المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تمهيد: مجتمعات العرب في الجاهلية وتفاوتها في الحضارة - مصادر الشعر الجاهلي

[ناصر الدين الأسد]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌تمهيد: مجتمعات العرب في الجاهلية وتفاوتها في الحضارة

- ‌الباب الأول: الكتابة في العصر الجاهلي

- ‌الفصل الأول: انتشار الكتابة بين العرب في العصر الجاهلي

- ‌نشأة الخطب العربي وتطوره

- ‌مدخل

- ‌النقط والشكل والإعجام:

- ‌تعلم الكتابة في الجاهلية وشيوعها:

- ‌الفصل الثاني: موضوعات الكتابة وأدواتها

- ‌موضوعات الكتابة في الجاهلية:

- ‌أدوات الكتابة في الجاهلية:

- ‌الباب الثاني: كتابة الشعر الجاهلي وتدوينه

- ‌الفصل الأول: كتابة الشعر الجاهلي

- ‌الفصل الثاني: تدوين الشعر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌الحديث والفقه

- ‌مدخل

- ‌التفسير:

- ‌المغازي والسيرة:

- ‌الباب الثالث: الرواية والسماع

- ‌الفصل الأول: اتصال الرواية من الجاهلية حتى القرن الثاني

- ‌الفصل الثاني: طبقات الرواة

- ‌الشعراء الرواة

- ‌ رواة القبيلة:

- ‌ رواة الشاعر:

- ‌ رواة مصلحون للشعر:

- ‌ رواة وضاعون:

- ‌ رواة علماء:

- ‌الفصل الثالث: الإسناد في الرواية الأدبية

- ‌بين الحديث والأدب:

- ‌الباب الرابع: الشك في الشعر الجاهلي-الوضع والنحل

- ‌الفصل الأول: المشكلة الهومرية

- ‌مدخل

- ‌المدارس التي عنيت بهومر:

- ‌الفصل الثاني: وضع الشعر الجاهلي ونحله عند الأقدمين

- ‌الفصل الثالث: النحل والوضع في الشعر الجاهلي-‌‌آراء المستشرقين

- ‌آراء المستشرقين

- ‌الفصل الرابع: النحل والوضع في الشعر الجاهلي-‌‌آراء العرب والمحدثين

- ‌آراء العرب والمحدثين

- ‌الفصل الخامس: توثيق الرواة وتضعيفهم

- ‌الباب الخامس: دواوين الشعر الجاهلي

- ‌الفصل الأول: الدواوين المفردة

- ‌مدخل

- ‌الضرب الأول: الروايات المختلفة المتداخلة:

- ‌الضرب الثاني: الروايات المجموعة

- ‌مدخل

- ‌قصائد امرئ القيس ومقطعاته مرتبة كما جاءت في رواية الأصمعي:

- ‌قصائد امرئ القيص ومقطعاته من رواية المفضل

- ‌قصائد زهير ومقطعاته مرتبة كما جاءت في رواية الأصمعي:

- ‌الفصل الثاني: دواوين القبائل

- ‌الفصل الثالث: المختارات

- ‌الفصل الرابع: الشعر الجاهلي في غير الدواوين

- ‌الخاتمة

- ‌خلاصة البحث

- ‌مصادر البحث ومراجعه

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الأماكن:

- ‌فهرس الشعر:

الفصل: ‌تمهيد: مجتمعات العرب في الجاهلية وتفاوتها في الحضارة

بسم الله الرحمن الرحيم

‌مقدمة:

صلتي بالشعر الجاهلي قديمة، ترجع إلى أكثر من عشرين سنة، أيام كنا نحفظ المعلقات. فاستهوتني كما لم يستهوني سائر الشعر الذي كنا نحفظه. ثم تدرجت في مراحل الدراسة، وزاد محفوظي من الشعر العربي على اختلاف عصوره، ولكن استهواء الشعر الجاهلي كان يزداد حتى ليطغى على غيره. وكان شعورًا ساذجًا غير معلل، وما كنت مستطيعًا تعليله ولو أردت.

ثم قرأت -قبيل دخولي الجامعة- كتاب الأستاذ الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي، ففتح أمامي آفاقًا فسيحة من التفكير، ودفعني إلى أن أنظر في هذا الشعر نظر المتسائل عن قيمته وصحته، وحملني على أن أستقصى الموضوع من جذوره، وأتتبعه من جميع أطرافه.

وصرت -كلما قطعت شوطًا في دراستي الجامعية- أستبين جوانب جديدة من قيمة العصر الجاهلي وشعره، وخطرهما في دراسة الأدب العربي في عصوره الإسلامية. فالعصر الجاهلي -في حساب الزمن- أول عصور التاريخ العربي، ونحن لا نستطيع أن نعرف قومنا في مراحل تطورهم، ومواطن انتشارهم، إذا لم نعرفهم في موطنهم الأصيل وفي عصرهم الأول. ثم إن الشعر الجاهلي هو الأصل الذي انبثق منه الشعر العربي في سائر عصوره، وهو الذي أرسى عمود الشعر، وثبت نظام القصيدة، وصاغ المعجم الشعري العربي عامة؛ ولست أفهم كيف نستطيع أن نحكم على ما في شعر العصور الإسلامية من تطور وتجديد إذا لم نصل من أمر الشعر الجاهلي إلى مفصل نطمئن عنده.

ص: 1

ثم إن في هذا الشعر الجاهلي وفرة من القيم الفنية الأصيلة لم يحظ بها كثير من الشعر العربي بعده: ففيه من خصب الشعور، ودقة الحس، وصدق الفن، وصفاء التعبير، وأصالة الطبع، وقوة الحياة، ما يجعله أصفى تعبير عن نفس العربي، وأصدق مصدر لدراسة حياته وحياة قومه من حوله.

من أجل ذلك كله عزمت، حين أنهيت دراستي الجامعية الأولى، على مواصلة بحث الشعر الجاهلي ودراسته. فقضيت أربع سنوات أبحث فيها بعض هذا الشعر، وبعض ما كتبه القدماء والمحدثون عنه وعن العصر الجاهلي عامة، وخرجت من هذه الدراسة برسالتي الأولى لدرجة "الماجستير" عن "القيان وأثرهن في الشعر العربي في العصر الجاهلي". ومع ما بذلت من جهد، وأنفقت من وقت، وحققه البحث من نتائج، فقد كنت أحس أنني أسير في طريق لا أكاد أستبين فيها مواطئ قدمي، وأن عليَّ أن أعود أدراجي، ثم أبدأ بداية جديدة لا أخطو فيها خطوة إلا بعد تثبت وتيقن.

وعدت، وبدأت الطريق من أوله، وقضيت أربع سنوات أخرى، خرجت منها بهذا البحث لدرجة "الدكتوراه"، وأنا مقتنع بأن هذا الموضوع الذي أبحثه هو الخطوة الأولى الصحيحة التي تسبق كل خطوة غيرها -في سبيل دراسة الشعر؛ وأن بحث هذا الشعر بحثًا مجديًا لا يتم إلا عن طريق دراسة خارجية أولًا، تعنَى بمصادره جملة في مجموعها، وتبحث رواية هذه المصادر وتسلسلها، ورواتها ومدى الثقة بهم، ثم تتتبع المصادر الأولى التي استقى منها أولئك الرواة، خطوة خطوة، حتى تصل بين هؤلاء الرواة والشاعر الجاهلي نفسه. وكل دراسة قبل هذه إنما هي تجاوز عن الأصل الأول الذي لا بد من البدء به، وأحسب أن كثيرًا من الخطإ الذي وقع فيه من ضعفوا وسيلة حفظ هذا التراث الخالد، ووهنوا طريقة نقله وروايته، إنما أتوا من هذا التجاوز والإغفال لنقطة البدء الصحيحة.

ص: 2

وقد بذلت أقصى الجهد في أن أنهج نهجًا علميًّا خالصًا: لا أميل مع هوى، ولا أتعصب لرأي، ولا أعتسف الطريق من أمامي اعتسافًا. بل لعل من الصواب أن أذكر أني، حين دخلت في الموضوع، لم يكن يحفزني إلا الموضوع نفسه؛ ولم يكن نصب عيني غاية بذاتها أتوخاها وأرمي إلى إقامة الدليل عليها، غير الغاية المجردة التي سينتهي إليها البحث الموضوعي وحده؛ فقد كان قلبي مع هذا الشعر حين كنت أقرؤه، وكان عقلي عليه حين كنت أقرأ عنه، فأردت أن أصل إلى يقين يجتمع عنده اقتناع العقل واطمئنان القلب معًا. ولم يكن أمامي سبيل لذلك إلا أن آخذ نفسي بتحري المنهج العلمي الدقيق، والتزام حدوده التزامًا لا ترخص فيه:

فشرعت أقرأ، والغموض يحيط بي، والحيرة تأخذني من كل جانب. وقضيت نحو ثلاثة سنوات لا أكتب في الموضوع شيئًا غير ما كنت أدونه في جزازات متفرقة من نصوص وأخبار وروايات، تتصل بالموضوع في صميمه، أو تدور عليه من حوله. وكنت كلما قطعت شوطًا اتضح لي جانب، فأضطر أحيانًا إلى أن أقرأ مرة أخرى بعض ما كنت قرأت، لأسجل منه -على ضوء فهمي الجديد- بعض ما كنت أغفلت. ولم أبدأ الكتابة إلا بعد أن جمعت من النصوص ما أتاح لي تمثل الموضوع تمثلًا كاملًا أو مقاربًا.

