المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌تمهيد   تمهيد * ابتداء هذه المرحلة: تبدأ المرحلة الثالثة للتفسير من مبدأ ظهور - التفسير والمفسرون - جـ ١

[محمد حسين الذهبي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌معنى التفسير والتأويل

- ‌ الفرق بين التفسير والتأويل

- ‌تفسير القرآن بغير لغته

- ‌هل تفسير القرآن من قبيل التصورات.. أو من قبيل التصديقات

- ‌الباب الأول: المرحلة الأولى للتفسير.. أو التفسير فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه

- ‌فهم النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن

- ‌المفسرون من الصحابة

- ‌قيمة التفسير المأثور عن الصحابة

- ‌مميزات التفسير فى هذه المرحلة

- ‌الباب الثانى: المرحلة الثانية للتفسير أو التفسير فى عصر التابعين

- ‌ابتداء هذه المرحلة

- ‌مصادر التفسير فى هذا العصر

- ‌مدارس التفسير التى قامت فيه

- ‌قيمة التفسير المأثور عن التابعين

- ‌مميزات التفسير فى هذه المرحلة

- ‌الخلاف بين السَلَف فى التفسير

- ‌الباب الثالث: المرحلة الثالثة للتفسير.. أو التفسير فى عصور التدوين

- ‌تمهيد

- ‌التفسير بالمأثور

- ‌التفسير بالرأى وما يتعلق به من مباحث

- ‌أهم كتب التفسير بالرأى الجائز

- ‌التفسير بالرأى المذموم.. أو تفسير الفرقة المبتدعة

الفصل: ‌ ‌تمهيد   تمهيد * ابتداء هذه المرحلة: تبدأ المرحلة الثالثة للتفسير من مبدأ ظهور

‌تمهيد

تمهيد

* ابتداء هذه المرحلة:

تبدأ المرحلة الثالثة للتفسير من مبدأ ظهور التدوين، وذلك فى أواخر عهد بنى أمية، وأول عهد للعباسين.

* الخطوة الأولى للتفسير:

وكان التفسير قبل ذلك يُتناقل بطريق الرواية، فالصحابة يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يروى بعضهم عن بعض. والتابعون يروون عن الصحابة. كما يروى بعضهم عن بعض، وهذه هى الخطوة الأولى للتفسير.

* *

* الخطوة الثانية:

ثم بعد عصر الصحابة والتابعين، خطا التفسير خطوة ثانية، وذلك حيث ابتدأ التدوين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت أبوابه متنوعة، وكان التفسير باباً من هذه الأبواب التى اشتمل عليها الحديث، فلم يُفرد له تأليف خاص يُفسِّر القرآن سورة سورة، وآية آية، من مبدئه إلى منتهاه، بل وُجد من العلماء مَن طوَّف فى الأمصار المختلفة ليجمع الحديث، فجمع بجوار ذلك ما رُوِى فى الأمصار من تفسير منسوب إلى النبى صلى الله عليه وسلم، أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين، ومن هؤلاء: يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة 117هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160هـ، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة 197هـ وسفيان بن عيينة المتوفى سنة 198هـ، وروح عن عبادة البصرى المتوفى سنة 205هـ، وعبد الرزاق بن همام المتوفى سنة 211هـ، وآدم بن أبى إياس المتوفى سنة 220هـ، وعبد بن حميد المتوفى سنة 249هـ وغيرهم، وهؤلاء جميعاً كانوا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعاً لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعاً للتفسير على استقلال وانفراد. وجميع ما نقله هؤلاء الأعلام عن أسلافهم من أئمة التفسير نقلوه مسنداً إليهم، غير أن هذه التفاسير لم يصل إلينا شئ منها، ولذا لا نستطيع أن نحكم عليها.

* *

* الخطوة الثالثة:

ثم بعد هذه الخطوة الثانية، خطا التفسير خطوة ثالثة، انفصل بها عن الحديث،

ص: 104

فأصبح علماً قائماً بنفسه، ووضع التفسير لكل آية من القرآن، ورُتَّب ذلك على حسب ترتب المصحف. وتم ذلك على أيدى طائفة من العلماء منهم ابن ماجه المتوفى سنة 273هـ، وابن جرير الطبرى المتوفى سنة 310هـ، وأبو بكر بن المنذر النيسابورى المتوفى سنة 318هـ، وابن أبى حاتم المتوفى سنة 327هـ، وأبو الشيخ بن حبان المتوفى سنة 369هـ، والحاكم المتوفى سنة 405هـ، وأبو بكر بن مردويه المتوفى سنة 410هـ، وغيرهم من أئمة هذا الشأن.

