الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفسرون من الصحابة
اشتهر بالتفسير من الصحابة عدد قليل، قالوا فى القرآن بما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة أو بالواسطة، وبما شاهدوه من أسباب النزول، وبما فتح الله به عليهم من طريق الرأى والاجتهاد.
* أشهر المفسِّرين من الصحابة:
وقد عَدَّ السيوطى رحمه الله فى "الإتقان" مَن اشتهر بالتفسير من الصحابة وسمَّاهم، وهم: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَىّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير، رضى الله عنهم أجمعين.
وهناك مَن تكلم فى التفسير من الصحابة غير هؤلاء: كأنس بن مالك، وأبى هريرة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وعائشة، وغير أن ما نُقِل عنهم فى التفسير قليل جداً، ولم يكن لهم من الشهرة بالقول فى القرآن ما كان للعشرة المذكورين أولاً، كما أن العشرة الذين اشتهروا بالتفسير، تفاوتوا قِلَّة وكثرة، فأبو بكر وعمر وعثمان لم يَرد عنهم فى التفسير إلا النزر اليسير، ويرجع السبب فى ذلك إلى تقدم وفاتهم، واشتغالهم بمهام الخلافة والفتوحات، أضف إلى ذلك وجودهم فى وسط أغلب أهله علماء بكتاب الله، واقفون على أسراره، عارفون بمعانيه وأحكامه، مكتملة فيهم خصائص العروبة، مما جعل الحاجة إلى الرجوع إليهم فى التفسير غير كبيرة.
أما علىّ بن أبي طالب رضى الله عنه، فهو أكثر الخلفاء الراشدين رواية عنه فى التفسير، والسبب فى ذلك راجع إلى تفرغه عن مهام الخلافة مدة طويلة، دامت إلى نهاية خلافة عثمان رضى الله عنه، وتأخر وفاته إلى زمن كثرت فيه حاجة الناس إلى مَن يُفسِّر لهم ما خفى عنهم من معانى القرآن، وذلك ناشئ من اتساع رقعة الإسلام، ودخول كثير من الأعاجم فى دين الله، مما كاد يذهب بخصائص اللغة العربية.
وكذلك كثرت الرواية فى التفسير عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأُبَىّ بن كعب، لحاجة الناس إليهم، ولصفات عامة مكَّنت لهم ولعلىّ بن أبى طالب أيضاً فى التفسير، هذه الصفات هى: قوتهم فى اللغة العربية، وإحاطتهم بمناحيها وأساليبها، وعدم تحرجهم من الاجتهاد وتقرير ما وصلوا إليه باجتهادهم، ومخالطتهم للنبى صلى الله عليه وسلم مخالطة مكَّنتهم من معرفة الحوادث التى نزلت فيها آيات القرآن، نستثنى
من ذلك ابن عباس، فإنه لم يلازم النبى عليه الصلاة والسلام فى شبابه. لوفاة النبى عليه الصلاة والسلام وهو فى سن الثالثة عشرة أو قريب منها، لكنه استعاض عن ذلك بملازمة كبار الصحابة، يأخذ عنهم ويروى لهم.
أما باقى العشرة وهم: زيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، وعبد الله ابن الزبير، فهم وإن اشتهروا بالتفسير إلا أنهم قلَّت عنهم الرواية ولم يصلوا فى التفسير إلى ما وصل إليه هؤلاء الأربعة المكثرون.
لهذا نرى الإمساك عن الكلام فى شأن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وزيد ابن ثابت، وأبى موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير، ونتكلم عن علىّ، وابن عباس، وابن مسعود، وأُبَىّ بن كعب، نظراً لكثرة الرواية عنهم فى التفسير، كثرة غذَّت مدارس الأمصار على اختلافهم وكثرتها.
ولو أنَّا رتبنا هؤلاء الأربعة حسب كثرة ما روى عنهم لكان أولهم عبد الله بن عباس، ثم عبد الله بن مسعود، ثم علىّ بن أبي طالب، ثم أُبَىّ بن كعب وسنتكلم عن كل واحد من هؤلاء الأربعة، بما يتناسب مع مشربه فى التفسير ومنحاه الذى نحاه فيه.
1-
عبد الله بن عباس
*ترجمته:
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشى الهاشمى، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه لُبابه الكبرى بنت الحارث بن حَزَن الهلالية. ولُِدَ والنبى عليه الصلاة والسلام وأهل بيته بالشِعْب بمكة. فأُتِىَ به النبى عليه الصلاة والسلام فحنكه بريقه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ولازم النبى عليه الصلاة والسلام فى صغره، لقرابته منه، ولأن خالته ميمونة كانت من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وله من العمر ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، فلازم كبار الصحابة وأخذ عنهم ما فاته من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت وفاته سنة ثمان وستين على الأرجح، وله من العمر سبعون سنة. مات بالطائف ودُفن بها، وتولى وضعه فى قبره محمد ابن الحنفية، وقال بعد أن سوَّى عليه التراب: مات واللهِ اليوم حَبْرُ هذه الأُمَّة.
* *
*مبلغه من العلم:
كان ابن عباس يُلقَّب بالحَبْر والبحر لكثرة علمه، وكان على درجة عظيمة من الاجتهاد والمعرفة بمعنى كتاب الله، ولذا انتهت إليه الرياسة فى الفتوى والتفسير، وكان عمر رضى الله عنه يُجلسه فى مجلسه مع كبار الصحابة ويُدنيه منه، وكان يقول
له: إنك لأصبح فتياننا وجهاً، وأحسنهم خُلُقاً، وأفقههم فى كتاب الله. وقال فى شأنه: ذاكم فتى الكهول، إنَّ له لساناً سئولاً، وقلباً عقولاً. وكان لفرط أدبه إذا سأله عمر مع الصحابة عن شئ يقول لا أتكلم حتى يتكلموا. وكان عمر رضى الله عنه يعتد برأى ابن عباس مع حداثة سنه، يدلنا على ذلك ما رواه ابن الأثير فى كتابه "أُسد الغابة" عن عبيد الله بن عتبة قال:"إن عمر كان إذا جاءته الأقضية المعضلة قال لابن عباس: إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل، فأنت لها ولأمثالها، فكان يأخذ بقوله، وما كان يدعو لذلك أحداً سواه" قال عبيد الله: وعمر هو عمر فى حذقه واجتهاده لله وللمسلمين، وما رواه البخارى من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:"كان عمر يُدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَدَ فى نفسه وقال: لِمَ يُدخل هذا معنا وإنَّ لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلنى معهم، فما رأيت أنه دعانى يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون فى قوله: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح} ؟ فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ولم يقل شيئاً، فقال لى: أكذلك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ قلت: هو أَجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، قال: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح} فذلك علامة أجلك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} .. فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول".
