الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول: المرحلة الأولى للتفسير.. أو التفسير فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه
فهم النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن
*تمهيد:
نزل القرآن الكريم على نبى أُمِّى، وقوم أُمِّيين، ليس لهم إلا ألسنتهم وقلوبهم، وكانت لهم فنون من القول يذهبون فيها مذاهبهم ويتواردون عليها، وكانت هذه الفنون لا تكاد تتجاوز ضروباً من الوصف، وأنواعاً من الحِكَم، وطائفة من الأخبار والأنساب، وقليلاً مما يجرى هذا المجرى، وكان كلامهم مشتملاً على الحقيقة والمجاز، والتصريح والكناية. والإيجاز والإطناب.
وجرباً على سُّنَّة الله تعالى فى إرسال الرسل، نزل القرآن بلغة العرب
وعلى أساليبهم فى كلامه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} .. [إبراهيم: 4] فألفاظ القرآن عربية، إلا ألفَاظاً قليلةً، اختلفت فيها أنظار العلماء، فمن قائل: إنها عُرِّبت وأُخِذت من لغات أخرى، ولكن العرب هضمتها وأجرت عليها قوانينها فصارت عربية بالاستعمال. ومن قائل: إنها عربية بحتة، غاية الأمر أنها مما تواردت عليه اللغات، وعلى كِلا القولين فهذه الألفاظ لا تُخرِج القرآن عن كونه عربياً.
استعمل القرآن فى أسلوبه الحقيقة والمجاز، والتصريح والكناية، والإيجاز والأطناب، وعلى نمط العرب فى كلامهم. غير أن القرآن يعلو على غيره من الكلام العربى، بمعانيه الرائعة التى افتنَّ بها فى غير مذاهبهم، ونزع منها إلى غير فنونهم، تحقيقاً لإعجازه، ولكونه من لدن حكيم عليم.
* * *
*فهم النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن:
وكان طبيعياً أن يفهم النبى صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلاً، إذ تكفل الله تعالى له بالحفظ والبيان:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 17-19] ، كما كان طبيعياً أن يفهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم القرآن فى جملته، أى بالنسبة لظاهره وأحكامه، أما فهمه تفصيلاً، ومعرفة دقائق باطنه، بحيث لا يغيب عنهم شاردة ولا واردة، فهذا غير ميسور لهم بمجرد معرفتهم للغة القرآن، بل لا بد لهم من البحث والنظر والرجوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فيما يشكل عليهم فهمه، وذلك لأن القرآن فيه المجمل، والمشكل، والمتشابه، وغير ذلك مما لا بد فى معرفته من أمور أُخرى يُرجعَ إليها.
ولا أظن الحق مع ابن خلدون حيث يقول فى مقدمته: "إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه فى مفرداته وتراكيبه"، نعم لا أظن الحق معه فى ذلك، لأن نزول القرآن بلغة العرب لا يقتضى أن العرب كلهم كانوا يفهمونه فى مفرداته وتراكيبه، وأقرب دليل على هذا ما نشاهده اليوم من الكتب المؤلَفة على اختلاف لغاتها، وعجز كثير من أبناء هذه اللغات عن فهم كثير مما جاء فيها بلغتهم، إذ الفهم لا يتوقف على معرفة اللغة وحدها، بل لا بد لمن يفتش عن المعانى ويبحث عنها من أن تكون له موهبة عقلية خاصة، تتناسب مع درجة الكتاب وقوة تأليفه.
* * *
*تفاوت الصحابة فى فهم القرآن:
ولو أننا رجعنا إلى عهد الصحابة لوجدنا أنهم لم يكونوا فى درجة واحدة بالنسبة لفهم معانى القرآن، بل تفاوتت مراتبهم، وأشكل على بعضهم ما ظهر لبعض آخر منهم، وهذا يرجع إلى تفاوتهم فى القوة العقلية، وتفاوتهم فى معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، وأكثر من هذا، أنهم كانوا لا يتساوون فى معرفة المعانى التى وُضعت لها المفردات، فمن مفردات القرآن ما خفى معناه على بعض الصحابة، ولا ضَيْر فى هذا، فإن اللغة لا يحيط بها إلا معصوم، ولم يدَّع أحد أن كل فرد من أُمَّة يعرف جميع ألفاظ لغتها.
ومما يشهد لهذا الذى ذهبنا إليه، ما أخرجه أبو عبيدة فى الفضائل عن أنس:"أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} .. [عبس: 31] فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟. ثم رجعَ إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر". وما روى من أن عمر كان على المنبر فقرأ: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ} .. [النحل: 47] ثم سأل عن معنى التخوف، فقال له رجل من هذيل: التخوُّف عندنا التنقص، ثم أنشده:
تَخَوَّفَ الرَّحُلُ منها تامِكاً قَرِداً
…
كما تَخَوَّفَ عُودَ النبعةِ السَّفِنُ
وما أخرجه أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: "كنت لا أدرى ما {فَاطِرِ السماوات} حتى أتانى أعرابيان يتخاصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، والآخر يقول: أنا ابتدأتها".
فإذا كان عمر بن الخطاب يخفى عليه معنى "الأَبّ" ومعنى "التَخَوُّف" ويسأل عنهما غيره، وابن عباس - وهو ترجمان القرآن - لا يظهر له معنى "فاطر" إلا بعد
سماعها من غيره، فكيف شأن غيرهما من الصحابة؟ لا شك أن كثيراً منهم كانوا يكتفون بالمعنى الإجمالى للآية، فيكفيهم - مثلاً - أن يعلموا من قوله تعالى:{وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} أنه تعداد للنِعمَ التى أنعم الله بها عليهم، ولا يلزمون أنفسهم بتفهم معنى الآية تفصيلاً ما دام المراد واضحاً جلياً.
وماذا يقول ابن خلدون فيما رواه البخارى، من أن عدى بن حاتم لم يفهم معنى قوله تعالى:{وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر} .. [البقرة: 187] وبلغ من أمره أن أخذ عقالاً أبيض وعقالاً أسود، فلما كان بعض الليل، نظر إليهما فلم يستبينا، فلما أصبح أخبر الرسول بشأنه، فعرَّض بقلة فهمه، وأفهمه المراد.
