المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌التفسير بالرأى المذموم.. أو تفسير الفرقة المبتدعة - التفسير والمفسرون - جـ ١

[محمد حسين الذهبي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌معنى التفسير والتأويل

- ‌ الفرق بين التفسير والتأويل

- ‌تفسير القرآن بغير لغته

- ‌هل تفسير القرآن من قبيل التصورات.. أو من قبيل التصديقات

- ‌الباب الأول: المرحلة الأولى للتفسير.. أو التفسير فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه

- ‌فهم النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن

- ‌المفسرون من الصحابة

- ‌قيمة التفسير المأثور عن الصحابة

- ‌مميزات التفسير فى هذه المرحلة

- ‌الباب الثانى: المرحلة الثانية للتفسير أو التفسير فى عصر التابعين

- ‌ابتداء هذه المرحلة

- ‌مصادر التفسير فى هذا العصر

- ‌مدارس التفسير التى قامت فيه

- ‌قيمة التفسير المأثور عن التابعين

- ‌مميزات التفسير فى هذه المرحلة

- ‌الخلاف بين السَلَف فى التفسير

- ‌الباب الثالث: المرحلة الثالثة للتفسير.. أو التفسير فى عصور التدوين

- ‌تمهيد

- ‌التفسير بالمأثور

- ‌التفسير بالرأى وما يتعلق به من مباحث

- ‌أهم كتب التفسير بالرأى الجائز

- ‌التفسير بالرأى المذموم.. أو تفسير الفرقة المبتدعة

الفصل: ‌التفسير بالرأى المذموم.. أو تفسير الفرقة المبتدعة

‌التفسير بالرأى المذموم.. أو تفسير الفرقة المبتدعة

* تمهيد فى بيان نشأة الفِرَق الإسلامية:

جرى التفسير منذ زمن النبوة إلى زمن أتباع التابعين، على طريقة تكاد تكون واحدة، فخَلَف كل عصر يحمل التفسير عمَّن سلف بطريق الرواية والسماع، وفى كل عصر من هذه العصور، تتجدد نظرات تفسيرية، لم يكن لها وجود قبل ذلك، وهذا راجع إلى أن الناس كلما بعدوا عن عصر النبوة ازدادت نواحى الغموض فى التفسير. فكان لا بد للتفسير من أن يتضخم كلما مرَّت عليه السنون.

لم يكن هذا التضخم فى الحقيقة إلا محاولات عقلية، ونظرات اجتهادية، قام بها أفراد ممن لهم عناية بهذه الناحية. غير أن هذه الناحية العقلية فى التفسير لم تخرج عن قانون اللغة، ولم تتخط حدود الشريعة، بل ظلَّت محتفظة بصبغتها العقلية والدينية، فلم تتجاوز دائرة الرأى المحمود إلى دائرة الرأى المذموم الذى لا يتفق وقواعد الشرع.

ظلَّ الأمر على ذلك إلى أن قامت الفرق المختلفة، وظهرت المذاهب الدينية المتنوعة، ووجِد من العلماء من يحاول نُصرة مذهبه والدفاع عن عقيدته بكل وسيلة وحيلة. وكان القرآن هو هدفهم الأول الذى يقصدون إليه جميعاً، كلٌ يبحث فى القرآن ليجد فيه ما يُقَوِّى رأيه ويُؤَيِّد مذهبه، وكلٌ واجد ما يبحث عنه ولو بطريق إخضاع الآيات القرآنية لمذهبه، والميل بها مع رأيه وهواه، وتأويل ما يصادمه منها تأويلاً يجعلها غير منافية لمذهبه ولا متعارضة معه.

ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأى المحمود إلى دائرة الرأى المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون فى حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم!!

ونحن نعلم بطريق الإجمال - وللتفصيل موضع غير هذا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ستفترق أُمَّتى ثلاثاً وسبعين فِرْقة، كلها فى النار، إلا واحدة، وهى ما أنا عليه وأصحابى" وقد حقق الله نبوءة رسوله، وصدَّق قوله فتصدعت الوحدة الإسلامية إلى أحزاب مختلفة، وفرق متنافرة متناحرة، ولم يظهر هذا التفرق بكل ما فيه من خطر على الإسلام والمسلمين إلا فى عصر الدولة العباسية، أما قبل ذلك، فقد كان المسلمون يداً واحدة، وكانت عقيدتهم واحدة كذلك، إذا استثنينا ما كان بينهم من المنافقين الذين

ص: 258

ينتسبون إلى الإسلام ويضُمرون الكفر، وما كان بين علىّ ومعاوية من خلاف لم يكن له مثل هذا الخطر. وإن كان النواة التى قام عليها التحزب، ونبت عنها التفرق والاختلاف.

