المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول: التراث والجهود المبذولة في نشره - مقدمة في أصول البحث العلمي وتحقيق التراث

[السيد رزق الطويل]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌مقدمة المؤلف:

- ‌الباب الأول: البحث العلمي وأصوله

- ‌الباب الثاني: التعريف بالمكتبة الإسلامية

- ‌الفصل الأول: دراسة تاريخية وميدانية للمكتبة الإسلامية

- ‌تمهيد:

- ‌أشهر المكتبات في تاريخ الإسلام:

- ‌أشهر المكتبات في العصر الحديث:

- ‌الفصل الثاني: من مصنفات التراث "أهم المصادر والمراجع

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: القرآن الكريم وعلومه

- ‌المبحث الثاني: الحديث الشريف وعلومه

- ‌المبحث الثالث: السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والتراجم والطبقات

- ‌المبحث الرابع: علوم اللسان العربي

- ‌المبحث الخامس: العقيدة والفلسفة والفرق والفكر الإسلامي

- ‌المبحث السادس: أصول الفقه وتاريخ التشريع

- ‌المبحث السابع: الفقه ومذاهبه

- ‌المبحث الثامن: حضارة الإسلام

- ‌المبحث التاسع: دراسات إسلامية عامة في مجالات متنوعة

- ‌الباب الثالث: التراث وتحقيقه ونشره

- ‌الفصل الأول: التراث والجهود المبذولة في نشره

- ‌الفصل الثاني: المخطوطات ومظانها في مكتبات العالم

- ‌الفصل الثالث: تحقيق التراث

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌مصادر البحث ومراجعه:

- ‌فهرس تحليلي لموضوعات هذا الكتاب:

الفصل: ‌الفصل الأول: التراث والجهود المبذولة في نشره

‌الباب الثالث: التراث وتحقيقه ونشره

‌الفصل الأول: التراث والجهود المبذولة في نشره

معنى التراث:

التراث في اللغة: مأخوذ من ورث، فالتاء مبدلة من واو هي فاء الكلمة، والورث أو الإرث بمعنى: البقاء، والوارث بمعنى: الباقي، والميراث أو التراث سمي بذلك لأنه يبقى بعد ذهاب صاحبه، والورثة لأنهم يبقون بعد مورثهم قال تعالى:{وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} .

ومن هنا يطلق التراث أو الميراث على كل ما يخلفه الإنسان من مال أو علم أو نحوهما. وفي الحديث: "العلماء ورثة الأنبياء".

لكنني ألمح في لفظ "التراث" إيحاء خاصا إلى ما خلفه الأدباء من علوم ومعارف ومصنفات، حتى صارت في تقديري علمًا بالغلبة على النتاج الفكري لأسلافنا الذين سبقونا بالبحث والدرس، وارتياد دروب التصنيف.

ولأمتنا نتاج غزير في شتى دروب المعارف الإنسانية، كما أنه متنوع في طريقة عرضه بين الإيجاز والتوسع، كما تختلف طرق عرضه، فهو يعرف المتون والشروح، والحواشي، والتقريرات وهو يعنى متابعة المعارف، والتعقيب عليها بالحوار حتى تنجلي أفكاره.

والمطبوع من هذا التراث أقل من المخطوط، ومخطوطاتنا تزدحم بها مكتبات العالم في الشرق والغرب.

وبداية الكلام عن التراث نشأ عند ظهور المطبعة، واكتشاف آلات الطباعة التي يسرت الكتاب وجعلته في متناول الجمهرة من المثقفين، وكان من قبل ذلك مقصورًا على أهل اليسار الذين يملكون ثمن الكتاب، ويعدون اقتناءه في بيوتهم زينة للبيت، كأية قطعة يعتزون بها من قطع الأثاث.

فمنذ ظهور المطبعة تحدث المثقفون عن المطبوع والمخطوط، وصارت كلمة التراث أكثر إطلاقًا على المخطوط منه بخاصة.

ص: 141

وإذا أخذنا اصطلاح علماء الآثار في أن الأثر لا يعد أثرًا إلا إذا مضى عليه مائة عام على الأقل، فإن المخطوط لا يعد من التراث إلا إذا كان مدونًا قبل ظهور الطباعة الحديثة، وعند ذلك يدخل في دائرة التراث المطلوب تحقيقه.

بداية نشر التراث:

بدأ نشر التراث مع بداية آلات الطباعة بصورتها الأولى.

وكانت طريقة النشر عبارة عن مجرد طباعة النص المخطوط دون اهتمام بمقابلة النسخ المتعددة إن وجدت، ولا يصححها، ولا الفهرسة لها.

وكانت بداية العمل لنشر التراث العربي والإسلامي على يد المستشرقين.

وأول كتاب عربي طبع هو كتاب: "صلاة السواعي: الصلوات الليلية والنهارية" وهو كتاب ديني مسيحي، وكان ذلك بمدينة "فأنو" بإيطاليا سنة 920هـ الموافقة لسنة 1514م، ولم تكن المطبعة ظهرت في بلاد العرب بعد.

كما ظهرت في مدينة البندقية بإيطاليا أول طبعة للنص العربي للقرآن الكريم سنة 1530.

وطبع في روما سنة 1000 من الهجرة، 1952م كتاب الكافية في علم النحو للفقيه المالكي عثمان بن عمر، المعروف بابن الحاجب "646هـ" كما طبع في العام نفسه كتاب نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار والبلدان والجزر والمدن والآفاق، لمؤلف غير معروف، وهذا الكتاب مختصر لكتاب: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للصقلي "560هـ".

وأشهر ما نشر من التراث -بجانب ما سبق- بالصورة الأولى للطباعة ما يأتي:

1-

النجاة لابن سيناء "428هـ" نشر في روما 1001هـ-1593م.

2-

التصريف لإبراهيم بن عبد الوهاب الزنجاني "655هـ" نشر في روما 1019هـ-1610م.

ص: 142

3-

المختصر في أخبار البشر لأبي الفدا "732هـ" طبع بتصحيح آرلر، صدر في خمسة أجزاء في "لهاي" 1023هـ-1789م.

4-

الأوزان والأكيال الشرعية لتقي الدين المقريزي، نشر في روستك 1212هـ-1800م.

دور المستشرقين في نشر التراث:

قام المستشرقون بدور بارز في نشر التراث العربي، وكانت لهم اهتمامات كبيرة بجمع المخطوطات ودراستها، ثم نشرها، وامتلأت مكتبات أوروبا بما جمعوه1، من تراث العرب ومخطوطاتهم التي بلغت مئات الألوف.

