الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المغازي والسيرة:
وأول ما يلفتنا من المغازي والسيرة أنها كانت مادة من مواد المفسر يلجأ إليها حين يعرض لأسباب نزول الآية أو للأخبار والحوادث المتصلة بها، كما مر بنا في تفسير عروة بن الزبير لآية من سورة الممتحنة إذ فصَّل القول في الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش يوم الحديبية؛ وكذلك كان دأب المفسرين.
ولكن عروة كانت له كتابات تاريخية خالصة؛ حفظتها لنا بعض كتب التاريخ التي وصلت إلينا. فقد كان عبد الملك بن مروان يرسل إليه يسأله عن بعض الحوادث التاريخية، فكتب إليه يسأله مرة عن هجرة الحبشة1، ومرة أخرى عن وقعة بدر وخروج أبي سفيان2، ومرة ثالثة عن خالد بن الوليد وفتح مكة3. وكان عروة بن الزبير في كل مرة يكتب إلى عبد الملك مجيبًا له عما يسأله؛ فكان مما كتبه مثلًا "أما بعد، فإنك كتبت إلي في أبي سفيان ومخرجه، تسألني كيف كان شأنه؟ كان من شأنه أن أبا سفيان بن حرب أقبل من الشام في قريب من سبعين راكبًا، من قبائل قريش كلها، كانوا تجارًا بالشام. فأقبلوا جميعًا معهم أموالهم وتجارتهم؛ فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك، فقتلت قتلى
…
" ثم يمضي يفصل القول تفصيلًا في مقدمات وقعة بدر مما نقله الطبري في تاريخه. ولذلك قيل إن عروة أول من صنف في المغازي4.
ولم يكن عروة وحده يدون هذه المغازي، بل كان يدونها غيره من معاصريه، مثل أبان ابن الخليفة الثالث عثمان بن عفان "توفي أبان سنة 105"، وقد أخذ
1 الطبري: تاريخ 1: 1180.
2 المصدر السابق 1: 1284.
3 المصدر السابق 1: 1634.
4 حاجي خليفة: كشف الظنون 5: 646.
هذه المغازي عن أبان: المغيرة بن عبد الرحمن، وكانت كثيرًا ما تُقرأ عليه1.
ووهب بن منبه كتب كذلك المغازي والسيرة2. وقد وجد بيكر C.N. Becker بين مجموعة أوراق بردي shott- Reinhardt المحفوظة في هيدلبرج، مجلدًا يرجح أنه يحوي قطعة من كتاب المغازي لوهب بن منبه؛ وتاريخ نسخ هذه القطعة سنة 288، فهي بعد وفاة وهب بنحو قرن واحد3.
وجاء بعد ذلك ابن شهاب الزهري "المتوفى سنة 124"، وقد طلب منه خالد بن عبد الله القسري أن يكتب له السيرة4، فقال له ابن شهاب: فإنه يمر بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب، فأذكره؟ فقال له خالد: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم!! وللزهري كتاب عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم رواه عنه يونس بن يزيد5، لا أدري أهو نفسه كتاب السيرة الذي كتبه لخالد القسرى، أم أنه كتاب غيره.
ثم خلف بعد هؤلاء موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة.
-4-
لقد كانت هذه الموضوعات الثلاثة: الحديث، والتفسير، والسير والمغازي إسلامية في مادتها. وقد دلت بما لا يقبل الشك على أن تدوين الموضوعات في كتب -مهما يكن حجمها- قد بدأ في عهد مبكر جدًّا: منذ عهد الرسول والصحابة، وأن هذه الموضوعات لم تُنقل بالرواية الشفهية قرنًا أو يزيد حتى
1 ابن سعد 5: 156.
2 حاجي خليفة رقم 12464.
3 يوسف هوروفتس: المغازي الأول ومؤلفوها، ترجمة حسين نصار ص34-35.
4 الأغاني 19: 59.
5 السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ:88.
دُونت، كما ذهب إليه الكثيرون.
أما تدوين ما يتصل بالجاهلية من أخبار وأنساب وأشعار، فسنوردها مجتمعة؛ لأنها متداخلة متشابكة في تدوينها منذ بدأ هذا التدوين. وكان العالم الذي يدون الجاهلية، أو يرويها، يذكر الخبر ثم يستشهد عليه بالشعر ويفصل القول في أنساب من يرد ذكرهم في حديثه، أو يذكر الشعر ثم يرود من الأخبار والأنساب ما يفسره ويتصل به.
وأول ما يبدو لنا في هذا الموضوع أن الذين دونوا تلك الموضوعات الإسلامية التي ذكرناها، كانوا أيضًا يعرضون لذكر الجاهلية: ففي كتب المغازي والسير كانوا يعرضون لذكر العرب الجاهليين والأنبياء السابقين ويفصلون القول في نسب الرسول الكريم وأخبار مكة وقريش ومن يتصل بهما من أفراد وقبائل. وكانت هذه الكتب التاريخية في السيرة والمغازي تشتمل على كثير من الشعر الذي قاله الشعراء الجاهليون الخالصون والشعراء الجاهليون المخضرمون. وقد كان كُتَّاب السيرة والمغازي -في الصدر الأول- يحفظون كثيرًا من الشعر الجاهلي ويستخدمونه في الاستشهاد على ما يكتبون أو يتحدثون. قال أبو الزناد عن أبان بن عثمان بن عفان -وقد مر بنا أنه من كتاب السيرة والمغازي- إنه قلما كان في صحبته دون أن يتمثل بأشعار شاعر المدينة اليهودي الربيع بن أبي الحقيق، وذلك قوله1:
سئمت وأمسيت رهن الفرا
…
ش من جرم قومي ومن مغرم
ومن سفه الرأي بعد النُّهَى
…
وعيب الرشاد ولم يفهم
فلو أن قومي أطاعوا الحليم
…
لم يتعدوا ولم يظلم
ولكن قومي أطاعوا الغوا
…
ة حتى تعكس أهل الدم2
1 الأغاني 21: 92، ونسبها المرزباني في معجم الشعراء "ص352" لكنانة بن أبي الحقيق.
2 في معجم الشعراء: 352: "تلفظ أهل الدم" مكان "تعكس".
فأودى السفيه برأي الحليـ
…
ـم وانتشر الأمر لم يبرم
وذكروا أن عروة الزبير وهو أيضًا ممن كتب السير والمغازي كان من أروى الناس للشعر1.
وكذلك كان المفسرون يعتمدون على الشعر الجاهلي وكلام العرب في تفسير ألفاظ القرآن الكريم وفهم معانيه: فقد رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال على المنبر2: ما تقولون فيها؟ "يقصد في قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف} "، فسكتوا. فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص.
فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته:
تخوف الرحل منها تامكًا قردًا
…
كما تخوف عود النبعة السفن3
فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.
ويُروى قريب من هذا عن ابن عباس، فقد ذكر أبو بكر الأنباري4 قال: أتى أعرابي إلى ابن عباس فقال:
تخوفني مالي أخ لي ظالم
…
فلا تخذلني اليوم يا خير من بقي
فقال ابن عباس: تخوفك أي تنقصك؟ قال: نعم. قال: الله أكبر!
{أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف} أي تنقص من خيارهم.
وقد كان ابن عباس حريصًا على الشعر الجاهلي يحث الناس على تعلمه
1 ابن كثير، البداية والنهاية 9:101.
2 تفسير البيضاوي، سورة النحل آية:46.
3 التامك: السنام. القرد: الكثير القردان أو السمين. السفن: حجر ينحت به.
4 القالي، الأمالي 2:112.
وطلبه لتفسير القرآن، فمما قاله في ذلك1:"وإذا سألتم عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب".
وقد حاج ابن عباس عمرو بن العاص في مجلس معاوية رضي الله عنهم في آية2، فقال عمرو: تغرب في عين حامية؛ وقال ابن عباس: حمئة. فلما خرج إذا رجل من الأزد قال له: بلغني ما بينكما، ولو كنت عندك أفدتك بأبيات قالها تُبَّع:
فرأى مغار الشمس عند غروبها
…
في عين ذي خلبٍ وثأطٍ حرمد3
فقال ابن عباس: اكتبها يا غلام.
وقال عثمان بن أبي العاصي الثقفي لبنيه: "يا بني، إني قد أمجدتكم في أمهاتكم، وأحسنت مهنة أموالكم، وإني ما جلست في ظل رجل من ثقيف أشتم عرضه. والناكح مغترس، فلينظر امرؤ منكم حيث يضع غرسه؛ والعرق السوء قلما ينجب ولو بعد حين". فقال ابن عباس: يا غلام اكتب لنا هذا الحديث4.
وقال ابن عباس كذلك5: ما كنت لأدري ما {فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض} حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي ابتدأت حفرها.
وقد ذكر عكرمة6 أنه ما سمع ابن عباس فسر آية من كتاب الله عز وجل
1 السيوطي، المزهر 2:302.
2 الزمخشري، الفائق 1:297.
3 الخلب: الطين اللزج. الثأط: الحمأة. الحرمد: الأسود.
4 الجاحظ، البيان والتبيين 2:67.