وهذا يدل على قوة فهمه وجودة فكره. وقال فيه ابن مسعود رضى الله عنه: "نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس". وقال فيه عطاء: "ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشِعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع". وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، وتأويل، وما رأيتُ أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا بقضاء أبى بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه فى رأى منه، ولا أثقب رأياً فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يوماً ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوماً التأويل، ويوماً المغازى، ويوماً الشعر، ويوماً أيام العرب، ولا رأيت عالماً قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلاً قط سأله إلا وجد عنده علماً". وقيل لطاووس: لزمتَ هذا الغلام - يعنى ابن عباس - وتركتَ الأكابر من أصحاب رسول الله، قال: إنى رأيت سبعين رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تدارءوا فى أمرٍ صاروا إلى قول ابن عباس". وروى الأعمش عن أبى وائل قال: "استخلف علىّ عبد الله بن عباس على الموسم فقرأ فى خطبته سورة البقرة - وفى رواية: سورة النور - ففسرها تفسيراً لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا" وكان علىّ بن أبى طالب يُثنى على تفسير ابن عباس ويقول: "كأنما ينظر إلى الغيب من سِتر رقيق".
وبالجملة.. فقد كانت حياة ابن عباس حياة علمية، يتعلم ويعُلِّم، ولم يشتغل
بالإمارة إلا قليلاً لَّما استعمله علىّ على البصرة، والحق: أن ابن عباس قد ظهر فيه النبوغ العربى بأكمل معانيه. علماً، وفصاحة، وسعة اطلاع فى نواح علمية مختلفة، ولا سيما فهمه لكتاب الله تعالى. وخير ما يُقال فيه ما قاله ابن عمر رضى الله عنهما:"ابن عباس أعلم أُمَّة محمد بما نزل على محمد".
* *
*أسباب نبوغه:
ونستطيع أن نُرجِع هذه الشهرة العلمية، وهذا النبوغ الواسع الفيَّاض، إلى أسباب نجملها فيما يلي:
أولاً: دعاء النبى صلى الله عليه وسلم له بقوله: "اللَّهم علِّمه الكتاب والحكمة"، وفى رواية أخرى:"اللَّهم فقِّهه فى الدين، وعلِّمه التأويل"، والذى يرجع إلى كتب التفسير بالمأثور، يرى أثر هذه الدعوة النبوية، يتجلى واضحاً فيما صح عن ابن عباس رضى الله عنه.
ثانياً: نشأته فى بيت النبوة، وملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عهد التمييز، فكان يسمع منه الشئ الكثير، ويشهد كثيراً من الحوادث والظروف التى نزلت فيها آيات القرآن.
ثالثاً: ملازمته لأكابر الصحابة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، يأخذ عنهم ويروى لهم، ويعرف منهم مواطن نزول القرآن، وتواريخ التشريع، وأسباب النزول، وبهذا استعاض عما فاته من العلم بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدَّث بهذا ابن عباس عن نفسه فقال:"وجدتُ عامة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الأنصار، فإن كنتُ لآتى الرجلَ فأجده نائماً، لو شئتُ أن يُوقَظ لى لأُوقظ، فأجلس على بابه تسفى على وجهى الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عما أريد، ثم أنصرف".
رابعاً: حفظه للغة العربية، ومعرفته لغريبها، وآدابها، وخصائصها، وأساليبها، وكثيراً ما كان يستشهد للمعنى الذى يفهمه من لفظ القرآن بالبيت والأكثر من الشعر العربى.
خامساً: بلوغه مرتبة الاجتهاد، وعدم تحرجه منه، وشجاعته فى بيان ما يعتقد أنه الحق، دون أن يأبه لملامة لائم ونقد ناقد، ما دام يثق بأن الحق فى جانبه، وكثيراً ما انتقد عليه ابن عمر جرأته على تفسير القرآن، ولكن لم ترق إليه همة نقده، بل ما لبث أن رجع إلى قوله، واعترف بمبلغ علمه، فقد روى أن رجلاً أتى ابن عمر يسأله عن معنى قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] .. فقال: اذهب إلى ابن عباس ثم تعال أخبرنى، فذهب
فسأله فقال: كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال: قد كنتُ أقول: ما يعجبنى جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمتُ أنه أوتِىَ علماً.
هذه هى أهم الأسباب التى ترجع إليها شهرة ابن عباس فى التفسير، يضاف إلى ذلك كونه من أهل بيت النبوة، منبع الهداية، ومصدر النور، وما وهبه الله من قريحة وقَّادة، وعقل راجح، ورأى صائب، وإيمان راسخ، ودين متين.
* *
*قيمة ابن عباس فى تفسير القرآن:
تتبين قيمة ابن عباس فى التفسير، من قول تلميذه مجاهد:"إنه إذا فسَّرَ الشئ رأيتَ عليه النور"، ومن قول علىّ رضى الله عنه يُثنى عليه فى تفسيره:"كأنما ينظر إلى الغيب من سِتر رقيق"، ومن قول ابن عمر:"ابن عباس أعلم أُمَّة محمد بما نزل على محمد"، ومن رجوع بعض الصحابة وكثير من التابعين إليه فى فهم ما أشكل عليهم من كتاب الله، فكثيراً ما توجَّه إليه معاصروه ليزيل شكوكهم، ويكشف لهم عما عَزَّ عليهم فهمه من كتاب الله تعالى. ففى قصة موسى مع شعيب أشكل على بعض أهل العلم، أى الأجلين قضى موسى؟ هل كان ثمان سنين؟ أو أنه أتم عشراً؟ ولما لم يقف على رأى يمم شطر ابن عباس، الذى هو بحق ترجمان القرآن، ليسأله عما أشكل عليه، وفى هذا يروى الطبرى فى تفسيره، عن سعيد بن جبير قال: "قال يهودى بالكوفة - وأنا أتجهز للحج - إنى أراك رجلاً تتبع العلم، فأخبرنى أى الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حَبْر العرب - يعنى ابن عباس - فسائله عن ذلك، فلما قدمتُ مكة سألتُ ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودى، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنَّ النبى إذا وعد لم يُخلف، وقال سعيد: فقدمتُ العراق فلقيتُ اليهودى فأخبرته فقال: صدق وما أُنزِلَ على موسى، هذا واللهِ العالِم.
وهذا عمر رضى الله عنه يسأل الصحابة عن معنى آية من كتاب الله، فلما لم يجد عندهم جواباً مرضياً رجع إلى ابن عباس فسأله عنها، وكان يثق بتفسيره، وفى هذا يروى الطبرى: "أن عمر سأل الناس عن هذه الآية - يعنى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [البقرة: 266]
…
الآية، فما وجد أحداً يشفيه، حتى قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين؛ إنى أجد فى نفسى منها شيئاً، فتلفت إليه فقال: تحوَل ههنا، لِمَ تُحقِّر نفسك؟ قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله عز وجل فقال: أيودَ أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه
بخير حين فنى عمره واقترب أجله، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فأفسده كله، فحرقه أحوج ما كان إليه".
وسؤال عمر له مع الصحابة عن تفسير قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح} وجوابه بالجواب المشهور عنه، يدل على أن ابن عباس كان يستخرج خفى المعانى التى يشير إليها القرآن، ولا يدركها إلا مَن نفحه الله بنفحة مِن روحه، وكثيراً ما ظهر ابن عباس فى المسائل المعقدة فى التفسير بمظهر الرجل المُلْهَم الذى ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، كما وصفه علىّ رضى الله عنه، الأمر الذى جعل الصحابة يُقدِّرون ابن عباس ويثقون بتفسيره، ولقد وجد هذا التقدير صداه فى عصر التابعين، فكانت هناك مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عن ابن عباس. استقرت هذه المدرسة بمكة، ثم غذَّت بعلمها الأمصار المختلفة، وما زال تفسير ابن عباس يلقى من المسلمين إعجاباً وتقديراً، إلى درجة أنه إذا صح النقل عن ابن عباس لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر. وقد صرَّح الزركشي بأن قول ابن عباس مُقدَّمٌ على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء عنهم فى التفسير.
