الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ (543هـ - 606ه
ـ)
…
(1)
الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ (543 – 606?)
تَرْجَمته:
هُوَ مُحَمَّد بن عمر بن الْحُسَيْن القرشيُّ التيميُّ البكْريُّ الطبرستاني، أَبُو الْمَعَالِي، الْمَعْرُوف بفخر الدّين الرَّازِيّ. شبَّ الرَّازِيّ على طلب الْعلم؛ فَتلقى على أَبِيه، ثمَّ على أكَابِر أهل بَلَده، قبل أَن يقوم بعدة رحلات علمية استغرقت من عمره سِنِين طَوِيلَة. وتنقل بَين كثير من بلدان مَا وَرَاء النَّهر.. طَالبا، ثمَّ معلما. وَبَقِي على هَذِه الْحَالة من الِاشْتِغَال الدَّائِم بِالْعلمِ - مِمَّا أكسبه قدرا كَبِيرا من الْمجد والاحترام وَالتَّقْدِير، وَإِن لم يخلُ بطبيعة الْحَال من بعض الأحقاد من حاسديه - حَتَّى توفّي بهراة يَوْم عيد الْفطر، الِاثْنَيْنِ من سنة 606هـ. وَقيل: إِن الكرَّامية - أَشْرَس خصومه - سقوه السم، فَمَاتَ مِنْهُ بعد أَن كتب لأولاده وَصِيَّة مُؤثرَة، ضمَّنها خُلَاصَة تجربته، وابتهاله إِلَى الله سبحانه وتعالى فِي خشوعِ وسكينةِ الْمقبل عَلَيْهِ أَن يتَجَاوَز عَنهُ، ويتقبل مِنْهُ..
وَكَانَت ثقافة الرَّازِيّ موسوعية، كأتم مَا تكون الموسوعية! فقد برع فِي الْعُلُوم النقلية والعقلية والطبيعية جَمِيعًا. وصنف فِيهَا كلِّها تصانيف مفيدة، تجاوزت - على مَا ذكر ابْن السَّاعِي - مئتي مُصَنف. بَقِي مِنْهَا، مطبوعاً ومخطوطاً، قدر كَبِير يدلُّ على قامة الرَّازِيّ الباذخة فِي تَارِيخ الْمُسلمين العلمي.
وَفِي جملَة وَاحِدَة دَالَّة يصفه الدكتور محسن عبد الحميد بقوله:
((لَا أبالغ إِذا قلت: إِن الرَّازِيّ هُوَ أكبر مفكر إسلامي ظهر بعد الإِمَام الْغَزالِيّ.. غزارةَ علمٍ، وعمقَ تفكير)) (1) .
(1) انْظُر: الرَّازِيّ مفسِّراً (وَهِي رِسَالَة للدكتوراه) ، د. محسن عبد الحميد، دَار الْحُرِّيَّة للطباعة. بَغْدَاد، ط1 /1974 م، ص 13:33.. وَكَذَلِكَ: الرَّازِيّ من خلال تَفْسِيره (وَهِي رِسَالَة ماجستير) ، عبد الْعَزِيز المجذوب، الدَّار الْعَرَبيَّة للْكتاب - تونس، ط 2/ 1980م، ص 30: 42
تَفْسِيره، وعنايته بموضوع التناسب:
يعدُّ (مَفَاتِيح الْغَيْب) الْكتاب الْأَعْظَم للْإِمَام الرَّازِيّ، وَقد بَدَأَ كِتَابَته بعد إنجاز مُعظم كتبه، وانْتهى مِنْهُ قبل وَفَاته بسنوات قَليلَة، وَمن هُنَا يظْهر أَنه صنفه بعد أَن اكتملت أدواته، ونضج عقله، فحقَّ لَهُ أَن يَبْدُو فِي صُورَة الموسوعة الشاملة، الَّتِي جمعت - إِلَى جَانب التَّفْسِير - الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة، والأسرار الْعَقْلِيَّة، والمباحث اللُّغَوِيَّة، والدقائق الكلامية، والإشارات الفلسفية.. مِمَّا يَجْعَل قارئه ينْتَقل فِيهِ من فنٍّ إِلَى فنٍّ، وَمن دَائِرَة إِلَى أُخْرَى.. فِي ترابطٍ عَجِيب، وترتيب منطقي لافت (1) .