5 الفائق 2: 283.
6 التبريزي، شرح الحماسة: 1-3.
إلا نزع فيها بيتًا من الشعر، وكان يقول: إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر؛ فإنه ديوان العرب.
وكذلك كان ابن مسعود يُعنَى بالعربية والشعر، وقد كان يسأل في ذلك زر بن حبيش -وكان أعرب الناس1.
وكذلك كان ابن شهاب الزهري؛ فقد قال ابن أبي الزناد2: كنا لا نكتب إلا سنة، وكان الزهري يكتب كل شيء، فلما احتيج إليه عرفت أنه أوعى الناس. وقد كان الزهري يضرب في كل فنٍ بسهم وافر، وقد كتب في الأنساب كتابًا لم يُتمه، قال الزهري3: قال لي خالد بن عبد الله القسري: اكتب لي النسب. فبدأت بنسب مضر، وما أتممته، فقال: اقطعه، قطعه الله مع أصولهم. وكان علمه بالأنساب والأخبار مضرب المثل؛ قال الليث4:".. وإن حدث عن العرب والأنساب قلت لا يُحسن إلا هذا.." وكان راوية للشعر يحفظ الكثير منه5، حتى كان الخلفاء الأمويون يرسلون إليه يسألونه عن الشعر والشعراء6.
وليس أدل على كثرة ما ألفه الزهري في شتى الموضوعات من أنه حينما قتل الوليد بن يزيد سنة 126هـ حملت الدفاتر على الدواب من خزائنه، وكانت من علم الزهري7. وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يومًا8: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر.
1 ابن سعد 6: 71.
2 البيان والتبيين 2: 290.
3 الأغاني 19: 59.
4 أبو نعيم، حلية الأولياء 3:360.
5 الأغاني "دار الكتب" 11: 23-26.
6 الأغاني 4: 248.
7 ابن سعد 2: 136.
8 ابن خلكان، وفيات الأعيان 1:571.
فقد كان إذن هؤلاء المدونون للحديث والتفسير والمغازي يضمنون مدوناتهم شيئًا من أخبار الجاهلية وأشعارها وأنسابها، وربما أفردوا النسب بالتأليف. فهل دونت العرب -تدوينًا مستقلًا قائمًا بنفسه- ما يتصل بالجاهلية من أخبار وأشعار وأنساب، كما دونت الحديث والتفسير والسيرة والمغازي، أو أن تدوين أخبار الجاهلية وأشعارها وأنسابها لم يبدأ إلا منذ نهاية القرن الثاني على أيدي العلماء الرواة المشهورين؟
-5-
وسنبدأ بذكر عالمين من علماء الشعر الجاهلي متعاصرين، هما: أبو عمرو بن العلاء "المتوفى سنة 154"، وحماد الراوية "المتوفى سنة 156"، وسنتحدث عنهما هنا في أمر لا نعدوه: هو أن نكشف عن أن عنايتهما بالشعر الجاهلي لم تكن مقصورة على دروس شفهية يتلقاها تلامذتها من غير تدوين، وإنما كانا، وغيرهما من العلماء، يئلان إلى دواوين ومجموعات مكتوبة توارثاها عمن قبلهما، وذلك فضلًا عما كانا هما يقيدانه ويدونانه مما يسمعان من الأعراب والرواة، فيضيفانه إلى ما بين أيديهما من الدواوين زيادة في الرواية، أو شرحًا وتفسيرًا واستشهادًا على بعض المشكل من المعاني أو الغريب من الألفاظ.
أما أبو عمرو بن العلاء فقد بلغت عنايته بالشعر الجاهلي مبلغًا كبيرًا حتى قال الأصمعي1: جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج ما سمعته يحتج ببيت إسلامي. وقال عمرو مرةً: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته!! يعني شعر جرير والفرزدق وأشباههما!
وقد كانت عناية أبي عمرو بالكتابة والتدوين لا تقل عن عنايته بالحفظ
1 البيان والتبيين 1: 321.
والرواية؛ فقد كان يرسل إلى الحارث بن خالد بن العاصي -الشاعر الغزل المشهور- أخاه معاذ بن العلاء ومعه كتاب فيه مسائل يسأله عنها1؛ وكان كذلك يكتب إلى عكرمة بن خالد -محدث جليل من وجوه التابعين، وهو أخو الحارث الشاعر- يسأله كما يسأل أخاه2.
وكان أبو عمرو يذهب إلى عمرو بن دينار ومعه كتابه، فكان يقيد في كتابه مما يسمعه مالم يكن فيه 3. وقال شعبة4: كنت أجتمع أنا وأبو عمرو بن العلاء عند أبي نوفل بن أبي عقرب فأسأله عن الحديث خاصةً، ويسأله أبو عمرو عن الشعر واللغة خاصةً، فلا أكتب شيئًا مما يسأله عنه أبو عمرو، ولا يكتب أبو عمرو شيئًا مما أسأله أنا عنه.
وكان من أثر شغفه بالتدوين أن كتبه "ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ فأحرقها كلها؛ فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلى ما حفظه بقلبه. وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية"5.
وأما حماد الراوية فالأخبار التي جمعناها عنه تدل دلالة صرحية على أنه كانت عنده كتب فيها أخبار الجاهلية وأنسابها وأشعارها، بعضها كتبه بنفسه، وبعضها كُتب من قبله فقرأه واستفاد منه في تدوين كتبه.
1 الأغاني 3: 312، وفيه أن الحارث كان آنذاك والي مكة أي سنة 75هـ. وقد ذكروا في سنة ولادة أبي عمرو أنها 70هـ، وهذا لا يعقل، إذ يكون أبو عمرو عالمًا باللغة والشعر ويسأل عنهما والي مكة وعمره خمس سنوات. ولكن في سنة ولادة أبي عمرو خلافًا، قال ابن الجزري في طبقات القراء: ولد سنة 68، وقيل: سنة 70، وقيل: سنة 65، وقيل: سنة 55 فإذا صح ما ذكرناه عن مكاتبته للحارث سنة 75 كان أقرب إلى المعقول أن تكون سنة ولادته أقدم ما ذكر ابن الجزر ي أي سنة 55.
2 أبو الطيب اللغوي، مراتب النحويين، ورقة:24.
3 ابن سعد 7/ 2: 42.
4 السيوطي، المزهر 2:304.
5 البيان والتبيين 1: 321.
قال حماد الراوية1: أرسل الوليد بن يزيد إليَّ بمائتي دينار، وأمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال، فقلت: لا يسألني إلا عن طرفيه: قريش وثقيف؛ فنظرت في كتابي قريش وثقيف. فلما قدمت عليه سألني عن أشعار بلي، فأنشدته منها ما استحسنه، ثم قال: أنشدني في الشراب -وعنده وجوه من أهل الشام- فأنشدته..".
وقد كان أمر كتاب حماد المشتملة على شعر الجاهلية معروفًا مشهورًا، حتى إن الوليد بن يزيد بن عبد الملك -حين أراد أن يجمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها- استعار من حماد ومن جناد بن واصل الكوفي ما عندهما من الكتب والدواوين فدونها عنده، ثم رد إليهما كتبهما2.
ومما يُروى لنا عن حماد أنه كان في أول أمره يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد، فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك وترك ما كان عليه، فبلغ في العلم ما بلغ3.
وقد رأى أبو حاتم السجستاني بعض كتب حماد في الشعر الجاهلي، وكان يرجع إليها، ويثبت ما يجده فيها زائدًا على ما جمع من الشعر، وإن كان نص على أن هذه الزيادات هي من الشعر المصنوع4.
ومما يؤيد ما ورد عن كتاب شعر الأنصار الذي وجده حماد أن شعر الأنصار
1 الأغاني 6: 94.
2 ابن النديم، الفهرست: 134، وقد قال ابن النديم عن جناد بن واصل الكوفي "ص135" إنه كان أعلم الناس بأشعار العرب وأيامها.
3 الأغاني 6: 87.
4 انظر مختارات ابن الشجري: 123 و127 و136. ولذلك كان عجيبًا أن يقول ابن النديم "ولم ير لحماد كتاب، وإنما روى عنه الناس، وصنفت الكتب بعده!! " فلعل ابن النديم لم يصله شيء من كتبه فألقى هذا القول العام إلقاء.
قد كتب منذ زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب؛ وبقيت الأنصار بعد ذلك تجدده كلما خافت بلاه. وتفصيل ذلك أن عبد الله بن الزبعري السهمي وضرار بن الخطاب الفهري أنشدا حسان بن ثابت شعرًا مما كانا قالاه قبل الإسلام -وكان عمر قد نهى عن إنشاد ذلك الضرب من الشعر لئلا تتجدد الضغائن- ففار حسان حتى صار كالمرجل غضبًا، ثم دخل على عمر بن الخطاب وقص عليه قصتهما، فأرسل إليهما عمر رسولًا فردهما إليه، ثم دعا لهما بحسان -وعمر في جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحسان: أنشدهما مما قلت لهما. فأنشدهما حتى فرغ مما قال لهما، فوقف. فقال له عمر: أفرغت؟ قال: نعم. فقال له: أنشداك في الخلاء وأنشدتهما في الملإ.