*رجوع ابن عباس إلى أهل الكتاب:
كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون فى فهم معانى القرآن إلى ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والاجتهاد، مع الاستعانة فى ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التى نزل فيها القرآن. وكان رضى الله عنه يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل فى كثير من المواضع التى أُجمْلِت فى القرآن وفُصِّلت فى التوراة أو الإنجيل، ولكن كما قلنا فيما سبق: إن الرجوع إلى أهل الكتاب كان فى دائرة محدودة ضيِّقة، تتفق مع القرآن وتشهد له، أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية، فكان ابن عباس لا يقبله ولا يأخذ به.
*اتهام الأستاذ جولدزيهر والأستاذ أحمد أمين لابن عباس وغيره من الصحابة بالتوسع فى الأخذ عن أهل الكتاب:
وإنَّا لنجد فى كتاب "المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن" مبلغ اتهام مؤلفه "جولدزيهر" لابن عباس بتوسعه فى الأخذ عن أهل الكتاب، مخالفاً ما ورد من النهى عن ذلك فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم" ونرى أن نذكر عبارة المؤلف بنصها، ليتضح مبلغ اتهامه لابن عباس، ثم نرد عليه بعد ذلك.
قال: "وكثيراً ما يُذكر أنه فيما يتعلق بتفسير القرآن، كان - أى ابن عباس - يرجع إلى رجل يسمى أبا الجلد غيلان بن فروة الأزدى، الذى أثنى الناس عليه بأنه كان يقرأ الكتب، وعن ميمونة ابنته أنها قال: كان أبى يقرأ القرآن فى كل سبعة أيام، ويختم التوراة فى ستة، يقرؤها نظراً، فإذا كان يوم ختمها، حشد لذلك ناس، وكان يقول: كان يُقال تنزل عند ختمها الرحمة، وهذا الخبر المبالغ فيه من ابنته يمكن أن يبين لنا مكان الأب فى الاستفادة من التوراة.
"ومن بين المراجع العلمية المفضِّلة عند ابن عباس، نجد أيضاً كعب الأحبار اليهودى، وعبد الله بن سلام، وأهل الكتاب على العموم، ممن حذر الناس منهم، كما أن ابن عباس نفسه فى أقواله حذَّر من الرجوع إليهم، ولقد كان إسلام هؤلاء عند الناس فوق التهمة والكذب، ورفُِعوا إلى درجة أهل العلم الموثوق بهم.. ولم تكن التعاليم الكثيرة التى أمكَن أن يستقيها ابن عباس، والتى اعتبرها من تلك الأمور التى يُرجع فيها إلى أهل هذا الدين الآخر، مقصورة على المسائل الإنجيلية والإسرائيلية، فقد كان يسأل كعباً عن التفسير الصحيح لأُم القرآن للمرجان مثلاً، وقد رأى الناس فى هؤلاء اليهود أن عندهم أحسن الفهم - على العموم - فى القرآن وفى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وما فيهما من المعانى الدينية، ورجعوا إليهم سائلين عن هذه المسائل بالرغم من التحذير الشديد - من كل جهة - من سؤالهم" اهـ.
هذه هى عبارة الأستاذ "جولدزيهر" فى كتابه، ومنها يتضح لنا مبلغ تجنيه على الصحابة وعلى ابن عباس على الأخص.
وقد تابعه الأستاذ أحمد أمين على هذا الرأى، حيث يقول فى "فجر الإسلام":"وقد دخل بعض هؤلاء اليهود فى الإسلام، فتسرَّب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار، ودخلت فى تفسير القرآن يستكملون بها الشرح، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس عن أخذ قولهم. روُى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تُصدِّقوهم ولا تُكذبِّوهم" ولكن العمل كان على غير ذلك، وأنهم كانوا يُصدِّقونهم وينقلون عنهم".
فالأستاذ "جولدزيهر"، والأستاذ أحمد أمين، يريان أن الصحابة - وبخاصة ابن عباس - لم يأبهوا لنهى الرسول صلى الله عليه وسلم، فصدِّقوا أهل الكتاب وأخذوا عنهم الكثير فى التفسير، وأن اللون اليهودى قد صبغ مدارس التفسير القديمة، وبالأخص مدرسة ابن عباس، بسبب اتصالهم بمن دخل فى الإسلام من أهل الكتاب.
* *
*رد هذا الاتهام:
والحق أن هذا غلو فى الرأى، وبُعْدٌ عن الصواب، فابن عباس - كما قلت آنفاً - وغيره من الصحابة، كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، ولكن لم يكن سؤالهم عن شئ يمس العقيدة. أو يتصل بأُصول الدين أو فروعه، وإنما كانوا يسألون أهل الكتاب عن بعض القصص والأخبار الماضية، ولم يكونوا يقبلون كل ما يُروى لهم على أنه صواب لا يتطرق إليه شك، بل كانوا يُحكِّمون دينهم وعقلهم، فما اتفق مع الدين والعقل صدَّقوه، وما خالف ذلك نبذوه، وما سكت عنه القرآن واحتمل الصدق والكذب توقَّفوا فيه. وبهذا المسلك يكون الصحابة - رضوان الله عليهم - قد جمعوا بين قوله عليه الصلاة والسلام:"حدِّثوا عن بنى إسرائيل ولا حرَجَ"، وقوله:"لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم" فإن الأول محمول على ما وقع فيهم من الحوادث والأخبار، لما فيها من العظة والاعتبار، بدليل قوله بعد ذلك:"فإن فيهم أعاجيب". والثانى محمول على ما إذا كان الُمخْبَر به من قِبَلهم محتملاً، ولم يقم دليل على صدقه ولا على كذبه، لأنه ربما كان صدقاً فى نفس الأمر فيكون فى التكذيب به حَرَج، وربما كان كذباً فى نفس الأمر فيكون فى التصديق به حَرَج، ولم يرد النهى عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، كما أفاده ابن حجر ونبَّه عليه الشافعى رضى الله عنه - وسيأتى مزيد للكلام عن هذين الحديثين عند الكلام عن الإسرائيليات فى التفسير.
ثم كيف يستبيح ابن عباس رضى الله عنه لنفسه أن يُحدِّث عن بنى إسرائيل بمثل هذا التوسع الذى يجعله مخالفاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان ابن عباس نفسه من أشد الناس نكيراً على ذلك، فقد روى البخارى فى صحيحه عنه أنه قال:"يا معشر المسلمين؛ تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذى أُنزِلَ على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله، تقرأونه لم يشب، وقد حدَّثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله، وغيَّروا بأيديهم الكتاب فقالوا: {هاذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 79] .. أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلَم عنِ مسَاءَلتهم، وَلَا واللهِ مَا رأين رجلاً منهم قط يسألكم عن الذى أُنزِلَ عليكم".
