الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: معالم في الأدب مع العلماء
نص العلماء (1)[7] ) رحمهم الله على أنه ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بأزين الحلل، وأن تكون فيه حلية طالب العلم في وقاره وفي خشوعه وسمته. قال الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله:(حق على طالب العلم أن تكون فيه سكينة ووقار، واتباع لأثر من مضى قبله)(2)[8] ) .
إن طالب العلم إذا تزين بالآداب، وكان على أكرم الأخلاق، وجمّلها بالعلم، فإن الله يجمله بعد أن يصير عالماً، ولذلك نجد بعض العلماء مُهاباً جليلاً محبوباً، ولو نظرت إليه أثناء الطلب، لوجدته يهاب العلم ويجلّه، فبمقدار ما توفق إلى الآداب مع العلماء في مجلسهم ترزق من الطلاب مثله، فاجتهد -رحمك الله- في أن ينظر لك العالِم نظرة إجلال.
جلس الإمام أحمد بن حنبل يطلب العلم عند عبد الرزاق بن همام الصنعاني -رحمة الله عليهما- إمامان حافظان جليلان من علماء السلف وأئمتهم، حفظا سنة النبي صلى الله عليه وسلم ووعياها، وكانا على جلال وفضل وكمال -رحمة الله عليهما-.
كان عبد الرزاق يتقي المزاح والطرفة إذا كان الإمام أحمد في مجلسه، وهذا أبلغ ما يكون من الوقار والجلال الذي ألبسه الله أهل العلم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ذللتُ طالباً وعززتُ مطلوباً)(3)[9] ) .
وكان بعض السلف يكره أن يستند الطالب في مجلس العلم، كل ذلك إجلال ووقار للعلم وهيبة للعالم، وكانوا يشددون في مدّ الرِّجْل في مجلس العلم، ويشددون في الأمور التي تشعر بالاستخفاف بالعالِم أو بمجلس العلم.
(1) من محاضرة آداب طالب العلم للشيخ محمد، ألقيت في 28/4/1412هـ بمكة المكرمة.
(2)
رواه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم وفضله برقم (899)(ص:544) ط: دار ابن الجوزي بتحقيق أبي الأشبال الزهيري. وذكره الحافظ الذهبي رحمه الله في السير (8/48-135) .
(3)
رواه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في الجامع، وصححه المحقق الأستاذ الزهيري رقم (756) (ص:474) .
مكانك عند الله وكرامتك عند الله على قدر ما ينشرح له صدرك من تلقي العلم، ولذلك ما أحب الله العلماء بشيء مثل إقبالهم على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإياك ثم إياك أن تكون زهيداً في كل علم تتعلمه، والله، كم من مسائل سمعناها من العلماء، ما كنا نظن إنه يأتي يوم من الأيام فيكون فيها نفع، حصل فيها من النفع ما الله به عليم، لا تزهد من العلم في شيء، فلعلك أن تسمع حكمة تنشرها، يحيي بها الله القلوب، ولعلك تسمع سنة فتحييها، فيكتب الله لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
احرص على كل محاضرة وندوة ومجلس علم أن تحمل منه سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قولية أو فعلية أو اعتقادية، احرص على أن تتعلم ولو حديثاً واحداً، والله تعالى تكفل في كتابه لأهل العلم برفع الدرجات، تخرج من الدنيا ومكانتك عند الله على قدر ما حفظت من العلم، فطوبى لأقوام حفظوا كتاب الله وحفظوا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في صدورهم وقلوبهم، فخرجوا من الدنيا والله تبارك وتعالى راضٍ عنهم بذلك العلم والضبط، وبلغهم نفع ذلك العلم في قبورهم، فهم الآن في رياضها يتنعمون، وفي ما هم فيه من السرور والنعيم يغبطون (1)[10] ) ، فالله الله أن يزهد إنسان في خير من الله، احرص على الخير، واحرص على الانتفاع، ولذلك ما انتفع إنسان بسنة إلا نفعه الله بها ونفع بها غيره.
وكان السلف الصالح إذا أرادوا طلب العلم وطّنوا أنفسهم بالآداب الكريمة التي تحببهم إلى صدور العلماء.
(1) 10] ) قال الشيخ السعدي رحمه الله في الفتاوى السعدية (ص:115) –ط السعيدية-: وقد أخبرني صاحب لي كان قد أفتى في مسألة في الفرائض –تعلمها على أحد مشايخه، وكان قد توفي-، فقال: المسألة الفلانية التي أفتيت فيها وصلني أجرها. اهـ.
قالت أم الإمام مالك بن أنس رحمه الله لما ألبسته العمامة وأمرَتْه أن يذهب إلى مجلس ربيعة بن عبد الرحمن، قالت له:(أي بني: اجلس مع ربيعة، وخذ من أدبه ووقاره وخشوعه قبل أن تأخذ من علمه)(1)[11] ) .
فإذا وجدت طالب علم يحرص على الأدب في مجلس العلم، فاعلم أنه على سنة، ولربما فتح له العالم صدره وأقبل عليه؛ لأن الله جبل القلوب على محبة الأخلاق والآداب، وهي تدل على سمو النفوس وعلو همتها، وأنها تريد ما عند الله عز وجل، فلا يليق بطالب العلم أن يجلس في تلك المجالس لا يبالي بحرمتها، ولا يحسن التأدب مع أهلها.
(1) 11] ) ذكره ابن فرحون رحمه الله في الديباج المذهب (ص:20/ج1) .