وقد نشروا من ذخائر تراث العرب الشيء الكثير، وتميز بالتحقيق، وتحرير النص والفهرسة.

ومما نشره المستشرقون خلال القرن التاسع عشر:

1-

شرح ديوان المفضليات، لأبي بكر الأنباري "328هـ" نشرته المطبعة الكاثوليكية بإكسفورد 1223هـ-1808م بتحقيق جاريس لايل.

2-

المنتخب من تاريخ حلب، وهو منتخب من "زبدة الحلب في تاريخ حلب" لابن العديم، نشره فريتاغ سنة 1234هـ-1819م.

3-

شرح ديوان الحماسة للتبريزي "502هـ" نشر في برن سنة 1828م بتحقيق فريتاغ.

1 ذهب عدد كبير من المستشرقين، وأقاموا في الشرق سنوات، واشتروا عددًا كبيرًا من المخطوطات منهم: ألو بيس شبرنجر "1813هـ-1893م" الذي مكث في الهند نحو 12 عامًا يعمل في المكتبات، والثقافة العامة، ولما عاد نهائيا إلى أوروبا عام 1856 أحضر معه مجموعة من الكتب بلغت نحو 200 مجلد، منها: ألف ومائة مجلد مخطوط عربي آلت ملكيتها بعد ذلك بقليل إلى مكتبة برلين. "انظر: الدراسات العربية والإسلامية في الجامعة الألمانية ص22، 23".

ص: 143

4-

تقويم البلدان، لأبي الفداء "732هـ" نشر بباريس 1256هـ-1840م بتحقيق ماك جوكين دي سلان.

5-

عجائب المخلوقات، للقزويني "682هـ" نشر في كوتنكن 1265هـ-1849م بتحقيق فستفلد.

6-

الكامل في اللغة والأدب، للمبرد "286هـ" نشر في لندن 1860 و. رايت.

7-

نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، للشريف الإدريسي الصقلي "560هـ" نشر في ليدن 1866 تحقيق روزي.

8-

معجم البلدان، لياقوت الحموي "626هـ" نشر في لايبزك سنة 1868 بتحقيق فستفلد.

9-

الفهرست، لابن النديم "438هـ" نشر في لايبزك سنة 1871 بتحقيق فلوجل.

10-

كتاب سيبويه، نشر في باريس 1881-1885م هرتويغ ورنبرغ.

11-

الأخبار الطوال للدينوري "282هـ" نشر في لندن 1888 بتحقيق فلاديمير وكراتشكوفسكي.

12-

صفة جزيرة العرب للهمداني "360هـ" نشر في ليدن عام 1891 بتحقيق دافيد هزيخ ميللر.

13-

المرصع لابن الأثير "606هـ" نشر عام 1896 بتحقيق س. ف سيبولدفيمار.

14-

رسائل أبي العلاء المعري، نشر في أكسفورد 1898 بتحقيق د. س. مرجليوت.

ص: 144

أشهر المحققين من المستشرقين:

1-

المستشرق الفرنسي كوسين دي برسنال "ت1835" نشر المعلقات السبع، ومقامات الحريري.

2-

المستشرق الفرنسي سلفستر دي ساس "ت1838" نشر ألفية ابن مالك.

3-

المستشرق الألماني جوستاف فلوجل "ت1870" نشر كشف الظنون والفهرست، كما نشر طبقات الحنفية لقطلوبغا.

4-

المستشرق الألماني فليشر "ت1888" نشر تفسير البيضاوي، والمفصل للزمخشري.

5-

المستشرق الألماني فستفلد "ت1890" نشر طبقات الحفاظ للذهبي، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام، ووفيات الأعيان لابن خلكان، ومعجم البلدن لياقوت الحموي.

6-

المستشرق الإسباني بسكواك دي جاينجوس "ت1897" نشر تاريخ فتح الأندلس لابن القوطية.

ص: 145

بداية نشر التراث في العالم العربي:

ظهر التفكير في نشر التراث العربي مسايرًا لظهور المطبعة على الأرض العربية، هذه الآلة التي استحدثها الإنسان1. فأثرت تأثيرًا عميقًا في تاريخ الفكر والحضارة، بل تعدّ نقطة تحول في هذا المضمار.

وكانت أول مدينة في الشرق عرفت الطباعة هي الأستانة، طبعت فيها التوراة سنة 1551، وترجمت للعربية بحروف عبرية2، وكانت أشهر المطابع فيها: مطبعة الجوائب لصاحبها العلامة أحمد فارس الشدياق، وكان يصدر عنها صحيفة الجوائب وبعض الكتب القيمة، وفيها من مؤلفات الشدياق: الجاسوس على القاموس، والساق على الساق فيما هو الفارياق3.

وظهرت الطباعة في لبنان منذ عام 1610م ثم تطورت واتسعت، وكان أشهر مطابعها: المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، وقد تجردت إلى حد ما عن الصبغة المسيحية، ونشرت جانبًا من أمهات كتب الأدب مثل: نوادر أبي زيد، وفقه اللغة للثعالبي، وديوان الأخطل، وكذلك مطبعة المعارف للبستاني سنة 1867، وصدر عنها بعض كتب الأدب والتراث.

وفي العراق أول مطبعة ظهرت فيه كانت سنة 1830، وظهرت بصورة واضحة سنة 1856 بعد أن أسس الرهبان مطبعة كاملة بالموصل.

وأنشئت أول مطبعة بفلسطين سنة 1830، وفي اليمن سنة 1788، وفي الحجاز سنة 1882، وفي عمان بالأردن سنة "1822"4.

1 اخترع آلة الطباعة يوحنا جوتنبرج الألماني "1379-1468م" انظر تاريخ الطباعة، خليل صابات، دار المعارف 1966.

2 التراث العربي، عبد السلام هارون ص44.

3 توفي الشدياق عام 1304-1887م، انظر الأعلام للزركلي 1/ 193.

4 الموسوعة العربية الميسرة ص1152 مؤسسة فرنكلين، القاهرة سنة 1959 بإشراف محمد شفيق غربال، وانظر: المستشرقون لنجيب العقيقي، دار المعارف بمصر سنة 1981.

ص: 146

وبإلقاء نظرة متأملة على الظروف التي أحاطت بظهور الطباعة في العالم العربي نجد أن أكثرها يحمل صبغة تبشيرية مسيحية، وقد تقدم بعض المطبوعات النافعة من التراث ذرا للرماد في العيون.