وَمَا يهمنا الْآن من تَفْسِير الرَّازِيّ الْجَامِع، هُوَ بَيَان اهتمامه الشَّديد بترتيب الْآيَات وتحليلها، وَبَيَان أَسبَاب مجيئها على هَذَا النَّحْو، وَالِاسْتِدْلَال بذلك على إعجاز الْقُرْآن الْمجِيد.. وَفِي ذَلِك يَقُول:((.. وَمن تَأمل فِي لطائف نظم هَذِه السُّورَة (سُورَة الْبَقَرَة) ، وَفِي بَدَائِع تركيبها، علم أَن الْقُرْآن كَمَا هُوَ معجز بِحَسب فصاحة أَلْفَاظه، وَشرف مَعَانِيه، فَهُوَ أَيْضا معجز بِحَسب ترتيبه ونظم آيَاته، وَلَعَلَّ الَّذين قَالُوا إِنَّه معجز بِحَسب أسلوبه أَرَادوا ذَلِك، إِلَّا أَنِّي رَأَيْت جُمْهُور المفسِّرين معرضين عَن هَذِه اللطائف، غير منتبهين لهَذِهِ الْأُمُور.. وَلَيْسَ الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا كَمَا قيل:
(1) انْظُر: الرَّازِيّ مُفَسرًا، ص 51: 86، فَفِيهِ عرض وافٍ وجيد للصورة الْعَامَّة لتفسير الرَّازِيّ، وللقضايا المتشابكة الَّتِي حواها، وللطريقة المميزة الَّتِي سلكها فِيهِ صَاحبه.
والنجمُ تستصغرُ الْأَبْصَار رُؤْيَته
…
والذنبُ للطَّرف لَا للنجم فِي الصغرِ
)) (1)
وَفِي بَيَان بعض عجائب هَذَا التَّرْتِيب الْحَكِيم يَقُول: ((اعْلَم أَن سنة الله فِي تَرْتِيب هَذَا الْكتاب الْكَرِيم وَقع على أحسن الْوُجُوه، وَهُوَ أَنه يذكر شَيْئا من الْأَحْكَام، ثمَّ يذكر عَقِيبه آيَات كَثِيرَة فِي الْوَعْد والوعيد، وَالتَّرْغِيب والترهيب، ويقرن بهَا آيَات دَالَّة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته.. ثمَّ يعود مرّة أُخْرَى إِلَى بَيَان الْأَحْكَام. وَهَذَا أحسن أَنْوَاع التَّرْتِيب، وأقربها إِلَى التَّأْثِير فِي الْقُلُوب لِأَن التَّكْلِيف بِالْأَعْمَالِ الشاقة لَا يَقع فِي موقع الْقبُول إِلَّا إِذا كَانَ مَقْرُونا بالوعد والوعيد، وَلَا يُؤثر فِي الْقلب إِلَّا عِنْد الْقطع بغاية كَمَال من صدر عَنهُ الْوَعْد والوعيد. فَظهر أَن هَذِه الترتيبات أحسن الترتيبات اللائقة)) (2) .
