الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهم كتب التفسير بالرأى الجائز
* تمهيد:
ابتدأ عهد التدوين من قديم، وظفر التفسير بالتدوين كغيره من العلوم، فأُلِّفت فيه كتب اختلفت فى منهجها، حسب اختلاف مشارب مؤلفيها، وظفرت هذه الناحية من التفسير - ناحية التفسير بالرأى الجائز - بكثرة زاخرة من الكتب المؤلفة، كثرة تضخمت على مَرِّ العصور وكَرِّ الدهور، ففى كل عصر يَجِّد جديد من الكتب المؤلَّفة فى التفسير بالرأى الجائز، ثم تنضم إلى ما سبق من ذلك، حتى ازدحمت بها المكتبة الإسلامية على اتساعها وطول عهدها.
ولكن هل احتفظت لنا المكتبة الإسلامية بكل هذه الكتب؟ أو عفى رسمها وذهب أثرها؟
لا.. لا هذا، ولا ذاك، بل احتفظت لنا ببعضها، وذهب بعضها الآخر بتقادم الزمن عليه، ومع هذا فإن القصور المكتبى، حال بيننا وبين الاطلاع، على جميع ما خلَّفته لنا المكتبة الإسلامية العامة.. لهذا، ولعدم القدرة على الاطلاع على كل ما يوجد من هذه الكتب واستيعابه بالبحث والدراسة، أكتفى بأن أتعرض لبعض هذه الكتب على ضوء المنهج الذى بيَّنته، ولعل فى ذلك غِنَىً عن بعضها الآخر، الذى حال بينى وبين القصور المكتبى تارة، والقصور الزمنى تارة أخرى.
هذا.. ولا يقوتنى أن أنبه إلى أن هذه الكتب التى وقع عليها اختيارى، يتجه كل منها إلى اتجاه معيَّن، وتغلب عليه ناحية خاصة من نواحى التفسير وألوانه، فمنها ما تغلب عليه الصناعة النحوية، ومنها ما تغلب عليه النزعة الفلسفية والكلامية، ومنها ما تطغى فيه الناحية القصصية والإسرائيلية، ومنها غير ذلك. ولكن الجميع ينضم تحت شئ واحد هو التفسير بالرأى الجائز، فلا عليه - إذن - إن كنت قد جمعت بين هذه الكتب المختلفة المنازع والاتجاهات، وهذا أمر اعتبارى لا أقل ولا أكثر.
أما هذه الكتب التى وقع عليها اختيارى، فهى ما يأتى:
1 -
مفاتيح الغيب: للفخر الرازى
2 -
أنوار التنزيل وأسرار التأويل: للبيضاوى
3 -
مدارك التنزيل وحقائق التأويل: للنسفى
4 -
لُباب التأويل فى معانى التنزيل: للخازن
5 -
البحر المحيط: لأبى حيان
6 -
غرائب القرآن ورغائب الفرقان: للنيسابورى
7 -
تفسير الجلالين: للجلال المحلى، والجلال السيوطى
8 -
السراج المنير فى الإعانة على معرفة بعض معانى كلام ربنا الحكيم الخبير: للخطيب الشربينى
9 -
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: لأبى السعود
10 -
روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى: للألوسى
هذه هى الكتب التى وقع عليها اختيارى، وسأتكلم عنها على حسب هذا الترتيب، فأقول وبالله التوفيق:
1 -
مفاتيح الغيب (للرازى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن ابن علىّ، التميمى، البكرى، الطبرستانى، الرازى، الملقَّب بفخر الدين، والمعروف بابن الخطيب الشافعى، المولود سنة 544 هـ (أربع وأربعين وخمسمائة من الهجرة) . كان رحمه الله فريد عصره، ومتكلم زمانه، جمع كثيراً من العلوم ونبغ فيها، فكان إماماً فى التفسير والكلام، والعلوم العقلية، وعلوم اللغة، ولقد أكسبه نبوغه العلمى شهرة عظيمة، فكان العلماء يقصدونه من البلاد، ويشدون إليه الرحال من مختلف الأقطار، وقد أخذ العلم عن والده ضياء الدين المعروف بخطيب الرى، وعن الكمال السمعانى، والمجد الجيلى، وكثير من العلماء الذين عاصرهم ولقيهم، وله فوق شهرته العلمية شهرة كبيرة فى الوعظ، حتى قيل إنه كان يعظ باللسان العربى واللسان العجمى، وكان يلحقه الوجد فى حال الوعظ ويكثر البكاء، ولقد خلَّف رحمه الله للناس مجموعة كبيرة من تصانيفه فى الفنون المختلفة، وقد انتشرت هذه التصانيف فى البلاد، ورزق فيها الحظوة الواسعة، والسعادة العظيمة، إذ أن الناس اشتغلوا بها، وأعرضوا عن كتب المتقدمين. ومن أهم هذه المصنفات: تفسيره الكبير المسمى بمفاتيح الغيب، وهو ما نحن بصدده الآن، وله تفسير سورة الفاتحة فى مجلد واحد، ولعله هو الموجود بأول تفسيره "مفاتيح الغيب"، وله فى علم الكلام: المطالب العالية، وكتاب البيان والبرهان فى الرد على أهل الزيغ والطغيان. وله فى أصول الفقه: المحصول، وفى الحكمة: المخلص، وشرح الإشارات لابن سينا، وشرح عيون الحِكمة، وفى الطلمسات: السر المكنون، ويقال: إنه شرح المفصل فى النحو للزمخشرى، وشرح الوجيز فى الفقه للغزالى.. وغير هذا كثير من مصنفاته، التى يتجلى فيها علم الرجل الواسع الغزير.
هذا.. وقد كانت وفاة الرازى رحمه الله سنة 606 هـ (ست وستمائة من
الهجرة) بالرى، ويقال فى سبب وفاته: أنه كان بينه وبين الكرَّامية خلاف كبير وجدل فى أمور العقيدة، فكان ينال منهم وينالون منه سباً وتكفيراً، وأخيراً سمُّوه فمات على إثر ذلك واستراحوا منه.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
يقع هذا التفسير فى ثمانى مجلدات كبار، وهو مطبوع ومتداول بين أهل العلم، ويقول ابن قاضى شُهبة: إنه - أى الفخر الرازى - لم يتمه، كما يقول ذلك ابن خلكان فى وفيات الأعيان، إذن فمَن الذى أكمل هذا التفسير؟ وإلى أى موضع من القرآن وصل الفخر الرازى فى تفسيره؟
الحق أن هذه مشكلة لم نوفق إلى حلها حلاً حاسماً، لتضارب أقوال العلماء فى هذا الموضوع، فابن حجر العسقلانى، فى كتابه الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، يقول:"الذى أكمل تفسير فخر الدين الرازى، هو أحمد بن محمد بن أبى الحزم مكى نجم الدين المخزومى القمولى، مات سنة 727 هـ (سبع وعشرين وسبعمائة من الهجرة) هو مصرى".
وصاحب كشف الظنون يقول: "وصنَّف الشيخ نجم الدين أحمد ابن محمد القمولى تكملة له، وتوفى سنة 727 هـ (سبع وعشرين وسبعمائة من الهجرة) ، وقاضى القضاة شهاب الدين بن خليل الخويى الدمشقى، كمَّل ما نقص منه أيضاً، وتوفى سنة 639 هـ (تسع وثلاثين وستمائة) ".
فأنت ترى أن ابن حجر يذكر أن الذى أتم تفسير الفخر هو نجم الدين القمولى، وصاحب كشف الظنون يجعل لشهاب الدين الخويى مشاركة على وجه ما فى هذه التكملة، وإن كانا يتفقان على أن الرازى لم يتم تفسيره.
وأما إلى أى موضع وصل الفخر فى تفسيره؟ فهذه كالأولى أيضاً، وذلك لأننا وجدنا على هامش كشف الظنون ما نصه:"الذى رأيته بخط السيد مرتضى نقلاً عن شرح الشفا للشهاب، أنه وصل فيه إلى سورة الأنبياء".
وقد وجدت فى أثناء قراءتى فى هذا التفسير عند قوله تعالى فى الآية [24] من سورة الواقعة: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} هذه العبارة: "المسألة الأولى أصولية، ذكرها
الإمام فخر الدين رحمه الله فى مواضع كثيرة، ونحن نذكر بعضها.. إلخ".
وهذه العبارة تدل على أن الإمام فخر الدين، لم يصل فى تفسيره إلى هذه السورة.
كما وجدتُ عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [6] من سورة المائدة {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة} .. الآية، أنه تعرَّض لموضوع النيَّة فى الوضوء. واستشهد على اشتراط النيَّة فيه بقوله تعالى فى الآية [5] من سورة البينة:{وَمَآ أمروا إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} .. وبيَّن أن الإخلاص عبارة عن النيَّة، ثم قال:"وقد حققنا الكلام فى هذا الدليل فى تفسير قوله تعالى: {وَمَآ أمروا إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} فليُرجع إليه فى طلب زيادة الإتقان".
وهذه العبارة تُشعر بأن الفخر الرازى فسَّر سورة البيِّنة، أى أنه وصل إليها فى تفسيره، وهذا طبعاً بحسب ظاهر العبارة المجرد عن كل شئ.
والذى أستطيع أن أقوله كحل لهذا الاضطراب: هو أن الإمام فخر الدين، كتب تفسيره هذا إلى سورة الأنبياء، فأتى بعده شهاب الدين الخويى، فشرع فى تكملة هذا التفسير ولكنه لم يتمه، فأتى بعده نجم الدين القمولى فأكمل ما بقى منه. كما يجوز أن يكون الخويى أكمله إلى النهاية، والقمولى كتب تكملة أخرى غير التى كتبها الخويى، وهذا هو الظاهر من عبارة صاحب كشف الظنون.
وأما إحالة الفخر على ما كتبه فى سورة البيِّنة، فهذا ليس بصريح فى أنه وصل إليها فى تفسيره، إذ لعله كتب تفسيراً مستقلاً لسورة البيِّنة، أو لهذه الآية وحدها، فهو يشير إلى ما كتب فيها ويحيل عليه.
أقول هذا، وأعتقد أنه ليس حلاً حاسماً لهذا الاضطراب، وإنما هو توفيق يقول على الظن يُخطئ ويُصيب.
ثم إن القارئ فى هذا التفسير، لا يكاد يلحظ فيه تفاوتاً فى المنهج والمسلك، بل يجرى الكتاب من أوله إلى آخره على نمط واحد، وطريقة واحدة، تجعل الناظر فيه لا يستطيع أن يُميِّز بين الأصل والتكملة، ولا يتمكن من الوقوف على حقيقة المقدار الذى كتبه الفخر، والمقدار الذى كتبه صاحب التكملة.
هذا.. وإن تفسير الفخر الرازى ليحظى بشهرة واسعة بين العلماء، وذلك لأنه يمتاز عن غيره من كتب التفسير، بالأبحاث الفيَّاضة الواسعة، فى نواح شتَّى من العلم،
ولهذا يصفه ابن خلكان فيقول: "إنه - أى الفخر الرازى - جمع فيه كل غريب وغريبة".
* *
* اهتمام الفخر الرازى ببيان المناسبات بين آيات القرآن وسوره:
وقد قرأتُ فى هذا التفسير، فوجدتُ أنه يمتاز بذكر المناسبات بين الآيات بعضها مع بعض، وبين السور بعضها مع بعض، وهو لا يكتفى بذكر مناسبة واحدة بل كثيراً ما يذكر أكثر من مناسبة.
* *
* اهتمامه بالعلوم الرياضية والفلسفية:
كما أنه يُكثر من الاستطراد إلى العلوم الرياضية والطبيعية، وغيرها من العلوم الحادثة فى المِلَّة، على ما كانت عليه فى عهده، كالهيئة الفلكية وغيرها، كما أنه يعرض كثيراً لأقوال الفلاسفة بالرد والتفنيد، وإن كان يصوغ أدلته فى مباحث الإلهيات على نمط استدلالاته العقلية، ولكن بما يتفق ومذهب أهل السُنَّة.
* *
* موقفه من المعتزلة:
ثم إنه - كسُّنِّى يرى ما يراه أهل السُّنَّة، ويعتقد بكل ما يقررونه من مسائل علم الكلام - لا يدع فرصة تمر دون أن يعرض لمذهب المعتزلة بذكر أقوالهم والرد عليهم، رداً لا يراه البعض كافياً ولا شافياً.
فهذا هو الحافظ ابن حجر يقول عنه فى لسان الميزان: "وكان يُعاب بإيراد الشبهة الشديدة، ويُقَصِّر فى حلها، حتى قال بعض المغاربة: "يُورد الشُبَه نقداً ويحلها نسيئة".
وقال ابن حجر أيضاً فى لسان الميزان: "ورأيت فى الإكسير فى علم التفسير للنجم الطوفى ما ملخصه: ما رأيت فى التفاسير أجمع لغالب علم التفسير من القرطبى، ومن تفسير الإمام فخر الدين، إلا أنه كثير العيوب، فحدَّثنى شرف الدين النصيبى، عن شيخه سراج الدين السرمياحى المغربى، أنه صنَّف كتاب المأخذ فى مجلدين، بيَّن فيهما فى تفسير الفخر من الزيف والبهرج، وكان ينقم عليه كثيراً ويقول: يورد شُبَه المخالفين فى المذهب والدين على غاية ما يكون من التحقيق، ثم يورد مذهب أهل السُّنَّة والحق على غاية من الوهاء. قال الطوفى: ولعَمرى، إن هذا دأبه فى كتبه الكلامية والحكمة. حتى اتهمه بعض الناس، ولكنه خلاف ظاهر حاله، لأنه لو كان اختار قولاً أو مذهباً ما كان عنده مَن يخاف منه حتى يستر عنه، ولعل سببه أنه كان يستفرغ أقوالاً فى تقرير دليل الخصم، فإذا انتهى إلى تقرير دليل نفسه لا يبقى عنده
شئ من القوى، ولا شك أن القوى النفسانية تابعة للقوى البدنية، وقد صرَّح فى مقدمة نهاية العقول: أنه مقرر مذهب خصمه تقريراً لو أراد خصمه تقريره لم يقدر على الزيادة على ذلك".
* *
* موقفه من علوم الفقه والأصول والنحو والبلاغة:
ثم إن الفخر الرازى لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها، مع ترويجه لمذهب الشافعى - الذى يُقلِّدُه - بالأدلة والبراهين.
كذلك نجده يستطرد لذكر المسائل الأصولية، والمسائل النحوية، والبلاغية، وإن كان لا يتوسع فى ذلك توسعه فى مسائل العلوم الكونية والرياضية.
وبالجملة.. فالكتاب أشبه ما يكون بموسوعة فى علم الكلام، وفى علوم الكون والطبيعة، إذ أن هذه الناحية، هى التى غلبت عليه حتى كادت تُقَلِّل من أهمية الكتاب كتفسير للقرآن الكريم.
ومن أجل ذلك قال صاحب كشف الظنون: "إن الإمام فخر الدين الرازى ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، وخرج من شئ إلى شئ، حتى يقضى الناظر العجب" ونقل عن أبى حيان أنه قال فى البحر المحيط: "جمع الإمام الرازى فى تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها فى علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شئ إلا التفسير".
ويظهر لنا أن الإمام فخر الدين الرازى كان مولعاً بكثرة الاستنباطات والاستطرادات فى تفسيره، ما دام يستطيع أن يجد صلة ما بين المستنبَط أو المستطرَد إليه وبين اللفظ القرآنى، والذى يقرأ مقدمة تفسيره لا يسعه إلا أن يحكم على الفخر هذا الحكم، وذلك حيث يقول:"اعلم أنه مَرَّ على لسانى فى بعض الأوقات، أن هذه السورة الكريمة - يريد الفاتحة - يمكن أن يُستنبَط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعض الحُسَّاد، وقوم من أهل الجهل والغى والعناد، وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعانى، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمبانى، فلما شرعتُ فى تصنيف هذا الكتاب، قدَّمتُ هذه المقدمة، لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول، قريب الوصول"
…
إلخ.
وبعد.. فالكتاب بين يديك، فأجِلْ نظرك فى جميع نواحيه، فسوف لا ترى إلا ما قلته فيه، وما حكمتُ به عليه.
* * *
2 -
أنوار التنزيل وأسرار التأويل (للبيضاوى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو قاضى القضاة، ناصر الدين أبو الخير، عبد الله ابن عمر بن محمد بن علىّ، البيضاوى الشافعى، وهو من بلاد فارس، قال ابن قاضى شهبة فى طبقاته:"صاحب المصنفات، وعالم أذربيجان، وشيخ تلك الناحية. ولى قضاء شيراز". وقال السبكى: "كان إماماً مُبرَزاً نظَّاراً خَيِّراً، صالحاً متعبداً". وقال ابن حبيب: "تكلَّم كل من الأئمة بالثناء على مصنفاته، ولو لم يكن له غير المنهاج الوجيز لفظه المحرر لكفاه". ولى القضاء بشيراز، وتوفى بمدينة تبريز. قال السبكى والأسنوى: سنة 691هـ (إحدى وتسعين وستمائة)، وقال ابن كثير وغيره: "سنة 685هـ (خمس وثمانين وستمائة) . ومن أهم مصنفاته: كتاب المنهاج وشرحه فى أصول الفقه، وكتاب الطوالع فى أصول الدين، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل فى التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن. وهذه الكتب الثلاثة من أشهر الكتب وأكثرها تداولاً بين أهل العلم.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
تفسير العلامة البيضاوى، تفسير متوسط الحجم، جمع فيه صاحبه بين التفسير والتأويل، على مقتضى قواعد اللغة العربية، وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السُّنَّة.