لكن حركة نشر التراث كانت زاخرة في مصر، دخلت المطبعة فيها مع الغزو الفرنسي وسميت المطبعة الأهلية، وكانت في الإسكندرية لخدمة أهداف الحملة، ثم نقلت إلى القاهرة، وانتهت بانتهاء الحملة أي: إن عملها من 1798-1801، ولم يصدر عنها مطبوعات ذات شأن يذكر.

وفي سنة 1819م أو 1821م أسس محمد علي المطبعة الأهلية على أنقاض مطبعة نابليون، ثم نقلت إلى شاطئ النيل عند بولاق، وعرفت بالمطبعة الأميرية أو مطبعة بولاق.

وكانت مطبعة بولاق ثورة ثقافية وحضارية وقفزة هائلة في تاريخ نشر التراث، وأخرجت إلى النور أروع ما دبجته أقلام الأوائل في شتى المعارف والعلوم.

ونظرة إلى هذا النص من كتاب معجم المطبوعات العربية والمعربة، لمؤلفه يوسف إلياس سركيس، نرى مدى النهضة التي عاشها التراث العربي في ظلال مطبعة بولاق يقول: عد ما طبع من الكتب في مطبعة بولاق من 19 مايو 1872م "1289هـ" إلى آخر ربيع الأول "1295هـ" فبلغت عدد النسخ "361815" نسخة وكان قد صدر له قبل ذلك 242057 نسخة فيكون الإجمالي 603872 حتى سنة 1295هـ1.

وهذا الرقم المشار إليه يعني عدد النسخ، لا أعداد الكتب؛ لأن هذه المطبعة قدمت فيما قدمت الكتب الموسوعية التي تضم عشرات المجلدات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

لسان العرب لابن منظور، صبح الأعشى للقلقشندي، القاموس المحيط

1 انظر ص33 من المعجم المذكور.

ص: 147

للفيروزآبادي، وتفسير الطبري، وفتح الباري شرح صحيح البخاري، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والكتاب لسيبويه، والأم للشافعي، والصحاح للجوهري، وشرح مقامات الحريري لأبي العباس الشريشي، وشرح الحماسة للتبريزي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية.

كما عنيت بجانب هذه الكتب التراثية بطبع الكتب المترجمة في أنواع العلوم، كالطب والهندسة والرياضيات والكيمياء والعلوم العسكرية.

إن دور مطبعة بولاق في نشر التراث بالغ التأثير سواء ما نشر منه على نفقة هذه المؤسسة العريقة كالكتب التي أشرنا إليها، أو طبع منها على نفقة أهل الخير والغيرة والفضل، وذلك مثل: خزانة الأدب للبغدادي، إذ جاء في ختمها بقلم مصححها الشيخ محمد قاسم ما يفيد أنها طبعت بمطبعة بولاق على نفقة عدد من أفاضل الناس حينذاك، وقد ذكروا بأسمائهم وأنصبتهم1.

وكان عمل هذه المطبعة العتيدة ذا طابع قومي، يهدف إلى إحياء التراث المجيد ونشره؛ ولذا تتوخى الأصول القيمة ونشرها بصرف النظر عن تكاليفها مما جعلها بعيدة عن الطابع التجاري الذي يستهدف الربح قبل كل شيء.

وكأن عمل هذه المطبعة في هذه الفترة -أعني أواخر القرن التاسع عشر ومطالع العشرين- بمثابة الرد غير المباشر على نعب الغربان التي طرحت على الساحة أفكارًا تدمر بها لغة الكتاب العزيز، وتتهمها بالتعقيد، فكان ظهور هذه الموسوعات بمثابة التكذيب العملي لهؤلاء الأفاكين.

وأمر آخر لا ينبغي أن نغفله وهو: وقوف الأزهر بتاريخه العريق ورجاله الأفذاذ وراء هذه المؤسسة تصحيحًا وضبطًا ومقابلة ومراجعة.

وكان المصححون في مطبعة بولاق لهم شهرة ذائعة، وكانوا أهل علم وثقافة بجانب الدراية بالمخطوطات، وأنواع الخطوط، ومنهم:

1 انظر: خزانة الأدب جـ4 ص499 الأميرية.

ص: 148

1-

الشيخ نصر الهوريني المتوفى سنة 1291هـ درس في الأزهر الشريف، وذهب إلى فرنسا إمامًا لإحدى البعثات، ثم تولى رئاسة التصحيح بالمطبعة الأميرية "بولاق" ومن مؤلفاته: المطالع النصرية للمطابع المصرية سنة 1275هـ1.

2-

الشيخ محمد عبد الرحمن، المعروف بقطة العدوي، عالم نحوي "1281هـ" ومن مؤلفاته:

فتح الجليل بشرح شواهد ابن عقيل، ونسخ بعض الكتب بخطه، وهي محفوظة بدار الكتب المصرية2.

3-

الشيخ رفاعة الطهطاوي 1290هـ، من أركان النهضة العلمية في مصر، ومؤسس مدرسة الألسن، وجريدة الوقائع المصرية3.

4-

إبراهيم عبد الغفار الدسوقي 1300هـ.

5-

محمد الهراوي 1257.

6-

محمد بن عمر بن سليمان التونسي 1274.

7-

محمد بيومي 1268.

ومن هؤلاء من كان متميزًا في تصحيح الكتب العلمية في الطب والهندسة والكيمياء4.

وظلت مطبعة بولاق تؤدي رسالتها على أكمل وجه نحو قرن من الزمان، ولم تخمد جذوتها إلا في فترات قليلة، وهي قائمة حتى الآن في مقرها الجديد على شاطئ النيل عند إمبابة تتوفر على طبع النشرات الحكومية، والوقائع المصرية، والقوانين الصادرة، ومطبوعات مجمع اللغة العربية وبعض الهيئات والمؤسسات الحكومية.

1 انظر: الأعلام للزركلي جـ8 ص29.

2 الأعلام 6/ 198.

3 الأعلام 3/ 29.

4 انظر: الأعلام جـ1، 6 في ترجمة هؤلاء.

ص: 149

المطابع الأهلية:

لم تقم مطبعة بولاق وحدها على الساحة، على قوامة نشر التراث وتحقيقه، وإنما رافقتها على الطريق بعض المطابع الأهلية، وأقدم مطبعة أهلية أنشئت بعد بولاق بنحو أربعين سنة وهي مطبعة الوطن أنشئت سنة 1861، وكانت تسمى المطبعة الأهلية القبطية، وأصدرت من كتب التراث: أدب الكاتب لابن قتيبة.

ومطبعة وادي النيل أسسها عبد الله أبو السعود أفندي، طبع فيها صحيفة وادي النيل، وبعض كتب التراث، ومما طبع فيها: الوسيلة الأدبية للشيخ حسين المرصفي.

