المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مدارس التفسير التى قامت فيه - التفسير والمفسرون - جـ ١

[محمد حسين الذهبي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌معنى التفسير والتأويل

- ‌ الفرق بين التفسير والتأويل

- ‌تفسير القرآن بغير لغته

- ‌هل تفسير القرآن من قبيل التصورات.. أو من قبيل التصديقات

- ‌الباب الأول: المرحلة الأولى للتفسير.. أو التفسير فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه

- ‌فهم النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن

- ‌المفسرون من الصحابة

- ‌قيمة التفسير المأثور عن الصحابة

- ‌مميزات التفسير فى هذه المرحلة

- ‌الباب الثانى: المرحلة الثانية للتفسير أو التفسير فى عصر التابعين

- ‌ابتداء هذه المرحلة

- ‌مصادر التفسير فى هذا العصر

- ‌مدارس التفسير التى قامت فيه

- ‌قيمة التفسير المأثور عن التابعين

- ‌مميزات التفسير فى هذه المرحلة

- ‌الخلاف بين السَلَف فى التفسير

- ‌الباب الثالث: المرحلة الثالثة للتفسير.. أو التفسير فى عصور التدوين

- ‌تمهيد

- ‌التفسير بالمأثور

- ‌التفسير بالرأى وما يتعلق به من مباحث

- ‌أهم كتب التفسير بالرأى الجائز

- ‌التفسير بالرأى المذموم.. أو تفسير الفرقة المبتدعة

الفصل: ‌مدارس التفسير التى قامت فيه

‌ابتداء هذه المرحلة

تنتهى المرحلة الأولى للتفسير بانصرام عهد الصحابة، وتبدأ المرحلة الثانية للتفسير من عصر التابعين الذين تتلمذوا للصحابة فتلقوا غالب معلوماتهم عنه.

وكما اشتهر بعض أعلام الصحابة بالتفسير والرجوع إليهم فى استجلاء بعض ما خفى من كتاب الله، اشتهر أيضاً بالتفسير أعلام من التابعين، تكلَّموا فى التفسير، ووضَّحوا لمعاصريهم خفى معانيه.

* *

‌مصادر التفسير فى هذا العصر

وقد اعتمد هؤلاء المفسِّرون فى فهمهم لكتاب الله تعالى على ما جاء فى الكتاب نفسه، وعلى ما رووه عن الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما رووه عن الصحابة من تفسيرهم أنفسهم، وعلى ما أخذوه من أهل الكتاب مما جاء فى كتبهم، وعلى ما يفتح الله به عليهم من طريق الاجتهاد والنظر فى كتاب الله تعالى.

وقد روت لنا كتب التفسير كثيراً من أقوال هؤلاء التابعين فى التفسير، قالوها بطريق الرأى والاجتهاد، ولم يصل إلى علمهم شئ فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن أحد من الصحابة.

وقد قلنا فيما سبق: إن ما نُقِل عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة من التفسير لم يتناول جميع آيات القرآن، وإنما فسَّروا ما غمض فهمه على معاصريهم، ثم تزايد هذا الغموض - على تدرج - كلما بَعُد الناس عن عصر النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة، فاحتاج المشتغلون بالتفسير من التابعين إلى أن يكملوا بعض هذا النقص، فزادوا فى التفسير بمقدار ما زاد من غموض، ثم جاء مَن بعدهم فأتموا تفسير القرآن تباعاً، معتمدين على ما عرفوه من لغة العرب ومناحيهم فى القول، وعلى ما صح لديهم من الأحداث التى حدثت فى عصر نزول القرآن

وغير هذا من أدوات الفهم ووسائل البحث.

* *

‌مدارس التفسير التى قامت فيه

* مدارس التفسير فى عصر التابعين:

فتح الله على المسلمين كثيراً من بلاد العالَم فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى عهود الخلفاء من بعده، ولم يستقروا جميعاً فى بلد واحد من بلاد المسلمين، بل نأى الكثير منهم عن المدينة مشرق النور الإسلامى ثم استقر بهم النوى، موزَّعين على جميع البلاد التى دخلها الإسلام، وكان منهم الولاة، ومنهم الوزراء، ومنهم القضاة، ومنهم المعلِّمون، ومنهم غير ذلك.

ص: 76

وقد حمل هؤلاء معهم إلى هذه البلاد التى رحلوا إليها، ما وعوه من العلم، وما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس إليهم كثير من التابعين يأخذون العلم عنهم، وينقلونه لمن بعدهم، فقامت فى هذه الأمصار المختلفة مدارس علمية، أساتذتها الصحابة، وتلاميذها التابعون.

واشتهر بعض هذه المدارس بالتفسير، وتتلمذ فيها كثير من التابعين لمشاهير المفسِّرين من الصحابة، فقامت مدرسة للتفسير بمكة، وأخرى بالمدينة، وثالثة بالعراق، وهذه المدارس الثلاث، هى أشهر مدارس التفسير فى الأمصار فى هذا العهد.

قال ابن تيمية: "وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبى الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزَّوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة فى التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذى أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضاً ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب".

وأرى أن أتكلم عن كل مدرسة من هذه المدارس الثلاث، وعن أشهر المفسِّرين من التابعين الذين أخذوا التفسير عن أساتذة هذه المدارس من الصحابة، فأقول وبالله التوفيق:

أولاً: مدرسة التفسير بمكة

* قيامها على ابن عباس:

قامت مدرسة التفسير بمكة على عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، فكان يجلس لأصحابه من التابعين، يُفسِّر لهم كتاب الله تعالى، ويوضح لهم ما أشكل من معانيه، وكان تلاميذه يعون عنه ما يقول، ويروون لمن بعدهم ما سمعوه منه.

* *

* أشهر رجالها:

وقد اشتهر من تلاميذ ابن عباس بمكة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة مولى ابن عباس، وطاووس بن كيسان اليمانى، وعطاء بن أبى رباح.

وهؤلاء كلهم كانوا من الموالى، وهم يختلفون فى الرواية عن ابن عباس قِلَّة وكثرة، كما اختلف العلاء فى مقدار الثقة بهم والركون إليهم.

ونسوق الحديث عن كل واحد منهم، ليتضح لنا مكانته فى التفسير، ومقدار الاعتماد عليه فيه:

ص: 77

1-

سعيد بن جبير

* ترجمته:

هو أبو محمد - أو أبو عبد الله - سعيد بن جبير بن هشام الأسدى الوالبى، مولاهم. كان حبشى الأصل، أسود اللون، أبيض الخصال. سمع جماعة من أئمة الصحابة. وروى عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما.