بدأ الخلاف بين المسلمين أول ما بدأ، فى أُمور اجتهادية لا تصل بأحد منهم إلى درجة الابتداع والكفر، كاختلافهم عن قول النبى صلى الله عليه وسلم:"إئتونى بقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدى" حتى قال عمر: إن النبى قد غيبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط فى ذلك حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم:"قوموا عنى، لا ينبغى عندى التنازع".

وكاختلافهم فى موضع دفنه صلى الله عليه وسلم أيُدفن بمكة، لأنها مولده وبها قِبْلته ومشاعر الحج؟ أم يُدفن بالمدينة، لأنها موضع هجرته، وموطن أهل نُصرته؟ أم يُدفن ببيت المقدس، لأن بها تربة الأنبياء ومشاهدهم؟

وكالخلاف الذى وقع بينهم فى سقيفة بنى ساعدة فى تولية مَن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، وغير ذلك من الخلافات التى وقعت بينهم، ولم يكن لها خطرها الذى ينجم عنه التفرق ووقوع الفتنة والبغضاء بين المسلمين.

ظل الأمر على ذلك إلى زمن عثمان رضى الله عنه، وكان ما كان من خروج بعض المسلمين عليه، ومحاصرتهم لداره، وقتلهم له، فعرى المسلمين من ذلك الوقت رجة فكرية عنيفة، طاحت بالروية، وذهبت بكثير من الأفكار مذاهب شتَّى، فقام قوم يطالبون بدم عثمان، ثم نشبت الحرب بين علىّ ومعاوية رضى الله عنهما من أجل الخلافة، وكان لكل منهم شيعة وأنصار يشدون أزره، ويقوون عزمه، وتبع ذلك انشقاق جماعة علىّ كرَّم الله وجهه، بعد مسألة التحكيم فى الخلاف الذى بينه وبين معاوية، فى السنة السابعة والثلاثين من الهجرة، فظهرت من ذلك الوقت فرقة الشيعة، وفرقة الخوراج، وفرقة المرجئة، وفرقة أخرى تنحاز لمعاوية، وتؤيد الأمويين على وجه العموم.

ثم أخذ هذا الخلاف والتفرق، يتدرج شيئاً فشيئاً، ويترقى حيناً بعد حين، إلى أن ظهر فى أيام المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية، وكان أول مَن جهر بهذا المذهب ووضع الحجر الأساسى لقيام هذه الفِرْقة، معبد الجهنى الذى أخذ عنه مذهبه غيلان الدمشقى ومَن شاكله، وكان ينكر عليهم مذهبهم هذا مَن بقى من الصحابة كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبى هريرة، وغيرهم.

ثم ظهر بعد هؤلاء - وفى زمن الحسن البصرى بالبصرة - خلاف واصل ابن عطاء

ص: 259

فى القدر، وفى القول بالمنزلة بين المنزلتين، ومجادلته للحسن البصرى فى ذلك، واعتزاله مجلسه، ومن ذلك الوقت ظهرت فرقة المعتزلة.

ثم كان من أصحاب الديانات المختلفة كاليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والصابئة.. إلى آخر مَن تزيا بزى الإسلام وأبطن الكيد له، حنيناً إلى مِلَّتهم الأولى، كعبد الله بن سبأ اليهودى، فأوضعوا خلال المسلمين يبغونهم الفتنة، ويرجون لهم الفُرْقة، فأفلحوا فيما قصدوا إليه من تحزب المسلمين وتفرقهم.

وفى خلال ذلك غلا بعض الطوائف التى ولدها الخلاف، فابتدعوا أقوالاً خرجت بهم عن دائرة الإسلام كالقائلين بالحلول والتناسخ من السبئية، وكالباطنية الذين لا يُعدون من فرق الإسلام، وإنما هم فى الحقيقة على دين المجوس.

لم يزل الخلاف يتشعب، والآراء تتفرق، حتى تفرَّق أهل الإسلام وأرباب المقالات، إلى ثلاث وسبعين فِرقة كما قال صاحب المواقف، وكما عَدَّهم وبينَّهم الإمام الكبير، أبو المظفر الإسفرايينى، فى كتابه "التبصير فى الدين"، وليس هذا موضع ذكرها واستقصائها.

والذى اشتهر من هذه الفِرَق خمس: أهل السُّنَّة، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، وما وراء ذلك من الفرق كالجبرية، والباطنية، والمشبهة، وغيرها، فمعظمها مشتق من هذه الفِرَق الخمس الرئيسية.

