الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأوّل: التأويل في الحديث النبوي
ورد التأويل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحيانا يرد بمعنى تعبير الرؤيا وتأويلها، وأحيانا بمعنى الفهم والتفسير.
ونورد فيما يلي أمثلة من الأحاديث علي كل واحد من المعنيين:
المطلب الأول: تأويل الرؤيا وتعبيرها
خصّص علماء الحديث في مصنفاتهم كتبا خاصة لتأويل الرؤيا وتعبيرها.
ففي صحيح البخاري كتاب «تفسير الرؤيا» وفي صحيح مسلّم كتاب «الرؤيا» .
والباب الثالث من كتاب «الرؤيا» في صحيح مسلّم، أطلق عليه الإمام النووي شارح الصحيح اسم:«باب تأويل الرؤيا» .
ونقرأ في هذا الباب هذه الأحاديث التي ورد فيها مصطلح التأويل:
1 -
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- رأيت ذات ليلة فيما يري النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب.
فأوّلت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأنّ ديننا قد طاب (1).
رؤيا الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان مع بعض أصحابه في دار رجل اسمه «عقبة بن رافع» ، فتفاءل بذلك، وأكل من تمر ابن طاب فتفاءل بذلك.
وأوّل هذه الرؤيا بأنها تشير إلي مبشرات قادمة. «رافع» يشير إلي الرفعة في الدنيا. و «عقبة» يشير إلي حسن العاقبة في الآخرة، وتمر «ابن طاب» يشير إلي طيبة واستقرار وانتصار الاسلام.
وهذا ما حصل في الدنيا، وتحقق تأويل الرسول عليه السلام لهذه الرؤيا، فقد طاب الاسلام وكمل واستقر، ونال المسلمون الرفعة في الدنيا.
2 -
قال ابن عباس رضي الله عنهما: قدم مسيلمة الكذاب علي عهد النبي صلى الله عليه وسلم المدينة. فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته.
فقدمها في بشر كثير من قومه.
فأقبل إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبيّ صلى الله عليه وسلم قطعة جريدة، حتى وقف علي مسيلمة في أصحابه.
فقال له: (لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولكن أتعدّي أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنّك الله، وإني لأراك الذي أريت فيك ما أريت.
وهذا ثابت يجيبك عني).
ثم انصرف عنه.
قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنك أري الذي أريت فيك ما رأيت)، فأخبرني أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا نائم- رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما. فأوحي إليّ في المنام أن أنفخهما، فنفختهما فطارا.
(1) صحيح مسلّم: 42 كتاب الرؤيا: 3 باب رؤيا النبي حديث رقم: 2270.
فأوّلتهما كذابين يخرجان من بعدي. فكان أحدهما العنسيّ، صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة، صاحب اليمامة) (1).
كانت رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوارين من ذهب في يديه، فلما نفخهما طارا.
وكان تأويلها ظهور كذابين يدّعيان النبوة: الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة الكذاب في اليمامة.
وقد تحققت رؤياه فعلا، وتأويلها: حدوثها في عالم الواقع، فقد خرج الكذابان العنسي ومسيلمة، وكانا من أخطر مدّعي النبوة علي المسلمين، وبذل المسلمون جهودا كبيرة للقضاء عليهما، وتمكّنوا أخيرا من التغلب عليهما وقتلهما، وكان قتلهما هو تأويل طيران السوارين لما نفخهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام.
ونقف مع هذه الأحاديث التي أوردها الامام مسلّم في كتاب «فضائل الصحابة» والتي تتحدث عن تأويل الرسول عليه الصلاة والسلام لرؤيا رآها بشأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
1 -
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا نائم، رأيت الناس يعرضون وعليهم قمص. منها ما يبلغ الثديّ، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومرّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه.
قالوا: ماذا أوّلت ذلك يا رسول الله؟
قال: الدين!) (2) رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه الناس يمرّون أمامه، وكلّ منهم يلبس قميصا. وهذه القمصان متفاوتة في المقاس، منها الطويل ومنها القصير، أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان قميصه طويلا يجرّه.
