الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير القرآن بغير لغته
تفسير القرآن بغير لغته، أو الترجمة التفسيرية للقرآن، بحث نرى من الواجب علينا أن نعرض له، لما له من تعلق وثيق بموضوع هذا الكتاب، وقبل الخوض فيه الحسن بنا أن نمهد له بعجالة موجوة تكشف عن معنى الترجمة وأقسامها، ثم نتكلم عما يدخل منها تحت التفسير وما لا يدخل، فنقول: الترجمة تُطلق فى اللغة على معنيين:
الأول: نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى بدون بيان لمعنى الأصل المترجَم، وذلك كوضع رديف مكان رديف من لغة واحدة.
الثانى: تفسير الكلام وبيان معناه بلغة أخرى.
قال فى تاج العروس: "والترجمان المفسِّر للسان، وقد ترجمه عنه إذا فسَّر كلامه بلسان آخر. قال الجوهرى: وقيل: نقله من لغة إلى لغة أخرى".
وعلى هذا فالترجمة تنقسم إلى قسمين: ترجمة حرفية، وترجمة معنوية أو تفسيرية.
أما الترجمة الحرفية: فهى نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى، مع مراعاة الموافقة فى النظم والترتيب، والمحافظة على جميع معانى الأصل المترجَم.
وأما الترجمة التفسيرية: فهى شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى، بدون مراعاة لنظم الأصل وترتيبه، وبدون المحافظة على جميع معانيه المرادة منه.
وليس من غرضنا فى هذا البحث أن نعرض لما يجوز من نوعى الترجمة بالنسبة للقرآن وما لا يجوز، ولا لمقالات العلماء المتقدمين والمتأخرين، ولكن غرضنا الذى نريد أن نكشف عنه ونوضحه هو: أى نوعى الترجمة داخل تحت التفسير؟ أهو الترجمة الحرفية؟ أم الترجمة التفسيرية؟ أم هما معاً؟ فنقول:
* الترجمة الحرفية للقرآن:
الترجمة الحرفية للقرآن: إما أن تكون ترجمة بالمثل، وإما أن تكون ترجمة بغير المثل، أما الترجمة الحرفية بالمثل: فمعناها أن يُترجَم نظم القرآن بلغة أخرى تحاكيه حذواً بحذو بحيث تحل مفردات الترجمة محل مفرداته، وأسلوبها محل أسلوبه، حتى تتحمل الترجمة ما تحمَّله نظم الأصل من المعانى المقيدة بكيفياتها
البلاغية وأحكامها التشريعية، وهذا أمر غير ممكن بالنسبة لكتاب الله العزيز، وذلك لأن القرآن نزل لغرضين أساسيين:
أولهما: كونه آية دالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يُبلِّغه عن ربه، وذلك بكونه معجزاً للبَشر، لا يقدرون على الإتيان بمثله ولو اجتمع الإنس والجن على ذلك.
وثانيهما: هداية الناس لما فيه صلاحهم فى دنياهم وأخراهم.
أما الغرض الأول، وهو كونه آية على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فلا يمكن تأديته بالترجمة اتفاقاً، فإن القرآن - وإن كان الإعجاز فى جملته لعدة معان كالإخبار بالغيب، واستيفاء تشريع لا يعتريه خلل، وغير ذلك مما عُدَّ من وجوه إعجازه - إنما يدور الإعجاز السارى فى كل آية منه على ما فيه من خواص بلاغية جاءت لمقتضيات معيَّنة، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى اتفاقاً، فإن اللغات الراقية وإن كان لها بلاغة، ولكن لكل لغة خواصها لا يشاركها فيها غيرها من اللغات، وإذن فلو تُرجِم القرآن ترجمة حرفية - وهذا محال - لضاعت خواص القرآن البلاغية، ولنزل من مرتبته المعجزة إلى مرتبة تدخل تحت طوق البشر، ولفات هذا المقصد العظيم الذى نزل القرآن من أجله على محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما الغرض الثانى، وهو كونه هداية للناس إلى ما فيه سعادتهم فى الدارين فذلك باستنباط الأحكام والإرشادات منه، وهذا يرجع بعضه إلى المعانى الأصلية التى يشترك فى تفاهمها وأدائها كل الناس، وتقوى عليها جميع اللغات، وهذا النوع من المعانى يمكن ترجمته واستفادة الأحكام منه، وبعض آخر من الأحكام والإرشادات يُستفاد من المعانى الثانوية، ونجد هذا كثيراً فى استنباط الأئمة المجتهدين، وهذه المعانى الثانوية لازمة للقرآن الكريم وبدونها لا يكون قرآناً. والترجمة الحرفية إن أمكن فيها المحافظة على المعانى الأوَّلية، فغير ممكن أن يحافظ فيها على المعانى الثانوية، ضرورة أنها لازمة للقرآن دون غيره من سائر اللغات.