نحن نعلم هذا التفرق الذى أصاب المسلمين فى وحدتهم الدينية والسياسية، ونعلم أيضاً، أن الناس كانوا فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم وبعده يقرأون القرآن أو يسمعونه فيغنون بتفهم روحه، فإن عنى علماؤهم بشئ وراء ذلك، فما يوضح الآية من سبب للنزول، واستشهاد بأبيات من أشعار العرب تُفسِّر لفظاً عربياً، أو أسلوباً غامضاً. ولكنَّا لا نعلم فى هذا العصر الأول، انحياز الصحابة إلى مذاهب دينية وآراء فى الملل والنحل، فلما وقع هذا التفرق الذى أشرنا إليه وأجملنا مبدأه وتطوره، رأينا كل فِرْقة من هذه الفِرَق تنظر إلى القرآن من خلال عقيدتها، وتُفسِّره بما يتلاءم مع مذهبها، فالمعتزلى يطبق القرآن على مذهبه فى الاختيار، والصفات، والتحسين والتقبيح العقليين.. ويُؤَوِّل ما لا يتفق ومذهبه، وكذلك يفعل الشيعى، وكذلك يفعل كل صاحب مذهب حتى يسلم له مذهبه.

غير أننا لم نحط علماً بكل هذه النظرات المذهبية فى القرآن، ولم يقع تحت أيدينا من كتب التفسير المذهبية إلا القليل النادر بالنسبة لما حُرمت منه المكتبة الإسلامية، على أن هذا القليل ليس إلا لبعض الفِرق دون بعض، وهناك تفسيرات وتأويلات

ص: 260

لبعض من آيات القرآن لبعض من الفرق، ولكنها متفرقة مشتتة بين صحائف كتب التفسير خاصة وكتب العلم عامة. وهناك فِرق أخرى لم نظفر لها بتفسير كامل ولا بشئ من التفسير، ولهذا أرى أن أتكلم عن التفسير المذهبى لا لكل الفِرَق، بل للفِرق التى ألَّفت وخلَّفت لنا كتباً فى التفسير، ووقعت تحت أيدينا، فاستطعنا بعد القراءة فيها والنظر إليها أن نحكم عليها بما يتناسب مع المنهج الذى انتهجه فيها مؤلفوها، والطريق الذى سلكوه فى شرحهم لكتاب الله تعالى.

وسبق لنا أن تكلمنا عن التفسير بالرأى الجائز وأهم ما أُلَّف فيه من كتب، وذلك هو تفسير أهل السُّنَّة والجماعة، وتلك هى أشهر تفاسيرهم التى خلَّفوها للناس، فلا نعود لذلك، بل نشرع فى الكلام عن موقف غيرهم من الفِرَق، بالنسبة لكتاب الله تعالى، وعن أهم ما خلَّفوه لنا من كتب فى التفسير، والله يتولانا ويُسدِّد خُطانا، إنه سميع مجيب.

* * *

ص: 261

المعتزلة.. وموقفهم من تفسير القرآن الكريم

* كلمة إجمالية عن المعتزلة وأصولهم المذهبية - نشأة المعتزلة:

نشأت هذه الفِرْقة فى العصر الأموى، ولكنها شغلت الفكر الإسلامى فى العصر العباسى ردحاً طويلاً من الزمان. وأصل هذه الفِرْقة هو واصل بن عطاء الملَّقب بالغزَّال المولود سنة 80 هـ (ثمانين) ، والمتوفى سنة 131 هـ (إحدى وثلاثين ومائة) ، فى خلافة هشام بن عبد الملك، وذلك أنه دخل على الحسن البصرى رجل فقال: يا إمام الدين؛ ظهر فى زماننا جماعة يُكَفِّرون صاحب الكبيرة - يريد وعيدية الخوارج - وجماعة أخرى يُرجِئون الكبائر، ويقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فكيف لنا أن نعتقد فى ذلك؟ فتفكَّر الحسن، وقبل أن يجيب قال واصل: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، ثم قام إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، وأخذ يقرر على جماعة من أصحاب الحسن ما أجاب به، من أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، ويثبت له المنزلة بين المنزلتين، قائلاً: إن المؤمن اسم مدح، والفاسق لا يستحق المدح فلا يكون مؤمناً، وليس بكافر أيضاً، لإقراره بالشهادتين، ولوجود سائر أعمال الخير فيه، فإذا مات بلا توبة خُلِّدَ فى النار، إذ ليس فى الآخرة إلا فريقان، فريق من الجنة، وفريق فى السعير، لكن يُخَفَفُ عنه، وتكون دركته فوق دركات الكفار، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فلذلك سُمى هو وأصحابه معتزلة.

ويُلَقَّب المعتزلة بالقدرية تارة، وبالمُعَطِّلة تارة أخرى، أما تلقيبهم بالقدرية، فلأنهم يسندون أفعال العباد إلى قدرتهم، وينكرون القَدَر فيها. وأما تلقيبهم بالمُعَطِّلة فلأنهم يقولون بنفى صفات المعانى فيقولون: الله عالِم بذاته، قادِر بذاته.. وهكذا.