(1) صحيح مسلّم- نفس الكتاب والباب. حديث: 2273. وحديث: 2274.
(2)
صحيح مسلّم: 44 كتاب فضائل الصحابة: 2 باب من فضائل عمر: حديث رقم:
2390.
وتأويل هذه الرؤيا أن القمصان هي الدين، ومعلوم أنّ التزام المسلمين بأحكام الدين الاسلامي متفاوت، منهم من يكون التزامه وثيقا، ومنهم من يكون التزامه ضعيفا.
أما التزام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأحكام الدين فهو وثيق متين، ولهذا كان قميصه في المنام طويلا.
وقد تحققت رؤيا الرسول عليه الصلاة والسلام عمليا فيما بعد، فصار عمر أميرا للمؤمنين. وترك بعد وفاته آثاره وسننه، وصار قدوة للمسلمين من بعده.
2 -
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا نائم، إذ رأيت قدحا أتيت به، فيه لبن. فشربت منه، حتى إني لأري الريّ يجري في أظفاري. ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب.
قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟
قال: العلم) (1).
اللّبن في هذه الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو العلم، وهذا هو تأويل الرسول عليه السلام لهذه الرؤيا.
وقد تحققت رؤياه عليه السلام في عالم الواقع، فشربه اللبن في الرؤيا، وارتواؤه منه، تأويله الواقعيّ تمكنه من العلم، ورسوخه فيه، وهذا متحقق في سيرته وشخصيته عليه الصلاة والسلام.
وتأويل إعطائه فضله من اللبن لعمر في عالم الواقع، هو تمكّن عمر من العلم ورسوخه فيه، وهذا متحقق في شخصيته رضي الله عنه.
وممّا أوّله وعبّره رسول الله صلى الله عليه وسلم من رؤيا،
ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(1) صحيح مسلّم- المرجع السابق- حديث رقم: 2391.
(رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بمهيعة.
فتأوّلتها أنّ وباء المدينة نقل إلي مهيعة، وهي الجحفة) (1).
رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام: رأي امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة، وسارت في الطريق، وذهبت إلي الجحفة، واستقرّت فيها.
والجحفة لها اسم آخر هو «مهيعة» ، وهي في الطريق بين المدينة ومكة.
وتأويل هذه الرؤيا الواقعيّ أن الحمّي والمرض والوباء قد أخرجه الله من المدينة إلي الجحفة، فتأويل الرؤيا هو تحقيقها الماديّ في عالم الواقع.
قال ابن حجر في فتح الباري: «تقدّم في آخر فضل المدينة، في آخر كتاب الحج من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهمّ حبّب إلينا المدينة. وانقل حمّاها إلي الجحفة قالت عائشة: وقدمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله» .
«قال المهلب: هذه الرؤيا من الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شقّ من اسم «السوداء» السّوء والدّاء، فتأوّل خروجها بما جمع من اسمها.
«وقيل: ثوران الرأس يؤول بالحمي، لأنها تثير البدن بالاقشعرار» (2) نكتفي بهذه الأحاديث الخمسة الصحيحة، التي أشارت إلي رؤي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه- ورؤيا الأنبياء حق- كما أشارت إلي تأويل وتعبير الرسول عليه الصلاة والسلام لهذه الرؤي الخمسة.
إنّ تأويله لهذه الرؤي هو ملاحظته لبعدها الواقعي، وتسجيله لمدلولها العملي، وبيانه لحقيقتها المادية. وهكذا يكون كلّ تأويل وتعبير للرؤي.
والملاحظ أنّ حقيقة تلك الرؤي المادية قد وقعت بالفعل، وانطبقت علي الواقع، كما أوّلها وعبّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) صحيح البخاري: 91 كتاب التعبير: 42 باب المرأة السوداء. حديث رقم: 7039.
(2)
فتح الباري: 12/ 425 - 426.