ومما تقدم يُعلم: أن الترجمة الحرفية للقرآن، لا يمكن أن تقوم مقام الأصل فى تحصيل كل ما يُقصد منه، لما يترتب عليها من ضياع الغرض الأول برمته، وفوات شطر من الغرض الثانى.
وأما الترجمة الحرفية بغير المثل: فمعناها أن يُترجم نظم القرآن حذواً بحذو بقدر طاقة المترجِم وما تسعه لغته، وهذا أمر ممكن، وهو وإن جاز فى كلام البَشر، لا يجوز بالنسبة لكتاب الله العزيز، لأن فيه من فاعله إهداراً لنظم القرآن، وإخلالاً بمعناه، وانتهاكاً لحرمته، فضلاً عن كونه فعلاً لا تدعو إليه ضرورة.
* *
*الترجمة الحرفية ليست تفسيراً للقرآن:
اتضح لنا مما سبق معنى الترجمة الحرفية بقسميها، وأقمنا الدليل بما يناسب المقام على عدم إمكان الترجمة الحرفية بالمثل، وعدم جواز الترجمة الحرفية بغير المثل، وإن كانت ممكنة، ولكن بقى بعد ذلك هذا السؤال: هل الترجمة الحرفية بقسميها - على فرض إمكانها فى الأول وجوازها فى الثانى - تمسى تفسيراً للقرآن بغير لغته؟ أو لا تدخل تحت مادة التفسير؟
وللجواب عن هذا نقول:
إن الترجمة الحرفية بالمثل، تقدَّم لنا أن معناها ترجمة نظم الأصل بلغة أخرى تحاكيه حذواً بحذو، بحيث تحل مفردات الترجمة محل مفردات الأصل وأسلوبها محل أسلوبه، حتى تتحمل الترجمة ما تحمله نظم الأصل من المعانى البلاغية، والأحكام التشريعية. وتقدَّم لنا أيضاً أن هذه الترجمة بالنسبة للقرأن غير ممكنة، وعلى فرض إمكانها فهى ليست من قبيل تفسير القرآن بغير لغته، لأنها عبارة عن هيكل القرآن بذاته، إلا أن الصورة اختلفت باختلاف اللغتين: المترجَم منها والمترجَم إليها. وعلى هذا فأبناء اللغة المترجَم إليها يحتاجون إلى تفسيره وبيان ما فيه من أسرار وأحكام، كما يحتاج العربى الذى نزل بلغته إلى تفسيره والكشف عن أسراره وأحكامه، ضرورة أن هذه الترجمة لا شرح فيها ولا بيان، وإنما فيها إبدال لفظ بلفظ آخر يقوم مقامه، ونقل معنى الأصل كما هو من لغة إلى لغة أخرى.
وأما الترجمة الحرفية بغير المثل، فقد تقدَّم لنا أن معناها ترجمة نظم القرآن حذواً بحذو، بقدر طاقة المترجِم وما تسعه لغته، وتقدَّم لنا أن هذا غير جائز بالنسبة للقرآن وعلى فرض جوازها فهى ليست من قبيل تفسير القرآن بغير لغته، لأنها عبارة عن هيكل للقرآن منقوص غير تام، وهذه الترجمة لم يترتب عليها سوى إبدال لفظ بلفظ آخر يقوم مقامه فى تأدية بعض معناه، وليس فى ذلك شيء من الكشف والبيان، لا شرح مدلول، ولا بيان مجمل، ولا تقييد مطلق، ولا استنباط أحكام، ولا توجيه معان، ولا غير ذلك من الأمور التى اشتمل عليها التفسير المتعارَف.