الحق أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا يتفاوتون فى القدرة على فهم القرآن وبيان معانيه المرادة منه، وذلك راجع - كما تقدَّم - إلى اختلافهم فى أدوات الفهم، فقد كانوا يتفاوتون فى العلم بلغتهم، فمنهم من كان واسع الاطلاع فيها ملِّماً بغريبها، ومنهم دون ذلك، ومنهم مَن كان يلازم النبى صلى الله عليه وسلم فيعرف من أسباب النزول ما لا يعرفه غيره، أضف إلى هذا وذاك أن الصحابة لم يكونوا فى درجتهم العلمية ومواهبهم العقلية سواء، بل كانوا مختلفين فى ذلك اختلافاً عظيماً.
قال مسروق: "جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ - يعنى الغدير - فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم".
هذا.. وقد قال ابن قتيبة - وهو ممن تقدَّم على ابن خلدون بقرون -: "إن العرب لا تستوى فى المعرفة بجميع ما فى القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل فى ذلك على بعض". ويظهر أن ابن خلدون قد شعر بذلك فصرَّح به فيما أورده بعد عبارته السابقة بقليل حيث قال: "وكان النبى صلى الله عليه وسلم يُبيِّن المجمل، ويُميِّز الناسخ من المنسوخ، ويُعرِّفه أصحابه فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه".. وهذا تصريح منه بأن العرب كان لا يكفيهم فى معرفة معانى القرآن معرفتهم بلغته، بل كانوا فى كثير من الأحيان بحاجة إلى توقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم.
* * *
مصادر التفسير فى هذا العصر
كان الصحابة فى هذا العصر يعتمدون فى تفسيرهم للقرآن الكريم على أربعة مصادر:
الأول: القرآن الكريم.
الثانى: النبى صلى الله عليه وسلم.
الثالث: الاجتهاد وقوة الاستنباط.
الرابع: أهل الكتاب اليهود والنصارى.
ونوضح كل مصدر من من هذه المصادر الأربعة فنقول:
*المصدر الأول - القرآن الكريم:
الناظر فى القرآن الكريم يجد أنه قد اشتمل على الإيجاز والإطناب، وعلى الإجمال والتبيين، وعلى الإطلاق والتقييد، وعلى العموم والخصوص. وما أُوجِزَ فى مكان قد يُبْسطَ فى مكان آخر، وما أُجْمِلَ فى موضع قد يُبيَّن فى موضع آخر، وما جاء مطلقاً فى ناحية قد يلحقه التقييد فى ناحية أخرى، وما كان عاماً فى آية قد يدخله التخصيص فى آية أُخرى.
ولهذا كان لا بد لمن يعترض لتفسير كتاب الله تعالى أن ينظر فى القرآن أولاً، فيجمع ما تكرر منه فى موضوع واحد، ويقابل الآيات بعضها ببعض، ليستعين بما جاء مسهبَاً على معرفة ما جاء موجَزاً، وبما جاء مُبيَّناً على فهم ما جاء مُجمْلاً، وليحمل المُطْلَق على المقيَّد، والعام على الخاص، وبهذا يكون قد فسرَّ القرآن بالقرآن، وفهم مراد الله بما جاء عن الله، وهذه مرحلة لا يجوز لأحد مهما كان أن يعرض عنها، ويتخطاها إلى مرحلة أخرى، لأن صاحب الكلام أدرى بمعانى كلامه، وأعرف به من غيره.
وعلى هذا، فمن تفسير القرآن بالقرآن: أن يُشرح ما جاء موجَزاً فى القرآن بما جاء فى موضع آخر مُسْهَباً، وذلك كقصة آدم وإبليس، جاءت مختصرة فى بعض المواضع، وجاءت مُسْهَبة مطوَّلة فى موضع آخر، وكقصة موسى وفرعون، جاءت مُوجَزة فى بعض المواضع، وجاءت مُسْهبَة مُفصَّلة فى موضع آخر.
ومن تفسير القرآن بالقرآن: أن يُحمل المجمَل على المبيَّن لِيُفسَّر به، وأمثلة ذلك كثيرة فى القرآن، فمن ذلك تفسير قوله تعالى فى سورة غافر الآية [28] :{وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ} بأنه العذاب الأدنى المُعجَّل فى الدنيا، لقوله تعالى فى آخر هذه السورة آية [77] :{فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} .. ومنه تفسير قوله تعالى فى سورة النساء آية [27] : {وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} بأهل الكتاب لقوله تعالى فى السورة نفسها آية [44] : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يَشْتَرُونَ الضلالة وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل} .. ومنه قوله تعالى فى سورة البقرة آية [37] : {فتلقىءَادَمُ
مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} فسَّرتها الآية [23] من سورة الأعراف: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} .. ومنه قوله تعالى فى سورة الأنعام آية [103] : {لَاّ تُدْرِكُهُ الأبصار} فسَّرتها آية: {إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} الآية [23] من سورة القيامة. ومنه قوله تعالى فى سورة المائدة آية [1] : {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلَاّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ} .. فسرتها آية {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة} الآية [3] من السورة نفسها.
ومن تفسير القرآن بالقرآن حمل المُطْلق على المُقيَّد، والعام على الخاص، فمن الأول: ما نقله الغزالى عن أكثر الشافعية من حمل المُطْلَق على المُقيَّد فى صورة اختلاف الحكمين عند اتحاد السبب، ومثَّلَ له بأية الوضوء والتيمم، فإن الأيدى مُقيَّدة فى الوضوء بالغاية فى قوله تعالى فى سورة المائدة آية [6] :{فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق} .. ومطلقة فى التيمم فى قوله تعالى فى الآية نفسها: {فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} .. فقيدت فى التيمم بالمرافق أيضاً، ومن أمثلته أيضاً عند بعض العلماء: آية الظَهَار مع آية القتل، ففى كفَّارة الظَهَار يقول الله تعالى فى سورة المجادلة آية [3] :{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} .. وفى كفَّارة القتل، يقول فى سورة النساء آية [92] :{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} .. فيحُمل المطلق فى الآية الأولى على المُقيَّد فى الآية الثانية، بمجرد ورود اللفظ المقيد من غير حاجة إلى جامع عند هذا البعض من العلماء.
ومن الثانى: نفى الخُلَّة والشفاعة على جهة العموم فى قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ والكافرون هُمُ الظالمون} .. وقد استثنى الله المتقين من نفى الخلة فى قوله: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ المتقين} .. واستثنى ما أذن فيه من الشفاعة بقوله: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السماوات لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى} .. ومثل قوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} .. فإن ما فيها من عموم خصُصِّ بمثل قوله: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} ..
ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يُتوهم أنه مختلف، كخلق آدم من تراب فى بعض الآيات، ومن طين فى غيرها، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال، فإن هذا ذكر للأطوار التى مَرَّ بها آدم من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح فيه.
ومن تفسير القرآن بالقرآن: حمل بعض القراءات على غيرها، فبعض القراءات تختلف مع غيرها فى اللفظ وتتفق فى المعنى، فقراءة ابن مسعود رضى الله عنه: "أو
يكون لك بيت من ذهب" تفسِّر لفظ الزخرف فى القراءة المشهورة: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} .. وبعض القراءات تختلف مع غيرها فى اللفظ والمعنى، وإحدى القراءتين تُعيِّن المراد من القراءة الأخرى، فمثلاً قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله} .. وفسَّرتها القراءة الأخرى: "فامضوا إلى ذكر الله"، لأنَ السعَى عبارة عن المشى السريع، وهو وإن كان ظاهر اللفظ إلا أن المراد منه مجرد الذهاب.
وبعض القراءات تختلف بالزيادة والنقصان، وتكون الزيادة فى إحدى القراءتين مفسِّرة للمجمل فى القراءة التى لا زيادة فيها، فمن ذلك: القراءة المنسوبة لابن عباس: "ليس عليكم جُناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربكم فى مواسم الحج".. فسَّرت القراءة الأخرى التى لا زيادة فيها، وأزالت الشك من قلوب بعض الناس الذين كانوا يتحرَّجون من الصفق فى أسواق الحج.. والقراءة المنسوبة لسعد بن أبى وقاص:"وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السُدُس".. فسَّرت القراءة الأخرى التى لا تعرض فيها لنوع الأخوة.
وهنا تختلف أنظار العلماء فى مثل هذه القراءات فقال بعض المتأخرين: إنها من أوجه القرآن، وقال غيرهم: إنها ليست قرآناً، بل هى من قبيل التفسير، وهذا هو الصواب: لأن الصحابة كانوا يفسِّرون القرآن ويرون جواز إثبات التفسير بجانب القرآن فظنها بعض الناس - لتطاول الزمن عليها - من أوجه القراءات التى صحَّت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواها عنه أصحابه.
ومما يؤيد أن القراءات مرجع مهم من مراجع تفسير القرآن بالقرآن، ما روى عن مجاهد أنه قال:"لو كنتُ قرأتُ قراءة ابن مسعود قبل أن أسأل ابن عباس ما احتجتُ أن أسأله عن كثير مما سألته عنه".
هذا هو تفسير القرآن بالقرآن، وهو ما كان يرجع إليه الصحابة فى تعرف بعض معانى القرآن، وليس هذا عملاً آلياً لا يقوم على شيء من النظر، وإنما هو عمل يقوم على كثير من التدبر والتعقل، إذ ليس حمل المجمل على المبين، أو المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، أو إحدى القراءتين على الأخرى بالأمر الهين الذى يدخل تحت مقدور كل إنسان، وإنما هو أمر يعرفه أهل العلم والنظر خاصة.
ومن أجل هذا نستطيع أن نوافق الأستاذ جولدزيهر على ما قاله فى كتابه "المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن" من أن: "المرحلة الأولى لتفسير القرآن والنواة التى بدأ
بها، تتركز فى القرآن نفسه وفى نصوصه نفسها. وبعبارة أوضح: فى قراءته، ففى هذه الأشكال المختلفة، نستطيع أن نرى أول محاولة للتفسير".. نعم نستطيع أن نوافقه على أن المرحلة الأولى للتفسير تتركز فى القرآن نفسه على معنى رد متشابهه إلى محكمه، وحمل مجمله على مبينه، وعامه على خاصه، ومطلقه على مقيده.. إلخ، كما تتركز فى بعض قراءاته المتواترة. وما كان من قراءات غير متواترة فلا يُعوَّلُ عليها باعتبارها قرآناً، وإن عُوِّل على بعض منه باعتبارها تفسيراً للنص القرآنى، نعم.. نستطيع أن نوافقه على هذا إن أراده، ولكن لا نستطيع أن نوافقه على ما يرمى إليه من إلحاد فى آيات الله، وما يهدف إليه من اتهام المسلمين بالتساهل فى قبول القراءات، وذلك حيث يقول فى صحفة (1، 2) من الكتاب نفسه: "وقد تسامح المسلمون فى هذه القراءات واعترفوا بها جميعاً على قدم المساواة بالرغم مما قد يفرض من أن الله تعالى قد أوحى بكلامه كلمة كلمة وحرفاً حرفاً، وأن مثله من الكلام المحفوظ فى اللوح والذى تنزَّل به المَلَك على الرسول المختار يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد" اهـ.
كما لا نستطيع أن نوافقه على ما نسبه إلى الصحابة، من أنهم هم الذين أحدثوا هذه القراءات جميعاً، ونفى كونها من كلام الله، وعلَّل ما ذهب إليه بعلل واهية لا تقوم إلا على أوهام تخيلها فظنها حقائق، وذلك حيث يقول فى صفحة (6) بعد أن ساق هذه الآية:{إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} .. [الفتح: 8-9] قال: "قرأ بعضهم بدلاً من "وتعزروه" بالراء: "وتعززوه" بالزاى، من العزة والتشريف، وإنى أرى فى الانتقال من تلك القراءة إلى هذه القراءة - وإن كنت لا أجزم بذلك - أن شيئاً من التفكير فى تصور أن الله قد ينتظر مساعدة من الإنسان قد دعا إلى ذلك، حقاً إنه قد جاءت فى القرآن آيات بهذا المعنى - سورة الحج [40] ومحمد [7] والحشر [8] وغيرها - بَيْد أن اللفظ المستعمل فى هذه الآيات - وهو "نصر" - يقوم على أساس أخلاقى تهذيبى، وليس كالتعبير بلفظ "عزَّر" وهى الكلمة المتفقة مع اللفظ العبرى "عزار"، والتعبير بـ "عزَّر" تعبير حاد يقوم على أساس من المساعدة المادية" اهـ.
فهذا الكاتب دفعه إلى رأيه الذى رآه ولم يقطع به كما هى عادته، جهله بأساليب العرب وأفانينها فى البلاغة، فالعرب لا يفهمون من قوله تعالى:{وَتُعَزِّرُوهُ} - بالراء - معنى النصرة المادية، بل أول ما تصل هذه الكلمة إلى أسماعهم يعلمون أن الله يريد منهم نصر دينه ونصر رسوله، وكثير من مثل هذه العبارات وارد فى القرآن، وما
ذكره من التفرقة بين لفظ: "نصر" ولفظ: "عزَّر" من أن الأول يقوم على أساس أخلاقى تهذيبى، والثانى يقوم على أساس من المساعدة المادية، لا يقوم على أساس من الفقه اللغوى.
