الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الخامس: مع التأويل في سورة الإسراء
ورد التأويل مرة واحدة في سورة الإسراء، وذلك تعقيبا علي أمر الله المؤمنين بتوفية المكيال، وإتمام الميزان، حيث اعتبر ذلك خيرا وأحسن تأويلا.
قال تعالى: وأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ، وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ: ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (1).
الكيل والوزن بين الإتمام والتطفيف:
هذه الآية ضمن آيات تقدّم للمسلمين مجموعة من التوجيهات القرآنية حول الأخلاق والفضائل، حيث تأمرهم بالتحلي بمكارم الأخلاق ومحاسنها، وتنهاهم عن قبائحها ومساوئها.
هذه الآيات من الآية الثالثة والعشرين إلي الآية التاسعة والثلاثين:
23 -
39.
تأمر الآية المسلمين بالوفاء بالكيل عند ما يكيلون، والوزن بالقسطاس عند ما يزنون، وتعتبر هذا الأمر خيرا، كما تعتبره أحسن تأويلا.
ونقيض الوفاء بالكيل هو إنقاصه، ونقيض الوزن بالقسطاس، هو بخس الميزان وتخسيره، وهذا هو التطفيف، الذي ذمّ الله المطففين من أجله.
لقد كان قوم مدين ينقصون المكيال والميزان، فبعث الله له شعيبا عليه
(1) سورة الإسراء: 35.
الصلاة والسلام، فنهاهم عن التطفيف والإنقاص والبخس، وأمرهم بالإتمام والتوفية. قال تعالى: وإِلي مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، ولا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ والْمِيزانَ، إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ، وإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ. ويا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ والْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ، ولا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1).
وقد أمر الله المسلمين بالوزن بالقسط، وعدم إنقاص الميزان، كما ورد في قوله تعالى: والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ الْمِيزانَ. أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ. وأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، ولا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (2).
وذمّ الله المطففين لتلاعبهم في المكيال والميزان، فقال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَي النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (3). والمطففون هم الذين يطففون الكيل، فينقصونه ولا يتمونه.
قال الامام الراغب في معنى «طفف» : «الطّفيف: الشيء النّزر القليل، والطّفافة هي الشيء الذي لا يعتدّ به لقلته. ويقال: طفّف الكيل:
إذا قليل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه» (4).
إنّ المطفف في المكيال متلاعب به، فإذا اكتال من الناس وأخذ منهم زاد في المكيال، فأخذ أكثر من حقّه، لكنه بالمقابل إذا كال لهم وأعطاهم، فإنه ينقص المكيال، ويعطيهم أقلّ مما لهم.
(1) سور هود: 84 - 86.
(2)
سورة الرحمن: 7 - 9.
(3)
سورة المطففين: 1 - 6.
(4)
المفردات للراغب: 521.
وهذا ما فسّرته الآيات في تعريف المطففين. إنهم الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَي النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ.
التطفيف ظلم وتجاوز، والمطفّف ظالم متجاوز، إذا اكتال وإذا كال، إذا أخذ، وإذا أعطي.
وقد لاحظ هذه اللفتة الإمام أحمد بن فارس في مقاييس اللغة، فقال:
«التطفيف: نقص المكيال والميزان. وقال بعض أهل العلم: إنما سمي نقص المكيال والميزان تطفيفا، لأن الذي ينقصه منه يكون طفيفا أي: قليلا.
ويقال لما فوق الإناء: الطّفاف» (1).
الزيادة في المكيال والميزان تطفيف، يقال: طفّ المكيال: إذا زاد.
والإنقاص منه تطفيف، يقال: طفّف المكيال: إذا أنقص منه.
وتوحي جملة: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَي النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ بتجبر وظلم المطففين، وأنهم ذوو مكانة وسلطان ورئاسة في قومهم، والذي يوحي بهذا حرف الجر «علي» ، الذي يدلّ علي الاستعلاء، فهم يكتالون علي الناس، ويتجبّرون عليهم، ويأمرونهم بقبول مكاييلهم وموازينهم، رغم ما فيها من بخس لهؤلاء الناس.