وقد اختصر البيضاوى تفسيره من الكشاف للزمخشرى، ولكنه ترك ما فيه من اعتزالات، وإن كان أحياناً يذهب إلى ما يذهب إليه صاحب الكشاف، ومن ذلك أنه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [275] من سورة البقرة:{الذين يَأْكُلُونَ الربا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس}
…
.. الآية، وجدناه يقول:"إلا قياماً كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيُصرَع".. ثم يفسِّر المس بالجنون ويقول: "وهذا أيضاً من زعمانهم أنَّ الجنى يمس الرجل فيختلط عقله".
ولا شك أن هذا موافق لما ذهب إليه الزمخشرى من أن الجن لا تسلط لها على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء.
كما أننا نجد البيضاوى قد وقع فيما وقع فيه صاحب الكشاف، من ذكره فى نهاية كل سورة حديثاً فى فضلها وما لقارئها من الثواب والأجر عند الله، وقد عرفنا قيمة هذه الأحاديث، وقلنا إنها موضوعة باتفاق أهل الحديث، وليستُ أعرف كيف اغترَّ
بها البيضاوى فرواها وتابع الزمخشرى فى ذكرها عند آخر تفسيره لكل سورة، مع ما له من مكانة علمية، وسيأتى اعتذار بعض الناس عنه فى ذلك، وإن كان اعتذاراً ضعيفاً، لا يكتفى لتبرير هذا العمل الذى لا يليق بعالم كالبيضاوى له قيمته ومكانته.
وكذلك استمد البيضاوى تفسيره من التفسير الكبير المسمى بمفاتيح الغيب للفخر الرازى، ومن تفسير الراغب الأصفهانى، وضم لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، كما أنه أعمل فيه عقله، فضمنه نكتاً بارعة، ولطائف رائعة، واستنباطات دقيقة، كل هذا فى أسلوب رائع موجز، وعبارة تدُق أحياناً وتخفى إلا على ذى بصيرة ثاقبة، وفطنة نيِّرة. وهو يهتم أحياناً بذكر القراءت، ولكنه لا يلتزم المتواتر منها فيذكر الشاذ، كما أنه يعرض للصناعة النحوية، ولكن بدون توسع واستفاضة، كما أنه يتعرض عند آيات الأحكام لبعض المسائل الفقهية بدون توسع منه فى ذلك، وإن كان يظهر لنا أنه يميل غالباً لتأييد مذهبه وترويجه، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [228] من سورة البقرة:{والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرواء} .. يقول ما نصه: وقُروء جمع قُرء، وهو يُطلق للحيض كقوله عليه الصلاة والسلام:"دَعِى الصلاة أيام أقرائك" وللطُهر الفاصل بين الحيضتين، كقول الأعشى:
مورثة مالاً وفى الحى رفعة
…
لما ضاع فيها من قُروء نسائكما
وأصله الانتقال من الطُهر إلى الحيض، وهو المراد فى الآية، لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض كما قاله الحنفية، لقوله تعالى:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] أى وقت عدّتهن، والطلاق المشروع لا يكون فى الحيض. وأما قوله عليه الصلاة والسلام:"طلاق الأمَة تطليقتان وعدِتَّها حيضتان"، فلا يُقاوِم ما رواه الشيخان فى قصة ابن عمر:"مُرْهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلّق قبل أن يمس، فتلك العِدَّة التى أمر الله تعالى أن تُطَلَّق لها النساء"
…
إلخ.
كذلك نجد البيضاوى كثيراً ما يقرر مذهب أهل السُّنَّة ومذهب المعتزلة، عندما يعرض لتفسير آية لها صلة بنقطة من نقط النزاع بينهم.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [2] و [3] من سورة البقرة: {ذَلِكَ الكتاب لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} نراه يعرض لبيان معنى الإيمان والنفاق عند أهل السُّنَّة والمعتزلة والخوراج. بتوسع ظاهر، وترجيح منه لمذهب أهل السُّنَّة.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة البقرة أيضاً: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} نراه يتعرض للخلاف الذى بين أهل السُّنَّة والمعتزلة فيما يُطلق عليه اسم الرزق، ويذكر وجهة نظر كل فريق، مع ترجيحه لمذهب أهل السُّنَّة.
والبيضاوى رحمه الله مُقِّلٌ جداً من ذكر الروايات الإسرائيلية، وهو يُصْدِّر الرواية بقوله: رُوِى، أو قِيل
…
إشعاراً منه بضعفها.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [22] من سورة النمل: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} يقول بعد فراغه من تفسيرها: رُوى أنه عليه السلام لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج.. إلى آخر القصة التى يقف البيضاوى بعد روايتها موقف المجوِّز لها. غير القاطع بصحتها، حيث يقول ما نصه:"ولعله فى عجائب قدرة الله وما خصّ به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك، يستكبرها مَن يعرفها، ويستنكرها مَن ينكرها".
ثم إن البيضاوى إذا عرض للآيات الكونية، فإنه لا يتركها بدون أن يخوض فى مباحث الكون والطبيعة، ولعل هذه الظاهرة سرت إليه من طريق التفسير الكبير للفخر الرازى، الذى استمد منه كما قلنا. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [10] من سورة الصافات:{فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} نراه يعرض لحقيقة الشهاب فيقول: الشهاب ما يُرى كأن كوكباً انقض، ثم يرد على مَن يخالف ذلك فيقول: وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين - إن صَحَّ - لم يُناف ذلك".. إلى آخر كلامه فى هذا الموضوع.
هذا وأرى أن أسوق لك بعض العبارات الشارحة لمنهج البيضاوى فى تفسيره، والمبيِّنة لمصادره التى رجع إليها واختصره منها، كشاهد على بعض ما ذكرناه من ناحية، وتتميماً للفائدة من ناحية أخرى.
قال البيضاوى نفسه فى مقدمة تفسيره هذا بعد الديباجة ما نصه: "ولطالما أحدِّث نفسى بأن أصنِّف فى هذا الفن - يعنى التفسير - كتاباً يحتوى على صفوة ما بلغنى من عظماء الصحابة، وعلماء التابعين ومَن دونهم من السَلَف الصالحين، وينطوى على نِكات بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومَن قبلى مِن أفاضل المتأخرين، وأماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المشهورة المَعْزِّية إلى الأئمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القرَّاء المعتبرين، إلَاّ أن قصور بضاعتى يُثبطنى عن الإقدام، ويمنعنى عن الانتصاب فى هذا المقام، حتى سنح لى بعد الاستخارة ما صمم به عزمى على
الشروع فيما أردته، والإتيان بما قصدته، ناوياً أن أسميه بأنوار التنزيل وأسرار التأويل".
ويقول فى آخر الكتاب ما نصه: "وقد اتفق إتمام تعليق سواد هذا الكتاب المنطوى على فوائد ذوى الألباب. المشتمل على خلاصة أقوال أكابر الأئمة، وصفوة آراء أعلام الأُمة، فى تفسير القرآن وتحقيق معانيه. والكشف عن عويصات ألفاظه ومعجزات مبانيه، مع الإيجاز الخالى عن الإخلال، والتلخيص العارى عن الإضلال، الموسوم بأنوار التنزيل وأسرار التأويل".
وكأنِّى به فى هذه الجملة الأخيرة، يشير إلى أنه اختصر من تفسير الكشاف ولخَّصَ منه، ضمن ما اختصره ولخَّصَهُ من كتب التفسير الأخرى، غير أنه ترك ما فيه من نزعات الضلال، وشطحات الاعتزال.
ويقول الجلال السيوطى رحمه الله فى حاشيته على هذا التفسير المسماة بـ "نواهد الأبكار وشوارد الأفكار" ما نصه: "وإن القاضى ناصر الدين البيضاوى لخَّصَ هذا الكتاب فأجاد، وأتى بكل مُستجاد، وماز فيه أماكن الاعتزال، وطرح موضع الدسائس وأزال، وحرَّر مُهمات، واستدرك تتمات، فظهر كأنه سبيكه نِضار، واشتهر اشتهار الشمس فى رائعة النهار، وعكف عليه العاكفون، ولهَج بذكر محاسنه الواصفون، وذاق طعم دقائقه العارفون، فأكَبَّ عليه العلماء تدريساً ومطالعة، وبادروا إلى تلقيه بالقبول رغبة فيه ومسارعة".
ويقول صاحب كشف الظنون ما نصه: "وتفسيره هذا - يريد تفسير البيضاوى - كتاب عظيم الشأن غنى عن البيان، لخَّصَ فيه من الكشاف ما يتعلق بالإعراب والمعانى والبيان، ومن التفسير الكبير ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات. وضم إليه ما وَرَّى زناد فكره من الوجوه المعقولة، فجلا رين الشك عن السريرة، وزاد فى العلم بسطة وبصيرة، كما قال مولانا المنشى:
أولوا الألباب لم يأتوا
…
بكشف قناع ما يُتلى
ولكن كان للقاضى
…
يد بيضاء لا تُبلى
ولكونه متبحراً جال فى ميدان فرسان الكلام، فأظهر مهارته فى العلوم حسبما يليق بالمقام، كشف القناع عن تارة عن وجوه محاسن الإشارة، ومْلح الاستعارة، وهتك
الأستار أخرى عن أسرار المعقولات بيد الحكمة ولسانها. وترجمان المناطقة وميزانها، فحل ما أشْكَلَ على الآنام، وذلَّل لهم صِعاب المرام، وأورد فى المباحث الدقيقة ما يُؤْمَنُ به عن الشُبَه المضلة، وأوضح لهم مناهج الأدلة. والذى ذكره من وجوه التفسير ثانياً أو ثالثاً أو رابعاً بلفظ "قيل"، فهو ضعيف ضعف المرجوح أو ضعف المردود.
وأما الوجه الذى تفرَّد فيه، وظن بعضهم أنه مما لا ينبغى أن يكون من الوجوه التفسيرية السُّنِّية، كقوله: وحمل الملائكة العرش وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له، ونحوه، فهو ظن من لعله يقصر فهمه عن تصور مبانيه، ولا يبلغ علمه إلى الإحاطة بما فيه، فمَن اعترض بمثله على كلامه كأنه ينصب الحبالة للعنقاء، ويروم أن يقنص نسر السماء، لأنه مالك زمام العلوم الدينية، والفنون اليقينية، على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة. وقد اعترفوا له قاطبة بالفضل المطلق، وسلَّموا إليه قصب السبق، فكان تفسيره يحتوى فنوناً من العلم وعرة المسالك، وأنواعاً من القواعد المختلفة الطرائق، وقلّ من برز فى فن إلا وصدَّه عن سواه وشغله، والمرء عده لما جهله، فلا يصل إلى مرامه إلا من نظر إليه بعين فكره، وأعمى عين هواه، واستعبد نفسه فى طاعة مولاه، حتى يسلم من الغلط والزلل، ويقتدر على رد السفسطة والجدل.
وأما أكثر الأحاديث التى أوردها فى أواخر السور، فإنه لكونه ممن صفت مرآة قلبه، وتعرّض لنفحات ربه، تسامح فيه، وأعرض عن أسباب التجريح والتعديل، ونحا نحو الترغيب والتأويل، عالماً بأنها مما فاه صاحبه بزور، ودلَّى بغرور.
ثم إن هذا الكتاب رُزِق من عند الله سبحانه وتعالى بحسن القبول عند جمهور الأفاضل والفحولَ، فعكفوا عليه بالدرس والتحشية، فمنهم من علَّق تعليقة على سورة منه، ومنهم مَن حشى تحشية تامة، ومنهم من كتب على بعض مواضع منه".. ثم عَدَّ من هذه الحواشى ما يزيد عدده على الأربعين، ولا أطيل بذكرها، ومَن شاء الاطلاع على ذلك فليرجع إليه فى موضعه الذى أشرتْ إليه، وحسبى أن أقول: إن أشهر هذه الحواشى وأكثرها تداولاً ونفعاً: حاشية قاضى زاده، وحاشية الشهاب الخفاجى، وحاشية القونوى.
وجملة القول.. فالكتاب من أُمهات كتب التفسير، التى لا يستغنى عنها مَن يريد أن يفهم كلام الله تعالى، ويقف على أسراره ومعانيه، وهو مطبوع عدة طبعات، ومتوسط فى حجمه.
* * *
3 -
مدارك التنزيل وحقائق التأويل (للنسفى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفى الحنفى، أحد الزُّهاد المتأخرين، والأئمة المعتبرين، كان إماماً كاملاً عديم النظير فى زمانه، رأساً فى الفقه والأصول، بارعاً فى الحديث ومعانيه، بصيراً بكتاب الله تعالى، وهو صاحب التصانيف المفيدة المعتبرة فى الفقه والأصول وغيرهما. فمن مؤلفاته: متن الوافى فى الفروع، وشرحه الكافى، وكنز الدقائق فى الفقه أيضاً، والمنار في أصول الفقه، والعُمدة فى أصول الدين، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل، وهو التفسير الذى نحن بصدد الكلام عنه، وغير ذلك من المؤلَّفات التى تداولها العلماء، وتناولوها دراسة وبحثاً، وليس هذا التراث العلمى بكثير على رجل تفقَّه على كثير من مشايخ عصره وأخذ عنهم، ومن هؤلاء: شمس الأئمة الكردى وعليه تفقه، وأحمد بن محمد العتابى الذى روى عنه الزيادات.
وكانت وفاة النسفى رحمه الله سنة 701 هـ (إحدى وسبعمائة من الهجرة) ، ودفن ببلدة أيذج فرضى الله عنه وأرضاه.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
هذا التفسير، اختصره النسفى رحمه الله من تفسير البيضاوى ومن الكشاف للزمخشرى، غير أنه ترك ما فى الكشاف من الاعتزالات، وجرى فيه على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وهو تفسير وسيط بين الطول والقصر، جمع فيه صاحبه بين وجوه الإعراب والقراءات، وضمنه ما اشتمل عليه الكشاف من النكت البلاغية، والمحسنَّات البديعية، والكشف عن المعانى الدقيقة الخفية، وأورد فيه ما أورده الزمخشرى فى تفسيره من الأسئلة والأجوبة، لكن لا على طريقته من قوله: "فإن قيل
…
قلت" بل جعل ذلك فى الغالب كلاماً مدرجاً فى ضمن شرحه للآية، كما أنه لم يقع فيما وقع فيه صاحب الكشاف من ذكره للأحاديث الموضوعة فى فضائل السور.
هذا وقد أورد النسفى فى مقدمة تفسيره عبارة قصيرة، أوضح فيها عن طريقته التى سلكها فيه، وأرى أن أسوقها لك بنصها لتمام الفائدة:
قال رحمه الله: "قد سألنى مَن تتعين إجابته، كتاباً وسطاً فى التأويلات، جامعاً لوجوه، الإعراب والقراءات، متضمناً لدقائق علمى البديع والإشارات، حالياً بأقاويل أهل السُّنَّة والجماعة، خالياً عن أباطيل أهل البدع والضلالة، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، وكنت أُقدِّم فيه رِجْلاً وأؤخر أخرى، استقصاراً لقوة البَشر عن درك هذا الوطر، وأخذاً لسبيل الحذر عن ركوب متن الخطر، حتى شرعتُ فيه بتوفيق الله والعوائق كثيرة، وأتممته فى مدة يسيرة، وسميته بمدارك التنزيل وحقائق التأويل".
وقال صاحب كشف الظنون: "اختصره - يعنى تفسير النسفى - الشيخ زين الدين، أبو محمد، عبد الرحمن بن أبى بكر بن العينى، وزاد فيه". ولكن لم يقع فى يدنا هذا المختصر، ولم نظفر به حتى نحكم عليه.
قرأتُ فى هذا التفسير فوجدته كما قلت آنفاً موجز العبارة سهل المأخذ، مختصراً من تفسير الكشاف، جامعاً لمحاسنه، متحاشياً لمساوئه، ومن تفسير البيضاوى أيضاً حتى إنه ليأخذ عبارته بنصها أو قريباً منه ويضمنها تفسيره.
* *
* خوضه فى المسائل النحوية:
كذلك وجدته - كما يقول صاحبه - جامعاً بين وجوه الإعراب والقراءات، غير أنه من ناحية الإعراب لا يستطرد كثيراً. ولا يزج بالتفاصيل النحوية فى تفسيره كما يفعل غيره، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [217] من سورة البقرة:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام} .. الآية.
يقول ما نصه: "والمسجد الحرام": عطف على "سبيل الله"، أى وَصَدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وزعم الفرّاء أنه معطوف على الهاء فى "به"، أى كفر به وبالمسجد الحرام، ولا يجوز عند البصريين العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار،
فلا تقول: مررت به وزيد، ولكن تقول: وبزيد، ولو كان معطوفاً على الهاء هنا لقيل: وكفر به وبالمسجد الحرام".
* *
* موقفه من القراءات:
وأما من ناحية القراءات فهو ملتزم للقراءات السبع المتواترة مع نسبة كل قراءة إلى قارئها.
* * *
* خوضه فى مسائل الفقه:
كذلك عند تفسيره لآية من آيات الأحكام نجده يعرض للمذاهب الفقهية التى لها تعلق وارتباط بالآية، ويوجه الأقوال ولكن بدون توسع.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [222] من سورة البقرة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} .
يقول ما نصه: "
…
ثم عند أبى حنيفة وأبى يوسف - رحمهما الله - يجتنب ما اشتمل عليه الإزار. ومحمد رحمه الله لا يُوجب إلا اعتزال الفَرُج، وقالت عائشة رضى الله عنها: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك.
{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} مجامعين، أو: ولا تقربوا مجامعتهن {حتى يَطْهُرْنَ} بالتشديد - كوفى غير حفص - أى يغتسلن، وأصله يتطهرن فأدغم التاء فى الطاء لقرب مخرجيهما. غيرهم {يَطْهُرْنَ} أى ينقطع دمهن، والقراءتان كآيتين، فعملنا بهما. وقلنا: له أن يقربها فى أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، عملاً بقراءة التخفيف، وفى أقل منه لا يقربها حتى تغتسل أو يمضى عليها وقت الصلاة، عملاً بقراءة التشديد، والحمل على هذا أولى من العكس، لأنه حينئذ يجب ترك العمل بإحداهما لما عُرف. وعند الشافعى رحمه الله لا يقربها حتى تطهر وتتطهر، دليله قوله تعالى:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} : فجامعوهن، فجمع بينهما.. ".
