريع الإنابة لله فصلوات الله وسلامه عليه إنه كان من خير عباد الله في الأرض ومن خير ملوكه وأعدلهم. قال ابن عباس:(الأواب: المسبح). وقال قتادة: (كان مطيعًا لله كثير الصلاة).
وقوله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} فيه تفاسير:
التفسير الأول: قيل الصافنات هي الخيل التي تقف على ثلاث وطرف الرابعة. فعن مجاهد قال: (وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد السراع، وكانت عشرين فرسًا ذات أجنحة). وفي رواية عنه قال: (صُفُون الفرس رَفْعُ إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر).
التفسير الثاني: قيل صفون الفرس قيامها وبَسْطها لقوائمها. فعن قتادة: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} قال: يعني الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها).
قال الفراء: (الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها).
التفسير الثالث: الصافنات هي الخيل لها أجنحة. قال ابن زيد: (الصافنات: الخيل وكانت لها أجنحة، وأما الجياد فإنها السِّراع واحدها جواد).
وقيل هي الخيل أخرجها الشيطان لسليمان من مَرْج من مروج البحر -ذكره ابن زيد- وقال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْنُ أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلًا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض. وأما الجياد: ففي لغة العرب جاد الرجل بماله فهو جواد وذلك إذا كان كثير العطية غزيرها، وامرأة جَوَادٌ ونسوة جود، وجاد الفرس إذا صار رائعًا، وخيل جياد وأجياد وأجاويد. وقيل: إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق، لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فَرَاهتها.
وغاية القول أَنَّ خاصة الخيل وأجودها وأروعها كانت لسليمان عليه الصلاة والسلام فَعُرِضَتْ عليه يومًا فلهِيَ عن الصلاة حتى فاتته نسيانًا وانشغالًا بها {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} أي حبًا للخير وهو الخيل والمال، كذلك تسميه العرب فتعاقِب بين الراء
واللام، فتقول انهملتِ العين وانهمرت. قال الفراء:(الخير في كلام العرب والخيل واحد). فعن قتادة: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} أي المال والخيل، أو الخير من المال). وقال السدي:(الخيل). وروي عنه أنه المال. فالمعنى: إني آثرت حبّ الخير، أو أحببت الخير حبًا فألهاني عن ذكر ربي. وقوله:{عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} قال قتادة: (عن صلاة العصر). قال الحافظ ابن كثير: (ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت الصلاة صلاة العصر، والذي نقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب. ففي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله، والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها، فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله صلى الله عليه وسلم للصلاة وتوضأنا لها فصلّى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب).
قلت: وله رواية أخرى في الصحيحين والمسند من حديث علي وفي سنن ابن ماجة من حديث عليّ ولفظه: [ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس](1). وذكر ابن جرير عن أبي الصَّهباء قال: سألت علي بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي العصر وهي التي فُتِنَ بها سليمان بن داود.
وقوله: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} . يعني حتى غابت الشمس وتوارت في مغيبها. وقيل حتى توارت الخيل في المسابقة. فإن أصل التواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب هو الليل سمي حجابًا لأنه يستر ما فيه. وتفصيل ذلك:
التأويل الأول: حتى غابت الشمس وتوارت. فقد روي عن ابن مسعود في قوله: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} قال: (توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها).
التأويل الثاني: أي حتى توارت الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة. ذكره القرطبي. والأول أرجح والله أعلم.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (4111)، كتاب المغازي. وأخرجه مسلم في الصحيح برقم (627)، كتاب المساجد.
وقوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} . قال السّدي: (أي الخيل). وقال ابن جرير: (ردّوا علي الخيل التي عرضت على فشغلتني عن الصلاة فكروها عليّ).
وقوله: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} . في معناه قولان:
القول الأول: أي فأقبل يمسحها وذلك بضرب أعناقها وعقرها: من قولهم مسح علاوته إذا ضرب عنقه. قال الحسن: (قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك فكسف عراقيبها وضرب أعناقها). وفي رواية قال: (أمر بها فعُقرت). وقال السدي: (ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف).
القول الثاني: قيل بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حبًا لها. فعن ابن عباس قال: (يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًّا لها). واختاره ابن جرير فقال: (يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق والأعناق. لأن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة ويهلك مالًا من ماله بغير سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها).
وقد ذكر القاسمي رحمه الله تأويلًا عن الرازي حيث قال: (إن رباط الخيل كان مندوبًا إليه في دينهم. كما أنه كذلك في دين الإسلام. ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو. فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله: {عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره. ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه. فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور:
الأول: تشريفًا لها وإبانة لعزتها، لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ.
الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتصنع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.
الثالث: أنه كان أعلم باحوال الخيل وأمراضها وعيوبها. فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض.
وقال: فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقًا مطابقًا موافقًا. ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات. قال: وأنا شديد التعجب من
الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة. مع أن العقل والنقل يردها. وليس لهم في إثباتها شبهة فضلًا عن حجة.
قال القاسمي: وسبقه ابن حزم حيث قال: تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذا اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة مكذوبة سخيفة باردة. قد جمعت أفانين من القول، لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها، والتمثيل بها. وإتلاف مال منتفع به بلا معنى. ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل، ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها).
قلت: والراجح عندي أنه استعرض الخيل لتبقى في حالة أُهبة واستعداد، وهي من أهم العتاد القتالي الذي يحمل عليه سليمان صلوات الله وسلامه عليه فيُغيرُ بها على أعدائه، ويقيم الحق ومنهج الوحي في الأرض، فلما استعرضها واشتدت أمامه في سرعتها ودقة جاهزيتها، حتى غابت في الأفق فلا ترى، قال ردّوها عليّ فأقبل يداعبها في سوقها وأعناقها يمسح بيده عليها إعجابًا بروعتها وشكرًا لله العظيم الذي خلقها وهيأها، وجعلها من أسباب النصر والقوة، وهي باقية على. هذا النعت إلى يوم القيامة، يستجلب عليها النصر بإذن الله سبحانه.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن جبير بن نفير أن سلمة بن نفيل أخبرهم: [أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم] فقال: إني سئمت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها، قلت لا قتال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الآن جاء القتال! لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله قلوب أقوام يقاتلونهم يرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهم على ذلك، ألا إن عقر دار المؤمنين الشام، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة] (1).
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} . إخبارٌ عن ابتلاء الله سليمان فابتلاه الله بجنيّ على شكل إنسان جلس على عرشه برهة فسُلب بذلك الملك، ثم رجع إليه سلطانه وأبّهته وملكه بإذن الله. وعن الحسن ومجاهد:(جسدًا: يعني شيطانًا). وعن ابن عباس: (قوله: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} قال: هو صخر الجنيّ تمثل على كرسيه جسدًا). وقيل اسمه آصف أو حبقيق أو آصر. وعن قتادة: {ثُمَّ أَنَابَ} وأقبل، يعني سليمان). وقيل كان ذلك الجني يشبه سليمان. وقيل: ثم أناب أي استغفر ورجع إلى الله منيبًا تائبًا. ويبدو أن أمرَ سحرٍ ابتلاه الله به ثم كشفه والله أعلم
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (4/ 104)، وانظر: السلسلة الصحيحة (1961).
بسبب ذلك، ولكنه بادر عليه الصلاة والسلام إلى الاستغفار ثم سأل الله الملك. قال النسفي:(وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه السلام فمن أباطيل اليهود: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا} قال: قدّم الاستغفار على استيهاب الملك جريًا على عادة الأنبياء عليهم السلام والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال).
وقوله: {لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} . فقد كان سليمان عليه الصلاة والسلام مثالًا لطموح المؤمن في الدنيا والآخرة، فقد تعلق قلبه بحب أسباب القوة وما يقهر الباطل في الأرض وأهله، ويعز الحق وينصر جنده وأتباعه، ومن أمثلة هذا الطموح الثاقب عند سليمان عليه السلام ما أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قال سليمانُ بن داودَ: لأطوفنَّ الليلة على مئة امرأة، كُلُّهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل منهن إلا امرأةٌ واحدة، جاءت بشق إنسان، والذي نفسُ محمد بيده لو قال: إن شاء الله لم يَحْنَثْ، وكان دَرَكًا لحاجته](1).
وفي رواية: [وايمُ الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون].
وعن قتادة: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} يقول: ملكًا لا أسلَبه كما سُلِبتُه). وقال ابن جرير: (قال سليمان راغبًا إلى ربه: ربّ استر عليّ ذنبي الذي أذنبت بيني وبينك فلا تعاقبني به {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} لا يسلبنيه أحد كما سلبنيه قبل هذه الشيطان). وقال النسفي رحمه الله: (وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة له لا حسدًا وكان قبل ذلك لم يسخر له الريح والشياطين، فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين، ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات).
فلذلك فإن ما سأله سليمان محمول على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5242)، ومسلم (1654)، والنسائي (7/ 31). وأخرجه أحمد (2/ 275)، وأبو يعلى (6244). وانظر صحيح مسلم (1654) ح (25).
في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ذكره القرطبي رحمه الله ثم قال: (وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا، لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأُعْطِيَ سليمان المملكة). قلت: ولما مر العفريت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يقطع عليه صلاته فأمكنه الله منه وأراد ربطه تذكر قول أخيه سليمان فأطلقه وكأنه كره عليه الصلاة والسلام أن يزاحمه في تلك الخصوصية، إذْ اختص الله سليمان بسخرة الشياطين. وأصل ذلك:
ما أخرج الشيخان والإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن عفريتًا من الجنِّ تفلَّتَ على البارحةَ ليقطع على الصلاة، فأمكنني الله منه، فذَعَتُّهُ: (1)، وأردت أنْ أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كُلُكم، فذكرت قولَ أخي سليمانَ {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فردّهُ الله خاسئًا](2). وفي رواية قال رَوْحٌ -أحد الرواة-: فرده خاسئًا.
وروى الإمام مسلم في صحيحه والإمام النسائي في سننه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: [قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك. ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثًا وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاةِ قلنا يا رسول الله! سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عدوَّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك، (ثلاثَ مرات)، ثم قلت: أَلْعَنُكَ بلعنة الله التامة، فلم يستأخر، (ثلاث مرات)، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوةُ أخينا سليمانَ لأصبحَ مُوثقًا يلعبُ به وِلدان أهل المدينة، . وفي رواية: [صبيان أهل المدينة](3).
فاستجاب الله دعوة نبيِّه سليمان عليه الصلاة والسلام بأن لا يكون لأحد بعده ما سخره له سبحانه.
(1) أي: فَخَنَقْتُه.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (461)، (1210)، (3284)، (3423)، ورواه مسلم (541)، ورواه ابن حبان (2349)، (6420).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (542)، والنسائي (3/ 13). ورواه ابن حبان في صحيحه (1979). ورواه البيهقي (2/ 263 - 264).
وقوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} . فيه تفاسير:
التفسير الأول: رخاء أي رخوة لينة. قال ابن جرير: (يعني رخوة لينة وهي من الرخاوة). وذكر عن ابن زيد قوله: (الرخاء اللينة).
التفسير الثاني: رخاء أي طيبة. فعن مجاهد: (في قوله: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً} قال: طيبة).
التفسير الثالث: أي مطيعة. فقد روي عن ابن عباس قوله: (يقول: مطيعة له).
التفسير الرابع: أي سريعة. قال قتادة: (سريعة طيبة، ليست بعاصفة ولا بطيئة).