إن آية سورة الإسراء تأمر بالتوفية في الكيل والوزن، وتنهي عن التطفيف فيه.
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ: عليكم عند ما تكيلون أن توفوا الكيل، وأن لا تنقصوه إذا كان عليكم، وأن لا تزيدوه إذا كان لكم.
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ: عند ما تزنون بالميزان، فعليكم أن تكونوا عادلين في الوزن، فلا تأخذوا أكثر من حقكم، ولا تعطوا غيركم عند ما تبيعونهم أقلّ من حقهم.
(1) مقاييس اللغة: 3/ 405.
القسط هو العدل، والمقسط هو العادل، وإنّ الله يحبّ المقسطين العادلين.
و «القسطاس» : هو الميزان، وسمي قسطاسا مبالغة في وجوب تحقّق القسط والعدل فيه، عند ما يوزن به.
وقد وصف القسطاس في الآية بالاستقامة: وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ والاستقامة ضرورية له ليتحقق العدل فيه، ويبدو الإنصاف والإيفاء منه.
إنّ الميزان المؤمن الصادق قائم بالقسط، فهو قسطاس مستقيم، بينما ميزان المطفف أعوج، فهو ميزان خادع، يزن بالخسران والإنقاص والبخس.
وقد قارن شعيب عليه السلام بين الميزانين وصاحبيهما، عند ما نهي قوم مدين عن البخس وأمرهم بالقسط، وذلك في قوله تعالى: أَوْفُوا الْكَيْلَ، ولا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ (1).
معنى التأويل في السورة:
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ، وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ. ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.
بعد ما أمرت الآية المسلمين بإيفاء الكيل وإتمام الوزن، عقبت علي هذا، بأنه خير، وأحسن تأويلا.
«ذلك» في الجملة اسم إشارة، والمشار إليه هو المذكور في بداية الآية. والتقدير: إيفاؤكم الكيل والوزن هو خير.
و «خير» في الجملة أفعل تفضيل، لكنّ التفضيل هنا ليس علي ظاهره، أي: ليس هنا مفضول وفاضل.
(1) سورة الشعراء: 181 - 183.
إذا كان التفضيل علي ظاهره، فكيف يكون المعني؟ هل يعتبر إيفاء الكيل والوزن أفضل من تركه وتطفيف المكيال والميزان؟ كلا.
إنّ الإيفاء ليس أفضل من الإنقاص والتطفيف! لأنه لا مجال للمقارنة أو المفاضلة بينهما. فالإيفاء واجب والتطفيف حرام، ولا مفاضلة بين الواجب والحرام. هل نقول: إنّ الزواج أفضل من الزنا؟ وإنّ الصلاة أفضل من تركها؟ لو فعلنا ذلك لظلمنا الزواج والصلاة، عند مقارنتهما بأضدادهما.
ألم تر أنّ السيف ينقص قدره
…
إذا قيل: هذا السيف أمضي من العصا
التفضيل هنا «ذلك خير» ليس علي ظاهره، ولا تفاضل بين الإيفاء والتطفيف، وإنما تفضيل الإيفاء في ذاته، لأنّ المقصود الثناء علي الإيفاء في نفسه، وبيان قيمته، وحثّ المسلمين عليه. أي: الإيفاء فاضل وخير وطيّب ونافع وجيد.
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا: هذه الجملة معطوفة علي ما قبلها، سيقت للدعوة إلي إيفاء المكيال والميزان، والثناء عليه، والترغيب فيه.
إنّ ايفاء المكيال والميزان خير في ذاته، وهو أحسن تأويلا.
فما معنى التأويل هنا؟ وهل يخرج عن معناه في الآيات السابقة التي حللناها؟.
معنى أَحْسَنُ تَأْوِيلًا: إيفاء المكيال والميزان أحسن ردا، وأحسن عاقبة، وأحسن مالا، وأحسن نهاية، وأحسن إرجاعا، وهذا هو معنى التأويل الذي استعمله القرآن:«هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا» .