قال بعض العلماء: أخشى على من أساء الأدب في مجلس العالم أن يحبط علمه وهو لا يشعر، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ((وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)) [الحجرات:2]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:(العلماء ورثة الأنبياء)(1)[12] ) ، فاستنبط رحمه الله من حكم الله عز وجل على من أساء الأدب في مجلس نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يَبْعُد أن يعامل بمثل ذلك؛ لأن العلم يعتبر في مقام النبوة، فمن أساء الأدب معه فقد انتهك حرمة تلك النبوة التي حواها صدره، كيف لا تتأدب مع العلماء وهم ورثة الأنبياء؟ كيف لا تتأدب معهم والله ائتمنهم على دينه وشرعه؟ كيف لا تخفض جناحك لهم وهم بمنزلة الوالدين، والله أمر بذلك في قوله تعالى:((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)) [الإسراء:24] ، بل ذهب بعض العلماء رحمة الله عليهم إلى أن حق العالم آكد من حق الوالد؛ لأن النسب الديني أعلى من النسب الطيني (2)
(1) 12] ) جزء من حديث أبي الدرداء المشهور (من سلك طريقاً
…
) ، وهو في المسند وسنن الترمذي وأبي داود وابن ماجة وفي صحيح الترغيب والترهيب برقم (67) .
(2)
13] ) مسألة: هل حق العلم آكد من حق الوالد؟ أشار إليها بعض الفضلاء من علماء الشناقطة بأبياتٍ منها:
تهاونٌ بالعلماء تهاونٌ
بالله والرسول لا تهاونوا
معظّم للعلماء معظّمُ
لربهم للعلماء عظموا
هل المعلم كوالدٍ أَم
دون أم الشيخ عليه قدّم
فيه خلاف والذي أقولُ
فيه على ما تقتضي النقولُ
تقديم حق عالِم عليه
مع كونه لديه ما لديهِ
كلاهما عقوقه محذّرٌ
منه ومن عقوق كلٍّ فاحذروا
لكن عقوقُ الوالدين يُغفَرُ
بتوبةٍ والشيخ لا لا فاحذرُ
ورد عليه العلامة أحمد فال الشنقيطي في أبيات، منها:
وكون حق الشيخ من حق الأبِ
ألزمَ لم أجده في قول النبي
ولم يكن يظهر لي في الحُكْم
ولم أجده في الكتاب المحكم
وكون ذا أصل الحياة الباقيةْ
والأب أصلٌ في الحياة الفانية
ليس به الدليل إذ للوالدينْ
أصلٌ لذين في ارتضاع المحتدين (*)
وكونه عقوقه لا يغفرُ
فخرْقُ الإجماع فمنه استغفروا
(*) تثنية مُحتِد، وهو الأصل، قاله في القاموس.
[13]
) .
قال بعض العلماء في قوله تعالى: ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)) [الحج:32] : المراد بالشعائر جمع شعيرة، وهي ما أشعر الله بتعظيمه، والله أشعر بتعظيم العلماء، فيدخلون في الآية، وليس المراد من تعظيم العلماء الغلو والخروج عن المنهج النبوي، وإنما المراد إعطاء تلك القلوب التي حفظت دين الله، وحفظت كتاب الله وسنة نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم حقها وقدرها في مصافحتهم، وفي الحديث معهم وفي مجالستهم وفي مناقشتهم ومناظرتهم، وفي الأخذ عنهم، فما يليق بطالب علم أن يجلس بين يد عالمٍ فيسيء الأدب معه سواءً بالخطاب، أو في لحن القول والجواب، أو في غير ذلك مما يكون في مشهده وغيبته. فكم من طلاب علم مقتهم الله لسوء أدبهم مع العلماء والعياذ بالله.
وكان للسلف الصالح –رحمهم الله قصب السبق في الأدب مع العلماء (1)[14] ) رحمهم الله، وكانوا يجلون العلماء وأهل العلم.
هذا ابن عباس رحمه الله النير النبراس، وارث الكتاب والسنة، لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أحَبّ أن يكون من طلاب العلم، فجاء إلى زيد بن ثابت وتعلق قلبه به، فكان يمسك بركاب زيد، وكان زيد يجل منه ذلك حتى قال له: ما هذا يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال ابن عباس: هكذا أمرنا بأن نصنع بعلمائنا (2)[15] ) .
(1) 14] ) ولما عوتب الإمام الشافعي رحمه الله على تواضعه للعلماء، قال:
أهينُ لهم نفسي فهمُ يكرمونها
…
...
…
ولن تكرمّ النفسُ التي لا تَهينها. اهـ.
تذكرة السامع والمتكلم (ص:87) ، ومناقب الشافعي، للبيهقي (ص:127) .
(2)
15] ) رواه الخطيب في (الجامع لأخلاق الرائي والسامع)(1/188) ، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، والحافظ ابن عبد البر في الجامع (ص:514) ، وصححه المحقق.
انظر إلى ابن عباس الذي علم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لي بالعلم، فأنا عالم إن شاء الله، ولكن أهان نفسه لكي يكرمها عند الله، وأذلّ نفسه لكي يعزّها الله، فكان له ذلك من الله.
ولما توفي زيد، جاء ابن عباس –وكان وفياً لأهل العلم- فحمل جنازته حتى سقطت عمامته من رأسه، ولم يزل فيها حتى دفنه. ثم لما دفن زيداً، قام على قبره تختنقه العبرة، فبكى وقال: ألا من سَرّهُ أن ينظُرَ كيف يقبض الله العلم، فلينظر هكذا يقبض الله العلم بموت العلماء (1)[16] ) .
ولذلك عزّت عند الله مكانته، ورفع الله قدره، وشرح صدره، وبلغ من العلم مبلغاً عظيماً، حتى كان إماماً لا يجارى، إذا وقف في كتاب الله يفسره، تفجرت ينابيع الحكمة في تفسيره رضي الله عنه وأرضاه، حتى قام في يوم عرفة ففسر سورة النور. يقول الراوي: والله لو شهده الفرس والروم والديلم لأسلموا لله عز وجل (2)[17] ) .
كل ذلك لما ذل للعلم وحفظ للعلماء حقوقهم رضي الله عنه وأرضاه.
والله، لا يحفظ حق العلماء إلا الموفق، ولا يقلل من شأنهم إلا من قلبه مرض وزيغ، وأهل البدع والأهواء –والعياذ بالله- يُعرفون بنقيصة العلماء.
قال بعض أهل العلم رحمهم الله: إذا أردت أن تنظر إلى رجل في قلبه مرض، فانظر في من يطعن في العلماء أو يحتقر العلماء.