ومنها: مطبعة جمعية المعارف، واسمها: المطبعة الوهبية أسسها محمد عارف باشا، وقد طبعت خمسة أجزاء من تاج العروس، كما طبعت الصحاح للجوهري، وأسد الغابة لابن الأثير، والمزهر للسيوطي، والتعريفات للجرجاني، وشفاء العليل فيما في كلام العرب من الدخيل للسيوطي "وهو من الكتب التي صححها الشيخ نصر الهوريني" وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.

وكان وراء هذا المجهود الكبير لهذه المطبعة جمعية المعارف التي تضم نخبة من فضلاء القوم، أسسوا هذه المطبعة لهذا الهدف النبيل.

ومنها: المطبعة الخيرية بالجمالية، وقد أسسها عمر حسين الخشاب، ومحمد عبد الواحد الطوبي، ومما نشرته: تاج العروس شرح القاموس للزبيدي، وقد طبع كاملًا في عشرة أجزاء "1306-1037هـ" وكذلك النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير سنة 1318هـ، وبأسفله: الدر النثير تلخيص نهاية ابن الأثير للسيوطي، وبهامشه مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، وكذلك كتاب الكامل للمبرد "1308هـ".

ومنها: المطبعة الأزهرية المصرية، وقد أخرجت الكامل في التاريخ لعز الدين بن الأثير، وبهامشه عجائب الآثار للجبرتي 1301هـ.

أذكر ما أذكره من هذه المطابع على سبيل المثال لا الحصر.

ص: 150

كما لا أنسى أن أذكر هنا: مطبعة السعادة بميدان باب الخلق، وقد أخرجت من كتب التراث: البحر المحيط لأبي حيان 1329هـ على نفقة مولاي عبد الحفيظ سلطان المغرب الأقصى، وأكثر الكتب التي حققها الشيخ محيي الدين، ولا تزال قائمة للآن.

ومنها: مطبعة مصطفى محمد صاحب المكتبة التجارية بأول شارع محمد علي، ومطبعة محمد علي صبيح، ومطبعة الحلبي1، التي قامت على أنقاض المطبعة الميمنية بالكحكيين، وانقسمت إلى مطبعتين: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ودار إحياء الكتب العربية، مطبعة عيسى البابي الحلبي، وكذلك مطبعة السنة المحمدية التي أنشأها2 الشيخ محمد حامد الفقي، رحمه الله.

1 مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، د. محمود الطناحي ص51.

2 انظر: التراث العربي لعبد السلام هارون، ومعجم المطبوعات العربية.

ص: 151

مراحل نشر التراث في مصر:

إن حركة نشر التراث وإحياءه لم تسر على وتيرة واحدة من حيث الإخراج، والعناية بالنص وتحريره وتحقيقه، بل إنها عبرت عدة مراحل، ونقطة التحول فيها هو ما أشرت إليه من أسلوب النشر وطريقة إخراج الكتاب المراد نشره.

وقد ارتضت في طريقة عرض مراحل النشر ما ذهب إليه الأخ الفاضل، العلامة المحقق د. محمود الطناحي الذي سعدت بزمالته في قسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، أستاذين ومشرفين على رسائل الطلاب والطالبات ومناقشين أيضًا، فإنه قد ذكر لنشر التراث بمصر أربع مراحل1:

المرحلة الأولى:

مرحلة المطبعة الأميرية ببولاق والمطابع الأهلية.

وكان عملها مجرد نشر للتراث، وإن تميزت بصحة النص وضبط العبارة، لكنها لم تعول على ذكر المخطوط ووصفه وتاريخه ومميزاته، كما لم تعن بالفهارس التي تفتح مغاليق الكتاب وتكشف مجاهله، اللهم إلا فهرسًا موجزًا للموضوعات.

كما لاحظنا في هذه المرحلة نشر أكثر من كتاب في كتاب واحد، وأحيانًا يصل الأمر إلى خمسة كتب2.

والمصحح للنص في هذه المرحلة ما كان يشير إلى نفسه إلا بعبارات في آخر الكتاب غاية في التواضع الذي يرفع من قدر العالم، مع أن الجهد المبذول فيه يفوق ما يؤديه كثير من أدعياء التحقيق في عصرنا الحاضر الذين يكتبون أسماءهم على الكتاب بحروف بارزة بينما أسماء المصنفين بحروف صغيرة لا تكاد ترى.

1 انظر: مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي.

2 على سبيل المثال: شرح سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح، طبع معه مواهب الفتاح في شرح التلخيص، وعروس الأفراح في شرح التلخيص، والإيضاح للخطيب القزويني، وحاشية الدسوقي على شرح السعد.

ص: 152

المرحلة الثانية:

الناشرون أصحاب المبدأ والرسالة.

وهم طائفة من الرجال الأعلام تصدوا لصناعة النشر، وأقاموا مطابع، وهم من أهل العلم والمعرفة وأصحاب رأي وفكر، يدفعهم إلى النشر إيمان وعقيدة قبل الكسب والربح.

نذكر منهم:

1-

الأستاذ محمد أمين بن عبد العزيز الخانجي:

ولد في حلب سنة 1382هـ الموافق 1865م، اشتغل في صغره بنسخ المخطوطات فتعلق بها وتجول في البلدان باحثًا عنها، ثم جاء إلى القاهرة، وأنشأ مكتبة الخانجي، توفي سنة 1358 الموافق 1939م ولا تزال مكتبته قائمة للآن يشرف عليها حفيده محمد أمين بن محمد نجيب بن محمد أمين الخانجي.

ذكر الأستاذ خير الدين الزركلي في الأعلام: أن الخانجي نشر نحو 378 كتابًا ورسالة1.

ومنها على سبيل المثال: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ومعجم البلدان لياقوت الحموي مع ذيله المسمى: منجم العمران في المستدرك على معجم البلدان، وحلية الأولياء، وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصفهاني، وغاية النهاية المعروف بطبقات القراء لابن الجزري.

وللخانجي دور بارز في نشر كتب ابن تيمية، وقد نوه به الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله في مقدمته لكتاب اقتضاء الصراط المستقيم.

2-

محب الدين الخطيب:

ولد في دمشق 1303هـ-1886م وتعلم بها، وواصل تعليمه بالأستانة،

1 انظر: الأعلام 6/ 44.

ص: 153

امتلأت حياته بالجهاد والنضال، وألقى عصاه بالقاهرة سنة 1920م واشتغل بالصحافة، فكان محررًا بالأهرام وأصدر مجلة الزهراء، ومجلة الفتح، وتولى تحرير مجلة الأزهر نحو ست سنين، وأسس المطبعة السلفية بالقاهرة في العام الذي حل فيه، وكانت خزانة كتبه تضم نحو عشرين ألف مجلد مطبوع، وأكثرها من النوادر، توفي سنة "1389-1969"1.