* *
*الترجمة التفسيرية للقرآن:
الترجمة التفسيرية أو المعنوية، تقدَّم لنا أنها عبارة عن شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى، بدون محافظة على نظم الأصل وترتيبه، وبدون المحافظة على جميع معانيه المرادة منه، وذلك بأن نفهم المعنى الذى يراد من الأصل، ثم نأتى به بتركيب من اللغة المترجَم إليها يؤديه على وفق الغرض الذى سيق له.
وعُلِم مما تقدَّم مقدار الفرق بين الترجمة الحرفية والترجمة التفسيرية، ولإيضاح هذا الفرق نقول:
لو أراد إنسان أن يترجم قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} ترجمة حرفية لأتى بكلام يدل على النهى عن ربط اليد فى العنق، وعن مدها غاية المد، ومثل هذا التعبير فى اللغة المترجَم إليها ربما كان لا يؤدى المعنى الذى قصده القرآن، بل قد يستنكر صاحب تلك اللغة هذا الوضع الذى ينهى عنه القرآن، ويقول فى نفسه: إنه لا يوجد عاقل يفعل بنفسه هذا الفعل الذى نهى عنه القرآن، لأنه مثير للضحك على فاعله والسخرية منه، ولا يدور بخلد صاحب هذه اللغة، المعنى الذى أراده القرآن وقصده من وراء هذا التشبيه البليغ. أما إذا أراد أن يترجم هذه الجملة ترجمة تفسيرية، فإنه يأتى بالنهى عن التبذير والتقتير، مصورِّين بصورة شنيعة، ينفر منها الإنسان، حسبما يناسب أسلوب تلك اللغة المترجَم إليها، ويناسب إلف مَن يتكلم بها. ومن هذا يتبين أن الغرض الذى أراده الله من هذه الآية، يكون مفهوماً بكل سهولة ووضوح فى الترجمة التفسيرية، دون الترجمة الحرفية.
إذا عُلِم هذا، أصبح من السهل علينا وعلى كل إنسان أن يقول بجواز ترجمة القرآن ترجمة تفسيرية بدون أن يتردد أدنى تردد، فإن ترجمة القرآن ترجمة تفسيرية ليست سوى تفسير للقرآن الكريم بلغة غير لغته التى نزل بها.
وحيث اتفقت كلمة المسلمين، وانعقد إجماعهم على جواز تفسير القرآن لمن كان من أهل التفسير بما يدخل تحت طاقته البَشرية، بدون إحاطة بجميع مراد الله، فإنَّا لا نشك فى أن الترجمة التفسيرية للقرآن داخلة تحت هذا الإجماع أيضاً، لأن عبارة الترجمة التفسيرية محاذية لعبارة التفسير، لا لعبارة الأصل القرآنى، فإذا كان التفسير مشتملاً على بيان معنى الأصل وشرحه، بحل ألفاظه فيما يحتاج تفهمه إلى الحل، وبيان مراده كذلك، وتفصيل معناه فيما يحتاج للتفصيل، وتوجيه مسائله فيما يحتاج للتوجيه، وتقرير دلائله فيما يحتاج للتقرير، ونحو ذلك من كل ما له تعلق بتفهم القرآن وتدبره، كانت الترجمة التفسيرية أيضاً مشتملة على هذا كله، لأنها ترجمة للتفسير لا للقرآن.
وقصارى القول: إن فى كل من التفسير وترجمته بيان ناحية أو أكثر من نواحى القرآن التى لا يحيط بها إلا مَن أنزله بلسان عربى مبين، وليس فى واحد منهما إبدال لفظ مكان لفظ القرآن، ولا إحلال نظم محل نظم القرآن بل نظم القرآن باق معهما، دال على معانيه من جميع نواحيه.
