الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير بالرأى وما يتعلق به من مباحث
*معنى التفسير بالرأى:
يُطلق الرأى على الاعتقاد، وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه: أصحاب الرأى: أى أصحاب القياس.
والمراد بالرأى هنا "الاجتهاد" وعليه فالتفسير بالرأى، عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسِّر لكلام العرب ومناحيهم فى القول، ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالاتها، واستعانته فى ذلك بالشعر الجاهلى ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التى يحتاج إليها المفسِّر، وسنذكرها قريباً إن شاء الله تعالى.
* موقف العلماء من التفسير بالرأى:
اختلف العلماء من قديم الزمان فى جواز تفسير القرآن بالرأى، ووقف المفسِّرون بإزاء هذا الموضوع موقفين متعارضين:
فقوم تشدَّدوا فى ذلك فلم يجرءوا على تفسير شئ من القرآن، ولم يبيحوه لغيرهم، وقالوا: لا يجوز لأحد تفسير شئ من القرآن وإن كان عالماً أديباً متسعاً فى معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وإنما له أن ينتهى إلى ما روى النبى صلى الله عليه وسلم، وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة رضى الله عنهم، أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين.
وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك، فلم يروا بأساً من أن يفسِّروا القرآن باجتهادهم، ورأوا أن مَنْ كان ذا أدب وسيع فموسَّع له أن يُفسِّر القرآن برأيه واجتهاده.
والفريقان على طرفى نقيض فيما يبدو، وكل يُعَزِّز رأيه ويُقَوِّيه بالأدلة والبراهين. أما الفريق الأول - فريق المانعين - قد استدَّلوا بما يأتى:
أولاً - قالوا: إن التفسير بالرأى قول على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم منهى عنه فالتفسير بالرأى منهى عنه، دليل الصغرى: أن المفسِّر بالرأى ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد الله تعالى، ولا يمكنه أن يقطع بما يقول، وغاية الأمر أنه يقول بالظن، والقول بالظن قول على الله بغير علم.
ودليل الكبرى: قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} وهو معطوف على ما قبله من المحرَّمات فى قوله تعالى فى الآية [33] من سورة الأعراف: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} .. الآية، وقوله تعالى فى الآية [36] من سورة الإسراء:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ..
قد رَدَّ المجيزون هذا الدليل فقالوا: نمنع الصغرى. لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك الطرف الراجح. وعلى فرض تسليم الصغرى فإنَّا نمنع الكبرى، لأن الظن منهى عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقينى القطعى، بأن يوجد نص قاطع من نصوص الشرع، أو دليل عقلى موصل لذلك. أما إذا لم يوجد شئ من ذلك، فالظن كاف هنا، لاستناده إلى دليل قطعى من الله سبحانه وتعالى على صحة العمل به إذ ذاك. كقوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .. وقوله عليه الصلاة والسلام: "جعل الله للمصيب أجرين وللمخطئ واحداً"، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:"فبِمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسُّنَّة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صدره وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يُرضى رسول الله".
ثانياً - استدلوا بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، فقد أضاف البيان إليه، فعُلِمَ أنه ليس لغيره شئ من البيان لمعانى القرآن.
وأجاب المجيزون عن هذا الدليل فقالوا: نعم إنَّ النبى صلى الله عليه وسلم مأمور بالبيان ولكنه مات ولم يبيِّن كل شئ فما ورد بيانه عنه صلى الله عليه وسلم ففيه الكفاية عن فكره من بعده، وما لم يرد عنه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، فيستدلون بما ورد بيانه على ما لم يرد، والله تعالى يقول فى آخر الآية:{وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .
ثالثاً - استدَّلوا بما ورد فى السُّنَّة من تحريم القول فى القرآن بالرأى فمن ذلك:
1 -
ما رواه الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقوا الحديث عنى إلا ما علمتم، فمَن كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومَن قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار".. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
2 -
ما رواه الترمذى وأبو داود عن جُندب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ".
وأجاب المجيزون عن هذين الحديثين بأجوبة:
منها: أن النهى محمول على مَنْ قال برأيه فى نحو مشكل القرآن، ومشتابهه، من كل ما لم يُعلم إلا عن طريق النقل عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة عليهم رضوان الله.
ومنها: أنه أراد - بالرأى - الرأى الذى يغلب على صاحبه من غير دليل يقوم عليه، أما الذى يشده البرهان، ويشهد له الدليل، فالقول به جائز، فالنهى على هذا متناول لمن كان يعرف الحق ولكنه له فى الشئ رأى وميل إليه من طبعه وهواه، فيتأوَّل القرآن على وفق هواه، ليحتج به على تصحيح رأيه الذى يميل إليه، ولو لم يكن له ذلك الرأى والهوى لما لاح له هذا المعنى الذى حمل القرآن عليه. ومتناول لمن كان جاهلاً بالحق ولكنه يحمل الآية التى تحتمل أكثر من وجه على ما يوافق رأيه وهواه، ويُرَجِّح هذا الرأى بما يتناسب مع ميوله، ولولا هذا لما تَرَجَّحَ عنده ذلك الوجه. ومتناول أيضاً لمن كان له غرض صحيح ولكنه يستدل لغرضه هذا بدليل قرآنى يعلم أنه ليس مقصوداً به ما أراد، مثل الداعى إلى مجاهدة النفس الذى يستدل على ذلك بقوله تعالى:{اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى} ، [طه: 24] ويريد من فرعون النفس.. ولا شك أن مثل هذا قائل فى القرآن برأيه.
ومنها: أن النهى محمول على مَنْ يقول فى القرآن بظاهر العربية، ومن غير أن يرجع إلى أخبار الصحابة الذى شاهدوا تنزيله، وأدُّوا إلينا من السنُن ما يكون بياناً لكتاب الله تعالى، وبدون أن يرجع إلى السماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن، وما فيه من المبهمات. والحذف، والاختصار، والإضمار، والتقديم، والتأخير، ومراعاة مقتضى الحال، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من كل ما يجب معرفته لمن يتكلم فى التفسير، فإنَّ النظر إلى ظاهر العربية وحده لا يكفى، بل لا بد من ذلك أولاً، ثم بعد ذلك يكون التوسع فى الفهم والاستنباط.
فمثلاً قوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} [الإسراء: 59] معناه: وآتينا ثمود الناقة معجزة واضحة، وآية بيِّنة على صدق رسالته، فظلموا بعقرها أنفسهم، ولكن الواقف عن ظاهر العربية وحدها بدون أن يستظهر بشئ مما تقدَّم، يظن أن "مبصرة" من الإبصار بالعين، وهو حال من الناقة، وصف لها فى معنى، ولا يدرى بعد ذلك بِمَ ظلموا، ولا مَنْ ظلموا.
كل من هذه الأجوبة الثلاثة. يمكن أن يُجاب به على مَنْ يستند فى قوله بحُرْمة التفسير بالرأى على هذين الحديثين المتقدمين، وهى أجوبة سليمة دامغة، كافية لإسقاط حُجَّتهما والاعتماد عليهما.