(1) 16] ) أخرجه الإمام الطبراني في الكبير (5/4751/109) . والحاكم في المستدرك (3/422) . وابن سعد في الطبقات (2/361-362) . والحافظ ابن عبد البر في الجامع، وصححه الزهيري رقم (1035) (ص:601) .
(2)
17] ) رواه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في الجامع عن شقيق (1/543)، وصححه المحقق برقم (731) (ص:467) .
قال العلماء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فجلس بين يديه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه. قال: في هذا دليل على مراعاة الأدب في المجلس لطلب العلم، وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقف يعلمهم يقول أنس:(أطرقوا، وكأن على رءوسهم الطير)(1)[18] ) ، أطرقوا أذلة لله، يرجون بذلك وجه الله وما عند الله، فما أجلها من نعمة أن يوفق الله طالب العلم للأدب.
والله ما رأيتَ طالبَ علمٍ يتأدب في مجالس العلماء ويتأدب مع أهل العلم إلا وجدتَ محبته في صدرك، وأن الله جمله بأدبه، فالأدب هو شريعتنا وما دل عليه ديننا، والله تعالى أدب الصحابة في مجلس نبيه صلى الله عليه وسلم، فنهاهم أن يرفعوا الصوت عليه، ونهاهم أن يقوموا من مجلسه قبل استئذانه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:((لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)) [الحجرات:2]، وقال تعالى:((لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)) [النور:62] . ذلك لكي يرسم المنهج الأمثل لكل من أراد أن يتعلم العلم النافع، وأن يحفظ حق العلم وآداب العلماء.
لطالب العلم أدب مع العلماء الذين مضوا إلى الله تبارك وتعالى وانتقلوا إلى الدار الآخرة، وأدب مع العلماء الأحياء..
أولاً: الأدب لأموات العلماء رحمهم الله:
المَعْلَمْ الأول: ذكرهم بالجميل:
من حق العلماء الأموات على الأحياء أن يذكروهم بالجميل.
(1) 18] ) ذكره القاضي عياض رحمه الله في "الشفا" عن أسامة بن شريك رضي الله عنه 2/38- ط دار الفكر 1401هـ.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله وهو يبين عقيدة السلف الصالح رحمة الله عليهم حينما ذكر أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، من علماء الأمة من الصحابة والتابعين إليهم بإحسان، قال رحمه الله عنهم:(وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل)(1)[19] ) .
أي: ضل سبيل الأمة الذي يعصم الله عز وجل به الإنسان من الزلل والهوى، فذِكر العلماء الأموات بالسوء، وتتبع عثراتهم بقصد التشفي والتشهير لا خير فيه، إنما يبحث الإنسان عن علم العالم، فإن كانت عنده أخطاءٌ بينها، وإن كان له مخرج من تأول دليل في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أنصفه وبيّن دليله، وبيّن حجته.
ينبغي على طالب العلم أن يحفظ حق العلماء، سواء طلب على يديهم العلم أو لم يطلبه عليهم، فحقٌ على كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، إذا جلس مجلساً فذكر فيه عالماً، أن يذكره بالجميل، وأن لا يذكره بغير ذلك، فذلك شأن من ضل السبيل.
ينبغي على الإنسان أن يحفظ غيبة العلماء، إن حفظ عرض المسلم الذي هو من عامة المسلمين فريضة ينبغي حفظها، فكيف بالعلماء، ولذلك قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا اغتاب العالم يخشى عليه حتى ولو سامحه العالم، فإنه لا يؤمن عليه أن يعاقبه الله؛ لأن غيبة العالم فيها حقان: حقٌ لله، وحقٌ للعالم.
(1) 19] ) متن الطحاوية بتعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله (ص:59) .
أما حق العالم: فبأذيته بالكلام الذي لا ينبغي، وأما حق الله: فلأن تنقّص العلماء تنقيصاً للعلم الذي حملوه، فلا يجوز لإنسان أن يرضى عن من ينتقص العلماء، حتى ولو قال: إن فلاناً لا يحسن الاستدلال، أو لا يحسن العلم، فعندها ينبغي أن تأخذك حمية الدين، فتقول لمن يقول هذا الكلام: اتق الله في أهل العلم، فإنك قد اغتبتَ عالماً، والله، إن غيبة العلماء عظيمة من جرائم الذنوب التي ينبغي للإنسان أن يحذر منها، وبمجرد ما تحس من الإنسان الذي أمامك أنه يريد أن ينتقص عالماً، ففرّ بدينك قبل أن يسلب شيئاً من حسناتك، فلربما تجلس مجلساً واحداً تسمع فيه غيبة عالم تهون عند الله في ذلك المجلس، فمن عادى ولياً لله آذنه بالحرب.
فينبغي على الإنسان أن يحذر من سطوة الله في أذية العلماء، وإذا لم يغر لله على العلماء، فعلى من يغار، والمقصود من هذا كله أن تحفظ غيبة العلماء؛ لأنهم صفوة الله وأحباؤه من الخلق، وإذا أخطأ عالم في مسألة فينبغي أن يُبين الصواب لهذه المسألة، ولا حاجة إلى ذكر أسمائهم أو التعريض بها، كأن تقول قول فلان وتذكره وتسميه في معرض الردّ؛ لأن المقصود هو التوجيه والإرشاد والتعليم، لا انتقاص عباد الله وأكل أعراضهم.
ذكروا عن رجل من أهل العلم كان في مجلس من المجالس، فسمع رجلاً يغتاب عالماً قاضياً ويتهمه بالرشوة، فقال ذلك العالم الجليل –رحمة الله عليه- لذلك الرجل الذي تنقص واغتاب العالم: والله لا آمن عليك سوء الخاتمة، حلف بالله العظيم مَن نَقَل هذه القصة، قال: والله ما مرّت إلا مدة وجيزة شهدت وفاته، كانت على أسوأ حالة والعياذ بالله.