* مكانته فى التفسير:

كان رحمه الله من كبار التابعين ومتقدميهم فى التفسير والحديث والفقه، أخذ القراءة عن ابن عباس عرضاً، وسمع منه التفسير، وأكثر روايته عنه وقد جمع سعيد القراءات الثابتة عن الصحابة وكان يقرأ بها، يدلنا على ذلك ما جاء عن إسماعيل بن عبد الملك أنه قال:"كان سعيد بن جبير يؤمنا فى شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره، وهكذا أبداً"، ولا شك أن جمعه لهذه القراءات كان يعطيه القدرة على التوسع فى معرفة معانى القرآن وأسراره، ولكن يظهر لنا أنه كان يتورع من القول فى التفسير برأيه، يدلنا على ذلك ما رواه ابن خلكان: من أن رجلاً سأل سعيداً أن يكتب له تفسير القرآن فغضب وقال: لأن يسقط شقِّى أحب إلىَّ من ذلك. ولقد جمع سعيد علم أصحابه من التابعين، وأَلمَّ بما عندهم من النواحى التى برزوا فيها، فقد قال خصيف:"كان من أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب. وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوووس، وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير".

لهذا كله نجد أستاذه ابن عباس يثق بعلمه، ويحيل عليه مَن يستفتيه، وكان يقول لأهل الكوفة إذا أتوه ليسألوه عن شئ: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ - يعنى سعيد بن جبير - ويروى عمرو بن ميمون عن أبيه أنه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. ويرى بعض العلماء أنه مُقدَّم على مجاهد وطاووس فى العلم، وكان قتادة يرى أنه أعلم التابعين بالتفسير.

هذا وقد وَثَّقَ علماء الجرح والتعديل سعيد بن جبير، فقال أبو القاسم الطبرى: هو ثقة، حُجَّة، إمام على المسلمين. وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: كان عبداً فاضلاً ورعاً. وهو مُجْمَع عليه من أصحاب الكتب الستة.

وقد قُتل فى شعبان سنة 95 هـ (خمس وتسعين من الهجرة) ، وهو ابن تسع

ص: 78

وأربعين سنة، قال أبو الشيخ: قتله الحجاج صبراً. وله مناظرة قبل قتله مع الحجاج، تدل على قوة يقينه، وثبات إيمانه، وثقته بالله، فرضى الله عنه وأرضاه.

* * *

2-

مجاهد بن جبر

* ترجمته:

هو مجاهد بن جبر، المكى، المقرئ، المفسِّر، أبو الحجاج المخزومى، مولى السائب بن أبى السائب. كان أحد الأعلام الأثبات. ولد سنة 21 هـ (إحدى وعشرين من الهجرة) فى خلافة عمر بن الخطاب. وكانت وفاته بمكة وهو ساجد، سنة 104 هـ (أربع ومائة) على الأشهر، وعمره ثلاث وثمانون سنة.

* *

* مكانته فى التفسير:

كان مجاهد رحمه الله أقل أصحاب ابن عباس رواية عنه فى التفسير، وكان أوثقهم، لهذا اعتمد على تفسيره الشافعى والبخارى وغيرهما، ونجد البخارى رضى الله عنه فى كتاب التفسير من الجامع الصحيح، ينقل لنا كثيراً من التفسير عن مجاهد، وهذه أكبر شهادة من البخارى على ثقته وعدالته، واعتراف منه بمبلغ فهمه لكتاب الله تعالى، وقد روى الفضل ابن ميمون أنه سمع مجاهداً يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وروى عنه أيضاً أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية، أساله فيم نزلت، وكيف كانت؟ ولا تعارض بين هاتين الروايتين، لأن الإخبار بالقليل لا ينافى الإخبار بالكثير، ولعله عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة لتمام الضبط، ودقة التجويد، وحُسْن الأداء، وعرضه بعد ذلك ثلاث مرات طلباً لتفسيره، ومعرفة ما دق من أسراره، وخفى من معانيه. كما تُشعر بذلك ألفاظ الرواية. وعن ابن أبى مليكة قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فقال ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله. وروى عبد السلام بن حرب عن مصعب قال: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحج عطاء. وقال قتادة: أعلم مَن بقى بالتفسير مجاهد. وقال ابن سعد: كان ثقة، فقيهاً، عالماً، كثير الحديث. وقال ابن حبان: كان فقيهاً، ورعاً، عابداً، متقناً. وأخرج ابن جرير فى تفسيره عن أبى بكر الحنفى قال: سمعت سفيان الثورى يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكان رحمه الله جيد الحفظ، وقد حدَّث بهذا عن نفسه

ص: 79

فقال: قال لى ابن عمر: وددتُ أن نافعاً يحفظ حفظك. وقال الذهبى فى الميزان، فى آخر ترجمة مجاهد: أجمعت الأُمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به. وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة.

كل هذه شهادات من العلماء النُقَّاد تشهد بعلو مكانته فى التفسير.

ولكن مع هذا كله، كان بعض العلماء لا يأخذ بتفسيره، فقد روى الذهبى فى ميزانه: أن أبا بكر بن عياش قال: قلت للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو ما بالهم يَتَّقون تفسير مجاهد؟ - كما هى رواية ابن سعد - قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب.

هذا هو كل ما أُخِذ على تفسيره ولكن لم نر أحداً طعن عليه فى صدقه وعدالته. وجملة القوَل فإن مجاهداً ثقة بلا مدافعة، وإن صح أنه كان يسأل أهل الكتاب فما أظن أنه تخطى حدود ما يجوز له من ذلك، لا سيما وهو تلميذ حَبْر الأُمة ابن عباس. الذى شدَد النكير على مَن يأخذ عن أهل الكتاب ويُصَدِّقهم فيما يقولونه مما يدخل تحت حدود النهى الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* *

* مجاهد والتفسير العقلى:

وكان مجاهد - رضى الله عنه - يعطى عقله حرية واسعة فى فهم بعض نصوص القرآن التى يبدو ظاهرها بعيداً، فإذا ما مَرَّ بنص قرآنى من هذا القبيل، وجدناه ينزله بكل صراحة ووضوح على التشبيه والتمثيل، وتلك الخطة كانت فيما بعد مبدءاً معترفاً به ومقرراً لدى المعتزلة فى تفسير القرآن بالنسبة لمثل هذه النصوص.

وإذا نحن رجعنا إلى تفسير ابن جرير وقرأنا بعض ما جاء فيه عن مجاهد نجده يطبق هذا المبدأ عملياً فى مواضع كثيرة.

فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [65] من سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} نجده يقولَ - كما يروى عنه ابن جرير -: "مُسِخَت قلوبهم ولم يُمسَخوا قردة، وإنما هو مَثَلٌ ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً". ولكن نجد ابن جرير لا يرتضى هذا التفسير من مجاهد فيقول معقباً عليه: وهذا القول الذى قاله مجاهد قول لظاهر ما دلَّ عليه كتاب الله مخالف.. ثم يمضى فى تفنيد هذا القول بأدلة واضحة قوية.

وكذلك نجد ابن جرير ينقل عن مجاهد أنه فسَّر قوله تعالى فى الآيتين [22، 23] من سورة القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} .. بقوله: "تنتظر الثواب

ص: 80

من ربها، لا يراه من خلَقه شئ" وهذا التفسير عن مجاهد كان فيما بعد متكئاً قوياً للمعتزلة فيما ذهبوا إليه فى مسألة رؤية الله تعالى.

ولعل مثل هذا المسلك من مجاهد، هو الذى جعل بعض المتورعين الذين كانوا يتحرجون من القول فى القرآن برأيهم يتقون تفسيره، ويلومونه على قوله فى القرآن بمثل هذه الحرية الواسعة فى الرأى، فقد روى عن ابن مجاهد أنه قال: قال رجل لأبى: أنت الذى تفسِّر القرآن برأيك؟ فبكى أبى ثم قال: إنى إذن لجرئ، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم.

ومهما يكن من شئ، فمجاهد رضى الله عنه إمام فى التفسير غير مدافع، وليس فى إعطائه لنفسه مثل هذه الحرية ما يغض من قيمته. أو يقلل من مكانته.

* * *

3-

عِكرمة

*ترجمته:

هو أبو عبد الله عِكرمة البربرى المدنى مولى ابن عباس (أصله من البربر بالمغرب) روى عن مولاه، وعلىّ بن أبى طالب، وأبى هريرة، وغيرهم.

* *

* اختلاف العلماء فى توثيقه:

وقد اختلف العلماء فى توثيقه، فكان منهم مَن لا يثق به ولا يروى له، وكان منهم من يُوثَقِّه ويروى له.

* *

*مطاعن مَن لا يُوَثِّقونه:

وإنَّا لنجد العلماء الذين لم يثقوا بعكرمة، يصفونه بالجرأة على العلم ويقولون: إنه كان يَدَّعى معرفة كل شئ من القرآن، ويزيدون على ذلك فيتهمونه بالكذب على مولاه ابن عباس، وبعده هذا كله، يتهمونه بأنه كان يرى رأى الخوارج، ويزعم أن مولاه كان كذلك، وقد نقل ابن حجر فى "تهذيب التهذيب" كل هذه التهم ونسبها لقائليها، فمن ذلك: ما رواه شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل ابن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألنى عن القرآن، وسل مَن يزعم أنه لا يخفى عليه منه شئ - يعنى عِكرمة. وحكى إبراهيم بن ميسرة أن طاووساً قال: لو أن مولى ابن عباس اتقى الله وكف من حديثه لشُدَّت إليه المطايا، وروى أبو خلف الجزار عن يحيى البكَّاء قال: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتق الله.. ويحك يا نافع، ولا تكذب علىّ كما كذب

ص: 81

عِكرمة على ابن عباس. ورُوى أن سعيد بن المسيب قال مثل ذلك لمولاه، وروى ابن سعد: أن علىّ بن عبد الله كان يُوِثْقُه على باب الكنيف ويقول: إن هذا يكذب على أبى.

ثم بعد ذلك كله يُصوِّرون للناس مبلغ كراهة معاصريه له فيقولون: إنه مات هو وكثير عزة فى يوم واحد، فلم يشهد جنازته أحد، أما كثير فقد شيَّعه خلق كثير..

* *

* تفنيد هذه المطاعن ودفاع عِكرمة عن نفسه:

هذا الذى تقدَّم هو بعض الروايات التى رواها مَن لا يثق بعدالة عِكرمة، وكلها تهم باطلة لا تقوم على أساس، فعِكرمة مولى ابن عباس، كان يلازمه ويخالطه، فلا يضيره كثرة الرواية عنه لأن هذا أمر طبيعى، ولا يمكن أن يُعَد افتراءً على العلم وافتياتاً على الرواية، لأن كثرة الرواية ليست من المطاعن التى تُوجَّه إلى الراوى وتُذْهِب بعدالته، فهذا أبو هريرة قال الناس عنه فى عصره، أكثرَ أبو هريرة، فبيَّن لهم سبب إكثاره من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كان يلازم النبى على ملء بطنه، ولا شئ يشغله كما شغل غيره من الصحابة بالصفق فى الأسواق، فهل ذهبت عدالة أبى هريرة وفقدنا الثقة به لكثرة روايته؟ اللَّهم لا.

ثم إن هذا الاتهام لم يخف على عِكرمة، بل كان يبلغه عن متهميه فيود لو أنه ووُجِهَ به ليُفَنِّده، فقد روى حَماد بن زيد عن أيوب أنه قال: قال عِكرمة: رأيت هؤلاء الذين يكذبوننى، يكذبوننى من خلفى، أفلا يُكذبوننى فى وجهى؟ فإذا كذبَّونى فى وجهى فقد والله كَذَّبونى.. ثم نراه يستشهد ببعض أصحابه على صدقه فيما يروى عن مولاه، فعن عثمان بن حكيم قال: كنت جالساً مع أبى أُمامة سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة فقال: يا أبا أمامة، أُذكِّركَ الله، هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدَّثكم عكرمة عنى فصدِّقوه فإنه لم يكذب علىَّ؟ فقال أبو أمامة: نعم.

هذا هو رد عِكرمة على متهميه بالكذب وتفنيده لما نُسب إليه من الافتراء على مولاه.

وأما ما رواه ابن سعد: من أن علىّ بن عبد الله بن عباس كان يُوْثِقه على باب الكنيف ويقول: إن هذا يكذب على أبى، فإنه مردود بما رواه ابن حجر فى تهذيب التهذيب: من أن ابن عباس مات وعِكرمة على الرق، فباعه ولده علىّ بن عبد الله بن عباس، من خالد بن يزيد بن معاوية، بأربعة آلاف دينار، فأتى عِكرمة مولاه علياً فقال له: ما خير لك، بعتَ علم أبيك بأربعة آلاف؟ فاستقاله فأقاله فأعتقه".

ثم نجد بعد هذا أن ما روى عن ابن عمر لا يصح، لأنه من رواية يحيى البكَّاء، ويحيى البكَّاء متروك الحديث، ومن المحال أن يُجرَّح العَدْل بكلام المجروح.