هذا.. ويمكن الإجابة عن حديث جُندب - زيادة عما تقدَّم - بأنَّ هذا الحديث لم تثبت صحته، لأن مِن رواته سُهيل بن أبى حزم، وهو مُتكلَّم فيه، قال فيه أبو
حاتم: ليس بالقوى، وكذا قال البخارى والنسائى، وضعَّفه ابن معين، وقال فيه الإمام أحمد: روى أحاديث منكرة، والترمذى نفسه يقول بعد روايته لهذا الحديث:"وقد تكلَّم بعض أهل الحديث فى سُهيل بن أبى حزم".
رابعاً - ما ورد عن السَلَف من الصحابة والتابعين، من الآثار التى تدل على أنهم كانوا يُعَظِّمون تفسير القرآن ويتحرَّجون من القول فيه بآرائهم.
فمن ذلك: ما جاء عن أبى مُليكة أنه قال: سُئل أبو بكر الصِدِّيق رضى الله عنه فى تفسير حرف من القرآن فقال: "أىُّ سماء تظلنى، وأىُّ أرض تقلنى، وأين أذهب، وكيف أصنع إذا قلتُ فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى"؟
وما ورد عن سعيد بن المسيب: أنه كان إذا سُئل عن الحلال والحرام تكلَّم، وإذا سُئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئاً.
وما روى عن الشعبى أنه قال: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأى".
وهذا ابن مجاهد يقول: "قال رجل لأُبَىِّ: أنت الذى تُفسِّر القرآن برأيك؟ فبكى أُبَىّ، ثم قال: إنى إذن لجرئ، لقد حملتُ التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم".
وهذا هو الأصمعى إمام اللغة، كان مع علمه الواسع شديد الاحتراز فى تفسير الكتاب، بل والسُّنَّة، فإذا سُئل عن معنى شئ من ذلك يقول:"العرب تقول: معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد منه فى الكتاب والسُّنَّة أى شئ هو".
.. وغير هذا كثير من الآثار الدالة على المنع من القول فى التفسير بالرأى.
وقد أجاب المجيزون عن هذه الآثار: بأن إحجام مَن أحجم من السَلَف عن التفسير بالرأى، إنما كان منهم ورعاً واحتياطاً لأنفسهم، مخافة ألا يبلغوا ما كُلِّفوا به من إصابة الحق فى القول، وكانوا يرون أن التفسير شهادة على الله بأنه عَنِى باللفظ كذا وكذا، فأمسكوا عنه خشية أن لا يوافقوا مراد الله عز وجل، وكان منهم مَن يخشى أن يُفسِّر القرآن برأيه فيُجعل فى التفسير إماماً يُبنَى على مذهبه ويُقتفَى طريقه، فربما جاء أحد المتأخرين وفسَّر القرآن برأيه فوقع فى الخطأ، ويقول: إمامى فى التفسير بالرأى فلان من السَلَف.
ويمكن أن يُقال أيضاً: إن إحجامهم كان مُقيَّداً بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه، أما إذا عرفوا وجه الصواب فكانوا لا يتحرَّجون من إبداء ما يظهر لهم ولو بطريق الظن. فهذا
أبو بكر رضى الله عنه يقول - وقد سُئل عن الكلالة -: "أقول فيها برأيى فإن كان صواباً فمِن الله، وإن كان غير ذلك فمِنى ومِن الشيطان: الكلالة كذا وكذا".
ويمكن أن يُقال أيضاً: إنما أحجم مَنْ أحجم، لأنه كان لا يتعيَّن للإجابة، لوجود مَنْ يقوم عنه فى تفسير القرآن وإجابة السائل، وإلا لكانوا كاتمين للعلم، وقد أمرهم الله ببيانه للناس.
وهناك أجوبة أُخرى غير ما تقدَّم. والكل يوضح لنا سر إحجام مَنْ أحجم مِنَ السَلَف عن القول فى التفسير برأيهم، ويبيِّن أنه لم يكن عن اعتقاد منهم بعدم جواز التفسير بالرأى.
وأما الفريق الثانى - فريق المجوِّزين - فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتى:
أولاً - بنصوص كثيرة وردت فى كتاب الله تعالى: منها قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ..} [محمد: 24] وقوله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ليدبروا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الألباب} [ص: 29] .. وقوله: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، ووجه الدلالة فى هذه الآيات: أنه تعالى حَثَّ فى الآيتين الأوليين على تدبر القرآن والاعتبار بآياته، والاتعاظ بعظاته، كما دلّت الآية الأخيرة على أن فى القرآن ما يستنبطه أُولوا الألباب باجتهادهم، ويصلون إليه بإعمال عقولهم، وإذا كان الله قد حثَّنا على التدبر، وتعبَّدنا بالنظر فى القرآن واستنباط الأحكام منه، فهل يُعقل أن يكون تأويل ما لم يستأثر الله بعلمه محظوراً على العلماء، مع أنه طريق العلم، وسبيل المعرفة والعظة؟ لو كان ذلك لكنَّا مُلْزَمين بالاتعاظ والاعتبار بما لا نفهم، ولما توصلنا لشئ من الاستنباط، ولما فُهِم الكثير من كتاب الله تعالى.
ثانياً - قالوا: لو كان التفسير بالرأى غير جائز لما كان الاجتهاد جائزاً، ولتعطل كثير من الأحكام، وهذا باطل بَيَّنُ البطلان، وذلك لأن باب الاجتهاد لا يزال مفتوحاً إلى اليوم أمام أربابه، والمجتهد فى حكم الشرع مأجور، أصاب أو أخطأ، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يُفسِّر كل آيات القرآن، ولم يستخرج لنا جميع ما فيه من أحكام.
ثالثاً - استدلوا بما ثبت من أن الصحابة - رضوان الله عليهم - قرأوا القرآن واختلفوا فى تفسيره على وجوه، ومعلوم أنهم لم يسمعوا كل ما قالوه فى تفسير القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم، إذ أنه لم يُبيِّن لهم كل معانى القرآن، بل بَيَّنَ لهم بعض معانيه، وبعضه الآخر توَّصلوا إلى معرفته بعقولهم واجتهادهم، ولو كان القول بالرأى فى القرآن محظوراً لكانت الصحابة قد خالفت ووقعت فيما حرَّم الله، ونحن نُعيذ الصحابة من المخالفة والجرُأة على محارم الله.
رابعاً - قالوا: إنَّ النبى صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس رضى الله عنهما، فقال فى دعائه له:"اللَّهم فقهه فى الدين، وعلِّمه التأويل" فلو كان التأويل مقصوراً على السماع والنقل كالتنزيل، لما كان هناك فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء، فَدَلَّ ذلك على أن التأويل الذى دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس أمر آخر وراء النقل والسماع، ذلك هو التفسير بالرأى والاجتهاد، وهذا بَيِّنٌ لا إشكال فيه.