وقال لهما عمر: إن شئتما فأقيما وإن شئتما فانصرفا. وقال لمن حضره: إني قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئًا دفعًا للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فأما إذ أبوا فاكتبوه واحتفظوا به. فدونوا ذلك عندهم قال خلاد بن محمد: فأدركته والله وإن الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاه1.
ولم يكن الوليد بن يزيد -الذي جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها من كتب حماد وجناد- وهو وحده الذي بذل مثل هذه العناية؛ بل كان من سبقه من خلفاء بني أمية يفعلون كما فعل. فقد كان للوليد بن عبد الملك كاتب خاص نصبه لكتابة المصاحف والشعر والأخبار، وهو خالد بن الهياج2.
وقد مر بنا أن عبد الملك بن مروان أرسل إلى سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتبه، فحفظه عبد الملك عنده في الديوان. وكان
1 الأغاني 4: 140-141.
2 الفهرست: 9-10 وقد ذكر ابن النديم خالدًا هذا في موضع آخر من كتابة "ص6" وقال عنه إنه صاحب علي رضي الله عنه، فلعله هو نفسه عاش حتى كتب الوليد!
عبد الملك يُعنَى بأخبار العرب وأشعارها، وفعل فيها ما فعل بالتفسير، وأمر من جمع له المعلقات1.
أما معاوية بن أبي سفيان فقد كانت له ساعات من كل يوم يقعد فيها فيُحضر غلمانه "الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها2. وكانت من جملة تلك الأحاديث: أحاديث عبيد بن شرية عن وقائع العرب وأخبارها وأشعارها، فكان معاوية يأمر أهل ديوانه وكتابه أن يوقعوا هذه الأحاديث ويدونوها في الكتب وينسبوها إلى عبيد بن شرية3.
وقد ذكر ابن سلام4 في معرض حديثه عن قصيدة أبي طالب التي مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
…
ربيع اليتامى عصمة للأرامل
أنه رأى هذه القصيدة مدونة في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة". ولا نعرف متى كتب ابن سلام كتابه حتى نعرف متى كتب يوسف بن سعد هذه القصيدة في كتابه قبل مائة سنة من كتاب ابن سلام.
غير أن يوسف بن سعد هو: يوسف بن سعد الجمحي، مولاهم، أبو يعقوب، روى عن عمر وعلي وزيد بن ثابت5. فهو إذن من كبار التابعين، وبذلك نرجح أنه كتب كتابه هذا وفيه قصيدة أبي طالب ما بين منتصف القرن الأول ونهايته.
ولم يكن سماح عمر بن الخطاب بتدوين الشعر الجاهلي بدعًا من الأمر،
1 البغدادي، الخزانة 1:124.
2 المسعودي، مروج الذهب 3: 40-41.
3 أخبار عبيد بن شرية: 113، والفهرست:132.
4 طبقات فحول الشعراء: 204.
5 انظر ترجمته في: البخاري، التاريخ الكبير 6: 373، وابن حجر: تهذيب التهذيب 11: 413.
فقد كان بعض الصحابة يعنون كذلك بتدوين هذا الشعر. وقد مر بنا أن طلحة رضي الله عنه أنشد قصيدة فما زال شانقًا ناقته حتى كتبت له1. فهو إذن يدون بعض الشعر ويجمعه ويحفظه.
ومما يتصل بهذا أيضًا أن دغفلًا النسابة -وهو جاهلي أدرك الإسلام- كان يكتب الأنساب ويدونها في الصحف ويبدو لنا ذلك واضحًا من قول الفرزدق2:
أوصى عشية حين فارق رهطه
…
عند الشهادة في الصحيفة دغفل
أن ابن ضبة كان خير والدًا
…
وأتم في حسب الكرام وأفضل
وفي هذه القصيدة نفسها يعدد الفرزدق الشعراء الجاهليين، ويفخر أنه قد ورث عنهم الشاعرية المتدفقة الفحلة، ولكن في ألفاظه ما قد يُفهم منه أنه كانت بين يديه مجموعات شعرية لشعراء جاهليين أو نسخ من دواوينهم، وذلك قوله:
والجعفري وكان بشر قبله
…
لي من قصائده الكتاب المجمل
وبعد أبيات يقول:
دفعوا إلى كتابهن وصية
…
فورثتهن كأنهن الجندل
ونحب هنا أن نذكر بما كتبناه في حديثنا عن تقييد الشعر الجاهلي من أمر هذه القصائد التي كان يكتبها: النابغة الذبياني، وعدي بن زيد العبادي،
1 الزمخشري، الفائق 1:677.
2 النقائض 1: 189.
والربيع بن زياد العبسي وغيرهم كثيرون، ويرسلونها إلى بلاط المناذرة معتذرين عاتبين؛ ونصل هذا الذي قدمناه بما يُروى عن حماد الراوية من قوله1: أمر النعمان فنسخت له أشعار العرب في الطنوج -قال: وهي الكراريس- ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد قيل له: إن تحت القصر كنزًا، فاحتفره فأخرج تلك الأشعار.
وقد يحلو لبعض القدامى أن يطعنوا في حماد ويكذبوه -وسنعرض لذلك في بحثنا عن الرواية والرواة في الباب التالي- وقد يحلو لبعض المحدثين أن يطعنوا في هذه الرواية بذاتها ويكذبوها، ولكنهم لا يقدمون دليلًا يقوم عليه طعنهم وتكذيبهم، وإنما هم يرسلون الكلام إرسالًا ويلقونه على عواهنه؛ وهذا ابن سلام -وهو من هو شكًّا في الشعر الجاهلي وفي بعض رواته- يسوق من هذه الرواية المتقدمة جوهرها ومضمونها، وإن كان لا ينسبها إلى حماد؛ وهو في إيراده هذه الرواية يقبلها ولا يشكك فيها. قال ابن سلام2:"وقد كان النعمان بن المنذر منه "أي من شعر العرب في الجاهلية" ديوان فيه أشعار الفحول وما مُدح هو وأهل بيته به، فصار ذلك إلى بني مروان، أو صار منه".
فالروايتان رواية واحدة، وهي رواية تتسق اتساقًا كاملًا مع ما قدمنا من تقييد الشعر الجاهلي وتدوينه، ولا نجد ما يسوغ التشكيك فيها، إلا أن يقوم دليل لم نستبنه بعد.
وثمة خبر آخر يؤيد الخبر السابق ويدعمه، ويدل على مبلغ عناية بلاط المناذرة وأهل الحيرة بتدوين الأخبار والأشعار الجاهلية. فقد قال الطبري3:
"كان أمر آل نصر بن ربيعة، ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق، عند أهل الحيرة متعالمًا مُثبتًا عندهم في
1 ابن جني، الخصائص 1: 392-393.
2 طبقات فحول الشعراء: 23.
3 تاريخ "ط. مصر" 2: 37.
كنائسهم وأسفارهم"، ثم يذكر الطبري أن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: "كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة، ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة وفيها ملكهم وأمورهم كلها".
وقد قبل الباحثون من المستشرقين هذا القول، فقال الأستاذ هـ. ا. ر. جب1:"ويزعم من ناحية أخرى أنه ربما وجدت كتب مدونة في الحيرة، وأنه وجدت بالفعل بعض المقيدات التاريخية هناك، فهذا لا مراء فيه". بل إن الأستاذ أولندر ليذهب إلى أبعد من ذلك فنقول عن ابن الكلبي إنه كان مؤرخًا حذرًا متثبتًا على خلاف ما يصمه به خصومه من القدامى، ثم يقول2:"ومن المؤكد أنه استخدم النقوش والمدونات التاريخية في الحيرة واستفاد منها، ولذلك أكد الباحثون المحدثون أقواله مرارًا، وفي حالات منها أكدوها تأكيدًا عجيبًا، مثال ذلك: تأكيدهم أقواله حينما اكتشفوا شاهد قبر امرئ القيس بن عمرو الحيري3".
فأمامنا الآن في هذه النصوص والروايات الثلاث الأخيرة: شعر الفرزدق عن صحيفة دغفل في النسب وما يُفهم من قوله عن وجود دواوين شعر جاهلي عنده، ثم رواية حماد وابن سلام عن جمع النعمان للشعر الجاهلي وتدوينه، ثم رواية ابن الكلبي عن أسفار الحيرة ونقوش كنائسها وما فيها من أخبار العرب الجاهليين وأنسابهم، أمامنا إذن في هذه النصوص والروايات، شعر جاهلي وأخبار جاهلية مدونة كلها في كتب وأسفار ودواوين من الجاهلية نفسها. وما زال في الحديث فضل حقيق بأن يُذكر ليزيد ما تقدم حجةً وإيضاحًا.
1 مقالة عنوانها "بدء التأليف النثري" في مجلة الأدب والفن، السنة الأولى، الجزء الثاني، سنة 1943 ص4.
2 Gunnar olinder، kings of kinda. 16-17.
3 انظر أيضًا: جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام 1: 47-48؛ وما كتبه الأستاذ أحمد زكي باشا في مقدمة كتاب الأصنام ص12- 18.