ص: 82

وأما ما قيل من أنه توفى هو وكثير الشاعر فى يوم واحد فلم يشهد أحد جنازته، بخلاف كثير فقد شيَّعه الكثير من الناس، فلسنا نعلم نصيب هذا القول من الصحة، ولعل ذلك على فرض صحته - كما يقول ابن حجر - كان بسبب تطلب الأمير له وتغيبه عنه حتى مات. وليس صحيحاً ما قيل من أن هذا يرجع إلى تحقير المولى إزاء تشريف الحر.

ويحقق ابن حجر بعد هذا: أن ما نُقل من أنهم شهدوا جنازة كثير وتركوا عكرمة، لم يثبت، لأن ناقله لم يُسَم.

وأما ما رُمى به من الميل للخوراج، فافتراء عليه، ولا يكاد يتفق مع سلوكه فى حياته، قال ابن حجر:"فأما البدعة، فإن ثبتت عليه فلا تضر حديثه، لأنه لم يكن داعية، مع أنها لم تثبت عليه".

* *

* شهادات الموَثِّقين له:

ولو أننا تتبعنا أقوال المنصفين، الذين عرفوا حقيقة هذا التابعى الجليل، لوجدناه رجلاً ثبتاً، لا يُتهم فى عدالته، وكل ما قيل فى شأنه من التهم لا يُراد به إلا أن يفقد الناس ثقتهم به وركونهم إليه. وإليك ما قاله بعض علماء الجرح والتعديل لتقف على عدالة الرجل وصدق روايته..

قال المرزوى: قلت لأحمد: يُحتج بحديث عِكرمة؟ فقال. نعم يُحتج به. وقال ابن معين: إذا رأيت إنساناً فى عِكرمة، وفى حماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام. وقال العجلى فيه: مكى تابعى ثقة، برئ مما يرميه به الناس من الحرورية. وقال البخارى: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكِرمة. وقد وَثَّقه النسائى وأخرج له فى كتابه السنن، كما أخرج له البخارى، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم، وكان مسلم بن الحجاج من أسوئهم رأياً فيه، ثم عدله بعد ما جَرَّحه. وقال المروزى: أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عِكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل الحديث من أهل عصرنا، منهم أحمد بن حنبل، وابن راهويه، ويحيى ابن معين، وأبو ثور، ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه فقال: عِكرمة عندنا إمام الدنيا - تَعَجَّبَ من سؤالى إياه!

وبعد

فهل هناك من يُقَدَّم على البخارى ومسلم وجميع مَن ذكرت من علماء الرواية فى باب التعديل والتجريح؟، وإذا كان هؤلاء هم أعلم الناس بالرجال، فهل تقبل تجريح من عداهم ونترك توثيقهم؟

ص: 83

الحق أن عِكرمة تابعى موثوق بعدالته ودينه، وكل ما رُمِىَ به كذب واختلاق!!

* *

* مبلغه من العلم ومكانته فى التفسير:

هذا وإن عِكرمة رضى الله عنه، كان على مبلغ عظيم من العلم، وعلى مكانة عالية من التفسير خاصة، وقد شهد له العلماء بذلك، فقال ابن حبان: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن. وقال: عمرو بن دينار: دفع إلىّ جابر ابن زيد مسائل أسأل عنها عِكرمة وجعل يقول: هذا عِكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. وكان الشعبى يقول: ما بقى أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وقال حبيب بن أبى ثابت: اجتمع عندى خمسة: طاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعِكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عِكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إلا فسَّرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أُنزلت آية كذا فى كذا، وأُنزلت آية كذا فى كذا. وقال يحيى بن أيوب المصرى: سألنى ابن جريج: هل كتبتم عن عِكرمة؟ فقلت: لا، قال: فاتكم ثلثا العلم.

هذا بعض ما قيل فى عكرمة، مما يشهد لمكانته فى العلم عامة، وفى التفسير خاصة، ولا عجب، فإن ملازمته لمولاه ابن عباس، ومبالغه مولاه فى تعليمه إلى درجة أنه ان يضع فى رجله الكبل، ويعلمه القرآن والسنن، جعلته ينهل من معينه الفيَّاض، ويأخذ عنه علمه الغزير، بل نجد أكثر من هذا فيما يرويه ابن حجر فى تهذيب التهذيب، من أن عكرمة بيَّن لابن عباس بعض ما أشكل عليه من القرآن، قال: روى داود بن أبى هند عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} [الأعراف: 164] ..، قال ابن عباس: لم أدر أنجا القوم أم هلكوا؟ قال: فمَا زلت أُبيِّن له حتى عرف أنهم نجوا فكسانى حُلَّة"، وهذا الخبر يدل على مبلغ ثقة ابن عباس بمولاه وتلميذه، وعلى مقدار إعجابه بعلمه، وتقديره لفهمه.

وجملة القول: فإن عكرمة أمين فى روايته، مُقدَّم فى علمه، مبرز فى فهمه لكتاب الله

وكيف لا يكون كذلك وهو وارث علم ابن عباس؟

توفى رحمه الله سنة 104 هـ (أربع ومائة من الهجرة) ، فرضى الله عنه وأرضاه.

* * *

ص: 84

4-

طاووس بن كيسان اليمانى

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان، اليمانى الحميرى الجندى مولى بحير بن ريسان، وقيل مولى همدان. وروى عن العبادلة الأربعة وغيرهم، ورُوِى عنه أنه قال: جالست خمسين من الصحابة. وكان رحمه الله عالماً متقناً، خبيراً بمعانى كتاب الله تعالى، ويرجع ذلك إلى مجالسته لكثير من الصحابة يأخذ عنهم ويروى لهم، ولكن نجده يجلس إلى ابن عباس أكثر من جلوسه لغيره من الصحابة، ويأخذ عنه فى التفسير أكثر مما يأخذ عن غيره منهم، ولهذا عددناه من تلاميذ ابن عباس، وذكرناه فى رجال مدرسته بمكة.

ولقد كان طاووس على جانب عظيم من الورع والأمانة، حتى شهد له بذلك أستاذه ابن عباس فقال فيه: إنى لأظن طاووساً من أهل الجنة، وقال فيه عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً مثل طاووس. وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة. وقال ابن معين: إنه ثقة. وقال ابن حيان: كان من عُبَّاد أهل اليمن ومن سادات التابعين، وكان مستجاب الدعوة، وحج أربعين حجة. وقال الذهبى: كان طاووس شيخ أهل اليمن، وكان كثير الحج فاتفق موته بمكة سنة 106 (ست ومائة من الهجرة) .

* * *

5-

عطاء بن أبى رباح

* ترجمته:

هو أبو محمد عطاء بن أبى رباح، المكى القرشى مولاهم، ولد سنة سبع وعشرين (27هـ) ، وتوفى سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة (114هـ) على أرجح الأقوال. كان رحمه الله أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمى بعد ذلك.