ثم عدت إلى النصوص: أستكمل جمعها وتقييدها، وأرتبها في مجموعات، ينتظم كل مجموعة منها موضوع واحد، وتلتقي الموضوعات في فصول، والفصول في أبواب. ثم مضيت أفحص هذه النصوص، وأدرسها دراسة دقيقة: تقوم على استقراء النص واستنطاقه، واستشفاف دلالاته، في حدود ألفاظه ومراميه، من غير تحميل له فوق ما يحتمل، ولا توجيهه وجهة بعينها لا تتضمنها ألفاظه.

ولم أكن أكتفي بوجه واحد من الأمر حين يكون له وجهان أو وجوه، وإنما كنت أعرض كل وجه، وأقلبه على جوانبه، وأستوفي أدلته وشواهده، ثم أقابل بين هذه الوجوه المختلفة وأناقشها، وأنتهي إلى ترجيح واحد منها حين يتيسر الترجيح.

ص: 3

وإذا كانت نتائج البحث الأدبي والتاريخي عامة تعتمد -في أغلبها- على الروايات والأخبار والنصوص، فإن من الطبيعي أن تجيء نتائج ظنية ترجيحية؛ لا سبيل إلى الوصول إليها إلا بجمع هذه الروايات والأخبار والنصوص، واستقصائها، ودراستها دراسة قوامها: مقابلة بعضها ببعض، ومناقشتها، ونقد إسنادها ومتنها، بحيث ينتهي كل ذلك إلى تغليب نص على آخر، أو ترجيح رواية على غيرها، أو تفضيل خبر على سائر الأخبار. ولا سبيل في مثل هذه الأبحاث إلى اليقين القاطع، والقول الفصل، اللذين لا يتوافران إلا في العلم التجريبي وحده، حين يستطيع المرء، في معمله أو مختبره، أن يعيد التجربة عمليًّا ليقيم البرهان على صحة ما يذهب إليه. ومن أجل ذلك تجنبت أن ألقي الأحكام إلقاءً عامًّا قاطعًا، وإنما سقتها في صيغ ترجيحية غالبة.

ومع هذا كله، ففي البحث حماسة أحيانًا، وإلحاح على مسائل بعينها أحيانًا أخرى؛ ولكن ذلك كله إنما هو نتيجة طبيعية لاحقة، وليس مقدمة مفتعلة سابقة. فإن من الطبيعي، في المنهج العلمي نفسه، أن يندفع الباحث -في غير مغالاة ولا إسراف- في حماسته لبحثه وآرائه، بعد أن يكون قد وصل -عن طريق هذا المنهج العلمي- إلى أدلة يقتنع بصوابها، وحجج يطمئن إلى سلامتها، فيؤكدها كلما سنحت له فرصة للتأكيد، ويلح عليها كما أمكنه الإلحاح. وأحسب أن الفرق واضح بين الحماسة البصيرة للرأي حين يصل إليه المرء بعد بحث وتحر وتحقيق، وبين التعصب الأهوج للفكرة التي يدخل المرء بها في بحثه ابتداءً. فالحماسة الأولى من أمارات الحياة السليمة في البحث والباحث، والتعصب الثاني من علامات عجز الفكر وضيق الأفق. ومن هنا أرجو ألا أبعد عن الحق حين أقول: إن كل رأي في هذا الكتاب قد قامت من بين يديه وفرة من النصوص قادت إليه وانتهت به؛ وأن النص هو الذي وجه البحث إلى ما فيه من آراء، وليست الآراء هي التي وجهت البحث إلى النصوص: يجتلبها، ويقتنصها، ويستكثر منها، ويقسرها قسرًا لما يريد.

ص: 4

والباحث في العصر الجاهلي يلقي عناء كبيرًا من مصادر بحثه، وذلك لأن الحديث عن الجاهلية -في المصادر العربية- لم يكن يُقصد لذاته: فتسبر أغواره ويلم شتاته؛ وإنما كان يقصد لغيره من موضوعات العصور الإسلامية التي كان المؤلفون يكتبون فيها، فيستطردون للحديث عن الجاهلية: للتمثيل والاستشهاد، أو للمقابلة والموازنة، أو للوعظ والإنذار، أو للتمهيد بين يدي حديثهم الأصيل تمهيدًا موجزًا يدخلون منه إلى الحديث عما يقصدون. فيكاد يكون حديثهم عن الجاهلية حديثًا عابرًا، منثورًا نثرًا متباعدًا في تضاعيف كتبهم وثنايا رسائلهم. ومن هنا كان لا بد للباحث في العصر الجاهلي من أن يقرأ الكتاب العربي قراءة متمعنة دقيقة، يجرده فيها جردًا كاملًا من عنوانه حتى ختامه، لا يغنيه عن ذلك تبويب الكتاب، ولا هذه الفهارس الدقيقة الشاملة التي يصنعها المحدثون للطبعات الحديثة من تلك الكتب القديمة. وقد يقرأ الدارس الكتاب ثم لا يخرج منه بشيء، أو يخرج بخبر أو خبرين لعله كان قد استخرجهما من كتاب غيره، فلا يضيفان إليه جديدًا.

ولا يقف بحثنا عند حدود الجاهلية، وإنما يتجاوزها حتى يشمل القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وذلك لأننا ندرس الشعر الجاهلي في الجاهلية نفسها، ثم نتتبعه خلال هذه القرون حتى نصل به إلى مرحلة التدوين العلمي عند رجال الطبقة الأولى من الرواة العلماء، ثم تلاميذهم من رجال الطبقة الثانية والثالثة.

ومن أجل ذلك اقتضى هذا البحث دراسة تلك القرون، والرجوع إلى مصادرها، بالإضافة إلى دراسة الجاهلية نفسها.

وقد ألحقنا بآخر هذا البحث جريدة مفصلة فيها أسماء المؤلفين مرتبةً على حروف المعجم، وسنوات وفياتهم، وأسماء كتبهم وطبعاتها التي رجعنا إليها.

أما أساتذتي الدكتور شوقي ضيف المشرف على هذا البحث، والدكتور إبراهيم سلامة، والأستاذ مصطفى السقا، والدكتور عبد اللطيف حمزة، والأستاذ السباعي بيومي، أعضاء لجنة المناقشة - فلهم الشكر صادقًا كفاء

ص: 5

ما أنفقوا من وقت في قراءة هذا البحث، ومن جهد في مناقشة صاحبه، وكفاء ما حبوني به من رعاية وتشجيع، وأسبغوه على البحث من ثناء وتقدير.

أما أخي الصديق الأستاذ محمود محمد شاكر فإن فضله لا يقتصر على هذا البحث وحده، فلطالما اغترفت من علمه، وأفدت من مكتبته، وانتفعت بنصحه وتوجيهه؛ وما أكثر ما كان ينفق من وقت يناقش معي فيه بعض وجوه الرأي ويبصرني بما لم أكن لأصل إليه لولا غزير علمه وسديد نصحه.

ولقد كان له أكبر الفضل -بإخائه وعونه الكريم- في حثِّي على مواصلة العمل، وفي إخراج هذا البحث في كتاب يتداوله القراء.

وبعد:

فإن هذا البحث -كما ذكرت- هو الخطوة الأولى في سبيل دراسة هذا الموضوع، وأرجو أن تتلوها خطوات، تكمل ما فيه من نقص، وتقوم ما قد يكون فيه من عوج، وحسب هذا البحث أنه شق الطريق، وألقى فيها من المعالم ما يهدي السالكين، وحسبي منه أني أخلصت النية، وبذلت أقصى الجهد. ومن الله الهداية وبه التوفيق.