ويقول الكاتب فى صفحة (19، 20) من الكتاب نفسه: "وأحب أن أهتم هنا ببعض ما ذكرته من هذه القراءات، لما فيه من طابع خاص ذى مبادئ جوهرية، فبعض هذه الاختلافات ترجع أسبابها إلى الخوف من أن تُنسب إلى الله ورسوله عبارات قد يلاحظ فيها بعض أصحاب وجوه النظر الخاصة بما يمس الذات الإلهية العالية إلى الرسول، أو مما يرى أنه غير لائق بالمقام. وهنا تغيرت القراءات من هذه الناحية بسبب هذه الأفكار التنزيهية".. ثم ضرب لذلك أمثلة فقال: "ففى سورة آل عمران آية [18] : {شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إلاه إِلَاّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم} .. فقد فهم أن هناك ما يصطدم بشهادة الله نفسه على قدم المساواة مع الملائكة وأُولى العلم فقرأ بعضهم: "شهداء الله" وبهذا يكون الكلام ملتئماً مع الآية المتقدمة: "الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار، شهداء الله: أنه لا إله إلا هو والملائكة وأُولوا العلم" اهـ.
والمتأمل أدنى تأمل أن هذا الوهم الذى ادَّعى حصوله من القراءة الأولى لا يمكن أن يدور بخلد عاقل، ولم نر أحداً من العلماء خطر له هذا الإيهام، فشهادة الله مع الملائكة لا غبار عليها، ولا تفيد مساواته لمن ذُكِروا معه.
ويقول فى صفحة (21، 22) : وفى سورة العنكبوت آيتى [2-3] : {أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين} .. فقوله تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ} قد يوحى إلى النفس أن الله قد علم ذلك أولاً عند الفتنة كأنه لم يكن يعلم بذلك فى الأزل، ويظهر أن مثل هذا الظن قد أدَّى إلى قراءة على والزهرى:"فَليُعْلِمَنَّ" من الإعلام، بمعنى: فليُعَرِّفَنَّ اللهُ الناس أخلاق هؤلاء وهؤلاء، أو بمعنى ليَسِمَنَّهم بعلامة يُعرفون بها، من بياض الوجوه وسوادها، وكحل العيون وزرقتها. وزرقة العيون عند العرب علامة على القبح والغدر، وأحياناً على الحسد" اهـ.
وللرد على هذا نقول: إن الله تعالى لا يعلم الشيء موجوداً إلا بعد وجوده، فتعلق علمه بالحادث باعتبار أنه حدث حادث، وهذا لا ينافى كونه عالماً من الأزل بالشئ قبل وقوعه، فالكاتب ظن أن العلم المترتب على الفتنة هو العلم الأزلى، ونسى علم الانكشاف والظهور، فبنى على هذا أن مَن قرأ:"فليُعلِمن" من الإعلام، قرأ بها فراراً مما تفيده القراءة الأولى، وهذا قول باطل، ولا يخفى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
فتنة الله لمن يشاء من عباده، يراد منها أن يُظهر للناس فى الخارج ما اشتمل عليه علمه من الأزل، فكيف يُعقل أنهم عدلوا عن قراءة "فليَعلَمن" من العلم إلى قراءة "فليُعلِمن" من الإعلام لمجرد هذا الوهم الباطل؟.. اللَّهم إن الكاتب لا يريد إلا أن يوقع فى أذهان الناس أن القرآن كان عُرْضة للتبديل والتحريف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ساق الكاتب أمثلة كثيرة فى كتابه، كلها من هذا القبيل ولهذا الغرض بدون أن يُفرِّق بين قراءة متواترة وقراءة شاذة، ولو أنه علم ما اشترطه المسلمون لصحة القراءة وقبولها من تواترها عن صاحب الرسالة. أو صحة السند وموافقة العربية وموافقة الرسم العثمانى، لما صار إلى هذا الرأى الباطل، ولما نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم مثل هذا التحريف والتبديل فى كتاب ضمن الله حفظه فقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
* * *
*المصدر الثانى - النبى صلى الله عليه وسلم:
المصدر الثانى الذى كان يرجع إليه الصحابة فى تفسيرهم لكتاب الله تعالى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الواحد منهم إذا أشكلت عليه آية من كتاب الله، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تفسيرها، فيبين له ما خفى عليه، لأن وظيفته البيان، كما أخبر الله عنه بذلك فى كتابه حيث قال:" {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] .. وكما نَبَّهَ على ذلك رَسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود بسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا وإنى أُوتيتُ الكتابَ ومثله معه. ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحَرَّموه"
…
الحديث.
والذى يرجع إلى كتب السُّنَّة يجد أنها قد أفردت للتفسير باباً من الأبواب التى اشتملت عليها، ذكرت فيه كثيراً من التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك:
ما أخرجه أحمد والترمذى وغيرهما عن عدى بن حبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضَّالين هم النصارى".
وما رواه الترمذى وابن حبان فى صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة الوسطى صلاة العصر".
وما رواه أحمد والشيخان وغيرهما عن ابن مسعود قال: "لما نزلت هذه الآية: {الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] . شق ذلك على الناس فقالوا:
يا رسول الله؛ وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذى تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم؟ إنما هو الشرك".
وما أخرجه مسلم وغيره عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] .. ألا وإن القوة الرمى".
وما أخرجه الترمذى عن علىّ قال: "سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: "يوم النحر".
وما أخرجه الترمذى وابن جرير عن أُبَىّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى} [الفتح: 26] .. قال: "لا إله إلا الله".
وما أخرجه أحمد والشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن نوقش الحساب عُذَّب" قلت: أليس يقول الله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 8] ؟ قال: "ليس ذلك بالحساب.. ولكن ذلك العرض".
وما أخرجه أحمد ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر أعطانيه ربى فى الجنة".
وغير هذا كثير مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* *
*الوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التفسير:
غير أن القُصَّاص والوُضَّاع زادوا فى هذا النوع من التفسير كثيراً، ونسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وليس أدل على هذا مما أخرجه الحاكم عن أنس أنه قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {والقناطير المقنطرة} [آل عمران: 14] فقال: "القنطار ألف أوقية"، وما أخرجه أحمد وابن ماجه عن أبى هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القنطار اثنا عشر ألف أوقية".