هذه هى أدلة الفريقين، وكلُّ يحاول بما ذكر من الأدلة أن يثبت قوله ويركز مُدَّعاه. والغزالى - فى الإحياء، بعد الاحتجاج والاستدلال على بطلان القول بأن لا يتكلم أحد فى القرآن إلا بما يسمعه - يقول:"فبطل أن يُشترط السماع فى التأويل، وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه وحد عقله". كما قال قبل ذلك بقليل: "إن فى فهم معانى القرآن مجالاً رحباً، ومتسعاً بالغاً، وإن المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه".
والراغب الأصفهانى - بعد أن ذكر المذهبين وأدلتهما فى مقدمة التفسير - يقول: "وذكر بعض المحققين: أن المذهبين هما الغلو والتقصير، فمَن اقتصر على المنقول إليه فقد ترك كثيراً مما يحتاج إليه، ومَنْ أجاز لكل أحد الخوض فيه فقد عرَّضه للتخليط، ولم يعتبر حقيقة قوله تعالى:{ليدبروا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الألباب} .
* *
* حقيقة الخلاف:
ونحن مع هذا البعض الذى نقل عنه الراغب هذا التحقيق إن وقف الفريق الأول عند المنقول فلم يتجاوزه، وأجاز الفريق الثانى لكل أحد الخوض فى التفسير والكلام فيه، إذ أن الجمود على المنقول تقصير وتفريط بل نزاع، والخوض فى التفسير لكل إنسان غلو وإفراط بلا جدال.
ولكن لو رجعنا إلى هؤلاء المتشدِّدين فى التفسير وعرفنا سر تشددهم فيه، ثم رجعنا إلى هؤلاء المجوِّزين للتفسير بالرأى ووقفنا على ما شرطوه من شروط لا بد منها لمن يتكلم فى التفسير برأيه، وحلَّلنا أدلة الفريقين تحليلاً دقيقاً، لظهر لنا أن الخلاف لفظى لا حقيقى، ولبيان ذلك نقول:
الرأى قسمان: قسم جار على موافقة كلام العرب، ومناحيهم فى القول، مع موافقة الكتاب والسُنَّة، ومراعاة سائر شروط التفسير، وهذا القسم جائز لا شك فيه، وعليه يُحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأى.
وقسم غير جار على قوانين العربية، ولا موافق للأدلة الشرعية، ولا مستوف لشرائط
التفسير، وهذا هو مورد النهى ومحط الذم، وهو الذى يرمى إليه كلام ابن مسعود إذ يقول:"ستجدون أقواماً يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع"، وكلام عمر إذ يقول:"إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأوَّل القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس المُلْك على أخيه"، وكلامه إذ يقول:"ما أخاف على هذه الأُمَّة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بَيِّن فسقه، ولكنى أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوَّله على غير تأويله".. فكل هذا ونحوه، وارد فى حق مَن لا يُراعى فى تفسير القرآن قوانين اللغة ولا أدلة الشريعة، جاعلاً هواه رائده، ومذهبه قائده، وهذا هو الذى يُحمل عليه كلام المانعين للتفسير بالرأى، وقد قال ابن تيمية - بعد أن ساق الآثار عَمَّن تحرَّج من السَلَف من القول فى التفسير -: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السَلَف، محمولة على تحرجهم عن الكلام فى التفسير بما لا علم لهم به، فأما مَن تكلَّم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حَرَج عليه، ولهذا رُوِى عن هؤلاء وغيرهم أقوال فى التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلِّموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، هذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا عمل له به، فكذلك يجب القول فيما سُئِل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى:{لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] .. ولما جاء فى الحديث المروى من طرق: "مَنْ سُئِلَ عن علم فكتمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار".
وإذ قد علمنا أن التفسير بالرأى قسمان: قسم مذموم غير جائز، وقسم ممدوح جائز، وتبين لنا أن القسم الجائز محدود بحدود، ومقيَّد بقيود، فلا بد لنا من أن نعرض هنا لما ذكروه من العلوم التى يحتاج إليها المفسِّر، وما ذكروه من الأدوات التى إذا توافرت لديه وتكاملت فيه، خرج عن كونه مفسِّراً للقرآن بمجرد الرأى، ومحض الهوى.
* *
* العلوم التى يحتاج إليها المفسِّر:
اشترط العلماء فى المفسِّر الذى يريد أن يُفسِّر القرآن برأيه بدون أن يلتزم الوقوف عند حدود المأثور منه فقط، أن يكون مُلِماً بجملة من العلوم التى يستطيع بواسطتها
أن يُفسِّر القرآن تفسيراً عقلياً مقبولاً، وجعلوا هذه العلوم بمثابة أدوات تعصم المفسِّر من الوقوع فى الخطأ، وتحميه من القول على الله بدون علم. وإليك هذه العلوم مفصَّلة، مع توضيح ما لكل علم منها من الأثر فى الفهم وإصابة وجه الصواب:
الأول - علم اللغة: لأن به يمكن شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد:"لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم فى كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب"، ثم إنه لا بد من التوسع والتبحر فى ذلك، لأن اليسير لا يكفى، إذ ربما كان اللفظ مشتركاً، والمفسِّر يعلم أحد المعنيين ويخفى عليه الآخر، وقد يكون هو المراد.
الثانى - علم النحو: لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره. أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سُئِل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حُسن المنطق ويقيم بها قراءته فقال: حسن فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فيهلك فيها.
الثالث - علم الصرف: وبواسطته تُعرف الأبنية والصيغ. قال ابن فارس: "ومَن فاته المعظم، لأنَّ "وجد" مثلاً كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها"، وحكى السيوطى عن الزمخشرى أنه قال:"من بدع التفاسير قول مَن قال: إن الإمام فى قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] جمع "أُمّ"، وأن الناس يُدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم قال: وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف، فإن "أُمَّاً" لا تُجمع على إمام".
الرابع - الاشتقاق: لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين، اختلف باختلافهما، كالمسيح مثلاً، هل هو من السياحة أو من المسح؟
الخامس والسادس والسابع - علوم البلاغة الثلاثة "المعانى، والبيان، والبديع": فعلم المعانى، يُعرف به خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وعلم البيان، يُعرف به خواص التراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وعلم البديع، يُعرب به وجوه تحسين الكلام..
وهذه العلوم الثلاثة من أعظم أركان المفسِّر، لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وذلك لا يُدرك إلا بهذه العلوم.
الثامن: - علم القراءات: إذ بمعرفة القراءة يمكن ترجيح بعض الوجوه المحتملة على بعض.
التاسع - علم أصول الدين: وهو علم الكلام، وبه يستطيع المفسٍّر أن يستدل على ما يجب فى حقه تعالى، وما يجوز، وما يُستحَل، وأن ينظر فى الآيات المتعلقة بالنبوات، والمعاد، وما إلى ذلك نظرة صائبة، ولولا ذلك لوقع المفسِّر فى ورطات.