لماذا إيفاء المكيال والميزان أحسن مآلا وعاقبة وردا ونهاية؟
تريد الآية ترغيب المسلمين في إيفاء المكيال والميزان، وتحسينه في عيونهم، مع ترهيبهم من نقيضه، وتنفيرهم من التطفيف.
التطفيف أسوأ تأويلا:
إنّ بعض المسلمين قد ينظر للموضوع نظرة تجارية مادية متعجلة، وتحركه الرغبة في زيادة المال وتحقيق المكاسب، فتعميه هذه الرغبة عن مشاهدة آخر الطريق، وملاحظة نهايته! ولذلك يظنّ أنّ تطفيف المكيال والميزان خير له، وأحسن من الإيفاء! ولماذا لا يكون خيرا وأحسن عنده؟ ألا ينتج عنه زيادة الكسب والمنفعة؟
ومضاعفة الربح؟ ألا يزداد ماله دراهم أو دنانير؟ ألا يزداد وزن سلعته غرامات أو كيلووات؟ أليس هذا خيرا له وأحسن؟
أمّا عند ما يوفي المكيال والميزان فإنه يفقد هذه المكاسب المادية، ويخسر هذه الأرباح الطائلة! تنقص أمواله، ويقلّ دخله، وهل هناك تاجر ذو حس تجاري، ورغبة في الربح، يرضي أن يفقد هذه المكاسب، ويترك استغلال هذه الفرص؟ مع أنّ التجارة «شطارة» !! تردّ الآية علي هذه التبريرات النفسية، فتقول للتاجر: ليس الأمر كما حدثتك نفسك الطامعة في الربح والكسب، ولو علي حساب الآخرين.
إنّ تطفيفك للمكيال والميزان، وحصولك علي كسب أكثر، وربح أعلي، ليس خيرا لك في النهاية. هو خير لك الآن، لكن ما هي عاقبته عليك؟
ما هي نهايته؟ أي: ما هو تأويله؟ وما هي صورته الفعلية الواقعية التي ينتهي إليها، ويستقر عليها؟
إنّ الله لن يبارك له تجارته التي تقوم علي تطفيف المكيال والميزان. وإن الله لن يوفقه في حياته طالما أنه جني كسبا حراما، وأضاف إلي رصيده مالا حراما.
ماذا سيحصل له عند ما يطفّف المكيال والميزان؟ سيقذف الله كراهيته في قلوب «الزبائن» لتلاعبه في الميزان، وظلمه لهم، ونهبه لأموالهم، وبهذا سينصرفون عنه، وستقل صفقاته التجارية، أي ستقلّ أرباحه،
وستصاب أمواله وتجارته بالركود. هذا هو «تأويل» تطفيف المكيال والميزان، وهذه هي عاقبة ونهاية ذلك! ثم إنّ الله قد يبتلي هذا التاجر المطفّف بابتلاءات شديدة، في نفسه وأسرته وممتلكاته، فيدفع أضعاف أضعاف ما حصّله من مال وربح حرام، عن طريق تطفيف المكيال والميزان.
كم زاد رصيده من التطفيف والتلاعب؟ مائة دينار؟ أو ألف دينار؟
فليكن. لكن لينتظر «تأويل» هذه الزيادة المحرمة، قد يصيبه الله بمرض خطير، هو أو أحد أفراد أسرته، فيدفع لعلاجه آلاف الدنانير. فهل كان تأويل التطفيف خيرا أو شرا؟
وقد يصاب بحادث لسيارته، فتتضر بذلك كثيرا، فيدفع لإصلاحها مئات أو آلاف الدنانير! وهذا هو تأويل تطفيف ميزانه! وقد تصيب تجارته آفة أو جائحة، كأن يحترق محلّه التجاري، أو يسطو عليه اللصوص، فيدفع آلاف الدنانير للإصلاح والتعويض. وهذا هو تأويل التطفيف.