فأنت ترى مما تقدم، أن الاعتزال نشأ فى البصرة، ولكن سرعان ما انتشر فى العراق، واعتنقه من خلفاء بنى أمية يزيد بن الوليد، ومروان بن محمد، وفى العصر العباسى، استفحل أمر المعتزلة، واحتلت أفكارهم وعقائدهم من عقول الناس وجدل العلماء مكاناً عظيماً، وما لبث أن تكوَّنت للاعتزال مدرستان كبيرتان: مدرسة البصرة،

ص: 262

وعلى رأسها واصل بن عطاء. ومدرسة بغداد، وعلى رأسها بشر بن المعتمر، وكان بين معتزلى البصرة ومعتزلى بغداد جدال وخلاف فى كثير من المسائل.

ولا أطيل بذكر ما كان بين المدرستين من مسائل خلافية، فإن هذه العُجَالة لا تتحمل الإطالة والتفصيل، ويكفى أن أُجمل القول فى ذكر أُصول المعتزلة، وأن أشير إلى تعدد فرقهم، ومَن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب التى أُلِّفت فى تاريخ الفِرَق، وهى كثيرة.

* *

* أصول المعتزلة:

أما أصول المعتزلة فهى خمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وهذه الأصول الخمسة يجمع الكل عليها، ومَن لم يقل بها جميعاً فليس معتزلياً بالمعنى الصحيح. قال أبو الحسن الخياط أحد زعماء المعتزلة فى القرن الثالث الهجرى:"وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإذا كملت هذه الخصال فهو معتزلى".

أما التوحيد: فهو لُبِّ مذهبهم، ورأس نحلتهم، وقد بنوا على هذا الأصل: استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات، وأن القرآن مخلوق لله تعالى.

وأما العدل: فقد بنوا عليه: أن الله تعالى لم يشأ جميع الكائنات، ولا خلقها ولا هو قادر عليها، بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله تعالى، لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعاً، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته.

وأما الوعد والوعيد: فمضمونه، أن الله يجازى مَن أحسن بالإحسان، ومَن أساء بالسوء، لا يغفر لمرتكب الكبيرة ما لم يتب، ولا يقبل فى أهل الكبائر شفاعة، ولا يُخرج أحداً منهم من النار. وأوضح من هذا أنهم يقولون: إنه يجب على الله أن يُثيب المطيع ويُعاقب مرتكب الكبيرة، فصاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه، لأنه أوعد بالعقاب على الكبائر وأخبر به، فلو لم يعاقب لزم الخلف فى وعيده. وهم يعنون بذلك أن الثواب على الطاعات، والعقاب على المعاصى قانون حتمى التزم الله به، كما قالوا: إن مرتكب الكبيرة مُخَلَّدٌ فى النار ولو صَدَّق بوحدانية الله وآمن برسله، لقوله تعالى فى الآية [81] من سورة البقرة:{بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ..

ص: 263

وأما المنزلة بين المنزلتين: فقد سبق أن بيَّناها فى مناظرة واصل بن عطاء للحسن البصرى.

وأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهو مبدأ مقرر عندهم، وواجب على المسلمين لنشر الدعوة الإسلامية، وهداية الضالين وإرشاد الغاوين، ولكنهم بالغوا فى هذا الأصل، وخالفوا ما عليه الجمهور، فقالوا: إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يكون بالقلب إن كفى، وباللسان إن لم يكف القلب، وباليد إن لم يغنيا، وبالسيف إن لم تكف اليد، لقوله تعالى فى الآية [9] من سورة الحجرات:{وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله} .. وهم فى ذلك لا يُفرِّقون بين صاحب السلطان وغيره، كما أنهم لم يُفرِّقوا بين الأصول الدينية المُجْمعُ عليها وعقائدهم الاعتزالية.

وهناك مبادئ أخرى للمعتزلة، لا يشتركون فيها، بل هى مبادئ خاصة لكل فِرْقة من فِرقهم المتعددة، التى بلغت العشرين أو تزيد، ولا أطيل بذكر هذه الفِرَق وبيان خصائص كل فِرْقة، وأحيلك على المواقف، أو التبصير فى الدين، أو الفَرْق بين الفِرَق للبغدادى، أو المِلَل والنِحل للشهرستانى، أو الفِصَل لابن حزم، لتتعرف منها هذه الفِرَق وخصائصها، إذ ليس هذا موضع التفصيل.

وبعد.. فقد عرفنا نشأة المعتزلة، وعرفنا أصولهم التى أجمعوا عليها، وما علينا بعد ذلك إلا أن نتكلم عن موقفهم الذى وقفوه من تفسير القرآن، ثم بعد ذلك نتكلم عن أهم من عرفناه من مفسِّرى المعتزلة. وعن كتبهم التى ألَّفُوها فى التفسير، ونسأل الله التوفيق والسداد.