وكل هذه التفاسير مروية بالإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الصحابة، والتابعين، وتابع التابعين، وليس فيها شئ من التفسير أكثر من التفسير المأثور، اللَّهم إلا ابن جرير الطبرى فإنه ذكر الأقوال ثم وجهَّها، ورجَّح بعضها على بعض، وزاد على ذلك الإعراب إن دعت إليه حاجة، واستبط الأحكام التى يمكن أن تؤخذ من الآيات القرآنية

وسنأتى بالكلام عن هذا التفسير عند الكلام عن الكتب المؤلَّفة فى التفسير بالمأثور إن شاء الله تعالى.

وإذا كان التفسير قد خطا هذه الخطوة الثالثة التى انفصل بها عن الحديث، فليس معنى أن هذه الخطوة محت ما قبلها وألغت العمل به، بل معناه أن التفسير تدرح فى خطواته، فبعد أن كانت الخطوة الأولى للتفسير هي النقل عن طريق التلقى والرواية، كانت الخطوة الثانية له، وهى تدوينه على أنه باب من أبواب الحديث، ثم جاءت بعد ذلك الخطوة الثالثة، وهى تدوينه على استقلال وانفراد، فكل هذه الخطوات، تم إسلام بعضها إلى بعض، بل وظل المحدِّثون بعد هذه الخطوة الثالثة، يسيرون على نمط الخطوة الثانية، من رواية المنقول من التفسير فى باب خاص من أبواب الحديث، مقتصرين فى ذلك على ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة أو عن التابعين.

* *

* ليس من السهل معرفة أول من دَوَّن تفسير كل القرآن مرتَّباً:

هذا.. ولا نستطيع أن نُعيِّن بالضبط، المفسِّر الأول الذى فسرَّ القرآن آية آية، ودوَّنه على التتابع وحسب ترتيب المصحف. ونجد فى الفهرست لابن النديم (ص 99) أن أبا العباس ثعلب قال: "كان السبب فى إملاء كتاب الفرَّاء فى المعانى أن عمر بن بكير كان من أصحابه، وكان منقطعاً إلى الحسن بن سهل فكتب إلى الفرَّاء: إن الأمير الحسن بن سهل، ربما سألنى عن الشئ بعد الشئ

ص: 105

من القرآن فلا يحضرنى فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لى أصولاً، أو تجعل فى ذلك كتاباً أرجع إليه فعلت، فقال الفرَّاء لأصحابه: اجتمعوا حتى أُملى عليكم كتاباً فى القرآن، وجعل لهم يوماً، فلما حضروا خرج إليهم، وكان فى المسجد رجل يُؤذِّن ويقرأ بالناس فى الصلاة، فالتفت إليه الفرَّاء فقال له: اقرأ بفاتحة الكتاب نفسِّرها، ثم نوفى الكتاب كله، فقرأ الرجل ويفسِّر الفراء، قال أبو العباس: لم يعمل أحد قبل مثله، ولا أحسب أن أحداً يزيد عليه".

فهل نستطيع أن نستخلص من ذلك: أن الفرَّاء المتوفى سنة 207 هـ، هو أول مَن دَوَّن تفسيراً جامعاً لكل آيات القرآن مرتَّباً على وفقٍ ترتيب المصحف؟ وهل نستطيع أن نقول: إن كل مَن تقدَّم الفرَّاء من المفسِّرين كانوا يقتصرون على تفسير المشكل فقط؟.. لا.. لا نستطيع أن نفهم هذا من عبارة ابن النديم لأنها غير قاطعة فى هذا، كما لا نستطيع أن نميل إليه كما مال إليه الأستاذ أحمد أمين فى كتابه ضحى الإسلام (جـ 2 ص 141) ، وذلك لأن كتاب "معانى القرآن" للفرَّاء شبيه فى تناوله للآى على ترتيبها فى السور بكتاب "مجاز القرآن" لأبى عبيدة، فإنه يتناول السور على ترتيبها، ويعرض لما فى السورة من آى تحتاج لبيان مجازها - أى المراد منها - فليس للفرَّاء أوَّلية فى هذا، بل تلك على ما يبدو كانت خطة العصر، ثم إن ما نُقِل لنا عن السَلَف يُشعر - وإن كان غير قاطع - بأن استيفاء التفسير لسور القرآن وآياته كان عملاً مبكراً لم يتأخر إلى نهاية القرن الثانى وأوائل الثالث، فمثلاً يقول ابن أبى مليكة:"رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب. قال: حتى سأله عن التفسير كله".