هذه الأخطار التي تحدق به في الدنيا، أما يوم القيامة فماذا ينتظره هناك من أخطار؟ وماذا أعدّ الله له من عذاب؟ مقابل التطفيف والتلاعب، وأكل أموال الآخرين؟ وهذا هو تأويل التطفيف، وبيان عاقبته السيئة ونهايته الألمية! أبعد كلّ هذه الأخطار، ما زال بعض التجار يظنّ أنّ التطفيف خير وأحسن تأويلا له؟ لا بدّ أن يمدّ عينه بعيدا، ليري هذه الأخطار التي تحدق به في الدنيا والآخرة، ويقف علي «تأويل» هذه التطفيف، ويلاحظ صورته النهائية، وعاقبته المادية.
بعد هذا الرد للتطفيف إلي عاقبته، سيقول ذلك التاجر بما تقرره الآية:
إنّ عدم إيفاء الكيل تطفيف، وإنّ عدم الوزن بالقسطاس تطفيف، وهذا التطفيف شرّ، وهو أسوأ تأويلا، وأسوأ عاقبة ونهاية وردّا ومآلا!!
إيفاء الكيل والميزان أحسن تأويلا:
هذا في الجانب السلبيّ القائم علي التطفيف، أما في الجانب الإيجابي المشرق، فإنّ إيفاء الكيل، والوزن بالقسطاس، هو خير وأحسن تأويلا، وأحسن عاقبة ومآلا وردّا ونهاية، في الدنيا وفي الآخرة! فكيف كان ذلك؟ وكيف يحسن التاجر تأويل التزامه بأخلاقيات التجارة؟ وكيف يلاحظ عاقبة ومآل ذلك؟
إنّ الله سيبارك له في تجارته، ويوفّقه في حياته، ويرزقه الهناء والسعادة، والرضي بالقضاء، والقبول عند الناس.
إيفاء الكيل والوزن أحسن تأويلا وردا في الدنيا:
سيحبّه «الزبائن» ، ويحرصون علي التعامل معه، والشراء منه، وبهذا تزداد مبيعاته، وتكثر صفقاته، وبذلك تزداد أرباحه، وعندها يدرك أنّ هذه الخيرات كلها تأويل وعاقبة لالتزامه.
وسيبارك الله في حياته، وسيعافيه هو وأسرته من الأمراض والابتلاءات، وبذلك سيوفر الكثير من الأموال، التي كان سينفقها علي مواجهة الأمراض وتكاليف العلاج، وهذا تأويل لالتزامه.
وسيحفظ الله له تجارته، ويحميها من الآفات والكوارث، وهذا تأويل لالتزامه.
هذا في الدنيا، وفي الآخرة فإنّ الله يعدّ له حسن الجزاء والثواب، ويمتعه في جنات النعيم، ويمنّ عليه بالرضي والرضوان، وهذا تأويل لالتزامه.
إن هذا التاجر الصادق لم يكن ضيق الأفق، قصير النظر، كذلك التاجر المطفف، وإنما امتدّ ببصره للمستقبل، ورأي عاقبة ومآل الالتزام بتوجيهات الإسلام، فاستعلي علي وساوس النفس لتطفيف المكيال
والميزان، وسعي لإيفاء الكيل، وإتمام الوزن، راغبا في حسن تأويل ذلك، حريصا علي نيل عاقبته السعيدة، ومآله المطلوب، ونهايته المرضية، في الدنيا والآخرة!! هذا هو معنى التأويل، لمن يوفي المكيال والميزان، وهذه هي عاقبة ونهاية ذلك التصرف الجميل.
إنّ التأويل في سورة الإسراء تأويل للمكيال والميزان، تأويل ناتج عن حسن التزام توجيهات القرآن، المتعلقة بالكيل والوزن، تأويل يلحظ فيه عاقبة ونهاية هذا الأمر، والرغبة في مآله وغايته.
وهذا هو المعنى المتفق مع ورود التأويل في باقي السور.