* **
الفرق بين التفسير والترجمة التفسيرية:
لو تأملنا أدنى تأمل، لوجدنا أنه يمكن أن يُفرَّق بين التفسير والترجمة التفسيرية من جهتين:
الجهة الأولى: اختلاف اللغتين. فلغة التفسير تكون بلغة الأصل، كما هو المتعارف المشهور. بخلاف الترجمة التفسيرية فإنها تكون بلغة أخرى.
الجهة الثانية: يمكن لقارئ التفسير ومتفهمه أن يلاحظ معه نظم الأصل ودلالته فإن وجده خطأ نبَّه عليه وأصلحه. ولو فرض أنه لم ينتبه لما فى التفسير من خطأ تنبَّه له قارئ آخر، أما قارئ الترجمة فإنه لا يتسنى له ذلك، لجهله بنظم القرآن ودلالته، بل كل ما يفهمه ويعتقده، أن هذه الترجمة التى يقرؤها ويتفهم معناها تفسير صحيح للقرآن، وأما رجوعه إلى الأصل ومقارنته بالترجمة فليس مما يدخل تحت طوقه ما دام لم يعرف لغة القرآن.
* *
* شروط الترجمة التفسيرية:
تفسير القرآن الكريم من العلوم التى فُرِض على الأمة تعلمها، والترجمة التفسيرية تفسير للقرآن بغير لغته، فكانت أيضاً من الأمور التى فُرِضت على الأمة، بل هى آكد لما يترتب عليها من المصالح المهمة، كتبليغ معانى القرآن وإيصال هدايته إلى المسلمين، وغير المسلمين ممن لا يتكلمون بالعربية ولا يفهمون لغة العرب، وأيضاً حماية العقيدة الإسلامية من كيد الملحدين، والدفاع عن القرآن بالكشف عن أضاليل المبشِّرين الذين عمدوا إلى ترجمة القرآن ترجمة حشوها بعقائد زائفة وتعاليم فاسدة، ليُظهروا القرآن لمن لم يعرف لغته فى صورة تنفر منه وتصد عنه، وكثيراً ما علت الأصوات بالشكوى من هذه التراجم الفاسدة، لهذا نرى أن نذكر الشروط التى يجب أن تتوفر وتُراعى، لتكون الترجمة التفسيرية ترجمة صحيحة مقبولة، وإليك هذه الشروط:
أولاً - أن تكون الترجمة على شريطة التفسير، لا يُعوَّلُ عليها إلا إذا كانت مستمَدة من الأحاديث النبوية، وعلوم اللغة العربية، والأصول المقررة فى الشريعة الإسلامية، فلا بد للمترجم من اعتماده فى استحضار معنى الأصل على تفسير عربى مستمَد من ذلك، أما إذا استقل برأيه فى استحضار معنى القرآن، أو اعتمد على تفسير ليس مستمَداً من تلك الأصول، فلا تجوز ترجمته ولا يُعتد بها، كما لا يُعتد بالتفسير إذا لم يكن مستمدَاً من تلك المناهل، معتمداً على هذه الأصول.
ثانياً - أن يكون المترجم بعيداً عن الميل إلى عقيدة زائفة تخالف ما جاء به القرآن، وهذا شرط فى المفسِّر أيضاً؛ فإنه لو مال واحد منهما إلى عقيدة فاسدة لتسلَّطت على
تفكيره، فإذا بالمفسَّر وقد فُسِّر طبقاً لهواه، وإذا بالمتُرجَم وقد تُرْجِم وفقاً لميوله، وكلاهما يبعد بذلك عن القرآن وهداه.
ثالثاً - أن يكون المترجم عالماً باللغتين - المترجمَ منها والمترجَم إليها، خبيراً بأسرارهما، يعلم جهة الوضع والأسلوب والدلالة لكل منهما.
رابعاً - أن يكتب القرآن أولاً، ثم يؤتى بعده بتفسيره، ثم يتبع هذا بترجمته التفسيرية حتى لا يتوهم متوهم أن هذه الترجمة ترجمة حرفية للقرآن.
هذه هى الشروط التى يجب مراعاتها لمن يريد أن يُفسِّر القرآن بغير لغته، تفسيراً يسلم من كل نقد يُوجَّه، وعيب يُلتمسَ.
* * *