خدمت مكتبته التيار السلفي، وأصدرت نتائج أعلامه. حضرت مجلسا له مع الشيخ محمد نصيف سنة 1959 في إحدى زياراته للقاهرة، وقدم الشيخ نصيف مخطوطة كتابه: الخطوط العريضة لدعوى الشيعة الإمامية.

نذكر من إصداراته الواسعة: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني بمقدمة للشيخ عبد العزيز بن باز، وتعد هذه الطبعة الثانية بعد طبعة بولاق.

ومنها: الأدب المفرد للبخاري، وأدب الكاتب لابن قتيبة، والعواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي2.

3-

محمد منير الدمشقي:

ثالث هؤلاء الثلاثة الذين يجمعهم الانتساب لأرض الشام، درس في الأزهر وأصبح من أعلام السلفية، وأنشأ المطبعة المنيرية سنة 1337هـ، وتمتاز طبعاته بالأناقة وجودة الورق والإخراج، له فضل ظاهر في نشر الموسوعات، ومنها: عمدة القاري في شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني، والمحلى لابن حزم، والمجموع في شرح المهذب للنووي، وشرح المفصل لابن يعيش، والكامل في التاريخ لعز الدين بن الأثير، وروح المعاني للآلوسي، ونيل الأوطار للشوكاني، وبدائع الفوائد لابن قيم الجوزية.

1 الأعلام 5/ 282.

2 تولى أمر المطبعة السلفية بعده ابنه قصي الذي سار على درب أبيه في النشر، وله كمثله في العلم، وتوفي عام 1988م ونسأل الله أن ييسر لهذه الدار من يتولى بإخلاص أمرها.

ص: 154

توفي بالقاهرة سنة 1376هـ-1948م1.

وبموته توقفت مكتبته، وتوقفت مطبعته، ولم تجد من يخلفه في جهاده.

4-

حسام الدين المقدسي:

رابع هؤلاء الناشرين الشوام الذين حملوا لواء النشر بنباهة واقتدار في هذه المرحلة، ولد بدمشق سنة 1302هـ-1903م، وتلقى تعليمه بها وحصل على درجة الليسانس سنة 1927م منها.

كانت له مكتبة صغيرة بحي باب الخلق بالقاهرة أخرج منها عدة من نفائس التراث، منها: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي ثمانية أجزاء، 1350هـ، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين السخاوي، 12جزءا، واللباب في تهذيب الأنساب، لعز الدين ابن الأثير، ثلاثة أجزاء، والفروق اللغوية، لأبي هلال العسكري، ومنجد المقرئين، لابن الجزري.

ومما يميز هذه المجموعة من الشوام في هذه المرحلة التي توفروا فيها على نشر التراث في رحاب الكنانة، صلاتهم برجال الفكر والأدب في مصر، وبخاصة من كان له منهم عناية بالمخطوطات مثل: أحمد تيمور باشا، وأحمد زكي باشا "شيخ العروبة" كما كانت لهم صلة بمن استوطنوا مصر من العلماء الأعلام أمثال: الشيخ محمد الخضر حسين التونسي، والشيخ إبراهيم أطفيش الجزائري، والشيخ مصطفى صبري التركي، ومن المستشرقين: جويدي ونللينو الإيطاليان، وماسينيون الفرنسي، وبراجستراسر الألماني، وجولد تسيهر المجري.

وكان للشيخ حسام صلة خاصة بأديب مصر مصطفى صادق الرافعي، وبالزركلي صاحب الأعلام، توفي الشيخ حسام سنة 1978 بالقاهرة2.

1 الأعلام 7/ 310.

2 انظر الأخبار التاريخية في السيرة الزكية، لمحمد زكي مجاهد، القاهرة 1396، 1976م ص86، وانظر مدخل إلى تاريخ نشر التراث، د. محمود الطناحي ص65-69.

ص: 155

5-

الشيخ محمد حامد الفقي:

رائد دعاة السلفية في مصر، وصاحب الصوت المسموع والجريء في الإعلان عنها في وقت عز فيه الجهر بكلمة حق في هذا الصدد، أسس جمعية أنصار السنة، وأصدر مجلة الهدي النبوي، وأسس مطبعة السنة المحمدية التي توفرت على نشر كتب السنة والسلف وبخاصة تراث ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومن إصداراته: جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الجزري مجد الدين، 12 مجلدًا، ومختصر سنن أبي داود وعليه معالم السنن للخطابي، سبعة أجزاء، وزاد المعاد من هدي خير العباد، أربعة أجزاء، ومختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، واشترك معه في تحقيقه الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر، وكتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، ونظرية العقد لابن تيمية، ولا تزال المطبعة قائمة يرعاها حفيداه محمد السرور وعبد الرحمن ابنا محمد الطيب، وقد نقلاها في مبنى بضاحية مصر الجديدة، توفي رحمه الله سنة 1959م.

رأيته عن كثب، واستمعت إليه وكنت إذ ذاك طالبًا بالأزهر، بالقسم الثانوي ثم بكلية اللغة العربية، وكنت أرى في مجلسه شيوخًا أجلاء مثل: الشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ أحد شاكر، والشيخ أحمد حسين شقيق د. طه حسين.

6-

الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد:

علم من أعلام نشر التراث الذين توفروا عليه منذ مطلع حياته العلمية، بلغت منشوراته من التراث نحو خمسين كتابًا، كان رحمه الله عالمًا متنوع المعارف، متمكنا من اللسان العربي، كان عميدًا لكلية اللغة العربية جامعة الأزهر عندما كنت طالبًا بها، وهو الذي امتحنني شفهيًّا في السنة التمهيدية الأولى للدراسات العليا، كان شخصية متميزة، مهيبة، كما اختير عضوًا في مجمع اللغة العربية.

ص: 156

بدأ اهتمامه بنشر التراث مبكرًا، ومن أوائل إصداراته: شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني 1342هـ وهو في الرابعة والعشرين من عمره.

ومن إصداراته: أكثر كتب ابن هشام في النحو "قطر الندى، شذور الذهب، أوضح المسالك، مغني اللبيب" وكذلك شرح ابن عقيل للألفية، شرح الشافية مع زميليه وهو من أجود التحقيقات، معاهد التنصيص في شرح شواهد التلخيص للعباسي، مجمع الأمثال للميداني، العمدة لابن رشيق، وفيات الأعيان لابن خلكان، السيرة النبوية لابن هشام، تاريخ الخلفاء للسيوطي

إلخ. توفي رحمه الله سنة 1393هـ-1983م.