فمثل هذا التناقض فى مقدار وزن القنطار، لا يمكن أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا رد العلماء كثيراً مما ورد من التفسير منسوباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نُقِل عن الإمام أحمد أنه قال:"ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازى" ومراده من قوله هذا - كما نُقِل عن المحققين من أتباعه - أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة لا كما استظهره الأستاذ أحمد أمين حيث يقول: "وظاهر هذه الجملة أن
الأحاديث التى وردت فى التفسير لا أصل لها وليست بصحيحة، والظاهر - كما قال بعضهم - أنه يريد الأحاديث المرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى التفسير. أما الأحاديث المنقولة عن الصحابة فلا وجه لإنكارها، وقد اعترف هو نفسه ببعضها".
وحيث يقول: "إن بعض العلماء أنكر هذا الباب بتاتاً، أعنى أنه أنكر صحة ورود ما يروونه من هذا الباب، فقد روى عن الإمام أحمد أنه قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازى".
نعم.. ليس الأمر كما استظهره صاحب "ضحى الإسلام" و "فجر الإسلام، لأنه مما لا شك فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم صحَّت عنه أحاديث فى التفسير، والإمام أحمد نفسه معترف بها، فكيف يُعقل أن الإمام أحمد يريد من عبارته السابقة نفى الصحة عن جميع الأحاديث المرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى التفسير؟ - وظنى أن الأستاذ أراد بالبعض المذكور، المحققين من أصحاب الإمام أحمد، غاية الأمر أنه حمل كلامهم على غير ما أردوا فوقع فى هذا الخطأ، والعجب أنه نقل عن "الإتقان" فى هامش فجر الإسلام (صفحة 245) ما استظهرناه من كلام المحققين من أتباع الإمام أحمد.
واعترف فى فجر الإسلام (صفحة 245)، وضحى الإسلام (الجزء الثانى صفحة 138) : بأنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيرات لبعض ما أُشكل من القرآن، وإن كان قد اضطرب فى كلامه فجعل ما ورد من التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغاً حد الكثرة، حيث قال فى فجر الإسلام (صفحة 245) :"وهذا النوع كثير: وردت منه أبواب فى كتب الصحاح الستة، وزاد فيه القُصَّاص والوُضَّاع كثيراً"، ثم عاد فى ضحى الإسلام (جزء 2 صفحة 138) فجعل ما ورد عن الرسول من التفسير بالغاً حد القِلَّة حيث قال:"وما روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم فى ذلك قليل، حتى روى عن عائشة أنها قالت: لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يفسِّر شيئاً من القرآن إلا آيات تُعَد، علَّمهنَّ إياه جبريل"، وفاته أن الحديث مطعون فيه، فذكره دليلاً عن مُدَّعاه ولم يُعقِّب عليه، مع أنه أحال على الطبرى فى نقل الحديث، والطبرى وضَّح عِلَّته، وتأوَّله على فرض الصحة كما سنوضح ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
* *
*هل تناول النبى صلى الله عليه وسلم القرآن كله بالبيان؟
قد يقول قائل: إن الله تعالى يقول فى سورة النحل [آية: 44] : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .. فهل بَيَّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه القرآن كله، أفراداً وتركيباً، وما يتبع ذلك من بيان الأحكام؟ أو أنه بيَّن لهم
بعضه وسكت عن بعضه الآخر؟، ثم على أى وجه كان هذا البيان من الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه؟. وللجواب عن هذا نقول:
*المقدار الذى بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن لأصحابه:
اختلف العلماء فى المقدار الذى بيَّنه النبى صلى الله عليه وسلم من القرآن لأصحابه: فمنهم مَن ذهب إلى القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحابه كل معانى القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية.
ومنهم مَن ذهب إلى القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُبيِّن لأصحابه من معانى القرآن إلا القليل، وعلى رأس هؤلاء: الخُوَيِّى والسيوطى، وقد استدل كل فريق على ما ذهب إليه بأدلة نوردها ليتضح لنا الحق ويظهر الصواب.
* *
*أدلة مَن قال النبى صلى الله عليه وسلم بيَّن كل معانى القرآن:
أولا: قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ..
والبيان فى الآية يتناول بيان معانى القرآن، كما يتناول بيان ألفاظه، وقد بيَّن الرسول ألفاظه كلها، فلا بد أن يكون قد بيَّن كل معانيه أيضاً، وإلا كان مقصِّراً فى البيان الذى كُلِّفَ به من الله.
ثانياً: ما روى عن أبى عبد الرحمن السلمى أنه قال: "حدَّثن الذين كانوا يُقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً"، ولهذا كانوا يبقون مدة طويلة فى حفظ السورة، وقد ذكر الإمام مالك فى الموطأ: أن ابن عمر أقام على حفظ "البقرة" ثمان سنوات، والذى حمل الصحابة على هذا، ما جاء فى كتاب الله تعالى من قوله:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ليدبروا آيَاتِهِ} [ص: 29] .. وتدبر الكلام بدون فهم معانيَه لا يمكن، وقوله:{إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] .. وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام يُقصَد منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، والقرآن أولى بذلك من غيره.
فهذه الآثار تدل على أن الصحابة تعلَّموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم معانى القرآن كلها، كما تعلَّموا ألفاظه.
ثالثاً: قالوا إن العادة تمنع أن يقرأ قوم كتاباً فى فن من العلم كالطب أو الحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكتاب الله الذى فيه عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم فى الدنيا والآخرة؟
رابعاً: ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن عمر رضى الله عنه أنه قال: "من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبض قبل أن يُفسِّرها"، وهذا يدل بالفحوى على أنه كان يُفسِّر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يُفسِّر هذه الآية، لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه.
*
*أدلة مَن قال بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يبيِّن لأصحابه إلا القليل من معانى القرآن:
استدل أصحاب هذا الرأى بما يأتى:
أولاً: ما أخرجه البزَّار عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفسِّر شيئاً من القرآن إلا آياً بعدد، علَّمه إياهنَ جبريل".
ثانياً: قالوا: إن بيان النبى صلى الله عليه وسلم لكل معانى القرآن متعذر، ولا يمكن ذلك إلا فى آى قلائل، والعلم بالمراد يُستنبط بأمارات ودلائل، ولم يأمر الله نبيه بالتنصيص على المراد فى جميع آياته لأجل أن يتفكر عباده فى كتابه.