* *

موقف المعتزلة من تفسير القرآن الكريم

* إقامة تفسيرهم على أصولهم الخمسة:

أقام المعتزلة مذهبهم على الأصول الخمسة التى ذكرناها آنفاً، ومن المعلوم أن هذه الأصول لا تتفق ومذهب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين يعتبرون أهم خصومهم، لهذا كان من الضرورى لهذه الفِرْقة - فِرْقة المعتزلة - فى سبيل مكافحة خصومها، أن تُقيم

ص: 264

مذهبها وتُدعِّم تعاليمها على أُسس دينية من القرآن، وكان لا بد لها أيضاً أن ترد الحجج القرآنية لهؤلاء الخصوم، وتضعف من قوتها، وسبيل ذلك كله هو النظر إلى القرآن أولاً من خلال عقيدتهم، ثم إخضاعهم عبارات القرآن لآرائهم التى يقولون بها، وتفسيرهم لها تفسيراً يتفق مع نحلتهم وعقيدتهم.

ولا شك أن مثل هذا التفسير الذى يخضع للعقيدة، يحتاج إلى مهارة كبيرة، واعتماد على العقل أكثر من الاعتماد على النقل، حتى يستطيع المفسِّر الذى هذا حاله، أن يلوى العبارة إلى جانبه، ويصرف ما يعارضه عن معارضته له وتصادمه معه.

والذى يقرأ تفسير المعتزلة، يجد أنهم بنوا تفسيرهم على أُسسهم من التنزيه المطلق، والعدل وحرية الإرادة، وفعل الأصلح.. ونحو ذلك، ووضعوا أسساً للآيات التى ظاهرها التعارض فَحَكَّمُوا العقل، ليكون الفيصل بين المتشابهات وقد كان مَن قبلهم يكتفون بمجرد النقل عن الصحابة أو التابعين، فإذا جاءوا المتشابهات سكتوا وفوَّضوا العلم لله.

* *

* إنكار المعتزلة لما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة:

ثم إن هذا السلطان العقلى المطلق، قد جَرَّ المعتزلة إلى إنكار ما صح من الأحاديث التى تناقض أسسهم وقواعدهم المذهبية، كما أنه نقل التفسير الذى كان يعتمد أولاً وقبل كل شئ على الشعور الحى، والإحساس الدقيق، والبساطة فى الفهم وعدم التكلف والتعمق، إلى مجموعة من القضايا العقلية، والبراهين المنطقية، مما يشهد للمعتزلة - رغم اعتزالهم - بقوة العقل وجودة التفكير.

ومع أن هذا السلطان العقلى المطلق، كان له الأثر الأكبر فى تفسير المعتزلة للقرآن، حتى اضطرهم فى بعض الأحيان إلى رد ما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة، فإنَّا لا نستطيع أن نقول أن نقول إن المعتزلة كانوا يقصدون الخروج على الحديث أو عدم الاعتراف بالتفسير المأثور، وذلك لأن حالهم بإزاء التفسير المأثور وتصديقهم له، يظهر بأجلى وضوح من حكم النظام على استرسال المفسِّرين من معاصريه.

وكان "النظام" معتبراً فى مدرسة المعتزلة من الرؤوس الحرة الواسعة الحرية وقد ذكر لنا تلميذه الجاحظ قوله الذى قاله فى شأن هؤلاء المفسِّرين، وهذا نصه: قال الجاحظ: "كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسِّرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا فى كل مسألة، فإن كثيراً منهم يقول بغير رواية على غير أساس وكلما كان المفسِّر أغرب عندهم كان أحب إليهم، وليكن عندكم عِكرمة، والكلبى، والسدىّ، والضحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصم فى سبيلٍ واحدة، وكيف أثق بنفسيرهم وأسكن إلى صوابهم وقد قالوا فى قوله عز وجل:{وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ} :

ص: 265

[الجن: 18] إن الله عز وجل، لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التى نصلى فيها، بل إنما عنى الجباه، وكل ما سجد الناس عليه من يد وجبهة وأنف وثفنة - وقالوا فى قوله تعالى:{أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ} : [الغاشية: 17] إنه ليس يعنى الجمال والنوق، وإنما يعنى السحاب - وإذا سُئلوا عن قوله:{وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} [الواقعة: 29] قالوا: الطلح هو الموز - وجعلوا الدليل على أن شهر رمضان قد كان فرضاً على جميع الأُمم وأن الناس غيَّروه قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] .. وقالوا فى قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} [طه: 125] .. قالوا: إنه حشره بلا حُجة - وقالوا فى قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} : [المطففين: 1] الويل واد فى جهنم، ثم قعدوا يصفون ذلك الوادى. ومعنى الويل فى كلام العرب معروف، وكيف كان فى الجاهلية قبل الإسلام، وهو من أشهر كلامهم - وسئلوا عن قوله تعالى:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق} [الفلق: 1] .. قالوا: الفلق واد فى جهنم. ثم قعدوا يصفونه، وقال آخرون: الفلق: المقطرة بلغة اليمن.. إلى آخر ما ذكره من تفسيراتهم الغريبة".