وهو ينتصر لمذهبه الحنفى ويرد على مَنْ خالفه فى كثير من الأحيان، وإن أردت الوقوف على ذلك فارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [228] من سورة البقرة:{والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرواء} .. (جـ 1 ص 89) ؛ وعند
تفسيره لقوله تعالى فى الآية (237) من سورة البقرة: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَاّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} . (جـ 1 ص 95) وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [6] من سورة الطلاق: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} .. الآية، (جـ 4 ص 201) .
* *
* موقفه من الإسرائيليات:
ومما نلحظه على هذا التفسير أنه مُقِل جداً فى ذكره للإسرائيليات، وما يذكره من ذلك يمر عليه بدون أن يتعقبه أحياناً، وأحياناً يتعقبه ولا يرتضيه.
فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [16] من سورة النمل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير} يقول: روى أنه صاحب فاختة فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يُخلقوا، وصاح طاووس فقال: يقول: كما تدين تدان. وصاح هدهد فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبون. وصاح خطاف فقال: يقول: قَدِّموا خيراً تجدوه، وصاحت رخمة فقال: تقول: سبحان ربى الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمرى فأخبر أنه يقول: سبحان ربى الأعلى، وقال: الحدأة تقول: كل شئ هالك إلا الله، والقطاة تقول: مَن سكت سلم، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون، والنسر يقول: يا بن آدم، عِشْ ما شئت آخرك الموت، والعُقاب يقول: فى البُعد عن الناس أُنس. والضفدع يقول: سبحانه ربى القدوس.
ثم يتكلم عن قوله تعالى: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} بدون أن يتعقب ما ذكره من ذلك كله.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [35] من سورة النمل أيضاً: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} .. نراه يذكر خبر هدية بلقيس لسليمان وما كان من امتحانها له، وهو خبر أشبه ما يكون بقصة نسجها خيال شخص مسرف فى تخيله، ومع ذلك فلا يُعَقِّب عليها الإمام النسفى بكلمة واحدة.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [21] و [22] فى سورة [ص] : {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب * إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلَا تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط} .. نراه - بعد أن يذكر من الروايات ما لَا يتنافى مع عصمة داود عليه السلام يقول ما نصه: "وما يُحكى أنه بعث مرة بعد مرة أوريا إلى غزوة البلقاء وأحب أن يُقتل
ليتزوجها - يعنى زوجة أوريا - فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أفناء الناس، فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء، وقال علىّ رضى الله عنه: مَن حدَّثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص، جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [34] من سورة [ص] أيضاً: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} .. نراه يذكر من الروايات ما لا يتنافى مع عصمة سليمان عليه السلام، ثم يقول ما نصه:"وأما ما يُروى من حديث الخاتم والشيطان، وعبادة الوثن فى بيت سليمان عليه السلام، فمن أباطيل اليهود".
ففى هذه الآية الأخيرة وما قبلها نجد النسفى رحمه الله يتصدى للتنبيه والرد على القَصص المكذوب الذى يتنافى مع عصمة الأنبياء، ولا يتساهل هنا كما تساهل فيما مثَّلنا به قبل ذلك، ولعله يرى أن كل ما يمس العقيدة من هذا القَصص يجب التنبيه على عدم صحته، وما لا يمس العقيدة فلا مانع من روايته بدون تعقيب عليه، ما دام يحتمل الصدق والكذب فى ذاته، ولا يتنافى مع العقل أو يتصادم مع الشرع.
هذا.. وإن الكتاب لمتداول بين أهل العلم، ومطبوع فى أربعة أجزاء متوسطة الحجم، وقد نَفَّعَ الله به الناس كما نفَّعَهم بغيره من مؤلَّفات النسفى رحمه الله.
* * *
4 -
لُبَاب التأويل فى معانى التنزيل (للخازن)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير. هو علاء الدين، أبو الحسن، علىّ بن محمد ابن إبراهيم بن عمر بن خليل الشيحى. البغدادى، الشافعى، الصوفى، المعروف بالخازن. اشتهر بذلك لأنه كان خازن كتب خانقاه السميساطية بدمشق. ولُد ببغداد سنة 678 هـ (ثمان وسبعين وستمائة من الهجرة) ، وسمع بها من ابن الدواليبى، وقدم دمشق فسمع من القاسم ابن مظفر ووزيرة بنت عمر، واشتغل بالعلم كثيراً. قال ابن قاضى شهبة:"كان من أهل العلم، جمع وألَّف، وحدَّث ببعض مصنفاته". وقد خَلَّف رحمه الله كتباً جمَّة فى فنون مختلفة، فمن ذلك: لُبَاب التأويل فى معانى التنزيل، وهو التفسير الذى نريد الكلام عنه، وشرح عمدة الأحكام، ومقبول المنقول فى عشر مجلدات، جمع فيه بين مسندى الشافعى وأحمد والكتب الستة والموطأ وسنن الدارقطنى، ورتَّبه على الأبواب، وجمع سيرة نبوية مطوَّلة. وكان رحمه الله
صوفياً حسن السمت بشوش الوجه، كثير التودد للناس. توفى سنة 741 هـ (إحدى وأربعين وسبعمائة من الهجرة) بمدينة حلب، فرحمه الله رحمة واسعة.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
هذا التفسير اختصره مؤلفه من معالم التنزيل للبغوى، وضم إلى ذلك ما نقله ولخّصه من تفاسير من تقدَّم عليه، وليس له فيه - كما يقول - سوى النقل والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل والإسهاب.
وهو مكثر من رواية التفسير المأثور إلى حد ما، مَعْنِىُّ بتقرير الأحكام وأدلتها، مملوء بالأخبار التاريخية، والقصص الإسرائيلى الذى لا يكاد يسلم كثير منه أمام ميزان العلم الصحيح والعقل السليم، وأرى أن أسوق هنا ما قاله الخازن نفسه فى مقدمة تفسيره، مبيِّناً به طريقته التى سلكها، ومنهجه الذى نهجه فيه، وفيها غِنى عن كل شئ.
قال رحمه الله تعالى: ولما كان كتاب معالم التنزيل، الذى صنَّفه الشيخ الجليل، والحَبْر النبيل، الإمام العالم محيى السُّنَّة، قدوة الأُمة، وإمام الأئمة، مفتى الفِرق، ناصر الحديث، ظهير الدين، أبو محمد الحسين ابن مسعود البغوى - قدَّس الله روحه، ونوَّر ضريحه - مِن أجَّلِّ المصنفات فى علم التفسير وأعلاها، وأنبلها وأسناها. جامعاً للصحيح من الأقاويل، عارياً عن الشُبه والتصحيف والتبديل، محلىّ بالأحاديث النبوية، مطرزاً بالأحكام الشرعية، موشىً بالقَصص الغريبة، وأخبار الماضين العجيبة، مُرصعاً بأحسن الإشارات، مخرجاً بأوضح العبارات، مُفرغاً فى قالب الجمال بأفصح مقال، فرحم الله تعالى مُصنِّفه وأجزل ثوابه. وجعل الجنة متقلبه ومآبه. لما كان هذا كتاب كما وصفتُ، أحببتُ أن أنتخب من غُرَرِ فوائده، ودُرَرِ فرائده، وزواهر نصوصه، وجواهر فصوصه، مختصراً جامعاً لمعانى التفسير، ولُباب التأويل والتعبير، حاوياً لخلاصة منقوله، متضمناً لنكته وأصوله، مع فوائد نقلتها، وفرائد لخَّصتها من كتب التفسير المصنَّفة، فى سائر علومه المؤلَّفة، ولم أجعل لنفسى تصرفاً سوى النقل والانتخاب، مجتنباً حد التطويل والإسهاب، وحذفتُ منه الإسناد لأنه أقرب إلى تحصيل المراد، فما أوردتُ فيه من الأحاديث النبوية والأخبار المصطفوية، على تفسير آية أو بيان حكم - فإن الكتاب يُطلب بيانه من السُّنَّة، وعليها مدار الشرع وأحكام الدين - عزوتُه إلى مخرجه، وبيَّنتُ اسم ناقله، وجعلتُ عوض كل اسم حرفاً يُعرف به، ليهون على الطالب طلبه. فما كان من صحيح أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى فعلامته قبل ذكر الصحابى الراوى للحديث (خ) . وما كان من صحيح أبى الحسين مسلم ابن الحجاج
النيسابورى فعلامته (م) . وما كان مما اتفقا عليه فعلامته (ق) . وما كان من كتب السنن، كسنن أبى داود، والترمذى، والنسائى فإنى أذكر اسمه بغير علامة. وما لم أجده فى هذه الكتب ووجدت البغوى قد أخرجه بسند له انفرد به. قلت: روى البغوى بسنده، وما رواه البغوى بإسناد الثعلبى قلت: روى البغوى بإسناد الثعلبى. وما كان فيه من أحاديث زائدة وألفاظ متغيرة فأعتمده، فإنى اجتهدت فى تصحيح ما أخرجته من
الكتب المعتبرة عند العلماء كالجمع بين الصحيحين للحميدى، وكتاب جامع الأصول لابن الأثير الجزرى، ثم إنى عوَّضتُ عن حذف الإسناد شرح غريب الحديث وما يتعلق به. ليكون أكمل فائدة فى هذا الكتاب، وأسهل على الطُلاب، وسقته بأبلغ ما قدرتُ عليه من الإيجاز وحسن الترتيب، مع التسهيل والتقريب. وينبغى لكل مؤلف كتاباً فى فن قد سُبق إليه، أن لا يخلو كتابه من خمس فوائد: استنباط شئ إن كان معضلاً. أو جمعه إن كان متفرقاً. أو شرحه إن كان غامضاً. أو حُسْن نظم وتأليف. أو إسقاط حشو وتطويل، وأرجو أن لا يخلو هذا الكتاب عن هذه الخصال التى ذكرت. وسمَّيته:"لُباب التأويل فى معانى التنزيل".
ثم قدَّم الخازن لتفسيره بخمسة فصول - الفصل الأول: فى فصل القرآن وتلاوته وتعليمه. الفصل الثانى: فى وعيد مَن قال فى القرآن برأيه من غير علم، ووعيد مَن أوتى القرآن فنسيه ولم يتعهده. الفصل الثالث: فى جمع القرآن وترتيب نزوله، وفى كونه نزل على سبعة أحرف. الفصل الرابع: فى كون القرآن نزل على سبعة أحرف وما قيل فى ذلك. الفصل الخامس: فى معنى التفسير والتأويل. ثم ابتدأ بعد ذلك فى التفسير.
* توسعه فى ذكر الإسرائيليات:
وقد قرأت فى هذا التفسير كثيراً فوجدته يتوسع فى ذكر القصص الإسرائيلى وكثيراً ما ينقل ما جاء من ذلك عن بعض التفاسير التى تعنى بهذه الناحية كتفسير الثعلبى وغيره، وهو فى الغالب لا يُعَقِّب على ما يذكر من القَصص الإسرائيلى، ولا ينظر إليه بعين الناقد البصير، وإن كان فى بعض المواضيع لا يترك القصة تمر بدون أن يُبَيِّن لنا ضعفها أو كذبها، ولكن على ندرة.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى سورة [ص] : {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب
…
... .} الآيات إلى قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [21-24] نراه يسوق قَصصاً أشبه ما يكون بالخرافة كقصة الشيطان الذى تمثَّل لداود فى صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، وجناحاها من الدُّر والزبرجد، فطارت ثم وقعت بين رجليه وألهته عن صلاته، وقصة المرأة التى وقع بصره عليها فأعجبه جمالها فاحتال على زوجها حتى قُتِل رجاء أن تسلم له هذه المرأة التى فُتِنَ بها وشُغِفَ بحبها، وغير ذلك من الروايات العجيبة الغريبة، ولكنه يأتى بعد كل هذا فيقول: "فصل فى تنزيه داود عليه الصلاة والسلام عما لا يليق به ويُنسب
إليه" ويُفَنِّد فى هذا الفصل كل ما ذكره مما يتنافى مع عصمة نبى الله داود عليه السلام.
ولكنَّا نرى الخازن يمر بقصص كثيرة لا يُعقِّب عليها، مع أن بعضها غاية فى الغرابة، وبعضها مما يخل بمقام النبوَّة.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [10] من سورة الكهف: {إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف} .. الآية، نراه يذكر قصة أصحاب الكهف، وسبب خروجهم إليه عن محمد بن إسحاق ومحمد بن يسار، وهى غاية فى الطول والغرابة ومع ذلك فهو يذكرها ولا يُعَقِّب عليها بلفظ واحد.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [83، 84] من سورة الأنبياء: {وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين * فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وذكرى لِلْعَابِدِينَ} .. نراه يروى فى حق أيوب عليه السلام، قصة طويلة جداً عن وَهب بن منبَّه، وهى مما لا يكاد يقرها الشرع أو يُصدِّقها العقل، لما فيها من المنافاة لمقام النبوَّة، ومع ذلك، فهو يذكر هذه القصة ويمر عليها بدون أن يُعَقِّب عليها بأية كلمة.
* *
* عنايته بالأخبار التاريخية:
كذلك نلاحظ على هذا التفسير أنه يفيض فى ذكر الغزوات التى كانت على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأشار إليها القرآن.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [9] من سورة الأحزاب: {ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} نراه بعد أن يفرغ من التفسير يقول: "ذكر غزوة الخندق وهى الأحزاب" ثم يذكر وقائع الغزوة وما جرى فيها باستفاضة وتوسع.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [27] من سورة الأحزاب أيضاً: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} .. نراه يستطرد إلى ذكر غزوة بنى قريظة، بتوسع ظاهر، وتفصيل تام.
* *
* عنايته بالناحية الفقهية:
كذلك نجد هذا التفسير يعنى جد العناية بالناحية الفقهية، فإذا تكلَّم
عن آية من آيات الأحكام، استطرد إلى مذاهب الفقهاء وأدلَّتهم، وأقحم فى التفسير فروعاً فقهية كثيرة، قد لا تهم المفسِّر بوصف كونه مفسِّراً فى قليل ولا كثير.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية (226) من سورة البقرة: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} نراه بعد أن ينتهى من التفسير يقول: "فروع تتعلق بحكم الآية" ثم يذكر خمسة فروع - الفرع الأول: فى حكم ما إذا حف أنه لا يقرب زوجته أبداً أو مدة هى أكثر من أربعة أشهر، والثانى: فى حكم ما لو حلف ألا يطأها أقل من أربعة أشهر، والثالث: فى حكم ما لو حلف ألا يطأها أربعة أشهر، والرابع: فى مدة الإيلاء فى حق الحر والعبد واختلاف المذاهب فى ذلك، والخامس: فيما إذا خرج من الإيلاء بالوطء، فهل تجب عليه كفَّارة أو لا تجب.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [228] من سورة البقرة: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرواء} .. الآية، نراه يعرض لمذهب الحنفية ومذهب الشافعية فيما تنقضى به عِدَّة الحائض.. ثم يقول:"فصل فى أحكم العِدَّة، وفيه مسائل" فيذكر أربع مسائل، يتكلم فى المسألة الأولى منها: عن عِدَّة الحوامل، وفى الثانية: عن عِدَّة المتوفى عنها زوجها، وفى الثالثة: عن عِدَّة المطلِّقة المدخول بها، وفى الرابعة: عن عِدَّة الإماء..
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [229] من سورة البقرة: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} .. الآية، نجده يقول:"فصل فى حكم الخُلْع، وفيه مسائل" ويذكر ثلاث مسائل؛ المسألة الأولى: فيما يُباح من أجله الخُلْع، والثانية: فى جواز الخُلْع بأكثر مما أعطاها وعدم جوازه، الثالثة: فى اختلاف العلماء فى الخُلْع هل هو فسخ أو طلاق؟.
ومثلاً عند تفسيره لآية الظَهَار التِى فى أول سورة المجادلة نراه يسوق فصلاً فى أحكام الكفَّارة، وما يتعلق بالظَهَار، ويورد فيه ثمانى مسائل لا نطيل بذكرها.
* *
* عنايته بالمواعظ:
ثم إنَّ هذا التفسير كثيراً ما يتعرض للمواعظ والرقاق، ويسوق أحاديث الترغيب والترهيب، ولعل نزعة الخازن الصوفية هى التى أثَّرت فيه فجعلته يعنى بهذه الناحية ويستطرد إليها عند المناسبات.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [16] من سورة السجدة: {تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع} .. الآية؛ نراه يقول بعد الانتهاء من التفسير: "فصل فى فضل
قيام الليل والحث عليه".. ثم يسوق فى ذلك أحاديث كثيرة عن النبى صلى الله عليه وسلم كلها تدور على البخارى ومسلم والترمذى.
وهكذا نجد هذا التفسير يطرق موضوعات كثيرة فى نواح من العلم مختلفة. ولكن شُهْرته القَصصية، وسُمْعه الإسرائيلية، أساءت إليه كثيراً، وكادت تصد الناس عن الرجوع إليه والتعويل عليه!!. ولعل الله يهيئ لهذا الكتاب مَنْ يُعَلِّق عليه بتعليقات توضح غَثَّهُ مِنْ سَمِينه، وتستخلص صحيحه مِنْ سقيمه. والكتاب مطبوع فى سبعة أجزاء متوسطة الحجم، وهو متداوَل بين الناس، خصوصاً مَنْ له شغف بالقَصص وولوع بالأخبار.