وقد أشرنا في حديث سابق إشارة عابرة إلى بيتي معقل بن خويلد الهذلي -وهو شاعر جاهلي أدرك الإسلام- وهما1:
فإني كما قال مملي الكتا
…
ب في الرق إذ خطه الكاتب:
"يرى الشاهد الحاضر المطمئن
…
من الأمر مالا يرى الغائب".
وقد وضعنا علامات الترقيم هذه لتدل على المعنى الذي قصدنا إليه من أن هذا الشاعر قد قرأ بيته الثاني -بهذه الألفاظ أو بألفاظ مقاربة تؤدي هذا المعنى- في كتاب من كتب الشعر أو الأخبار الجاهلية، ثم اقتبسه وضمنه قصيدته هذه.
وليس الأمر مجرد استنتاج، فلهذين البيتين أخ ثالث قاله شاعر آخر وهو أوضح في دلالته وأبين في حجته لنا من هذين البيتين، وذلك قول بشر بن أبي خازم، وهو شاعر جاهلي لم يدرك الإسلام2:
وجدنا في كتاب بني تميم:
…
"أحق الخيل بالركض المعار"
فبشر يذكر، في وضوح، أنه وجد في كتاب بني تميم أن: أحق الخيل بالركض
1 ديوان الهذليين 3: 70.
2 المفضليات: 98 وينسب البيت أيضًا الطرماح كما في اللسان. وليس البيت في ديوان الطرماح، وإنما هو من الأبيات التي جمعت وأضيفت إلى آخر الديوان، وهو هناك بيت مفرد منقول من اللسان.
وذكر كرنكو "وهو محقق الديوان" ص148 بعد البيت أنه "قد ورد هذا البيت في قصيدة لبشر بن أبي خازم الأسدي، وقال أبو عبيدة إنه الطرماح".
وقد أورده الفيروزبادي في قاموسه المحيط "عير"، وقال إنه "قول بشر بن أبي خازم، لا الطرماح، وغلط الجوهري".
ومما يقوي نسبته لبشر أن في كتب اللغة والأدب أبياتًا متفرقة من هذا البحر والروي منسوبة لبشر بحيث يصح أن تكون في أصلها قصيدة واحدة منها هذا البيت.
ومهما يكن، فإن البيت حتى إذا لم تثبت نسبته لبشر، وكان حقًّا للطرماح، فإن دلالته ما زالت قائمة؛ لأن الطرماح مات في نحو سنة 105، فيضم هذا البيت إلى الشواهد والأدلة التي تثبت وجود كتب القبائل ودواوين الأفراد منذ القرن الأول الهجري.
المعار. وقد أورد صاحب اللسان هذا البيت1، ولكنه أورد -قبل هذا البيت في أثناء حديثه عن هذه المادة اللغوية- بيتًا آخر يختلف عنه في الصدر، ويتفق معه في العجز اتفاقًا تامًّا، وهو:
أعيروا خيلكم ثم اركضوها
…
أحق الخيل بالركض المعار
وابن منظور لا ينسب هذا البيت الأخير لشاعر بعينه؛ وبذلك ترك لنا المجال مفتوحًا لننساق مع صريح ألفاظ بشر بن أبي خازم في بيته السابق، فنفترض أن بيت اللسان غير المنسوب هو لشاعر تميمي جاهلي، وأن بشرًا قد قرأ هذا البيت في كتاب شعر بني تميم، فاقتبس عجزه في بيته، ولذلك وضعناه بين علامتي اقتباس.
وقد أورد المرزباني بيت بشر هذا وقال بعده2: "فمعناه: وجدنا هذه اللفظة مكتوبة".
فما هو كتاب بني تميم إذن؟ الذي نراه أن كل قبيلة من القبائل كانت تجمع شعر شعرائها، وحكم حكمائها، وأقوال خطبائها، وأخبارها ومفاخرها ومآثرها وأنسابها في كتاب. وقد احتفظ العرب بهذه التسمية لكتب القبائل بعد ذلك في العصور الإسلامية لتدل على هذا نفسه الذي قدمنا. وسنعود إلى هذا الموضوع بالحديث المفصل حين نتكلم على دواوين القبائل في الفصل الثاني من الباب الأخير.
وقد مر بنا ذكر كتابي قريش وثقيف اللذين كانا عند حماد الراوية "المتوفى سنة 156" وأنه نظر فيهما حين أرسل إليه الوليد بن يزيد3.
ونضيف إلى كتب القبائل هذه التي تحوي أخبارها وأنسابها وشعر شعرائها:
1 لسان العرب "عير".
2 الموشح: 179.
3 الأغاني 6: 94.
كتاب نسب قريش الذي كان مع ابن شهاب الزهري1 "المتوفى سنة 123-125".
ومما يدل أيضًا على قدم وجود كتب النسب هذه، ويزيد اطمئناننا إلى أنها كانت مدونة منذ الجاهلية، ما قاله عبد الله بن محمد بن عمارة2 "فرتني: أم لهم "أي لنبي حزم" في الجاهلية من بلقين، كانوا يسبون بها، لا أدري ما أمرها، قد طرحوها من كتاب النسب". وما ذكره أبو الفرج أيضًا عند حديثه عن قريظة والنضير وبني قينقاع وغيرهم قال3 "لم أجد لهم نسبًا فأذكره لأنهم ليسوا من العرب، فتدون العرب أنسابهم، إنما هم حلفاؤهم". وهذا النص الأخير على تدوين العرب أنسابهم منصرف حتمًا إلى العصر الجاهلي؛ لأن اليهود لم يكونوا حلفاء للعرب بعد الإسلام.
فكتب القبائل هذه -وإن كانت فيها زيادات إسلامية- توضح لنا معنى كتاب القبيلة في الجاهلية، فهي -كما قدمنا- مجموعة فيها كل ما يتصل بالقبيلة من أخبار حروبها وأيامها، وذكر مفاخرها ومآثرها، وشعر شعرائها، وحكم بلغائها.
وربما أفردوا الحكم وجوامع الكلم في كتاب خاص، وتكون في هذه الحالة إما حِكَمًا عامة مما قالته حكماء العرب من شتى القبائل، وإما مما قالته الحكماء من غير العرب ثم عرفه العرب ونقلوه إلى لغتهم، وذلك هو معنى قول عامر بن الظرب للملك الغساني حينما خافه على نفسه وأراد أن ينجو منه4: "إن لي كنز علم وإن الذي أعجبه من علمي إنما هو من ذلك الكنز أحتذي عيه، وقد خلَّفته خلفي، فإن صار في أيدي قومي علم كلهم مثل علمي، فأذن لي حتى
1 ابن عبد البر، القصد والأمم: 43-44.
2 الأغاني 4: 237.
3 الأغاني 3: 116.
4 أبو حاتم السجستاني، كتاب المعمرين: 48-49.
أرجع إلى بلادي فآتيك به". فليس هذا الكنز من العلم -فيما نرى- إلا كتابًا جُمعت فيه أقوال بليغة وأمثال وحكم وأشعار وأخبار. وآية ذلك أن هذا الذي أعجبه من علمه لم يكن إلا أنه "أعجبه نحوه، فكلمه فإذا أحكم العرب وأحلمهم قولًا وفعلًا.
ولو جاء ذكر كتب العلم "أي الحكمة وجوامع الكلم والأمثال" في خبر واحد لشككنا فيه وتوقفنا عن قبوله، ولكن ذكر هذا الضرب من الكتب قد تردد في أخبار كثيرة لا سبيل إلى إهمالها، فأكثم بن صيفي أحد هؤلاء العلماء الحكماء في الجاهلية، كانت بعض حكمته تُكتب، وكان بعضهم الملوك يرسلون إليه يستكتبونها، فقد "كتب إليه ملك هجر، أو نجران، أن يكتب إليه بأشياء ينتفع بها، وأن يوجز، فكتب إليه: إن أحمق الحمق الفجور، وأمثل الأشياء ترك الفضول.."1
وكتب إليه أيضًا الحارث بن أبي شمر الغساني ملك عرب الشام "
…
فاعهد إلينا أمرًا نعرف به أن في العرب
…
حكمة وعقولًا وألسنة. فكتب إليه أكثم: إن المروءة أن تكون عالمًا كجاهل، وناطقًا كعيي.."2
وكتب إليه كذلك النعمان بن المنذر "أن اعهد إلينا أمرًا نُعجب به فارس ونرغبهم به في العرب. فكتب أكثم: لن يهلك امرؤ حتى يضيع الرأي عند فعله، ويستبد على قومه بأموره
…
"3
فإذا أضفنا إلى هذين الحكيمين العالمين حكيمًا عالمًا ثالثًا هو قس بن ساعدة، وعلمنا أنه كان أيضًا كاتبًا4، ورجح عندنا أن هؤلاء الحكماء كانوا -أو كان أكثرهم- من الذين يعرفون الكتابة ويلجئون إليها في تسجيل حكمهم
1 كتاب المعمرين: 17.
2 المصدر السابق: 18.
3 المصدر السابق: 19.
4 المصدر السابق: 69.
في مثل هذه الكتب التي سميت كتب العلم.