* *
*رجوع ابن عباس إلى الشعر القديم:
كان ابن عباس رضى الله عنه يرجع فى فهم معانى الألفاظ الغريبة التى وردت فى القرآن إلى الشعر الجاهلى، وكان غيره من الصحابة يسلك هذا الطريق فى فهم غريب القرآن، ويحض على الرجوع إلى الشعر العربى القديم، ليُستعان به على فهم معانى
الألفاظ القرآنية الغريبة، فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يسأل أصحابه عن معنى قوله تعالى فى الآية [47] من سورة النحل:{أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ} فيقوم له شيخ من هذيل فيقول له: هذه لغتنا، التخوُّف: التنقص، فيقول له عمر: هل تعرف العرب ذلك فى أشعارها؟ فيقول له: نعم، ويروى قول الشاعر:
تَخَوَّفَ الرَّحل منها تامِكاً قَرِداً
…
كما تَخَوَّفَ عُودَ النبعةِ السَّفِنُ
فيقول عمر رضى الله عنه لأصحابه: "عليكم بديوانكم لا تضلُّوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعانى كلامكم".
غير أن ابن عباس، امتاز بهذه الناحية واشتهر بها أكثر من غيره، فكثيراً ما كان يُسئل عن القرآن فينشد فيه الشعر، وقد رُوى عنه الشئ الكثير من ذلك، وأوعب ما رُوى عنه مسائل نافع بن الأزرق وأجوبته عنها، وقد بلغت مائتى مسألة، أخرج بعضها ابن الأنبارى فى كتاب "الوقف والابتداء"، وأخرج الطبرانى بعضها الآخر فى معجمه الكبير، وقد ذكر السيوطى فى "الإتقان" بسنده مبدأ هذا الحوار الذى كان بين نافع وابن عباس، وسرد مسائل ابن الأزرق وأجوبة ابن عباس عنها، فقال: "بيَّنا عبد الله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: بنا إلى هذا الذى يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنَّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإنَّ الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين، فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما، فقال نافع: أخبرنى عن قول الله تعالى: {عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ} [المعارج: 37] ؟ قال: العزون: حلق الرفاق، قال: هل تَعرف العرب ذلك؟. قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:
فجاءوا يهرعون إليه حتى
…
يكونوا حول منبره عزينا؟
قال: أخبرنى عن قوله: {وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة} [المائدة: 35] ؟ قال: الوسيلة: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول:
إن الرجال لهم إليكِ وسيلة
…
إن يأخذوكِ تكحلى وتخضبى
إلى آخر المسائل وأجوبتها، وهى تدل على قوة ابن عباس فى معرفته بلغة العرب، وإلمامه بغريبها، إلى حد لم يصل إليه غيره، مما جعله - بحق - إمام التفسير
فى عهد الصحابة، ومرجع المفسِّرين فى الأعصر التالية للعصر الذى وُجِد فيه، وزعيم هذه الناحية من التفسير على الخصوص، حتى لقد قيل فى شأنه:"إنه هو الذى أبدع الطريقة اللغوية لتفسير القرآن".
هذا وقد بيَّن لنا ابن عباس رضى الله عنه، مبلغ الحاجة إلى هذه الناحية فى التفسير، وحضَّ عليها مَن أراد أن يتعرف غريب القرآن، فقد روى أبو بكر الأنبارى عنه أنه قال:"الشعر ديوان العرب، فإذا خفى علينا الحرف من القرآن الذى أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه".
وروى ابن الأنبارى عنه أيضاً أنه قال: "إذا سألتمونى عن غريب القرآن فالتمسوه فى الشعر، فإن الشعر ديوان العرب".
فابن عباس رضى الله عنه كان يرى رأى عمر فى ضرورة الرجوع إلى الشعر الجاهلى، للاستعانة به على فهم غريب القرآن، بل وكان أكثر الصحابة إلماماً بهذه الناحية وتطبيقاً لها.
وقد استمرت هذه الطريقة إلى عهد التابعين ومَن يليهم، إلى أن حدثت خصومة بين متورعى الفقهاء وأهل اللغة، فأنكروا عليهم هذه الطريقة، وقالوا: إن فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلاً للقرآن، وقالوا: كيف يجوز أن يُحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم فى القرآن والحديث.
والحق أن هذه الخصومة التى جَدَّت فى الأجيال المتأخرة لم تقم على أساس، فالأمر ليس كما يزعمه أصحاب هذا الرأى، من جعل الشعر أصلاً للقرآن، بل هو فى الواقع، بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى يقول:{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الزخرف: 3]، وقال:{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 195] .. ولهذا لم يتحرج المفسرِّون إلى يومنا هذا من الرجوع إلى الشَعِّر الجاهلى للاستشهاد به على المعنى الذى يذهبون إليه فى فهم كلام الله تعالى.
* *
*الرواية عن ابن عباس ومبلغها من الصحة:
روُِى عن ابن عباس رضى الله عنه فى التفسير ما لا يُحصَى كثرة، وتعددت الروايات عنه، واختلفت طرقها، فلا تكاد تجد آية من كتاب الله تعالى إلا ولابن عباس رضى الله عنه فيها قول أو أقوال، الأمر الذى جعل نُقَّاد الأثر ورواة الحديث يقفون إزاء هذه الروايات التى جاوزت الحد وقفة المرتاب، فتتبعوا سلسلة الرواة فعدَّلوا العُدول،
وجرَّحوا الضُعفاء، وكشفوا للناس عن مقدار هذه الروايات قوة وضعفاً. وأرى أن أسوق هنا أشهر الروايات عن ابن عباس، ثم أُبيِّن مبلغها من الصحة أو الضعف، لنعلم إلى أى حد وصل الوضع والاختلاق على ابن عباس رضى الله عنه. وهذه هى أشهر الطرق:
أولها: طريق معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عباس، وهذه هى أجود الطرق عنه، وفيها قال الإمام أحمد رضى الله عنه:"إن بمصر صحيفة فى التفسير رواها علىّ بن أبى طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً". وقال الحافظ ابن حجر: "وهذه النسخة كانت عند أبى صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن علىّ ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهى عند البخارى عن أبى صالح، وقد اعتمد عليها فى صحيحه فيما يُعلِّقه عن ابن عباس".
وكثيراً ما اعتمد على هذه الطريق ابن جرير الطبرى، وابن أبى حاتم، وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبى صالح. ومسلم صاحب الصحيح وأصحاب السنن جميعاً يحتجون بعلىّ بن أبى طلحة.
* *
*طعن بعض النُقَّاد على هذه الطريق:
ولقد حاول بعض النُقَّاد أن يُقلل من قدر هذه الطريق فقال: "إن ابن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد ابن جبير" وعلى هذا فهى طريق منقطعة لا يُركَن إليها، ولا يُعوَّل عليها.
وقد استغل هذا القول الأستاذ "جولدزيهر" فى كتابه "المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن" فقال: "صرَّح النقدة المسلمون بأن ذلك الرجل - علىّ بن أبى طلحة - لم يسمع التفسير الذى تضمنه كتابه مباشرة من ابن عباس، وهكذا فإنه حتى فى صحة القسم الخاص بالتفسير الأكثر تصديقاً، يحكم النقدة المسلمون بهذا الحكم فيما يتعلق بصحة نسبته لابن عباس على أنه هو المصدر الأول له" اهـ.