روى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وغيرهم. وحدًَّث عن نفسه: أنه أدرك مائتين من الصحابة، وكان ثقة، فقيها، عالماً، كثير الحديث. وانتهت إليه فتوى أهل مكة، وكان ابن عباس يقول لأهل مكة إذا جلسوا إليه: تجتمعون إلىَّ يا أهل مكة وعندكم عطاء؟. وقال فيه أبو حنيفة: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفى. وقال الأوزاعى: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. وقال سلمة بن كهيل: ما رأيت أحداً يريد بهذا العلم وجه الله إلا ثلاثة: عطاء، ومجاهد، وطاووس. وقال ابن حبان: كان من سادات التابعين فقهاً، وعلماً، وورعاً، وفضلاً. وهو عند أصحاب الكتب الستة.

* *

*

ص: 85

مكانته فى التفسير:

كل ما تقدم من أقوال العلماء فى عطاء يشهد لمكانته العلمية على وجه العموم ويدل على مبلغ ثقته وصدقه، وليس أدل على ذلك من شهادة أستاذه ابن عباس له بذلك، ونجد شهرة عطاء على غيره من أصحاب ابن عباس، تتجلى فى معرفته بمناسك الحج، ولهذا قال قتادة: كان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبى رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير. وكان عكرِمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام. وإذا نحن تتبعنا الرواة عن ابن عباس نجد أن عطاء بن أبى رباح لم يُكثر من الرواية عنه كما أكثر غيره، ونجد مجاهداً وسعيد بن جبير يسبقانه من ناحية العلم بتفسير كتاب الله، ولكن هذا لا يقلل من قيمته بين علماء التفسير، ولعل إقلاله فى التفسير يرجع إلى تحرجه من القول بالرأى، فقد قال عبد العزيز بن رفيع: سئل عطاء عن مسألة فقال: لا أدرى، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إنى أستحى من الله يُدَانَ فى الأرض برأيى.

* * *

ثانياً: مدرسة التفسير بالمدينة

*قيامها على أُبَىّ بن كعب:

كان بالمدينة كثير من الصحابة، أقاموا بها ولم يتحوَّلوا عنها كما تحوَّل كثير منهم إلى غيرها من بلاد المسلمين، فجلسوا لأتباعهم يعلمونهم كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقامت بالمدينة مدرسة للتفسير، تتلمذ فيها كثير من التابعين لمشاهير المفسِّرين من الصحابة. ونستطيع أن نقول: إن قيام هذه المدرسة كان على أُبَى بن كعب، الذي يُعتبر بحق أشهر مَن تتلمذ له مفسِّرو التابعين بالمدينة، وذلك لشهرته أكثر من غيره فى التفسير، وكثرة ما نُقل لنا عنه فى ذلك.

* *

* أشهر رجالها:

وقد وُجِد بالمدينة فى هذا الوقت كثير من التابعين المعروفين بالتفسير، اشتهر من بينهم ثلاثة، هم: زيد بن أسلم، وأبو العالية، ومحمد بن كعب القرظى. وهؤلاء منهم مَن أخذ عن أُبَىّ مباشرة، ومنهم مَن أخذ عنه بالواسطة.

وأرى أن أسوق نبذة عن تاريخ كل واحد من هؤلاء الثلاثة، بما يتناسب مع جانبه العلمى فى التفسير فأقول:

1-

أبو العالية

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى مولاهم، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بسنتين. روى عن علىّ، وابن مسعود، وابن عباس. وابن عمر، وأُبَىّ

ص: 86

بن كعب، وغيرهم، وهو من ثقات التابعين المشهورين بالتفسير. قال فيه ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال اللالكائى: مجمع على ثقته. وقال فيه العجلى: تابعى ثقة. من كبار التابعين. وقد أجمع عليه أصحاب الكتب الستة. وكان يحفظ القرآن ويتقنه، وروى قتادة عنه أنه قال: قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم بعشر سنين. وروى معمر عن هشام عن حفصة عنه أنه قال: قرأت القرآن على عهد عمر ثلاث مرات. وقال فيه ابن أبى داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبى العالية.

وتُروى عن أُبَىّ بن كعب نسخة كبيرة فى التفسير، يرويها أبو جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية، عن أُبَىّ. وقلنا فيما تقدم: إن هذا الإسناد صحيح، وقلنا أيضاً: إن ابن جرير وابن أبى حاتم أخرجا من هذه النسخة كثيراً، كما أخرج منها الحاكم فى مستدركه، والإمام أحمد فى مسنده. وكانت وفاته سنة 90 هـ (تسعين من الهجرة) على أرجح الأقوال فى ذلك.

* * *

2-

محمد بن كعب القرظى

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو حمزة - أو أبو عبد الله - محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظى المدنى، من حلفاء الأوس. روى عن علىّ، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم. وروى عن أُبَىّ بن كعب بالواسطة. وقد اشتهر بالثقة، والعدالة، والورع، وكثرة الحديث، وتأويل القرآن. قال ابن سعد: كان ثقة، عالماً، كثير الحديث، ورعاً. وقال العجلى: مدنى وتابعى، ثقة، رجل صالح. عالم بالقرآن. وهو عند أصحاب الكتب الستة. وقال ابن عون: ما رأيت أحداً أعلم بتأويل القرآن من القرظى. وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل المدينة علماً وفقهاً، وكان يقص فى المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف فمات هو وجماعة معه تحت الهدم، سنة 118 هـ (ثمانى عشرة ومائة من الهجرة) ، وقيل غير ذلك، وهو ابن ثمان وسبعين سنة.

* * *

3-

زيد بن أسلم

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو أسامة - أو أبو عبد الله - زيد بن أسلم، العدوى المدنى الفقيه المفسِّر، مولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه. كان من كبار التابعين الذين عُرفوا بالقول فى التفسير والثقة فيما يروونه، قال فيه الإمام أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائى: ثقة.

ص: 87

ويكفينا شهادة هؤلاء الأربعة الأعلام دليلاً قوياً على ثقته وعدالته، كما أنه عند أصحاب الكتب الستة.

ولقد كان زيد بن أسلم معروفاً بين معاصريه بغزارة العلم، فكان منهم مَن يجلس إليه، ويأخذ عنه، ويرى أنه ينفعه أكثر من غيره، يدلنا على هذا ما رواه البخارى فى تاريخه أن علىّ بن الحسين كان يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطى مجلس قومه، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: تتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب؟ فقال علىّ: إنما يجلس الرجل إلى مَن ينفعه فى دينه.