هذا.. وإن الزمخشرى - وهو أهم مَن عرفنا من مفسِّرى المعتزلة - نجده كثيراً ما يذكر ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن السَلف من التفسير ويعتمد على ما يذكر من ذلك فى تفسيره.

فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [41-42] من سورة الأحزاب: {ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} .. يقول ما نصه: {اذكروا الله} اثنوا عليه بضروب الثناء، من التقديس، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وما هو أهله، وأكثروا ذلك {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أى كافة الأوقات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ذكر الله على فم كل مسلم" - وروُى: "فى قلب كل مسلم" وعن قتادة: "قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم" وعن مجاهد: "هذه كلمات يقولها الطاهر والجُنُب والغفلان" أعنى: اذكروا وسبِّحوا موجهان إلى البُكرة والأصيل، كقولك: صُمْ وصَلِّ يوم الجمعة".. إلخ.

* *

* ادعاؤهم أن كل محاولاتهم فى التفسير مرادة لله:

ثم إن المعتزلة - بناء على رأيهم فى الاجتهاد، من أن الحكم ما أدَّى إليه اجتهاد كل مجتهد، فإذا اجتهدوا فى حادثة فالحكم عند الله تعالى فى حق كل واحد

ص: 266

مجتهده - رفضوا أن يكون للآية التى تحتمل أوجهاً تفسيراً واحداً لا خطأ فيه، وحكموا على جميع محاولاتهم التى حاولوها فى حل المسائل الموجودة فى القرآن، بأنها مرادة لله تعالى، وغاية ما قطعوا به هو عدم إمكان التفسير المخالف لمبادئهم وآرائهم.

وبدهى أن هذا الذى ذهب إليه المعتزلة، يخالف مذهب أهل السُّنَّة من أن لكل آية من القرآن معنى واحداً مراداً لله تعالى، وما عداه من المعانى المحتملة، فهى محاولات واجتهادات، يُراد منها الوصول إلى مُراد الله بدون قطع، غاية الأمر أن المفسِّر يقول باجتهاده، والمجتهد قد يُخطئ وقد يُصيب، وهو مأجور فى الحالتين وإن كان الأجر على تفاوت.

* *

* المبدأ اللغوى فى التفسير وأهميته لدى المعتزلة:

كذلك نجد المعتزلة قد حرصوا كل الحرص على الطريقة اللغوية التى تعتبر عندهم المبدأ الأعلى لتفسير القرآن، وهذا المبدأ اللغوى، يظهر أثره واضحاً فى تفسيرهم للعبارات القرآنية التى لا يليق ظاهرها عندهم بمقام الألوهية، أو العبارات التى تحتوى على التشبه، أو العبارات التى تصادم بعض أصولهم، فنراهم يحاولون أولاً إبطال المعنى الذى يرونه مشتبهاً فى اللفظ القرآنى، ثم يُثبتون لهذا اللفظ معنى موجوداً فى اللغة يُزيل هذا الاشتباه ويتفق مع مذهبهم، ويستشهدون على ما يذهبون إليه من المعانى التى يحملون ألفاظ القرآن عليهم بأدلة من اللغة والشعر العربى القديم.

فمثلاً الآيات التى تدل على رؤية الله تعالى كقوله سبحانه فى الآيتين [22، 23] من سورة القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . وقوله تعالى فى الآية [23] من سورة المطففين: {عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ} نجد المعتزلة ينظرون إليها بعين غير العين التى ينظر بها أهل السُّنَّة، ويحاولون بكل ما يستطيعون أن يُطَبِّقوا مبدأهم اللغوى، حتى يتخلصوا من الورطة التى أوقعهم فيها ظاهر اللفظ الكريم، فإذا بهم يقولون: إن النظر إلى الله معناه الرجاء والتوقع للنعمة والكرامة، واستدلوا على ذلك بأن النظر إلى الشئ فى العربية ليس مختصاً بالرؤية المادية، واستشهدوا على ذلك بقول الشاعر:

وإذ نظرتُ إليك من ملك

والبحر دونك زدتنى نعماً

ومثلاً عندما يقرأ المعتزلى قوله تعالى فى الآية [31] من سورة الفرقان: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين} يجد أن مذهبه الذى يقول بوجوب الصلاح

ص: 267

والأصلح على الله لا يتفق وهذا الظاهر من معنى الجعل، ولكن سرعان ما يتخلص من هذه الضائقة العالِم المعتزلى الكبير أبو علىّ الجبائى فيفسِّر:"جعل" بمعنى "بَيَّن" لا بمعنى خلق، ويستدل على ذلك بقول الشاعر:

جعلنا لهم نهج الطريق فأصبحوا

على ثبت من أمرهم حين يمموا

فيكون المعنى على هذا: أن الله سبحانه بَيَّنَ لكل نبى عدوه حتى يأخذ حذره منه.