* * *
5 -
البحر المحيط (لأبى حيان)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو أثير الدين، أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن علىّ بن يوسف بن حيان، الأندلسى، الغرناطى، الحيَّانى، الشهير بأبى حيَّان، المولود سنة 654 هـ (أربع وخمسين وستمائة من الهجرة) .
كان رحمه الله مُلِّماً بالقراءات صحيحها وشاذها، قرأ القرآن على الخطيب عبد الحق بن علىّ إفراداً وجمعاً، ثم على الخطيب أبى جعفر ابن الطباع، ثم على الحافظ أبى علىّ بن أبى الأحوص بمالقة، وسمع الكثير من العلماء ببلاد الأندلس وإفريقية، ثم قَدِمَ الإسكندرية فقرأ القراءات على عبد النصير بن علىّ المريوطى، وبمصر على أَبى طاهر إسماعيل بن عبد الله المليجى، ولازم بها الشيخ بهاء الدين بن النحاس، فسمع عليه كثيراً من كتب الأدب. قال أبو حيان:"وعدة مَن أخذتُ عنه أربعمائة وخمسون شخصاً، وأما مَنْ أجازتى فكثير جداً" وقال الصفدى: "لم أره قط إلا يسمع، أو يشتغل، أو يكتب، أو ينظر فى كتاب، ولم أره على غير ذلك".
كذلك عُرِف أبو حيان، بكثرة نظمه للأشعار والموشحات، كما كان على جانب كبير من المعرفة باللغة، أما النحو والتصريف فهو الإمام المطلق فيهما، خدم هذا الفن أكثر عمره، حتى صار لا يُذكر أحد فى أقطار الأرض فيهما غيره، وبجانب هذا كله كان لأبى حيان اليد الطولى فى التفسير، والحديث، وتراجم الرجال، ومعرفة طبقاتهم، خصوصاً المغاربة.
ولقد أخذ كثير عنه العلم حتى صار من تلامذته أئمة وأشياخ فى حياته، وهو الذى جَسَّر الناس على كتب ابن مالك ورَغَّبتهم فيها وشرح لهم غامضها. وأما مؤلفاته فكثيرة، انتشرت فى حياته وبعد وفاته فى كثير من أقطار الأرض وتلقاها الناس
بالقبول، ومن أهمها: تفسير البحر المحيط الذى نحن بصدده الآن، وغريب القرآن فى مجلد واحد، وشرح التسهيل، ونهاية الإعراب، وخلاصة البيان، وله منظومة على وزن الشاطبية فى القراءات بغير رموز، وهي أخصر وأكثر فوائد، ولكنها لم تُرزق من القبول حظ الشاطبية هذا، وقد قيل: إن أبا حيان كان ظاهرى المذهب، ثم رجع عنه وتبع الشافعى على مذهبه، وكان عرياً من الفلسفة، بريئاً من الاعتزال والتجسيم، متمسكاً بطريقة السَلَف. أما وفاته فكانت بمصر سنة 745 هـ (خمس وأربعين وسبعمائة من الهجرة) ، فرحمه الله ورضى عنه.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
يقع هذا التفسير فى ثمان مجلدات كبار، وهو مطبوع ومتداول بين أهل العلم. ومعتبر عندهم المرجع الأول والأهم لمن يريد أن يقف على وجوه الإعراب الألفاظ القرآن الكريم، إذ أن الناحية النحوية هى أبرز ما فيه من البحوث التى تدور حول آيات الكتاب العزيز، والمؤلف إذ يتكلم عن هذه الناحية، فهو ابن بجدتها، وفارس حلبتها، غير أنه - والحق يقال - قد أكثر من مسائل النحو فى كتابه، مع توسعه فى مسائل الخلاف بين النحويين، حتى أصبح الكتاب أقرب ما يكون إلى كتب النحو منه إلى كتب التفسير.
هذا.. وإن أبا حيان وإن غلبت عليه الصناعة النحوية فى تفسيره إلا أنه مع ذلك لم يُهمل ما عداها من النواحى التى لها اتصال بالتفسير، فنراه يتكلم على المعانى اللغوية للمفردات، ويذكر أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والقراءات الواردة مع توجيهها، كما أنه لا يغفل الناحية البلاغية فى القرآن، ولا يهمل الأحكام الفقهية عندما يمر بآيات الأحكام، مع ذكره لما جاء عن السلف ومن تقدمه من الخلف فى ذلك، كل هذا على طريقة وضعها لنفسه، ومشى عليها فى كتابه، ونبهنا عليها فى مقدمته، وذلك حيث يقول:
"وترتيبى فى هذا الكتاب، أنى أبتدئ أولاً بالكلام على مفردات الآية التى أفسرها لفظة لفظة، فيما يحتاج إليه من اللغة والأحكام النحوية التى لتلك اللفظة قبل التركيب، وإذا كان للكلمة معنيان أو معان ذكرتُ ذلك فى أول موضع فيه تلك الكلمة، ليُنظر ما يناسب لها من تلك المعانى فى كل موضع تقع فيه فيْحمل عليه، ثم أشرع فى تفسير الآية ذاكراً سبب نزولها إذا كان لها سبب، ونسخها، ومناسبتها، وارتباطها بما قبلها، حاشداً فيها القراءات، شاذها ومستعملها. ذاكراً توجيه ذلك فى علم العربية، ناقلاً أقاويل السَلَف والخلَف فى فهم معانيها، متكلماً
على جليها وخفيها، بحيث أنى لا أغادر منها كلمة وإن اشتهرت حتى أتكلم عليها، مبدياً ما فيها من غوامض الإعراب، ودقائق الآداب، من بديع وبيان، مجتهداً أنى لا أكرر الكلام فى لفظ سبق، ولا فى جملة تقدَّم الكلام عليها، ولا فى آية فُسِّرت، بل أذكر فى كثير منها الحوالة على الموضع الذى تُكلِّم فيه على تلك اللفظة أو الجملة أو الآية، وإن عرض تكرير فبمزيد فائدة، ناقلاً أقاويل الفقهاء الأربعة وغيرهم فى الأحكام الشرعية مما فيه تعلق باللفظ القرآنى، مُحيلاً على الدلائل التى فى كتب الفقه، وكذلك ما نذكره من القواعد النحوية أحيل فى تقريرها والاستدلال عليها على كتب النحو، وربما أذكر الدليل إذا كان الحكم غريباً أو خلاف مشهور ما قال معظم الناس، بادئاً بمقتضى الدليل وما دَلَّ عليه ظاهر اللفظ مرجِّحاً له لذلك، ما لم يصد عن الظاهر ما يجب إخراجه به عنه متنكباً فى الإعراب عن الوجوه التى تنزّه القرآن عنها، مبيِّناً أنها مما يجب أن يُعدل عنه، وأنه ينبغى أن يُحمل على أحسن إعراب وأحسن تركيب، إذ كلام الله تعالى أفصح الكلام، فلا يجوز فيه جميع ما يُجوِّزه النحاة فى شعر الشماخ والطرماح وغيرهما من سلوك التقادير البعيدة، والتراكيب القلقة، والمجازات المعقَّدة، ثم أختتم فى جملة من الآيات التى فسّرتُها إفراداً وتركيباً بما ذكروا فيها من علم البيان والبديع ملخصاً، ثم أتبع آخر الآيات بكلام منثور، أشرح به مضمون تلك الآيات على ما أختاره من تلك المعانى، ملخصاً جملها أحسن تلخيص، وقد ينجر معها ذكر معان لم
تتقدم فى التفسير، وصار ذلك أنموذجاً لمن يريد أن يسلك ذلك فيما بقى من سائر القرآن، وستقف على هذا المنهج الذى سلكته إن شاء الله تعالى، وربما ألممت بشئ من كلام الصوفية بما فيه بعض مناسبة لمدلول اللفظ، وتجنبت كثيراً من أقاويلهم ومعانيهم التى يُحَمِّلونها الألفاظ وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها فى اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل.. ".
هذا.. وإن أبا حيان - رحمه الله تعالى - ينقل فى تفسيره كثيراً من تفسير الزمخشرى، وتفسير ابن عطية، خصوصاً ما كان من مسائل النحو ووجوه الإعراب، كما أنه يتعقبهما كثيراً بالرد والتفنيد لما قالاه فى مسائل النحو على الخصوص،
ولكثرة هذا التعقيب منه على كلام الزمخشرى وابن عطية تجد تلميذه تاج الدين أحمد بن عبد القادر (بن أحمد) بن مكتوم المتوفى سنة 749 هـ (تسع وأربعين وسبعمائة من الهجرة) يختصر هذا التفسير فى كتاب سمَّاه: "الدُّرّ اللقيط من البحر المحيط" يكاد يقتصر فيه على مباحثه مع ابن عطية والزمخشرى ورده عليها وهذا المختصر تُوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة الأزهر، كما أنه مطبوع على هامش البحر المحيط.
كذلك نجد الشيخ يحيى الشاوى المغربى يفرد مؤلفاً عنوانه: "بين أبى حيان والزمخشرى" يجمع فيه اعتراضات أبى حيان على الزمخشرى وهو مخطوط فى مجلد كبير بالمكتبة الأزهرية.
وكثيراً ما يحمل أبو حيان على الزمخشرى حملات ساخرة قاسية من أجل آرائه الاعتزالية (جـ2 ص276، جـ7 ص85) ، ومع ذلك نجده يشيد بما للزمخشرى من مهارة فائقة فى تجلية بلاغة القرآن وقوة بيانه. حيث يصفه بأنه أوتى من علم القرآن أوفر حظ، وجمع بين اختراع المعنى وبراعة اللفظ (جـ7 ص85) .
هذا.. وإن أبا حيان يعتمد فى أكثر نقول كتابه هذا - كما يقول - "على كتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير، من جمع شيخه الصالح، القدوة، الأديب، جمال الدين أبى عبد الله، محمد بن سليمان بن حسن ابن حسين المقدسى، المعروف بابن النقيب، رحمه الله. إذ هو أكبر كتاب صُنِّف فى علم التفسير، يبلغ فى العدد مائة سِفْرٍ أو يكاد".
ونهاية القول، فإن أبا حيان قد غلبت عليه فى تفسيره الناحية التى برز فيها وبرع فيها وهى الناحية النحوية التى طغت على ما عداها من نواحى التفسير.
* * *
6 -
غرائب القرآن ورغائب الفرقان (للنيسابورى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلِّف هذا التفسير، هو الإمام الشهير، والعلَاّمة الخطير، نظام الدين ابن الحسن بن محمد بن الحسين، الخراسانى، النيسابورى، المعروف بالنظام الأعرج. أصله وموطن أهله وعشيرته مدينة "قُم"، وكان منشؤه وموطنه بديار نيسابور. كان رحمه الله من
أساطين العلم بنيسابور، مُلِّماً بالعلوم العقلية، جامعاً لفنون اللغة العربية، له القدم الراسخ فى صناعة الإنشاء، والمعرفة الوافرة بعلم التأويل والتفسير.
وهو معدود فى عِداد كبار الحفَّاظ والمقرئين، وكان مع هذه الشهرة العلمية الواسعة على جانب كبير من الورع والتقوى، وعلى مبلغ عظيم من الزهد والتصوف، ويظهر أثر ذلك واضحاً جلياً فى تفسيره الذى أودع فيه مواجيده الروحية، وفيوضاته الربانية، ولقد خَلَّف رحمه الله للناس كتبا مفيدة نافعة، ومصنَّفات فريدة واسعة، فمن ذلك شرحه على متن الشافية فى فن الصرف للإمام ابن الحاجب، وهو معروف بشرح النظام، وشرحه على تذكرة الخواجة نصير المِلَّة والدين الطوسى فى علم الهيأة، وهو المسمى بتوضيح التذكرة، ورسائل فى علم الحساب، وكتاب فى أوقات القرآن على حذو ما كتبه السجاوندى المشهور، وأهم مصنَّفاته تفسيره لكتاب الله تعالى المعروف بـ "غرائب القرآن ورغائب الفرقان"، وهو ما نحن بصدده الآن، وله مجلد آخر فى لب التأويل نظير تأويلات المولى عبد الرزاق القاشانى.
أما تاريخ وفاته، فلم نعثر عليه فى الكتب التى بين أيدينا، وكل ما عثرنا عليه هو قول صاحب روضات الجنَّات:"إنه كان من علماء رأس المائة التاسعة، على قرب من درجة السيد الشريف، والمولى جلال الدين الدوانى، وابن حجر العسقلانى، وقرنائهم الكثيرين من علماء الجمهور، وتاريخ إنهاء مجلدات تفسيره المذكور، صادفت حدود ما بعد الثمانمائة والخمسين من الهجرة" قال: "ويوجد أيضاً بالبال نسبة التشيع إليه فى بعض مصنفات الأصحاب".
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
اختصر النيسابورى تفسيره هذا من التفسير الكبير للفخر الرازى، وضم إلى ذلك بعض ما جاء فى الكشاف وغيره من التفاسير، وما فتح الله به عليه من الفهم لحكم كتابه، وضمَّنه ما ثبت لديه من تفاسير سَلَف هذه الأُمَّة من الصحابة والتابعين.
* *
*
موقفه من الزمخشرى والفخر الرازى:
وهو إذ يختصر كلام الفخر الرازى، أو يقتبس من تفسير الكشاف أو غيره، لا يقف عند النص وقوف مَنْ يجمد عند النصوص ويرى أنها ضربة لازب عليه فلا يعترض ولا يتصرف، بل نجده حراً فى تفكيره، متصرفاً فيما يختصر أو يقتبس، فإن وجد فساداً نَبَّه عليه وأصلحه، وإن رأى نقصاً تداركه فأتمه وأكمله.
وكثيراً ما نجده ينقل عن الكشاف فيقول: قال فى الكشاف كذا وكذا، أو قال جار الله كذا وكذا، وقد ينقل ما ذكره صاحب الكشاف وما اعترض به عليه الفخر الرازى ثم ينصب نفسه حَكَماً بين الإمامين، ويبدى رأيه على حسب ما يظهر له.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [67] من سورة الزمر: {والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة} .. يقول ما نصه: "قال جار الله: الغرض من هذا الكلام - إذا أخذته كما هو بجملته - تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله، من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز، وكذلك حكم ما يُروى عن عبد الله بن مسعود: أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم؛ إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً مما قال، وأنزل الله الآية تصديقاً له. قال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك، ولا إصبع، ولا هز، ولا شئ من ذلك، ولكن فهمه وقع أول شئ وآخره على الزُبْدة والخلاصة، التى هى الدلالة على القدرة الباهرة. وأن الأفعال العظام التى لا تكتنهها الأوهام هيِّنة عليه.. ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً، واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازى: بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته، لأنه هل يسلم أن الأصل فى الكلام حمله على حقيقته أم لا؟ وعلى الثانى يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حُجَّة، فإن الكل أحد حينئذ أن يؤول الآية بما يشاء، وعلى الأول - وهو الذى عليه الجمهور - يلزم بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلانى على معناه الحقيقى لتعين المصير إلى التأويل، ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففى هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل، ولا تأويل إلا أن يُقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره، كما يقال: فلان فى قبضة فلان. وقال تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} ويقال: هذه الدار فى يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.
وأنا أقول: هذا الذى ذكره الإمام طريق أصولى، والذى ذكره جار الله طريق بيانى. وإنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينها، ولا يرد اعتراض الإمام تشنيعه، وقد مرَّ لنا فى هذا الكتاب الأصل الذى كان يعمل به السَلَف فى باب المتشابهات فى مواضع، فتذكر".
* *
* منهجه فى التفسير:
ثم إننا نجد الإمام النيسابورى، قد سلك فى تفسيره مسلكاً قد يكون منفرداً به من بين المفسِّرين، ذلك أنه يذكر الآيات القرآنية أولاً، ثم يذكر القراءات، مع التزامه ألا يذكر ما كان منها منسوباً إلى الأئمة العشرة، وإضافة كل قراءة إلى صاحبها الذى تُنسب إليه، ثم بعد ذلك يذكر الوقوف مع التعليل لكل وقف منها، ثم بعد ذلك يشرع فى التفسير، مبتدئاً بذكر المناسبة وربط اللاحق بالسابق مع عناية كبيرة بذلك سرت إليه من التفسير الكبير للفخر الرازى، ثم بعد ذلك يبين معانى الآيات بأسلوب بديع، يشتمل على إبراز المقدرات، وإظهار المضمرات، وتأويل المتشابهات، وتصريح الكنايات، وتحقيق المجاز والاستعارات، وتفصيل المذاهب الفقهية، مع توجيه أدلة كل مذهب وما حُمِلت عليه الآية القرآنية، لتكون مؤيدة لمذهب من المذاهب، أو غير متعارضة معه ولا منافية له.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [38] من سورة المائدة: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} نجده يقول: "واعلم أن الكلام فى السرقة، يتعلق بأطراف المسروق، ونفس السرقة، والسارق".. ثم يمضى فيتكلم عن هذه النواحى الثلاث من الناحية الفقهية، بتفصيل واسع وتوجيه للأدلة.
* *
* خوضه فى المسائل الكلامية:
كذلك نجده يخوض فى المسائل الكلامية، فيذكر مذهب أهل السُّنَّة ومذهب غيرهم، مع ذكره لأدلة كل مذهب، وانتصاره لمذهب أهل السُّنَّة وتأييده له، وردّ ما يرد عليه من جانب المخالفين.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [25] من سورة الأنعام: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وفي آذَانِهِمْ وَقْراً}
…
الآية، تجده يقول: "وفى الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذى يصرف عن الإيمان، ويحول بين المرء وبين قلبه، وقالت المعتزلة: لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، وإلا كان حُجَّة للكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز، ولم يتوجه ذمهم فى قولهم:{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، [البقرة: 88] فلا بد من التأويل. وذلك من وجوه.. ثم ساق
خمسة أوجه للمعتزلة، وبعد أن فرغ منها تعقبها بالرد عليها، تفنيداً لمذهب المعتزلة، وتصحيحاً لمذهب أهل السُّنَّة.