ونجد الحافظ ابن حجر عندما ترجم لعطاء بن دينار الهذلى المصرى فى كتابه "تهذيب التهذيب" يقول: "قال علىّ بن الحسن الهسنجانى، عن أحمد ابن صالح: عطاء بن دينار، من ثقات المصريين، وتفسيره فيما يروى عن سعيد بن جبير صحيفة، وليس له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير، وقال أبو حاتم: صالح الحديث إلا أن التفسير أخذه من الديوان، وكان عبد الملك بن مروان (المتوفى سنة 86 هـ) سأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بهذا التفسير، فوجده عطاء بن دينار فى الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".

فهذا صريح فى أن سعيد بن جبير رضى الله عنه جمع تفسير القرآن فى كتاب، وأخذه من الكتاب عطاء بن دينار، ومعروف أن سعيد بن جبير قُتِل سنة 94 - أو سنة

ص: 106

95 هجرية - على الخلاف فى ذلك، ولا شك أن تأليفه هذا كان قبل موت عبد الملك بن مروان المتوفى سنة 86 هجرية.

وكذلك نجد فى وفيات الأعيان (جـ 2 ص 3) : أن عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة، كتب تفسيراً للقرآن عن الحسن البصرى، ومعلوم أن الحسن توفى سنة 116 هجرية.

ومرَّ بنا فيما سبق (ص 85) أن ابن جريج المتوفى سنة 150 هجرية له ثلاثة أجزاء كبار فى التفسير رواها عنه محمد بن ثور، فإذا انضم إلى هذا ما نلاحظه من قوة اتصال القرآن بالحياة الإسلامية، وشدة عناية القوم بأخذ الأحكام وغيرها من آيات القرآن، وحاجاتهم المُلِّحة فى ذلك، نستطيع أن نقول إن الفرَّاء لم يُسبق إلى هذا الاستيفاء والتقصى، بل هو مسبوق بذلك، وإن كنا لا نستطيع أن نُعيِّن مَن سبق إلى هذا العمل على وجه التحقيق، ولو أنه وقع لنا كل ما كتب من التفسير من مبدأ عهد التدوين. لأمكننا أن نُعيِّن المفسِّر الأول الذى دوَّن التفسير على هذا النمط.

* *

* الخطوة الرابعة:

ثم إن التفسير لم يقف عند هذه الخطوة الثالثة بل خطا بعدها خطوة رابعة، لم يتجاوز بها حدود التفسير بالمأثور، وإن كان قد تجاوز روايته بالإسناد، فصنَّف فى التفسير خلق كثير، اختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال المأثورة عن المفسِّرين من أسلافهم دون أن ينسبوها لقائليها، فدخل الوضع فى التفسير والتبس الصحيح بالعليل، وأصبح الناظر فى هذه الكتب يظن أن كل ما فيها صحيح، فنقله كثير من المتأخرين فى تفاسيرهم، ونقلوا ما جاء فى هذه الكتب من إسرائيليات على أنها حقائق ثابتة، وكان ذلك هو مبدأ ظهور خطر الوضع والإسرئليات فى التفسير. وسنعرض لهذا بالبيان والتفصيل فيما بعد إن شاء الله تعالى.