وقد عُني بعض الدارسين المحدثين بدراسة الأمثال عند العرب ومقابلتها بالأمثال عند الأمم القديمة وخاصة الساميين. ومن هؤلاء الدكتور عبد المجيد عابدين1 الذي تحدث في أحد فصول رسالته عن الصلات الثقافية بين بلاد الشرق القديم، وخاصة الحكمة والمثل2، وانتهى إلى قوله3: "ولم تكن العلاقة بين العرب وأصحاب هذه الحكم ضعيفة واهية، فقد أشارت النقوش البابلية غير مرة إلى صلات ملوك بابل وآشور ببلاد العرب، وكان بعض شخصيات سفر أيوب من أصل عربي. وفي عصور ما بعد الميلاد أخذت الثقافة الآرامية تغزو مناطق عدة من شبه الجزيرة العربية كما رأينا فيما سبق. وكانت الحكمة اليونانية قد انتشرت في مدارس الرها وجنديسابور والحيرة على أيدي علماء السريان الذين بدءوا منذ حوالي 300 سنة بعد الميلاد ينقلون هذه الحكمة، وواصلوا حركتهم إلى سنة 700م أي إلى عصر بني أمية في تاريخ المسلمين. وكان السريان في القرن الخامس الميلادي يبشرون بالمسيحية في الحبشة على المذهب القائل بالطبيعة الواحدة، وهو المذهب الذي اعتنقه الغساسنة في الشام. وكانت الصلات بين الحبشة واليمن قديمة ومستمرة. وبذلك أحدقت الآثار الكتابية ببلاد العرب وتسربت هذه الآثار إليها من الشرق والغرب والجنوب والشمال، وتعاونت جهود السلطات الحاكمة في العراق والشام واليمن، في الجاهلية، على تشجيع هذه الدعوات الكتابية ماديًّا وأدبيًّا. وفي فورة هذه الدعوات نشطت حكمة العرب، في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة. وفي الوقت الذي كانت فيه الحكمة الشعبية تلاقي ازدهارًا على أيدي العراقيين، وتجد تغاضيًا من جانب الغساسنة وسادة
1 في بحثه "الأمثال في النثر العربي القديم مع مقارنتها بنظائرها في الآداب السامية الأخرى".
2 ص126-129.
3 ص129-130.
الحجاز واليمن قبل الإسلام، كانت الحكمة الكتابية تشق طريقها في أنحاء البلاد دون تفرقة بين شرق وغرب وشمال وجنوب، وتلقى عناية القائمين بالأمر في هذه المناطق جميعًا. وإذا كان الغساسنة وسادة الحجاز واليمن قد انصرفوا عن جانب التراث الشعبي في منطقتهم، فقد عضدوا الدعوات الكتابية، وساندوا حركاتها، وشجعوا حكماء العرب ما وسعهم التشجيع". ثم ينتقل إلى الحديث عن هؤلاء الحكماء من بين عرب الجاهلية، وبعد أن يذكر بعضهم يقول1: والذين اشتهروا من هؤلاء الحكماء كانوا ينهجون نهجًا يذكرنا بنهج حكماء الشرق الأدنى القديم، فكان الحكيم العربي كالحكيم البابلي والعبري يجمع أحيانًا إلى عمل القاضي والمشرع حرفة الكاهن والطبيب والمنجم، فكان الحكيم هو الرجل المثقف ثقافة جامعة لشتى ألوان المعرفة، وكان بعض حكماء العرب يورثون الحكمة أبناءهم كما صنع حكماء الشرق القديم حين كانوا يلقنون أولادهم تعاليم الحكمة
…
".
ولعل مما يدل على عناية عرب الجاهلية بكتابة الأمثال عناية قديمة أن من أوائل المؤلفات التي حفظت لنا المصادر العربية ذكرها في العصر الإسلامي:
كتب الأمثال؛ فمنذ أيام معاوية ألف صحار بن عياش العبدي "من عبد القيس" كتابًا في الأمثال2. وكذلك ألف في زمانه عبيد بن شرية كتابًا آخر في الأمثال ذكر ابن النديم3 أنه رآه في نحو خمسين ورقة. وقد روى علاقة بن كريم الكلابي عن عبيد كتابه هذا في الأمثال4.
ومما يدل أيضًا على أن هذه الحكم كانت مدونة منذ الجاهلية وبقيت إلى عهد الرسول والصحابة أن عمران بن حصين قال5: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الحياء لا يأتي إلا بخير. فقال بشير بن كعب -وكان قد
1 ص130.
2 فهرست ابن النديم: 132، وانظر أيضًا البيان والتبيين 1:96.
3 الفهرست: 132.
4 ياقوت: إرشاد 12: 190.
5 العسكري: التصحيف والتحريف "مطبعة الظاهر بمصر سنة 1908" ص8.
قرأ الكتب-: إن في الحكمة: أن منه ضعفًا. فغضب عمران بن الحصين وقال: أحدثك بما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وتحدثني عن صحفك هذه الخبيثة؟
ثم هذه الصحيفة التي كانت مع سويد بن الصامت، والتي لم تكن إلا كتابًا فيه حكمة لقمان1؛ وقد قرأها، قبل أن يسلم، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحسنها رسول الله وقال:"إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا: قرآن أنزله الله تعالى عليَّ، هو هدى ونور".
بقي أمر أخير في النفس منه شيء، بل أشياء: ذلك هو تسمية القصائد السبع أو العشر الجاهليات "بالمعلقات". فقد ذكر القدماء أنه قد بلغ من كلف العرب بالشعر وتفضيلها له "أن عمدت إلى سبع قصائد وتخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها في أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير
…
والمذهبات السبع، وقد يقال لها: المعلقات"2. وقد نقل البغدادي ما يشبه هذا الكلام ثم قال3: "ذكر ذلك غير واحد من العلماء. وقيل بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه؛ لتكون في خزانته".
ولكن هذا الرأي في تفسير كلمة "المذهبات" أو "المعلقات" لم يسلم من النقد والاعتراض سواء من القدامى أو من المحدثين. فمن القدامى أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس "المتوفى سنة 338" الذي ذكر4 "أن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة".
1 سيرة ابن هشام 2: 68، والفائق 1: 206، ولسان العرب "جلل".
2 ابن عبد ربه، العقد 6:119.
3 الخزانة 1: 123-124.
4 ياقوت، إرشاد "حماد".
أما المحدثون فلا يسوقون على اعتراضهم دليلًا، ولكنا نحسب، من سياق حديثهم، أن لاعتراضهم أساسين: الأول: أن العرب لم يكونوا في جاهليتهم أمة كاتبة تبلغ بها معرفتها بالكتابة أن تسجل شعرها وتكتبه. والثاني: أن الكعبة لها من الاحترام والقدسية ما لا يبيح أن تعلق فيها المدونات والمكتوبات.
وأما نحن فإننا لا نملك وسيلة قاطعة للإثبات أو النفي؛ ولا نحب أن نعتسف الطريق ونقتحم كما يقتحم غيرنا. وكل ما نستطيع أن نقوله إن الاعتراض الذي قدمه القدماء كاعتراض ابن النحاس، والذي قدمه المحدثون، لا يثبت -في رأينا- للتحقيق والتمحيص؛ فإذا ما استطعنا أن ننفي هذا الاعتراض بقي القول الأول بكتابة المعلقات وتعليقها -سواء في الكعبة أو خزانة الملك أو السيد- قولًا قائمًا، ترجيحًا لا يقينًا، إلى أن يتاح له اعتراض جديد ينفيه، أو سند جديد يؤيده ويثبته.
أما ما ذكره ابن النحاس من أن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال فإنه لا يقوم دليلًا على أنها لم تكن موجودة من قبله وأنها لم تكن مكتوبة أو معلقة؛ وإلا لكان معنى ذلك أن الدواوين التي صنعها وجمعها أبو عمرو بن العلاء وأبو عمرو الشيباني والمفضل والأصمعي والسكري وثعلب كلها غير موجودة من قبلهم؛ وهو كلام لم يقله أحد، ولا معنى له. والذي نعرفه، مما قدمنا، أن حمادًا كان يجمع الشعر الجاهلي وكان يدونه، وأنه كانت بين يديه نسخ من دواوين هذا الشعر، فإذا صح أن حمادًا هو الذي جمع -في ديوان واحد أو مجموعة واحدة- هذه القصائد السبع بعد أن كانت مفرقة، أو جددها بعد أن كادت تبلى، فإن ذلك لا يقوم حجة على بطلان ما أوردناه من أمر تعليقها. وقد ذكرنا من قبل عناية بعض الخلفاء الأمويين بجمع الشعر الجاهلي وكتابته وحفظه في الديوان. وقد ورد أن عبد الملك بن مروان عُني أيضًا بجمع هذه القصائد المعلقات "فطرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة1". فإذا صح ذلك
1 البغدادي، الخزانة 1:124.
وصح ما روي من أن معاوية بن أبي سفيان قال1 "قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حلزة، من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرًا" كان هذان دليلين على معرفة القول بأمر المعلقات وكتابتها وتعليقها قبل حماد بدهر.