العاشر - علم أصول الفقه: إذ به يعرف كيف يستنبط الأحكام من الآيات ويستدل عليها، ويعرف الإجمال والتبيين، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، ودلالة الأمر والنهى، وما سوى ذلك من كل ما يرجع إلى هذا العلم.
الحادى عشر - علم أسباب النزول: إذ أن معرفة سبب النزول يعين على فهم المراد من الآية.
الثانى عشر - علم القصص: لأن معرفة القصة تفصيلاً يعين على توضيح ما أجمل منها فى القرآن.
الثالث عشر - علم الناسخ والمنسوخ: وبه يعلم المحكوم من غيره. ومَن فقد هذه الناحية، ربما أفتى بحكم منسوخ فيقع فى الضلال والإضلال.
الرابع عشر - الأحاديث المبيِّنة لتفسير المجمل والمبهم، ليستعين بها على توضيح ما يشكل عليه.
الخامس عشر - علم الموهبة: وهو علم يُورثه الله تعالى - لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله} .. [البقرة: 282] .. وبقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن عمل بما علم وَرَّثه اللهُ علم ما لا يعلم".
قال السيوطى بعد أن عَدَّ علم الموهبة من العلوم التى لا بد منها للمفسِّر: "ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول: هذا شئ ليس فى قدرة الإنسان. وليس الأمر كما ظننت من الإشكال، والطريق فى تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد. قال فى البرهان: "اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معانى الوحى ولا تظهر له أسراره، وفى قلبه بدعة، أو كبر، أو هوى، أو حب دنيا، أو هو مُصِّرُ على ذنب، أو غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على قول مفسِّر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وموانع بعضها آكد من بعض" قلت: وفى هذا المعنى قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق} [الأعراف: 146]
قال ابن عيينة: أنزع عنهم فهم القرآن. أخرجه ابن أبى حاتم".
هذه هى العلوم التى اعتبرها العلماء أدوات لفهم كتاب الله تعالى، وقد ذكرناها مسهبة مفصَّلة، وإن كان بعض العلماء ذكر بعضاً وأعرض عن بعض آخر، ومنهم مَن أدمج بعضها فى بعض وضغطها حتى كانت أقل عدداً مما ذكرنا، وليس هذا العدد الذى ذكرنا حاصراً لجميع العلوم التى يتوقف عليها التفسير، فإن القرآن - مثلاً - قد اشتمل على أخبار الأمم الماضية وسيرهم وحوادثهم، وهى أمور تقتضى الإلمام بعلمى التاريخ وتقويم البلدان، لمعرفة العصور والأمكنة التى وُجِدت فيها تلك الأُمم، ووقعت فيها هذه الحوادث. وأرى أن أسوق هنا مقالة الأستاذ المرحوم السيد محمد رشيد رضا فى مقدمة تفسيره تتميماً للفائدة، وإليك نص هذه المقالة التى اقتبسها من دروس أستاذه الإمام الشيخ محمد عبده عليه رضوان الله.
قال رحمه الله: "للتفسير مراتب: "أدناها أن يُبيِّن بالإجمال ما يُشرِب القلب عظمة الله وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشر، ويجذبها إلى الخير، وهذه هى التى قلنا إنها متيسرة لكل أحد:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17] ..
وأما المرتبة العليا فهى لا تتم إلا بأمور:
أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التى أودعها القرآن، بحيث يحقق المفسِّر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيراً من الألفاظ كانت تُستعمل فى زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد، من ذلك لفظ:"التأويل"، اشتُهر بمعنى التفسير مطلقاً، أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء فى القرآن بمعان أخرى، كقوله تعالى:{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق} [الأعراف: 53] .. فما هذا التأويل؟ يجب على مَنْ يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التى حدثت فى المِلَّة، ليفرِّق بينها وبين ما ورد فى الكتاب، فكثيراً ما يُفسِّر المفسِّرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التى حدثت فى المِلَّة بعد القرون الثلاثة الأولى، فعلى المُدقِّق أن يُفسِّر القرآن بحسب المعانى التى كانت مستعملة فى عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه، بأن يجمع ما تكرر فى مواضع منه وينظر فيه، فربما استُعمِل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية: فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إن القرآن يُفسِّر بعضه
بعضاَ، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سيق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذى جاء له الكتاب بجملته.
ثانيها: الأساليب، فينبغى أن يكون عنده من عملها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه، والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه. نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدى به بقدر الطاقة، ويُحتاج فى هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعانى والبيان) ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب.
ترون فى كتب العربية أن العرب كانوا مسددين فى النطق، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع، أتحسبون أن ذلك كان طبيعياً لهم؟ كلا، وإنما هى مَلَكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشد عُجْمة من العجم عندما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعياً ذاتياً لما فقدوه فى مدة خمسين سنة بعد الهجرة.
ثالثها: علم أحوال البَشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب، وبيَّن فيه ما لم يُبيِّن فى غيره، بَيَّن فيه كثيراً من أحوال الخلق وطبائعهم، والسُنن الإلهية فى البشر، وقصَّ علينا أحسن القَصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسُنَّته فيها، فلا بد للناظر فى هذا الكتاب من النظر فى أحوال البشر فى أطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالَم الكبير، عُلويه وسُفليه، ويحتاج هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه.
قال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسِّر قوله تعالى: {كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة: 213] .. الآية، وهو لا يعرف أحوال البَشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرَّقوا، وما معنى تلك الوحدة التى كانوا عليها، وهل كانت نافعة أو ضارة، وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم.
أجمل القرآن الكريم عن الأُمم وعن السُنن الإلَهية، وعن آياته فى السماوات والأرض، وفى الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمَّن أحاط بكل شئ علماً، وأمرنا بالنظر والتفكر، والسير فى الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذى يزيدنا ارتقاءً وكمالاً، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة فى ظاهره، لكنَّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة.
رابعها: العلم بوجه هداية البَشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسِّر القائم بهذا
الفرض الكفائى، أن يعلم ماكان عليه الناس فى عصر النبوة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادى بأن الناس كلهم كانوا فى شقاء وضلال، وأن النبى صلى الله عليه وسلم بُعث به لهدايتهم وإسعادهم، وكيف يفهم المفسِّر ما قبَّحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها، إذا لم يكن عارفاً بأحوالهم وما كانوا عليه؟
هل يُكتَفى من علماء القرآن - دعاة الدين والمناضلين عنه بالتقليد - بأن يقولوا تقليداً لغيرهم: إن الناس كانوا على باطل، وإن القرآن دحض أباطيلهم فى الجملة؟ كلا.
وأقول الآن: يُروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: "إن جهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذى يُخشَى أن ينقض عُرى الإسلام عُروة عروة".
(انتهى بالمعنى) .