* *
*تفنيد هذا الطعن:
ويظهر لنا أن الأستاذ "جولدزيهر"، جهل أو تجاهل ما رَدَّ به النقاد المعتبرون على هذا الظن الذى لا قيمة له، فقد فنَّد ابن حجر هذا النقد بقوله:"بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير فى ذلك".
وقال صاحب إيثار الحق: "وقال الذهبى فى الميزان: وقد روى - يعنى علىّ بن أبى طلحة عن ابن عباس تفسيراً كثيراً ممتعاً، والصحيح عندهم أن روايته عن مجاهد عن
ابن عباس، وإن كان يرسلها عن ابن عباس فمجاهد ثقة يُقبل". وجملة القول: فهذه أصح الطرق فى التفسير عن ابن عباس، وكفى بتوثيق البخارى لها واعتماده عليها شاهداً على صحتها.
ثانيها: طريق قيس بن مسلم الكوفى، عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيراً ما يُخَرِّج منها الفريابى والحاكم فى مستدركه.
ثالثها: طريق ابن إسحاق صاحب السير، عن محمد بن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهى طريق جيدة وإسنادها حسن وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبى حاتم كثيراً، وأخرج الطبرانى منها فى معجمه الكبير.
رابعها: طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير، تارة عن أبى مالك، وتارة عن أبى صالح عن ابن عباس. وإسماعيل السدى مُختلَف فيه، وحديثه عند مسلم وأهل السنن الأربعة، وهو تابعى شيعى. وقال السيوطى:"روى عن السدى الأئمة مثل الثورى وشعبة، لكن التفسير الذى جمعه رواه أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدى" وابن جرير يُورد فى تفسيره كثيراً من تفسير السدى عن أبى مالك عن أبى صالح عن ابن عباس، ولم يُخَرِّج منه ابن أبى حاتم شيئاً، لأنه التزم أن يُخَرِّج أصح ما ورد.
خامسها: طريق عبد الملك بن جريج، عن ابن عباس، وهى تحتاج إلى دقة فى البحث، ليُعرف الصحيح منها والسقيم، فإن ابن جريج لم يقصد الصحة فيما جمع، وإنما روى ما ذُكِرَ فى كل آية من الصحيح والسقيم، فلم يتميز فى روايته الصحيح من غيره، وقد روى عن ابن جرير هذا جماعة كثيرة، منهم بكر من سهل الدمياطى، عن عبد الغنى بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج عن ابن عباس، ورواية بكر بن سهل أطول الروايات عن ابن جريج وفيها نظر. ومنهم محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن ابن عباس، روى ثلاثة أجزاء كبار. ومنهم الحجاج بن محمد عن ابن جريج، روى جزءاً وهو صحيح متفق عليه.
سادسها: طريق الضحاك بن مزاحم الهلالى عن ابن عباس، وهى غير مرضية، لأنه وإن وَثَّقه نفر فطريقه إلى ابن عباس منقطعة، لأنه روى عنه ولم يلقه، فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة، عن أبى روق، عن الضحَّاك، فضعيفة لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيراً ابن جرير وابن أبى حاتم. وإن كان من رواية جويبر عن
الضحاك فأشد ضعفاً، لأن جويبر شديد الضعف متروك، ولم يُخَرِّج ابن جرير ولا ابن أبى حاتم من هذه الطريق شيئاً، إنما خرَّجها ابن مردويه، وأبو الشيخ بن حبان.
سابعها: طريق عطية العوفى، عن ابن عباس، وهى غير مرضية، لأن عطية ضعيف ليس بواهٍ، وربما حَسَّن له الترمذى. وهذه الطريق قد أخرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم كثيراً.
ثامنها: طريق مقاتل بن سليمان الأزدى الخراسانى، وهو المفسِّر الذى يُنسب إلى الشافعى أنه قال فيه:"إن الناس عيال عليه فى التفسير" ومع ذلك فقد ضَعَّفوه، وقالوا: إنه يروى عن مجاهد وعن الضحاك ولم يسمع منهما. وقد كذَّبه غير واحد، ولم يُوثِّقه أحد، واشتُهِر عنه التجسيم والتشبيه، وتكلم عنه السيوطى. فقال:"إن الكلبى يُفَضَّل عليه، لما فى مقاتل من المذاهب الردية" وقد سُئل وكيع عن تفسير مقاتل فقال: "لا تنظروا فيه، فقال السائل: ما أصنع به؟ قال: ادفنه" - يعنى التفسير - وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبنى أن أروى عن مقاتل بن سليمان شيئاً. وبالجملة فإن مَن استحسن تفسير مقاتل كان يُضَعِّفه ويقول: "ما أحسن تفسيره لو كان ثقة".
تاسعها: طريق محمد بن السائب الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، وهذه أو هى الطرق. والكلبى مشهور بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشيع كما قال عدى فى الكامل، ومع ذلك فإن وُجِدَ مَن قال: رضوه فى التفسير، فقد وُجِد مَن قال: أجمعوا على ترك حديثه، وليس بثقة، ولا يُكتب حديثه، واتهمه جماعة بالوضع. وممن يروى عن الكلبى، محمد بن مروان السدى الصغير، وقد قالوا فيه: إنه يضع الحديث، وذاهب الحديث متروك، ولهذا قال السيوطى فى الإتقان:"فإن انضم إلى ذلك - أى طريق الكلبى - رواية محمد بن مروان السدى الصغير، فهى سلسلة الكذب"، وقال السيوطى أيضاً فى كتابه الدر المنثور (جـ 6 ص 423) :"الكلبى: اتهموه بالكذب وقد مرض فقال لأصحابه فى مرضه: كل شىء حدثتكم عن أبى صالح كذب.. ومع ضعف الكلبى فقد روى عنه تفسيره مثله أو أشد ضعفاً، وهو محمد بن مروان السدى الصغير" وكثيراً ما يخرج من هذه الطريق الثعلبى والواحدى.
هذه هى أشهر الطرق عن ابن عباس، صحيحها وسقيمها، وقد عرفتَ قيمة كل طريق منها، ومَن اعتمد عليها فيما جُمِع من التفسير عن ابن عباس رضى الله عنه.
* *
*التفسير المنسوب إلى ابن عباس وقيمته:
هذا.. وقد نُسب إلى ابن عباس رضى الله عنه جزء كبير فى التفسير، وطُبع فى مصر مراراً باسم "تنوير المقياس من تفسير ابن عباس" جمعه أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادى الشافعى، صاحب القاموس المحيط، وقد اطلعتُ على هذا التفسير، فوجدتُ جامعه يسوق عند الكلام عن البسملة الرواية عن ابن عباس بهذا السند:"أخبرنا عبد الله الثقة بن المأمون الهروى، قال: أخبرنا أبى، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمود بن محمد الرازى، قال: أخبرنا عمار بن عبد المجيد الهروى، قال: أخبرنا على بن إسحاق السمرقندى، عن محمد بن مروان، عن الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس".
وعند تفسير أول سورة البقرة، وجدته يسوق الكلام بإسناده إلى عبد الله ابن المبارك، قال: حدثنا علىّ بن إسحاق السمرقندى عن محمد بن مروان، عن الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس.
وفى مبدأ كل سورة يقول: وبإسناده عن ابن عباس.