ولقد وُجِد من بين هؤلاء المفسِّرين مَن عَنِىَ بجمع شتات الأقوال، فصار كلما سنح لَه قول أورده، وكلما خطر بباله شئ اعتمده، فيأتى مَن بعده وينقل ذلك عنه بدون أن يتحرى الصواب فيما ينقل، ويدون التفاوت منه إلى تحرير ما ورد عن السلَف الصالح ومَن يرجع إليهم فى التفسير، ظناً منه أن كل ما ذكر له أصل ثابت!! وليس أدل على نهم هؤلاء القوم بكثرة النقل من أن بعضهم ذكر فى تفسير قوله تعالى:{غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} [الفاتحة: 7] عشرة أقوال مع أن تفسيرها باليهود والنصارى، هو الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن جميع الصحابة والتابعين، حتى قال ابن أبى حاتم:"لا أعلم فى ذلك اختلافاً بين المفسِّرين".

* *

*

ص: 107

الخطوة الخامسة:

ثم خطا التفسير بعد ذلك خطوة خامسة، هى أوسع الخطا وأفسحها، امتدت من العصر العباسى إلى يومنا هذا، فبعد أن كان تدوين التفسير مقصوراً على رواية ما نُقِل عن سَلَف هذه الأمة، تجاوز بهذه الخطوة الواسعة إلى تدوين تفسير اختلط فيه الفهم العقلى بالتفسير النقلى، وكان ذلك على تدرج ملحوظ فى ذلك.

* * *

* تدرج التفسير العقلى:

بدأ ذلك أولاً على هيئة محاولات فهم شخص، وترجيح لبعض الأقوال على بعض، وكان هذا أمراً مقبولاً ما دام يرجع الجانب العقلى منه إلى حدود اللغة ودلالة الكلمات القرآنية. ثم ظلت محاولات هذا الفهم الشخصى تزداد وتتضخم، متأثرة بالمعارف المختلفة، والعلوم المتنوعة، والآراء المتشعبة، والعقائد المتباينة، حتى وُجِد من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة، لا تكاد تتصل بالتفسير إلا عن بُعْدٍ عظيم.

دُوِّنت علوم اللغة، ودُوِّن النحو الصرف، وتشعبَّت مذاهب الخلاف الفقهى، وأثيرت مسائل الكلام، وظهر التعصب المذهبى قائماً على قدمه وساقه فى العصر العباسى، وقامت الفِرَق الإسلامية بنشر مذاهبها والدعوة إليها، وتُرجمت كتب كثيرة من كتب الفلاسفة، فامتزجت كل هذه العلوم وما يتعلق بها من أبحاث بالتفسير حتى طغت عليه، وغلب الجانب العقلى على الجانب النقلى، وصار أظهر شئ فى هذه الكتب، هو الناحية العقلية، وإن كانت لا تخلو مع ذلك من منقول يتصل بأسباب النزول، أو بغير ذلك على المأثور.

وهكذا تدرج التفسير، واتجهت الكتب المؤلَّفة فيه اتجاهات متنوعة، وتحكَّمت الاصطلاحات العلمية، والعقائد المذهبية فى عبارات القرآن الكريم، فظهرت آثار الثقافة الفلسفية والعلمية للمسلمين فى تفسير القرآن، كما ظهرت آثار التصوف واضحة فيه، وكما ظهرت آثار النِحَل والأهواء فيه ظهوراً جلياً.

ص: 108

وإنَّا لنلحظ فى وضوح وجلاء: أن كل مَن برع فى فن من فنون العلم، يكاد يقتصر تفسيره على الفن الذى برع فيه، فالنحوى تراه لا هَمَّ له إلا الإعراب وذكر ما يحتمل فى ذلك من أوجه، وتراه ينقل مسائل النحو وفروعه وخلافياته، وذلك كالزَجَّاج، والواحدى فى "البسيط"، وأبى حيان فى "البحر المحيط"..

وصاحب العلوم العقلية، تراه يعنى فى تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، كما تراه يعنى بذكر شبُههم والرد عليهم، وذلك كالفخر الرازى فى كتابه "مفاتيح الغيب".

وصاحب الفقه تراه قد عنى بتقريره الأدلة للفروع الفقهية، والرد على مَن يخالف مذهبه، وذلك كالجصَّاص، والقرطبى..

وصاحب التاريخ، ليس له شغل إلا القصص، وذكر أخبار مَن سَلَف، ما صح منها وما لا يصح، وذلك كالثعلبى والخازن..