قال القاسمي رحمه الله: (أي فذللناها لطاعته إجابة لدعوته {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً} أي لينة سهلة، مع شدة وقوة، ولذا وصفت في الآية الأخرى بـ (عاصفة){حَيْثُ أَصَابَ} : أي أراد). وقال القرطبي: (أي لينة مع قوتها وشدتها حتى لا تضر بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه. وكان موكبه فيما روي فرسخًا في فرسخ، مئة درجة بعضها فوق بعض، في كل درجة صنف من الناس، وهو في أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه، صلوات الله وسلامه عليه).
قلت: وغاية القول أنَّ الله سبحانه قد استجاب دعاء سليمان في التمكين والقوة نصرة لدينه وإعزازًا لأهله، فسخر له الرياح طواعية تجري بأمره وتحمله وجنده يصبِّح ويغير على أعدائه متى شاء وحيث أراد وقصد من البلاد.
وقوله: {حَيْثُ أَصَابَ} أي حيث أراد وقصد وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. وعن مجاهد: (قوله: {حَيْثُ أَصَابَ} قال: حيث شاء). وقال الحسن: (حيث أراد). وقال ابن عباس: (يقول: حيث أراد انتهى عليها).
وقوله تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} . قال قتادة: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغواص يستخرجون الحلي من البحر، {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} قال: مردة الشياطين في الأغلال). قال يحيى بن سلام: (ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم). وقال الضحاك: (لم يكن هذا في ملك داود، أعطاه الله ملك داود وزاده الريح).
وقوله: {فِي الْأَصْفَادِ} . قال السدي: (تجمع اليدين إلى عنقه، والأصفاد: جمع صَفَد وهي الأغلال). قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (أي منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من
الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلِئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها، وآخرين مقرنين في الأصفاد: أي موثوقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرّد وعصى وامتنع من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه واعتدى).
قلت: فذلل الله له كل الاختصاصات وأصحابها ومهرتها ليبني دولة الحق ويشيدها ليرهب بها عدو الله ويقيم منهج الوحي في الأرض.
وقوله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . في تأويله معان متقاربة:
التأويل الأول: هذا الملك الذي أعطاه الله. فعن قتادة قال: (الملك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت). قال الحافظ ابن كثير: (أي هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك. أي مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب).
قلت: وهذا علم من الله سبحانه بأن سليمان إنما استقام في حكمه على منهج الوحي، وهو قد عصمه ألا يزيغ عنه، فليحكم بما شاء، ما دام هو يتابع في حكمه الحق والعدل. وقد روي عن الحسن قوله:(ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان عليه السلام، فإن الله تعالى يقول: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}).
قال الضحاك: (سأل ملكًا هنيئًا لا يحاسب به يوم القيامة، فقال: ما أعطيت وما أمسكت فلا حرج عليك).
التأويل الثاني: قيل بل هو إشارة لما أعطيه سليمان عليه السلام من قوة الجماع. فعَن قتادة قال: (الإشارة في قوله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا} إلى ما أعطيه من القوة على الجماع). وروى عكرمة عن ابن عباس قال: (كان سليمان في ظهره ماءُ مئة رجل، وكان له ثلاث مئة امرأة وتسع مئة سُرِّية {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. أي جامع من شئت من نسائك واترك جماع من شئت منهن لا حساب عليك). وذهب بعض أهل اللغة هنا إلى أن امْنُن من المنيّ يقال: أَمْنى ومَنَى، يُمني ويَمْني وهما لغتان.
التأويل الثالث: قيل بل المراد تسخيره له الشياطين. فقد روي عن قتادة قوله: (هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وثاقك وفي عذابك، أو سرّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت). فسخرهم له وترك له أمر العتق والتخلية أو الإمساك والوثاق.
قلت: لقد رضي الله سبحانه عن منهج سليمان في الحكم وإقامة العدل، وحبّه
وطموحه لرؤية منهج الوحي ودولته تهيمن على حياة الناس، فسخر له أسباب ذلك من الملك والجند وكثرة النساء والولد ليقيم أمر الجهاد في سبيل الله، وترك له حرية التصرف في هذا الملك العظيم، ثم هو يوم القيامة من أصحاب الحظ الجميل والوفير، قال جل وعزّ:{وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} أي في الآخرة قربة وحسن مرجع ومقام.
قال قتادة: ({وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} قال: أي مصير).
ولقد خُيِّر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين أن يكون نبيًا ملكًا وبين أن يكون عبدًا رسولًا، فعمل بنصيحة جبريل عليه السلام واختار الثانية لرفعتها عند الله، وترك مقام الملك وما فيه من بهجة وزينة في الحياة الدنيا، يمنع من يشاء ويعطي من يشاء بلا حساب ولا جناح، ليربِّيَ بذلك الأمة على التواضع والتذلل لله والدعاء، فكم يفتن المال قلوبًا فتترك الإنابة والرجاء، وتنسى الدعاء ومن بيده المال والرزق والعطاء.
فقد أخرج ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد في مسنده عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربُّك: أمَلِكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا بل عبدًا رسولًا](1).
وأخرج ابن عساكر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنَّ هذا الدينار والدرهم أهلكا من قَبْلكم وهما مُهْلكاكم](2).
فإذا اجتمع العلم والتقوى مع المال والسلطان فنعم الخير ذلك، ولنعم القوة تلك.
ففي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجلٌ آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويُعَلِّمُها](3).
وله شاهد في صحيح الإمام البخاري ومسند الإمام أحمد من طريق أبي هريرة
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (2137)، وأحمد (2/ 231)، وله شاهد عند البيهقي في "الزهد"(ق 50 - 51). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1002).
(2)
حديث صحيح. أخرجه ابن عساكر (17/ 215/ 2)، والطبراني في "المعجم الكبير"(رقم- 10069) بنحوه، وكذلك أخرجه أحمد في "الزهد"(199). وانظر السلسلة الصحيحة (1703).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (7141) -كتاب الأحكام. ورواه مسلم (816) ح (268).
ولفظه: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النّهار، فسمعه جارٌ له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا، فهو يُهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيتُ مثل ما أوتيَ فلان، فعملت مثل ما يعمل](1).
وأما ما يذكر عن الحجاج بن يوسف من أنه قرأ {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فقال عن سليمان عليه السلام: إن كان لحسودًا فالجواب من وجوه:
أولًا: الحسد ليس من أخلاق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
ثانيًا: الأدب واجب على العباد عند ذكر أخبار الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ثالثًا: ربّما يحمل كلام سليمان: هب لي ملكًا لا أُسلبه كما سلبته.
رابعًا: أو المقصود هب لي ملكًا لا يكون لأحد مثله في زماني ليكون حجة على نبوتي وعَلَمًا.
خامسًا: أو رغبة منه من الله ليعلم منزلته في إجابة دعائه وقبول توبته.
سادسًا: أو فيه طموح المؤمن القوي الذي لا يرتاح إلا بالمعالي والقوة ورؤية دولة الحق ودين الله ينتصر.
41 -
64. قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5026) - كتاب فضائل القرآن. باب اغتباط صاحب القرآن.
أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)}.
في هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه محمدًا عليه الصلاة والسلام مسليًا له ليصبر على ما يلقاه من قومه وعنادهم، فيذكره بإخوته الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم، فهذا أيوب عليه السلام حصل له من الابتلاء ما يرفع الله له به مقامه يوم القيامة فأصابه من الضر في جسده وماله ولم يبق له من يستعين به على مرضه إلا زوجته التي صبرت لصبره وآثرت رضاء الله في خدمته وحفظ ودّه، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه مدة مرضه الذي دام نحوًا من ثماني عشرة سنة وكان قبلها وسيع المال والولد، فلما طال به الألم تضرع إلى الله العظيم وتواضع لربه الكريم ناسبًا الأمر لذنب أصابه من وسواس الشياطين، فقبل الله منه ذلك وكشف ما به من الضر والألم وأمره أن يقوم ويركض الأرضَ برجله فأنبع الله له عينًا من الماء يغتسل منها فأذهب عنه بمائها الأذى حتى تماثل للعافية وتنغم بالشفاء، وكان قد غضب مرة على زوجته وأقسم أن يجلدها مئة فلما شفاه الله وأراد أن يرحم زوجته التي أبرته وخدمته جعل له ولها من ذلك فرجًا ومخرجًا بأن أوحى إليه أن يأخذ الشمراخ فيه مئة قضيب فيضربها به ضربة واحدة فيبز بذلك يمينه إنه كان رجّاعًا أوابًا منيبًا. ثم اذكر يا محمد إخوتك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أهل العلم والعمل والقوة في العبادة والبصيرة النافذة، فقد كانوا يعملون للآخرة ويدعون لها فأخلصناهم بذكراها من دون غيرهم، فهم أهل الآخرة في الدنيا وأهل الآخرة في الآخرة، وهم عند ربهم من المصطفين الأخيار أولي العزيمة والثناء والقوة والأبصار. وكذلك اذكر يا محمد من ذريتهم إسماعيل واليسع وذا الكفل فكلهم من الأخيار والأبرار. وجزاء المتقين جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها أرائك يتكئون عليها ولهم فيها زوجات طاهرات وفاكهة كثيرة وشراب، رزق الله لهم ما له من نفاد. وأما الأشقياء فسوف يصلون نارًا وسعيرًا،
يعاقبون فيها بالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم ومتضاد ألوان العذاب يهانون به وما لهم من مكرم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، تحيتهم التلاعن والتكذيب والشتائم كل ينسب مصيبته لغيره، من الطغاة والمستكبرين والمستهزئين بشرع الله ووحيه وأمره، فإذا دخل فوج قال لهم من سبقهم لا مرحبًا بكم، فردّ عليهم أولئك بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم دعوتمونا إلى الكبر والعلو في الأرض وتحكيم الشهوات ومكر الليل والنهار وتنحية شرع الله عن الحكم فلا مرحبًا بكم، واللهَ نسأل أن يضاعف عذابكم. ثم أخبر سبحانه عن أكابر المجرمين وقد افتقدوا بعض المؤمنين الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا لضعفهم وقلة حيلتهم، فاين هم اليوم هل زاغ البصر فلم يقع عليهم أمثال صهيب وبلال وسمية وآل ياسر، كلا يا أبا جهل إنهم اليوم في الدرجات العُلا في ظل عرش الرحمان، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام. هذا يا محمد خصام حق واقع يوم القيامة من كلام أهل النار. فإلى تفصيل ذلك:
قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} .
قال قتادة: (ذهاب المال والأهل والضر الذي أصابه في جسده). وقال السدي: (نصب في جسدي وعذاب في مالي). وجمهور القراء قرؤوها (بِنُصْب). وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله. والنَّصَبُ: الإعياء. والنَّصْب: البلاء والشر. والمراد بالنُّصْبِ في الآية العلة في جسده.
قلت: وقد امتلأت كتب المفسرين بقصص واهية كثيرة لا تقوم بها حجة عن أيوب صلوات الله وسلامه عليه وما حصل له من البلاء وسبب ذلك من الذنب وغير ذلك مما يليق ومما لا يليق، كما حُشِيت من قبل بقصص عن داود وسليمان ويوسف عليهم الصلاة والسلام، وكله من طرق واهية وأسانيد ضعيفة، وكثير منه لا تليق معانيه بمقام النبوة، وأغلب الظن أنه من فعل اليهود وحكاياتهم المكذوبة، فمن قتل الأنبياءَ والرسل من قبل هانت عليهم أعراضهم فتكلموا فيها.
وأما عن أيوب عليه الصلاة والسلام، فقد صحّ لدينا خبر في السنة العطرة عنه، يحكي قصته وما أغمّه، حكاها لنا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ورواها ابن حبان في صحيحه من طريق نافع بن يزيد، وأبو نعيم في حليته وأبو يعلى في مسنده وصححه الألباني في سلسلته عن أنس بن مالك مرفوعًا: [إن نبي الله أيوب صلى الله عليه وسلم لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد
من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمرّ بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} فاستبطأته، فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحًا، فقال: فإني أنا هو: وكان له أندران (أي بيدران): أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض] (1).