المَعْلَمْ الثاني: ذكرهم بالإجلال والإعظام:
تقول: قال الإمام رحمه الله، تذكره بالإمامة وتشرفه وتكرّمه؛ وتميزه عند ذكره عن عامة الناس بهذه الألقاب؛ لأن الله سبحانه وتعالى أدّبَ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله:((لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)) [النور:63] .
لا ينبغي أن يدعوَ الإنسانُ رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه مجرداً –صلوات الله وسلامه عليه-، وإنما يقول: يا رسول الله، ويا نبي الله –أي في حياته-، ولأن العلماء ورثة الأنبياء، فلا يقال: قال فلان وقال فلان
…
يذكره باسمه مجرداً، وإنما يذكره بما يدل على علمه ورفعة قدره، وأنه ليس كعامة الناس، فهذا حق من حقوقه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه)(1)[20] ) ، فكيف بإجلال العالم الحافظ لكتاب الله، والحافظ لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحيا الله به السنة، وأمات به البدعة، لا شك أنه أحق، وإجلاله إجلال للدين، وإذا ذكر العالم بوصف التشريف والتكريم أحست الناس بهيبة العالم، وأحست بمكانة العالم، وإذا ذُكِر كما يُذكر عوامّ الناس، لم يُفرّق بينه وبين العوام، فهذه مظلمة في حق العلماء –رحمة الله عليهم-، وهذا يستوي فيه الأحياء والأموات، ما دام أنه عالِم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن يُجَل وأن يُكرّم.
المَعْلَمْ الثالث: أن يعتني بردّ الجميل لهم:
(1) 20] ) رواه أبو داود من حديث أبي موسى رضي الله عنه، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب برقم (93) .
من نحن لولا الله جل جلاله، ثم علم هؤلاء العلماء..؟! ومن نحن لولا الله ثم هؤلاء الأئمة الذين فسروا كتاب الله وبيّنوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وقفوا عند كل كلمة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم
…
بيّنوا حلالها وحرامها.. وبيّنوا ناسخها ومنسوخها.. وبيّنوا حدودها ومحارمها.. وبيّنوا حقوقها وواجباتها –رحمة الله عليهم-، أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يسبغ عليهم شآبيب الرحمات، وأن يوجب لهم علوّ الدرجات، وأن يجمعنا بهم في رياض الجنات.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هؤلاء الأئمة لهم فضل.. لولا الله ثم هم ما تكلمنا، وما استطعنا أن نعرف كثيراً من شعائر ديننا، فينبغي للإنسان إذا قرأ كتاباً لعالم يترحَّم عليه ويدعو له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له)(1)[21] ) .
تمر عليك المسألة في الأحكام.. ويمرّ عليك حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مُشكلٌ لا تدري أهو صحيح أم ضعيف، ثم لا تدري متنه، ما هو المراد منه..؟ أهو مطلق أم مقيد..؟ عام أم خاص..؟ فإذا وقفتَ أمام هذا الكلام الذي يقوله الإمام، أدركتَ حقيقة المراد، وأدركت جليّته، وكنتَ على بينة من هذا النص في كتاب الله أو ذاك النص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تملك إذا اطّلعت على هذا الخير إلا أن تقول: رحمة الله على فلان
…
!
وكان بعض مشائخنا –وهو الوالد رحمة الله عليه- إذا نظر في الكتاب وقرأ فيه، كثيراً ما أسمعه يقول: رحمة الله عليه.. رحمة الله عليه.. رحمة الله عليه..! كأنه كلما فرغ من مسألة يترحم عليه، فسألته ذات مرة، قلت: يا أبتِ: أنت تكثر من قولك: رحمة الله عليه، قال: ما فرغت من مسألة وأحسست بفضله عليَّ إلا ترحّمتُ عليه، وهذا قليل من حقه عليّ، أي: أقل ما يكون له أن أقول: رحمه الله.
(1) 21] ) رواه البخاري في الأدب المفرد رقم (216) بإسناد صحيح.
من منا الآن إذا أمسك الكتاب وقرأ لهذا الإمام أو ذلك العالم دعا له بالمغفرة، ودعا له بعلو الدرجة..؟ فإنك إن دعوت له بالرحمة سخّر الله لك من ترحم عليك بعد موتك.
هؤلاء أولياء الله.. العلماء العاملون.. أهل السنة الذين هم على منهج الكتاب والسنة، هؤلاء أحباب الله، وهم صفوة الله بعد الأنبياء؛ ولذلك جعل الله فيهم علم الكتاب والسنة، وجعلهم أمناء على الشريعة والملة، فالترحم عليهم والدعاء لهم، خيرٌ كثيرٌ.
المَعْلَمْ الرابع: نشر فضلهم بين الأحياء، والاعتذار لهم في الأخطاء:
إذا قرأت فائدة، أو نقلت عِلماً نبَّه عليه إمام من أئمة السلف، كان من الحق عليك أن تنوِّه بفضله في ذلك، فتقول: كما قرّره شيخ الإسلام فلان، كما بيّنه الحافظ فلان، أو الإمام فلان، ولا توهم الناس أن الفضل –بعد الله- لك وحدك.. لا، وإنما تنصفهم وتذكر مآثرهم، وتبيّن فضلهم، فإن ذِكْرَ دقائق ما توصلوا إليه من الأفهام، وما كشفوه من العلوم والحقائق المبنية على دليل الكتاب والسنة.. ونشرِه بين الناس ونسبته إليهم، يُعرِّف الناس قدرهم، ويجعلهم يدركون فضلهم –خاصة بين طلاب العلم-، ويغارون عليهم من أن ينتقصوا وأن يُهانوا.