* *
*خوضه فى المسائل الكونية والفلسفية:
كذلك إذا مرّ النيسابورى على آية من الآيات الكونية فإنه لا يمر عليها بدون أن يخوض بأسرار الكون وكلام الطبيعيين والفلاسفة.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [189] من سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة} نراه يذكر سبب نزول الآية، ثم يبين الحكمة التى أرادها الله من وراء جوابه لهم على غير مقصودهم، وهنا يتعرض للسبب الذى من أجله يبدو الهلال دقيقاً ثم يزيد شيئاً فشيئاً حتى يصير بدراً، ثم يأخذ فى النقصان إلى أن يعود كما بدأ.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [42] من سورة الزمر: {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا} .. الآية، يقول ما نصه:"وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نورانى، إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه فى جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها، وهو الحياة واليقظة، وأما فى وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التى بها النفس وعمل القوى البدنية فى الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت".
وهذا المسلك الذى سلكه النيسابورى فى الكونيات والآراء الفلسفية. ليس هو فى الواقع إلا صدى لما جاء فى تفسير الفخر الرازى الذى لخَّص منه تفسيره. وإن كان النيسابورى ليس بوقاً للرازى فى كل ما يقول بل كثيراً ما يستدرك عليه ولا يرتضى قوله.
فمثلاً نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [1، 2] من سورة الانفطار: {إِذَا السمآء انفطرت * وَإِذَا الكواكب انتثرت} يقول ما نصه: "وفيه - يعنى فى قوله تعالى {إِذَا السمآء انفطرت} ، وكذا فى قوله:{وَإِذَا الكواكب انتثرت} - إبطال قول من زعم أن الفلكيات لا تنخرق، أما الدليل المعقول الذى ذكره الإمام فخر الدين الرازى فى تفسيره، وهو أن الأجسام متماثلة فى الجسمية. فيصح على كل واحد منهما ما يصح على الباقى، لكن السفليات يصح عليها الانخراق، فيصح على العلويات
أيضاً، فغير مفيد ولا مقنع، لأن الخصم لو سلَّم الصحة فله أن ينازع فى الوقوع لمانع، كالصورة الفلكية وغيرها".
* *
* النزعة الصوفية فى تفيسر النيسابورى:
ثم إن النيسابورى بعد أن يفرغ من تفسير الآية يتكلم عن التأويل، والتأويل الذى يتكلم عنه هو عبارة عن التفسيرات الإشارية للآيات القرآنية التى يفتح الله بها على عقول أهل الحقيقة من المتصوِّفة، والنيسابورى رحمه الله كان صوفياً كبيراً، أفاض من روحه الصوفية الصافية على تفسيره، فنراه لذلك يستطرد أثناء التفسير إلى كثير من المواعظ والمبكيات. والحكم والغاليات، كما نراه فى تأويله الإشارى يمثل الفلسفة التصوفية بأعلى أنواعها.
* *
* ليس فى تفسير النيسابورى ما يدل على تشيعه:
وعلى كثرة ما قرأت فى هذا التفسير لم أقع على نص منه يدل على تشيع مؤلفه، وكل ما وقعت عليه، أنه قال فى خاتمة تفسيره (جـ30 ص228) :"وإنى أرجو فضل الله العظيم، وأتوسل إليه بوجهه الكريم، ثم بنبيه القرشى الأبطحى ووليه المعظم العلى.. إلخ" وهذه الجملة الأخيرة: "ووليه المعظم العلى" وإن كانت اعترافاً منه بولاية علىّ رضى الله عنه، ليست دليلاً قاطعاً على تشيعه، بل نجد النيسابورى على العكس من ذلك يعترف فى نفس خاتمة تفسيره (جـ30 ص224) بأنه لم يمل فى تفسيره إلا إلى مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وإذا رجعت إلى تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [54، 55] من سورة المائدة: {ياأيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} .. إلخ (جـ6 ص195 وما بعدها) لوجدته يرد على الشيعة استدلالهم بهاتين الآيتين على ولاية علىّ رضى الله عنه وأنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ما ذكره تلخيصاً لما قال الفخر الرازى فى تفسيره.
وهنا - وبعد ما ذكرت - أرى لزاماً علىَّ أن أذكر كلام النيسابورى الذى أوضح فيه مسلكه فى تفسيره ومنهجه الذى نهجه فيه، فإن صاحب البيت أعرف به وأدرى بما فيه.
قال رحمه الله فى مقدمة تفسيره ما نصه: "وإذا وفَّقنى الله تعالى لتحريك القلم فى أكثر الفنون المنقولة والمعقولة - كما اشتهر بحمد الله تعالى ومنه فيما بين أهل الزمان - وكان علم التفسير من العلوم بمنزلة الإنسان من العين والعين من الإنسان، وكان قد رزقنى الله تعالى من إبَّان الصبا وعنفوان الشباب، حفظ لفظ القرآن وفهم
معنى الفرقان، وطالما طالبنى بعض أجِلَّةُ الإخوان، وأعِزَّة الأخدان ممن كنت مشاراً إليه عندهم بالبنان فى البيان - والله المنَّان يجازيهم عن حسن ظنونهم، ويوفقنا لإسعاف سؤلهم، وإنجاح مطلوبهم - أن أجمع كتاباً فى علم التفسير، مشتملاً على المهمات، منبئاً عما وقع إلينا من نقل الإثبات، وأقوال الثقات من الصحابة والتابعين، ثم من العلماء الراسخين، والفضلاء المحققين، المتقدمين والمتأخرين - جعل الله تعالى سعيهم مشكوراً، وعملهم مبروراً - فاستعنتُ بالمعبود، وشرعتُ فى المقصود، معترفاً بالعجز والقصور فى هذا الفن، وفى سائر الفنون لا كمن هو بابنه مفتون، كيف وقد قال عَزَّ مِنْ قائل:{وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلَاّ قَلِيلاً} ، ومَن أصدق من الله قيلاً، وكفى بالله ولياً، وكفى بالله وكيلاً.
ولما كان التفسير الكبير المنسوب إلى الإمام الأفضل، والهمام الأمثل، والحَبْر النِحْرير، والبحر الغزير، الجامع بين المعقول والمنقول، الفائز بالفروع والأصول، أفضل المتأخرين، فخر المِلَّة والحق والدين، محمد بن عمر ابن الحسين الخطيب الرازى، تغمَّده الله برضوانه وأسكنه بحبوبة جِنانه، اسمه مطابق لمسماه وفيه من اللطائف والبحوث ما لا يُحصى، ومن الزوائد والفتوى ما لا يُخفى، فإنه قد بذل مجهوده، ونثل موجوده، حتى عَسَّرَ كتبه على الطالبين، وأْعَّوَز تحصيله على الراغبين، فحاذيتُ سياق مرامه، وأوردتُ حاصل كلامه، وقرَّبتُ مسالك أقدامه، والتقطتُ عقود نظامه، من غير إخلال بشئ من الفوائد. وإهمال لما يُعَد من اللطائف والفرائد، وضممتُ إليه ما وجدتُ فى الكشاف وفى سائر التفاسير من اللطائف المهمات، أو رزقنى الله تعالى من البضاعة المزجاة، وأثبت القراءات المعتبرات والوقوف المعللات، ثم التفسير المشتمل على المباحث اللفظيات، والمعنويات مع إصلاح ما يجب إصلاحه وإتمام ما ينبغى إتمامه من المسائل الموردة فى التفسير الكبير والاعتراضات، ومع كل ما يُوجد فى الكشاف من المواضع المعضلات، سوى الأبيات المعقدات، فإن ذلك يوردها مَنْ ظن أن تصحيح القراءات وغرائب القرآن، إنما يكون بالأمثال والمستشهدات، كلَاّ فإن القرآن حُجَّة على غيره وليس غيره حُجَّة عليه، فلا علينا أن نقتصر فى غرائب القرآن على تفسيرها بالألفاظ المشتهرات، وعلى إيراد بعض المتجانسات التى نعرف منها أصول الاشتقاقات، وذكرتُ طرفاً من الإشارات المقنعات، والتأويلات الممكنات، والحكايات المبكيات، والمواعظ الرادعة عن المنهيات، الباعثة على أداء الواجبات، والتزمتُ إيراد لفظ القرآن الكريم أولاً، مع ترجمته على وجه بديع، وطريق منيع، يشتمل على إبراز المقدرات، وإظهار المضمرات، وتأويل المتشابهات، وتصريح الكنايات، وتحقيق المجازات والاستعارات، فإن هذا النوع من الترجمة مما تُسكب فيه
العبرات، وترن المترحمون هنالك إلى العثرات، وقلَّما يفطن له الناشئ الواقف على متن اللغة العربية، فضلاً عن الدخيل الزحيل القاصر فى العلوم الأدبية، واجتهدتُ كل الاجتهاد، فى تسهيل سبيل الرشاد،
ووضعت الجميع على طرف التمام، ليكون الكتاب كالبدر التمام، وكالشمس فى إفادة الخاص والعام، من غير تطويل يُورث الملام، ولا تقصير يُوعر مسالك السالك ويبدد نظام الكلام، فخير الكلام ما قَلَّ ودَلَّ:"وحسبك من الزاد ما بلغك المحل".
وقال فى آخر تفسيره ما نصه: "وقد تضمن كتابى هذا حاصل التفسير الكبير، الجامع لأكثر التفاسير، وجُلَّ كتاب الكشاف الذى رُزِق له القبول من أساتذة الأطراف والأكتاف، واحتوى على ذلك على النكت المستحسنة الغريبة، والتأويلات المحكمة العجيبة، مما لم يوجد فى سائر تفاسير الأصحاب، أو وُجِدَت متفرقة الأسباب، أو مجموعة طويلة الذيول والأذناب.
أما الأحاديث، فإما من الكتب المشهورة، كجامع الأصول، والمصابيح وغيرها، وإما من كتاب الكشاف والتفسير الكبير ونحوهما، إلا الأحاديث الموردة فى الكشاف فى فضائل السور، فإنَّا قد أسقطناها لأن النقد زَيَّفها إلا ما شَذَّ منها.
وأما الوقوف فللإمام السجاوندى، مع اختصار لبعض تعليلات، وإثبات للآيات لتوقفها على التوقيف.
وأما أسباب النزول، فمن كتاب جامع الأصول، والتفسيرين، أو من تفسير الواحدى.
وأما اللغة، فمن صحاح الجوهرى، ومن التفسيرين كما نُقلا.
وأما المعانى والبيان وسائر المسائل الأدبية، فمن التفسيرين، والمفتاح، وسائر الكتب العربية.
وأما الأحكام الشرعية، فمنهما، ومن الكتب المعتبرة فى الفقه، ولا سيما شرح الوجيز للإمام الرافعى.
وأما التآويل، فأكثرها للشيخ المحقق، المتقى المتقن نجم المِلَّة والدين المعروف بـ "داية" قُدِّس نفسه ورُوِّح رمسه، وطرف منها مما دار بخلدى، وسمحت به ذات يدى غير جازم بأنه المراد من الآية، بل خائف من أن يكون ذلك جرأة منى وخصوصاً فيما لا
يعنينى، وإنما شجعنى على ذلك سائر الأئمة الذين اشتهروا بالذوق والوجدان، وجمعوا بين العرفان والإيمان، والإتقان فى معنى القرآن، الذى هو باب واسع، يطمع فى تصنيفه كل طامع، فإن أصبتُ فبها، وإن أخطأتُ فعلى الإمام ما سها، والعذر مقبول عند أهل الكرم والنهى، والله المستعان لنا ولهم فى مظان الخلل والزلل، وعلى رحمته التكلان فى محال الخطأ والخطل، فعلى المرء أن يبذل وسعه لإدراك الحق، ثم الله معين لإرادة الصواب، ومعين لإلهام الصدق.
وكذا الكلام فى بيان الرباطات والمناسبات بين السور والآيات، وفى أنواع التكريرات وأصناف المشتبهات، فإن للخواطر والظنون فيها مجالاً، وللناس الأكياس فى استنباط الوجوه والنسب هناك مقالاً".
ثم مضى فقال: "وإنى لم أمل فى هذا الإملاء إلا إلى مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، فبيَّنتُ أصولهم، ووجوه استدلالاتهم بها، وما ورد عليها من الاعتراضات، والأجوبة عنها.
وأما فى الفروع، فذكرتُ استدلال كل طائفة بالآية على مذهبه، من غير تعصب ومراء وجدال وهراء"..
ثم مضى فقال: "ولقد وُفِّقتُ لإتمام هذا الكتاب فى مدة خلافة علىّ رضى الله عنه وكنا نُقَدِّر إتمامه فى مدة خلافة الخلفاء الراشدين وهى ثلاثون سنة، ولو لم يكن ما اتفق فى أثناء التفسير من وجود الأسفار الشاسعة، وعدم الأسفار النافعة، ومن غموم لا يُعد عديدها، وهموم لا يُنادَى وليدها - لكان يمكن إتمامه فى مدة خلافة أبى بكر، كما وقع لجار الله العلَاّمة".
هذا.. وقد نَوَّه صاحب روضات الجنَّات بمكانة هذا التفسير فقال: "وتفسيره - يريد النيسابورى - من أحسن شروح كتاب الله المجيد، وأجمعها للفوائد اللفظية والمعنوية، وأحوزها للفوائد القشرية واللُّبية، وهو قريب من تفسير مجمع البيان كمَّا وكيفاً، وسِمَة وترتيباً، بزيادة أحكام الأوقاف فى أوائل تفسير الآى، ومراتب التأويل فى آخره، والإشارة إلى جملة من دقائق نكات العربية فى البيِّن".
والكتاب مطبوع على هامش تفسير ابن جرير الطبرى ومتداوَل بين أهل العلم.
* * *
7 -
تفسير الجلالين لـ (جلال الدين المحلَّى) و (جلال الدين السيوطى)
* التعريف بمؤلفى هذا التفسير:
ألَّف هذا التفسير الإمامان الجليلان، جلا الدين المحلَّى، وجلال الدين السيوطى. أما جلال الدين السيوطى، فقد سبق التعريف به عند الكلام عن تفسيره المسمى بالدُّرِّ المنثور.
وأما جلال الدين المحلَّى، فهو جلال الدين، محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلَّى الشافعى، تفتازانى العرب، الإمام العلَاّمة. قال فى حسن المحاضرة:"ولد بمصر سنة 791 هـ (إحدى وتسعين وسبعمائة) ، واشتغل وبرع فى الفنون فقهاً، وكلاماً، وأُصولاً، ونحواً، ومنطقاً، وغيرها. وأخذ من البدر محمود الأقصرانى، والبرهان البيجورى، والشمس البساطى، والعلاء البخارى، وغيرهم، وكان علَاّمة آية فى الذكاء والفهم، حتى كان بعض أهل عصره يقول فيه: إن ذهنه يثقب الماس، وكان يقول عن نفسه: إن فهمه لا يقبل الخطأ، ولم يك يقدر على الحفظ".
وكان غُرَّة عصره فى سلوك طريق السَلَف، على مبلغ عظيم من الصلاح والورع، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، لا تأخذه فى الحق لومه لائم، فكان يواجه بالحق أكابر الظَلَمة والحُكَّام، وكانوا يأتون إليه فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم فى الدخول عليه، وكان حديد الطبع لا يراعى أحداً فى القول، وقد عُرِض عليه القضاء الأكبر فلم يقبله، وولى تدريس الفقه بالمؤيدية والبرقوقية، وسمع من جماعة، وكان مع هذا متقشفاً فى معيشته يتكسب بالتجارة، وقد ألَّف كتباً كثيرة تُشَد إليها الرِحَال، وهى غاية فى الاختصار، والتحرير والتنقيح، وسلامة العبارة وحسن المزج والحل، وقد أقبل الناس على مؤلفاته وتلقوها بالقبول، وتداولوها فى دراساتهم، فمن مؤلفاته: شرح جمع الجوامع فى الأصول، وشرح المنهاج فى فقه الشافعية، وشرح الورقات فى الأصول، ومنها هذا التفسير الذى نحن بصدده.
توفى رحمه الله فى أول يوم من سنة 864 هـ (أربع وستين وثمانمائة من الهجرة) .
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفيه فيه:
اشترك فى هذا التفسير - كما قلنا - الإمامان الجليلان، جلال الدين المحلَّى، وجلال الدين السيوطى.
أما جلال الدين المحلَّى، فقد ابتدأ تفسيره من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بتفسير الفاتحة، وبعد أن أتمها اخترمته المنية فلم يُفسِّر ما بعدها.
وأما جلال الدين السيوطى - فقد جاء بعد الجلال المحلَّى فكمَّل تفسيره، فابتدأ بتفسير سورة البقرة، وانتهى عند آخر سورة الإسراء، ووضع تفسير الفاتحة فى آخر تفسير الجلال المحلَّى لتكون ملحقة به.
هذا هو الواقع. ولا أظن صاحب كشف الظنون مصيبا حيث يقول عند الكلام على تفسير الجلالين ما نصه: "تفسير الجلالين من أوله إلى آخر سورة الإسراء للعلَاّمة جلال الدين محمد بن أحمد المحلّى الشافعى المتوفى سنة 864هـ (أربع وستين وثمانمائة) ، ولما مات كمّله الشيخ المتبحر جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى المتوفى سنة 911 هـ (إحدى عشرة وتسعمائة) .. وحيث يقول بعد ذلك بقليل: "وكأن المحلَّى لم يُفسِّر الفاتحة، وفسَّرها السيوطى تفسيراً مناسباً".