…
وهكذا يظهر لنا جلياً، أن جميع ما روى عن ابن عباس فى هذا الكتاب يدور على محمد بن مروان السدى الصغير، عن محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، وقد عرفنا مبلغ رواية السدى الصغير عن الكلبى فيما تقدم. وحسبنا فى التعقيب على هذا ما روى من طريق ابن عبد الحكم قال:"سمعت الشافعى يقول: لم يثبت عن ابن عباس فى التفسير إلا شبيه بمائة حديث" وهذا الخبر - إن صح عن الشافعى - يدلنا على مقدار ما كان عليه الوضَّاعون من الجرأة على اختلاق هذه الكثرة من التفسير المنسوبة إلى ابن عباس، وليس أدل على ذلك، من أنك تلمس التناقض ظاهراً بين أقوال فى التفسير نسبت إلى ابن عباس ورويت عنه. وسيأتى - عند الكلام عن الوضع فى التفسير - أن هذا التفسير المنسوب إلى ابن عباس لم يفقد شيئاً من قيمته العلمية فى الغالب، وإنما الشئ الذى لا قيمة له فيه، هو نسبته إلى ابن عباس.
* *
*أسباب الوضع على ابن عباس:
ويبدو أن السر فى كثرة الوضع على ابن عباس، هو أنه كان من بيت النبوة والوضع عليه يُكسب الموضوع ثقة وقوة أكثر مما لو وُضِع على غيره، أضف إلى ذلك أن
ابن عباس كان من نسله الخلفاء العباسيون، وكان من الناس مَن يتزلف إليهم، ويتقرَّب منهم بما يرويه لهم عن جدهم
…
وسنعرض إلى أسباب الوضع فى التفسير، وإلى القيمة العلمية للتفسير الموضوع بصرف النظر عن وضعه، عند الكلام على منشأ الضعف فى رواية التفسير المأثور إن شاء الله تعالى.
* * *
2-
عبد الله بن مسعود
* ترجمته:
هو عبد الله بن مسعود بن غافل، يصل نسبه إلى مُضَر، ويُكنَّى بأبى عبد الرحمن الهذلى، وأُمه أُم عبد بنت عبدود، من هذيل، وكان يُنسب إليها أحياناً فيقال ابن أم عبد. كان رحمه الله خفيف اللحم، قصيراً، شديد الأُدْمة، أسلم قديماً. روى الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال عبد الله - يعنى ابن مسعود -: "لقد رأيتنى سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا" وهو أول مَن جهر بالقرآن بمكة وأسمعه قريشاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُوذى فى الله من أجل ذلك، ولما أسلم عبد الله ابن مسعود أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فكان يخدمه فى أكثر شئونه، وهو صاحب طهوره وسواكه ونعله، يلبسه إياه إذا قام، ويخلعه ويحمله فى ذراعه إذا جلس، ويمشى أمامه إذا سار، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويلج عليه داره بلا حجاب، حتى لقد ظنه أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال:"قدمت أنا وأخى من اليمن فمكثنا حيناً لا نرى ابن مسعود وأُمه إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما نرى من كثرة دخوله ودخول أُمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزومه له". وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وصلى إلى القِبْلتين، وشهد بدراً، وأُحُداً، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد اليرموك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الذى أجهز على أبى جهل يوم بدر، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وشهد له بالفضل وعلو المنزلة، يدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد فى مسنده عن علىّ قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "لو كنتُ مؤمِّراً أحداً دون مشورة المؤمنين لأمِّرْتُ ابن أُم عبد". وقد ولى بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقدم المدينة فى آخر عمره، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين، ودفُن بالبقيع ليلاً، تنفيذاً لوصيته بذلك، وكان عمره يوم وفاته، بضعاً وستين سنة.
* *
*مبلغه من العلم:
كان ابن مسعود من أحفظ الصحابة لكتابة الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع منه القرآن، وقد أخبر هو بنفسه عن ذلك فقال:"قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ علىّ سورة النساء"، قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: "إنى أحب أن
أسمعه من غيرى"، فقرأتُ عليه حتى بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هاؤلاء شَهِيداً} [النساء: 41] فاضت عيناه صلى الله عليه وسلم". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سَرَّه أن يقرأ القرآن رطباً كما أُنزِل، فليقرأه على قراءة ابن أُم عبد". وكان ابن مسعود يعرف ذلك من نفسه ويعتنى به، حتى إنه كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف فى عهد عثمان، وكان يرى أنه أولى منه بذلك، وقد قال فى هذا:"يا معشر المسلمين، أُعزل عن نسخ المصاحف ويتولاه رجل والله لقد أسلمتُ وإنه لفى صلب رجل كافر"؟ - يريد زيد بن ثابت -. وعن مسروق أنه قال: "انتهى علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ستة: عمر، وعلىّ، وعبد الله بن مسعود، وأُبَىّ بن كعب، وأبى الدرداء، وزيد بن ثابت، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى رجلين: علىّ، وعبد الله"، وقيل لحذيفة: أَخْبِرنا برجل قريب السمت والدل والهَدْى من رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ عنه، فقال:"لا نعلم أحداً أقرب سمتاً ولا هَدْياً برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أُم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أن ابن أُم عبد أقربهم إلى الله وسيلة". ولما سيَّره عمر رضى الله عنه إلى الكوفة كتب إلى أهلها: "إنى قد بعثتُ عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود معلِّماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر فاقتدوا بهما، وأطيعوا واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى".
وقد أقام رضى الله عنه بالكوفة يأخذ عنه أهلها الحديث والتفسير والفقه، وهو معلمهم وقاضيهم، ومؤسس طريقتهم فى الاعتداد بالرأى حيث لا يوجد النص، ولما قدم علىُّ الكوفة، حضر عنده قوم وذكروا له بعض قول عبد الله وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ ما رأينا رجلاً أحسن خُلُقاً، ولا أرفق تعليماً، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعاً من ابن مسعود، قال علىّ:"أنشدكم الله أهو الصدق من قلوبكم"؟ قالوا: نعم، قال:"اللَّهم اشهد أنى أقول مثل ما قالوا وأفضل".
ومن هذا كله يتبين لنا مكانة ابن مسعود رضى الله عنه فى العلم، ومنزلته بين إخوانه من الصحابة، فالكل يشهد له ويُقدِّمه على غيره، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء من عباده.