ثانياً: الأدب مع الأحياء من العلماء (1)
(1) 22] ) وللفقيه الشيخ محمد الإغاثة -نزيل المدينة المنورة- رجَزّيةٌ في أدب الطالب مع شيخه، أثبتها بتمامها للفائدة. قال -حفظه الله-:
الحمدُ لله مُنيل العلماءْ
فضلاً جزيلاً بالذي قد عُلما
ثم صلاته مع السلام
على الرسول سيد الأنام
يا طالب العلم فضعْ تحت اليدِ
ما سأقول تُعنَ من ذي اليدِ
ومِعدُ فلآتي بإذن الهادي
أفادهُ قَنَّونُ (*) في الجهاد
وبعد فاعلم أن لابن العربي
ففيه كل عجم وعربِ
برُّ المُعَلِّم على المعلَّم
يلْزمُ مثل الوالدين فاعلم
قبّل يداً عنه وامشي إن ركبْ
واجعله قبلةً وعظّم وارتكبْ
توقيره وانظر وأنْصِتْ واطلبِ
إذناً لدى السؤال كل مطلبِ
واحذر من أن تحفظ للزلاتِ
وطلبِ الغِرّةِ في الحالاتِ
وحقه حقيقةً وبرهْ
آكدْ على الآباء في المبره
هذا وقد نُقِلَ عن زروق
مع الذي سِيق مِنَ الحقوق
أن من اسْتَحْقَر بالأستاذ قَدْ
يُبلى بنسيان لما منه فَقَدْ
حفِظّ والموتُ بلا إيمان
مِن ذا أعوذُ بالعلي الرحمن
وَكَلّل اللسان عند الفزع
ربِّ قِنا الثلاث يوم المفْزَع
وفي العهودِ من رسول الله
قد عم أخذُ العهد كل لاهِ
منا وغيرُ لذويه ما عَقدْ
في نظمه الداني وبعدما انتقدْ
لو لم يكونوا عملوا بالحقِّ
لأنهم نُوّابُ خير الخلق
ومن يخنْهمُ فَقَدْ خانَ النبي
وذاك كفرٌ ولبعض مذهبِ
تكفير من صغّر كالعمامهْ
لعالم لو لم يكن إمامه
و (اليوسِي)(**) في قانونه ما يأتي
وحقه الكتبُ بما الحياةِ
انظر بمُقْلةِ الإجلال
ولتعتقد درجة الكمال
(*) اسم أحد علماء المالكية المغاربة -رحمة الله على الجميع-.
(**) اسم عالم من العلماء رحمهم الله.
[22]
) :
كانوا يقولون: قلّ أن يوفق إنسان لتعظيم العلم في الطلب إلا رزقهُ الله ذلك في طلابه ومن يأخذ العلم عنه غداً، مثلما كان يفعل، فإذا وجدت طالب العلم يوقّر العلماء، ويحترم العلماء، ويجلّ العلماء، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا وجدته يهين العلماء، وينتقص العلماء ويزدري العلماء، ويتتبع عورات العلماء، فاعلم أن فيه خلقاً من أهل البدع، فأهل السنة براء من هذه الرذائل، وطلاب العلم الصفوة الصادقين براء من هذه الرذائل، والنقائص شأن الجهال، إذا وجدوا العالم منهم في التفسير أو في الحديث أو في الفقه، وأطّلعوا على زلةٍ واحدةٍ منه، لَحِقَه منهم التشهير والتقريع والتوبيخ، وكأنه ليس من الإمامة في شيء، وهذا صنيع من لا ينصف، أما المنصف العادل فإنك تجده يعتبر ذلك الخطأ وذلك الزلل من قوله صلى الله عليه وسلم:(إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ له أجر واحد)(1)[23] ) .
(1) 23] ) متفق عليه من حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص رحمه الله.
فتعلم أن هذا إمام مجتهد، وأن هذه المسألة الفرعية من مسائل الفقه إذا أخطأ فيها وجه الصواب أن له الأجر عند الله عز وجل، وأنه لا ينبغي أن تُثرّب عليه، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمة الله عليه- في كتابه النفيس:(رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وقرره الأئمة –رحمة الله عليهم- أنه لا ينبغي أخذ الأخطاء المعيّنة والتشهير بالأئمة فيها، ولكن لا يمنع هذا أن نبين الأخطاء، وأن نبين أن هذه المسألة أخطأ فيها الإمام فلان، أو هذا أو ذاك.. ولكن لا تعتبر هذا الخطأ الفرعي سبباً في غمط هذا العالم حقه، فإن ذلك ليس من الإنصاف في شيء، فتجد مثلاً لو كان هذا الإمام إماماً من أئمة الجرح والتعديل أخطأ في هذا الراوي فحسّن روايته، وأنت ترى الراوي مجروحاً، وأنه لا يقبل التحسين، فلماذا يقال: إن فلاناً ليس من التحسين والتصحيح في شيء.. وهذا من أوهامه، وهذا من زلاته، ولا تغترّ به..! ولا كذا وكذا، من الكلمات الجارحة، التي تربي في طلبة العلم الاستهانة بالعلماء والاحتقار لهم، فلا ينبغي هذا، بل المُنبغي أن ننبه على الأخطاء، وننبه على فضل الأئمة، وعلوّ شأنهم، وعلوّ قدرهم عند الله عز وجل، وعند عباده الصالحين.
هذا منهج السلف، وهذا منهج الأئمة. ثم اقرأ –رحمك الله- في كتب الأئمة الأعلام الذين شرحوا الأحاديث وتكلموا في المسائل الفقهية، تجد الأدب الجم.. تجد التواضع.. تجد الاحترام والتقدير والإجلال.. وحفظ الفضل لأهله، ولا يحفظ الفضل إلا من كان من أهله، فتجد الأئمة والحفاظ إذا اطّلعوا على شيء قالوا: وقد قال فلان –عفا الله عنه- كذا، كل ذلك من باب الأدب، ولذلك قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم:((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ)) [التوبة:43] . قدّم له المغفرة والعفو قبل أن يعاتبه –صلوات الله وسلامه عليه-؛ ولذلك ينبغي التأدب مع الأئمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ونقصد بالأئمة: أئمة الكتاب والسنة، الذين شُهد لهم بتحري الحق والصواب، وأما غيرهم من المبتدعة وأهل الأهواء فليس على مثلهم يُلوى، ولا على مثلهم يُحزن.