ناصر الدين الأسد

ص: 6

فهرست الموضوعات:

مقدمة:

فهرست الموضوعات:

تمهيد: مجتمعات العرب في الجاهلية وتفاوتها في الحضارة

عوامل الوحدة والتنوع في الوطن العربي - القبيلة العربية - الأعراب - الطبقات الاجتماعية في الجاهلية - الحضارة العربية الجاهلية: معناها، عوامل إنشائها، آثارها، سبل اتصال العرب بغيرهم من الأمم.... 1-19

الباب الأول

الكتابة في العصر الجاهلي

الفصل الأول: انتشار الكتابة بين العرب في العصر الجاهلي نشأة الخط العربي وتطوره - النقط والشكل والإعجام - تعليم الكتابة في الجاهلية وشيوعها - تجهيل الجاهلية - معنى الأميين - معرفة الجاهليين بضروب من العلم - المدارس والمعلمون في الجاهلية - كتاب رسول الله - الكامل في الجاهلية - تعلم اللغات الأخرى - نساء كاتبات في الجاهلية - آيات وأحاديث عن الكتابة..... 23-58

الفصل الثاني: موضوعات الكتابة وأدواتها

موضوعات الكتابة في الجاهلية: معنى شيوع الكتابة بين عرب الجاهلية - كتابة الكتب الدينية - العهود والمواثيق

ص: 7

والأحلاف - صكوك الدين - الرسائل - مكاتبة الرقيق - موضوعات أخرى فرعية - أدوات الكتابة في الجاهلية:

الجلد، المهارق، أنواع النبات، العظام، الحجارة، الورق - أسماء المواد التي يكتب عليها - المواد التي يكتب بها: القلم، الدواة والمداد - وصف الخط في الجاهلية 59-103

الباب الثاني

كتابة الشعر الجاهلي وتدوينه

الفصل الأول: تقييد الشعر الجاهلي

التقييد والتدوين - أدلة عقلية استنباطية على تقييد الشعر الجاهلي: قيمة الشعر للقبيلة وللممدوحين، قيمته للشاعر نفسه، بعض الشعراء الكتاب، الشعر الحولي المحكك، ذكر الكتابة وصورها وأدواتها في الشعر الجاهلي - أدلة صريحة مباشرة: نصوص وأخبار

107-133

الفصل الثاني: تدوين الشعر الجاهلي

نشأة التدوين العام عند العرب وأوائل المؤلفات - كثرة الصحف وشيوعها - الصورة اللغوية للتدوين في صدر الإسلام - تدوين الحديث والفقه - تدوين التفسير - تدوين المغازي والسيرة - تدوين الشعر الجاهلي ضمن هذه الموضوعات - إفراد الشعر الجاهلي بالتدوين: أبو عمرو بن العلاء، حماد الراوية؛ نصوص على تدوين الشعر الجاهلي، معنى كتاب القبيلة، كتب الحكم والأمثال،

ص: 8

المعلقات: مناقشة عامة - اعتماد الطبقة الأولى من الرواة العلماء على مدونات الشعر الجاهلي وأخذهم منها: نصوص، التصحيف معناه ودلالته - سبب إغفال هؤلاء العلماء ذكر الصحف المدونة التي أخذوا منها - معنى الرواية - معنى السماع...... 134-184

الباب الثالث

الرواية والسماع

الفصل الأولى: اتصال الرواية من الجاهلية حتى القرن الثاني معنى الرواية والراوية وتطورهما اللغوي - عمل الرواة، تدوينهم الشعر - تعقيب ابن سلام على قول لعمر بن الخطاب: مناقشة عامة - رواية الشعر الجاهلي زمن بني أمية - روايته زمن رسول الله والخلفاء الراشدين - روايته في العصر الجاهلي نفسه - النسابون ورواية الشعر الجاهلي. 188-221

الفصل الثاني: طبقات الرواة

الشعراء الرواة - رواة القبيلة - رواة الشاعر - رواة مصلحون للشعر - رواة وضاعون - رواة علماء: الفرق بين الراوية والراوية العالم..... 222-254

الفصل الثالث: الإسناد في الرواية الأدبية

الإسناد بين الحديث والأدب - أخبار ذات إسناد متصل أو منقطع إلى الجاهلية - المعمرون وإسناد الرواية - إغفال الأسانيد - معنى الإسناد في الرواية الأدبية.. 255-283

ص: 9

المعلقات: مناقشة عامة - اعتماد الطبقة الأولى من الرواة العلماء على مدونات الشعر الجاهلي وأخذهم منها: نصوص، التصحيف معناه ودلالته - سبب إغفال هؤلاء العلماء ذكر الصحف المدونة التي أخذوا منها - معنى الرواية - معنى السماع...... 134-184

الباب الثالث

الرواية والسماع

الفصل الأولى: اتصال الرواية من الجاهلية حتى القرن الثاني معنى الرواية والراوية وتطورهما اللغوي - عمل الرواة، تدوينهم الشعر - تعقيب ابن سلام على قول لعمر بن الخطاب: مناقشة عامة - رواية الشعر الجاهلي زمن بني أمية - روايته زمن رسول الله والخلفاء الراشدين - روايته في العصر الجاهلي نفسه - النسابون ورواية الشعر الجاهلي. 188-221

الفصل الثاني: طبقات الرواة

الشعراء الرواة - رواة القبيلة - رواة الشاعر - رواة مصلحون للشعر - رواة وضاعون - رواة علماء: الفرق بين الراوية والراوية العالم..... 222-254

الفصل الثالث: الإسناد في الرواية الأدبية

الإسناد بين الحديث والأدب - أخبار ذات إسناد متصل أو منقطع إلى الجاهلية - المعمرون وإسناد الرواية - إغفال الأسانيد - معنى الإسناد في الرواية الأدبية.. 255-283

ص: 10

الباب الرابع

الشك في الشعر الجاهلي

"الوضع والنحل"

الفصل الأول: المشكلة الهومرية

دراسة مقارنة: المشكلة الهومرية - وجوه الشبه بين الشعر الجاهلي والشعر الهومري - ناظم الإلياذة والأوديسة - وسيلة حفظ الشعر الهومري - المدارس التي عنيت بهومر. 287-320

الفصل الثاني: وضع الشعر الجاهلي ونحله - عند الأقدمين الوضع والنحل والانتحال ظواهر أدبية عامة - في النسب - في الحديث - في الشعر الجاهلي منذ الجاهلية وصدر الإسلام - تنبه العلماء القدامى للوضع والنحل: نصوص وأخبار - ابن هشام في السيرة - ابن سلام في طبقات فحول الشعراء...... 321-351

الفصل الثالث: النحل والوضع في الشعر الجاهلي - آراء المستشرقين

مرجوليوث: عرض مفصل لآرائه واستدلالاته - شارلس جيمس ليال وردوده على مرجوليوث - جورجيو ليفى دلافيدا ورأيه في الموضوع.... 352-376

ص: 11

الفصل الرابع: النحل والوضع في الشعر الجاهلي - آراء العرب المحدثين

مصطفى صادق الرافعي - الدكتور طه حسين: عرض مفصل لآرائه واستدلالاته - الذين ألفوا كتبًا في الرد على الدكتور طه حسين: عرض مفصل لهذه الردود. 377-428

الفصل الخامس: توثيق الرواة وتضعيفهم

مدرستا البصرة والكوفة: في الحديث والفقه، في اللغة، في الشعر - منهجا المدرستين ومصادرهما، والخلاف بينهما - الروايات والأخبار التي توثق حمادًا الراوية وخلفًا الأحمر والتي تضعفهما: عرضها ومناقشتها - الأصمعي - ضروب الشعر الجاهلي من حيث الصحة والنحل - مقاييس العلماء القدامى للحكم على الشعر الجاهلي - معنى النحل.. 429-478

الباب الخامس

دواوين الشعر الجاهلي

الفصل الأول: الدواوين المفردة

بحث عام - ديوان امرئ القيس: أصول رواياته وأنواعها، نسخه المختلفة، قيمة هذه الروايات والنسخ - مقياس حديث لمعرفة الشعر الصحيح من غيره - قصائد امرئ القيس ومقطعاته من رواية الأصمعي ومقارنتها بالروايات الأخرى - رواية المفضل - ديوان زهير بن أبي سلمى: أصول رواياته وأنواعها، نسخه المختلفة، قيمة هذه

ص: 12

الروايات والنسخ - قصائده ومقطعاته من رواية الأصمعي ومقارنتها بالروايات الأخرى.... 481-542

الفصل الثاني: دواوين القبائل

بحث عام: دواوين القبائل التي ذكرتها المصادر العربية وصانعوها، وما بقي منها، معنى ديوان القبيلة، متى بدأ تدوين دواوين القبائل - ديوان هذيل: عدد من فيه من الشعراء وأبيات الشعر ومدى النقص فيه، أصول رواياته وأنواعها، طبعاته ونسخها، قيمة هذه الروايات والنسخ 543-572

الفصل الثالث: المختارات

المفضليات: روايتها، تحقيق عدد قصائدها - الأصمعيات روايتها والإسناد فيها، تحقيق ما ذكره ابن النديم عنها - حماسة أبي تمام: مصادرها، روايتها - جمهورة أشعار العرب: نسبتها، التعريف بصاحبها، روايتها - قيمة كتب المختارات في تاريخ الرواية الأدبية

573-591

الفصل الرابع: الشعر الجاهلي في غير الدواوين

كتب النحو: كتاب سيبويه - كتب اللغة: إصلاح المنطق وتهذيب الألفاظ - كتب السيرة والتاريخ: ابن هشام وسيرة ابن إسحاق - كتب الأدب العامة: البيان والتبيين، الحيوان - رواية الشعر الجاهلي وإسنادها في هذه الكتب - قيمة الشعر الجاهلي المتضمن فيها. 592-614

الخاتمة: خلاصة البحث 617

المصادر والمراجع 637

الفهارس العامة 653

ص: 13

‌تمهيد: مجتمعات العرب في الجاهلية وتفاوتها في الحضارة

-1-

موطن العرب، في جاهليتهم، يمتد في رقعة من الأرض واسعة1، ذات بقاع متباينة، تختلف بيئاتها الطبيعية اختلافًا يكاد يجعل منها مواطن متعددة وإن كانت، مع ذلك، وطنًا واحدًا متماسكًا. فما بين البحر الهندي في أقصى الجنوب إلى ما بعد دمشق في أقصى الشمال، وما بين بحر فارس ونهري دجلة والفرات في الشرق إلى البحر الأحمر بل إلى نهر النيل في الغرب2، كانت تسيح

1 "ليس في خريطة الأرض شبه جزيرة تضاهيها حجمًا، فهي أكبر من شبه جزيرة الهند، ومساحتها ثمانية أضعاف الجزر البريطانية، وأربعة أضعاف فرنسا

" تاريخ العرب "مطول" لحتى وجرجي وجبور 1: 15. "وهي تعادل ربع أوربا أو ثلث الولايات المتحدة مساحة

"

المرجع السابق ص1.