والمراد: أن مَن نشأ فى الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله، يجهل تأثير هدايته، وعناية الله بجعله مُغيِّراً لأحوال البَشر، ومُخْرِجاً لهم من الظلمات إلى النور، ومَن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادى، كما ترى بعض الذين يتربون فى النظافة والنعيم يعدون التشديد فى الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو، لأنه من ضروريات الحياة عندهم، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة فى تلك الأوامر، وتأثير تلك الآداب من أين جاء؟
خامسها: العلم بسيرة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل، وتصرف فى الشئون دنيويها وأُخرويَّهَا.
هذه هى عبارة الأستاذ الشيخ رشيد رضا بنصها، وفيها تركيز وإدماج لبعض ما قلناه من قبل، وفيها شرح وإيضاح لبعض آخر منه، وهى تُلقى ضوءاً على ما تقدَّم، وتُوضِّح بعض ما فيه من إيجاز.
* *
* مصادر التفسير:
خرجنا من المعركة التى قامت بين المتحرجين من القول فى التفسير بالرأى والمجيزين له: بأن الخلاف لفظى لا حقيقى، وأسفرت النتيجة عن انقسام التفسير بالرأى إلى قسمين: قسم جائز ممدوح، وقسم حرام مذموم، وعرفنا العلوم التى يجب على المفسِّر معرفتها حتى يكون أهلاً للتفسير بالرأى الجائز، وبقى علينا بعد ذلك أن نذكر المصادر التى يجب على المفسِّر أن يرجع إليها عند شرحه للقرآن، حتى يكون تفسيره جائزاً ومقبولاً، وإليك أهم هذه المصادر:
أولاً: الرجوع إلى القرآن نفسه، وذلك بأن ينظر فى القرآن نظرة فاحص مُدَقِّق، ويجمع الآيات التى فى موضوع واحد، ثم يقارن بعضها ببعضها الآخر، فإن من الآيات ما أُجْمَل فى مكان وفُسِّر فى مكان آخر، ومنها ما أُوجز فى موضع وبُسِط فى موضع آخر، فيحمل المُجمَل على المُفسَّر، ويشرح ما جاء موجزاً بما جاء مُسهباً مُفصَّلاً، وهذا هو ما يسمونه تفسير القرآن بالقرآن، فإن عدل عن هذا وفسَّر برأيه فقد أخطأ وقال برأيه المذموم.
ثانياً: النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مع الاحتراز عن الضعيف والموضوع فإنه كثير، فإن وقع له تفسير صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يعدل عنه ويقول برأيه، لأن النبى صلى الله عليه وسلم مؤيَّد من ربه، وموكول إليه أن يُبَيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، فمَن يترك ما يصح عن النبى صلى الله عليه وسلم فى التفسير إلى رأيه فهو قائل بالرأى المذموم.
ثالثاً: الأخذ بما صحّ عن الصحابة فى التفسير، ولا يغتر بكل ما يُنسب لهم من ذلك، لأن فى التفسير كثيراً مما وُضِع على الصحابة كذباً واختلاقاً، فإن وقع على قول صحيح لصحابى فى التفسير، فليس له أن يهجره ويقول برأيه، لأنهم أعلم بكتاب الله، وأدرى بأسرار التنزيل، لِمَا شاهدوه من القرائن والأحوال، ولما اختُصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة: الخلفاء الراشدين، وأُبَىّ بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، وقد سبق لنا أن عرضنا لقول الصحابى، هل له حكم المرفوع أو لا، واستوفينا الكلام فى ذلك بما يُغنى عن إعادته هنا.
ثم هل للمفسِّر أن يعدل عن أقوال التابعين فى التفسير، أو لا بد له من الرجوع إلى أقوالهم؟ خلاف سبق لنا أن عرضنا له أيضاً فلا داعى لإعادته.
رابعاً: الأخذ بمطلق اللغة، لأن القرآن نزل بلسان عربى مبين، ولكن على المفسِّر أن يحترز من صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة، يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا توجد غالباً إلا فى الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها، روى البيهقى فى الشُعَب عن مالك رضى الله عنه أنه قال:"لا أُوتِىَ برجلٍ غير عالِم بلغة العرب يُفسِّر كتاب الله إلا جعلته نكالاً".
خامساً: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمتقضب من قوة الشرع، وهذا هو الذى دعا به النبى صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث قال:"اللَّهم فقِّهه فى الدين وعلِّمه التأويل" والذى عناه علىُّ رضى الله عنه بقوله - حين سُئِل: هل عندكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ بعد القرآن؟ فقال: "لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه الله عز وجل رجلاً فى القرآن".
ومن هنا اختلف الصحابة فى فهم بعض آيات القرآن، فأخذ كلٌ بما وصل إليه عقله، وأدَّاه إليه نظره.
* *
* الأُمور التى يجب على المفسِّر أن يتجنبها فى تفسيره:
هناك أُمور يجب على المفسِّر أن يتجنبها فى تفسيره حتى لا يقع فى الخطأ ويكون ممن قال فى القرآن برأيه الفاسد، وهذه الأمُور هى ما يأتى:
أولاً: التهجم على بيان مراد الله تعالى من كلامه مع الجهالة بقوانين اللغة وأصول الشريعة، وبدون أن يُحَصِّل العلوم التى يجوز معها التفسير.
ثانياً: الخوض فيما استأثر الله بعلمه، وذلك كالمتشابه الذى لا يعلمه إلا الله. فليس للمفسِّر أن يتهجم على الغيب بعد أن جعله الله تعالى سراً من أسراره وحَجَبه عن عباده.
ثالثاً: السير مع الهوى والاستحسان، فلا يُفسِّر بهواه ولا يُرَجِّح باستحسانه.
رابعاً: التفسير المقرر للمذهب الفاسد، بأن يجعل المذهب أصلاً والتفسير تابعاً، فيحتال فى التأويل حتى يصرفه إلى عقيدته، ويرده إلى مذهبه بأى طريق أمكن، وإن كان غاية فى البُعْدِ والغرابة.
خامساً: التفسير مع القطع بأن مراد الله كذا وكذا من غير دليل، وهذا منهى عنه شرعاً، لقوله تعالى فى الآية [169] من سورة البقرة:{وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
وإذ قد بيِّنا أن المفسِّر لا يجوز له أن يتهجم على تفسير ما استأثر الله تعالى بعلمه وحَجبَه عن خلقه، وبيَّنا أنه لا يجوز له أن يقطع بأن مراد الله كذا وكذا من غير دليل، لزم علينا أن نبيَّن أنواع العلوم التى اشتمل عليها القرآن ما يمكن معرفته منها وما لا يمكن، فنقول:
أنواع علوم القرآن
تتنوع علوم القرآن إلى أنواع ثلاثة، وهى ما يأتى:
النوع الأول: علم لم يطلع الله عليه أحداً من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه، من معرفة كُنْه ذاته وغيوبه التى لا يعلمها إلا هو، وهذا النوع لا يجوز لأحد الخوض فيه والتهجم عليه بوجه من الوجوه إجماعاً.