أهم ملامح النشر في هذه المرحلة:

يتميز النشر في هذه المرحلة على يد هؤلاء الأعلام بما يأتي:

1-

العناية بالتصحيح، وإخراج النص بصورة دقيقة يغلب على الظن أنها نص المؤلف.

2-

الأمانة العلمية البالغة.

3-

التخلص من الشكل الطباعي الأول الذي يضم الكتاب فيه عدة كتب، منها ما هو على الهامش ومنها ما هو في ذيل الصفحة.

4-

بدأ الاهتمام بذكر المخطوطات ووصفها وإثبات صور لبعض صفحات المخطوط والإشارة للنسخ الأخرى عند أكثر هؤلاء الناشرين.

5-

تميز هؤلاء الناشرون بهمة عالية وثابتة، إذ أقدموا على طبع موسوعات لم تقم بها من قبل إلا مطبعة بولاق.

6-

يؤخذ على هذه المرحلة أن الناشرين في كثير من الأحيان لا يذكرون إلا فهرسًا عامًّا للموضوعات، وفي أحيان قليلة يضعون فهارس شاملة نافعة1.

1 صنع الشيخ محيي الدين لوفيات الأعيان فهارس نافعة، وكذلك في تحقيقه لكتاب جواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر، نشر الخانجي.

ص: 157

7-

قد يعتمدون كثيرًا على مخطوط واحد، وهذا المخطوط قد يكون به سقط أو خروم.

8-

منهم من كان يبدأ نشر كتاب موسوعي، ولا يتمه لضيق ذات اليد، أو معاجلة المنية1.

3-

دار الكتب في ميدان النشر:

يمثل بروز دار الكتب بدورها المؤثر والعميق في ميدان النشر مرحلة هامة في تاريخ نشر التراث على المستويين: المصري، والعربي.

ذلك أن عملية نشر التراث قد بلغت في هذه المرحلة درجة عالية من الإجادة والإتقان، كما أن هذه الدار العريقة ضمت مجموعة من خيار المحققين الذين يجمعون بين العلم والفطنة والخبرة الواسعة بالمخطوطات، كما تكون بها القسم الأدبي الذي كان يعد مدرسة للتحقيق، وكان على رأسه الأستاذ أحمد زكي العدوي رحمه الله والمجموعة الطيبة التي معه تضم الشيخ محمد الخضر حسين الذي أصبح شيخًا للأزهر فيما بعد، والعالم الجزائري الشيخ إبراهيم أطفيش، والشاعر الضرير أحمد الزين، والشيخ عبد الرحمن محمود، والشاعر أحمد نسيم، والأستاذ محمد عبد الجواد الأصمعي، والشيخ أحمد عبد العليم البردوني.

ولعل باعث هذه الحركة شيخ العروبة أحمد زكي باشا الذي كان على رأس هذه الدار ومبتكر علامات الترقيم، وصاحب الخبرة بالمخطوطات والتراث، والذي حول التحقيق إلى علم بعد أن وصل محققو الدار بمناهج المستشرقين في التحقيق، وكانت له مكتبة خاصة تضم عشرة آلاف مجلد، وكانت تسمى المكتبة الزكية، ورمز لها بالحرف

1 وذلك كما فعل الشيخ محب الدين الخطيب في طبع الثلث الأول من خزانة الأدب للبغدادي وتوقف، وكما فعل الشيخ حسام القدسي، إذ طبع الأجزاء الخمسة الأولى من تاريخ الإسلام، للحافظ الذهبي ثم توقف.

ص: 158

"ز" في فهارس دار الكتب. يقول عنه شكيب أرسلان: "كان يقظة في إغفاءة الشرق، وهبة في غفلة العالم الإسلامي، وحياة وسط ذلك المحيط الهامد".

توفي عام 1353هـ-1934م.

ومن تحقيقاته: كتابا "الأصنام"، و"أنساب الخيل" لابن الكلبي، مطبعة بولاق سنة 1914، وكتاب التاج للجاحظ، ويقال: إن هذه الكتب أول كتب صدرت بكلمة "تحقيق فلان" كما حقق "نكت الهميان في نكت العميان" لصلاح الدين الصفدي، ونشره عام 1329هـ-1911م1.

ومن إصدارات القسم الأدبي بدار الكتب: نهاية الأرب للنويري "ثمانية عشر جزءا، وله بقية" وأخرجته الهيئة المصرية للكتاب "هي تطوير لدار الكتب" إلى الجزء الرابع والعشرين.

كما أصدرت الأغاني إلى الجزء "16" وأكملته الهيئة إلى نهايته أي: الجزء "24" وذلك بتحقيق الأستاذ محمد أبي الفضل إبراهيم، وباقتراح وتضحية وبذل من الأستاذ السيد راتب النفاخ2.

كما أخرجت دار الكتب تفسير القرطبي "20 جزءا" والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي حتى الجزء الثاني عشر، وأتمته الهيئة إلى الجزء الثامن عشر أي: نهايته.

وكذلك شروح سقط الزند "خمسة أجزاء" والطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، ليحيى بن حمزة العلوي "ثلاثة أجزاء" وأساس البلاغة للزمخشري "جزآن" والمعرب للجواليقي، ومعجم ألفاظ القرآن الكريم، كما أصدرت طبعات محققة لدواوين الشعراء: مهيار الديلمي، وزهير، وابنه كعب،

1 انظر: أحمد زكي شيخ العروبة، سلسلة أعلام العرب، والتراث العربي ص53، 54 عبد السلام هارون، والأعلام للزركلي 1/ 127، 6/ 114، ومقدمة الأغاني ص59.

2 انظر التراث العربي ص54.

ص: 159

وحميد بن ثور، وديوان الهذليين، وتمر الأيام على هذا القسم وتنتابه بين الحين والحين ظروف ضعف وقوة، ونأمل أن يسترد نهضته الأولى1.

المرحلة الرابعة:

رجال برزوا في ميدان التحقيق وأبلوا فيه بلاءً حسنًا، وأحسنوا إخراج تراث أمتهم آية في الإبداع والإتقان، واتباع أهدى وسائل التحقيق مع خبرة بالمخطوطات، وعلم غزير بمعارف الأمة، حتى إن النص المحقق يخرج من بين أيديهم سليمًا من كل سوء لا يخالجك شك في أنه نص مؤلفه.

كل هذه أمانة وتواضع، من شأنه أن يرفع من شأن العلم، ويسمو بقدر هؤلاء الرجال.