قال الألباني عقب الحديث: (وهذا يدل على بطلان الحديث الضعيف: أبى الله أن يجعل للبلاء سلطانًا على عبده المؤمن). قلت: فهذه رواية صحيحة في شأن ابتلاء هذا النبي الكريم، أيوب عليه وعلى الأنبياء جميعًا أفضل الصلوات والتسليم، فابتلاه سبحانه في جسده وماله وبقيت له زوجته تقوم بوده وتخدمه ثماني عشرة سنة، فلما طال المطال وتم الأجل تضرع إلى ربه العظيم، فقال:{أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ، ونسب هنا في الآية في هذه السورة المرض الذي انتابه إلى الذنب ووسوسة الشيطان فقال جل ثناؤه:{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} . فاستجاب له سبحانه وقال له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} . قال قتادة: (ضرب برجله الأرض: أرضًا يقال لها الجابية، قال: فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى). وقال وهب بن منبه: (فركض برجله فانفجرت له عين، فدخل فيها واغتسل، فاذهب الله عنه كل ما كان من البلاء). قال القاسمي رحمه الله: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} أي ماء تغتسل به وتشرب منه، والإشارة إلى عين أو نهر أو نحوهما).
قلت: والركض في لغة العرب: تحريك الرِّجْل. يقال: رَكَضَ الفرس برجله إذا استحثّه ليَعْدو ثم كَثُرَ حتى قيل ركض الفَرَسُ إذا عدا وليس بالأصل، والصوابُ ركِضَ
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في "مسنده"(176/ 1)، (177/ 1)، وأبو نعيم في" الحلية"(3/ 374 - 375)، ورواه ابن حبان في "صحيحه"(2591). وانظر السلسلة الصحيحة (17).
الفرس على ما لم يُسَمَّ فاعله فهو مركوضٌ. قال ابن جرير رحمه الله: (اركض برجلك الأرض: أي حركها وادفعها برجلكِ، والركض: حركة الرجل). ولخّصَ الحافظ ابن كثير معنى الآية بقوله: (وأمره أن يقوم حالًا وأن يركضَ الأرض برجله ففعل، فأنبع الله تعالى عينًا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت ما به من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينًا أخرى، وأمره أن يشرب منها فأذهبت جميع ما كان في بطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا). والمغتسل: هو الموضع الذي يُغْتَسل فيه، والغسول الماء الذي يُغْتَسل به وكذا المغْتَسل قد يأخذ هذا المعنى. {وَشَرَابٌ}: أي يشرب منه.
فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، والإمام النسائي في سننه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [بينما أيوب يَغْتسِلُ عريانًا خرَّ عليه جراد من ذَهَبٍ، فجعل أيوبُ يحثي في ثوبه، فناداه ربه تبارك وتعالى: يا أيوب ألم أَكُنْ أغنيتُك عمّا ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ](1).
فامتنّ الله سبحانه بالعافية على أيوب وأذهب عنه ما آلمه وزاده خيرًا إلى خير فقال سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} . قال الحسن وقتادة: (فأحياهم الله بأعيانهم وزادهم مثلهم). وقال القاسمي رحمه الله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم {وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا} أي ترحمًا منا عليه بهذا الإضعاف والمباركة {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أي وتذكيرًا لهم لينتظروا الفرج بالصبر والنوال بصدق الاتكال). قلت: ليعلم المؤمنون من بعده بأن مع العسر يسرًا وبأن مع الصبر فرجًا ومخرجًا، كما قال جل ثناؤه {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}. وكقوله:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} .
وفي سنن النسائي عن مُصْعَب بن سعدٍ عن أبيه رضي الله عنه أنه ظن أن له فضلًا على من دونه (أي في المغنم) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:[إنما يَنْصُرُ الله هذه الأمةَ بضعيفِها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم](2).
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: كنت رديفَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: [يا غلام
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (3391)، وأخرجه أحمد في المسند (2/ 314).
وانظر: صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (396)، ص (87).
(2)
حديث صحيح. انظر: صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (2978). ص (669).
أو يا غُلَيِّمُ ألا أَعَلِّمك كلمات ينفعك الله بهن! فقلت: بلى، فقال: احفظ الله يَحْفَظْكَ، احفظ الله تجده أمامك، تَعَرَّفْ إليه في الرَّخاء يَعْرفْكَ في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جَفَّ القلم بما هو كائنٌ، فلو أن الخلق كُلَّهُم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتُبْهُ الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتُبْه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصّبر على ما تكرهُ خيرًا كثيرًا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العُسر يُسْرًا] (1).
وقوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} قال ابن عباس قوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} يقول: حُزْمة). وفي رواية قال: (الأثل). وقال عطاء: (عيدانًا رطبة). وقال ابن زيد: (ضغثًا واحدًا من الكلأ فيه أكثر من مئة عود فضرب به ضربة واحدة فذلك مئة ضربة). وقيل: قبضة من الشجر.
قال ابن كثير: (وذلك أنه كان غضب على زوجته لذنب فعلته وأقسم أن يجلدها مئة، ولما شفاه الله وكانت زوجته كما تقدم مخلصة له في خدمته التامة والرحمة به والشفقة عليه والإحسان إليه، ما رأى أن يكافئها على ذلك بالضرب فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثًا وهو الشمراخ فيه مئة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد برّت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه. ولهذا قال جل وعلا: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي إنه رجّاع منيب).
قلت: ولعمر الله كم سُوِّدَتْ صحف في كتب التفاسير بقصص وحكايات عن ذنب زوجة أيوب معه، كان أولى بتلك الصفحات أن تُتْرَك بيضاء، كيف لا وكثير منها لا يليق بمقام النبوة. ويعجبني هنا ما ذكره القاسمي رحمه الله حيث قال:(وقد رووا هنا آثارًا في المحلوف عليه، لم يصح منها شيء. فالله أعلم به ولا ضرورة لبيانه. إذ القصد الإعلام برحمة أخرى ونعمة ثانية عليه، صلوات الله عليه. وهي الدلالة إلى المخرج من الحنث، برخصة وطريقة سهلة سمحة ترفع الحرج).
قلت: وهذه الطريقة اللطيفة في برّ اليمين عند الحاجة إليها مشروعة في تشريع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال سعيد بن جبير عقب الآية السابقة: (وهي لهذه الأمة لمن حلف على مثل ما حلف عليه أيوب). وقال عطاء: (هي للناس عامة). وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة، إلى أن من فعل ذلك فقد برّ في يمينه. وأصل ذلك من السنة ما روى
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (1/ 307)، وانظر مسند أبي يعلى (1099)، وله شواهد.
الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة بسند جيد عن سعيد بن سَعْد بن عُبَادة قال: [كان بين أبْياتِنا إنسان مُخْدَجٌ ضعيفٌ لم يُرَغ أَهْلُ الدار إلا وهوَ على أمَةٍ من إماء الدار يَخْبُثُ بها وكان مُسْلِمًا فرَفَعَ شأنَهُ سعدٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اضربوه حَدَّه: قالوا: يا رسول الله إنه أضعفُ من ذلك إن ضربناه مئةً قتلناه قال: فخذوا لهُ عِثْكالًا فيه مئةُ شِمْراخٍ فاضرِبوهُ به ضربةً واحدةً وخلّوا سبيله]. هذا لفظ الإمام أحمد من طريق أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد.
وأما لفظ أبي داود عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيفٍ أنه أخبرهُ بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار: [أنه اشتكى رجل منهم حتى أُضْنِيَ فعادَ جِلدَةً على عظم، فدخلت عليه جاريةٌ لبعضهم فهشَّ لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني قد وقَعْتُ على جارية دخلت عليَّ. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ما رأينا بأحدٍ من الناس من الضُّرِ مثلَ الذي هوَ به لو حَمَلْناه إليك لتفسّخت عظامه ما هو إلا جِلْدٌ على عظم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مئةَ شِمْراخ فيضربوه بها ضربة واحدة](1).
وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} . أما قوله: {أُولِي الْأَيْدِي} ففيه تفاسير:
الأول: قال ابن عباس: (يقول: أولي القوة والعبادة. {وَالْأَبْصَارِ}: يقول: الفقه في الدين. قال: فُضِّلوا بالقوة والعِبادة).
الثاني: الأيدي: جمع يد. قالوا: وهي النعمة. أي أصحاب النعم الذين أنعم الله عز وجل عليهم.
الثالث: قيل المراد بالأيدي الأعمال الصالحة. قال ابن كثير: (أي أهل العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة).
الرابع: قيل المراد أهل الإحسان لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرًا وأهمتهم الآخرة فتسابقوا للعمل لها. قال النسفي: (أي أولي الأعمال الظاهرة والفكر الباطنة، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يتفكرون أفكار ذوي الديانات
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (4472) -كتاب الحدود- باب في إقامة الحد على المريض. ورواه ابن ماجة (2574)، ورواه أحمد. انظر صحيح أبي داود (3754).
في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على إعمالِ جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتامل مع كونهم متمكنين منها). وقال القاسمي:(فيه تعريض بأن من ليس كذلك، كان لا جارحة له ولا بصر).
قلت: واتفقوا على تأويل {وَالْأَبْصَارِ} بأنها البصائر في الدين والعلم. قال قتادة: (أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين). وفصل ذلك ابن جرير بقوله: (وذلك أن باليد البطش وبالبطش تُعرف قوة القويّ، فلذلك قيل للقوي ذو يدٍ، وأما البصر فإنه عني به بصر القلب وبه تنال معرفة الأشياء، فلذلك قيل للرجل العالم بالشيء بصير به).
وجملة القول أن الله سبحانه عطف في معرض تسلية نبيّه محمد ععلى ذكر داود وسليمان وأيوب وصبرهم ومكانتهم -عطف عليهم- ذكر آبائهم من أهل النبوة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أهل القوة في العلم والعمل، أهل البصيرة في النظر إلى المستقبل، ليتأسى بهم نبينا محمدٌ صلوات الله وسلامه عليه، فيكون جامعًا لكل ما يحبه الله من أسباب التمكين: القوة والبصيرة، فإن جمال الحق بسلطانه ودولته، وعزّ أهله وأتباعه، وإن ذلّ الباطل وأعوانه حين يعز الله أولياءه وعباده فيحكمون بشرعه. فقد قال جل ثناؤه في سورة الأنبياء:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} . فهذه الآية في سورة الأنبياء، يبين الله فيها المنهج الذي ارتضاه لجميع الأنبياء، إعزاز الحق وقذفه على الباطل ليقهره، فليتنبه المسلمون لذلك في كل زمان ومكان، وليأخذوا بأسباب العلم والبحث العلمي والقوة، فإنه لا حياة للأمة بالجهل والضعف والهوان، بل بالجماعة والقوة ورص الصفوف والبنيان.
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [المؤمن القوي خيرٌ وأححب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرِص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجِزْ، وإن أصابك شيء، فلا تقُل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكنْ قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان](1).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (2664) -كتاب القدر- باب الإيمان بالقدر والإذعان له، من حديث أبي هريرة.
وروى البخاري في صحيحه قول عمرَ رضي الله عنه: [تفقّهوا قبل أن تُسَوَّدوا. وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنِّهم](1).
وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشُدُّ بعضُه بعضًا](2). وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [المؤمن مرآةُ المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكُفُّ عليه ضَيْعَتَهُ، ويحوطه من ورائه](3).