النوع الثانى: ما أطلع الله عليه نبيه صلى الله عليه وسلم من أسرار الكتاب واختصه به، وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له صلى الله عليه وسلم أو لمن أذن له. قيل: ومنه الحروف المقطعة فى أوائل السور، ومِنَ العلماء مَنْ يجعلها من النوع الأول.
النوع الثالث: علوم علَّمها الله نبيه مما أودع فى كتابه من المعانى الجلية والخفية وأمره بتعليمها، وهذا النوع قسمان:
قسم لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع، وذلك كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والقراءات، واللغات، وقصص الأُمم الماضية، وأخبار ما هو كائن من الحوادث، وأُمور الحشر والمعاد.
وقسم يؤخذ بطريق النظر والاستدلال والاستنباط والاستخراج من العبارات والألفاظ، وهو ينقسم إلى قسمين.. أحدهما: اختلفوا فى جوازه، وهو تأويل الآيات المتشابهات فى الصفات، وثانيهما: اتفقوا على جوازه، وهو استنباط الأحكام الأصلية والفرعية، والمواعظ والحِكَم والإشارات وما شاكل ذلك من كل ما لا يمتنع استنباطه من القرآن واستخراجه منه لمن كان أهلاً لذلك.
* *
* المنهج الذى يجب على المفسِّر أن ينهجه فى تفسيره:
علمنا مما سبق: أن المفسِّر برأيه لا بد أن يلم بكل العلوم التى هى وسائل لفهم كتاب الله، وأدوات للكشف عن أسراره، كما علمنا مما سبق أيضاً: أن المفسِّر لا بد أن يطلب المعنى أولاً من كتاب الله، فإن لم يجده طلبه من السُّنَّة، لانها شارحة للقرآن ومُوضِّحة له، فإن أعجزه ذلك رجع إلى أقوال الصحابة، لأنهم أدرى بكتاب الله وأعلم بمعانيه، لما اختُصوا به من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولاحتمال أن يكونوا سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن عجز عن هذا كله، ولم يظفر بشئ من تلك المراجع الأولى للتفسير، فليس عليه بعد ذلك إلا أن يُعمل عقله، ويقدح فكره، ويجتهد وسعه فى الكشف عن مراد الله تعالى، مستنداً إلى الأصول التى تقدَّمت، مبتعداً عن كل ما ذكرنا من الأُمور التى تجعل المفسِّر فى عِداد المفسِّرين بالرأى المذموم، وعليه بعد ذلك أن ينهج فى تفسيره منهجاً يراعى فيه القواعد الآتية، بحيث لا يحيد عنها، ولا يخرج عن نطاقها، وهذه القواعد هى ما يأتى:
أولاً: مطابقة التفسير للمفسَّر، من غير نقص لما يحتاج إليه فى إيضاح المعنى، ولا زيادة لا تليق بالغرض ولا تناسب المقام، مع الاحتراز من كون التفسير فيه زيغ عن المعنى وعدول عن المراد.
ثانياً: مراعاة المعنى الحقيقى والمعنى المجازى، فلعل المراد المجازى، فيحمل الكلام على الحقيقة أو العكس.
ثالثاً: مراعاة التأليف والغرض الذى سِيق له الكلام، والمؤاخاة بين المفردات.
رابعاً: مراعاة التناسب بين الآيات، فيبيِّن وجه المناسبة، ويربط بين السابق واللاحق
من آيات القرآن، حتى يوضِّح أن القرآن لا تفكك فيه، وإنما هو آيات متناسبة يأخذ بعضها بحُجز بعض.
خامساً: ملاحظة أسباب النزول. فكل آية نزلت على سبب فلا بد من ذكره بعد بيان المناسبة وقبل الدخول فى شرح الآية، وقد ذكر السيوطى فى الإتقان أن الزركشى قال فى أوائل البرهان:"قد جرت عادة المفسِّرين أن يبدأوا بذكر سبب النزول، ووقع البحث فى أنه: أيهما أولى بالبداءة؟ أيُبدأ بذكر السبب، أو بالمناسبة لأنها المصحِّحة لنظم الكلام، وهى سابقة على النزول؟ قال: والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفاً على سبب النزول كآية {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا} [النساء: 58] .. فهذا ينبغى فيه تقديم ذكر السبب، لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد. وإن لم يتوقف على ذلك، فالأَوْلى تقديم وجه المناسبة".
سادساً: بعد الفراغ من ذكر المناسبة وسبب النزول. يبدأ بما يتعلق بالألفاظ المفردة - من اللغة، والصرف، والاشتقاق - ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بالمعانى، ثم البيان، ثم البديع، ثم يبيِّن المعنى المراد، ثم يستنبط ما يمكن استنباطه من الآية فى حدود القوانين الشرعية.
سابعاً: على المفسِّر أن يتجنب ادعاء التكرار فى القرآن ما أمكن.
نقل السيوطى عن بعض العلماء أنه قال: "مما يدفع توهم التكرار فى عطف المترادفين نحو: {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} ، {صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} وأشباه ذلك، أن يعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما، فإن التركيب يُحدث معنًى زائداً، وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى، فكذلك كثرة الألفاظ".
وعلى المفسِّر أيضاً أن يتجنب كل ما يُعتبر من قبيل الحشو فى التفسير كالخوض فى ذكر علل النحو، ودلائل مسائل أصول الفقه، ودلائل مسائل الفقه، ودلائل مسائل أصول الدين، فإن كل ذلك مقرر فى تآليف هذه العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مسلَّماً فى علم التفسير دون استدلال عليه.
وكذلك على المفسِّر أن يتجنب ذكر ما لا يصح من أسباب النزول وأحاديث الفضائل، والقَصص الموضوع، والأخبار الإسرائيلية، فإن هذا مما يُذهِب بجمال القرآن، ويُشغِل الناس عن التدبر والاعتبار.
ثامناً: على المفسِّر بعد كل هذا أن يكون يقظاً، فطناً عليماً بقانون الترجيح، حتى إذا ما كانت الآية محتملة لأكثر من وجه أمكنه أن يُرَجِّح ويختار.
وإذا كان المفسِّر لا بد له من أن يحتكم إلى قانون الترجيح عندما تحتمل الآية أكثر من وجه، فإنَّا فى حاجة إلى بيان هذا القانون، الذى هو الحَكَم الفصل عند تزاحم الوجوه وكثرة الاحتمالات، فنقول:
قانون الترجيح فى الرأى
أجمع كلمة قيلت فى بيان هذا القانون، هى الكلمة التى نقلها لنا السيوطى فى كتابه الإتقان عن البرهان للزركشى، ونرى أن نسوقها هنا نقلاً عن الإتقان، ونكتفى بذلك لما فيها من الكفاية:
قال الزركشى رحمه الله تعالى: "كل لفظ احتمل معنيين فصاعداً هو الذى لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأى، فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم الدليل على أن المراد هو الخفى.
