الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قيمة التفسير المأثور عن الصحابة
أطلق الحاكم فى المستدرك: أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى، له حكم المرفوع، فكأنه رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم، وعزا هذا القول للشيخين حيث يقول فى المستدرك:"ليعلم طالب الحديث، أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل - عند الشيخين - حديث مسند" ولكن قيَّد ابن الصلاح، والنووى، وغيرهما، هذا الإطلاق، بما يرجع إلى أسباب النزول، وما لا مجال للرأى فيه، قال ابن الصلاح فى مقدمته ص (24) : "ما قيل من أن تفسير الصحابى حديث مسند، فإنما ذلك فى تفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابى، أو نحو ذلك مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا مدخل للرأى فيه، كقول جابر رضى الله عنه: كانت اليهود تقول: مَن أتى امرأته من دُبُرها فى قُبُلها جاء الولد أحول، فأنزل الله عز وجل:{نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [البقرة: 223]
…
الآية، فأما سائر تفاسير الصحابة التى لا تشتمل على إضافة شئ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمعدودة فى الموقوفات".
ولكنّا نجد الحاكم نفسه قد صرَّح فى "معرفة علوم الحديث" بما ذهب إليه ابن الصلاح وغيره حيث قال: ومن الموقوفات ما حدثناه أحمد بن كامل بسنده عن أبى هريرة فى قوله: {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} [المدثر: 29] .. قال: تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحماً على عظم، قال: فهذا وأشباهه يُعدَ فى تفسير الصحابة من الموقوفات، فأما ما نقول: إن تفسير الصحابة مسند، فإنما نقوله فى غير هذا النوع.. " ثم أورد حديث جابر فى قصة اليهود وقال:"وفهذا وأشباهه مسند ليس بموقوف، فإن الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت فى كذا فإنه حديث مسند".
فالحاكم قيَّد فى "معرفة علوم الحديث" ما أطلق فى "المستدرك"، فاعتمد الناس ما قيَّد، وتركوا ما أطلق، وعلَّل السيوطى فى "التدريب" إطلاق الحاكم بأنه كان حريصاً على جمع الصحيح فى "المستدرك" حتى أورد فيه ما ليس من شرط المرفوع، ثم اعترض بعد ذلك على الحاكم، حيث عَدَّ الحديث المذكور عن أبى هريرة من الموقوف،
وليس كذلك؛ لأنه يتعلق بذكر الآخرة، وهذا لا مدخل للرأى فيه، فهو من قبيل المرفوع.
وبعد هذا كله نخلص بهذه النتائج.
أولا: تفسير الصحابى له حكم المرفوع، إذا كان مما يرجع إلى أسباب النزول، وكل ما ليس للرأى فيه مجال، أما ما يكون للرأى فيه مجال، فهو موقوف عليه ما دام لم يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: ما حُكِمَ عليه بأنه من قبيل المرفوع لا يجوز رده اتفاقاً، بل يأخذه المفسر ولا يعدل عنه إلى غيره بأية حال.
ثالثاً: ما حُكِمَ عليه بالوقف، تختلف فيه أنظار العلماء:
فذهب فريق: إلى أن الموقوف على الصحابى من التفسير لا يجب الأخذ به لأنه لَمَّا لم يرفعه، عُلِم أنه اجتهد فيه، والمجتهد يُخطئ ويُصيب، والصحابة فى اجتهادهم كسائر المجتهدين.
وذهب فريق آخر إلى أنه يجب الأخذ به والرجوع إليه، لظن سماعهم له من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنهم إن فسَّروا برأيهم فرأيهم أصوب، لأنهم أدرى الناس بكتاب الله، إذ هم أهل اللسان، ولبركة الصحابة والتخلق بأخلاق النبوة، ولِمَا شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختُصوا بها، ولِمَا لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس وغيرهم.
قال الزركشى فى "البرهان": "اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد. والأول: إما أن يرد عن النبى صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة، أو رؤوس التابعين، فالأول يُبحث فيه عن صحة السند، والثانى يُنظر فى تفسير الصحابى، فإن فسَّره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك فى اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه".
وقال الحافظ ابن كثير فى مقدمة تفسيره: "
…
وحينئذ إذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا فى السُّنَّة، رجعنا فى ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لِمَا شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختُصوا بها، ولِمَا لهم من الفهم التامَ، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم".
وهذا الرأى الأخير هو الذى تميل إليه النفس، ويطمئن إليه القلب لِمَا ذُكر.
* * *