2 تحديد البلاد التي سكنها العرب ليس بالأمر اليسير المتفق عليه، وإنما يحتاج إلى تحديد المراد بلفظ العرب أولًا وإلى تحديد الزمان الذي تدور فيه أحداث البحث ثانيًا:

أ- كان الفراعنة والآشوريون والفينيقيون يقصدون بالعرب أهل البادية في البقعة الممتدة بين الفرات في الشرق والنيل في الغرب، ويدخلون فيها -عدا بادية العراق والشام وشبه جزيرة سيناء- صحراء مصر الشرقية ما بين وادي النيل والبحر الأحمر. وقد كانت بلاد العرب في عصر جيولوجي مبكر متصلة في جنوبها عند اليمن بإفريقية عدا اتصالها بها في شمالها، فكان البحر الأحمر آنذاك بحيرة داخلية، "انظر: 11

De lacy o'Leary، Arabia Before Mohammad، 1927، p".

وكان بذلك نهر النيل هو الحد الغربي لبلاد العرب.

ب- وكان اليونان القدماء يعدون جنوبي جزيرة العرب بين خليج فارس والبحر الأحمر من الحبشة، فيجعلون الحبشة واليمن وضفاف خليج فارس إقليمًا واحدًا يسمونه "إثيوبيا آسيا". ثم أطلق اليونان في عهد البطالسة على الجزيرة كلها اسم بلاد العرب، وقسموها ثلاثة أقسام: البادية =

ص: 1

هذه الأمة العريقة: في الأغوار والأنجاد، وفي السهول وفوق قنن الجبال، وفي أجواف الصحاري وعلى سواحل البحار، وكان لا بد لهذه الرقعة المترامية الأطراف، المتباعدة الأقطار، من أن يختلف مناخها كما اختلفت طبيعة أرضها: ففيها شواظ من لهيب الحر يشوي الوجوه، وسموم تلوح الأبدان؛ وفيها ثلوج تكلل الجبال، وصقيع يجمد الدم في أطراف الأحياء ويقفع الجلود1؛ وفيها ما بين

= Arabia Deserta، والحجرية Arabia petra، والسعيدة. Arabia felix

جـ- وأما جغرافيو العرب فهم يقصدون ببلاد العرب الجزيرة العربية كلها، ويدخلون فيها بادية سيناء وبلاد الشام جميعها وجزءًا من العراق؛ فيحددها الهمداني بقوله: "جنوبيها اليمن، وشماليها الشام، وغربيها شرم أيلة وما طردته من السواحل إلى القلزم وفسطاط مصر، وشرقيها عمان إلى البحرين وكاظمة والبصرة، وموسطها الحجاز وأرض نجد والعروض. وتسمى جزيرة العرب؛ لأن اللسان العربي في كلها شائع وإن تفاضل

" "صفة جزيرة العرب ص1". ويفصل يقوت القول عند كلامه على تحديدها تفصيلًا نذكر مبتدأه ومنتهاه قال: "قد اختلف في تحديدها، وأحسن ما قيل فيها ما ذكره أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب مسندًا إلى ابن عباس، قال: اقتسمت العرب جزيرتها على خمسة أقسام؛ قال: وإنما سميت بلاد العرب جزيرة لإحاطة الأنهار والبحار بها من جميع أقطارها وأطرافها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر. وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين، ثم انحط على أطراف الجزيرة وسواد العراق حتى وقع في البحر في ناحية البصرة والأبلة

ثم ساحل الطور وخليج أيلة وساحل راية حتى بلغ قلزم مصر وخالط بلادها، وأقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان مستطيلًا معارضًا للبحر معه حتى دفع في بحر مصر والشام، ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها وأتى صور ساحل الأردن وعلى بيروت وذواتها من سواحل دمشق ثم نفذ إلى سواحل حمص وسواحل قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق" "معجم البلدان، جزيرة العرب".

وبلاد العرب في هذا البحث هي الجزيرة العربية التي يحدها من الغرب البحر الأحمر، ومن الجنوب البحر العربي، ومن الشرق خليج فارس، وتمتد في الشمال حتى تشمل هذه البقاع التي قامت فيها دولات عربية كالمناذرة في الحيرة، والغساسنة في الشام ومن قبلهم الأنباط في بترا وتدمر.

1 يبلغ ارتفاع أعالي الجبال في اليمن أكثر من اثني عشر ألف قدم، ونحو عشرة آلاف قدم في كل من مدين وجبال السراة في الحجاز والجبل الأخضر في عمان. بل إن في نجد -وهي هضبة متوسط ارتفاعها 2500 قدم- جبلًا يبلغ ارتفاعه 5550 قدمًا وهو جبل أجأ "انظر تاريخ العرب، مطول 1: 16". وقد ذكر عرام بن الأصبغ السلمي في كتابه "أسماء جبال تهامة وسكانها" بعض هذه الجبال الشاهقة، وأشار إلى ارتفاعها وذهابها في السماء، من ذلك قوله عن جبل ورقان:"جبل أسود عظيم كأعظم ما يكون من الجبال""ص15" وقال عن جبل آرة "جبل من أشمخ ما يكون""ص19". وقال عن جبل شمنصير: "جبل ململم لم يعله أحد قط ولا درى ما على ذروته""ص26". وقال عن جبلي يسوم وفرقد "لا يكاد أحد يرتقيهما إلا بعد جهد""ص41" وقد كان الماء يجمد على بعض قمم الجبال وذلك مثل جبل صنعاء وجبل غزوان بجوار الطائف "انظر الهمداني: الإكليل ص9، والإصطخري: مسالك الممالك ص19". "ومكثوا سنة جرداء، وسموها سنة الجمود لجمود الرياح فيها""الهمداني: صفة جزيرة العرب ص214". وكانت الثلوج تسقط على جبل حضور الشيخ في اليمن في شتاء كل عام تقريبًا، وأما الصقيع فهو أكثر من ذلك شيوعًا "انظر تاريخ العرب، مطول 1: 21".

ص: 2

هذا وذاك مناخ معتدل فيه دفء لا يغلو فيصبح حرًّا، ولا يقصر فيصبح بردًا

وفيها مع ذلك أمطار غزار تناسب أنهارًا وجداول1، تقوم على حفافيها مدن

1 كانت الأمطار في جزيرة العرب في العصر الجاهلي غزيرة غزارة لا تعرفها الجزيرة الآن، ولغزارة الأمطار في الجاهلية آيات: أولاها -وهي أهمها في نظرنا- ما يحفل به الشعر الجاهلي من وصف السيول الدافقة، وذلك أكثر من أن يشار إليه. وثانيتها: كثرة الأودية ومسايل المياه التي تشاهد في الجزيرة -ليومنا هذا- غائرة غائضة. وقد عقد الهمداني فصلًا عن أودية السراة ومسايل المياه فيها في صفة جزيرة العرب "من ص71 إلى 78" حيث يفصل القول فيها تفصيلًا ويعد منها شيئًا كثيرًا، وانظر كذلك ص214 وما بعدها. وثالثة هذه الآيات ما يذهب إليه بعض العلماء في قولهم:"وكانت الرياح الغربية التي تروي غيومها الآن مرتفعات سورية وفلسطين تصل في الأزمنة الغابرة إلى الجزيرة قبل أن تفقد هذه الغيوم رطوبتها""تاريخ العرب، مطول 1: 15".

والعلماء هؤلاء يشيرون إلى أن ذلك كان في عصور جيولوجية سحيقة في القدم، ولكن ما ذكرناه من أمر الشعر الجاهلي دال على أن ذلك كان مألوفًا في العصر الجاهلي الأخير. ومما يؤيد ذلك أن ديودوروس الصقلي -في القرن الأول قبل الميلاد- يذكر أن بلاد العرب التي تقع في الشمال من العربية السعيدة وتمتد حتى تجاور سورية "يتخللها كثير من الأنهار ويهطل عليها مطر غزير في الصيف فيكون لسكانها بذلك موسمان زراعيان في السنة الواحدة" "انظر: Diodorus Siculus، London، Book 2، p.54"

وقد ذكر عرام السلمي أسماء كثير من القرى الزراعية وأنواع فواكهها وثمارها وأشار إلى كثرة مائها، من ذلك قوله عن جبلي رضوى وعزور:"في الجبلين جميعًا مياه أوشال، والوشل: ماء يخرج من شاهقة لا يطورها أحد ولا يعرف منفجرها.. ويصب الجبلان في وادي غيقة، وغيقة تصب في البحر، ولها مسك: وهي مواضع تمسك الماء، واحدها مساك""ص6" ويذكر "ينبع" فيقول: "قرية كبيرة غناء

فيها عيون عذاب غزيرة الماء وواديها يليل يصب في غيقة

وفي يليل هذه عين كبيرة تخرج من جوف رمل من أعذب ما يكون من العيون وأكثرها ماء

" "ص8، 9" ويذكر "الصفراء" فيقول:"قرية كثيرة النخل والمزارع وماؤها عيون كلها، وهي فوق ينبع مما يلي المدينة، وماؤها يجري إلى ينبع""ص8" ويذكر قرية السوارقية وفواكهها فيقول: "قرية غناء كثيرة الأهل.. ولهم مزارع ونخيل كثيرة وفواكه وموز وتين ورمان وعنب وسفرجل وخوخ..""ص65".