أما اعتراض المحدثين فقد تحدثنا -في كل ما كتبنا- عن نفي الشق الأول منه، وأبنَّا في وضوح أن الجاهلية العربية عرفت الكتابة معرفة قديمة واسعة، واستخدمتها في جل شئونها، وكتبت بعض شعرها وأخبارها وأنسابها، ودونتها في صحف وكتب ودواوين. فالقول إذن بأمية الجاهلية فرض واهم يجب أن نُسقط جميع ما رُتب عليه من نتائج باطلة.
وأما الشق الثاني من اعتراض المحدثين فهو كذلك لا يثبت للنظر والتحقيق؛ إذ إن عرب الجاهلية كانوا يعلقون وثائقهم وكتاباتهم ذات القيمة في الكعبة لقداستها في نفوسهم، وذلك إظهار لعلو مكانة هذه الوثائق والكتابات ولبيان قيمتها وخطرها. وأوضح مثال على أن تعليق هذه الكتابات كان أمرًا مألوفًا متعارفًا عند عرب الجاهلية ما ذكره محمد بن حبيب عن حلف خزاعة لعبد المطلب، قال2: "
…
وكتبوا بينهم كتابًا، كتبه لهم أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة
…
ثم علقوا الكتاب في الكعبة".
ومثل ثان:
هذه الصحيفة التي كتبتها قريش حينما اجتمعت على بني هاشم وبني عبد المطلب ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم3. وقد بقيت هذه الصحيفة في الكعبة دهرًا، فلما أخرجوها بعد ذلك وجدوا أن الأرضة لم تدع في الصحيفة إلا أسماء الله4.
1 الخزانة 3: 162.
2 ديوان حسان بن ثابت، مخطوط بمكتبة أحمد الثالث ورقة: 15-16.
3 ابن هشام، السيرة 1: 375-376.
4 المصدر السابق 2: 16 وانظر مثلًا تعليق العهود في الكعبة في العصور الإسلامية، في مروج الذهب 3:404.
فإذا كان كلامنا هذا كافيًا في نفي هذين الاعتراضين، وإذا ضممنا إلى هذا ما ذكرناه من تدوين الشعر الجاهلي، رجح عندنا أمر كتابة هذه المعلقات وتعليقها، وصح عندنا أن نتخذها مثلًا آخر، نورده في هذا البحث، من أمثلة تدوين الشعر الجاهلي وكتابته1.
-6-
وبعد،
فإن جميع ما ذكرناه لا يعدو أن يكون أمثلة قليلة، نقبنا عنها تنقيبًا طويلًا في أرض غفل، قد طمست آثارها، وعفت رسومها، واندرست معالمها؛ ولكننا مع ذلك قد استطعنا أن نقيم فيها هذه الصوى لتدل عليها وتحدد اتجاهها. فإذا صح ما ذكرناه من أن هذا الشعر الجاهلي قد دون بعضه منذ الجاهلية، واتصل تدوينه وتحديده في الإسلام، فإننا نحب -استيفاء للبحث- أن نصله بعصرنا هذا الذي نعيش فيه، ونكشف عن صلة تلك المدونات الجاهلية والإسلامية المبكرة بهذه الدواوين التي بين أيدينا من الشعر الجاهلي، والتي صنعها ورواها أبو عمرو بن العلاء والأصمعي والمفضل الضبي وأبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي.
ولذلك حق لنا أن نسأل: هل أخذ هؤلاء العلماء الرواة، في نهاية القرن الثاني ومطلع القرن الثالث، الشعر الجاهلي الذي رووه من مدونات قديمة؟ أو أنهم أخذوه كله من أفواه الرواة؟ أما الرواية الشفهية فمجال بحثها في الكتاب التالي، ولذلك لن نعرض لها الآن، وحسبنا أن نجيب عن الشق الأول من السؤال، ونرى هل اعتمد هؤلاء العلماء على كتب ودواوين للشعر الجاهلي أخذوا منها -جمعًا أو اختيارًا- ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي؟
1 للأستاذ مصطفى صادق الرافعي بحث جيد عن المعلقات "تاريخ آداب العرب 3: 186-193" وهو في جملته يخالف رأينا. وانظر كذلك "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" السيد محمد الخضر حسين ص307-309.
وللإجابة عن هذا السؤال طريقان نحن سالكوهما، الأول: عرض لبعض الروايات والأخبار عن هؤلاء العلماء الرواة، وكيف أخذوا علمهم؛ والثاني: دراسة بعض الشعر الجاهلي الذي رووه، واستبانة، "القراءات" المختلفة للفظة الواحدة عند بعض هؤلاء العلماء.
أما الطريق الأول فقد عفى العلماء أنفسهم آثاره تعفه مقصودة متعمدة مما سنفصل القول فيه بعد قليل في ختام هذا الفصل، ولكننا مع ذلك عثرنا على بعض ما يصح أن ننصبه في طريقنا ليهدينا السبيل:
فقصة ابن الأعرابي "أبي عبد الله محمد بن زياد 150-231" مع الكتب قصة مشهورة، فقد كان كثير العكوف عليها، والمدارسة لها، والنظر فيها، والأخذ منها. ولما بعث إليه أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع غلامًا من غلمانه يسأله المجيء إليه، عاد إليه الغلام فقال: قد سألته ذلك فقال لي: عندي قوم من الأعراب، فإذا قضيت أربي معهم أتيت. قال الغلام: وما رأيت عنده أحدًا إلا أني رأيت بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة1.
أما الأصمعي "عبد الملك بن قريب 123-216" فقد قرأ بعض دواوين الشعر الجاهلي على شيوخه؛ قال الأصمعي2: قرأت شعر الشنفرى على الشافعي بمكة. وقال أيضًا3: قرأت على أبي عمرو بن العلاء شعر النابغة الذبياني. وقال أبو حاتم السجستاني4: قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء شعر الحطيئة. وقُرئ يومًا على الأصمعي في شعر أبي ذؤيب: بأسفل ذات الدير أفرد جحشها. فقال أعرابي حضر المجلس للقارئ: ضل ضلالك أيها القارئ، إنما هي "ذات الدبر" وهي ثنية عندنا؛ فأخذ الأصمعي بذلك
1 ياقوت، إرشاد "محمد بن زياد".
2 السيوطي، المزهر: 1: 160.
3 المرزباني، الموشح:42.
4 المزهر 2، 355.
فيما بعد1.
وكذلك كان أبو عبيدة "معمر بن المثنى 114-210" وأبو حاتم السجستاني يتدارسان الشعر الجاهلي في كتب؛ قال أبو حاتم2: جئت أبا عبيدة يومًا ومعي شعر عروة بن الورد، فقال لي: ما معك؟ فقلت: شعر عروة. قال: فارغ حمل شعر فقير ليقرأه على فقير!
وأما أبو عمرو الشيباني "إسحاق بن مرار، توفي سنة 206 أو 213، وعمره 110 أو 118سنة" فقد كان كذلك يكتب الشعر والأخبار ويأخذها من الكتب.
قال يعقوب بن السكيت3 "مات أبو عمرو الشيباني وله مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات؛ وكان ربما استعار مني الكتاب وأنا إذ ذاك صبي آخذ عنه وأكتب من كتبه". وقد قرأ أبو عمرو الشيباني دواوين الشعراء على المفضل4.
أما أبو عمرو بن العلاء فقد مر بنا ذكر كتبه وكثرتها ثم إحراقها بعد أن تقرأ.
وهذا حديث بين ابن مناذر الشعر وخلف الأحمر يدل -فيما نرى- على أن الشعر الجاهلي كان مدونًا في الكتب قبل عهدهما، وأنهما كانا يعرفان هذه الكتب ويأخذان منها. قال ابن مناذر لخلف5: يا أبا محرز، إن يكن النابغة وامرؤ القيس وزهير قد ماتوا فهذه أشعارهم مخلدة، فقس شعري إلى شعرهم، واحكم فيها بالحق؛ فغضب خلف
…
ومن أوضح الأمثلة على هذا الذي نحن بسبيله: ما ورد عن أبي تمام "توفى سنة 231" حينما اختار حماسته؛ وذلك أن الثلج عاقه عن السفر، وكان في
1 ابن قتيبة، الشعر والشعراء 1:29.
2 المزهر 1: 161.
3 ابن النديم، الفهرست 102.
4 ابن خلكان، وفيات الأعيان 1:65.
5 ياقوت، إرشاد "خلف".
العراق، فاستضافه أبو الوفاء بن سلمة، وأحضره خزانة كتبه، فطالعها، واشتغل بها، وصنف خمسة كتب في الشعر، منها كتاب الحماسة والوحشيات1.
وما ورد كذلك عن المفضل الضبي "توفي سنة 168 أو 178" حين قال له العباس بن بكار2: ما أحسن اختيارك للأشعار؛ فلو زدتنا من اختيارك. فقال المفضل: والله ما هذا الاختيار لي، ولكن إبراهيم بن عبد الله استتر عندي "في نحو سنة 145" فكنت أطوف وأعود إليه بالأخبار، فيأنس ويحدثني؛ ثم عرض لي خروج إلى ضيعتي أيامًا، فقال لي: اجعل كتبك عندي لأستريح إلى النظر فيها. فتركت عنده قمطرين فيهما أشعار وأخبار، فلما عدت وجدته قد علم على هذه الأشعار، وكان أحفظ الناس للشعر، فجمعته وأخرجته، فقال الناس: اختيار المفضل.