* *
* قيمة ابن مسعود فى التفسير:
روى ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه قال: "كان الرجل منا إذا تعلَّم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"، ومن هذا الأثر يتضح لنا مقدار
حرص ابن مسعود على تفهم كتاب الله تعالى والوقوف على معانيه، وعن مسروق قال:"قال عبد الله - يعنى ابن مسعود -: والذى لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته"، وهذا الأثر يدل على إحاطة ابن مسعود بمعانى كتاب الله، وأسباب نزول الآيات، وحرصه على تعرف ما عند غيره من العلم بكتاب الله تعالى ولو لقى عنتاً ومشقة، وقال مسروق: كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدِّثنا فيها ويفسِّرها عامة النهار، وروى أبو نعيم فى الحلية عن أبى البحترى قال: قالوا لعلىِّ: أخبرنا عن ابن مسعود، قال: علم القرآن والسُّنَّة ثم انتهى، وكفى بذلك علماً، وقال عقبة بن عامر: ما أدرى أحداً أعلم منه بما نزل على محمد ابن عبد الله، فقال أبو موسى: إن تقل ذلك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل. وصح عن ابن مسعود أنه قال: أخذت من فَىِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وقال أبو وائل: لما حرق عثمان المصاحف بلغ ذلك عبد الله فقال: لقد علم أصحاب محمد أنى أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم، ولو أنى أعلم أن أحداً أعلم بكتاب الله منى تبلغه الإبل لأتيته، قال أبو وائل: فقمت إلى الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت أحداً من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه
…
وغير هذا كثير من الآثار التى تشهد لمنزلة ابن مسعود العالية فى التفسير، وإذا كان ابن مسعود يعلم هذا من نفسه ويتحدث به، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكروا عليه ذلك، بل وتحدَّثوا بمكانته فى العلم، ومقدار فهمه لكتاب الله، وعلَّل ذلك أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه، بأنه كان يسمع حين لا يتيسر لهم السماع، ويدخل حين لا يُؤذن لهم بالدخول، الأمر الذى جعله أوفر حظاً فى الأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعظم نصيباً من الاغتراف من منهل النبوة الفيَّاض، ولئن صح عن أبى الدرداء أنه قال بعد موت ابن مسعود: ما ترك بعده مثله، لهى شهادة منه على
مقدار علمه، وسمو مكانته بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالجملة فابن مسعود كما قيل: أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى، وأعرفهم بمحكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه، وقصصه وأمثاله، وأسباب نزوله، قرأ القرآن فأحلّ حلاله وحرَّم حرامه، فقيه فى الدين، عالِم بالسُّنَّة، بصير بكتاب الله. * *
*الرواية عن ابن مسعود ومبلغها من الصحة:
ابن مسعود أكثر مَن رُوِى عنه فى التفسير من الصحابة بعد ابن عباس رضى الله عنه، قال السيوطى فى الإتقان: وأما ابن مسعود فقد رُوِى عنه أكثر مما رُوِى عن علىّ، وقد حمل علم ابن مسعود فى التفسير أهل الكوفة نظراً لوجوده بينهم،
يجلس إليهم فيأخذون عنه ويروون له، فمن رواته مسروق بن الأجدع الهمدانى، وعلقمة بن قيس النخعى، والأسود بن يزيد، وغيرهم من علماء الكوفة الذين تتلمذوا له ورووا عنه. وسيأتى الكلام على هؤلاء جميعاً - إن شاء الله تعالى - عند الكلام عن التفسير فى عصر التابعين، وقد وردت أسانيد كثيرة تنتهى إلى ابن مسعود، نجدها مبثوثة فى كتب التفسير بالمأثور وكتب الحديث، ومن هذه الروايات ما يمكن الاعتماد عليه والثقة به، ومنها ما يعتريه الضعف فى رجاله، أو الانقطاع فى إسناده، وقد تتبع العلماء النُقَّاد هذه الروايات، كما تتَّبعوا غيرها بالنقد تجريحاً وتعديلاً وهذه هى أشهر الطرق عن ابن مسعود:
أولاً: طريق الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود. وهذه الطريق من أصح الطرق وأسلمها، وقد اعتمد عليها البخارى فى صحيحه.
ثانياً: طريق مجاهد، عن أبى معمر، عن ابن مسعود، وهذه أيضاً طريق صحيحة لا يعتريها الضعف. وقد اعتمد عليها البخارى فى صحيحه أيضاً.
ثالثاً: طريق الأعمش، عن أبى وائل، عن ابن مسعود. وهذه أيضاً طريق صحيحة يُخَرِّج البخارى منها، وكفى بتخريج البخارى شاهداً على صحته وصحة ما سبق.
رابعاً: طريق السدى الكبير، عن مرة الهمدانى، عن ابن مسعود. وهذه الطريق يُخَرِّج منها الحاكم فى مستدركه، ويصحح ما يُخَرِّجه. وابن جرير يُخَرِّج منها فى تفسيره كثيراً، وقد علمت فيما مضى قيمة السدى الكبير فى باب الرواية.
خامساً: طريق أبى روق، عن الضحاك، عن ابن مسعود، وابن جرير يُخَرِّج منها فى تفسيره أيضاً. وهذه الطريق غير مرضية، لأن الضحاك لم يلق ابن مسعود فهى طريق منقطعة.
* * *
3-
علىّ بن أبى طالب
* ترجمته:
هو أبو الحسن، علىّ بن أبى طالب بن عبد المطلب، القرشى الهاشمى، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره على ابنته فاطمة، وذُرِّيته صلى الله عليه وسلم منها. أُمه فاطمة بنت أسد بن هاشم. وهو أول هاشمى وُلِد من هاشميين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأول خليفة من بنى هاشم، وهو أول مَن أسلم من الأحداث وصدَّق برسول الله صلى الله عليه وسلم. هاجر إلى المدينة. وموقفه من الهجرة مشهور، قيل: ونزل فيه قوله تعالى: {وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله} [البقرة: 207] .. وقد شهد علىّ المشاهد كلها إلا تبوك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلَفه على أهله، وله فى الجميع بلاء عظيم ومواقف مشهورة، وقد أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم اللواء فى مواطن كثيرة، وقال يوم خيبر:"لأعطيَّن الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يُحب الله ورسوله، ويُحبه الله ورسوله"، ثم أعطاها لعلىّ رضى الله
عنه، وآخاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لَّما آخى بين أصحابه وقال له:"أنت أخى فى الدنيا والآخرة" وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، اجتمع فيه من الفضائل ما لم يحظ به غيره، فمن ورع فى الدين، إلى زهد فى الدنيا، إلى قرابة وصهر برسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى علم جم وفضل غزير، وقد توفى رحمه الله فى رمضان سنة أربعين من الهجرة، مقتولاً بيد عبد الرحمن بن ملجم الخارجى، وعمره ثلاث وستون سنة، وقيل غير ذلك.
* *
* مبلغه من العلم:
كان رضى الله عنه بحراً فى العلم، وكان قوى الحُجَّة، سليم الاستنباط، أُوتِىَ الحظ الأوفر من الفصاحة والخطابة والشعر، وكان ذا عقل قضائى ناضج، وبصيرة نافذة إلى بواطن الأُمور، وكثيراً ما كان يرجع إليه الصحابة فى فهم ما خفى واستجلاء ما أشكل، وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء اليمن، ودعا له بقوله:"اللهم ثبِّت لسانه واهد قلبه"، فكان مُوفَّقاً ومُسدَّداً، فيصلاً فى المعضلات، حتى ضُرِب به المثل فقيل:"قضية ولا أبا حسن لها"، ولا عجب، فقد تربى فى بيت النبوة، وتغذَّى بلبان معارفها، وعَمَّته مشكاة أنوارها. روى علقمة عن ابن مسعود قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علىّ بن أبى طالب. وقيل لعطاء: أكان فى أصحاب محمد أعلم من علىّ؟ قال: لا، والله لا أعلمه، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:"إذا ثبت لنا الشء عن علىّ لم نعدل عنه إلى غيره".
والذى يرجع إلى أقضية علىّ رضى الله عنه وخطبه ووصاياه، يرى أنه قد وُهِبَ عقلاً ناضجاً، وبصيرة نافذة، وحظاً وافراً من العلم وقوة البيان.