وإن استويا، والاستعمال فيهما حقيقة، لكن فى أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفى الآخر شرعية، فالحمل على الشرعية أولى، إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوية، كما فى قوله:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ} [التوبة: 103] .. ولو كان فى أحدهما عرفية، والآخر لغوية، فالحمل على العرفية أولى. وإن اتفقا فى ذلك أيضاً، فإن تنافى اجتماعهما ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد، كالقُرء للحيض والطُهر، اجتهد فى المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنه فهو مراد الله تعالى فى حقه. وإن لم يظهر له شئ فهل يتخيَّر فى الحمل على أيهما شاء؟ أو يأخذ بالأغلظ حكماً؟ أو بالأخف؟ أقوال. وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ فى الإعجاز والفصاحة، إلا إن دَلَّ دليل على إرادة أحدهما".
* *
* منشأ الخطأ فى التفسير بالرأى:
يقع الخطأ كثيراً فى التفسير من بعض المتصدرين للتفسير بالرأى، الذين عدلوا عن مذاهب الصحابة والتابعين، وفسَّروا بمجرد الرأى والهوى، غير مستندين إلى تلك الأصول التى قدَّمنا أنها أول شئ يجب على المفسِّر أن يعتمد عليه. ولا متذرعين بتلك العلوم التى هى فى الواقع أدوات لفهم كتاب الله والكشف عن أسراره ومعانيه.
ونرى هنا أن نذكر منشأ هذا الخطأ الذى وقع فيه كثير من طوائف المفسِّرين فنقول:
يرجع الخطأ فى التفسير بالرأى - غالباً - إلى جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن الكتب التى يُذكر فيها كلام هؤلاء صرفاً غير ممزوج بغيره، كتفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وغيرهما، لا يكاد يوجد فيها شئ من هاتين الجهتين، بخلاف الكتب التى جَدَّت بعد ذلك فإن كثيراً منها، كتفاسير المعتزلة والشيعة، مليئة بأخطاء لا تُغتفر، حملهم على ارتكابهم نُصرة المذهب والدفاع عن العقيدة.
أما هاتان الجهتان اللتان يرجع إليهما الخطأ فى الغالب فهما ما يأتى:
الجهة الأولى: أن يعتقد المفسِّر معنى من المعانى، ثم يريد أن يحمل ألفاظ القرآن على ذلك المعنى الذى يعتقده.
الجهة الثانية: أن يفسِّر القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه مَنْ كان مِنَ الناطقين بلغة العرب. وذلك بدون نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزَّل عليه، والمخاطَب به.
فالجهة الأولى: مراعى فيها المعنى الذى يعتقده المفسِّر من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.
والجهة الثانية: مراعى فيها مجرد اللفظ وما يجوز أن يريد به العربى، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به والمخاطَب، وسياق الكلام.
ثم إن الخطأ الذى يرجع إلى الجهة الأولى يقع على أربع صور:
الصورة الأولى: أن يكون المعنى الذى يريد المفسِّر نفيه أو إثباته صواباً، فمراعاة لهذا المعنى يحمل عليه لفظ القرآن، مع أنه لا يدل عليه ولا يُراد منه، وهو مع ذلك لا ينفى المعنى الظاهر المراد، وعلى هذا يكون الخطأ واقعاً فى الدليل لا فى المدلول، وهذه الصورة تنطبق على كثير من تفاسير الصوفية والوعَّاظ الذين يفسِّرون القرآن بمعان صحيحة فى ذاتها ولكنها غير مرادة، ومع ذلك فهم يقولون بظاهر المعنى، وذلك مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمى فى حقائق التفسير، فمثلاً عندما عرض لقوله تعالى فى الآية [66] من سورة النساء: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ
…
.} الآية، نجده يقول ما نصه:{اقتلوا أَنْفُسَكُمْ} بمخالفة هواها، {أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ} ، أي أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم.. إلخ.
الصورة الثانية: أن يكون المعنى الذى يريد المفسِّر نفيه أو إثباته صواباً، فمراعاة لهذا المعنى يسلب لفظ القرآن ما يدل عليه ويُراد به. ويحمله على ما يريده هو، وعلى
هذا يكون الخطأ واقعاً فى الدليل لا فى المدلول أيضاً، وهذه الصورة تنطبق على تفاسير بعض المتصوفة الذين يفسِّرون القرآن بمعان إشارية صحيحة فى حد ذاتها، ومع ذلك فإنهم يقولون: إن المعانى الظاهرة غير مرادة، وتفسير هؤلاء أقرب ما يكون إلى تفسير الباطنية، ومن ذلك ما فسَّرَ به سهل التسترى قوله تعالى فى الآية [35] من سورة البقرة:{وَلَا تَقْرَبَا هاذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} .. حيث يقول ما نصه: لم يرد الله معنى الأكل فى الحقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشئ هو غيره
…
. إلخ.
الصورة الثالثة: أن يكون المعنى الذى يريد المفسِّر نفيه أو إثباته خطأ، فمراعاة لهذا المعنى يحمل عليه لفظ القرآن، مع أنه لا يدل عليه ولا يُراد منه، وهو مع ذلك لا ينفى الظاهر المراد، وعلى هذا يكون الخطأ واقعاً فى الدليل والمدلول معاً، وهذه الصورة تنطبق على ما ذكره بعض المتصوفة من المعانى الباطلة، وذلك كالتفسير المبنى على القول بوحدة الوجود، كما جاء فى التفسير المنسوب لابن عربى عندما عرض لقوله تعالى فى الآية [8] من سورة المزمل:{واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} .. من قوله فى تفسيرها: واذكر اسم ربك الذى هو أنت، أى اعرف نفسك ولا تنسها فينسك الله
…
. إلخ.
الصورة الرابعة: أن يكون المعنى الذى يريد المفسِّر نفيه أو إثباته خطأ، فمراعاة لهذا المعنى يسلب لفظ القرآن ما يدل عليه ويُراد به، ويحمله على ذلك الخطأ دون الظاهر المراد، وعلى هذا يكون الخطأ فى الدليل والمدلول معاً، وهذه الصورة تنطبق على تفاسير أهل البدع، والمذاهب الباطلة، فتارة يلوون لفظ القرآن عن ظاهره المراد إلى معنى ليس فى اللفظ أى دلالة عليه، كتفسير بعض غلاة الشيعة:"الجبت والطاغوت" بأبى بكر وعمر، وتارة يحتالون على صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى فيه تكلف غير مقبول، وذلك إذا أحسوا أن اللفظ القرآنى يصادم مذهبهم الباطل، كما فعل بعض المعتزلة ففسَّر لفظ "إلى" فى قوله تعالى فى الآيتين [22، 23] من سورة القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} بالنعمة، ذهاباً منهم إلى أن "إلى" واحد الآلاء، بمعنى النعم، فيكون المعنى: ناظرة نعمة ربها، على التقديم والتأخير، وذلك كله ليصرف الآية عما تدل عليه من رؤية الله فى الآخرة.