وقد عُرف زيد بأنه كان يُفسِّر القرآن برأيه ولا يتحرج من ذلك، فقد روى حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر أنه قال فيه: لا أعلم به بأساً، إلا أنه يُفسِّر برأيه القرآن ويُكثر منه، وهذه شهادة من عبيد الله بن عمر أن زيداً ثقة لا يؤخذ عليه شئ إلا أنه كان يُكثر من القول بالرأى، وهذا لا يُعَد مغمزاً من عبيد الله فى ثقته وعدالته، كما لا نستطيع أن نُعِد هذا طعناً منه فى علمه، فلعل عبيد الله كان ممن يتورعون عن القول فى القرآن برأيهم كغيره من الصحابة والتابعين، وكان زيد يرى جواز تفسير القرآن بالرأى فلا يتحرج منه كما لا يتحرج من ذلك كثير من الصحابة والتابعين، ولا نجد فى العلماء مَن نسب زيد بن أسلم إلى مذهب من المذاهب المبتدعة حتى نقول إنه كان يُفسِّر القرآن برأيه مطابقاً لمذهبه البدعى، ولو كان شئ من ذلك لما سكت عبيد الله عن بيانه، ولما حكم عليه حكمه هذا، الذى يدل على ثقته وعدالته، وإن دَلَّ على اختلافهما فى جواز التفسير بالرأى.

وأشهر مَن أخذ التفسير عن زيد بن أسلم من علماء المدينة: ابنه عبد الرحمن بن زيد، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة.

وكانت وفاته سنة 136 هـ (ست وثلاثين ومائة من الهجرة) وقيل غير ذلك.

ثالثاً: مدرسة التفسير بالعراق

* قيامها على ابن مسعود:

قامت مدرسة التفسير بالعراق على عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، وكان هناك غيره من الصحابة أخذ عنهم أهل العراق التفسير، غير أن عبد الله ابن مسعود كان يعتبر الأستاذ الأول لهذه المدرسة، نظراً لشهرته فى التفسير وكثرة المروى عنه فى ذلك، ولأن عمر رضى الله عنه لما وَلَّى عمار بن ياسر على الكوفة، سيَّر معه عبد الله بن مسعود مُعلِّماً ووزيراً، فكونه مُعلِّم أهل الكوفة بأمر أمير المؤمنين عمر، جعل الكوفيين يجلسون إليه، ويأخذون عنه أكثر مما يأخذون عن غيره من الصحابة.

ص: 88

ويمتاز أهل العراق بأنهم أهل الرأى. وهذه ظاهرة نجدها بكثرة فى مسائل الخلاف، ويقول العلماء: إن ابن مسعود هو الذى وضع الأساس لهذه الطريقة فى الاستدلال، ثم توارثها عنه علماء العراق، ومن الطبيعى أن تؤثر هذه الطريقة فى مدرسة التفسير، فيكثر تفسير بالرأى والاجتهاد، لأن استنباط مسائل الخلاف الشرعية، نتيجة من نتائج إعمال الرأى فى فهم نصوص القرآن والسُّنَّة.

* *

* أشهر رجالها:

وقد عُرِف بالتفسير من أهل العراق كثير من التابعين، اشتهر من بينهم علقمة بن قيس، ومسروق، والأسود بن يزيد، ومُرَّة الهمدانى، وعامر الشعبى، والحسن البصرى، وقتادة بن دعامة السدوسى، ونتكلم عن كل واحد من هؤلاء على الترتيب:

1-

علقمة بن قيس

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو علقمة بن قيس، بن عبد الله، بن مالك، النخعى الكوفى، ولد فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى عن عمر، وعثمان، وعلىّ، وابن مسعود، وغيرهم. وهو من أشهر رواة عبد الله بن مسعود، وأعرفهم به، وأعلمهم بعلمه. قال عثمان بن سعيد: قلت لابن معين: علقمة أحب إليك أم عبيدة؟ فلم يخير، قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله. وقال أبو المثنى: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سَمْناً وهَدْياً. وقال داود بن أبى هند: قلت لشعبة: أخبرنى عن أصحاب عبد الله، قال: كان علقمة أنظر القوم به. وروى عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: ما أقرأ شيئاً ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه ويعلمه. وقال إبراهيم النخعى: كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلمونهم السُّنَّة ويصدر الناس عن رأيهم ستة: علقمة، والأسود

وذكر الباقين. وكان رحمه الله ثقة مأموناً، على جانب عظيم من الورع والصلاح. قال فيه الإمام أحمد: ثقة من أهل الخير. وهو عند أصحاب الكتب الستة. وقال مرة الهمدانى: كان علقمة من الربانيين، قال أبو نعيم: مات سنة 61 هـ (إحدى وستين، أو اثنتين وستين من الهجرة) ، وعمره تسعون سنة.

* * *

2-

مسروق

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك بن أُمية الهمدانى الكوفى العابد. سأله عمر يوماً عن اسمه فقال له: اسمى مسروق بن الأجدع، فقال عمر: الأجدع شيطان،

ص: 89

أنت مسروق بن عبد الرحمن، روى عن الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأُبَىّ بن كعب، وغيرهم، وكان أعلم أصحاب ابن مسعود، يمتاز بورعه وعلمه وعدالته، وكان شريح القاضى يستشيره فى معضلات المسائل. وقال مالك بن مغول: سمعت أبا السفر غير مرة قال: ما ولدت همدانية مثل مسروق. وقال الشعبى: ما رأيت أطلب للعلم منه. وقال علىّ بن المدينى: ما أقَّدِمُ على مسروق من أصحاب عبد الله أحداً. وهذه الشهادة من ابن المدينى، يبدوَ أنها قائمة على ما امتاز به مسروق من غزارة العلم الذى استفاده من جلوسه لكثير من الصحابة ولابن مسعود على الأخص، الأمر الذى جعله يجمع بين علم هؤلاء جميعاً، ولقد حدَّث مسروق - رضى الله عنه - أنه جالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدهم كالإخاذ، فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم.

ثم إن هذا التتلمذ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابن مسعود الذى اشتهر بتفسير القرآن، جعل من مسروق إماماً فى التفسير، وعالماً خبيراً بمعانى كتاب الله تعالى. وقد حدَّث مسروق بما يدل على أنه استفاد الكثير من التفسير عن أستاذه ابن مسعود فقال: كان عبد الله - يعنى ابن مسعود - يقرأ علينا السورة ثم يُحدِّثنا فيها ويُفسِّرها عامة النهار.

أما ثقته وعدالته، فأمر اعترف به علماء الجرح والتعديل، فقال ابن معين: ثقة، لا يُسئل عن مثله. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. وذكره ابن حبان فى الثقات، وقد أخرج له الستة. هذا وقد روى شعبة عن أبى إسحاق أنه قال: حج مسروق فلم ينم إلا ساجداً. وكانت وفاته سنة 63 هـ (ثلاث وستين من الهجرة) على الأشهر.