وهو يذكر كثرة المطر فيقول: "وغدير خم هذا.. لا يفارقه ماء أبدًا من ماء المطر""ص33" ويذكر الآبار التي في بعض الجبال فيقول عن مائها إنه "ماء سماء لا تنقطع هذه المياه لكثرة ما يجتمع فيها""ص54".

بل إن هذه الأمطار ما زالت إلى يومنا هذا تهطل على الصحاري نفسها -بله السهول والجبال- كصحاري النفود والربع الخالي حتى إنها لتغطيها "ببساط من الخضرة يحولها إلى جنة للإبل والأغنام"، "وتغنى الأرض بالمراعي""انظر تاريخ العرب، مطول 1: 17" وانظر كذلك ص20، 21 ففيهما وصف للخصب والخضرة في هضبة نجد وفي الحجاز وعير واليمن في أيامنا هذه.

ص: 3

وقرى، وتهتز الأرض فتخرج من ثمرها وبقلها وفاكهتها ما شاء لها الله؛ ويكون من كل ذلك تلك الحضارة الزراعية التي عرفها التاريخ في العرب والأمم الأخرى ذات طابع واضح ومعالم مميزة. وقد تضن الطبيعة بمائها فلا تكاد ترسله إلا بمقدار، ثم تمسك إمساك الشحيح يندم على ما بسط من يده؛ فيكون من هذا الرذاذ الهين اللين سهوب ومراع ينتجعها قطان الصحاري بأنعامهم يلتمسون الكلأ، ثم لا تكاد تطمئن بهم النوى حتى تقتلعهم اقتلاعًا، وتقذفهم إلى مرعى جديد يكون أوفر حظًّا وأوفى نصيبًا. فتنشأ من ذلك طبقة اجتماعية عرفها التاريخ كذلك في سيره الطويل بطابعها الواضح ومعالمها المميزة.

وهذه الصحراء العربية يضيق جوفها عن أن يمد لقطانها من أسباب العيش غير ما كان يعيش عليه رجل الغابة الأول: يتنكب قوسه ويعلق كنانته، أو يحمل رمحه ويتقلد سيفه، ثم يضرب في الأرض باحثًا عن قوته بين حيوان الصحراء، وقد يؤوب بصيد سمين وقد يكون هو الصيد، أو قد يفوته ما أمل، فلا يجد له بدًّا من أن يجعل هدفه أخًا له يفتك به ويجرده مما يجوز. فتكون من ذلك طبقة اجتماعية ثالثة هي أولى الجماعات التي عرفها التاريخ منذ أن وجد الإنسان.

ولقد كانت هذه البلاد في مكان سوى بين أمم العالم، يتوسط الشرق والغرب، ويصل الجنوب بالشمال، فلا بد إذن من أن تكون طريقًا تجتازه التجارة من الشرق والجنوب إلى الشمال والغرب. وكان لا بد أن يكون لهذه التجارة قوامون يبذلون من مالهم ومن جهدهم في شرائها ونقلها وحراستها ثم بيعها ما يضطرهم إلى تنظيم أمرها وتهيئة وسائلها، فنشأت من ذلك تجارتان: تجارة داخلية محلية،

ص: 4

وتجارة خارجية عالمية. وكان لا مفر من أن تقوم طبقة اجتماعية رابعة بجانب الطبقات الثلاث المتقدمة.

وكانت ثمة حرف صغير، وصناعات كثيرة، تتناول من الأمر دقيقها وجليلها، وكانت بعض المدن تختص بضرب من هذه الصناعات دون غيره، فتشتهر به، ويؤمها الناس يتعلمون هذه الصناعة من أهلها، ثم يعودون إلى موطنهم بطريف لم يكونوا يعهدونه1. وكان لا بد من أن يقوم على هذه الحرف والصناعات رجال مختصون: من العرب الخلص، ومن الرقيق المجتلب، فكانت منهم جميعًا طبقة اجتماعية خامسة، ذات طور حضاري يختلف عن الطبقات السابقة.

ولعل آخر هذه الطبقات هؤلاء السادة المترفون من الملوك والأمراء والحكام والأثرياء ممن كان يجتمع لهم السلطان والمال.

-2-

والقبيلة عند العرب في حاجة إلى دراسة مستفيضة خاصة، لا يتسع لها مثل هذا العرض التمهيدي، وبحسبنا أن نشير إلى أن الشائع المتعارف أن القبيلة كانت في الجاهلية جماعات من الأعراب البدائيين: يسكنون الخيام ويقطنون الصحراء، لا هم لهم إلا الغزو وانتجاع الكلإ. وقد يصدق ذلك على بعض تلك القبائل، أو على أقسام منها. غير أن الذي لا يتطرق إليه ريب، فيما نرى، أن قبائل كثيرة كان منها من يسكن في الحواضر والقرى مستقرًّا ثابتًا: فالأوس والخزرج

1 من أمثلة ذلك ذهاب عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة من الطائف إلى جرش في اليمن ليتعلما بعض الصناعات الحربية. قال ابن إسحاق: "ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينها، وصنعوا الصنائع للقتال. ولم يشهد حنينًا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة، كان بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور""السيرة 4: 121"

ص: 5

كانتا تسكنان المدينة، وثقيف كانت تسكن الطائف، وقريش البطاح كانت تسكن بطحاء مكة، وتغلب وبكر وإياد كان بعضها حاضرة تسكن الجزيرة وما بين النهرين، وعبد القيس كان منها حاضرة تسكن عمان والبحرين، وغيرها وغيرها من القبائل التي كانت تستوطن قرى اليمامة وقرى اليمن. فهذه وأشباهها من قبائل العرب كان أكثرها أهل مدر، مستقرة في موطنها، لا يعجلها التنقل والارتياد عن أن تقيم لنفسها من حولها حياة مدنية لا تختلف في شيء عما نعرفه من حياة سكان المدن في بلاد العرب لذلك العهد. وما أوضح ما رُوِي لنا عن أحد أحلاف الجاهلية من أن ذلك الحلف كان "في أهل الوبر في الجاهلية فلما جاء الإسلام، وكانت حنيفة بقيت من قبائل بكر لم تكن دخلت في الجاهلية في هذا الحلف، قال: وذلك أنهم أهل مدر؛ فدخلوا في الإسلام مع أخيهم عجل فصاروا لهزمة"1.

ونص آخر لا يقل وضوحًا وإبانة، قالوا2:"قريش الأباطح أشرف وأكرم من قريش الظواهر؛ لأن البطحاويين من قريش حاضرة وهم قطان الحرم، والظواهر أعراب بادية، وضاحية كل بلد ناحيتها البارزة".

فكثيرًا ما نجد إذن قبيلة واحدة تحيا حياتين مختلفتين: كان قسم منها يتحضر ويستقر ويسكن المدر، على حين يبقى قسم منها باديًا في أهل الوبر، في أطراف القرى والمدن. وقد كان هذا شأن القبيلة في الجاهلية والإسلام معًا؛ فمن ذلك: جهينة، كان قسم منها يسكن في الوبر دون المدر في نواحي جبلي رضوى وعزور3 على حين يسكن قسم آخر منها في المدر في ينبع "وهي قرية كبيرة غناء

فيها عيون عذاب غزيرة الماء..4 ويسكن قسم ثالث منها في

1 النقائض: 728.

2 اللسان "ضحا".

3 عرام بن الأصبغ السلمي، كتاب أسماء جبال تهامة وسكانها، ص7.

4 المصدر السابق: 8.

ص: 6

الصفراء "قرية كثيرة النخل والمزارع وماؤها عيون كلها، وهي فوق ينبع مما يلي المدينة، وماؤها يجري إلى ينبع"1

ومثال آخر: نَهْد، كانت كجهينة تسكن في الوبر دون المدر في جبلي رضوى وعزور2، وكان قسم منها يسكن في قرية الصفراء.

ومثل ثالث: مزينة، كان قسم منها يسكن في جبل ورقان3، وقسم آخر في جبلي القدسين4، وقسم ثالث في جبلي نهبان4، على حين يسكن قسم منها في قرية الفرع "وهي قرية غناء كبيرة"5.

ومثل رابع: هذيل، كانت أقسام منها تسكن ضرعاء وهي "قرية بها قصور ومنبر وحصون"6، وقسم يسكن في قريتي رهاط والحديبية7، وقسم يسكن في مر الظهران وهي "قرية في واديها عيون كثيرة ونخيل وجميز"، إلى آخر ما شئت من الأمثلة.