وللتأدب مع العلماء الأحياء في مجالس العلم آداب ومعالم، منها:
المَعْلَمْ الأول: التبكير لمجلس العلم:
أول ما ينبغي على طالب العلم التبكير إلى مجلس العلم، فإن التأخر والتقاعس عن التبكير لمجلس العلم خاصة إذا كان عن قصد (1)[24] ) ، يدل على عدم توقير العلم، وعدم إجلاله.
فإن كان طالب العلم محافظاً على مجالس العلم، ولا يتأخر عنها إلا من عُذر ومن ضرورة، فإن الله سبحانه وتعالى يبارك له فيمن يأخذ عنه العلم..
التبكير إلى مجلس العلم كان من شأن الأئمة والسلف الصالح.
(1) 24] ) من درس مقدمة شرح سنن الترمذي، للشيخ محمد.
كان ابن عباس رضي الله عنهما يغدو إلى زيد بن ثابت فينام على عتبة بابه..! ينام في الظهيرة وينام في السحر، يُرى الله منه الجدّ، ويشهده على صدق رغبته في العلم، وهذا لو تأملناه لوجدنا فيه فوائد عظيمة، ذلك أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يرضَ لنفسه أن يشارك طلاب العلم، فيأتي ويحضر معهم إلى المجلس، ولكن غدا إلى بيت العالم، فمضى إلى زيد بن ثابت، وكان ينام على بابه، فإذا خرج زيد ربما أشفق عليه –رضي الله عنهما وأرضاهما-.
وثبت عنه أنه كان إذا ركب زيدٌ على دابته أخذ بخطام الدابة، فيقول له: أتفعل وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فيقول له ابن عباس: نعم، أنت من أهل العلم بكتاب الله عز وجل.
وكان زيد ممن كتب القرآن وحفظه وعلم حلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه –رضي الله عنه وأرضاه-.
ولما دفن زيد، بكى أبو هريرة وقال (1) [25] ) قولته المشهورة: لقد دفن الناس اليوم علماً كثيراً.. ولكن لعل الله أن يجعل في ابن عباس خلفاً من ذلك العلم..؛ لأن ابن عباس حفظ عن زيد، وكان كثير الحرص على التبكير إلى مجلس العلم.
المَعْلَمْ الثاني: الدنو والقرب من العلماء، والجلوس جلسة الموقر لمجلس العلم المتلهف عليه:
كن قريباً إلى العالم، حتى إذا دنوت منه أشِعره بالإجلال، تجلس جلوس (2)[26] ) المتأدب، جلوس من يتذلل للعالم، ويظهر له أن يحبه وأنه يجله.
(1) 25] ) رويت قولة مثلها عن ابن عباس في زيد في المصنف لابن أبي شيبة (3/57) وعند الحاكم في المستدرك (3/428) ، وأما عن أبي هريرة فلم أهتدِ إليها.
(2)
26] ) من محاضرة حلية طالب العلم، للشيخ محمد –سلّمه الله-.
دخل الإمام أحمد رحمه الله على خلف الأحمر –وهو أحد أئمة الحديث-، لما أراد أن يقرأ عليه، جاء ليجلس بين يدي خلف رحمه الله، وكان الإمام أحمد مهاباً عند مشائخه، فلما جاء إلى خلف، أراد خلف أن يكرمه؛ لأنه أمام طالب من طلاب العلم، فجلس إلى جنبه، فقال له الإمام أحمد لما أراد أن يقرأ عليه: والله لا أجلس إلا بين يديك، هكذا أمرنا أن نتواضع مع من نأخذ عنه العلم.
وذكروا عن بعض علماء التفسير من الأئمة –رحمة الله عليه- أنه كان معه بعض طلابه في مجلس من المجالس، وكان بعض طلابه نابغة في اللغة العربية، فتذاكروا مسألة في اللغة، فتكلم ذلك الطالب فأجاد وأفاد، ثم قال لذلك العالم: لقد كتبت فيها ورقات، فقال له العالم: اذهب فائتني بما كتبت، فلما جاء بتلك الورقات وتلك الرسالة، نظر فيها ذلك الإمام الجليل، ما إن تصفح منها صفحة واحدة حتى نزل من مجلسه وأقسم على تلميذه أن يجلس في المكان الذي كان فيه، وأن يجلس الشيخ بين يديه حتى يقرأ الرسالة عليه.. أمة تعظم العلم وتعطيه حقه.
طالب العلم الذي لا يحسن الجلوس في مجالس العلماء، أو يجلس جلسة المتكدر، أو يجلس جلسة المترفع عن العلم، هذا بعيد عن سنة الصالحين، غافل عن خلُق عباد الله المتقين.
العلم مادة وروح، مادة: هي قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم. وروح: وهو إجلال العلم وإجلال العالم، ولذلك يقول طاوس بن كيسان –إمام من أئمة السلف الصالح رحمة الله عليهم- تلميذ ابن عباس، يقول كلمة عجيبة، يقول:(من السنة توقير العلماء) .
المَعْلَمْ الثالث: الإنصات:
إذا جلست في مجلس العالم فكن حريصاً على الاستماع والإنصات، فلمجلس العلم حق، وانظر إلى تلك الآيات العجيبة من سورة طه، نبي من أنبياء الله، أراد الله أن يعلّمه، وأن يوحي إليه بدينه وشرعه، فقال له الله تعالى يخاطبه –وهو موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، قال له كلمات استفتحها بقوله:((إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) [طه:12-14]، أدب المجلس: اخلع نعليك، وأدب الحديث: استمع لما يوحى، فالله يعلمنا في هذا الخطاب أن الإنصات من حقوق مجالس العلم، وهذا هو شأن الصحابة من الجنّ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى:((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)) [الأحقاف:29]، أنصتوا: وصية يوصي بها بعضهم بعضاً، فلما تأدبوا في مجلس العلم، نفعهم الله به. وأما شأن الصحابة من الإنس في الإنصات فهو شيء عجيب، ورد عنهم في الأحاديث الصحيحة أنهم كانوا إذا ذكّرهم النبي صلى الله عليه وسلم بركوا وكأن على رءوسهم الطير. وفي حديث سهيل بن عمرو في صحيح الإمام البخاري -يوم الحديبية- أنه قال يصف النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه: لا يرفع أحد منهم بصره في وجهه إجلالاً وإكباراً له –صلوات الله وسلامه عليه-.