1-

الشيخ أحمد محمد شاكر:

وهو نجل الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر، ورائد من رواد إصلاحه، وكان من أهل العلم والخبرة بالحديث وعلومه، والتراث وفنونه، واشتغل بجانب ذلك بالقضاء الشرعي، فكان حازمًا صارمًا لا تلين له قناة، استوعب علم المستشرقين النافع في قضية تحقيق التراث، رأيته كثيرًا يتردد على الشيخ محمد حامد الفقي، وهما فرسا رهان، ووقعت بينهما مساجلة على صفحات مجلة الهدي النبوي التي أشرف برئاسة تحريرها الآن، ثم غضب من الشيخ الفقي لأنه حجب إحدى مقالاته حول ابن تيمية، إذ فيها ردود صارمة عليه، فأخرج في بضعة أيام كتيبا قدمه للناس شرح فيه ما بينه وبين الشيخ حامد، رحم الله الجميع.

لقد كان أحد المشرفين على تحقيق التراث في دار المعارف.

1 صدر عن هذا القسم أيضًا: إنباه الرواة للقفطي، ومعاني القرآن للفراء، والخصائص لابن جني، وديوان ابن الرومي في ستة مجلدات بتحقيق د. حسين نصار، والمعارف لابن قتيبة، والمذكر والمؤنث للمبرد، تحقيق د. رمضان عبد التواب، ومقدمة ابن الصلاح، تحقيق بنت الشاطئ.

ص: 160

وأصدر عن طريقها أجزاء كثيرة من المسند للإمام أحمد، كما اشترك مع الأستاذ عبد السلام هارون في تحقيق إصلاح المنطق لابن السكيت.

وأروع أعمال الشيخ: إخراجه كتاب الرسالة للإمام الشافعي 1358هـ-1939م، على صورة رائعة متقنة من الضبط، وتحقيق النقل، وتحرير المسائل والفهرسة الواسعة الشاملة، حتى إنه استجد فهرسًا للمسائل اللغوية في رسالة الشافعي، ثقة منه بلغته، إذ إنه مع من يرون الاستشهاد بكلام الشافعي مع أنه بعد عصر الاستشهاد. هذا قليل من كثير، رحم الله الشيخ وأجزل مثوبته.

2-

الأستاذ عبد السلام هارون:

من أساتذة دار العلوم الذين يشار إليهم بالبنان، وعضو مجمع اللغة العربية، وواحد من أعلام المحققين الذين لهم فيه قدم صدق، عرف التحقيق في صورته المثلى، وكتب في أصوله أول كتاب في بابه، وهو:"تحقيق النصوص ونشرها".

حقق مكتبة الجاحظ "البيان والتبيين، الحيوان، ورسائل الجاحظ، أربعة مجلدات".

كما حقق معجم مقاييس اللغة لابن فارس، ومجالس ثعلب، وهو أول كتاب في سلسلة ذخائر العرب التي أصدرتها دار المعارف، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم، والكتاب لسيبويه، وخزانة الأدب للبغدادي "أحد عشر جزءًا".

كما أصدر نوادر المخطوطات ثمانية أجزاء في مجلدين، تضم 22 كتابًا ورسالة، وغير ذلك كثير، رحمه الله رحمة واسعة.

3-

الأستاذ السيد أحمد صقر:

في قمة المتقنين للتحقيق، وبخاصة في ميدان الحديث الشريف.

ص: 161

بدأ الاشتغال بالتحقيق وهو طالب بالأزهر، فأخرج ديوان علقمة بن عبدة سنة 1935م.

وهو من بيت علم؛ إذ كان والده أستاذًا بكلية أصول الدين، له ملكات متعددة، وإمكانات عدة، وقدرة متميزة في تذوق التراث، وسبر أغوار المخطوطات، وكشف الزيف والدخيل.

أخرج آثار ابن قتيبة، كما حقق إعجاز القرآن للباقلاني، ونال به جائزة مجمع اللغة العربية، كما حقق الهوامل والشوامل "وهو أسئلة من أبي حيان التوحيدي وإجابتها لابن مسكويه" بالاشتراك مع الأستاذ أحمد أمين.

غير أن الشيخ أحمد صقر كان قد طوى الآن خزائنه على ما عنده من بعض النوادر لاقتحام مجال التحقيق كثير من الأدعياء1.

4-

الأستاذ محمود محمد شاكر:

شقيق الشيخ أحمد شاكر ونجل وكيل الأزهر الشيخ محمد شاكر، والذي كان قبلًا شيخا لعلماء الإسكندرية، ومؤسسا لمعهدها. ولد في العاشر من المحرم 1327هـ، أول فبراير 1909م2. حصل على شهادة البكالوريا، والتحق بكلية الآداب، ولم يتم فيها دراسته لخلافه مع الدكتور طه حسين، وهاجر إلى الحجاز، ثم عاد إلى القاهرة ليكتب في الصحف والمجلات، وتعرف على أعلام عصره، وحضر وهو طالب بالثانوي دروس الشيخ سيد المرصفي في جامع برقوق، وقرأ عليه كتاب الكامل للمبرد في بيته.

واشتغل بتحقيق التراث، فأبدع وكشف عن علم غزير، يعرف الدقائق والشوارد، وذاكرته تحوي الفرائد، وكتبه في مكتبته حافلة بتعليقاته النافعة، سمعت هذا من

1 المكتبة الخاصة للأستاذ السيد صقر -كما علمنا- تضم قدرًا عظيمًا من نوادر المصاحف الشريفة، والمخطوطات، والمصورات، والمطبوعات القديمة.

2 انظر: مدخل إلى تاريخ نشر التراث ص104 د. محمود الطناحي.

ص: 162

خلصائه وأصفيائه الذين أثق في رواياتهم، وأذكر منهم الشيخ أحمد بن مانع، ود. محمود الطناحي.

من درر التراث التي أخرجها: طبقات فحول الشعراء لابن سلام، وتفسير الطبري، وصدر منه ستة عشر جزءًا، وتهذيب الآثار للحافظ ابن حجر، وجمهرة نسب قريش للزبير بن بكار.

وإن أروع ما نحسه في حياة هذا العالم تلاميذه في التحقيق الذين تخرجوا على يديه، ونالوا الدرجات العلمية بما مهد لهم من أسباب التحقيق الجاد.

وقد كلل جهاده وجهوده بأن مُنح جائزة الملك فيصل في الآداب سنة 1985م عن كتابه: المتنبي، نفع الله تعالى به.