ثالثاً: قالوا: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحابه كل معانى القرآن لما كان لتخصيصه ابن عباس بالدعاء بقوله: "اللَّهم فقهه فى الدين وعلِّمه التأويل" فائدة، لأنه يلزم من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كل معانى القرآن استواؤهم فى معرفة تأويله، فكيف يخصص ابن عباس بهذا الدعاء؟.
* *
*مغالاة الفريقين:
ومَن يتأمل فيما تقدَّم من أدلة الفريقين يتضح له أنهما على طرفى نقيض. ورأيى أن كل فريق منهم مبالغ فى رأيه. وما استدل إليه كل فريق من الأدلة يمكن مناقشته بما يجعله لا ينهض حُجَّة على المدَّعى.
*مناقشة أدلة الفريق الأول:
فاستدلال ابن تيمية ومَن معه على رأيهم بقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ
إِلَيْهِمْ} استدلال غير صحيح، لأن الرسول - بمقتضى كونه مأموراً بالبيان - كان يبُيِّن لهم ما أشكل عليهم فهمه من القرآن، لا كل معانيه، ما أشكل منها وما لم يشكل.
وأما استدلالهم بما روى عن عثمان وابن مسعود وغيرهما من أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم يجاوزوها حتى يتعلَّموا ما فيها، فهو استدلال لا ينتج المدعى، لأن غاية ما يفيده، أنهم كانوا لا يجاوزون ما تعلَّموه من القرآن حتى يفهموا المراد منه، وهو أعم من أن يفهموه من النبى صلى الله عليه وسلم أو من غيره من إخوانهم الصحابة، أو من تلقاء أنفسهم، حسبما يفتح الله به عليهم من النظر والاجتهاد.
وأما الدليل الثالث، فكل ما يدل عليه: هو أن الصحابة كانوا يفهمون القرآن ويعرفون معانيه، شأن أى كتاب يقرؤه قوم، ولكن لا يلزم منه أن يكونوا قد رجعوا إلى النبى فى كل لفظ منه.
وأما الدليل الرابع، فلا يدل أيضاً، لأن وفاة النبى عليه الصلاة والسلام قبل أن يُبيِّن لهم آية الربا لا تدل على أنه كان يُبيِّن لهم كل معانى القرآن، فلعل هذه الآية كانت مما أشكل على الصحابة، فكان لا بد من الرجوع فيها إلى النبى عليه السلام، شأن غيرها من مشكلات القرآن.
*
*مناقشة أدلة الفريق الثانى:
وأما استدلال أصحاب الرأى الثانى بحديث عائشة، فهو استدلال باطل، لأن الحديث منكر غريب، لأنه من رواية محمد بن جعفر الزبيرى، وهو مطعون فيه، قال البخارى:"لا يُتابَع فى حديثه"، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدى:"منكر الحديث"، وقال فيه ابن جرير الطبرى:"إنه ممن لا يُعرف فى أهل الآثار"، وعلى فرض صحة الحديث فهو محمول - كما قال أبو حيان - على مغيبات القرآن، وتفسيره لمجمله، ونحوه مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله. وفى معناه ما قاله ابن جرير وما قاله ابن عطية.
وأما الدليل الثانى، فلا يدل أيضاً على ندرة ما جاء عن النبى عليه الصلاة والسلام فى التفسير، إذ أن دعوة إمكان التفسير بالنسبة لآيات قلائل، وتعذره بالنسبة للكل غير مُسلَّمة، وأما ما قيل من أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالتنصيص على المراد فى جميع الآيات لأجل أن يتفكر الناس فى آيات القرآن فليس بشىء، إذ أن النبى عليه الصلاة والسلام مأمور بالبيان، وقد يشكل الكثير على أصحابه فيلزمه البيان، ولو فُرِض - أن القرآن أشكل كله على الصحابة ما كان للنبى عليه الصلاة والسلام أن يمتنع
عن بيان كل آية منه، بمقتضى أمر الله له فى الآية:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} .
وأما الدليل الثالث، فول سلَّمنا أنه يدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يُفسِّر كل معانى القرآن. فلا نُسلِّم أنه يدل على أنه فسَّر النادر منه كما هو المدّعى.
* *
*اختيارنا فى المسألة:
والرأى الذى تميل إليه النفس - بعد أن اتضح لنا مغالاة كل فريق فى دعواه وعدم صلاحية الأدلة لإثبات المُدَّعى - هو أن نتوسط بين الرأيين فنقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن الكثير من معانى القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولم يُبيِّن كل معانى القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعُذر أحد فى جهالته كما صرّح بذلك ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير، قال:"التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله".
وبدهى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسِّر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسِّر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذى لا يُعرفه أحد بجهله، لأنه لا يخفى على أحد، ولم يفسِّر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وحقيقة الروح، وغير ذلك من كل ما يجرى مجرى الغيوب التى لم يُطلع الله عليها نبيه، وإنما فسَّر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المغيبات التى أخفاها الله عنهم وأطلعه عليها وأمره ببيانها لهم، وفسَّر لهم أيضاً كثيراً مما يندرج تحت القسم الثالث، وهو ما يعلمه العلماء يرجع إلى اجتهادهم، كبيان المجمل، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، وما إلى ذلك من كل ما خفى معناه والتبس المراد به.
هذا.. وإنَّ مما يؤيد أن النبى عليه الصلاة والسلام لم يُفسِّر كل معانى القرآن، أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وقع بينهم الاختلاف فى تأويل بعض الآيات، ولو كان عندهم فيه نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقع هذا الاختلاف، أو لارتفع بعد الوقوف على النص.
بقى بعد هذا أن نجيب عن الشق الثانى من السؤال، وهو: على أى وجه كان بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن؟ فنقول:
إنَّ الناظر فى القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة يجد فيهما ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظيفته البيان لكتاب الله، أو بعبارة أخرى، ما يدل على أن مركز السُّنَّة النبوية من القرآن، مركز المبيِّن من المبيَّن.
فمن القرآن، قوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} .
ومن السُّنَّة، ما رواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ألا وإنى أوتيتُ الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فَحرِّموه، إلا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومَن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قِراه".