نعم.. لا أظن صاحب كشف الظنون مصيباً فى ذلك، لأن السيوطى - فى مقدمة هذا التفسير وقبل الكلام على سورة البقرة - يقول بعد الديباجة ما نصه:"هذا ما اشتدت إليه حاجة الراغبين فى تكملة تفسير القرآن الكريم، الذى أَلَّفه الإمام المحقق، جلال الدين، محمد بن أحمد، المحلَّى الشافعى رحمه الله، وتتميم ما فاته وهو - يريد ما فات الجلال المحلَّى وقام هو بتفسيره - من أول سورة البقرة إلى آخر سورة الإسراء".
ويقول فى آخر سورة الإسراء ما نصه: "قال مؤلفه: هذا آخر ما كمَّلتُ به تفسير القرآن الكريم، الذى ألَّفه الشيخ الإمام، العالِم العلَاّمة المحقق، جلال الدين المحلَّى الشافعى رضى الله عنه".
هذا هو ناحية تعيين القَدْر الذى فسَّره كل منهما. وأما من الناحية الأخرى وهى ادعاء صاحب كشف الظنون أن المحلَّى لم يُفسِّر الفاتحة، وإنما الذى فسَّرها هو السيوطى، فهى أيضاً دعوى يظهر لنا أنها غير صحيحة وذلك لما يقوله الشيخ سليمان الجمل فى مقدمة حاشيته على هذا التفسير (جـ1 ص7) :"وأما الفاتحة ففسَّرها المحلَّى، فجعلها السيوطى فى آخر تفسير المحلَّى لتكون منضمة لتفسيره، وابتدأ هو من أول سورة البقرة".
ولقوله فى الحاشية نفسها (جـ4 ص626) عند نهاية ما كتبه على تفسير سورة الفاتحة: "إنه - أى الجلال المحلَّى - كان قد شرع فى تفسير النصف الأول، وأنه ابتدأ بالفاتحة، وأنه اخترمته المنية بعد الفراغ وقبل الشروع فى البقرة وما بعدها".
هذا.. وقد قال صاحب كشف الظنون بعد ما نقلناه عنه آنفاً بقليل: "ولم يتكلم الشيخان على البسملة، فتكلَّم عليها بأقل مما ينبغى من الكلام بعض العلماء من زبيد وكتب ذلك حاشية بالهامش، وهذا صحيح، فإن الجلال المحلَّى لم يتكلم عن تفسير البسملة مطلقاً فى الجزء الذى فسَّره، لا فى أول سورة الكهف، ولا فى أول فاتحة الكتاب، كذلك الجلال السيوطى، لم يتكلَّم عن تفسيرها مطلقاً فى الجزء الذى فسَّره.
وبعد هذا.. فالجلال المحلَّى، فسَّر الجزء الذى فسَّره بعبارة موجزة محررة، فى غاية الحسن ونهاية الدقة. والجلال السيوطى تابعه على ذلك ولم يتوسع؛ لأنه التزم بأن يتم الكتاب على النمط الذى جرى عليه الجلال المحلَّى، كما أوضح هو ذلك فى مقدمته، وذكر فى خاتمة سورة الإسراء أنه ألَّف الجزء الذى ألَّفه فى قدر ميعاد الكليم، وهو أربعون يوماً، كما ذكر فى هذا الموضوع نفسه: أنه استفاد فى تفسيره من تفسير الجلال المحلَّى، وأنه اعتمد عليه فى الآى المتشابهة، كما أنه اعترف - جازماً - بأن الذى وضعه الجلال المحلَّى فى قطعته أحسن مما وضعه هو بطبقات كثيرة".
وعلى الجملة.. فالسيوطى قد نهج فى تفسيره منهج المحلَّى "من ذكر ما يفهم من كلام الله تعالى، والاعتماد على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه، والتنبيه على القراءات المختلفة المشهورة، على وجه لطيف، وتعبير وجيز، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية".
ولا شك أن الذى يقرأ تفسير الجلالين، لا يكاد يلمس فرقاً واضحاً بين طريقة الشيخين فيما فسَّراه، ولا يكاد يحس بمخالفة بينهما فى ناحية من نواحى التفسير المختلفة، اللَّهم إلا فى مواضع قليلة لا تبلغ العشرة كما قيل.
فمن هذه المواضع أن المحلَّى فى سورة (ص) فَسَّرَ "الروح": بأنها جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه. والسيوطى تابعه على هذا التفسير فى سورة الحِجْر ثم ضرب عليه لقوله تعالى فى الآية [85] من سورة الإسراء: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلَاّ قَلِيلاً} فهى صريحة أو كالصريحة فى أن الروح من علم الله تعالى، فالإمساك عن تعريفها أولى.
ومنها: أن المحلَّى قال فى سورة الحج: "الصابئون: فرقة من اليهود"، والسيوطى فى
سورة البقرة تابعه على ذلك وزاد عليه: "أو النصارى" بياناً منه لقول ثان
…
وهكذا تلمح الخلاف بين الشيخين قليلا نادراً.
ثم إن هذا التفسير، غاية فى الاختصار والإيجاز، حتى لقد ذكر صاحب كشف الظنون عن بعض علماء اليمن أنه قال:"عددتُ حروف القرآن وتفسيره للجلالين فوجدتهما متساويين إلى سورة المزمل. ومن سورة المدثر التفسير زائد على القرآن، فعلى هذا يجوز حمله بغير الوضوء".
ومع هذا الاختصار، فالكتاب قَيِّمٌ فى بابه، وهو من أعظم التفاسير انتشاراً، وأكثرها تداولاً ونفعاً، وقد طُبِع مراراً كثيرة، وظفر بكثير من تعاليق العلماء وحواشيهم عليه، ومن أهم هذه الحواشى: حاشية الجمل، وحاشية الصاوى، وهما متداولتان بين أهل العلم.
وذكر صاحب كشف الظنون: أن عليه حاشية لشمس الدين محمد ابن العلقمى سمَّاها: قبس النيرين، فرغ من تأليفها سنة 952 هـ (اثنين وخمسين وتسعمائة) ، وحاشية مسماة بالجمالين، لمولانا الفاضل نور الدين على بن سلطان محمد القارى نزيل مكة المكرمة، والمتوفى بها عام 1010 هـ (عشر وألف) ، وشرح لجلال الدين محمد بن محمد الكرخى، وهو كبير فى مجلدات سماه مجمع البحرين ومطلع البدرين، وله حاشية صغرى".. ولكن شيئاً مما ذكره صاحب كشف الظنون لم يقع تحت أيدينا، ولم نظفر بالاطلاع عليه.
* * *
8 -
السراج المنير.. فى الإعانة على معرفة بعض معانى كلام ربنا الحكيم الخبير - للخطيب الشربينى.
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو الإمام العلَاّمة شمس الدين، محمد بن محمد الشربينى، القاهرة الشافعى الخطيب. تلقى العلم عن كثير من مشايخ عصره؛ فمنهم الشيخ
أحمد البرلسى، والنور المحلَّى، والبدر المشهدى، والشهاب الرملى، وغيرهم، ولما أنس منه أشياخه ورأوه أهلاً للفتوى والتدريس أجازوه بها فدرَّس وأفتى فى حياتهم، وانتفع به خلائق لا يحصون.
ولقد كان رحمه الله على جانب عظيم من الصلاح والورع، وقد أجمع أهل مصر على ذلك، ووصفوه بالعلم والعمل، والزهد والورع، وكثرة التنسك والعبادة. وكان من عادته أن يعتكف من أول رمضان فلا يخرج من الجامع إلا بعد صلاة العيد، وكان إذا حج لا يركب إلا بعد تعب شديد، وكان يؤثر الخمول ولا يكترث بأشغال الدنيا. وعلى الجملة، فقد كان آية من آيات الله تعالى، وحُجَّة من حُجَجه على خلقه. توفى فى عصر يوم الخميس ثانى شعبان سنة 977هـ (سبع وسبعين وتسعمائة من الهجرة) . ومن أهم مؤلفاته: شرحه لكتاب المنهاج وكتاب التنبيه، وهما شرحان عظيمان، جمع فيهما تحريرات أشياخه بعد القاضى زكريا، وأقبل الناس على قراءتهما وكتابتهما إلى حياته، وتفسيره لكتاب الله تعالى، وهو الذى نحن بصدده الآن.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفة فيه:
ذكر مؤلف هذا الكتاب فى مقدمته: أن أئمة السَلَف ألَّفوا فى التفسير كتباً، كل على قدر فهمه ومبلغ علمه، وأنه خطر له أن يقتفى أثرهم، ويسلك طريقهم، ولكنه تردد فى ذلك مدة من الزمن، مخافة أن يدخل تحت الوعيد الوارد فى حق مَنْ فَسَّر القرآن برأيه أو بغير علم، ثم ذكر أنه استخار الله تعالى فى حضرته، بعد أن صلَّى ركعتين فى روضته، وسأله أن يشرح صدره لذلك وييسره له، فشرح الله له صدره، ولما رجع من سفره، كتم ذلك فى سره، حتى قال له شخص من أصحابه: إنه رأى فى المنام أن النبى صلى الله عليه وسلم أو الشافعى يقول: قل لفلان يعمل تفسيراً على القرآن. وذكر المؤلف أنه لم يمض عليه إلا القليل حتى قرر فى وظيفة مشيخة تفسير البيمارستان، وذكر أن جماعة من أصحابه ممن لم شغف بالعلم، طلبوا منه بعد فراغه من شرح منهاج الطالبين، أن يجعل لهم تفسيراً وسيطاً بين الطويل الممل والقصير المخل، فأجابهم إلى ذلك، متمثلاً وصية الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، حيث قال فيما يرويه عنه أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه:"إن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فى الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً" ومقتدياً بالماضين من السَلَف، فى تدوين العلم إبقاءً على الخلف، وذكر أنه ليس على ما فعلوه مزيد، ولكن لا بد فى كل زمان من تجديد ما طال به العهد، وقصر للطالبين فيه الجد والجهد، تنبيهاً للمتوقفين، وتحريضاً للمتثبطين، وليكون ذلك عوناً له وللقاصرين أمثاله - كما يقول.
وذكر أنه اقتصر فيه على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية، وذكر أن ما يذكره فيه من القراءات فهو من السبع المشهورات. قال: وقد أذكر بعض أقوال وأعاريب لقوة مدراكها، أو لورودها ولكن بصيغة:"قيل"، ليعلم أن المرضى أولها، وسميته:"السراج المنير فى الإعانة على معرفة بعض معانى كلام ربنا الحكيم الخبير".. ثم قال: وقد تلقيت التفسير - بحمد الله - من تفاسير متعددة رواية، عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم واشتهرت وانتشرت مآثرهم".
وقال فى خاتمة الكتاب: "فدونك تفسيراً كأنه سبيكة عسجد، أو در منضد، جمع من التفاسير معظمها، ومن القراءات متواترها، ومن الأقاويل أظهرها، ومن الأحاديث صحيحها وحسنها، محرراً لدلائل فى هذا الفن، مظهراً لدقائق استعملنا الفكر فيها إذا الليل جن".. إلخ.
وقد قرأتُ فى هذا التفسير فوجدته تفسيراً سهل المأخذ، ممتع العبارة. ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، نقل فيه صاحبه بعض تفسيرات مأثورة عن السَلَف، كما أنه يذكر أحياناً أقوال مَن سبقه من المفسِّرين كالزمخشرى، والبيضاوى، والبغوى، وقد يُوجِّه ما يذكره من هذه الأقوال ويرتضيها، وقد يناقشها ويرد عليها.
* *
* موقفه من القراءات والأعاريب والحديث:
وقد وفَّى فيه صاحبه بما وعد فلم يذكر من القراءات إلا ما تواتر منها، ولم يُقحم نفسه فيما لا يعنى المفسِّر من ذكر الأعاريب التى لا تَمُتُّ إلى التفسير بسبب. كما أنه وَفَّى بما التزمه من أنه لا يذكر فيه إلا حديثاً صحيحاً أو حسناً، ولهذا نراه يتعقب الزمخشرى والبيضاوى فيما ذكراه من الأحاديث الموضوعة فى فضائل القرآن سورة سورة، كما يُنَبِّه على الأحاديث الضعيفة إن روى شيئاً منها فى تفسيره.
فمثلاً فى آخر سورة آل عمران يقول ما نصه: "روى الطبرى لكن بإسناد ضعيف: "مَن قرأ السورة التى يُذكر فيه آل عمران يوم الجمعة صلَّى الله عليه وملائكته حتى تُحجب الشمس".. أى تغيب، وما رواه البيضاوى تبعاً للزمخشرى وتبعهما ابن عادل من أنه صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قرأ سورة آل عمران أُعْطَى بكل آية منها أماناً على جسر
جهنم"، فهو من الأحاديث الموضوعة على أُبَىِّ بن كعب فى فضائل السور، فليُتنبه لذلك ويُحذر منه، وقد نبَّه أئمة الحديث قديماً وحديثاً على ذلك، وعابوا مَن أورده من المفسِّرين فى تفاسيرهم، والله أعلم".
وفى آخر سورة الأعراف يقول ما نصه: "والحديث الذى ذكره البيضاوى تبعاً للزمخشرى وهو: "مَنْ قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس سداً، وكان آدم شفيعاً له يوم القيامة".. حديث موضوع".
وفى آخر سورة الجاثية يقول ما نصه: "وما رواه البيضاوى تبعاً للزمخشرى من أنه صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قرأ سورة حم الجاثية، ستر الله عورته، وسَكّنَ روعته يوم الحساب".. حديث موضوع".
* *
* اهتمامه بالنكت التفسيرية ومشكلات القرآن:
ومما نلحظه فى هذا التفسير، أنه يورد بعض النكت التفسيرية، وبعض الإشكالات والإجابة عنها، تارة بقوله: تنبيه، وتارة بقوله: فإن قيل كذا أُجيب بكذا.
* *
* عنايته بالمناسبات بين الآيات:
كما أنه شديد العناية بذكر المناسبات بين آيات القرآن، عظيم الاهتمام بتقرير الأدلة وتوجيهها.
* *
* موقفه من المسائل الفقهية:
كما أننا نلاحظ عليه أنه يستطرد إلى ذكر الأحكام الفقهية. ومذاهب العلماء وأدلتهم، وإن كان مقلاً فى هذه الناحية، فلا يتوسع ولا يكثر من ذكر الفروع.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [225] من سورة البقرة: {لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولاكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ والله غَفُورٌ حَلِيمٌ} نراه يعرض لبعض أقوال العلماء فى معنى اليمين اللَّغو، ثم بعد الفراغ من تفسير الآية يقول:"تنبيه" ثم يذكر ما ينعقد به اليمين، وما يترتب على الحِنث فى اليمين المنعقدة، وهل تجب الكفَّارة بالحِنث فى اليمين الغَموس أو لا تجب؟ فيذكر عن الشافعية أنهم يقولون بوجوبها، وعن بعض العلماء أنه لا كفَّارة فيها كأكثر الكبائر، ويعرض لحكم الحلف بغير الله كالكعبة والنبى والأب غير ذلك.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [229] من سورة البقرة: {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} يقول بعد الفراغ من التفسير: "تنبيه: اختلف العلماء فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقاً، فذهب الأكثر - ومنهم الشافعى رضى الله
عنه - إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحر يملك على زوجته الأَمَة ثلاث تطليقات، والعبد لا يملك على زوجته الحُرَّة إلا طلقتين. وذهب الأقل - ومنهم أبو حنيفة رضى الله عنه - إلى أن الاعتبار بالمرأة فى عدد الطلاق كالعِدَّة، فيملك العبد على زوجته الحُرَّة ثلاث طلقات، ولا يملك الحر على زوجته الأَمَة إلا طلقتين".
* *
* خوضه فى الإسرائيليات:
هذا.. ولم يخل تفسير الخطيب، من ذكر بعض القَصص الإسرائيلى الغريب، وذلك بدون أن يتعقبه بالتصحيح أو التضعيف.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [16] من سورة النمل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير}
…
الآية، نراه يروى خبراً طويلاً عن كعب فيه: أنه صاح ورشَان عند سليمان عليه السلام فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب. وصاحت فاختة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: فإنها تقول: ليت ذا الخلق لم يُخْلَقوا. وصاح طاووس فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: فإنه يقول: كما تدين تُدَان
…
إلى آخر ما ذكره من صيحات حيوانات متعددة، ومعانى هذه الصيحات، ثم يروى ما يشبه هذا عن مكحول، وعن فرقد السنجى كما يروى بعد ذلك أن جماعة من اليهود سألوا ابن عباس عن معانى ما تقوله بعض الطيور، وما كان من جواب ابن عباس عن ذلك، وهو شبيه بما تقدَّم أيضاً، ومع كون القصة فى نهاية الغرابة والبُعْد فإن الخطيب يمر عليها مَرّ الكرام، ولا يُعَقِّب عليها بكلمة واحدة.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [35] من سورة النمل أيضاً: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} نراه يقص لنا عن وهب بن منَّبه وغيره قصة غريبة فيها بيان نوع هدية بلقيس لسليمان، وما كان اختبارها له. وما كان من سليمان عليه السلام من إجابته على ما اختبرته به، وإظهاره لعظمة مُلْكه وقوة سلطانه، مما يبعث الدهشة ويثير العجب، ومع ذلك لا يُعَقِّب على ما رواه بكلمة واحدة.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [123] من سورة الصافات: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين} .. نراه يقول: "تنبيه أذكر فيه شيئاً من قصته عليه السلام".. ثم يروى لنا قصة طويلة وعجيبة عن علماء السير والأخبار، وبعد الفراغ منها لا يتعقبها بتصحيح أو تضعيف.