والرازي يحاول أَن يظْهر السُّورَة القرآنية من جِهَة، وَالْقُرْآن كُله - من جِهَة أُخْرَى - كوحدة متكاملة، وَفِي سَبِيل ذَلِك قد يرفض أَي شَيْء مِمَّا قد يُؤثر فِي نظرته الْكُلية إِلَى الْوحدَة القرآنية
…
كَأَن يرفض سَبَب نزُول مثلا نَقله الْمُفَسِّرُونَ، وَيرى هُوَ أَنه يَقْتَضِي وُرُود آياتٍ لَا يتَعَلَّق بَعْضهَا بِبَعْض، وَيُوجب أعظم أَنْوَاع الطعْن فِي الإعجاز القرآني.. وَذَلِكَ مثل كَلَامه حول قَوْله تَعَالَى:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (فصلت / 44)(3) .
كَمَا أَن الرَّازِيّ يهتم بِبَيَان حِكْمَة تَرْتِيب الْكَلِمَات فِي الْآيَة الْوَاحِدَة بِجَانِب تَرْتِيب الْآيَة فِي سياقها، لَا سِيمَا فِيمَا قد يدل ظَاهره على عدم مُرَاعَاة
(1) انْظُر: مَفَاتِيح الْغَيْب، فَخر الدّين الرَّازِيّ، تَصْوِير دَار الْكتب العلمية - طهران، 2/394
(2)
نفس الْمصدر، 11/62
(3)
انْظُر نفس الْمصدر: 27/133، وَكَذَلِكَ: الرَّازِيّ مُفَسرًا، 238، 239
التَّرْتِيب، وَمن ذَلِك كَلَامه على
قَوْله تَعَالَى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} (الْأَنْعَام / 84: 86) حَيْثُ قَالَ: ((فَإِن قيل: رِعَايَة التَّرْتِيب وَاجِبَة، وَالتَّرْتِيب إِمَّا أَن يعْتَبر بِحَسب الْفضل والدرجة، وَإِمَّا أَن يعْتَبر بِحَسب الزَّمَان والمدة، وَالتَّرْتِيب بِحَسب هذَيْن النَّوْعَيْنِ غير مُعْتَبر فِي هَذِه الْآيَة.. فَمَا السَّبَب؟ !
قلتُ: عِنْدِي فِيهِ وَجه من وُجُوه التَّرْتِيب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - خصَّ كل طَائِفَة من طوائف الْأَنْبِيَاء بنوعٍ من الْإِكْرَام وَالْفضل، ثمَّ بيَّن أَن كل مَجْمُوعَة من مجموعات الْآيَة تتصف بِصفة مُعينَة. وَلأَجل ذَلِك كَانَ ذكر الْأَنْبِيَاء
…
)) (1) .. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يعْتَبر قَضِيَّة التَّرْتِيب - دَاخل الْآيَة، ثمَّ بَين آيَات السُّورَة مجتمعة - أعظم وَجه من وُجُوه الإعجاز القرآني، يَنْبَغِي تدقيق النّظر فِيهِ.
هَذَا مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْجَانِب فِي تَفْسِير الرَّازِيّ بإيجاز بَالغ.
وَجُمْلَة القَوْل فِي ذَلِك أَن الرَّازِيّ - كَمَا يَقُول د. محسن عبد الحميد - أكمل مَا بدأه الزَّمَخْشَرِيّ من تطبيق مَنْهَج الشَّيْخ الإِمَام عبد القاهر الْجِرْجَانِيّ الْبَيَانِي، فِي إِدْرَاك مَوَاطِن الإعجاز، وَالْوُقُوف على دلائله، بل وَزَاد على الزَّمَخْشَرِيّ فِيمَا تكلم بِهِ فِي بعض الْأُمُور الَّتِي لم يستوعب الزَّمَخْشَرِيّ القَوْل فِيهَا، أَو لم يتَطَرَّق إِلَيْهَا أصلا، أعانته على ذَلِك عقلية فذة، وقدرة استنباطية فريدة، وذوق بلاغي رفيع، مِمَّا هيأ لَهُ إِضَافَة جَوَانِب مهمة على مَا بحث عُلَمَاء البلاغة
(1) الْمصدر السَّابِق، 13 / 65