العلم أشرف ما اجتمعت عليه القلوب، ولذلك ينبغي على طالب العلم ألا ينشغل بشيء في مجلس العلم. وإني أعرف من طلاب العلم ممن صحبناهم، وبعضهم قد مات وتوفي –رحمة الله عليهم- كان من كبار السن، وجدنا فيهم من الإقبال على العلم العجبَ العُجاب.. كنا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم نجلس بين يدي الوالد ونقرأ الحديث، فربما وقع شيءٌ في المسجد، فتلفتت الأنظار هنا وهناك، وهم وجوههم لا تنصرف عمن يتعلمون منه، ولا يمكن أن تجد الواحد يلتفت يمنة أو يسرة.. إنما مقبلاً على الشيخ، أو مطأطئاً رأسه في كتابه أو صحيفته.. وهذا من أبلغ ما يكون من الكمال في طلب العلم.
المَعْلَمْ الرابع: التأدب معهم في الخطاب والسؤال:
كما أدّب الله الصحابة وهم جلوس في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ((لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)) [النور:63]، أدبهم وهم يسألونه:((لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)) [المائدة:101] ، وأدبهم وهم يصيحون وهو غائب عنهم، يستعجلون خروجه:((إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) [الحجرات:4] ، حكم عليهم أنهم ما عندهم عقل يردعهم، فمن حُرِم الأدب مع أهل العلم، ومع ميراث النبوة، فهو من الذين لا يعقلون؛ لأنه لو كان عنده عقل لعقله عن هذه الأخلاق الرديئة.
وإكرام أهل العلم في الخطاب لا يتأتى بألفاظ العوام والرعاع، التي يُستحى من ذكرها، البعيدة عن الحياء وكمال المروءة، بل نتعاطى الألفاظ التي تدل على معالي الأمور ويحبّها الله ويرضاها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الصحابة وتسأله الصحابيات عن الأمور الدقيقة، فتعجب من حُسن الأدب في السؤال، وكذلك كمال الأدب من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب.
فهناك أساليب ينبغي على طالب العلم أن يسلكها في السؤال لأهل العلم: كإشعار العالِم بعلمه، ومخاطبته بخطاب أهل الإجلال والتوقير، قبل طرح سؤاله، فلا يأتي الإنسان مباشرة إذا كان مع العلماء ونحوهم، من كبار السن والأئمة الذين عُرف فضلهم، أو في مجمع من الناس، ويقول: ما حكم كذا وكذا
…
؟!
ولكن يقول: يا شيخ.. أو يا إمام.. أحسن الله إليك.. يخاطبه بالإجلال، ويخاطبه بالتوقير قبل أن يسأله.
إن المعلم والطبيب كليهما
…
لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاقنع بدائك إن جَفَوْت طبيبه
…
واقنعْ بجهلكَ إن جفوتَ مُعَلِّما
العالم حينما يرى من طالب العلم الأدبَ والإكرام والإجلال يقبل عليه بكليته؛ لأن الإنسان يُكرِم حين يُكرَم، ويُجِلّ حين يُجَلّ.
لا تقاطعه في حديثه، ولا تعترض على ذلك الحديث حتى يقضي حديثه، وإذا أردت السؤال، بحثت عن الأمر الذي يليق السؤال عنه، فهناك مسائل لا يليق بطالب العلم السؤال عنها أمام العوام، وهناك مسائل للخواص، ومسائل بينك وبين العالم. ثلاث أنواع من المسائل:
النوع الأول: مسائل تصلح للعامة، وهي التي يعظم بها النفع لعامة الناس، فإذا جلست مع العالم، احرص على السؤال ولو كنت تعلم، حتى ينفع الله العامة بهذا السؤال إذا أجاب العالم، فمن تسبب في الخير رزق أجر ذلك الخير، تجلس مثلاً مع العالم، وفي الجلوس قوم ضالون، أو قوم حديثو عهد بالهداية، يكون السؤال عما يوصل القلوب إلى ربها ويذكرها برحمة خالقها، وعما يثّبتُ العبد على طاعة الله ومحبة الله، ويدله على مرضاة الله عز وجل.
النوع الثاني: المسائل العلمية التي فيها مناقشات، هذه خاصة بمجلس يغلب فيه طلاب عِلْم، لا العامة.
النوع الثالث: المسائل المحرجة التي يترتب على نشرها تشويش أو فتن، أو كان بها إساءة ظن بالعالِم، فهذه تكون بينك وبين العالم، لا يشارك فيها طلاب العلم ولا العامة، فتحرص على عدم فتح باب الشر.
أحبتي في الله، إن خير ما تقضي به مجالس العلماء، وخير ما يحرص عليه طلاب العلم مع العلماء إعانتهم على تبليغ رسالة الله، وإعانتهم على قضاء أوقاتهم وإمضائها في محبة الله ومرضاة الله، فلا يليق بطالب العلم أن يزور العالم فيضِّيع على العالم وقته، يجلس معه الساعات الطويلة دون أن يسأله، أو يذاكره، وإلى الله المشتكى من مجالس هذا الزمان، كيف خلت من حكمة تنشر، وموعظة تذكر، وسنة تحيا، وشريعة يذكّر بها.. إلى الله المشتكى! كيف أقفرت مجالس العلماء بضعف طلاب العلم عن السؤال، إنه والله من الرزايا: أن يَقْدُم العالم على البلد أو يَقْدُم على القوم فيزورهم، فلا يجد من يسأله إلا الواحد والاثنين، ويخرج من ذلك الموضع بثلاث أو أربع مسائل. أين الناس؟! كان العالم إذا خرج من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (أشهد) أنه إذا خرج، كان يخرج كخلية النحل من كثرة من يسأله، من كثرة من يستفتيه، من كثرة من يناقشه، من كثرة من يطلب العلم على يديه، أصبح بعض طلاب العلم الآن في كِبر وفي ترفع، يحس وكأنه ليس بحاجة للعالم، كم من مسائل في العقيدة، وفي الحديث، وفي الفقه، وتجد الإنسان أحوج ما يكون إلى من يعلمه بها، ومن يُطْلِعه على حقيقتها، ومن يفصل له ما فيها، ومع ذلك يصحب العلماء، ويستنكف عن سؤال واحد منهم، والله إنها لرزية، والله إنها لمصيبة، كم من مسائل يجهلها الإنسان في صلاته، في زكاته، في صيامه، في حجه، في عمرته، ومع ذلك لا يسأل العالم عن مسألة واحدة، ولكن يشغله بأسئلة خاصة عن حياته، ولا تعنيه.