ولكن الخطيب إن مَرّ على مثل هذه القصص بدون أن يُعَقِّب عليها، لا يرضى لنفسه أن يَمُرَّ على قصة فيها ما يخل بمقام النبوة إلا بعد أن يُعَقِّب عليها بما يُظهر بطلانها وعدم صحتها.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيات: [21، 22، 23، 24] من سورة [ص] : {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب}
…
الآيات، إلى آخر القصة، نراه يذكر لنا عبارة الفخر الرازى التى ذكرها فى تفسيره لتفنيد الروايات الباطلة فى هذه القصة، وتقرير ما هو لائق فى حق نبى الله داود عليه السلام.
…
وهكذا نلاحظ على هذا التفسير أنه يغلب عليه الجانب القَصصى بالنسبة لغيره من بقية جوانب التفسير.
* *
* كثرة نقوله عن تفسير الفخر الرازى:
هذا ولا يفوتنا أن الخطيب الشربينى، كثيراً ما يعتمد على التفسير الكبير للفخر الرازى، والذى يقرأ فى تفسيره هذا، يجد أنه يكثر من النقول عنه.
والكتاب مطبوع فى أربعة أجزاء كبار، ومتداوَل بين أهل العلم، لما فيه من السهولة والجمع لخلاصة التفاسير التى سبقته مع الدقة والإيجاز.
* * *
9 -
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (لأبى السعود)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى، العمادى، الحنفى المولود فى سنة 983 هـ (ثلاث وتسعين وثمانمائة من الهجرة) ، بقرية قريبة من القسطنطينية، وهو من بيت عُرف أهله بالعلم والفضل حتى قال بعضهم فيه: تَربَّى فى حجر العلم حتى رَبَى، وارتضع ثدى الفضل إلى أن ترعرع وحَبَا، ولا زال يخدم العلوم الشريفة حتى رحب باعه، وامتد ساعده واشتد اتساعه".
قرأ كثيراً من كتب العلم على والده، وتتلمذ لكثير من جلَّة العلماء، فاستفاد منهم علما جمّاً، ثم طارت سمعته، وفاضت شهرته، وعظم صيته، وتولى التدريس فى كثير من المدارس التركية، ثم قُلِّد قضاء بروسة ثم نُقل إلى قضاء القسطنطينية، ثم نُقل إلى قضاء ولاية العسكر فى ولاية روم أيلى، ودام على قضائها مدة ثمان سنين، ثم تولى أمر الفتوى بعد ذلك، فقام بها خير قيام بعد أن اضطرب أمرها بانتقالها من يد إلى يد، وكان ذلك سنة 952 هـ (اثنتين وخمسين وتسعمائة من الهجرة) ومكث فى منصب
الإفتاء نحواً من ثلاثين سنة أظهر فيها الدقة العلمية التامة، والبراعة فى الفتوى والتفنن فيها، وقد ذكروا عنه أنه كان يكتب جواب الفتوى على منوال ما يكتبه السائل من الخطاب، فإن كان السؤال منظوماً، كان الجواب منظوماً كذلك، مع الاتفاق بينهما فى الوزن والقافية، وإن كان السؤال نثراً مسجعاً، كان الجواب مثله، وإن كان بلغة العرب فالجواب بلغة العرب، وإن كان بلغة التُرْك، فالجواب بلغة التُرْك
…
وهكذا مما يشهد للرجل بسعة أُفقه وغزارة مادته، ولقد قرأنا فى ترجمته شيئاً من الاستفتاء والفتوى، فوجدنا صدق ما قيل عنه فى ذلك.
وكان رحمه الله كما قيل عنه من الذى قعدوا من الفضائل والمعارف على سنامها وغاربها، وسارت بذكره الركبان فى مشارق الأرض ومغاربها، ولقد حاز قصب السبق بين أقرانه، ولم يقدر أحد أن يجاريه فى ميدانه، ولقد كان اشتغاله بالتدريس وتنقله بين كثير من المدارس وتوليه للقضاء ثم الفتوى سبباً عاتقاً له عن التفرغ والتصنيف والتأليف، ولكنه اختلس فرصاً من وقته فصرفها إلى كتابة التفسير. فأخرج الناس كتابه الذى نحن بصدده، كما أنه كتب بعض الحواشى على تفسير الكشاف، وكتب حاشية على العناية من أول كتاب البيع من الهداية. وعلى الجملة فقد جمع صاحبنا بين العلم والأدب، فبينما نراه مُجوِّداً فيما كتبه وألَّفه من كتب العلم، نراه مبدعاً غاية الإبداع فيما أُثِر عنه من منثور ومنظوم، ولا أظن أن صاحبه الذى رثاه بعد وفاته قد تغالى فى الثناء، أو اشتط فى الرثاء حيث يقول فى مرثيته الطويلة:
ما العلم إلا ما حويتَ حقيقة
…
وعلوم غيرك فى الورى كسراب
توفى رحمه الله بمدينة القسطنطينية، ودفن بجوار أبى أيوب الأنصارى، وذلك فى أوائل جمادى الأولى سنة 982 هـ (اثنتين وثمانين وتسعمائة من الهجرة) . فرحمه الله رحمة واسعة.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
قلنا: إن صاحب هذا التفسير شغُل كثيراً بالتدريس والقضاء والفتوى، ولكنه اختلس فرصاً من وقته ألَّف فيها كتابه فى التفسير، قلنا هذا فيما سبق، والمؤلف نفسه يقرر هذا فى مقدمة تفسيره، ولم يُعرف أنه أخرج تفسيره للناس دفعة واحدة، بل ذكروا أنه ابتدأ فيه، فلما وصل إلى آخر سورة (ص) عرض له من الشواغل ما جعله يقف فى تفسيره عند هذا الحد، فبيَّض ما كتب فى شعبان سنة 973هـ (ثلاث وسبعين وتسعمائة من الهجرة) ثم أرسله إلى الباب العالى، فتلقاه السلطان سليمان
خان بحسن القبول، وأنعم عليه بما أنعم، وزاد فى وظيفته كل يوم خمسمائة درهم، ثم تيَّسر له بعد ذلك إتمامه، فأتمه بعد سنة، ثم أرسله إلى السلطان ثانياً بعد إتمامه، فقابله السلطان بمزيد لطفه وإنعامه، وزاد فى وظيفته مرة أخرى.
والحق أن هذا التفسير غاية فى بابه، ونهاية فى حسن الصوغ وجمال التعبير، كشف فيه صاحبه عن أسرار البلاغة القرآنية، بما لم يسبقه أحد إليه، ومن أجل ذلك ذاعت شهرة هذا التفسير بين أهل العلم، وشهد له كثير من العلماء بأنه خير ما كُتب فى التفسير، فصاحب "العقد المنظوم فى ذكر أفاضل الروم"، يقول عنه فى كتابه:"وقد أتى فيه بما لم تسمح به الأزمان، ولم تقرع به الآذان، فصدق المثل السائر: كم ترك الأول للآخر".
وصاحب "الفوائد البهية فى تراجم الحنفية" يقول: "وقد طالعتُ تفسيره وانتفعتُ به وهو تفسير حسن، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، متضمن لطائف ونكات، ومشتمل على فوائد وإشارات". ونقل عن صاحب "الكشف" أنه قال: "انتشرت نسخه فى الأقطار، ووقع له التلقى بالقبول من الفحول الكبار، لحسن سبكه وصدق تعبيره، فصار يقال له: "خطيب المفسرين". ومن المعلوم أن تفسير أحد سواه بعد الكشاف والقاضى لم يبلغ إلى ما بلغه من رتبة الاعتبار".
ولم يظفر هذا التفسير - كغيره من التفاسير - بكثرة الحواشى والتعليقات التى تكشف عن مراده. أو تتعقبه فى بعض ما يقول، ولم يقع تحت يدنا شئ من ذلك، غير أننا نجد فى "كشف الظنون" عند الكلام عن هذا التفسير، ذكر ما كتب عليه من التعليقات فمن ذلك: تعليقة الشيخ أحمد الرومى الآحصارى المتوفى سنة 1041 هـ (إحدى وأربعين وألف من الهجرة) ، من سورة الروم إلى سورة الدخان. وتعليقة الشيخ رضى الدين بن يوسف القدسى، علَّقها إلى قريب من النصف، وأهداها إلى المولى أسعد بن سعد الدين، حين دخل المقدس زائراً، وكان دأبه فيها نقل كلام العلامتين الزمخشرى والبيضاوى، وكلام ذلك الفاضل "أبى السعود" بقوله: قال الكشاف، وقال القاضى، وقال المفتى، ثم المحاكمة فيما بينهم. هذا ما ذكره صاحب كشف الظنون، ولا نعلم أحداً كتب عليه غير من ذكرهما.
قرأت مقدمة الكتاب لمؤلفه، فوجدته يثنى كثيراً على تفسير الكشاف، وأنوار التنزيل للبيضاوى، ويذكر أنه قرأهما قبل أن يؤلف تفسيره، ثم يقول: "ولقد كان فى سوابق الأيام، وسوالف الدهور والأعوام، أوان اشتغالى بمطالعتهما وممارستهما، وزمان انتصابى لمفاوضتهما ومدارستهما، يدور فى خلدى على استمرار، آناء الليل
وأطراف النهار، أن أنظم درر فوائدهما فى سمط دقيق، وأرتب غرر فرائدهما على ترتيب أنيق، وأضيف إليهما ما ألفيته فى تضاعيف الكتب الفاخرة من جواهر الحقائق، وصادفته فى أصداف العيالم الزاخرة من زواهر الدقائق، وأسلك خلالها بطريق الترصيع، على نسق أنيق وأسلوب بديع، حسبما تقتضيه جلاله شأن التنزيل، ويستدعيه جزالة نظمه الجليل، ما سنح للفكر العليل بالعناية الربانية، وسمح به النظر الكليل بالهداية السبحانية، من عوارف معارف تمتد إليها أعناق الهمم من كل ماهر لبيب. وغرائب رغائب ترنو إليها أحداق الأمم من كل نحرير أريب، وتحقيقات رصينة تقيل عثرات الأفهام فى مداحض الأقدام، وتدقيقات متينة تزيل خطرات الأوهام من خواطر الآنام، فى معارك أفكار تشتبه فيها الشئون، ومدارك أنظار تختلط فيها الظنون، وأبرز من وراء أستار الكمون، من دقائق السر المخزون فى خزائن الكتاب المكنون، ما تطمئن إليه النفوس، وتقر به العيون، من خفايا الرموز وخبايا الكنوز.. ناوياً أن أسميه عند تمامه، بتوفيق الله وإنعامه "إرشاد العقل السليم، إلى مزايا الكتاب الكريم".
ومن هنا تبين لنا، أن أبا السعود يعتمد فى تفسيره على تفسير الكشاف والبيضاوى وغيرهما ممن تقدمه، غير أنه لم يغتر بما جاء فى الكشاف من الاعتزالات. ولهذا لم يذكرها إلا على جهة التحذير منها، مع جريانه على مذهب أهل السُّنَّة فى تفسيره، ولكن نجده قد وقع فيما وقع فيه صاحب الكشاف، وصاحب أنوار التنزيل من أنه ذكر فى آخر كل سورة حديثاً عن النبى صلى الله عليه وسلم فى فضلها، وما لقارئها من الثواب والأجر عند الله، مع أن هذه الأحاديث موضوعة باتفاق أهل العلم جميعاً.
* *
* عنايته بالكشف عن بلاغة القرآن وسر إعجازه:
قرأت فى هذا التفسير فلاحظت عليه - غير ما تقدم - أنه كثير العناية بسبك العبارة وصوغها، مولع كل الولوع بالناحية البلاغية للقرآن، فهو يهتم بأن يكشف عن نواحى القرآن البلاغية، وسر إعجازه فى نظمه وأسلوبه، وبخاصة فى باب الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، والتقديم والتأخير، والاعتراض والتذييل، كما أنه يهتم بإبداء المعانى الدقيقة التى تحملها التراكيب القرآنية بين طيَّاتها، مما لا يكاد يظهر إلا لمن أوتى حظاً وافراً من المعرفة بدقائق اللغة العربية، ويكاد يكون صاحبنا هو أول المفسِّرين المبرزين فى هذه الناحية.
* *
* اهتمامه بالمناسبات وإلمامه ببعض القراءات:
ونلحظ على أبى السعود فى تفسيره أنه كثيراً ما يهتم بإبداء وجوه المناسبات بين
الآيات، كما نلحظ عليه أنه يعرض أحياناً لذكر القراءات، ولكن بقدر ما يوضح به المعنى، ولا يتوسع كما يتوسع غيره.
* *
* إقلاله من رواية الإسرائيليات:
ومن ناحية أخرى نجد أنه مُقِلٌ فى سرد الإسرائيليات، غير مُولع بذكرها، وإن ذكرها أحياناً فإنه لا يذكرها على سبيل الجزم بها، والقطع بصحتها، بل يُصَدِّر ذكر الرواية بقوله: روى، أو قيل، مما يُشعر بضعفها، وإن كان لا يُعَقَّب عليها بعد ذلك، ولعله يكتفى بهذه الإشارة.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [35] من سورة النمل: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} يقول: رُوى أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجوارى وحليهم الأساور والأطواق
…
إلى آخر ما ذكره من القصة العجيبة الغريبة، ومع ذلك فلم يُعَقِّب عليها ولا بكلمة واحدة، ولعله اكتفى - كما قلت - بما يشير إليه لفظ "رُوى" من عدم صحة ما ذكره.
* *
* روايته عن بعض مَن اشتهر بالكذب:
كما نلاحظ عليه أنه يروى بعض القصص عن طريق الكلبى عن أبى صالح، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [15] وما بعدها من سورة سبأ:{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ}
…
الآيات إلى آخر القصة، نجده يقول: وأصل قصتهم ما رواه الكلبى عن أبى صالح: أن عمرو بن عامر من أولاد سبأ، وبينهما أثنى عشر أباً، وهو الذى يقال له "مزيقيا بن ماء السماء"، أخبرته "طريفة" الكاهنة بخراب سد مأرب، وتغريق سيل العرم الجنَّتين.. ويمضى فى ذكر روايات أخرى عن رجال آخرين مع العلم أن الكلبى مُتَّهم بالكذب، فقد قال السيوطى فى خاتمة الدر المنثور ما نصه:"الكلبى اتهموه بالكذب وقد مرض فقال لأصحابه فى مرضه: كل شئ حدَّثتكم عن أبى صالح كذب" ولكن نجد أبا السعود، يخلص من تبعة هذه الروايات التى سردها بقوله أخيراً:"والله تعالى أعلم" وهذا يُشعر بأنه يشك فى صدقها وصحتها.
* *
* إقلاله من ذكر المسائل الفقهية:
كذلك نجد أبا السعود رحمه الله يتعرض فى تفسيره لبعض المسائل الفقهية، ولكنه مُقِلٌ جداً، ولا يكاد يدخل فى المناقشات الفقهية والأدلة المذهبية، بل نجده يسرد المذاهب فى الآية ولا يزيد على ذلك.
فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [225] من سورة البقرة: {لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ} .. الآية، نجده يعرض للخلاف المذهبى فى تحديد معنى اليمين اللغو فيقول:"وقد اختُلِفَ فيه، فعندنا هو أن يحلف على شئ يظنه على ما حلف عليه ثم يظهر خلافه، فإنه لا يقصد فيه الكذب. وعند الشافعى رحمه الله هو قول العرب: لا واللهِ، وبلى واللهِ، مما يؤكدون به كلامهم من غير إخطار الحلف بالبال" ولا يزيد على ذلك بل يمضى فينزل الآية على قول الحنفية.
* *
* تناوله لما تحتمله الآيات من وجوه الإعراب:
كما نلحظ عليه أنه يعرض أحياناً للناحية النحوية إذا كانت الآية تحتمل أوجهاً من الإعراب، ويُنزل الآية على اختلاف الأعاريب، ويُرَجِّح واحداً منها ويدلل على رجحانه.
وعلى الجملة.. فالكتاب دقيق غاية الدقة، بعيد عن خلط التفسير بما لا يتصل به، غير مُسرف فيما يضطر إليه من التكلم عن بعض النواحى العلمية، وهو مرجع مهم يعتمد عليه كثير ممن جاء بعده من المفسِّرين، وقد طُبع هذا التفسير مراراً، وهو يقع فى خمسة أجزاء متوسطة الحجم.
* * *
10 -
روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى (للألوسى) .
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو: أبو الثناء، شهاب الدين، السيد محمود أفندى الألوسى البغدادى. ولد فى سنة 1217 هـ (سبع عشرة ومائتين بعد الألف من الهجرة النبوية) ، فى جانب الكرخ من بغداد.
كان رحمه الله شيخ العلماء فى العراق، وآية من آيات الله العظام، ونادرة من نوادر الأيام. جمع كثيراً من العلوم حتى أصبح علَاّمة فى المنقول والمعقول، فهَّامة فى الفروع والأصول، مُحَدِّثاً لا يُجارَى ومُفَسِّراً لكتاب خالد النقشبندى، والشيخ على السويدى، وكان رحمه الله غاية فى الحرص على تزايد علمه، وتوفير نصيبه منه، وكان كثيراً مما ينشد:
سهرى لتنقيح العلوم ألذُّلى
…
من وصل غانية وطيب عناق
اشتغل بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ودرس فى عدة مدارس،
وعندما قُلِّد إفتاء الحنفية، شرع يُدَرِّس سائر العلوم فى داره الملاصقة لجامع الشيخ عبد الله العاقولى فى الرصافة. وقد تتلمذ له وأخذ عنه خلق كثير من قاصى البلاد ودانيها، وتخرَّج عليه جماعات من الفضلاء من بلاد مختلفة كثيرة، وكان رحمه الله يُواسى طلبته من ملبسه ومأكله، ويُسكنهم البيوت الرفيعة من منزله، حتى صار فى العراق العَلَمُ المفرد، وانتهت إليه الرياسة لمزيد فضله الذى لا يُجحد، وكان نسيجٌ وحده فى النثر وقوة التحرير، وغزارة الإملاء وجزالة التعبير، وقد أملى كثيراً من الخطب والرسائل، والفتاوى والمسائل، ولكن أكثر ذلك - على قرب العهد - دَرَسَ وَعَفت آثاره، ولم تظفر الأيدى إلا بالقليل منه، وكان ذا حافظة عجيبة. وفكرة غريبة، وكثيراً ما كان يقول:"ما استودعتُ ذهنى شيئاً فخاننى، ولا دعوتُ فكرى لمعضلة إلا وأجابنى". قُلِّد إفتاء الحنفية فى السنة الثامنة والأربعين بعد المائتين والألف من الهجرة المحمدية، وقبل ذلك بأشهر، ولى أوقاف المدرسة المرجانية، إذا كانت مشروطة لأعلم لأهل البلد، وتحقق لدى الوزير الخطير علىّ رضا باشا، أنه ليس فيها مَن يدانيه من أحد. وفى شوَّال سنة 1263 هـ (ثلاث وستين ومائتين بعد الألف) انفصل من منصب الإفتاء، وبقى مشتغلاً بتفسير القرآن الكريم حتى أتمه، ثم سافر القسطنطينية فى السنة السابعة والستين بعد المائتين والألف، فعرض تفسيره على السلطان عبد المجيد خان، فنال إعجابه ورضاه، ثم رجع منها سنة 1269 هـ (تسع وستين ومائتين بعد الألف) .