* * *

3-

الأسود بن يزيد

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو عبد الرحمن، الأسود بن يزيد بن قيس، النخعى، كان من كبار التابعين، ومن رواة عبد الله بن مسعود. روى عن أبى بكر، وعمر، وعلىّ، وحذيفة، وبلال، وغيرهم. وكان رحمه الله ثقة، صالحاً، على جانب عظيم من الفهم لكتاب الله تعالى. قال فيه الإمام أحمد: ثقة من أهل الخير. وقال فيه يحيى بن معين: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة وله أحاديث صالحة. وهو عند أصحاب الكتب الستة، وقال الحكم: كان الأسود يصوم الدهر، وذهبت إحدى عينيه من الصوم. وذكره إبراهيم النخعى فيمن

ص: 90

كان يُفتى من أصحاب ابن مسعود. وقال ابن حبان فى الثقات: كان فقيهاً زاهداً. توفى بالكوفى سنة 74 هـ (أربع وسبعين، أو خمس وسبعين من الهجرة) على الخلاف فى ذلك.

* * *

4-

مُرَّة الهمدانى

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو إسماعيل، مُرَّة بن شراحيل الهمدانى، الكوفى، العابد المعروف بمُرَّة الطيب، ومُرَّة الخير. لُقَّبَ بذلك لعبادته، وشدة ورعه، وكثرة صلاحه. روى عن أبى بكر، وعمر، وعلىّ، وابن مسعود، وغيرهم. وروى عنه الشعبى، وغيره من أصحابه. وثَقَّهُ ابن معين، والعجلى. وهو عند أصحاب الكتب الستة. قال فيه الحارث الغنوى: سجد مرة الهمدانى حتى أكل التراب وجهه، وكان يصلى كل يوم ستمائة ركعة، وتوفى سنة 76 هـ (ست وسبعين من الهجرة) .

* * *

5-

عامرالشعبى

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو عمرو، عامر بن شراحيل الشعبى، الحميرى، الكوفى، التابعى الجليل، قاضى الكوفة. روى عن عمر، وعلىّ، وابن مسعود، ولم يسمع منهم. وروى عن أبى هريرة، وعائشة، وابن عباس، وأبى موسى الأشعرى، وغيرهم. قال الشعبى: أدركت خمسمائة من الصحابة. وقال العجلى: سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة.

وقال عبد الملك بن عمير: مر ابن عمر على الشعبى وهو يُحَدِّثْ بالمغازى فقال: لقد شهدت القوم، فلهو أحفظ وأعلم بها. وقال مكحول: ما رأيت أفقه منه. وقال ابن عيينة: كان الناس تقول بعد الصحابة: ابن عباس فى زمانه، والشعبى فى زمانه، والثورى فى زمانه. وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبى يقول: ما كتبتُ سوداء فى بيضاء، ولا حدَّثنى رجل بحديث إلا حفظته، ولا حدَّثنى رجل بحديث فأحببت أن يعيده علىّ. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وغير واحد: الشعبى ثقة. وقال ابن حبان فى الثقات: كان فقيهاً شاعراً. وهو عند أصحاب الكتب الستة. وقال أبو جعفر الطبرى فى طبقات الفقهاء: كان ذا أدب وفقه وعلم. وحكى ابن أبى خيثمة فى تاريخه عن أبى حصين قال: ما رأيت أعلم من الشعبى، فقال أبو بكر بن عياش: ولا شريح؟ فقال: تريدنى أكذب؟ ما رأيت أعلم من الشعبى. وقال أبو إسحاق الحبال: كان واحد زمانه

ص: 91

فى فنون العلم. وعن سليمان بن أبى مجلز قال: ما رأيت أحداً أفقه من الشعبى، لا سعيد بن المسيب، ولا طاووس، ولا عطاء، ولا الحسن، ولا ابن سيرين. وعن أبى بكر الهذلى قال: قال لى ابن سيرين: الزم الشعبى، فلقد رأيته يُستفتَى والصحابة متوافرون. وقال ابن سيرين: قدمت الكوفة وللشعبى حلقة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير. وقال عاصم: ما رأيت أحداً أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز من الشعبى.

كل هذه الشهادات من العلماء، تدل على مبلغ علم الشعبى وعظيم حظه منه على اختلاف فنونه، فمن حديث، إلى تفسير، إلى فقه، إلى شعر، إلى قوة حفظ، وكثرة أخذ عن الصحابة وعلماء الأمصار المختلفة. وإذا كان الشعبى يُفتِى مع وجود الصحابة ووفرتهم، ويجلس له كثير من أهل العلم يأخذون عنه، فتلك لعمرى أكبر دلالة على عظيم مكانته العلمية، وعلو منزلته بين أتباعه ومعاصريه.

وإذا كان الشعبى قد رُزِق حظاً وافراً من العلم، ونال إعجاب معاصريه، فإنه مع ذلك لم يكن جريئاً على كتاب الله حتى يقول فيه برأيه، بل كان يتحرج من ذلك، ويتوقف عن إجابة سائليه إذا لم يكن عنده شئ عن السَلَف، فقد قال ابن عطية:"كان جُلَّة من السلَفَ، كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبى، يعظمون تفسير القرآن. ويتوقفون عنه. تورعاً واحتياطاً لأنفسهم، مع إدراكهم وتقدمهم".

وأخرج الطبرى عن الشعبى أنه قال: "واللهِ ما من آية إلا سألت عنها ولكنها الرواية عن الله".

وأخرج عنه أيضاً أنه قال: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأى" ومع هذا التوقف فإنَّا نرى الشعبى رجلاً نقَّاداًَ لرجال التفسير فى عصره. وكثيراً ما كان يُصرِّح بالطعن على مَن لا يعجبه مسلكه فى التفسير من معاصريه فقد ذكر أبو حيان: "أن الشعبى كان لا يعجبه تفسير السدى، ويطعن عليه وعلى أبى صالح، لأنه كان يراهما مقصرين فى النظر".

وروى ابن جرير: أن الشعبى كان يمر بأبى صالح باذان فيأخذ بأذنه فيعركها ويقول: تُفسِّر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن. وروى ابن جرير أيضاً عن صالح بن مسلم قال: مَرَّ الشعبى على السدى وهو يفسِّر فقال: لأن يُضرب على إستك بالطبل خير لك من مجلسك هذا.

ص: 92

هذا وإن الخلاف فى مولد الشعبى وفى وفاته كثير، وأشهر الأقوال فى ذلك أنه ولد فى سنة 20 هـ (عشرين) ، وتوفى سنة 109 هـ (تسع ومائة من الهجرة) .