وإذا كان يحلو لبعض الباحثين أن يجعلوا "لأهل الكتاب" في الجاهلية سهمًا في الحضارة أوفر من سهام "الأميين" -ولعلهم على شيء من الحق في ذلك- فمن يكون أهل الكتاب أولئك؟ وكيف يغرب عنا أن نصارى بلاد العرب ويهودها لم يكونوا -ما عدا قلة قليلة من الوافدين- غير قبائل قد تنصرت وتهودت، قبائل كاملة بقضها وقضيضها8.

1 عرام بن الأصبغ: 8

2 المصدر السابق: 7

3 المصدر السابق: 16

4 المصدر السابق: 18

5 المصدر السابق: 19

6 المصدر السابق: 25، 26

7 المصدر السابق: 27، 28

8 ابن حزم، الجمهرة: 457، 458 "فيقال إن إيادًا كلها، وربيعة كلها، وبكر، وتغلب، والنمر، وعبد القيس كلهم نصارى، وكذلك غسان، وبنو الحارث بن كعب بنجران، وطيئ، وتنوخ، وكثير من كلب، وكل من سكن الحيرة من تميم ولحم وغيرهم وكانت حمير يهودًا، وكثير من كندة، وذكر أبو عبيد "معجم ما استعجم 1: 29" أن قبيلة من بلى نزلت أرضًا بين تيماء والمدينة "فأبت يهود أن يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم، فتهودوا فأدخلوهم المدينة

".

ص: 7

ثم إن القبائل البادية نفسها التي لم تستوطن الحواضر والقرى، ولم تنتصر أو تتهود، هذه القبائل كانت تتفاوت تفاوتًا كبيرًا في نظام حياتها، وطرق معيشتها وطبقتها الاجتماعية؛ وبحسبنا أن نشير إلى ما رُوِي عن عائشة، قالت: لما قدمنا المدينة نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقبل هدية من أعرابي، فجاءت أم سنبلة الأسلمية بلبن، فدخلت به علينا فأبينا نقبله؛ فنحن على ذلك إلى أن جاء رسول الله معه أبو بكر، فقال: ما هذا؟ فقلت: يا رسول الله هذه أم سنبلة أهدت لنا لبنًا، وكنت نهيتنا أن نقبل من أحد من الأعراب شيئًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوها، فإن أسلم ليسوا بأعراب هم أهل باديتنا، ونحن أهل قاريتهم، إذا دعوناهم أجابوا، وإن استنصرناهم نصرونا1.

وثمة نصان لا يقلان عن هذا النص وضوحًا وقيمة: أولهما ما ذكره عرام بن الأصبغ في حديثه عن السوارقية قال: "قرية غناء كثيرة الأهل" ثم قال: كان لبني سليم فيها "مزارع ونخيل كثيرة وفواكه من موز وتين ورمان وعنب وسفرجل وخوخ.. ولهم خيل وإبل وشاء كثير، وهم بادية، إلا من ولد بها فإنها ثابتون بها، والآخرون بادون حواليها ويميرون طريق الحجاز ونجد في طريقي الحاج"2.

وثانيهما ما ذكره عرام أيضًا في حديثه عن قرية خيف سلام قال: "

وفيه منبر وناس كثير من خزاعة، ومياهها فقر أيضًا، وباديتها قليلة، وهي: جشم وخزاعة وهذيل"3.

فنحن نفهم من هذه النصوص الثلاثة المتقدمة أن المقصود بالبادية إنما هو

1 ابن سعد، الطبقات 8: 215، والقارية: الحاضرة الجامعة.

2 كتاب أسماء جبال تهامة وسكانها: 65.

3 المصدر السابق: 35؛ والفقر: قني الماء، واحدها: فقير.

ص: 8

ظاهر القرية، أو ضاحيتها وما أحاط بها، وأن كثيرًا من القبائل كانوا يقطنون في هذه النوادي قريبين من الحواضر، مطيفين بها، متصلين بسكانها، فهم إذن غير تلك القبائل الموغلة في الصحراء، الضاربة في الفيافي، البعيدة عن العمران، الذين قست قلوبهم وغلظت أكبادهم فوصفهم القرآن الكريم بشدة الكفر والنفاق، هؤلاء هم الأعراب؛ أما القبائل القريبة من القرى، المطيفة بها "فليسوا بأعراب، هم أهل باديتنا ونحن أهل قاريتهم".

-3-

ونحب أن نخلص من كل ما قدمنا من أمر عرب الجاهلية وبلادهم إلى أنهم لم يكونوا مجتمعًا واحدًا، بل كانوا طبقات اجتماعية مختلفة متباينة تمثل المجتمعات الإنسانية التي مرت بها البشرية في تاريخها الطويل.

وقد استبانت هذه الفروق الاجتماعية بين تلك المجتمعات منذ القدم لمن كتب عن العرب من مؤلفي اليونان والرومان. فهذا ديودوروس الصقلي -في القرن الأول قبل الميلاد- يفيض في حديثه عن الحضارة الزاهية التي قامت في بعض أنحاء الجزيرة العربية، ويصور لنا الحياة المترفة الراقية التي كان يحياها عرب اليمن؛ ثم يتحدث عن الأجزاء الداخلية المتوسطة في بلاد العرب فيقول: إنه "كان يقطنها جمهور كبير من العرب الرحل الذي اتخذوا لأنفسهم حياة الخيام، وكان لهم قطعان كثيرة من الأنعام، وينصبون مضاربهم في السهول الواسعة المنبسطة.." ثم يقول: "إن الأجزاء الباقية من بلاد العرب المتاخمة للبحر والتي تقع إلى الشمال من العربية السعيدة وتمتد حتى تجاور سورية، يقطنها جمهور من المزارعين والتجار على اختلاف أنواعهم، يبيعون ما عندهم ويبتاعون ما عند غيرهم في مواسم وأسواق تجارية

وتتخلل هذه البلاد كثير من الأنهار، ويهطل عليها مطر غزير في

ص: 9

الصيف، فيكون لهم بذلك موسمان زراعيان في السنة الواحدة"1.

وقد لحظ بعض الذين كتبوا في العصور الإسلامية عن العصر الجاهلي هذه الفروق في المجتمعات الجاهلية؛ فهم يقسمون عرب الجاهلية قسمين رئيسين: الملوك، وغير الملوك. ثم يقسمون غير الملوك قسمين رئيسيين: أهل مدر وأهل وبر، ويقسمون أهل المدر إلى زراع وتجار. قال ابن العبري2 "وأما سائر عرب الجاهلية بعد الملوك فكانوا طبقتين: أهل مدر وأهل وبر. فأما أهل المدر فهم الحواضر وسكان القرى، وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. وأما أهل الوبر فهم قطان الصحاري وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها، منتجعين منابت الكلإ، مرتادين لمواقع القطر، فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي، ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه، فلا يزالون في حل وترحال..".

-4-

ولذلك كان من الإخلال الفاضح بالمنهج السديد أن يُنظر إلى العصر الجاهلي نظرة واحدة، وأن يُحكم عليه حكم عام مطلق، وأن يوصم عرب الجاهلية جميعًا بالبداوة والجهالة، فلا تُراعى هذه الفروق الواسعة في البيئات الاجتماعية المتباينة.

فإن صح أن بعض الأعراب في صحراوات الجزيرة كانوا في معزل عن العالم المتمدين آنذاك، فإنه من الصحيح كذلك أن بعض البيئات الاجتماعية الأخرى كانت متصلة بمعالم المدنية لذلك العهد، مواكبة لركب الحضارة.

والحضارة في العصر الجاهلي موضوع يحتاج إلى شيء من البحث المتعمق

1 Diodorus Siculus، London، William Heinemann ltd. Cambridge، Book 2، P5.54

2 مختصر الدول، ط. بيروت ص158، 159، وكذلك صاعد الأندلسي، طبقات الأمم ص65، 66.

ص: 10

الدقيق، ويستحق منا في هذا المجال وقفة قصيرة نلم به إلمامة سريعة.

وأول ما يلفت نظرنا من أمر هذه الحضارة الجاهلية الأخيرة أنها حضارة ظاهرية تأثرية "سلبية"، لم تبلغ من العمق أولًا ومن القوة ثانيًا ما يجعل لها طابعها الخاص الذي تتسم به، وما يبعث في حناياها الحياة القوية حتى تندفق على الحضارات الأخرى فتؤثر فيها أو تتفاعل معها. وتعليل ذلك أن هذه الحضارة في الجاهلية الأخيرة إنما انحدرت من جدولين: أولهما تليد موروث، وثانيهما طريف مقبوس.

أما الجدول الأول فهو صور مطموسة، وأطلال مدروسة، وظلال باهتة، كان يحس بها عرب هذا العصر إحساسًا غائمًا، ويسمعون بها سماعًا غامضًا، ويرون من آثارها ما لم يحسنوا الانتفاع به أو ما لم تطق حالتهم آنذاك أن تبعث فيه الحياة دافقة كما كانت. ومعالم تلك الحضارة التليدة قائمة في بلاد العرب في هذه النقوش والآثار التي اكتشف بعضها في اليمن حيث قامت دول معين وسبأ وحمير، وفي الحِجْر حيث وجدت لحيان وثمود، وفي بترا حيث قامت دولة الأنباط.