فهذه كلها أخبار صريحة الدلالة على أن هؤلاء العلماء الرواة إنما وجدوا أمامهم دواوين الشعر الجاهلي مكتوبة قبل عهدهم، وأنهم قرءوها وتدارسوها وأخذوا منها؛ ومن هنا كانت الدواوين التي صنعوها أو المجموعات التي اختاروها قائمة -في أساسها- على ما كان مدونًا من قبل عصرهم.
أما الطريق الثاني لمعرفة أخذ هؤلاء العلماء المتقدمين أشعار الجاهلية من الكتب فيقوم على جمع بعض الأمثلة على اختلاف اللفظة الواحدة عندهم. وأسباب اختلاف الرواية كثيرة، لا يعنينا منها هنا إلا ما له دلالة على بحثنا، ونقصد به: التصحيف؛ لأن "أصل التصحيف أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفة، ولم يكن سمعه من الرجال فيغيره عن الصواب3". ولن تعرض إلا لما وقع فيه رواة آخر القرن الثاني، أما من جاء بعدهم فقد أخذوا من
1 التبريزي، شرح الحماسة: المقدمة ص4.
2 المزهر2: 319، وانظر أيضًا: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج: 373.
3 المزهر 2: 253.
كتب هؤلاء، ولا حاجة بنا إلى عرضه إذ لا دليل فيه.
فمن أمثلته: ما ذكره أبو حاتم السجستاني قال1: قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء شعر الحطيئة، فقرأ قوله:
وغررتني وزعمت أنك
…
لابن بالصيف تامر
-أي كثير اللبن والتمر- فقرأها "لا تني بالضيف تامر" يريد: لا تتوانى عن ضيفك تأمر بتعجيل القِرَى له. فقال له أبو عمرو: أنت والله في تصحيفك هذا أشعر من الخطيئة!!
وقال الأخفش2: أنشدت أبا عمرو بن العلاء.
قالت قتيلة ماله
…
قد جللت شيبًا شواته
فقال أبو عمرو: كبرت عليك رأس الراء فظننتها واوًا. قلت: وما سراته؟ قال: سراة البيت: ظهره. قال الأخفش: ما هو إلا "شواته"، ولكنه لا يسمعها.
ولهذين الخبرين قيمة خاصة إذ يدلان صراحة على أن الأصمعي والأخفش وأبا عمرو بن العلاء قد قرءوا هذا الشعر في كتب، وبذلك يسَّرا لنا سبيل التدليل على أن هذا الضرب من التصحيف لا يكون من خطإ في السماع، وإنما ينشأ من خطإ في القراءة.
وقال أبو حاتم أيضًا3: صحف الأصمعي في بيت أوس:
يا عام لو صادفت أرماحنا
…
لكان مثوى خدك الأحزما
يعني بالأحزم: الخزم الغليظ من الأرض. قال أبو حاتم: والرواة على
1 المزهر 2: 355، وانظر كتاب التصحيف والتحريف للعسكري:55.
2 المزهر 2: 360:
3 المزهر 2: 355.
خلافه، وإنما هو: الأخرم "بالراء"، وهو طرف أسفل الكتف، أي كنت تقتل فيقطع رأسك على أخرم كتفك.
وقال القالي في أماليه1: أنشد أبو عبيد:
أشكو إلى الله عيالًا دردقا
…
مقرقمين وعجوزًا شملقا
-بالشين معجمة- وهو أحد ما أخذ عليه: وروى ابن الأعرابي: "سملقا" -بالسين غير المعجمة- وهو الصحيح.
وقال القالي أيضًا2 في قول الأعشى:
تروح على آل المحلق جفنة
…
كجابية الشيخ العراقي تفهق
كان أبو محرز "يقصد خلفًا الأحمر" يرويه "كجابية السيح"، ويقول:"الشيخ" تصحيف، والسيح: الماء الذي يسيح على وجه الأرض.
وأنشد أبو زيد في نوادره3:
إن التي وضعت بيتًا مهاجرةً
…
بكوفة الخلد قد غالت بها غول
قال الرياشي: الأصمعي يقول "بكوفة الجند"، ويزعم أن هذا تصحيف.
وقال الجرمي: كوفة الخلد، أي أنها دار قرار لا يتحولون عنها.
وقال أبو عمرو الشيباني4: كنا بالرقة فأنشد الأصمعي بيت الحارث بن حلزة:
عنتًا باطلًا وظلمًا كما تعنز عن حجرة الربيض الظباء
1 المزهر2: 356؛ وأمالي القالي 2: 246 دردق: صغار. مقرقمين: لا يشبون لسوء غذائهم، شملق: العجوز الكبيرة.
2 المزهر 2: 356، وأمالي القالي 2: 296 الجابية: الحوض الكبير. تفهق: تمتلئ حتى تفيض.
3 المزهر 2: 357.
4 المصدر السابق 2: 359 تعنز: تطعن بالعنزة، وهي الحربة.
فقلت له: إنما هو تعتر من العتيرة، والعتر: الذبح....
والحديث عن التصحيف لا ينتهي كثرةً، وهو متفرق في كتب الأدب، مجموع في مظانه، من مثل كتاب العسكري التصحيف والتحريف، وكتاب البصري "التنبهات على أغاليط الرواة" وكتاب حمزة بن الحسن الأصفهاني "التنبيه على حدوث التصحيف" وكتاب السيوطي "المزهر". ولعل خير ما نختم به هذه الأمثلة ما قاله أبو عمرو الشيباني1: "روى أبو عبيدة بيت الأعشى:
..............................
…
... وسيق إليه الباقر العثل
فأرسلت إليه: قد صحفت، إنما هو الغيل" أي الكثير -يقال: ماء غيل إذا كان كثيرًا- ورُوي عنه أيضًا أنه قال: الغيل: السمان، من قولهم: ساعد غيل. وكان أبو عبيدة يروي هذا البيت:
إن لعمر الذي حطت مناسمها
…
تخدي وسيق إليه الباقر العثل
وحكى ابن قتيبة أن أبا حاتم قال له: سألت الأصمعي عنه فقال: لم أسمع بالعثل إلا في هذا البيت؛ ولم يفسره. قال: وسألت أبا عبيدة عنه فقال: العثل: الكثير. قال ابن قتيبة: وخبرني غيره أن الأصمعي كان يروي "وجد عليها النافر العجل" يريد: النفار من منى؛ والنافر لفظه لفظ واحد وهو معنى جمع
…
ورواه أبو عبيدة: "حطت مناسمها" بالحاء غير معجمة، وقال: يعني حطاطها في السير وهو الاعتماد. ورواه الأصمعي "خطت" بالخاء، أي شقت التراب، وأنشد للنابغة "فما خططت غباري" أي شققته. وقال الأصمعي:"حطت" خطأ. فانظر إلى اختلافهم في هذا البيت، ورد بعضهم على بعض، ومراسلة أبي عمرو أبا عبيدة فيه".
1 البصري، التنبيهات على أغاليط الرواة ورقة:1. الباقر: اسم جمع للبقر. العثل: الكثير.
-7-
فإذا كان الأمر على ما بينَّا، وإذا رجح عندنا أن هؤلاء العلماء قد أخذوا بعض ما جمعوا ما اختاروا من الشعر الجاهلي -من صحف وكتب ودواوين ربما كتب بعضها في العصر الجاهلي وجددت في القرن الهجري الأول- فما بالهم إذن لا يصرحون بذلك؟ وكيف يكون الأمر على هذا الوجه ثم لا يذكر أحد من هؤلاء العلماء أنه أخذ هذه القصيدة أو ذلك البيت من كتاب عالمٍ قبله، أو من ديوان جُمع في القرن الأول أو توارثوه من الجاهلية؟
والجواب عن هذا السؤال سنفصل القول فيه تفصيلًا حين نتحدث عن طريقة أخذ هؤلاء العلماء علمهم، وعن الرواية والرواة بعامة، في الباب التالي.
ولكن ذلك لا يعفينا من أن نشير في هذا الموضع إشارة فيها بعض ما يجيب هذا التساؤل.
فإغفالهم ذكر الكتب التي أخذوا منها راجع، فيما يبدو لنا، إلى طريقتهم في أخذ العلم وتحصيله آنذاك. فقد كان العالم الحق الجدير بالثقة هو الذي يتصل بالعلماء من ذوي السن، فيحضر مجالسهم ويلازمهم ويستمع إليهم ويأخذ عنهم، والكتاب في كل ذلك، أو في أكثره، هو الوسيلة أو الأداة: يقرؤه على شيخه، أو يستمع إلى بعض من يقرؤه، وقد تكون في يده نسخة أخرى من الكتاب يتابع قراءة القارئ، والشيخ يستمع: يصحح الخطأ، ويشرح الغامض، ويذكر من وجوه الخلاف في الألفاظ ما بلغ إليه علمه، ويتحدث عما حول النص من جو تاريخي، وقد يقوده اللفظ أو الخبر إلى لفظ في بيت آخر، أو إلى خبر في حادثة أخرى، فيستطرد، ثم يعود إلى موضوعه الأصيل.