* * *

6-

الحسن البصرى

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو سعيد، الحسن بن أبى الحسن يسار البصرى مولى الأنصار، وأُمه خيرة مولاة أُم سلمة. قال ابن سعد: ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ونشأ بوادى القرى، وكان فصيحاً ورعاً وزاهداً، لا يُسبق فى وعظه، ولا يُدانَى فى مبلغ تأثيره على قلوب سامعيه. روى عن علىّ، وابن عمر، وأنس، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.

هذا.. وإن الحسن البصرى ليجمع إلى صلاحه وورعه وبراعته فى الوعظ، غزارة العلم بكتاب الله تعالى، وسُّنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأحكام الحلال والحرام، وقد شهد له بالعلم خلق كثير، فقال أنس بن مالك: سلوا الحسن، فإنه حفظ ونسينا. وقال سليمان التيمى: الحسن شيخ أهل البصرة. وقال مطر الوراق: كان جابر بن زيد رجل أهل البصرة، فلما ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان فى الآخرة، فهو يخبر عما رأى وعاين. وروى أبو عوانة عن قتادة أنه قال: ما جالست فقيهاً قط إلا رأيت فضل الحسن عليه. وقال بكر المزنى: مَن سرَّه أن ينظر إلى أعلم عالم أدركناه فى زمانه، فلينظر إلى الحسن، فما أدركنا الذى هو أعلم منه. وقال الحجاج بن أرطأة: سألت عطاء بن أبى رباح فقال لى: عليك بذلك - يعنى الحسن - ذلك إمام ضخم يُقتدَى به. وكان إذا ذُكِر عند أبى جعفر الباقر قال: ذلك الذى يشبه كلامه كلام الأنبياء. وقال ابن سعد: كان الحسن جامعاً، عالماً، رفيعاً، فقيهاً، ثقة، مأموناً، عابداً، ناسكاً، كثير العلم فصيحا، جميلاً وسيماً. وقال حماد بن سلمة عن حميد: قرأت القرآن على الحسن ففسَّره على الإثبات - يعنى إثبات القَدَر - وكان يقول: من كذَّب بالقَدَر فقد كفر. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. توفى رحمه الله تعالى سن 110 هـ (عشر ومائة من الهجرة) وهو ابن ثمان وثمانين سنة.

* * *

7-

قتادة

* ترجمته ومكانته فى التفسير:

هو أبو الخطاب، قتادة بن دعامه السدوسى الأكمه، عربى الأصل. كان يسكن البصرة. روى عن أنس، وأبى الطفيل، وابن سيرين، وعكرمة، وعطاء بن أبى رباح، وغيرهم. وكان قوى الحافظة، واسع الاطلاع فى الشعر العربى، بصيراً بأيام العرب،

ص: 93

عليماً بأنسابهم، متضلعاً فى اللغة العربية، ومن هنا جاءت شهرته فى التفسير. ولقد يشهد لقوة حفظه ما رواه سلام بن مسكين قال: حدثنى عمرو بن عبد الله، قال: قدم قتادة على سعيد بن المسيب فجعل يسأله أياماً وأكثر، فقال له سعيد: أكل ما سألتنى عنه تحفظه؟ قال: نعم، سألتك عن كذا فقلتَ فيه كذا، وسألتك عن كذا فقلتَ فيه كذا، وقال فيه الحسن كذا، حتى رد عليه حديثاً كثيراً، قال: فقال سعيد: ما كنتُ أظن أن الله خلق مثلك. وقد شهد له ابن سيرين بقوة الحافظة أيضاً، فقال: قتادة هو أحفظ الناس.

وكان قتادة على مبلغ عظيم من العلم فوق ما اشتُهِر به من معرفته لتفسير كتاب الله. حتى قدَّمه بعضهم على كثير من أقرانه، وجعل بعضهم من النادر تقدم غيره عليه. وقال فيه سعيد بن المسيب: ما أتانى عراقى أحسن من قتادة. وقال معمر للزهرى: قتادة أعلم عندك أم مكحول؟ قال: بل قتادة. وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل وذُكِر قتادة، فأطنب فى ذكره، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قلَّما تجد مَن تقدَّمه، أما المثل فلعل. وقال معمر: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] فلم يجبنى، فقلت: سمعت قتادة يقول: مطيقين، فسكت، فقلت له: ما تقول يا أبا عمرو؟ فقال: حسبك قتادة، ولولا كلامه فى القَدَر - وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا ذُكِرَ القَدَر فأمسكوا" - ما عدلت به أحداً من أهل دهره".

وهذا يدل على أن أبا عمرو كان يثق بعلم قتادة وبتفسيره للقرآن، لولا ما يَنسب إليه من الخوض فى القضاء والقَدَر، وكثيراً ما تحرَّج بعض الرواة من الرواية عنه لذلك، ونجد أصحاب الصحاح يُخَرِّجون له، ويحتجون بروايته، ويكفينا هذا فى تعديله وتوثيقه: قال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس: الزهرى، ثم قتادة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً حُجَّة فى الحديث، وكان يقول بشئ من القَدَر. وقال ابن حبان فى الثقات: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حُفَّاظ أهل زمانه.

وكانت وفاته سنة 117 هـ (سبع عشرة ومائة من الهجرة) ، وعمره إذ ذاك ست وخمسون سنة على المشهور.

* *

وبعد

فهؤلاء هم مشاهير المفسِّرين من التابعين، وغالب أقوالهم فى التفسير تلقوها عن الصحابة، وبعض منها رجعوا فيه إلى أهل الكتاب، وما وراء ذلك فمحض اجتهاد لهم، ولا شك أنهم كانوا على مبلغ عظيم من العلم ودقة الفهم، لقرب

ص: 94

عهدهم من عهد النبوة، واتصال ما بين العهدين بعهد الصحابة، ولعدم فساد سليقتهم العربية، الفساد الذى شاع فيما بعد، حتى بلغ إلى درجة الهجنة والمزيج اللُّغوى.

ثم حمل أتباع التابعين هذا التراث العلمى الذى خَلَّفَهُ التابعون، وزادوا عليه بمقدار ما زاد من الغموض وما جَدَّ من اختلاف فى الرأى، وعن هؤلاء أخذ مَن جاء بعدهم

وهكذا. تناقل الخَلَفُ عِلم السَلَف، وحمل علماء كل جيل علم مَن سبقهم وزادوا عليه، سُّنَّة الله فى تدرج العلوم، تبدأ ضيقة الدائرة، محدودة المسائل، ثم لا تلبث أن تتسع وتتضخم إلى أن تبلغ النهاية وتصل إلى الكمال.

* * *

ص: 95