وفيه أيضًا عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [المؤمنون تكافأُ دماؤهم، وهُمْ يدٌ على من سِواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يُقْتَل مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهدِه، من أحدث حدثًا فعلى نفسهِ، ومن أحدث حدثًا، أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناس أجمعين، . ورواه النسائي والحاكم وسنده صحيح (4).
وفي المسند للإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسُهُ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالحمّى والسهر](5).
وفي رواية: [المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه، وإن اشتكى عينُهُ اشتكى كلُّه].
وفيه أيضًا عن سهل بن سعد بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [المؤمن من أهلِ الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألَمُ المؤمن لأهل الإيمان، كما يألم الجسد لما في الرأس].
قلت: ففي هذا الهدي من مشكاة النبوة ما ينبغي على المسلمين أن يعتنوا به فينهضوا لتقويم حياتهم وبناء جماعتهم وتسوية صفوفهم ليرفعوا راية الحق والجهاد فإنه لا حياة للأمة بدون الحق والوحي والجهاد.
(1) أخرجه البخاري في الصحيح -كتاب العلم- (15): باب الاغتباط في العلم والحكمة.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2446)، ومسلم (2585)، وأحمد (4/ 404)، وغيرهم.
(3)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (4918). انظر صحيح أبي داود (4110).
(4)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (5430). انظر صحيح أبي داود (3797). ورواه النسائي والحاكم بإسناد صحيح. وانظر مسند أحمد (2/ 191)، (2/ 211)، وسنن ابن ماجة (2659).
(5)
حديث صحيح. انظر مسند أحمد (4/ 271)، وصحيح مسلم (8/ 20)، و"الحلية" -لأبي نعيم- (4/ 126). وانظر للرواية بعده مسند أحمد (5/ 340) من حديث سهل بن سعد مرفوعًا. وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (1137).
وأما قوله: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} ففيه قراءتان مشهورتان:
القراءة الأولى: وهي قراءة قراء المدينة، وبها قرأ نافع وشيبة وهي بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار، أي "بخالصةِ ذكرى الدار"، أي أخلصوا بخالصة الذكرى وهي خالصة عقبى الدار وأفضل ما في الآخرة وأجمل الثناء في الدنيا.
القراءة الثانية: وهي قراءة قراء العراق، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهي بالتنوين، أي {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ}. فالتقدير: إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، فكأن الله قد اختصهم بهذه الذكرى الرفيعة من غيرهم وكانوا أهلًا لها رغبوا فيها، ورغّبوا الناس بها، وأخلصوا في أعمالهم لاستقبالها.
وقد جاء في تأويلها بما يتوافق مع إحدى القراءتين السابقتين أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أي كانوا يؤكرون الناس بالآخرة ويدعونهم لطاعة الله.
فعن قتادة: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} قال: بهذه أخلصهم الله، كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله). وقال ابن زيد:(معنى أخلصناهم أي بذكر الآخرة، أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا). وقال النسفي: (وقيل خالصة بمعنى خلوص فهي مضافة إلى الفاعل، أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهمٍّ آخر، إنما همّهم ذكرى الدار لا غير).
التأويل الثاني: قيل أخلصهم بعمل الآخرة وذِكْرِهم لها فقد شغلتهم وأهمتهم دون ما سواها. فعن مجاهد قال: (بذكر الآخرة فليس لَهم همٌّ غيرها). وقال السُّدي: (بذكرهم الدار الآخرة وعملهم للآخرة).
التأويل الثالث: أي أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة.
فعن ابن زيد قال: (بأفضل ما في الآخرة أخلصناهم به وأعطيناهم إياه. قال: والدار الجنة، وقرأ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} قال الجنة وقرأ {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} قال: هذا كله الجنة، وقال: أخلصناهم بخير الآخرة). وقال ابن كثير في تفسيره: (أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمٌّ غيرها ويذكّرون الناس بالعمل لها فكان جزاؤهم الجنة).
التأويل الرابع: قيل بل المراد خالصة عقبى الدار. فعن سعيد بن جبير: ({بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} قال عقبى: الدار).
التأويل الخامس: قيل بل المعنى بخالصة أهل الدار.
قال مجاهد: (هم أهل الدار، وذو الدار، كقولك ذو الكلاع وذو يَزَن). وقال القاسمي: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ} أي صفيناهم عن شوب صفات النفوس وكدورة حظوظها وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} أي الباقية والمقر الأصليّ، أي استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس، وإعراضهم عن معدن الرجس، مستشرفين لأنوارنا، لا التفات لهم إلى الدنيا وظلماتها أصلًا).
التأويل السادس: قيل ذكرى الدار: الثناء الجميل في الدنيا.
قال النسفي: (وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به، يقويه قوله:{وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} .
قلت: وكلها اختلافات تنوع لا تضاد، فإن الله قد أخبر بذلك عن بعض من اصطفاه، بانهم قد ملأ ذكر الآخرة والخوف منها عليهم قلوبهم وحياتهم وحركاتهم وسكناتهم حتى صاروا يقومون ويقعدون كأنها أمامهم رأي عين، فقد شغلتهم وَأَهَمَّتْهم، وانعَكس ذلك على جوارحهم وقلوبهم وأقوالهم وأعمالهم ودعوتهم، فأفرد الله لهم بذلك ثناء حسنًا في الدنيا ومقامًا عطرًا في الآخرة، كما أفرد لهم بذلك سبحانه مقامًا رفيعًا، واختصاصًا مميزًا، صاروا ينعتون به في السماء والأرض إلى يوم القيامة، بأنهم أهل الآخرة، وأهل ذكر المعاد والحساب، في وقت يشغل الناس فيه بذكر الدنيا والشهوات والدرهم والدينار، وليتأسى الناس بهم من بعدهم، وليعلموا أن تعظيم حرمات الله وأوامره وهديه وشرعه جزاؤه عظيم في الدنيا وفي الآخرة. وفي صحيح السنة ما يفيد العلم بهذه المقامات العالية:
فقد أخرج ابن ماجة في سننه بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: [من جعلَ الهمومَ همًّا واحدًا، همَّ المعاد، كفاهُ الله سائرَ همومه، ومن تشعبت به الهمومُ من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هَلك](1).
ورواه الحاكم من طريق ابن عمر.
وفي جامعِ الترمذي بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من كانت الاخرة همَّهُ، جعل الله غناهُ في قلبِه، وجمع له شملَهُ، وأتته الدنيا وهي
(1) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (4106) -كتاب الزهد- باب الهم بالدنيا. وانظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (3314).
راغمة، ومن كانت الدنيا همَّهُ، جعل الله فقرَه بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له] (1).
وقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} أي: فهم أخيار مختارون من بين أجناسهم اجتباهم الله وَقَرَّبَهم وهيأهم لمهماتٍ من عنده واختصاصات رفيعة من أمره. ومصطفين جمع مصطفى والأخيار جمع خَيِّر. قال القرطبي رحمه الله: (أي الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته).
وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} . قال ابن جرير: (يقول: واذكر يا محمد إسماعيل واليسع وذا الكفل وما أبلوْا في طاعة الله فتأسَّ بهم، واسلك مناهجهم في الصبر على ما نالك في الله، والنفاذ لبلاغ رسالته. هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد ذكر لك ولقومك ذكرناك وإياهم به).
واليسع خليفة (إلياس) ويقال له بالعبرانية (اليشاع) كما يسمون إلياس (إيليا). وعن السدي: (قوله: {هَذَا ذِكْرٌ} قال: القرآن. وقوله: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} قال: لحسن منقلب). قال النسفي: (أي هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدًا وإن لهم مع ذلك لحسن مرجع. يعني يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل).
ثم وصف هذا النعيم وروعته وظلاله بقوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} . أي إذا جاؤوها فتحت أبوابها كما قال جل ثناؤه في سورة الزمر: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} . فقوله: {مُفَتَّحَةً} أي تفتح لهم بالأمر لا بالمس، وقيل تفتَحها الملائكة لهم. قال الحسن:(أبواب تكلم فتكلم: انفتحي، انغلقي). قال القاسمي: (أي متى جاؤوها يرونها في انتظارهم). وروى ابن جرير عن قتادة أثرًا حيث قال: (سأل عمر كعبًا ما عَدن؟ قال: يا أمير المؤمنين قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل). ثم قال أبو جعفر: (فإن الفائدة في ذلك إخبار الله تعالى عنها أن أبوابها تفتح لهم بغير فتح سكانها إياها بمعاناة بيد ولا جارحة).
وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن للمؤمن في الجنة
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (2465). انظر صحيح سنن الترمذي (2005).
لخيمةً من لؤلؤةٍ واحدة مجوّفة، عرضها (وفي رواية: طولها) ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (1). أي جنة إقامة وخلود.
وقوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} . أي متكئين على أرائكها، متربعين على سررها، يأتيهم الخدم فيها بألوان الفاكهة وألذّ الشراب، من أي نوع شاؤوا ومن أي طعم ولون أرادوا.
وقوله تعالى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} . قال قتادة: (قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غَيرهم). وقال السُّدي: (قصرن أبصارهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يردن غَيرهم، {أَتْرَابٌ} قال: مستويات، متواخيات لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن). وقال مجاهد: {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} : قال: أمثال). أي على سن واحدة وأعمار متماثلة، وعلى ميلاد امرأة واحدة. قال القرطبي:{أَتْرَابٌ} : أي على سن واحد، وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة). قال القاسمي رحمه الله:(أي لا ينظرن إلى غير أزواجهن. أو يمنعن طرف الأزواج أن تنظر للغير لشدة الحسن. وهو أبلغ). قلت: وهذا من أجمل المعاني.
وفي لغة العرب: أتراب جمع تِرْب بمعنى مثل. أي: كأنما وقعا على التراب في زمان واحد، فولدا في وقت واحد.
وقوله تعالى: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ} . قال السدي: (هو في الدنيا ليوم القيامة). وقال ابن جرير: (هذا الذي يعدكم الله في الدنيا أيها المؤمنون به من الكرامة لمن أدخله الله الجنة منكم في الآخرة). وقال القاسمي: (أي لوقت جزائه. واللام تعليلية. فإن ما وعدوه لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة. وهي تظهر بالحساب وتقع بعده).
وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} . قال السُّدي: (رزق الجنة، كلما أُخِذَ منه شيء عاد مثله مكانه، ورزق الدنيا له نفاد). وعن قتادة قال: (أي: مَا لَه انقطاع). وفي
(1) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (4879)، وصحيح مسلم (2838) ح (24)، ومسند أحمد (4/ 411). وروى نحوه الترمذي (2528)، وابن حبان (7395).
سورة هود قوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} ، وقوله في سورة الرعد:{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} ما يشبه ذلك المعنى.
قلت: فكافأ الله المتقين بألوانٍ مختلفة من الملاذ والنعيم. من الأَسِرَّة المنعّمة بألين الفرش يتكئون عليها، ومن الفاكهة اللذيذة المتنوعة يأكلون منها، ومن المشروبات الملونة المختلفة يلتذون بالشراب منها، ومن الزوجات الحسان -لا ينظرن إلى غير أزواجهن، بل ويمنعن طرف الأزواج أن تنظر لغيرهن من فرط جمالهن وحسنهن- يتلذذن بها، جزاء الغربة لأهل الحق ومكافأة التقوى وحراسة الدين وتعظيم شرع الله والجهاد في سبيله ولزوم التحاكم إلى منهاجه ومنهاج أنبيائه، يرون ذلك رزقًا يوم القيامة لا انقطاع له ولا ملل منه، بل هو نعيم متجدد، في عافية وسرور، وغبطة وسكن في الغرف والقصور، فنسأل الله برحمته أن يبلغنا منازل أنبيائه وأوليائه إنه سميع قريب مجيب.
فقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [غَدْوةٌ في سبيل الله أو رَوْحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأةً من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنَصيفُها (1) على رأسها خير من الدنيا وما فيها](2).
وفي جامع الترمذي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يُعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يطيق ذلك؟ قال: يُعطى قوة مئة](3). وفي رواية: [يُعطى المؤمن في الجنة قوة مئة في النساء].
وقوله تعالى: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} .
فبعد أن ذكر سبحانه حال المتقين ومستقبلهم، استأنف بذكر حال الأشقياء وما ينتظرهم، بما استهزؤوا بالله وآياته ورسله وبما استكبروا في الأرض عن تحكيم شرعه ودينه، وبما أخلفوا الله ما وعدوه وعاشوا لخدمة شهواتهم وغرائزهم وأهوائهم وأفسدوا في الأرض وسفكوا الدم الحرام وأكلوا المال الحرام.
(1) النصيف: الخمار.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (6568) -كتاب الرقاق. باب صفة الجنة والنار.
(3)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (2536). انظر صحيح سنن الترمذي (2059).
فعن السدي قوله: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} قال: (لشرَّ منقلب). وأما قوله: {هَذَا} فهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (الأمر هذا). والوقف على {هَذَا} حسن ثم تستأنف بقوله {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} . قال ابن جرير: (وهم الذين تمردوا على ربهم فعصوا أمره مع إحسانه إليهم). وقال القرطبي: (وهم الذين كذبوا الرسل). {لَشَرَّ مَآبٍ} ومنقلب يصيرون إليه، فبئس ما مهدوا لأنفسهم وبئس ما اجترحوا مما هدّد مستقبلهم، فترجم عن المآب أنه جهنم. أي: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم يصلونها فلا مفرّ لهم منها.
وقوله تعالى: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} .
الحميم هو الذي قد أغلي حتى انتهى حره. قال السّدي: (الحميم الذي قد انتهى حَرُّه). وقال ابن زيد: (الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه). وقوله: {هَذَا} في محل رفع مبتدأ وخبره {حَمِيمٌ} ، فهو على التقديم والتأخير، والتقدير: أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. وجوّز بعض أهل العربية أن يكون خبر "هذا" جملة "فليذوقوه"، وعندئذ يكون "حميم" خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا). كما جوّز بعضهم أن يكون هذا في محل نصب بفعل مضمر يفسره (فليذوقوه).
وأما قوله: {وَغَسَّاقٌ} ففيه قراءتان:
القراءة الأولى: قراءة قراء الكوفة بتشديد السين (وغسَّاق)، فهو اسم فاعل نقل إلى فعّال للمبالغة كضّراب وقتّال.
القراءة الثانية: وهي قراءة قراء الحجاز والبصرة وبعض الشاميين (وغسَاق) بتخفيف السين فهو كعذاب وجواب، وكلاهما مشهور في عالم القراءة والقراء.
وغسّاق من غَسَق يغسِقُ من الغسوق فهو غسّاق وغاسِق. قال الرازي: (والغسّاق البارد المُنْتِن يُخَفّف ويشدد). وجاء في معنى الغسّاق هنا في الآية أكثر من تأويل:
التأويل الأول: الغسّاق الزمهرير. فعن ابن عباس قال: (هو الزمهرير يخوفهم ببرده). قال الحافظ ابن كثير: (أما الحميم فهو الحار الذي بلغ أشد درجات الحرارة، وأما الغساق فهو البارد الذي لا يستطاع من شدة البرد المؤلم).
التأويل الثاني: الغساق الثلج البارد غاية البرد، فلا يستطاع برده. فعن مجاهد قوله:{وَغَسَّاقٌ} ، قال:(بارد لا يُستطاع). وقال مقاتل: (هو الثلج البارد الذي قد
انتهى برده). وقيل: إنه يحرف ببرده كما يحرق الحميمُ بِحَرِّه. وفي لغة العرب يقال ليل غاسق لأنه أبرد من النهار.
التأويل الثالث: الغسّاق ما يسيل من جلود أهل النار. فعن قتادة قال: (كنا نحدَّث أن الغسّاق: ما يسيل من بين جلده ولحمه).
التأويل الرابع: الغسّاق ما يسيل من أعينهم وبكائهم. قال السُّدي: (الغسّاق الذي يسيل من أعينهم من دموعهم يُسْقونه مع الحميم). وقال ابن زيد: (الحميم دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم).
التأويل الخامس: الغسّاق هو الصديد والقيح الغليظ يخرج من جلودهم. فعن ابن زيد قال: (الغسّاق الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيُسقونه). وعن قتادة قال: (هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنتَنْ). وقال محمد بن كعب: (هو عصارة أهل النار). قال القرطبي: وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غَسَقَ الجرح يغسِق غسقًا إذا خرج منه ماء أصفر. قلت وقد جاء في الأثر عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ما يناسب هذا التأويل حيث قال: (هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهراق في المشرق لأنتنت أهل المغرب).
التأويل السادس: الغسّاق المنتن. فعن عبد الله بن بريدة قال: (الغسّاق المنتن وهو بالطّخارية). أي بلغة طرخستان ببلاد العجم، فهي غير عربية الأصل.
قلت: وغاية التأويل أن يقال: إن الله سبحانه قد أوعد أهل الكبر والطغيان عذابه ونيرانه، يسومهم فيها سوء الحال والضيافة والمقام، من الحميم الحار الذي يُشقي الجلود والأجساد، ومن الزمهرير القارس الذي يشرِّد العقل والبال، ومن الشراب المنتن الذي يسيل من قيح أجسامهم وفروج زناتهم ونتن جروحهم يشربونه فبئس الشراب وبئس المآل، بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما استهزؤوا بالوحي الذي فيه حياتهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة.
وأما قوله: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} ، فقد قرأها القراء على لونين:
القراءة الأولى: وهي قراءة قراء المدينة والكوفة (وآخَرُ) على التوحيد: أي وعذاب آخر من نحو الحميم والغساق.
والقراءة الثانية: هي قراءة بعض البصريين والمكيين (وأخَرُ) على الجمع، والأول أشهر.
وفي معنى الآية أقوال:
القول الأول: المقصود الزمهرير. فعن السُّدي عن مُرَّة عن عبد الله: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} قال: الزمهرير). وكذلك روي عن ابن مسعود قال: (هو الزمهرير).
القول الثاني: المقصود من شكل ومثل ذلك العذاب. فعن ابن عباس قال: (يقول من نحوه). وقال الحسن: (ذكر الله العذاب فذكر السلاسل والأغلال وما يكون في الدنيا ثم قال: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} قال: وآخر لم ير في الدنيا). قال: (ألوان من العذاب). وعن قتادة: {أَزْوَاجٌ} ، قال: زوج زوج من العذاب). وقال ابن زيد: (من كل شَكْل ذلك العذاب الذي سمى الله أزواج لم يسمها الله. قال: والشكل: الشبيه). وقال ابن كثير: (الشيء وضده يعاقبون بها كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهَوِي إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسببه).
قلت: القراءة الأولى (وآخَرُ) على التوحيد أشهر بين القراء. والذين اختاروا الجمع (وأُخَرُ) كأنه لا يصلح عندهم أن يكون الأزواج -وهي جمع- صفة ونعتًا لواحد. وقد أشار ابن جرير رحمه الله ردًا على ذلك فقال: (والعرب لا تمنع أن ينعت الاسم إذا كان فعلًا بالكثير والقليل والاثنتين فتقول: عذاب فلان أنواع ونوعان مختلفان). وغاية المعنى أن الكفار والطغاة سيفجؤهم الله بالوان من العذاب من جنس ما يعلمون ومن جنس ما لا يعلمون، فلا أحد يحكم بِغير منهج الله وهديه وشرعه إلا مُهَدَّدٌ في الآخرة بألوان الخزي والعذاب، وذلك إذا علم الحق فاستكبر عنه وآثر الخلود إلى الأرض والتراب.
وقوله تعالى: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ} - فيه تفاسير:
التفسير الأول: أنه من قيل الرؤساء للأتباع. فعن قتادة قال: (هؤلاء التّباع يقولون للرؤوس). وقال ابن زيد: (الفوج: القوم الذين يدخلون فوجًا بعد فوج، وقرأ {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} التي قبلها). قال ابن كثير: (يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض). وقال ابن جرير: (هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة {لَا مَرْحَبًا بِهِمْ}: قال: وهذا خبر من
الله عن قيل الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتحَم فيها عليهم، لا مرحبا بهم ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد كما قيل:{يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} فاتصل قول فرعون بقول ملئه). وقال القاسمي: (أي هذا جمع كثيف من أتباعكم وأشباهكم، أهل طبائع السوء والرذائل المختلفة، مقتحم معكم في مضايق المذلة ومداخل الهوان. والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها).
التفسير الثاني: أنه من قول الخزنة للقادة والرؤساء.
فعن ابن عباس قال: (هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة {هَذَا فَوْجٌ} يعني الأتباج والفوج الجماعة {مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ} أي داخل النار معكم، فقالت السادة: {لَا مَرْحَبًا بِهِمْ} أي لا اتسعت منازلهم في النار).
التفسير الثالث: أن قوله: {إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ} من قيل القادة أو من قيل الملائكة. فقد ذكر القرطبي في تفسيره: {إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ} قيل: هو من قول القادة، أي إنهم صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة متصل بقولهم: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ} و {قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ} هو من قول الأتباع. وحكى النقاش: إن الفوج الأول قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر. قال القرطبي: والظاهر مِنَ الآية أنها عامة في كل تابع ومتبوع).
قلت: والآية عامة في حق كل الطغاة والمستكبرين في الأرض، وشأنهم مع أتباعهم ومرؤوسيهم، فإذا ما أفضوا إلى الآخرة وعاينوا العذاب والخزي تبرأ كل من متبوعه ومرؤوسه وتقطعت بهم الأسباب، كما قالَ سبحانه في سورة البقرة:{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} ، وكقوله في سورة فصلت {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} ، وكقوله في سورة غافر:{وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} ، وكقوله في سورة سبأ:{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
والتفسير الأول أرجح لقوله تعالى بعد ذلك: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} . فأذاقهم الله الخزي هم وأتباعهم يوم القيامة، وفضح سبحانه مكر رؤسائهم وقادتهم وما بيتوا وما دبروا لإبعاد منهج الله عن الأمر والحكم، وأذلهم بحوار مليء بالهوان والندامة بينهم وبين مرؤوسيهم ومتبوعيهم، وشاركت الملائكة الكرام في تهيئة شقائهم وصغارهم.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذرِّ في صُورِ الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بُولُسَ، تعلوهم نارُ الأنيار، يُسْقَون من عصَارةِ أهل النارِ، طينةِ الخبالِ](1).
وأصل الرحب في لغة العرب السعة. قال أبو عبيدة: العرب تقول: لا مرحبًا بك، أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت، فخرج كلام الرؤساء مخرج الدعاء، فردّ عليهم المرؤوسون بقولهم:{قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ} . أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير فبئس المنزل وبئس المستقر والمصير، فلا مرحبًا بكم أيها الرؤساء بما قدمتم لنا هذا المستقبل المؤلم بإضلالنا وإغوائنا. قال القاسمي:(أي أنتم أحق بما قلتم، لتضاعف عذابكم بضلالكم وإضلالكم).
وقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ} . هو كقوله في سورة النحل: {وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} . وكقيله في سورة الأعراف: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} . أي لكل منكم ما يستحق من العذاب والنكال.
قال ابن مسعود: (معنى عذابًا ضعفًا في النار الحيات والأفاعي). قال ابن جرير: (يعنون: من قدّم لهم في الدنيا بدعائهم إلى العمل الذي يوجب لهم النار التي وردوها وسكنى المنزل الذي سكنوه منها).
وقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} . قال مجاهد: (ذاك أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة، وذكر أناسًا
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (2492) -أبواب صفة القيامة- باب (15). انظر صحيح سنن الترمذي (2025). ورواه أحمد. انظر: "تخريج المشكاة"(5112).
صُهيبًا وعمّارًا وخبّابًا، كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا). وفي رواية:(قالوا: أين سلمان؟ أين خَبَّاب؟ أين بلال؟ ).
فالمراد أكابر المشركين، خدعهم الشيطان في الدنيا واستذلهم فظنوا الأصحاب الكرام الأخيار أشرارًا، فأخزاهم الله يوم القيامة وأذاقهم الندامة. قال ابن وعباس: (يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، يقول أبو جهل: أين بلال أين صُهيب أين عمّار؟ أولئك في الفردوس! واعجبًا لأبي جهل! مسكين، أسلم ابنه عكرمة، وابنته جُوَيرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو، قال:
ونورًا أضاءَ الأرض شَرْقًا ومَغْرِبًا
…
وموضِعُ رجلي مِنْهُ أسْوَدُ مُظْلِمُ)
وفي قوله: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} أكثر من تأويل يشد بعضه بعضًا:
التأويل الأول: أي أخطأنا في الدنيا لما سخرنا منهم فلم نعلم مكانهم اليوم؟ .
فعن مجاهد قال: (أتخذناهم سخريًا في الدنيا فأخطأنا {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} فلم نعلم مكانهم). وقال الضحاك: (هم قوم كانوا يسخرون من محمد وأصحابه، فانْطُلِق به وبأصحابه إلى الجنة، وذهب بهم إلى النار فقالوا: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} يقولون: أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري أين هم). وقيل (أم) بمعنى (بل) أي بل زاغت عنهم أبصارنا لخفاء مكانهم علينا في النار، أو التقدير بل زاغت عنهم أبصارنا لكونهم في دار أخرى وهي دار النعيم.
التأويل الثاني: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا} في موضع الخبر عن أولئك الرجال الذين ظنهم المشركون أشرارًا وأخبروا أنهم سخروا منهم فأين هم في النار اليوم لا نراهم؟ .
فعن مجاهد، يقول:(أهم في النار لا نعرف مكانهم). قال القاسمي: (قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لـ {رِجَالًا} وبهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} أي مالت عنهم كبرًا وتنحّت عنهم أنفة).
التأويل الثالث: أين أولئك الذين اتخذناهم سخريًا وزاغت أبصار القوم عنهم في الدنيا احتقارًا وازدراءً؟ . فعن الحسن قال: (كل ذلك قد فعلوا، اتخذوهم سخريًا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم).
قلت: وهذه الأوجه من التأويل تعود لاختلافهم في القراءة لقوله: {أَتَّخَذْنَاهُمْ} . فقد قرأه عامة قراء المدينة والشام {أَتَّخَذْنَاهُمْ} بالاستفهام وفتح الألف. في حين قرأه
قراء الكوفة والبصرة وبعض أهل مكة بوصل الألف من الأشرار (اتّخذناهم)، فالتقدير:(مِنَ الأشرارِ اتّخذناهم) بحذف الألف في الوصل. قال ابن جرير: (وكل استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ فالعرب تستفهم فيه أحيانًا وتُخْرجه على وجه الخبر أحيانًا. قال: والثانية أولى بالوصل على غير الاستفهام لتقدم الاستمْهام بقوله: {مَا لَنَا لَا نَرَى} فيصير (أتخذناهم) بالخبر أولى وإن كان للاستفهام وجه بمعنى التعجب. قال: وكان بعض أهل العلم بالعربية من أهل البصرة يقول: من كسر السين من السُّخريّ فإنه يريد به الهُزء يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرة يستسخِرونهم: يستذَلونهم).
وهذه الأوجه المختلفة من التأويل محتملة واردة يحتملها المجاز والإعجاز، وهي رائعة في مدلولها وآفاقها مفادها جميعًا بأنَّ الطغاة سيفاجؤون يوم القيامة بِعلوِّ مكانة المؤمنين الذين كانوا مستضعفين في الدنيا يستذلونهم ويستخدمونهم ويسخرون منهم ويتغامزون إذا مروا بهم ازدراءً واحتقارًا لشأنهم، فإذا ما جاؤوا يوم الحشر ذُهلوا حين رأوهم قد تميزوا عنهم، ولم يشركوهم سوء مصيرهم، بل هم في روضات الجنات يحبرون ويتنعمون. كما قال جل ثناؤه في سورة الأعراف:{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} وكما قال سبحانه في سورة "المؤمنون": {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} . وكما قال جل وعزَّ في سورة المطففين: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)} . نعم قد ثُوِّبوا ما كانوا يفعلون ورأوا العذاب وذاقوا الندامة وتقطعت قلوبهم وسالت الدماء بكاء من عيونهم.
فقد أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يرسلُ البكاء على أهل النار، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم، حتى يصير في وجوههم
كهيئة الأخدود، لو أُرسلت فيه السفن لجَرَتْ] (1).
وقوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} . في إعراب {تَخَاصُمُ} وجهان أو ثلاثة:
الوجه الأول: بدل من حق مرفوع مثله ما دام قوله: {لَحَقٌّ} خبر إن.
الوجه الثاني: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. أي: هو تخاصم.
الوجه الثالث: أنه خبر بعد خبر أو بدل من (ذلك). والتقدير: إن تخاصمَ أهل النار فيها لحق. فهو بالنصب على البدل.
وجميعها تفيد العلم أنّ الخزي والندامة ستأكل قلوب المشركين في نار جهنم وبأنها ستنعكس على ألسنتهم كل يحفل مصيبته الآخر فيلقي بها الرؤساء على مرؤوسيهم وأتباعهم فيردها أولئك عليهم، والحسرة تأكل وتحصد نفوسهم والجزع يدمرهم ويهلكهم.
قال القاسمي رحمه الله: (فكتب (الناصر) عليه: هذا يحقق ما تقدم من أن قوله: {لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ} من قول المتكبرين الكفار. وقوله تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ} من قول الأتباع. فالخصومة على هذا التأويل حصلت من الجهتين فيتحقق التخاصم. خلافًا لمن قالَ إن الأول من كلام خزنة جهنم والثاني من كلام الأتباع. فإنه على هذا التقدير، إنما تكون الخصومة من أحد الفريقين. فالتفسير الأول أمكن وأثبت).
65 -
88. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ
(1) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (4324). انظر صحيح ابن ماجة (3491).
نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)}.
في هذه الآيات: يخاطب الجبار نبيَّه محمدًا صلوات الله وسلامه عليه، لينذر الجبابرة المستكبرين المشركين من قومه أنه لا معبود تصلح له العبادة وتنبغي له الربوبية إلا الله الواحد الأحد الصمد، القهار الجبّار لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، دانت السماوات والأرض وما بينهما لعزته وخضعت لكبريائه وملكوته، فهو العزيز في انتقامه ممن كفر، الغفار لذنوب من تاب إليه وجار، فهذا القرآن هو النبأ العظيم، الذي أنتم عنه معرضون ومنصرفون، وهو وحي الله أخبر به عن شأن آدم مع إبليس واستكباره عن السجود له، ما كان لي أن أخبركم بذلك لولا هذا القرآن كلام الله ووحيه، وما كان لي أن أحدثكم بدونه عن الملائكة وهم الملأ الأعلى لمّا قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، فخلق آدم من طين وقال إني أعلم ما لا تعلمون، ثم نفخ فيه من روحه وأمرهم بالسجود فوقعوا جميعًا ساجدين، إلا إبليس علاه الكبر والغرور والعجب فاستكبر وكان من الكافرين. فسأله ربه ما منعك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فأخرجه وهو رجيم ملعون إلى يوم الدين، فسأل ربه أن ينظره فأنظره إلى يوم يبعثون، ثم حلفَ بعزته سبحانه ليغويثهم أجمعين، إذ علم أنه لا عزة له ولا سلطان على المخلصين، فقال سبحانه: أنا الحق والحق مني، وأقسم جل ثناؤه بالحق ليخزينهم في جهنم أجمعين، إبليس ومن تبعه من المسرفين، فيا محمد قل لقومك لا أريد على البلاغ مالًا ولا أتكلف القول والأمر بل هو ذكر للعالمين، ولتعلمن صدق ما أقول لكم ولو بعد حين. وتفصيل ذلك:
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} . قال القاسمي: (أي رسول مخوِّف). وقال القرطبي: (أي مخوف عقاب الله لمن عصاه).
وقوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} . قال ابن جرير: (وما من معبود تصلح له
العبادة وتنبغي له الربوبية إلا الله، إليه يدين كل شيء {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} العزيز في نقمته من أهل الكفر به، المدّعين معه إلهًا غيره، الغفار لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم من كفره ومعاصيه، فأناب إلى الإيمان به، والطاعة له بالانتهاء إلى أمره ونهيه). وقال ابن كثير:({وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} الآية: أي قهر كل شيء وحده وغلبه، مالك جميع الكون متصرف فيه، غفار مع عظمته وعزته). والعزيز هو المنيع الذي لا مثل له، والغفار هو الستار لذنوب خلقه وعباده.
وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} . أي: قل يا محمد لهم إنّ ما أنذركم به أمر عظيم، كما قال جل ثناؤه:{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} . وفيه تفاسير:
التفسير الأول: النبأ العظيم هو إرسال هذا النبي عليه الصلاة والسلام. قال الحافظ ابن كثير: (قل لهم هو خبر عظيم وهو إرسالي إليكم من قِبَله تعالى بالقرآن أنتم عنه معرضون: غافلون). وقال النسفي: (أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد لا شريك له {نَبَأٌ عَظِيمٌ} لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة).
التفسير الثاني: النبأ العظيم هو القرآن. قال ابن جرير: (قل يا محمد لمكذبي قومك بالقرآن القائلين {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} قل لهم {هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ}). وذكر آثارًا بذلك عن التابعين. فعن مجاهد في قوله: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} قال: (القرآن).
وعن ابن سيرين عن شريح أن رجلًا قال له: (أتقضي عليّ بالنبأ)؟ فقال له شريح: (أوليس القرآن نبأ؟ قال: وتلا هذه الآية: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} قال: وقضى عليه). وعن السدي قال: (القرآن، أنتم عنه منصرفون لا تعملون به، ولا تصدقون بما فيه من حجج الله وآياته). وعن قتادة قال: (يعني القرآن الذي أنبأكم به خبر جليل).
التفسير الثالث: النبأ العظيم هو الإنذار بالحساب والثواب والعقاب. قال القرطبي: (أي ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر عظيم القدر فلا ينبغي أن يُسْتَخَفَّ به). وقال القاسمي: (أي الذي أنذرتكم به من التوحيد ومن البعثة به {نَبَأٌ عَظِيمٌ}). وقيل عظيم المنفعة.
قلت: وهي اختلافات تنوع لا تضاد، شأن الراسخين في التفسير من علماء الصحابة والتابعين دومًا، فما اختلفوا في حلال وحرام، أو في سنة وبدعة، أو في إيمان وكفر، بل كانوا يُحَلِّقون دومًا حول المعنى، وغاية القول هنا، أنّ الله يأمر نبيّه
صلوات الله وسلامه عليه لينذرهم شرّ التمادي والكبر والعناد، فما هم بمعجزين شأن أمثالهم ممن أهلكوا ودُمِّروا لما ركنوا إلى شهواتهم وتحاكموا لها، فهذا النبي والقرآن وما فيه من الوعد والوعيد والثواب والنكال والعقاب، حَرِيٌّ بالانتباه له والاستعداد لوعده ووعيده، وخشية الله العظيم من انتقامه وبطشه وغضبه، وترك العجب والكبر ممن يعجب برأيه وعقله ونفسه.