أما من كان يكتفي بالأخذ من الكتاب وحده، دون أن يعرضه على العلماء، ودون أن يتلقى علمه في مجالسهم، فقد كان عرضة للتصحيف والتحريف، وبذلك لم يعدوا علمه علمًا، وسموه صحفيًّا لا عالمًا. قال ابن سلام1 في معرض حديثه عن الشعر القديم "وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد -إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه- أن يقبل من صحيفة ولا يروي عن صحفي". وشبيه بهذا قول ثعلب عن كتاب العين للخليل2 "وقد حشا الكتاب أيضًا قوم علماء لا أنهم لم يؤخذ منهم رواية، وإنما وجد بنقل الوراقين، فاختل الكتاب لهذه الجهة".
ومن هنا ضعفوا الأخذ من المدونات في التفسير والحديث؛ فكان بعضهم يتقي تفسير مجاهد "توفي سنة 103 وعمره 83 سنة" لأنهم "كانوا يرون أن مجاهدًا يحدث عن صحيفة جابر"3 وقال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة التي يرويها الحسن عنه: سمعنا أنها من كتاب4؛ وقال سفيان الثوري عن حديث عبد الأعلى بن عامر الثعلبي5: كنا نرى أنه من كتاب، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال يحيى بن معين6: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
"يعني عبد الله بن عمرو بن العاص" فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة، فهو ثقة عن هؤلاء. وقال كذلك أبو زرعة إن عمرو بن شعيب7 "إنما سمع أحاديث يسيرة،
1 طبقات فحول الشعراء: 5-6.
2 أبو الطيب اللغوي، مراتب النحويين، ورقة:49.
3 ابن حجر، الإصابة 5:344.
4 ابن سعد 7: 115.
5 ابن سعد 6: 233.
6 تهذيب التهذيب 8: 49.
7 تهذيب التهذيب 8: 49.
وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها
…
وهو ثقة في نفسه، إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده".
ومن أجل ذلك كان مما يهجى به العالم الاكتفاء بالأخذ عن الصحف وحدها، وإهمال الإسناد إلى الشيوخ، فقال بعضهم يهجو أبا حاتم السجستاني1:
إذا أسند القوم أخبارهم
…
فإسناده الصحف والهاجس
ومن أجل ذلك أيضًا كان مما يُمدح به العالم أنه لا يكتفي بالأخذ عن الصحف وحدها فلا يقع في التصحيف، ومن ذلك ما مدح به أبو نواس خلفًا الأحمر2:
لا يهم الحاء في القراءة بالـ
…
ـخاء ولا لامها مع الألف
ولا يُعَمِّي معنى الكلام ولا
…
يكون إنشاده عن الصحف
وقال فيه أيضًا:
فكلما نشاء منه نغترف
…
راوية لا يجتني من الصحف
أفليس من الطبيعي بعد هذا كله أن يتجنب هؤلاء العلماء النص على الكتب التي أخذوا منها، وأن يكتفوا بسماعهم شيخهم أو قراءتهم عليه؟
ثم إذا بلغ هذا المتعلم من العلم مبلغًا يتيح له أن يجلس منه المتعلمون مجلسه من أولئك العلماء، أسند ما يلقيه من العلم إلى شيوخه، فيقول: حدثنا فلان، وأخبرنا فلان، وسمعت فلانًا يقول. وهذه الصيغ المختلفة للتحديث موهمة أنها كانت رواية شفهية، وأن مجلس العلم كله كان حديثًا لا كتاب فيه. ولكن الأمر على غير ذلك. فإن هذه الصيغ كلها إنما تدل على ما ذكرناه من حديث
1 العسكري، التصحيف والتحريف:13.
2 التصحيف والتحريف: 13 والبيتان فيه متداخلان محرفان، وصوابهما من ديوانه ص135؛ المطبعة العمومية بمصر سنة 1898.
العالم الشيخ في مجلسه، والمتعلمون والعلماء من حوله يقرءون أو يستمعون إلى من يقرأ، والشيخ العالم يشرح. والدليل على ما ذكرنا من أن مجالس العلم كانت تقوم على قراءة الكتاب وحديث وحديث الشيخ معًا، وأن إسناد التحديث إنما هو في حديث الشيخ وحده، وأنه لا ينفي وجود الكتاب؛ الدليل على ذلك ما نجمعه هنا:
قال محمد بن عمر الواقدي1: سألت ابن جريج "توفي سنة 150 وعمره 76سنة" عن قراءة الحديث على المحدث؛ فقال: ومثلك يسأل عن هذا؟ إنما اختلف الناس في الصحيفة يأخذها ويقول: أحدث بما فيها، ولم يقرها، فأما إذا قرأها فهو سواء.
وقال عثمان بن عبد الله بن أبي رافع2: رأيت من يقرأ على الأعرج "هو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز المتوفى سنة 177" حديثه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: هذا حديثك يا أبا داود؟ قال: نعم، قال: فأقول حدثني عبد الرحمن، وقد قرأت عليك؟ قال: نعم، قل: حدثني عبد الرحمن بن هرمز.
وهل أدل على وجود الإسناد مما يوهم السماع وحده بينما يكون المصدر الأصيل هو الصحيفة من هذه الكتب التي كتبها عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان يجيبه فيها عما يسأله، ويذكر فيها بعض الحوادث التاريخية؟ فمع أنها مدونة في صحف نجد الطبري، حينما يوردها في تاريخه، يذكر لها إسنادًا فيقول3 "
…
أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة أنه كتب إلى عبد الملك
…
".
1 ابن سعد 5: 361.
2 المصدر السابق 5: 209.
3 تاريخ الطبري 1: 1180.
فهذه كلها صريحة في أن الإسناد لا ينفي وجود الصحيفة أو الكتاب، وأن الكتاب والسماع جزءان يتمم أحدهما الآخر. بل إن الإسناد قد يوهم السماع حيث لا سماع، وإنما هو أخذ من صحيفة أو كتاب من غير قراءة على الشيخ وسماع منه. قال الواقدي1 عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه شهد ابن جريج جاء إلى هشام بن عروة فقال: يا أبا المنذر، الصحيفة التي أعطيتها فلانًا هي حديثك؟ قال: نعم. قال الواقدي: فسمعت أن جريج بعد هذا يقول: حدثنا هشام بن عروة، ما لا أحصي. فابن جريج في هذا الخبر لم يسمع هشام بن عروة، وإنما أخذ من صحيفة ولم يستمع إليه وهو يحدث بها، ومع ذلك فهو يسند، ويقول: حدثنا هشام بن عروة؛ وذلك لأنه اطمأن إلى أن ما في الصحيفة من حديث هشام حقًّا.
وخبر آخر يؤيد هذا الخبر السابق، وهو عن ابن جريج نفسه. قال الواقدي2: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة قال: قال لي ابن جريج: اكتب لي أحاديث سنن قال: فكتبت له ألف حديث ثم بعثت بها إليه، ما قرأها علي وما قرأتها عليه. قال الواقدي: فسمعت ابن جريج بعد ذلك يحدث يقول: حدثنا أبو بكرٍ بن أبي سبرة، في أحاديث كثيرة.
وقد مر بنا أن عطاء بن دينار روى التفسير عن سعيد بن جبير، ولكنه لم يسمعه منه، وإنما وجد عطاء هذا التفسير في ديوان عبد الملك بن مروان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير3.
ومن هذا القبيل ما يورده أبو الفرج في أغانيه عن أبي خليفة عن محمد بن سلام؛ إذ يقول أبو الفرج4 "أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام قال..". وأبو الفرج لم يلق أبا خليفة، وإنما كان يكتب إليه، ويؤيد ذلك
1 ابن قتيبة، المعارف:214.
2 ابن سعد 5: 361.
3 ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل 3/ 1:332.
4 الأغاني 2: 331.
قوله1: "أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي بإجازته لي يذكر عن محمد بن سلام
…
" فهذا إسناد وإجازة معًا من غير سماع ولا لقاء.
وذلك كله ينتهي بنا إلى ما ذكرناه قبل قليل من أن طريقة السلف في أخذ العلم وتحصيله تعتمد على الرواية، وأن الرواية تقوم على دعامتين؛ الأولى: الكتاب: يقرأه أحد الحاضرين في مجلس العلم، والآخرون يستمعون إليه أو يتابعون ما يقرأ في نسخ بين أيديهم من الكتاب نفسه. والثاني: السماع: وذلك حينما يتحدث الشيخ نفسه يصحح خطأ، أو يشرح غامضًا، أو يذكر ما حول النص من حوادث تاريخية. وأن لفظ "حدثنا" أو "أخبرنا" لفظ عام، قد يدل على الرواية بدعامتيها: القراءة والسماع: وقد يدل على السماع وحده؛ وقد يدل على القراءة وحدها دون سماع كما رأينا في الأمثلة الأربعة الأخيرة.
1 الأغاني 2: 158.