وأما الخطأ الذى يرجع إلى الجهة الثانية فهو يقع على صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون اللفظ محتملاً للمعنى الذى ذكره المفسِّر لغة، ولكنه غير مراد، وذلك كاللفظ الذى يُطلق فى اللغة على معنيين أو أكثر. والمراد منه واحد بعينه، فيأتى المفسِّر فيحمله على معنى آخر من معانيه غير المعنى المراد، وذلك كلفظ "أُمَّة" فإنه يُطلق على معان، منها: الجماعة، والطريقة المسلوكة فى الدين، والرجل الجامع لصفات الخير، فحمله على غير معنى الطريقة المسلوكة فى الدين فى قوله تعالى فى الآية [22] من سورة الزخرف:{إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ} غير صحيح وإن احتمله اللفظ لغة.
الصورة الثانية: أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى بعينه، ولكنه
غير مُراد فى الآية، وإنما المراد معنى آخر غير ما وضع له اللفظ بقرينة السياق مثلاً، فيخطئ المفسِّر فى تعيين المعنى المراد، لأنه اكتفى بظاهر اللغة، فشرح اللفظ على معناه الوضعى، وذلك كتفسير لفظ "مبصرة" فى قوله تعالى فى الآية [59] من سورة الإسراء:{وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً} بجعل "مبصرة" من الإبصار بالعين، على أنها حال من الناقة، وهذا خلاف المراد، إذ المراد: آية واضحة.
* *
* التعارض بين التفسير المأثور والتفسير بالرأى:
قلنا إن التفسير بالرأى قسمان: قسم مذموم غير مقبول، وقسم ممدوح ومقبول، أما القسم المذموم، فلا يعقل وجود تعارض بينه وبين المأثور، لأنه ساقط من أول الأمر، وخارج عن محيط التفسير بمعناه الصحيح.
وأما التفسير بالرأى المحمود، فهذا هو الذى يعقل التعارض بينه وبين التفسير المأثور، وهذا هو الذى نريد أن نتكلم فيه ونعرض له بالبحث والبيان، غير أنه يتحتم علينا - ليكون الكلام على بصيرة - أن نعرض لبيان معنى هذا التعارض فنقول:
التعارض بين التفسير العقلى والتفسير المأثور معناه التقابل والتنافى بينهما، وذلك بأن يدل أحدهما على إثبات أمر مثلاً، والآخر يدل على نفيه، بحيث لا يمكن اجتماعهما بحال من الأحوال، فكأن كلاً منهما وقف فى عرض الطريق فمنع الآخر من السير فيه. وأما إذا وجدت المغايرة بينهما بدون منافاة وأمكن الجمع، فلا يُسمى ذلك تعارضاً، وذلك كتفسيرهم:{الصراط المستقيم} بالقرآن، وبالإسلام، وبطريق العبودية، وبطاعة الله ورسوله، فهذه المعانى وإن تغايرت غير متنافية ولا متناقضة، لأن طريق الإسلام هو طريق القرآن، وهو طريق العبودية، وهو طاعة الله ورسوله. ومثلاً تفسيرهم لقوله تعالى:{فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات}
[فاطر: 32] .. قيل فيه: السابق هو الذى يُصلِّى فى أول الوقت، والمقتصد هو الذى يُصلَّى فى أثنائه، والظالم هو الذى يُصلِّى بعد فواته.
وقيل: السابق مَن يُؤدى الزكاة المفروضة مع الصدقة، والمقتصد مَن يُؤدى الزكاة المفروضة وحدها، والظالم لنفسه مَن يمنع الزكاة ولا يتصدق.
وغير خاف أنه لا تنافى بين هذين التفسيرين وأن تغايرا، لأن الظالم لنفسه يتناول المُضَيِّعُ للواجبات، والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرَّمات، والسابق يتناول مَن يفعل الواجبات ويتقرَّب بعد ذلك بزيادة الحسنات، فكل ذكرَ فرداً لعام على سبيل التمثيل لا الحصر.
هذا.. وإن الصور العقلية التى يحصل فيها التعارض بين التفسير العقلى والتفسير النقلى هى ما يأتى:
أولاً: أن يكون العقلى قطعياً والنقلى قطعياً كذلك.
ثانياً: أن يكون أحدهما قطعياً والآخر ظنياً.
ثالثاً: أن يكون أحدهما ظنياً والآخر ظنياً كذلك.
أما الصورة الأولى، ففرضية، لأنه لا يعقل تعارض بين قطعى وقطعى، ومن المحال أن يتناقض الشرع مع العقل.
وأما الصورة الثانية: فالقطعى منهما مُقَدَّم على الظنى إذا تعذَّر الجمع ولم يمكن التوفيق، أخذاً بالأرجح وعملاً بالأقوى.
وأما الصورة الثالثة: فإن أمكن الجمع بين العقلى والنقلى، وجب حمل النظم الكريم عليهما. وإن تعذَّر الجمع، قُدِّمَ التفسير المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم إن ثبت من طريق صحيح، وكذا يُقَدَّم ما صحَّ عن الصحابة، لأن ما يصح نسبته إلى الصحابة فى التفسير، النفس إليه أميل، لاحتمال سماعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما امتازوا به من الفهم الصحيح والعمل الصالح، ولما اختُصوا به من مشاهدة التنزيل.
وأما ما يؤثر عن التابعين ففيه التفصيل، وذلك إما أن يكون التابعى معروفاً بالأخذ عن أهل الكتاب أو لا، فإن عُرِف بالأخذ عن أهل الكتاب قدم التفسير العقلى. وإن لم يُعرف بالأخذ عن أهل الكتاب وتعارض ما جاء عنه مع التفسير العقلى - كما هو الفرض - فحينئذ نلجأ إلى الترجيح، فإن تأيَّد أحدهما بسمع أو استدلال رجحناه على الآخر، وإن اشتبهت القرائن، وتعارضت الأدلة والشواهد، توقفنا فى الأمر، فنؤمن بمراد الله تعالى، ولا نتهجم على تعيينه، وينزل ذلك منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبيينه.
وبعد.. فهذا هو التفسير العقلى بقسميه، وهذه هى نظرات العلماء إليه، وتلك
هى حقيقة الخلاف، ثم هذه هى البحوث التى تتعلق به تعلقاً قوياً، وتتصل به اتصلاً وثيقاً، وأرى بعد ذلك أن أتكلم عن أهم كتب التفسير بالرأى الجائز وأشهرها، متعرضاً لنبذة قصيرة عن كل مؤلف، تلقى لنا ضوءاً على شخصيته الذاتية والعلمية، ملتزماً بيان المسلك الذى سلكه كل منهم فى تفسيره، وطريقته التى جرى عليها وامتاز بها، بما يظهر لى من ذلك أثناء قراءتى فى هذه الكتب، مستعيناً فى ذلك بما أظفر به من مقدمات قدَّم بها أصحاب هذه الكتب لكتبهم، ثم بعد الفراغ من ذلك يكون لنا كلام آخر عن موقف بعض الفِرق من التفسير، وعن أشهر مؤلفاتهم فيه، وهى لا تكاد تخرج عن دائرة التفسير بالرأى المذموم.
* * *