لقد روى الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ثلاثٌ مُنْجيات: خَشْيةُ الله تعالى في السرِّ والعلانية، والعدلُ في الرِّضا والغضب، والقصد في الفقر والغِنى. وثلاث مُهْلِكات: هوىً متبع، وشحٌّ مُطاع، وإعجاب المرء بنفسه](1).
وقوله: {أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} . أي غافلون. قال السدي: (أنتم عنه منصرفون لا تعملون به ولا تصدقون بما فيه من حجج الله وآياته). قال القاسمي: ({أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} لتمادي غفلتكم. فإن العاقل لا يعرض عن مثله. كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة. أما على التوحيد، فما مرّ من آثار قدرته وصنعه البديع. وأما على بعثته صلى الله عليه وسلم به، فقوله: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي فإن إخباره عن محاورة الملائكة وما جرى بينهم، على ما ورد في الكتب المتقدمة، من غير سماع ومطالعة كتاب، لا يتصور إلا بالوحي). والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون. قال ابن عباس: (هم الملائكة). وفي رواية عنه قال: (الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم، فاختصموا فيه وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة). فهناك تفسيران:
التفسير الأول: الاختصام في خلق آدم. فعن السُّدي قال: ({بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} هو {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}). أي اعْتُبِر الحوار الذي في سورة البقرة بين الملائكة وربهم في شأن خلق آدم هو المقصود بهذا الاختصام وهو بمعنى الاختلاف فيما بين الملائكة أنفسهم في ذلك الشأن. قال ابن كثير: (يعني في شأن آدم عليه الصلاة والسلام وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه). أي فقل يا محمد لمشركي قومك: إن إخباري لكم عن شأن آدم وما حصل من قول الملائكة وإبليس آنذاك دليل على أن هذا القرآن وحي من الله أنزله عليّ إذ تعلمون
(1) حديث حسن. انظر: "الحلية" - لأبي نعيم - (2/ 343). ورواه الطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع"(1/ 91). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (1802).
أنه لا علم لي بذلك قبل نزول هذا القرآن. قال القاسمي: (يختصمون: استعارة تبعية لـ "يتقاولون").
التفسير الثاني: هو حمل الاختصام بين الملأ الأعلى على اختلافهم في الكفارات والدرجات، وهو أمر قد أهمّهم لما علموا مصير العصاة من بني آدم، فخوفًا منهم على مصيرهم أن يكون في النار اختلفوا فيما بينهم! كيف يتخلص المؤمنون مما اكتسبوا من آثام ومما استزلهم الشيطان في لحظات ضعف قلوبهم. وأصل ذلك ما أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[أتاني الليلةَ ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمدُ هل تدري فيم يختصِمُ الملأ الأعلى؟ قلتُ: لا، فوضع يدَهُ بين كتفيّ، حتى وجدتُ بردها بين ثَدْيَيَّ، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، فقال: يا محمدُ! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلتُ: نعم، في الكفارات والدّرجات، والكفارات المكثُ في المساجد بعدَ الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره. قال: صدقت يا محمد! ومن فعل ذلك عاش بخير، وماتَ بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمهُ. وقال: يا محمدُ إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحَمني، وتتوب عليَّ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام](1).
وله لفظ آخر عند الإمام أحمد من طريق معاذ رضي الله عنه قال: [احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح. حتى كدنا أن نتراءى قرن الشمس. فخرج صلى الله عليه وسلم سريعًا. فثوّب بالصلاة. فصلى وتجوز في صلاته. فلما سلّم قال صلى الله عليه وسلم: كما أنتم. ثم أقبل إلينا فقال: إني قمت من الليل فصليت ما قدّر لي. فنعست في صلاتي حتى استيقظت. فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة. فقال: يا محمد! أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، يا رب! أعادها ثلاثًا. فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين صدري. فتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (3234). انظر صحيح سنن الترمذي (2580)، (2581) - كتاب التفسير - سورة (ص). ورواه أحمد في المسند. وانظر ما بعده.
عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني. وإذا أردت فتنة بقوم، فتوفني غير مفتون. وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها حق فادرسوها وتعلموها] (1).
قال ابن كثير: هذا حديث المنام المشهور. ومن جعله يقظة فقد غلط.
قلت: والسياق يدل على التفسير الأول وكذا الآيات التي بعدها فقد فُسِّر بها هذا الاختصام. وإليه ذهب ابن جرير حيث قال في الآية التي بعد ذلك، وهي قوله:{إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} قال: (قل يا محمد لمشركي قريش: ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذ أراد خَلْقَه، إلا لأني أنا نذير مبين).
وقد قرأها أكثر القراء بفتح الهمزة من (أَنّما) أي إن يوحى إليّ إلا الإنذار، فهي بالفتح بموضع رفع لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله. قال الفراء:(كأنك قلت ما يوحى إليّ إلا الإنذار). ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى (إلا لأنما) ذكره القرطبي عن النحاس. وهناك من قرأها بالكسر على الحكاية {إِلَّا أَنَّمَا} كأبي جعفر بن القعقاع، لأن الوحي قول، والتقدير: يقال لي إنما أنت نذير مبين. والقراءة الأولى أشهر والله أعلم.
ثم ذكر سبحانه قصة الاختصام بين الملائكة بقوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} . فقوله {إِذْ قَالَ} من صلة قوله: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أو بدل منه. والتقدير: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد للملائكة إني خالق بشرًا من طين، والمراد آدم عليه السلام. وهذه القصة قد ذكرها الله سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن، فهي مبسوطة في سورة البقرة وفي أول الأعراف وفي سورة الحجر والإسراء والكهف وفي سورة (ص) ها هنا.
وقوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} . قال الضحاك: ({وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} قال: من قدرتي). وقيل: أي من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. كما قال جل ثناؤه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا
(1) حديث حسن بشواهده. انظر مسند أحمد (5/ 243)، وصحيح سنن الترمذي (2582).
قَلِيلًا}. وفي سورة النساء: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} . فالمراد إذا عدلته ونفخت فيه الروح فأحييته بها وجعلته حساسًا متنفسًا.
كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم! قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليكَ التوراة، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبلَ أن يخلقني؟ ! فحج آدم موسى](1).
وقوله سبحانه: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} هو من وقع يقع أي اسقطوا إلى الأرض ساجدين متواضعين تعظيمًا وتكريمًا. قال القرطبي: (وهذا سجود تحية لا سجود عبادة. قال: أي امتثلوا الأمر واسجدوا له خضوعًا له وتعظيمًا لله بتعظيمه). فسجد الملائكة كلهم، مَنْ في السماوات ومن في الأرض أجمعون، إلا إبليس ولم يكن منهم جِنْسًا، بل كان من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان يحتاج إليه، فأبى السجود وخاصم ربّه بدعوى العجب والكبر والغرور أنه خير منه، وأنّ النار تأكل الطين وتحرقه، ولجأ إلى الفلسفة والرأي ناسيًا متجاهلًا الأمر والوحي، فأخزاه الله وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته وحضرة قدسه، وأنزله مذمومًا مدحورًا إلى الأرض، فسأل ربه النظرة إلى يوم المعاد، فأنظره وهو الحليم سبحانه لا يعجل على من عصاه، وأمهله وسماه إبليس خزيًا له وعارًا. قال ابن كثير:(وسماه إبليس لأنه قد أبلس من الرحمة).
فلما اطمأن عدو الله وأمن من الهلاك إلى يوم البعث والحساب، تمرد وطغى وسعى في الأرض بالفساد والوسوسة ليحمل ابن آدم في لحظات ضعف إيمانه على الفاحشة وقول الزور والكذب وسوء الظن بالله وسفك الدم الحرام، وأكل السحت والمال الحرام، وغير ذلك من صغار الذنب وكباره.
ولهذا قال سبحانه: {إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} . قال ابن جرير: (وكان بتعظمه ذلك وتكبره على ربه، ومعصيته أمره ممن كفر في علم الله السابق، فجحد
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (4738)، (6614). وأخرجه مسلم في الصحيح (2632)، وأبو داود في السنن (701). ورواه أحمد (2/ 248)، وابن ماجة (80)، وابن حبان (6180) من طرق، وللحديث روايات كثيرة.
ربوبيته وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان له بالطاعة). ثم ذكر قول ابن عباس: (كان في علم الله من الكافرين).
وقوله تعالى: {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} .
في معنى اليد أقوال:
الأول: قول مجاهد: (اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة، مجازه لما خلقت أنا كقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} أي يبقى ربك).
الثاني: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} لما خلقت بغير واسطة. قال القاسمي: (أي بنفسي من غير توسط كأب وأم).
الثالث: المراد باليد القدرة، يقال مالي بهذا الأمر يد، ومالي بالحمل الثقيل يدان.
الرابع: الإضافة للخلق لنفسه إضافة تكريم. قال القرطبي: (أضاف خلقه إلى نفسه تكريمًا له، وإن كان خالق كل شيء. وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئًا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذكر اليد هنا بمعنى هذا).
الخامس: المراد باليدين صفات ذات لله سبحانه كما يليق بجلاله وكماله. قيل في بعض التفاسير: التشبيه في اليد في خلق الله تعالى دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة، وإنما هما صفتان من صفات ذاته تعالى.
قلت: لقد تكرم الجبار سبحانه أن خلق آدم بنفسه تكرمًا وتفضلًا، ليعلم ابن آدم مكانته عند الله فيعبده لا يشرك به شيئًا، وكان يسعه سبحانه أن يقول له كن فيكون، بل باشر الخلق جل ثناؤه بيديه الكريمتين، وفي الآية دليل عظيم على هاتين الصفتين لله العظيم، من صفات ذاته سبحانه.
وفي الأثر عن مجاهد عن ابن عمر قال: (خلق الله أربعة بيده: العرش، وعَدْن، والقلم، وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان).
وفي صحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن المُقسطين عندَ الله يومَ القيامة على منابرَ من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا](1).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1827) - كتاب الإمارة - ورواه أحمد والنسائي.
وفي المسند وسنن أبي داود وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدْر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والحزْنُ، والخبيثُ، والطيب، وبين ذلك](1).
وقوله: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} . قال ابن جرير: (يقول: لم أفعل ذلك استكبارًا عليك، ولا لأني كنت من العالين، ولكني فعلته من أجل أني أشرف منه. قال: يقول وكنت خيرًا لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين والنار تأكل الطين وتحرقه). قال سبحانه يصف كلام إبليس: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} . فامتنع من السجود فأخزاه الله بكبره وكلما سجد مؤمن سجود التلاوة عند سماع آيات ذلك من القرآن.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند والإمام مسلم في الصحيح وابن ماجة في السنن واللفظ لأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجدَ، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلهُ أمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْت بالسجود فعصيت فليَ النار](2).
وقوله تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} . رجيم: هو على وزن فعيل بمعنى مفعول. أي مرجوم مطرود عن الخير كله. قال قتادة: (والرجيم اللعين)، فأخرجه من الجنة وجعله مرجومًا وأتباعه بالكواكب والشهب فلا يستطيع معرفة الخبر من السماء بعد ذلك، وأَرْدَاه مُبْعدًا عن الرحمة والرأفة. وفي هذا الخبر هنا تسميع لقريش وكفارها ومشركيها وتقريع من الله لهم بأنهم إن استمروا على العناد وقابلوا الوحي بالرأي والفلسفة كقولهم:{أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} . وكقولهم: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} فإن مصيرهم كمصير إبليس المبعد اللعين والمطرود عن الجنة والنعيم، باستكباره وحسده وعجبه وغروره، فليحذر كفار مكة أن يصيبهم ما أصاب شيطانهم فيكونوا من الخاسرين.