وصاحب البدع، ليس له قصد إلا أن يُؤوِّل كلام الله ويُنزله على مذهبه الفاسد، وذلك كالرمانى، والجبائى، والقاضى عبد الجبار، والزمخشرى من المعتزلة، والطبرسى، وملا محسن الكاشى من الإمامية الإثنا عشرية.

وأصحاب التصوف قصدوا إلى ناحية الترغيب والترهيب. واستخراج المعانى الإشارية من الآيات القرآنية بما يتفق مع مشاربهم، ويتناسب مع رياضاتهم ومواجيدهم، ومن هؤلاء ابن عربى، وأبو عبد الرحمن السلمى..

وهكذا فسَّر كل صاحب فن أو مذهب بما يتناسب مع فنه أو يشهد لمذهبه، وقد استمرت هذه النزعة العلمية العقلية وراجت فى بعض العصور رواجاً عظيماً، كما راجت فى عصرنا الحاضر تفسيرات يريد أهلها من ورائها أن يُحَمِّلوا آيات القرآن كل العلوم، ما ظهر منها وما لم يظهر، كأن هذا فيما يبدو وجه من وجوه إعجاز القرآن وصلاحيته لأن يتمشى مع الزمن. وفى الحق أن هذا غلو منهم، وإسراف يُخرج القرآن عن مقصده الذى نزل من أجله، ويحيد به عن هدفه الذى يرمى إليه.

وسوف نتكلم على ذلك بتوسع عند الكلام عن التفسير العلمى إن شاء الله تعالى.

ثم إن هذا الطغيان العقلى العلمى، لم يطغ على التفسير بالمأثور الطغيان الذى يجعله فى عداد ما درس وذهب، بل وُجِد من العلماء فى عصور مختلفة، مَن استطاع أن يقاوم تيار هذا الطغيان، ففسَّر القرآن تفسيراً نقلياً بحتاً، على توسع منهم فى النقل، وعدم تفرقة بين ما صح وما لم يصح، كما فعل السيوطى فى كتابه "الدر المنثور".

* *

*

ص: 109

التفسير الموضوعى:

وكذلك وُجِد مِنَ العلماء مَن ضيَّق دائرة البحث فى التفسير، فتكلَّم عن ناحية واحدة من نَواحيه المتشعبة المتعددة، فابن القيم - مثلاً - أفرد كتاباً من مؤلفاته للكلام عن أقسام القرآن سماه "التبيان فى أقسام القرآن". وأبو عبيدة أفرد كتاباً للكلام عن مجاز القرآن والراغب الأصفهانى أفرد كتاباً فى مفردات القرآن. وأبو جعفر النحاس أفرد كتاباً فى الناسخ والمنسوخ من القرآن. وأبو الحسن الواحدى أفرد كتاباً فى أسباب نزول القرآن. والجصاص أفرد كتاباً فى أحكام القرآن.. وغير هؤلاء كثير من العلماء الذين قصدوا إلى موضوع خاص فى القرآن يجمعون ما تفرَّق منه، ويفردونه بالدرس والبحث.

* *

* توسع متقدمى المفسَرين قعد بمتأخريهم عن البحث المستقل:

ثم إنَّا نجد متقدمى المفسِّرين قد توسَّعوا فى التفسير إلى حد كبير، جعل مَن جاء بعدهم من المفسِّرين لا يلقون عنتاً، ولا يجدون مشقة فى محاولتهم لفهم كتاب الله، وتدوين ما دوَّنوا من كتب فى التفسير، فمنهم مَن أخذ كلام غيره وزاد عليه، ومنهم مَن اختصر، ومنهم مَن علَّق الحواشى وتتبع كلام من سبقه، تارة بالكشف عن المراد، وأخرى بالتفنيد والاعتراض، ومع ذلك فاتجاهات التفسير، وتعدد طرائقه وألوانه. مل تزل على ما كانت عليه، متشعبة متكاثرة.

أما فى عصرنا الحاضر، فقد غلب اللون الأدبى الاجتماعى على التفسير، ووُجِدت بعض محاولات علمية، فى كثير منها تكلف ظاهر وغلو كبير، أما اللون المذهبى، فقد بقى منه إلى يومنا هذا بمقدار ما بقى من المذاهب الإسلامية، وسوف نعرض للتفسير فى عصرنا الحاضر بما فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.