فقوله: "أوتيتُ الكتاب ومثله معه" معناه أنه أوتى الكتاب وحياً يُتلَى، وأُوتى من البيان مثله، أى أُذِنَ له أن يبُيِّن ما فى الكتاب. فيعم ويخص، ويزيد عليه ويُشرِّع ما فى الكتاب، فيكون فى وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن. ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنه أُوتى من الوحى الباطن عن المتلو، مثل ما أعطى من الظاهر المتلو، كما قال تعالى فى سورة النجم آيتى [3، 4] : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يوحى} ..
وأما قوله: "يوشك رجل شبعان.. " إلخ، فالمقصود منه التحذير من مخالفة السُّنَّة التى سنَّها الرسول وليس لها ذكر فى القرآن، كما هو مذهب الخوارج والروافض الذين تعلَّقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التى ضمنت بيان الكتاب فتحيَّروا وضلُّوا، وروى الأوزاعى عن حسان بن عطية قال:"كان الوحى ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحضره جبريل بالسُّنَّة التى تفسِّر ذلك"، وروى الاوزاعى عن مكحول قال:"القرآن أحوج إلى السُّنَّة من السُّنَّة إلى القرآن".
* *
*أوجه بيان السُّنَّة للكتاب:
وإذ قد اتضح لنا من الآية والحديث والآثار مقدار ارتباط السُّنَّة بالكتاب، ارتباط المبيِّن فلنبُيِّن بعد ذلك أوجه هذا البيان فنقول:
الوجه الأول: بيان المجمل فى القرآن، وتوضيح المشكل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، فمن الأول: بيانه عليه الصلاة والسلام لمواقيت الصلوات الخمس، وعدد ركعاتها، وكيفيتها، وبيانه لمقادير الزكاة، وأوقاتها، وأنواعها، وبيانه لمناسك الحج. ولذا قال:"خذوا عنى مناسككم"، وقال:"صلُّوا كما رأيتمونى أُصلِّى".
وقد روى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: "إنك أحمق، أتجد
الظُهر فى كتاب الله أربعاً لا يُجهَر فيها بالقراءة؟ ثم عدَّد عليه الصلاة، والزكاة، ونحو ذلك، ثم قال: أتجد هذا فى كتاب الله تعالى مُفسَّراً؟ إن كتاب الله تعالى أبهم هذا، وإن السُّنَّة تُفسِّر هذا".
ومن الثانى: تفسيره صلى الله عليه وسلم للخيط الأبيض والخيط الأسود فى قوله تعالى: {حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر} [البقرة: 187] بأنه بياض النهار وسواد الليل.
ومن الثالث: تخصيصه صلى الله عليه وسلم الظلم فى قوله تعالى: {الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] بالشرك، فإن بعض الصحابة فهم أَن الظلم مراد منه العموم، حتى قال: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "ليس بذلك، إنما هو الشرك".
ومن الرابع: تقييده اليد فى قوله تعالى: {فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] باليمين.
الوجه الثانى: بيان معنى لفظ أو متعلقه، كبيان:{المغضوب عَلَيْهِم} باليهود، و {الضآلين} بالنصارى. وكبيان قوله تعالى:{وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] بأنها مُطهَّرة من الحيض والبزاق والنخامة، وكبيان قوله تعالى:{وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين * فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 58-59] بأنهم دخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة فى شعيرة.
الوجه الثالث: بيان أحكام زائدة على ما جاء فى القرآن الكريم، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وصدقة الفطر، ورجم الزانى المحصن، وميراث الجدة، والحكم بشاهد ويمين، وغير هذا كثير يوجد فى كتب الفروع.
الوجه الرابع: بيان النسخ: كأن يُبيِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آية كذا نُسِخَت بكذا، أو أن حكم كذا نُسِخ بكذا، فقوله عليه الصلاة والسلام:" لا وصية لوارث" بيان منه أن آية الوصية للوالدين والأقربين منسوخ حكمها وإن بقيت تلاوتها. وحديث: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" بيان منه أيضاً لنسخ حكم الآية [15] من سورة النساء: {واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} .. وغير هذا كثير.
الوجه الخامس: بيان التأكيد، وذلك بأن تأتى السُّنَّة موافقة لما جاء به
الكتاب، ويكون القصد من ذلك تأكيد الحكم وتقويته. وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام:"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فإنه يوافق قوله تعالى: {لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل} [النساء: 29] .. وقوله عليه الصلاة والسلام: "اتقوا الله فى النساء فإنهن عوان فى أيديكم، أخذتموهم بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، " فإنه موافق لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف} [النساء: 19] .
* * *
*المصدر الثالث من مصادر التفسير فى عصر الصحابة - الاجتهاد وقوة الاستنباط:
كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إذا لم يجدوا التفسير فى كتاب الله، ولم يتيسر لهم أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا فى ذلك إلى اجتهادهم وإعمال رأيهم، وهذا بالنسبة لما يحتاج إلى نظر واجتهاد، أما ما يمكن فهمه بمجرد معرفة اللغة العربية فكانوا لا يحتاجون فى فهمه إلى إعمال النظر، ضرورة أنهم من خُلَّصِ العرب، يعرفون كلام العرب ومناحيهم فى القول، ويعرفون الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ما ورد من ذلك فى الشعر الجاهلى الذى هو ديوان العرب، كما يقول عمر رضى الله عنه.
*أدوات الاجتهاد فى التفسير عند الصحابة:
وكثير من الصحابة كان يُفسِّر بعض آى القرآن بهذا الطريق، أعنى طريق الرأى والاجتهاد، مستعيناً على ذلك بما يأتى:
أولاً: معرفة أوضاع اللغة وأسرارها.
ثانياً: معرفة عادات العرب.
ثالثاً: معرفة أحوال اليهود والنصارى فى جزيرة العرب وقت نزول القرآن.
رابعاً: قوة الفهم وسعة الإدراك.
فمعرفة أوضاع اللغة العربية وأسرارها، تعين على فهم الآيات التى لا يتوقف فهمها على غير لغة العرب. ومعرفة عادات العرب تعين على فهم كثير من الآيات التى لها صلة بعاداتهم، فمثلاً قوله تعالى:{إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر} [التوبة: 37] .. وقوله: {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا} [البقرة: 189] . لا يمكن فهم المراد منه، إلا لمن عرف عادات العرب فى الجاهلية وقت نزول القرآن.
ومعرفة أحوال اليهود والنصارى فى جزيرة العرب وقت نزول القرآن، تعين على فهم الآيات التى فيها الإشارة إلى أعمالهم والرد عليهم.