ص: 163

هيئات توفرت على نشر التراث بمصر وخارجها:

أولًا: في مصر

هيئات متعددة على أرض مصر تضافرت جهودها من أجل نشر تراث هذه الأمة؛ ليؤدي دوره في إعادة أمجادها، واسترجاع مكانتها العلمية، وهذه الهيئات منها ما هو رسمي، ومنها ما هو شعبي، وقد أشرت فيما مضى إلى دار التراث ثم الهيئة العامة للكتاب، وما اضطلعت به من دور رائع في تحقيق التراث ونشره، ونضيف لذلك:

1-

جامعة القاهرة "جامعة فؤاد الأول سابقًا":

ومن منشوراتها: الذخيرة في علم الطب، لثابت بن قرة، تحقيق جورجي صبحي سنة 1928.

ونقد النثر، لقدامة بن جعفر، تحقيق د/ طه حسين، والأستاذ عبد الحميد العبادي.

والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام "ثلاثة أجزاء" 1945م بإشراف د. طه حسين، والمستشرق ليفي بروفنسال، وقام بالتحقيق بعض شباب الجامعة إذ ذاك: محمد عبده عزام، وعبد العزيز الأهواني، وخليل عساكر، وعبد القادر القط، وبخاطره الشافعي، وكتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني بتحقيق شفيق شحاتة سنة 1954م.

وقد التزموا في طريقة تحقيقهم منهج المستشرقين في تحرير النص وضبطه، وفروق النسخ، والفهارس فحسب1.

2-

لجنة التأليف والترجمة والنشر:

تأسست سنة 1914، تولى رئاستها فترة طويلة الأستاذ أحمد أمين، ومن

1 انظر: مدخل إلى تاريخ نشر التراث د. محمود الطناحي ص123.

ص: 164

أعضائها: صبري أبو علم، ود. محمد عوض محمد، والأستاذ عبد الحميد العبادي، والأستاذ أمين مرسي قنديل، والأستاذ محمد بدران مترجم الموسوعة الكبيرة:"قصة الحضارة، لول ديورانت"1.

ومن منشوراتها: السلوك لمعرفة دول الملوك، للمقريزي بتحقيق د. مصطفى زيادة، والإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، والعقد الفريد لابن عبد ربه، بتحقيق أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الإبياري والجزء السابع منه فهارس صنعها الأستاذان: محمد فؤاد عبد الباقي، ومحمد رشاد عبد المطلب.

ومن إصداراتها: سمط اللآلئ لأبي عبيد البكري، تحقيق العلامة عبد العزيز الميمني الراجكوتي.

3-

دار المعارف:

ومن إصداراتها: مجموعة ذخائر العرب التي صدرت بإشراف: الشيخ أحمد شاكر، ومحمود شاكر، وحلمي عيسى، وطه حسين، وعبد السلام هارون.

4-

معهد إحياء المخطوطات العربية:

أنشئ سنة 1946م تابعًا للجامعة العربية، يمثل واحدًا من أنشطة اللجنة الثقافية بها، وكان على رأس هذه اللجنة د. طه حسين، كما كان يشرف عليها الأستاذ أحمد أمين، قام بتصوير المخطوطات وجمعها من مظانها.

ومن إصداراته: لمحمد بن الحسن الشيباني كتاب السير الكبير، ومختار الأغاني لابن منظور، وكتب أخرى، ونشاطه الآن متوقف.

5-

المجلس الأعلى للشئون الإسلامية:

أنشئ سنة 1980م تابعًا لوزارة الأوقاف، وأصدر طائفة كبيرة من كتب التراث.

1 انظر التراث العربي ص59، والأعلام 1/ 101.

ص: 165

ومن أهم إصداراته: المقتضب للمبرد، والقراءات الشاذة لابن جني.

6-

مجمع اللغة العربية:

أنشئ سنة 1934م في عهد الملك فؤاد الأول.

ومن إصداراته: عجالة المبتدي وفضالة المنتهي في الأنساب، لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي، والأمثال للسرقسطي، والقلب والإبدال لابن السكيت.

ويقوم الآن "وقت تأليف هذا الكتاب" بطبع كتاب غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام، والذي طبعته دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد بالهند سنة 1965م.

7-

المجلس الأعلى للفنون والآداب:

أعاد نشر بعض إصدارات دار الكتب المصرية، مثل: ديوان الهذليين، وشروح سقط الزند.

ثانيًا: في خارج مصر:

1-

في الأستانة، تركيا.

مما نشر فيها: شرح كافية ابن الحاجب للرضي سنة 1275هـ.

وطبعة جيدة لصحيح مسلم في ثمانية أجزاء سنة 1334هـ.

2-

في بيروت.

وتقوم أكثر جهود النشر فيها على تصوير إصدارات الآخرين، لكن هذا لا يمنع من وجود جهود طيبة في النشر، وبخاصة دار الفكر، ودار الثقافة بتوجيه د. إحسان عباس.

3-

نشر التراث في العراق، وزارة الإرشاد العراقية.

4-

نشر التراث في سوريا، منه الحكومي ممثلا في جامعة دمشق ووزارة الثقافة، ومنه الأهلي مثل المكتب الإسلامي بدمشق، ودار الرسالة.

ص: 166

5-

نشر التراث في المملكة العربية السعودية ممثلا في مراكز إحياء التراث بالجامعة السعودية.

6-

نشر التراث في الكويت، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية وجامعة الكويت ودور النشر الخاصة.

7-

نشر التراث في قطر، وفيها نهضة واسعة لإحياء التراث تابعة للدولة بإشراف الشيخ عبد الله الأنصاري.

8-

نشر التراث في المغرب العربي، وزارة الأوقاف ومؤسسات أهلية.

9-

دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن، الهند.

10-

كل هذه الدول -على اختلاف بيئاتها- ضمت مراكز متعددة لتحقيق التراث -كما أشرنا- وقد قدمت في هذا المجال الشيء الكثير حسب الإمكانات المتاحة لكل منها، وإن هذه المواطن شهدت نهضات متعددة في إصدارات للتراث، في كل فروع المعرفة الإسلامية، ورأينا دررًا فريدة أخرجت بسعر التكلفة، ووزع كثير منها هدايا لطلاب العلم1.

11-

كذلك كان للمستشرقين جهود بارزة في نشر التراث وتحقيقه، أشرنا فيما مضى إلى جانب كبير منها.

1 انظر: دليل المصادر في الفصل الثاني من الباب الأول من هذا الكتاب، وفيه إشارات إلى مواطن صدورها تؤكد ما ذكرته لك هنا من إسهامات الدول العربية وجامعاتها في تحقيق التراث.

ص: 167