* *

*تصرف المعتزلة فى القراءات المتواترة المنافية لمذهبهم:

وأحياناً يحاول المعتزلة تحويل النص القرآنى من أجل عقيدتهم إلى ما لا يتفق وما تواتر من القراءات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمثلاً ينظر بعض المعتزلة إلى قوله تعالى فى الآية [164] من سورة النساء: {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} .. فيرى أن مذهبه لا يتفق وهذا اللفظ القرآنى حيث جاء المصدر مؤكداً للفعل، رافعاً لاحتمال المجاز، فيبادر إلى تحويل هذا النص إلى ما يتفق ومذهبه فيقرؤه هكذا:"وكلَّم الله موسى تكليماً" بنصب لفظ الجلالة على أنه مفعول، ورفع موسى على أنه فاعل. وبعض المعتزلة يُبقى اللفظ القرآنى على وضعه المتواتر، ولكنه يحمله على معنى بعيد حتى لا يبقى مصادماً لمذهبه فيقول: إن "كلم" من الكَلْم بمعنى الجرح، فالمعنى: وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن، وهذا ليفر من ظاهر النظم الذى يصادم عقيدته ويخالف هواه.

هذا الذى ذكرناه، تعرَّض له الزمخشرى فى كشافه، فرواه عمن قال به عندما تكلم عن هذه الآية فقال: وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرءا "وكلم اللهَ" بالنصب، ثم قال مندداً بالرأى الثانى:"ومن بدع التفاسير أنه من الكَلْم، وأن معناه: وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن".

ومن الأمثلة التى يظهر فيها هذا التصرف من أجل أغراضهم المذهبية، قوله تعالى فى الآية [88] من سورة البقرة:{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} .. فبعض المعتزلة أحس من هذه الآية أنها لا تتفق ومذهبه، لأنها تُشعر بأن الله خلق قلوبهم على طبيعة وحالة لا تقبل معها الإسلام، فيكون هو الذى منعهم عن الهدى وألجأهم إلى الضلال فقرأها هذا المعتزلى:"غُلُفٌ".. جمع غلاف بمعنى الوعاء، أى قلوبنا أوعية حاوية للعلم، فهم مستغنون بما عندهم عما جاءهم به محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا الوجه يتمشى مع القراءة المعروفة:{غُلْفٌ} على أنه مخفف

ص: 268

"غلف"، وبطبيعة الحال يكون هذا القول من اليهود افتخاراً منهم بأن قلوبهم أوعية للعلم، فلا حاجة لهم بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وليس اعتذاراً منهم وتبريراً لكفرهم بأن الله خلق قلوبهم فى أكنة مما يدعوهم إليه، ومغشاة بأغطية تمنع وصول دعوة الرسول إليها.

وهذا الذى ذكرنا من قراءة "غلف" بدون تخفيف تعرض لذكره الزمخشرى فقال: "وقيل غُلُف: تخفيف غُلْف، جمع غلاف أى قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، وروُى عن أبى عمرو: "قلوبنا غُلُف".. بضمتين".

كما ذكره أيضاً الإمام فخر الدين الرازى فى تفسيره لهذه الآية فقال: "

وثانيها - أى ثانى الأوجه - روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غُلُفْ بالعلم، ومملوؤة بالحكمة، فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام".

وهكذا نجد شيوخ المعتزلة، يحاولون التوفيق بين مذهبهم والقرآن، بكل ما يستطيعون من وسائل التوفيق، تارة بتطبيق مبدئهم اللغوى على كثير من آيات القرآن الكريم، حتى يتمشى النص القرآنى مع قواعد مذهبهم أو يتلخصوا من معارضته ومصادمته لهم على الأقل، وتارة بتحويل النص القرآنى والتصرف فيه، بما يجعله فى جانبهم لا فى جانب خصومهم.

* *

* نقد ابن قتيبة لهذا المسلك الاعتزالى فى التفسير:

غير أن هذا المسلك قد أغضب العلَاّمة ابن قتيبة وأهاجه عليهم فانتقدهم انتقاضاً مراً لاذعاً فى كتابه "تأويل مختلف الحديث"، وإليك ما قاله بنصه لتقف على ما كان بين الفريقين - فريق أهل السُّنَّة وفريق المعتزلة - من جدال ومحاورة، وليتبين لك مقدار الميل بالعبارات القرآنية إلى ناحية المذهب والعقيدة من كبار شيوخ المذهب الاعتزالى.