ومعرفة أسباب النزول، وما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، تعين على فهم كثير من الآيات القرآنية، ولهذا قال الواحدى:"لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها". وقال ابن دقيق العيد: "بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى القرآن" وقال ابن تيمية: "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية. فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب".
وأما قوة الفهم وسعة الإدراك، فهذا فضل الله يؤتيه مَن يشاء من عباده. وكثير من آيات القرآن يدق معناه، ويخفى المراد منه، ولا يظهر إلا لمن أوتى حظاً من الفهم ونور البصيرة، ولقد كان ابن عباس صاحب النصيب الأكبر والحظ الأوفر من ذلك، وهذا ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك حيث قال:"اللَّهم فََقِّهه فى الدين وعَلِّمه التأويل".
وقد روى البخارى فى صحيحه بسنده إلى أبى جحيفة رضى الله عنه أنه قال: "قلت لعلىّ رضى الله عنه: هل عندكم شئ من الوحى إلا ما فى كتاب الله؟ قال: لا، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهماً يُعطيه الله رجلاً فى القرآن، وما فى هذه الصحيفة، قلت: وما فى هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألَاّ يُقتل مسلم بكافر".
هذه هى أدوات الفهم والاستنباط التى استعان بها الصحابة على فهم
كثير من آيات القرآن، وهذا هو مبلغ أثرها فى الكشف عن غوامضه وأسراره.
* *
*تفاوت الصحابة فى فهم معانى القرآن:
غير أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كانوا متفاوتين فى معرفتهم بهذه الأدوات، فلم يكونوا جميعاً فى مرتبة واحدة، السبب الذى من أجله اختلفوا فى فهم بعض معانى القرآن، وإن كان اختلافاً يسيراً بالنسبة لاختلاف التابعين ومَن يليهم. ومن أمثلة هذا الاختلاف: ما روى من أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر: مَن يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول، فقال عمر: يا قدامة إنى جَالِدُك، قال: واللهِ لو شربت كما يقول ما كان لك أن تجلدنى، قال عمر: ولِمَ؟ قال: لأن الله يقول: {لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} [المائدة: 93] فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقو وأحسنوا، شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً، وأُحُداً، والخندق، والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال
ابن عباس: إن هذه الآيات أُنزلت عذراً للماضين وحُجَّة على الباقين، لأن الله يقول:{ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان} [المائدة: 90] .. قال عمر: صدقت..
وما روى من أن الصحابة فرحوا حينما نزل قوله تعالى: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] لظنهم أنها مجرد إخبار وبُشرى بكمال الدين، ولكن عمر بكى وقال: ما بعد الكمال إلا النقص، مستشعراً نعى النبى صلى الله عليه وسلم، وقد كان مصيباً فى ذلك، إذ لم يعش النبى صلى الله عليه وسلم بعدها إلا أحداً وثمانين يوماً كما روى".
وما رواه البخارى من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كان عمر يُدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَدَ فى نفسه وقال: لِمَ يُدخل هذا معنا وإنَّ لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلنى معهم فما رأيت أنه دعانى فيهم إلا ليريهم، فقال: ما تقولون فى قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح} [النصر: 1] ؟ فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ولم يقل شيئاً، فقال لى: أكذلك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، قال: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح} فذلك علامة أجلك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [النصر: 3] .. فقال عمر: لا أعلم منها إلا مَا تقول".
* * *
*المصدر الرابع من مصادر التفسير فى هذا العصر - أهل الكتاب من اليهود والنصارى:
المصدر الرابع للتفسير فى عهد الصحابة هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وذلك أن القرآن الكريم يتفق مع التوراة فى بعض المسائل، وبالأخص فى قصص الأنبياء، وما يتعلق بالأمم الغابرة، وكذلك يشتمل القرآن على مواضع وردت فى الإنجيل كقصة ميلاد عيسى ابن مريم، ومعجزاته عليه السلام.
غير أن القرآن الكريم اتخذ منهجاً يخالف منهج التوراة والإنجيل، فلم يتعرض لتفاصيل جزئيات المسائل، ولم يستوف القصة من جميع نواحيها، بل اقتصر من ذلك على موضع العبرة فقط.
ولما كانت العقول دائماً تميل إلى الاستيفاء والاستقصاء، جعل بعض الصحابة - رضى الله عنهم أجمعين - يرجعون فى استيفاء هذه القصص التى لم يتعرض لها
القرآن من جميع نواحيها إلى مَن دخل فى دينهم مِن أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهم من علماء اليهود والنصارى.
وهذا بالضرورة كان بالنسبة إلى ما ليس عندهم فيه شئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لو ثبت شئ فى ذلك عن رسول الله ما كانوا يعدلون عنه إلى غيره مهما كان المأخوذ عنه.
* *
* أهمية هذا المصدر بالنسبة للمصادر السابقة:
غير أن رجوع بعض الصحابة إلى أهل الكتاب، لم يكن له من الأهمية فى التفسير ما للمصادر الثلاثة السابقة، وإنما كان مصدراً ضيِّقاً محدوداً، وذلك أن التوراة والإنجيل وقع فيهما كثير من التحريف والتبديل، وكان طبيعياً أن يحافظ الصحابة على عقيدتهم، ويصونوا القرآن عن أن يخضع فى فهم معانيه لشئ مما جاء ذكره فى هذه الكتب التى لعبت فيها أيدى المحرِّفين، فكانوا لا يأخذون عن أهل الكتاب إلا ما يتفق وعقيدتهم ولا يتعارض مع القرآن. أما ما اتضح لهم كذبه مما يعارض القرآن ويتنافى مع العقيدة فكانوا يرفضونه ولا يصدِّقونه، ووراء هذا وذاك ما هو مسكوت عنه، لا هو من قبيل الأول، ولا هو من قبيل الثانى، وهذا النوع كانوا يسمعونه من أهل الكتاب ويتوقفون فيه، فلا يحكمون عليه بصدق ولا بكذب، امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل إلينا
…
" الآية.
وسنوفق بمشيئة الله تعالى بين هذا الحديث وحديث: "بلِّغوا عنى ولو آية، وحدِّثوا عن بنى إسرائيل ولا حَرَج
…
" ونذكر مدى تأثير اليهودية والنصرانية على التفسير فى أدواره المختلفة من لدن عصر الصحابة إلى عصر التدوين، وذلك عند الكلام عن التفسير المأثور إن شاء الله تعالى.
* * *