وكان رحمه الله عالماً باختلاف المذاهب، مطلعاً على الملل والنحل، سَلَفى الاعتقاد، شافعى المذهب، إلا أنه فى كثير من المسائل يُقلِّد الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان رضى الله عنه، وكان فى آخر أمره يميل إلى الاجتهاد. ولقد خَلَّف رحمه الله للناس ثروة علمية كبيرة ونافعة، فمن ذلك تفسيره لكتاب الله، وهو الذى نحن بصدده الآن، وحاشيته على القطر، كتب منها فى الشباب إلى موضع الحال، وبعد وفاته أتمها ابنه السيد نعمان الألوسى، وشرح السلم فى المنطق، وقد فُقِد، ومنها الأجوبة العراقية عن الأسئلة اللاهورية، والأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية، ودُرَّة الغواص فى أوهام الخواص، والنفحات القدسية فى المباحث الإمامية، والفوائد السنية فى علم آداب البحث.
وقد توفى رحمه الله فى يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة 1270 هـ (سبعين ومائتين بعد الألف من الهجرة) ، ودُفن مع أهله فى مقبرة الشيخ معروف الكرخى فى الكرخ، فرضى الله عنه وأرضاه.
* *
*
التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
ذكر مؤلف هذا التفسير فى مقدمته أنه منذ عهد الصغر، لم يزل متطلباً لاستكشاف سر كتاب الله المكتوم، مترقباً لارتشاف رحيقه المختوم، وأنه طالما فرق نومه لجمع شوارده، وفارق قومه لوصال خرائده، لا يرفل فى مطارف اللهو كما يرفل أقرانه، ولا يهب نفائس الأوقات لخسائس الشهوات كما يفعل إخوانه، وبذلك وفَّقه الله للوقوف على كثير من حقائقه، وحل وفير من دقائقه، وذكر أنه قبل أن يكمل سنه العشرين، شرع يدفع كثيراً من الإشكالات التى ترد على ظاهر النظم الكريم، ويتجاهر بما لم يظفر به فى كتاب من دقائق التفسير، ويعلق على ما أغلق مما لم تعلق به ظفر كل ذى ذهن خطير، وذكر أنه استفاد من علماء عصره، واقتطف من أزهارهم، واقتبس من أنوارهم، وأودع علمهم صدره، وأفنى فى كتابة فوائدهم حبره
…
ثم ذكر أنه كثيراً ما خطر له أن يحرر كتاباً يجمع فيه ما عنده من ذلك وأنه كان يتردد فى ذلك، إلى أن رأى فى بعض ليالى الجمعة من شهر رجب سنة 1252 هـ (اثنتين وخمسين ومائتين بعد الألف من الهجرة) ، أن الله جَلّ شأنه أمره بطى السماوات والأرض، ورتق فتقهما على الطول والعرض، فرفع يداً إلى السماء، وخفض الأخرى إلى مستقر الماء، ثم انتبه من نومه وهو مستعظم لرؤيته، فجعل يفتش لها عن تعبير، فرأى فى بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير، فشرع فيه فى الليلة السادسة عشرة من شهر شعبان من السنة المذكورة، وكان عمره إذ ذاك أربعاً وثلاثين سنة، وذلك فى عهد السلطان محمود خان بن السلطان عبد الحميد خان، وذكر فى خاتمته أنه انتهى منه ليلة الثلاثاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة 1267 هـ (سبع وستين ومائتين بعد الألف) ، ولما انتهى منه جعل يفكر ما اسمه؟ وبماذا يدعوه؟ فلم يظهر له اسم تهتش له الضمائر، وتبتش من سماعه الخواطر، فعرض الأمر على وزير الوزراء علىّ رضا باشا. فسمَّاه على الفور:"روح المعانى، فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى".
هذه هى قصة تأليف هذا التفسير، كما ذكرها صاحبه عليه رضوان الله.
وقد ذكروا أن سلوكه فى تفسيره هذا كان أمراً عظيماً، وسراً من الأسرار غريباً، فإن نهاره كان للإفتاء والتدريس وأول ليلة لمنادمة مستفيد وجليس، فيكتب بأواخر الليل منه ورقات، فيعطيها صباحاً للكُتَّاب الذين وظَّفهم فى داره فلا يكملونها تبييضاً إلا فى نحو عشر ساعات.
* *
* مكانة هذا التفسير من التفاسير التى تقدمته:
ثم إن هذا التفسير - والحق يقال - قد أفرغ فيه مؤلفه وسعه، وبذل مجهوده حتى أخرجه للناس كتاباً جامعاً لآراء السَلَف رواية ودراية، مشتملاً على أقوال الخَلَف بكل
أمانة وعناية، فهو جامع لخلاصة كل ما سبقه من التفاسير، فتراه ينقل لك عن تفسير ابن عطية، وتفسير أبى حيان، وتفسير الكشاف، وتفسير أبى السعود، وتفسير البيضاوى، وتفسير الفخر الرازى، وغيرها من كتب التفسير المعتبرة، وهو إذا نقل عن تفسير أبى السعود يقول - غالباً -: قال شيخ الإسلام. وإذا نقل عن تفسير البيضاوى يقول - غالباً -: قال القاضى، وإذا نقل عن تفسير الفخر الرازى يقول - غالباً -: قال الإمام. وهو إذ ينقل عن هذه التفاسير ينصب نفسه حَكَماً عدلاً بينها، ويجعل من نفسه نقَّاداً مُدققاً، ثم يبدى رأيه حراً فيما ينقل، فتراه كثيراً ما يعترض على ما ينقله عن أبى السعود، أو عن البيضاوى، أو عن أبى حيان، أو عن غيرهم. كما تراه يتعقب الفخر الرازى فى كثير من المسائل، ويرد عليه على الخصوص فى بعض المسائل الفقهية، انتصاراً منه لمذهب أبى حنيفة، ثم إنه إذا استصوب رأياً لبعض مَن ينقل عنهم، انتصر له ورجَّحَه على ما عداه.
* *
* موقف الألوسى من المخالفين لأهل السُّنَّة:
والألوسى سَلَفى المذهب سُّنِّى العقيدة، ولهذا نراه كثيراً ما يُفَنِّد آراء المعتزلة والشيعة، وغيرهم من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهبه.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [15] من سورة البقرة: {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .. يقول بعد كلام طويل ما نصه: "
…
وإضافته - أى الطغيان - إليهم، لأنه فعلهم الصادر منهم، بقدرهم المؤثرة بإذن الله تعالى فالاختصاص المشعرة به الإضافة، إنما هو بهذا الاعتبار، لا باعتبار المحلية والاتصاف، فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة، ولا باعتبار الإيجاد استقلالاً من غير توقف على إذن الفعَّال لما يريد، فإنه اعتبار عليه غبار، بل غبار ليس له اعتبار، فلا تهولنك جعجعة الزمخشرى وقعقعته".
وانظر إلى ما كتبه قبل ذلك عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [7] من السورة نفسها: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} تجده يطيل بما لا يتسع لذكره المقام هنا، من بيان إسناد الختم إليه عز وجل على مذهب أهل السُّنَّة، ومن ذكر ما ذهب إليه المعتزلة فى هذه الآية وما ردَّ به عليهم، وفنَّد به تأويلهم الذى يتفق مع مذهبهم الاعتزالى.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [11] من سورة الجمعة: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين} .. يقول ما نصه: "وطعن الشيعة لهذه الآية الصحابة رضى الله
تعالى عنهم، بأنهم آثروا دنياهم، على آخرتهم، حيث انفضُّوا إلى اللَّهو والتجارة، ورغبوا عن الصلاة التى هو عماد الدين، وأفضل من كثير من العبادات، لا سيما مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وروى أن ذلك قد وقع مراراً منهم، وفيه أن كبار الصحابة كأبى بكر وعمر وسائر العشرة المبشرة لم ينفضُّوا، والقصة كانت فى أوائل زمن الهجرة، ولم يكن أكثر القوم تام التحلى بحلية آداب الشريعة بعد، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فخاف أولئك المنفضُّون اشتداد الأمر عليهم بشراء غيرهم ما يُقتات به لو لم ينفضُّوا، ولذا لم يتوعدهم الله على ذلك بالنار أو نحوها، بل قصارى ما فعل سبحانه أنه عاتبهم ووعظهم ونصحهم، ورواية أن ذلك وقع منهم مراراً إن أريد بها رواية البيهقى فى شُعَب الإيمان عن مقاتل بن حيان أنه قال: بلغنى - والله تعالى أعلم - أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، فمثل ذلك لا يُلتفت إليه ولا يُعَوِّل عند المحدِّثين عليه. وإن أريد بها غيرها فليبين وليثبت صحته، وأنَّى بذلك؟ وبالجملة: الطعن بجميع الصحابة لهذه القصة التى كانت من بعضهم فى أوائل أمرهم - وقد عقبها منهم عبادات لا تحصى - سفه ظاهر وجهل وافر.
* الألوسى والمسائل الكونية:
ومما نلاحظه على الألوسى فى تفسيره، أنه يستطرد إلى الكلام فى الأُمور الكونية. ويذكر كلام أهل الهيئة وأهل الحكمة، ويقر منه ما يرتضيه، ويُفنَّد ما لا يرتضيه، وإن أردت مثالاً جامعاً، فارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيات [38، 39، 40] من سورة يس: {والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم * والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم * لَا الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلَا الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ..
وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [12] من سورة الطلاق: {الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ} فسترى منه توسعاً فى هذه الناحية.
* *
* كثرة استطراده للمسائل النحوية:
كذلك يستطرد الألوسى إلى الكلام فى الصناعة النحوية، ويتوسع فى ذلك أحياناً إلى حد يكاد يخرج به عن وصف كونه مفسِّراً، ولا أحيلك على نقطة بعينها، فإنه لا يكاد يخلو موضع من الكتاب من ذلك.
* *
*
موقفه من المسائل الفقهية:
كذلك نجده إذا تكلم عن آيات الأحكام فإنه لا يمر عليها إلا إذا استوفى مذاهب الفقهاء وأدلتهم مع عدم تعصب منه لمذهب بعينه.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية: [236] من سورة البقرة: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين} .. يقول ما نصه: وقال الإمام مالك: المحسنون: المتطوعون، وبذلك استدل على استحباب المتعة وجعله قرينة صارفة للأمر إلى الندب، وعندنا: هى واجبة للمطلَّقات فى الآية، مستحبَة لسائر المطلَّقات. وعند الشافعى رضى الله عنه فى أحد قوليه: هو واجبة لكل زوجة مطلَّقة إذا كان الفراق من قِبَل الزوج إلا التى سمى لها وطُلِّقت قبل الدخول، ولما لم يساعده مفهوم الآية ولم يعتبر العموم فى قوله تعالى:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف} لأنه يحمل المطلق على المقيد، قال بالقياس، وجعله مقدَّماً على المفهوم، لأنه من الحجج القطعية دونه، وأجيب عما قاله مالك، بمنع قصر المحسن على المتطوع، بل هو أعم منه ومن القائم بالواجبات، فلا ينافى الوجوب، فلا يكون صارفاً للأمر عنه مع ما انضم إليه من لفظ حقاً".
وإذا أردت أن تتأكد من أن الألوسى غير متعصب لمذهب بعينه فارجع إلى البحث الذى أفاض فيه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [228] من سورة البقرة: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرواء}
…
الآية، تجده بعد أن يذكر مذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، وأدلة كل منهم، ومناقشاتهم يقول:"وبالجملة، كلام الشافعية فى هذا المقام قوى، كما لا يخفى على مَن أحاط بأطراف كلامهم، واستقرأ ما قالوه، تأمل ما دفعوا به من أدلة مخالفيهم".
* *
* موقفه من الإسرائيليات:
ومما نلاحظ على الألوسى أنه شديد النقد للإسرائيليات والأخبار المكذوبة التى حشا بها كثير من المفسِّرين تفاسيرهم وظنوها صحيحة، مع سخرية منه أحياناً.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [12] من سورة المائدة: {وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً} .. نجده يقص علينا قصة عجيبة عن عوج بن عنق، يرويها عن البغوى، ولكنه بعد الفراغ منها يقول ما نصه: "وأقول: قد
شاع أمر عوج عند العامة، ونقلوا فيه حكايات شنيعة، وفى فتاوى العلَاّمة ابن حجر، قال الحافظ العماد ابن كثير: قصة عوج وجميع ما يحكون عنه، هذيان لا أصل له، وهو من مختلقات أهل الكتاب، ولم يكن قط على عهد نوح عليه السلام، ولم يسلم من الكفار أحد. وقال ابن القيم: من الأُمور التى يُعرف بها كون الحديث موضوعاً، أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، كحديث عوج بن عنق. وليس العجب مِن جرأة مَن وضع هذا الحديث وكذب على الله تعالى، إنما العجب ممن يُدخل هذا الحديث فى كتب العلم من التفسير وغيره ولا يبيِّن أمره، ثم قال: ولا ريب أن هذا وأمثاله من صنع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.. ثم مضى الألوسى فى تفنيد هذه القصة بما حكاه عن غير مَن تقدّم من العلماء الذين استنكروا هذه القصة الخرافية.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [38] من سورة هود: {وَيَصْنَعُ الفلك وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} .. نجده يروى أخباراً كثيرة فى نوع الخشب الذى صُنعت منه السفينة، وفى مقدار طولها وعرضها ارتفاعها، وفى المكان الذى صُنعت فيه.. ثم يُعقِّب على كل ذلك بقوله:"وسفينة الأخبار فى تحقيق الحال فيما رأى لا تصلح للركوب فيها، إذ هى غير سالمة عن عيب، فالحرى بحال مَن لا يميل إلى الفضول، أن يؤمن بأنه عليه السلام صنع الفُلْك حسبما قص الله تعالى فى كتاب، ولا يخوض فى مقدار طولها وعرضها وارتفاعها، ومن أى خشب صنعها، وبكم مدة أتم عملها إلى غير ذلك مما لم يشرحه الكتاب ولم تبينه السُّنَّة الصحيحة".
* *
* تعرضه للقراءات والمناسبات وأسباب النزول:
ثم إن الألوسى يعرض لذكر القراءات ولكنه لا يتقيد بالمتواتر منها، كما أنه يعنى بإظهار وجه المناسبات بين السور كما يعنى بذكر المناسبات بين الآيات ويذكر أسباب النزول للآيات التى أنزلت على سبب، وهو كثير الاستشهاد بأشعار العرب على ما يذهب إليه من المعانى اللغوية.
* *
* الألوسى والتفسير الإشارى:
ولم يفت الألوسى أن يتكلم عن التفسير الإشارى بعد أن يفرغ من الكلام عن كل ما يتعلق بظاهر الآيات، ومن هنا عَدَّ بعض العلماء تفسيره هذا فى ضمن كتب
التفسير الإشارى، كما عَدَّ تفسير النيسابورى فى ضمنها كذلك، ولكنى رأيت أن أجعلهما فى عِداد كتب التفسير بالرأى المحمود، نظراً إلى أنه لم يكن مقصودهما الأهم هو التفسير الإشارى، بل كان ذلك تابعاً - كما يبدو - لغيره من التفسير الظاهر، وهذه - كما قلت من قبل - مسألة اعتبارية لا أكثر ولا أقل، وإنما أردت أن أُبيِّن جهتى الاعتبار.
وجملة القول.. فروح المعانى للعلَاّمة الألوسى ليس إلا موسوعة تفسيرية قيِّمة. جمعت جُلَّ ما قاله علماء التفسير الذين تقدَّموا عليه، مع النقد الحر، والترجيح الذى يعتمد على قوة الذهن وصفاء القريحة، وهو وإن كان يستطرد إلى نواح علمية مختلفة، مع توسع يكاد يخرجه عن مهمته كمفسِّر إلا أنه متزن فى كل ما يتكلم فيه، مما يشهد له بغزارة العلم على اختلاف نواحيه، وشمول الإحاطة بكل ما يتكلم فيه، فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء، إنه سميع مجيب.
وبعد
…
فهذه هى أهم كتب التفسير بالرأى الجائز، وهناك كتب أخرى تدخل فى هذا النوع من التفسير، ولها أهميتها وقيمتها، كما أن لها شهرتها الواسعة بين أهل العلم الذين يعنون بالتفسير، غير أنى أمسكت عنها هنا مخافة التطويل، ولعدم إمكان الحصول على بعضها، وأحسب أن فى هذا القدر كفاية وغنى عن كتب أخرى كثيرة.
* * *