وقد أشار كثير من المعنيين بالدراسات الشرقية من الأوروبيين إلى هذه الحضارة العربية القديمة بعد استقراء النقوش واستنطاق الآثار. فقال ونكلر1 Winckler إن تاريخ الجزيرة العربية كما توضحه النقوش يظهر لنا مجموعة من الحكومات والدول المنظمة منذ أقدم القدم. وقال سايس A. H Sayce "لم يكن المسلمون الذين انطلقوا من الجزيرة العربية وفتحوا العالم المسيحي وأسسوا الممالك إلا من نسل أولئك الذين كان لهم في القدم أثر عميق في مصير الشرق"2.

وقال هومل Hommel: "إن الحضارة العربية الجنوبية بآلهتها ومذابحها ذات البخور ونقوشها وحصونها وقلاعها لا بد أن تكون مزدهرة متحضرة منذ الألف الأول قبل الميلاد.." وقال: "إن أهمية العرب في الشرق القديم تكمن في مجال الحضارة

1 Margoliouth، Relations Between Arabs and Israelitcs prior to the Rise of Islam 24.

2 A.H. Sayce، Early Israel، 128.

ص: 11

والدين، ويكفي أن نذكر كلمتي: البخور وعبادة النجوم، لندرك أثر العرب في الأمم المجاورة لهم ولا سيما العبرانيين واليونان"1.

أما نحن فحسبنا هذه الاستشهادات، ولن نعرض بالقول المفصل لهذه الدول، فما زال الحديث عنها مبتورًا يحتاج إلى استكمال التنقيب والكشف في مجاهل الصحراء وبطون الرمال. ولكننا نحب أن نشير إلى أن المستشرق أوليرى قد فصل القول، في فصول كتابه "بلاد العرب قبل محمد"، عن علاقة الأمة العربية بغيرها من الأمم المجاورة لها منذ أقدم الأزمنة، وكشف عن الروابط القوية التي كانت قائمة بين العرب وبين دول ما بين النهرين والمصريين والأحباش والهنود والفرس واليونان والرومان2.

-5-

فإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى العصر الجاهلي الأخير وجدنا أن هذه الحضارات العربية جميعها قد انحطت وانقرضت منذ أزمان متفاوتة. ويذهب فريق من الباحثين إلى أن انحطاط هذه الدول العربية وانقراضها إنما يرجع إلى عوامل اقتصادية؛ وهم يرون أن هذا الانحطاط قد بدأت بوادره منذ ابتداء التاريخ المسيحي واستمرت تقوى حتى قوضت أركان هذه الحضارات. وأهم الأسباب التي يوردها هذا الفريق لتعزيز رأيه: زوال المدن العظيمة في سهول جزيرة الفرات بعد سقوط بابل وآشور، وما لهذا الزوال من أثر في الممالك العربية التي كانت منذ القدم السحيق تسيطر على الطرق التجارية. وتلا ذلك زوال الأسواق الفينيقية؛ وأهم

1 Hommel نقلًا عن: farmer، History of Arabian Music، Introduction، 77

2 وانظر أيضًا: الدكتور جواد على، تاريخ العرب قبل الإسلام 2: 277-424؛ 3: 274-423.

ص: 12

من ذلك كله فتح الرومان الطريق التجاري البحري خلال البحر الأحمر في نحو القرن الأول الميلادي. وكان من أثر هذا أن تصاءلت تجارة القوافل البرية في الجنوب، وكانت هذه التجارة عماد الممالك العربية الجنوبية. وزادت المشكلات السياسية هذه العوامل قوة: ففي الشمال قضى الرومان على بترا سنة 106م بقيادة تراجان، ثم قضوا على تدمر سنة 272م بقيادة أورليان، وقد كان الأنباط مستودع تجارة القوافل الشمالية. ولم تنتعش الممالك العربية بعد هذا الاضطراب السياسي والاقتصادي، فانتشرت الهجرة وترك الناس المدن التي كانت عظيمة فزالت. ويعقب فارمر H.G. Farmer على هذا بقوله1:"ومع ذلك كله فإن الجزيرة العربية لم تُصَب بالعقم، فمن هذه البلاد التي كانت مهد الساميين ولدت الحضارة الإسلامية التي صارت بحق خير خلف لحضارة الساميين العظيمة في القدم".

ونحن نرى أن هذا العصر الجاهلي الأخير الذي توسط بين الحضارتين: العربية القديمة والإسلامية الناشئة، لم يكن فجوة عميقة واسعة بحيث تقطع الأواصر بين الحضارتين. فقد كان العرب في هذه الجاهلية الأخيرة يعرفون عن ماضيهم قبسات أوصلها إلينا المؤرخون الإسلاميون غائمة غامضة تشوبها الأساطير والخرافات.

وهذا القرآن الكريم في خطابه لعرب الجاهلية الأخيرة حافل بالإشارات التي تدل على ما كان يرفل فيه أولئك الأقوام ودولهم في الجاهلية الأولى من نعيم وترف، وما كانوا يتمتعون به من قوة ومنعة. وفيه أيضًا تأنيب لعرب الجاهلية الأخيرة الذين كانوا يسيرون في الأرض فيمرون بآثار منازل هؤلاء الأسلاف الأقدمين، ويعلمون من أمرهم ما يعلمون، ولكنهم مع ذلك لا يتعظون بمصيرهم، ولا يعتبرون بما آلوا إليه. فالقرآن الكريم يصف سبأ بالحياة الزراعية المستقرة الناعمة، وبضربهم في الأرض آمنين، وذلك قوله تعالى:

1 H.G. Farmer، History of Arabian Music، Introduction 13

ص: 13

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} .

{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ} 1.

فإذا ما عرض لذكر عرب الجاهلية الأخيرة وصفهم بأنهم لم يبلغوا معشار ما أوتيت الدول من قبلهم:

{وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} 2.

ويصف القرآن الكريم قوم عاد بفن العمارة وبالصناعة، وذلك قوله تعالى:

{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} 3.

ويصف ثمود بالحياة الزراعية المستقرة الخصبة وبفن العمارة كذلك، وذلك قوله تعالى:

{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} 4.

وأما إشارات القرآن الكريم إلى مرور عرب الجاهلية بديار أولئك الأقوام

1 سورة سبأ، آية 15 وآية 18.

2 سورة سبأ، آية 45.

3 سورة الشعراء، آيات 128-134.

4 سورة الشعراء، آيات 146-149.

ص: 14

من أسلافهم ومعرفتهم أخبارهم وأحوالهم فكثيرة، منها:

{وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} 1.

{وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا} 2.

{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى} 3.

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 4.

{أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} 5.

ولا ريب أن القرآن الكريم ليس كتابًا تاريخيًّا يقصد إلى ذكر الحوادث مفصلًا القول في أجزائها، ولكنه يعرض للحادثة التاريخية ليبين عن العظة والعبرة.

إنما عرضنا هذه الآيات لندل على أن عرب الجاهلية الأخيرة كانوا يدركون طرفًا من أخبار أسلافهم، ويعرفون شيئًا عن هذه الحضارات التليدة التي ورثوا

1 سورة العنكبوت: 38

2 سورة الفرقان: 40

3 سورة طه: 128

4 سورة الروم: 9

5 سورة غافر: 21

ص: 15

بعض بقاياها ورواسبها؛ وذلك هو ما أشرنا إليه بالجدول الأول لحضارة العصر الجاهلي الأخير.

وأما الجدول الثاني -وهو ما سميناه بالحضارة الطريفة المقبوسة- فيكفينا منه ما كفانا في سابقه: إشارات عامة تكشف لنا عن خطوطه الكبرى. وتتمثل هذه الحضارة في ذلك الاتصال الوثيق الذي كان يربط عرب الجزيرة بالحضارات القائمة في جوارها من فارسية ورومية ومصرية إلخ

وربما كانت أهم سبل هذا الاتصال هي:

أولًا: هاتين الإمارتين العربيتين اللتين كانتا تتاخمان الحضارتين الكبريين لذلك العهد، واللتين كانتا أشبه ما تكونان بالثغور على الحدود، وهما: المناذرة في الحيرة، والغساسنة في الشام. فقد كان اتصال هاتين الدولتين بالفرس والروم من جانب، وبالجزيرة العربية من الجانب الآخر، اتصالًا وثيقًا. فكانتا لذلك قناتين كبيرتين انسرب منهما أثر هاتين الحضارتين إلى الجزيرة العربية.

ثانيًا: هذه الطرق التجارية المنظمة التي كانت تتخلل صحراوات بلاد العرب، وتلك المواثيق والعهود التي كانت تربط العرب الذين نمر تلك القوافل ببلادهم فيتعهدون بالمحافظة عليها لقاء جعل يدفع إليهم.

ثالثًا: هذه الأسواق والمواسم العربية التي كان العرب يقيمونها في أطراف الجزيرة حينًا وفي قلبها حينًا آخر. فكان يؤمها العرب من مختلف بقاعهم وعلى تباين حظوظهم من الحضارة والمدنية. وكان يؤمها كذلك بعض التجار الفرس والهنود والمصريين والرومان، فكان كل أولئك يلتقون في صعيد واحد، يأخذون ويعطون ويتبادلون ما عندهم من متاع وعروض، ومن آراء وأفكار، ومن مظاهر الحضارات المختلفة1.