* *
* مكانته من التفسير:
جمع علىّ رضى الله عنه إلى مهارته فى القضاء والفتوى، علمه بكتاب الله، وفهمه لأسراره وخفى معانيه، فكان أعلم الصحابة بمواقع التنزيل ومعرفة التأويل، وقد رُوِى عن ابن عباس أنه قال:"ما أخذت من تفسير القرآن فعن علىّ بن أبى طالب".
وأخرج أبو نعيم فى الحلية عن علىّ رضى الله عنه أنه قال: "واللهِ ما نزلت آية إلا وقد علمتُ فيم نزلت، وأين نزلت، وإن ربى وهبَ لى قلباً عقولاً، ولساناً سئولاً".
وعن أبى الطفيل قال: "شهدتُ علياً يخطب وهو يقول: سلونى، فوالله لا تسألونى عن شئ إلا أخبرتكم، وسلونى عن كتاب الله، فواللهِ ما من آية إلا وأنا
أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم فى سهل، أم فى جبل".
وأخرج أبو نعيم فى الحلية عن ابن مسعود قال: "إن القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف، إلا وله ظهر وبطن، وإن علىّ بن أبى طالب عنده منه الظاهر والباطن"
وغير هذا كثير من الآثار التى تشهد له بأنه كان صدر المفسرين والمؤيَّد فيهم.
* *
*الرواية عن علىّ ومبلغها من الصحة:
كثرت الرواية فى التفسير عن علىّ رضى الله عنه، كثرة جاوزت الحد، الأمر الذى لفت أنظار العلماء النُقَّاد، وجعلهم يتتبعون الرواية عنه بالبحث والتحقيق، ليميزوا ما صح من غيره.
وما صح عن علىّ فى التفسير قليل بالنسبة لما وُضِع عليه، ويرجع ذلك إلى غُلاة الشيعة، الذين أسرفوا فى حبه فاختلقوا عليه ما هو برئ منه، إما ترويجاً لمذهبهم وتدعيماً له، وإما لظنهم الفاسد أن الإغراق فى نسبة الأقوال العلمية إليه يُعلى من قدره، ويرفع من شأنه العلمى. وأظن أن ما نُسب إلى علىّ من قوله:"لو شئتُ أن أُوْقِرَ سبعين بعيراً من تفسير أم القرآن لفعلت" لا أصل له، اللَّهم إلا فى أوهام الشيعة، الذين يغالون فى حبه، ويتجاوزون الحد فى مدحه. ثم هناك ناحية أخرى أغرت الوُضَّاع بالكذب عليه، تلك الناحية هى نسبته إلى بيت النبوة، ولا شك أن هذه الناحية، تُكسب الموضوع قبولاً، وتعطيه رواجاً وذيوعاً على ألسن الناس، والحق أن كثرة الوضع على علىّ رضى الله عنه أفسدت الكثير من علمه، ومن أجل ذلك لم يعتمد أصحاب الصحيح فيما يروونه عنه إلا على ما كان من طريق الأثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلمانى وشُريح، وغيرهما. وهذه أهم الطرق عن علىّ فى التفسير:
أولاً: طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلمانى، عن علىّ. طريق صحيحة، يُخَرِّج منها البخارى وغيره.
ثانياً: طريق ابن أبى الحسين، عن أبى الطفيل، عن علىّ. وهذه طريق صحيحة، يُخرِّج منها ابن عيينة فى تفسيره.
ثالثاً: طريق الزهرى، عن علىّ زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علىّ. وهذه طريق صحيحة جداً. حتى عدَّها بعضهم أصح الأسانيد مطلقاً، ولكن لم تشتهر هذه الطريق اشتهار الطريقتين السابقتين نظراً لما ألصقه الضعفاء، والكذَّابون بزين العابدين من الروايات الباطلة.
* * *
4-
أُبَىّ بن كعب
* ترجمته:
هو أبو المنذر، أو أبو الطفيل، أُبَىّ بن كعب بن قيس، الأنصارى الخزرجى، شهد العقبة وبدراً، وهو أول مَن كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة، وقد أثنى عليه عمر رضى الله عنه فقال:"أُبَىّ سيد المسلمين" وقد أُخْتُلِفُ فى وفاته على أقوال كثيرة، والأكثر على أنه مات فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
* *
*مبلغه من العلم:
كان أُبَىّ بن كعب سيد القُرَّاء، وأحد كُتَّاب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال فيه صلى الله عليه وسلم:"واقرؤهم أُبَىّ بن كعب"، وليس أدل على جودة حفظه لكتاب الله تعالى من قراءة النبى صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الترمذى بسنده إلى أنس بن مالك رضى الله عنه أنه قال:"إن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأُبَىّ بن كعب: إن الله أمرنى أن أقرأ عليك: {لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ} قال: آلله سمانى لك؟ قال: نعم، فجعل أُبَىّ يبكى".
وفى رواية أنه قيل لأَبَىّ: وفرحتَ بذلك؟ قال: وما يمنعنى وهو يقول: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] . وروى الشعبى عن مسروق قال: "كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة: عمر، وعلىّ، وعبد الله، وأُبَىّ، وزيد، وأبو موسى".
* *
* مكانته فى التفسير:
كان أُبَىّ بن كعب من أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى، ولعل من أهم عوامل معرفته بمعانى كتاب الله، هو أنه كان حَبْراً من أحبار اليهود، العارفين بأسرار الكتب القديمة وما ورد فيها، وكونه من كُتَّاب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا بالضرورة يجعله على مبلغ عظيم من العلم بأسباب النزول ومواضعه، ومُقَدَّم القرآن ومُؤخره، وناسخه ومنسوخه، ثم لا يُعقل بعد ذلك أن تمر عليه آية من القرآن يشكل معناها عليه دون أن يسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لهاذ كله عُدّ أُبَىّ بن كعب من المكثرين فى التفسير، الذين يُعتدَّ بما صح عنهم، ويُعوَّل على تفسيرهم.
* *
* الرواية عنه فى التفسير ومبلغها من الصحة:
كثرت الرواية عن أُبَىّ بن كعب فى التفسير وتعدَّدت طرقها، وتتبع العلماء هذه الطرق بالنقد، فعدَّلوا وجرَّحوا، لأنه كغيره من الصحابة لم يسلم من الوضع عليه - وهذه هى أشهر الطرق عنه:
أولاً: طريق أبى جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية، عن أُبَىّ رضى الله عنه. وهذه طريق صحيحة، وقد ورد عن أُبَىّ، نسخة كبيرة فى التفسير، يرويها أبو جعفر الرازى بهذا الإسناد إلى أُبَىّ، وقد خَرَّج ابن جرير وأبى حاتم منها كثيراً، وأخرج الحاكم منها أيضاً فى مستدركه، والإمام أحمد من مسنده.
ثانياً: طريق وكيع عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبَىّ بن كعب، عن أبيه، وهذه يُخَرِّج منها الإمام أحمد فى مسنده، وهى على شرط الحسن، لأن عبد الله بن محمد بن عقيل وإن كان صدوقاً تكلم فيه من جهة حفظه، قال الترمذى فى سننه:"عبد الله بن محمد بن عقيل، هو صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قِبَل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدى، يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل قال محمد - يعنى البخارى -: وهو مقارب الحديث، ونص الحافظ الهيثمى فى مجمع الزوائد على أن حديثه حسن".
* * *