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 406)، والترمذي (2955)، وأبو نعيم في "الحلية"(3/ 104). ورواه أبو داود والحاكم والبيهقي. انظر صحيح الترمذي (2355)، والسلسلة الصحيحة (1630).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (81)، وأحمد في المسند (2/ 443)، وابن ماجة في السنن (1052)، وابن حبان في صحيحه (2759).
وقوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} . قال القرطبي: (تعريف بإصراره على الكفر، لأن اللعن منقطع حينئذ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن). قلت: فلقد علم الله وكتب في لوحه المحفوظ كتابة علم أن إبليس سيظل كافرًا كما علم وكتب أن أبا لهب سيخرج من الدنيا كافرًا متجبرًا، وكلاهما موعودون جهنم لهم فيها دار الخزي، فالله لم يجبرهم على الكبر وإنما اختاروه لأنفسهم.
وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} .
قال ابن جرير: (قال إبليس لربه: رب فإذا لعنتني وأخرجتني من جنتك فأخرني في الأجل ولا تهلكني إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم. وبقوله: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} قال: فبعزتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك، لأضلن بني آدم أجمعين إلا من أخلصته منهم لعبادتك وَعَصَمْتَهُ من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلًا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه).
وقال القاسمي: ({إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} وهم الذين أخلصهم الله لنفسه من أهل العناية عن ثوب الكدورات النفسية وحجب الأنانية، وصفّى فطرتهم عن خلط ظلمة النشأة البشرية).
قلت: فحلف الخبيث بعزة الله مع أنه قد أرْداه الكبر وكان به من الكافرين، فكيف بكثير من المسلمين اليوم يحلفون بغير الله سبحانه، من ولد وبصر وشارب وحياة وغير ذلك من الفانيات وينسون أن يحلفوا بالله ذي الصفات الباقيات الدائمات.
فعن قتادة: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} قال: عَلِمَ عدوّ الله أنه ليست له عزّة). فحلف بعزة الله أن يضل بني آدم بتزيين الشهوات وإدخال الشبه عليهم فقال {لَأُغْوِيَنَّهُمْ} أي لأستدعينهم إلى المعاصي وقد علم أخزاه الله أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة والتحريش، ولا سلطان له إلا على فاسد الطبع مثله أو مَنْ به ضعف في إيمانه ويقينه.
فقد روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الشيطان قد أيسَ أن يَعْبُدَهُ المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم](1). وفي غير مسلم بدون قوله (في جزيرة
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2812)، والترمذي (1938)، وأحمد (3/ 313)، وغيرهم.
العرب). وله شاهد عند الحاكم بسند حسن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: [إن الشيطان قد يَئِسَ أن يُعبَد بأرضكم، ولكن رضيَ أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتابَ الله وسنةَ نبيّه .. ](1).
وفي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن سبرة بن أبي فاكِهٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن الشيطان قعدَ لابنِ آدم بأطرقهِ، فقعدَ له بطريق الإسلام فقال: تُسلِم وتذرُ دينَكَ ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلمَ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجرُ وتدعُ أرضك وسماءكَ وإنما مثلُ المهاجر كمثل الفرسِ في الطِّول، فعصاه فهاجرَ، ثم قعد له بطريق الجِهاد فقال: تجاهِدُ فهوِ جهدُ النفس والمال، فتقاتل فتقتلُ فتنكحُ المرأة ويقسمُ المال؟ ! فعصاه فجاهد، فمَنْ فعل ذلك كان حقًّا على الله أن يدخِلَهُ الجنة، ومن قتل كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرقَ كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصتهُ دابَّتهُ كان حقًّا على الله أن يدخلهُ الجنة](2). وقوله: "كمثل الفرس في الطول" -وهو الحبل الطويل يشد أحد طرفيه في وتد والطرف الآخر بيد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه- كناية عن غربة وضيق الهجرة.
فإذا ما استنفر المسلم في كل عمل لمعاكسة الشيطان، فقد حظي بذلك برضا الرحمان، وبعونه ليصل إلى غايته وهي دخول الجنان، ورؤية وجه الله ذي الجلال والإكرام، ومثال هذه المعاكسة، ما روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الشيطان يحضُرُ أحدَكُم عند كلِّ شيءٍ من شَأْنِهِ حتى يحضرَهُ عند طعامه، فإذا سقطت من أحدِكم اللقمةُ فَليُمِطْ ما كان بها من أذى، ثم ليأكلْها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعَه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة](3).
فإذا ما فعل ذلك في كل شأنه كان من المخلصين، الذين خَلَّصَهم الله من الشيطان وأعانهم على نبذه والترفع عن ساقط حركاته ووسوسته.
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم، وبنحوه الترمذي (2159) - كتاب الفتن. وانظر سنن ابن ماجة (3055)، كتاب المناسك، ومسند أبي يعلى (2095).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (3/ 483)، والنسائي في السنن (6/ 21، 22)، ورواه ابن حبان في صحيحه (4593).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (2033) ح (135)، كتاب الأشربة.
وقوله تعالى: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} .
قرأ قراء الكوفة بالضم {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} . كأن التقدير قول الله: (أنا الحق وأقول الحق)، أو بتأويل قوله: لأملأن. أي فالحق أن أملأ جهنم منك.
في حين قرأها قرّاء المدينة والبصرة بالنصب (فالحقَّ والحقَّ أقول) بمعنى (حقًّا لأملأن جهنم والحق أقول) أو بالنصب على الإغراء والتقدير: (الزموا الحق واتبعوا الحق). والثانية لا اختلاف في نصبها بمعنى (أقول الحق). وكلا القراءتين السابقتين مشهورة عند القراء. فعن مجاهد في قوله {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} قال: (يقول الله: أنا الحقُّ، والحقَّ أقول) وفي رواية (الحق مني، وأقول الحق). وقال السدي: (قسم أقسم الله به). فقوله: (والحق أقول) جملة اعتراضية بين القسم والمقسم عليه، وهو توكيد القسم. {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} أي من نفسك وذريتك وممن تبعك من بني آدم وسار على طريقك، كما قال جل ثناؤه في سورة الحجر:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} ، وكقوله في سورة الإسراء:{قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} .
وقوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} . أي قل لقومك يا محمد: لست أبتغي بدعوتي مالًا أو أجرًا أو ثناءً أو دنيا أشارككم بها وأنافسكم عليها، شأن أصحاب الدعوات الأرضية والمتنافسين على الأغراض الدنيوية، وحب الرياسات والقصور والأموال وزينة الحياة الدنيا، بل كل ما أرجو بعملي وجه الله وأن يكلله بالقبول. {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} فقد أديت وبلغت ونصحت لكم دون زيادة أو نقصان، بل نقلت لكم الوحي كما نزل وأنذرتكم به بلا مبالغة أو رجحان.
قال النسفي رحمه الله: ({وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما عرفتموني قط متصنعًا ولا مدعيًا بما ليس عندي حتى أنتحل النبوة وأتقوّل القرآن).
قلت: والتكلف مذموم في كل شيء، والله يحب التواضع والصدق، اللهم إلا فيما رخّصَ فيه في الإصلاح وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. فقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان، وكذا الديلمي بسند حسن عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
[لا يتكلفن أحدُ لضيفه ما لا يقدر عليه](1). وفي رواية الحاكم عن سلمان رضي الله عنه قال: [نهى عن التكلف للضيف].
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: [يا أيها الناس! من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم. فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم. فإن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}](2). ورواه النسائي في كتاب العلم عن مسروق قال: [كنا عند عبد الله جلوسًا وهو مضطجع بيننا نراه، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصًّا عند أبواب كندة يزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس! اتقوا الله، من علم منكم شيئًا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيّه عليه السلام: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}].
وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} . يعني القرآن، فهو إنذار وذكر للجن والإنس وعنه يسألون في قبورهم وفى محشرهم. كقوله جل ثناؤه في سورة الأنعام:{وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ، وكقوله في سورة هود:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} .
وقوله تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} . أي: صدقه وحقيقته ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما أخبر به من الوحي وذكر الوعد والوعيد والنشور. فعن ابن زيد {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ} قال: (صدق هذا الحديث نبأ ما كذّبوا به. وقيل: نبأه حقيقة أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي). وفي قوله: {بَعْدَ حِينٍ} أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أي بعد الموت. فعن قتادة قوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} ، قال:(أي بعد الموت).
(1) حديث حسن. أخرجه الديلمي (4/ 2/ 197)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان"(1/ 56)، والخطيب في "التاريخ"(10/ 205). وانظر السلسلة الصحيحة (2440).
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (4821) - كتاب التفسير - سورة حم الدخان. وكذلك (4822)، ورواه مسلم، وبنحوه ابن جرير في "التفسير" - سورة المؤمنون - آية (76).
التأويل الثاني: أي عند الموت. فعن الحسن قال: (يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين).
التأويل الثالث: أي بعد الموت وقبله. قال الفراء: (بعد الموت وقبله). وقال القرطبي: (أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول {بَعْدَ حِينٍ} أي في المستأنف أي إذا أخذتكم سيوف المسلمين).
التأويل الرابع: أي يوم بدر. فعن السدي في قوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} قال: (يوم بدر).
التأويل الخامس: يوم القيامة. فعن ابن زيد قال: (يوم القيامة يعلمون نبأ ما كذّبوا به بعد حين من الدنيا وهو يوم القيامة وقرأ {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} قال: وهذا أيضًا الآخرة يستمرّ فيها الحق ويبطل الباطل). واختار هذا التأويل الحافظ ابن كثير.
قلت: ويبدو أن الآية عامة مطلقة، فلا حدّ للحين عند العرب، فمن المشركين من رأى صدق هذا الوحي وهذا النبي عند الموت، ومنهم من عاينه في الحياة الدنيا، ومنهم من أبصره يوم بدر فعلم ذلك لما لاقى الهلاك وسيوف الأصحاب الكرام، ومنهم من كلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في القليب بعدما جيّفوا فأسمعهم الله كلامِ نبيّه وهو يذكرهم ما كان يحذرهم منه، ومنهم من أبصره يوم فتح مكة، ومنهم من أُخِّر علمه بذلك إلى يوم القيامة يوم لا تنفع الندامة. واختار ابن جرير كون الآية مطلقة وذكر أثرًا عن عكرمة حيث يقول:(سُئلت عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين. فقلت: إن من الحين حينًا لا يُدرك ومن الحين حينٌ يُدرك، فالحين الذي لا يدرك قوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}، والحين الذي يُدرك قوله: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} وذلك من حين تُصرم النخلة إلى حين تُطْلِع وذلك ستة أشهر).
ولا شك أن هذه الآية الكريمة من المعجزات القرآنية، ومن الغيبيات التي لا يملك أحد الاطلاع عليها إلا الله، فإذا كشفها سبحانه لنبيّه لينذر بها قومه، فهذا من أعظم الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال القاسمي: ({وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} أي عند ظهور الإسلام وانتشاره، ودخول الناس فيه أفواجًا أفواجًا، من صحة خبره، وإنه الحق والصدق. وهذا من أجلّ
معجزات القرآن، لأنه من الغيوب التي ظهر مصداقها، إذ كان زمن الإخبار به زمن قلة من المؤمنين، وخوف من المشركين. فلم يمض ردح من الزمن حتى أبدل الله قلتهم كثرة، وضعفهم قوة، وخوفهم أمنًا، وكمونهم ظهورًا وانتشارًا. فصدق الله العظيم، وصدق نبيّه الكريم، وحقت كلمة الله على الكافرين، والحمد لله رب العالمين).
تم تفسير سورة "ص" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
* * *