المَعْلَمْ الخامس: تحضير الدروس:
ضبط العلم أمانةٌ ومسؤولية على طلاب العلم، ينبغي قبل أن يجلسوا في مجالس العلماء أن يقرأوا الدرس ولو مرة واحدة، ويقرأوا الحديث الذي سيشرح ولو مرة واحدة. وكان بعض العلماء يقول: مما يعاب على طالب العلم، ويدل على ضعف همته في طلب العلم: أن لا يقرأ الدرس قبل الجلوس بين يدي العالم، يعني على الأقل أن تقرأه مرة واحدة، تقرأ الحديث، أو الآيات، أي موضوعٍ تريد أن تقرأه على يد ذلك العالم، فإذا حضرت وردتْ عليك المسائل والاستفسارات، والاستشكالات البديعة، التي تكون سبباً حتى في إفادة العامة، فأحسنت الاستفادة من العالم، وأحسنت سؤال ذلك العالم، فكم من علماء استفادوا من أسئلة تلامذتهم واستشكالاتهم، ولذلك من الرزايا الموجودة الآن، أن العالم يلقي المسألة في الدرس، أو في الفصل، أو في المحاضرة، ولا يجد من يحسن سؤاله ومناقشته، إلا النزر من طلاب العلم، الواحد أو الاثنين.
لذلك أحبتي في الله، ضبط العلم وإتقانه: بقوة التحضير قبل الدروس، وبكثرة القراءة والمراجعة بعده، والله ما قرأتَ كتاباً وأنت ترجو به ضبط ذلك العلم، إلا يسّرهُ الله عز وجل لك، ما أردتَ به وجه الله، ولذلك قالوا: العلم من أفضل العبادات؛ لأنه تجتمع فيه جميع الجوارح، تكتب بيدك، وتسمع بأذنيك، وترى بعينيك، وتفهم بعقلك، جميع جوارحك في طاعة الله ومحبة الله.
المَعْلَمْ السادس: التواضع للحق:
أن يتواضع للحق أنى قيل له، وكيف قيل له، فالحق أحق أن يُتّبع، يا طالب العلم.. إذا بلغك القول عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم فطِب بذلك نفساً، واعلم أنه شرع الله، فاعتبره أصلاً وأساساً، طالب العلم الموفق في طلبه للعلم إذا بلغته الآية من كتاب الله أو الحديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، خضع لله، وقال بلسان الحال والمقال: سمعنا وأطعنا، يقول الله تعالى في كتابه:((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [النساء:65]، فلا وربك: يقسم الله عز وجل لنبيه، ((حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)) ، هذا أول شيء، يحكموك فيما شجر بينهم، ((ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا)) حرجاً: نكرة، حتى تعمّ، وليس وحدها، بل ((وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لِعَمْرَة، لَمَّا سألتها عَمْرة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت لها: أحرورية أنتِ (1)[27] ) ؟! أي: هل تعترضين على السنة، كشأن الخوارج من أهل حروراء.
(1) 27] ) متفق عليه.
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله -لما قال له ابن عمه في حديث العاقلة في سنن النسائي- قال له: يا أبا عبد الرحمن.. ألما عظمت مصيبتها قلت: ديتها، قال سعيد رحمه الله: يا ابن أخي، إنها السنة (1)[28] ) .
يعني إذا جاءك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فطِب به نفساً، وارض به شرعاً وحكماً، لا تتقدم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. يقول بعض العلماء: يخشى على الإنسان الذي تبلغه الحجة من الكتاب والسنة -إذا ردّها ولو برأيه- يخشى عليه أن تصيبه الفتنة.
(1) 28] ) رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ بلفظ: (حدثني يحيى عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألتُ سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عَشر من الإبل. فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال عشرون من الإبل. فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي) .
قال مالك: الأمر عندنا في أصابع الكف إذا قطعت، فقد تم عقلها، وذلك أن خمس الأصابع إذا قطعت كان عقلها عقل الكف: خمسين من الإبل، في كل أصبع عشرة من الإبل.
قال مالك: وحساب الأصابع ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار في كل أنملة، وهي من الإبل: ثلاث فرائض وثلث فريضة. (2/860) ، والخطيب في الفقيه والمتفقه، ورمز له المحقق بالصحة (ص:360) – رقم (358) ط. دار ابن الجوزي.
قال تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور:63]، جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله -وكان من أهل المدينة-، إني أريد أن أُهِلّ بالحج من قبر النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد، يعني: أريد أن أنوي الإحرام بالحج في داخل المسجد، حتى يعظم الأجر، بدلاً من أن أُأَخّر الإحرام إلى الميقات، وهو ذو الحليفة، أريد أن أحرم من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رحمه الله: لا تفعل، إني أخاف عليك الفتنة، فإن الله تعالى يقول:((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)) ، فاستنبط هذا الإمام الجليل: أنه لو أحرم من المسجد، لاعتقد أن فعله أفضل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الفتنة، فلو كان الإحرام من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، لأحرم منه صلى الله عليه وسلم، فكونه يؤخر –صلوات الله وسلامه عليه- يدلّ على أن السنة التأخير، ولا خير في تعمد مخالفة السنة. وكان السلف الصالح –رحمهم الله يقفون عند الآية من كتاب الله، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.