1 كان كثير من تجار الأمم المحيطة ببلاد العرب -سواء في ذلك الأمم القريبة والنائية- ينتقلون إلى جزيرة العرب، فكان بعضهم يوافي أسواق العرب ويجتمعون فيها للتجارة، كما كانت تفعل فارس حينما كانت توافي بسوق المشقر يقطعون البحر إليها ببياعاتها "ابن حبيب، المحبر ص263-265" وكان يجتمع في دبا تجار الهند والسند والصين وأهل المشرق والمغرب فيشترون بها بيوع العرب والبحر ثم يسيرون بجميع من فيها من تجار البحر والبر إلى الشجر، شجر مهرة، ويبيعونهم ما ينفق بها من الأدم والبز وسائر المرافق، ويشترون بها الكندر والمر والصبر والدخن "أبو علي المرزوقي الأصفهاني، الأزمنة والأمكنة، ط. الهند، الباب الأربعون".

ص: 16

رابعًا: هذه الجاليات الأجنبية الكبيرة التي كانت تفد على الجزيرة العربية فتقيم فيها وتطيل المقام، بل تتخذ منها موطنًا آخر تقضي فيه حياتها وتنشئ فيه ذريتها. فكانت هذه الجاليات مختلفة الأديان والأجناس والأهداف: فمنهم النصراني واليهودي والمجوسي والوثني؛ ومنهم الفارسي والرومي والمصري والهندي والحبشي؛ ومنهم من جاء الجزيرة للتجارة فافتتح فيها دورًا للهو من غناء وشراب وبغاء، ومنهم من جاءها فأنشأ فيها مستعمرات زراعية فعمر الأرض وأثارها هناك؛ ومنهم من جاءها لغير هذا وذاك كالبعثات التبشيرية الدينية التي انبثت في أنحاء الجزيرة وجاست خلالها وانتشرت بين أهلها وأقامت البيع والصوامع والأديرة في المدن والصحراء1.

خامسًا: هذه الجماعات والأفراد من العرب أنفسهم الذين كانوا يفدون على فارس وبلاد الروم والحبشة ومصر للتجارة حينًا، وللتعرض لعطاء الملوك والسادة حينًا آخر، ولطلب العلم والهداية حينًا ثيالثًا. أما التجار العرب فكانوا يضربون في الأرض ضربًا بعيدًا فيصلون إلى أقصى ما كان يعرف من عالمهم آنذاك2.

1 عقد ابن حبيب النسابة "في المحبر 306-308" فصلًا ذكر فيه أبناء الحبشيات في الجزيرة العربية، غير ما نجده من أسماء الحبشيات مبثوثًا في بطون المراجع الأخرى. وفي سيرة ابن هشام "ط. بولاق 1: 57" ذكر لجالية حبشية من النصارى. وفي أسد الغابة أسماء كثير من الروم والروميات "1: 212، 4: 232، 5: 194، 462، 480" وفي سيرة ابن هشام "1: 65" ذكر لرجل قبطي نجار بمكة، وفي "1: 62" ذكر ليهودي من الشام قدم على بني قريظة وأقام عندهم، وفي "1: 147" ذكر لنصراني من أهل نينوى، وفي "3: 45" ذكر لنبطي من نبط الشام قدم بالطعام يبيعه بالمدينة.

2 مثل: هاشم وكان متجره إلى الشام فهلك بغزة، وعبد شمس وكان متجره إلى الحبشة، والمطلب وكان متجره إلى اليمن، ونوفل وكان متجره إلى العراق. وهم أصحاب الإيلاف من قريش "راجع لذلك المحبر لابن حبيب ص162-164، والسيرة، بولاق 1: 47".

ص: 17

وأما المتعرضون للعطاء فكانوا من الشعراء ورؤساء القبائل وأصحاب الرأي فيها، يفدون إلى ملوك المناذرة أو الغساسنة أو بلاط كسرى أو بلاد مصر والحبشة، فيقيمون هناك ما شاء لهم الله أن يقيموا يرون ما لم يروا في بلادهم، ويتزودون بالجديد الطريف من ألوان الحضارة المتباينة. وأما طالبو العلم والهداية فقد كانوا ممن استبدت بهم نزعات نفسية أو خواطر فكرية فكانوا يطلبون فيما نأى عن ديارهم ما يفيدهم علمًا أو يكسبهم يقينًا واطمئنانًا1.

-6-

وبعد، فإن حياة العرب في الجاهلية -فيما بدا لنا- بعيدة كل البعد عما يتوهمه بعض الواهمين، أو يقع فيه بعض المتسرعين الذين لا يتوقفون ولا يتثبتون، فيذهبون إلى أن عرب الجاهلية لم يكونوا سوى قوم بدائيين، يحيون حياة بدائية في معزل عن غيرهم من أمم الأرض. ونحن لا نحب أن نغلو كما يغلون، ونسرف على أنفسنا وعلى الحقيقة كما يسرفون، ونذهب إلى أن عرب الجاهلية الأخيرة كانوا من الحضارة بمنزلة لا سبيل إلى تجاوزها، ولا مزيد عليها لمستزيد، وإنما نحب أن نشير إلى ما قررناه من أمر اتصال العرب بالحضارات المجاورة لهم أولًا، ومن أمر حضاراتهم التليدة الموروثة ثانيًا. ونزيد أن تليدهم هذا إنما كان حضارات متعاقبة موصلة ذات حلقات، آخذ بعضها برقاب بعض، بدأت منذ شاء الله لها أن تبدأ، وانتهت قبيل الإسلام بزمن لا يعدو مائة، أو خمسين ومائة، من السنين. وكان من ذلك الحضارات المعينية والسبئية، والعادية والثمودية، والنبطية: التي ازدهرت في شمال الحجاز وجنوب الشام أربعة قرون، وزال سلطانها السياسي في القرن الثاني بعد الميلاد؛ ثم الحميرية التي استطالت حتى أشرف على أوائل

1 مثل: زيد بن عمرو بن نفيل الذي شك في الأوثان ورحل يطلب دين إبراهيم حتى بلغ الموصل والجزيرة ثم جال في الشام "السيرة 1: 76 والأغاني، دار الكتب 3: 126-127" ومثل الحارث بن كلدة الثقفي الذي تعلم الطب وضرب العود بفارس واليمن "طبقات الأمم لصاعد الأندلسي ص74".

ص: 18

القرن السادس للميلاد. فلم يكن إذن ما ذكرناه من هذه الحضارات أمرًا جمح إليه الخيال، وأثبته الوهم، ولم يكن شيئًا قد تطاول عليه الزمن حتى عفى عليه، واندرست معالمه، وانمحى أثره، وخلف من بعده أحقابًا طوالًا، وقرونًا ممتدة، أرجعت هؤلاء العرب على أعقابهم، وأعادتهم إلى النشأة الأولى والحياة البدائية.

وما ينبغي لمتثبت أن يغفل عن الفروق الكثيرة في المعالم الاجتماعية بين قوم لم يكن لهم في حياة الجماعة سابقة من حضارة أو علم، أو كانت لهم ثم عفى عليها الزمن، فعادت كأن لم تكن.. فأولئك هم البدائيون حقًّا؛ وبين قوم قد كان لهم ما كان ثم تقلص ظله، وتسرب الوهن إلى كيانه؛ ولكنه لم يزل حيًّا في نفوسهم وضمائرهم، قائمًا في خيالهم وتصورهم، مبثوثة معالمه في حيث كانوا يجوسون خلال ديارهم.

ولقد تكلفنا ما تكلفنا من القول، وحشدنا له ما حشدنا من الأمثلة والشواهد في إيجاز شديد واقتضاب من القول؛ لأننا إنما عنينا -في هذا البحث التمهيدي- بتبيان الخطوط الرئيسية التي نستدل بها على أن عرب العصر الجاهلي ليس بمستنكر عليهم -بما كان لهم من حظ موروث في حضارات أصلية سامقة، وما كان لهم من سهم موفور في الاتصال بالحضارات المنتشرة لعهدهم- أن يحيوا على تفاوت بيئاتهم، حياة حضارية، من ألوانها: معرفتهم بالكتابة معرفة سنفصل القول فيها فيما سيتلو من صفحات.

وإذا كنا لا نقصد بما قدمنا أن نثبت -ابتداء ومن غير سند من نص أو رواية- انتشار الكتابة في الجاهلية، فإننا نريد أن ننبه على سقوط حجة من يسرع ابتداءً -كذلك- إلى نفي أي نص أو رواية فيهما ما يدل على انتشار هذا اللون من الحضارة، بحجة أن الجاهلية جاهلة، وأن العرب كانوا قومًا بدائيين لم يعرفوا هذا الضرب من الحضارة. أما وقد أسقطنا الحجة بما قدمنا من القول فقد سقط بذلك الاحتجاج كله، وأصبحنا نحن وهم على أرض سواء لا يغني فيها إلا دليل من نص، أو برهان من رواية؛ وذلك ما نسأل الله تعالى أن يعيننا على الوفاء به فيما سيلي من أبواب وفصول.

ص: 19