هذا هو شأن التفسير فى مرحلته الثالثة - مرحلة التدوين - وهذه هى خطواته التى تدرج فيها من لدن نشأته إلى عصرنا الحاضر، وتلك هى ألوانه وطرائقه، وأرى من العسير علىّ أن أتمشى بالتفسير مع الزمن، وأن أتكلم عن طرائقه، ومميزاته، واتجاهاته، وألوانه فى كل عصر من العصور التى مرَّت عليه، وذلك راجع إلى أننا لم نقف على كثير مما خلفته تلك العصور من آثار فيه وهى كثرة كاثرة تنوَّعت مقاصدها واختلفت اتجاهاتها. وإننا لندهش عند سماع ما أُلِّف فى التفسير من الكتب التى بلغت حد الكثرة. ونُسِبت لرجال لهم قيمتهم العلمية، ففى القرن الثانى كتب عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة تفسيراً للقرآن عن الحسن البصرى، كما ذكره ابن خلكان فى كتابه "وفيات الأعيان"، ويذكر صاحب كتاب "تبيين كذب المفترى": أن أبا الحسن

ص: 110

الأشعرى كتب كتاباً فى التفسير يسمى "المختزن"، لم يترك آية تعلَّق بها بَدْعى إلا أبطل تعلقه بها، وجعلها حُجَّة لأهل الحق، كما يُنسب إلى الجوينى تفسير كبير يشتمل على عشرة أنواع فى كل آية، ويُنسب للقشيرى أيضاً تفسير كبير. وابن الأنبارى يذكرون أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيراً من تفاسير القرآن بأسانيدها وأبو هلال العسكرى، له كتاب "المحاسن فى تفسير القرآن"، خمس مجلدات، وغير هذا كثير جداً من الكتب التى أُلِّفت فى تفسير القرآن.

وبعد

فهل يكون فى مقدورى - وقد اندرست معظم كتب التفسير - أن أتكلم عن التفسير وما أُلِّف فيه فى جميع مراحله الزمنية؟ اللهم إن هذا أمر لا أقدر عليه إلا إذا جُمِع بين يدىّ كل ما كُتِب فى التفسير من مبدأ نشأته إلى يومنا هذا، وكان لدىّ من الوقت ما يتسع لدراسته كله، وأنَّى لى بذلك؟

على أننا لو نظرنا إلى مناحى المفسِّرين واتجاهاتهم، لوجدناهم مع اختلاف عصورهم يشتركون فيها، فبينما نجد مِنَ المتقدمين مَنْ دوَّن التفسير بالمأثور خاصة، نجد من المتأخرين مَنْ قَصرَ تفسيره على المأثور أيضاً. وبينما نجد مِنَ المتقدمين مَنْ نحا فى تفسيره الناحية الإشارية نجد مِنَ المتأخرين مَنْ ينحو هذا المنحى بعينه، وبينما نجد مِنَ المتقدمين مَنْ حاول إخضاع القرآن لمذهبه وعقيدته نجد مِنَ المتأخرين مَنْ حاول مثل هذه المحاولة وهكذا نجد كثيراً من كتب التفسير على اختلاف أزمانها تتحد فى مشربها، وتتجه إلى ناحية واحدة من نواحى التفسير المختلفة.

لهذا كله، أرى نفسى مضطراً إلى أن أعدل فى هذه المرحلة الثالثة - مرحلة عصور التدوين - عن السير بالتفسير مع الزمن إلى التكلم عنه من ناحية هذه الاتجاهات التى اتجه إليها المفسِّرون فى تفاسيرهم وأتبع ذلك بالكلام عن أشهر الكتب المؤلَّفة فى التفسير، فأتكلم أولاً عن التفسير المأثور وأشهر ما دُوِّنَ فيه، ثم عن التفسير بالرأى الجائز وغير الجائز، وعن أشهر الكتب المؤلَّفة فى ذلك. ويندرج فى هذا الكلام على تفاسير الفِرَق المختلفة، ثم أتكلم بعد ذلك عن التفسير عند الصوفية وأهم كتبهم فيه، ثم عند الفلاسفة، ثم عند الفقهاء كذلك، ثم أتكلم عن التفسير العلمى، ثم أختم بكلمة عامة عن التفسير فى عصرنا الحاضر، وأسأل الله العون والتوفيق.

* * *

ص: 111