قال أبو محمد: "وفسَّروا - أى المعتزلة - القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم فى قوله تعالى:{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض} [البقرة: 255] أى علمه، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يُعرف، وهذا قول الشاعر:

ولا بكرْسئُ علم الله مخلوق

كأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق. والكرسى غير مهموز، وبكرسئ مهموز، يستوحشون أن يجعلوا لله تعالى كرسياً أو سريراً، ويجعلون العرش شيئاً آخر، والعرب لا تعرف من العرش إلا السرير وما عرش من السقف والآبار، يقول الله

ص: 269

تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش} .. أى السرير، وأمية بن أبى الصلت يقول:

مَجِّدوا الله، وهو للمجد أهل

ربنا فى السماء أمسى كبيرا

بالبناء الأعلى الذى سبق النا

س وسوَّى فوق السماء سريرا

شَرْ جَعاً ما يناله العيـ

ـن ترى دونه الملائك صورا

وقال فريق منهم فى قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 100] : إنها هَمَّتْ بالفاحشة، وهمَّ هو بالفرار منها أو الضرب لها، والله تعالى يقول:{لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] أفتراه أراد الفرار منها أو الضرب لها، فلما رأى البرهان أقام عندها؟ وليس يجوز فى اللغة أن تقول: هممتُ بفلان وهَمَّ بى، وأنت تريد اختلاف الهمَّين حتى تكون أنت تهم بإهانته ويهم هو بإكرامك، وإنما يجوز هذا الكلام إذا اتفق الهمَّان.

وقال فريق منهم فى قوله تعالى: {وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى} [طه: 121] : إنه أتخم من أكل الشجرة، فذهبوا إلى قول العرب: غَوِىَ الفصيل يَغْوىَ غَوىً، إذا أكثر من شرب اللبن حتى يبشم. وذلك غَوَى يَغْوِى غَيّاً، وهو من البشم: غَوِىَ يَغْوَى غَوىً.

وقال فريق منهم فى قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس} [الأعراف: 179] : أى ألقينا فيها، يذهب إلى قول الناس: ذرته الريح. ولا يجوز أن يكون ذرأنا من ذرته الريح، لأن ذرأنا مهموز، وذرته الريح تذروه غير مهموز. ولا يجوز أيضاً أن نجعله من أذرته الدابة عن ظهرها أى ألقته، لأن ذلك من "ذرأت" تقدير فعلت بالهمز، وهذا من "أذريت" تقدير أفعلت بلا همز، واحتج بقول المثقب العبدى:

تقول إذا ذرأت لها وضينى

أهذا دينه أبداً ودينى؟

وهذا تصحيف، لأنه قال: تقول إذا درأت، أى دفعت، بالدال غير معجمة.

وقالوا فى قوله عز وجل: {وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] : إنه ذهب مغاضباً لقومه، استيحاشاً من أن يجعلوه مغاضباً لربه مع عصمة الله، فجعلوه مغاضباً لقومه حين آمنوا، ففروا إلى مثل ما استقبحوا، وكيف يجوز أن يغضب نبى الله صلى الله عليه وسلم على قومه حين آمنوا وبذلك بُعِثَ وبه أُمرِ؟، وما الفرق بينه وبين عدو الله إن كان يغضب من إيمان مائة ألف أو يزيدون ولم يخرج مغاضباً لربه

ص: 270

ولا لقومه؟ - وهذا مبين فى كتابى المؤلف فى مشكل القرآن، ولم يكن قصدى فى هذا الكتاب الإخبار عن هذه الحروف وأشباهها، وإنما كان القصد به الإخبار عن جهلهم وجرأتهم على الله بصرف الكتاب إلى ما يستحسنون، وحمل التأويل على ما ينتحلون.

وقالوا فى قوله تعالى: {واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125] : أى فقيراً إلى رحمته، وجعلوه من الخَلة بفتح الخاء، استيحاشاً أن يكون الله تعالى خليلاً لأحد من خلقه، واحتجوا بقول زهير:

وإن أتاه خليل يوم مسغبة

يقول لا غائب مالى ولا حرم

أى إن أتاه فقير، فأية فضيلة فى هذا القول لإبراهيم صلى الله عليه وسلم؟ أما تعلمون أن الناس جميعاً فقراء إلى الله تعالى، وهل إبراهيم خليل الله إلا كما قيل، وموسى كليم الله، وعيسى روح الله؟

وقالوا فى قوله تعالى: {وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] : إن اليد ههنا النعمة، لقول العرب: لى عند فلان يد، أى نعمة ومعروف. وليس يجوز أن تكون اليد ههنا النعمة، لأنه قال:{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: 64] معارضة عما قالوه فيها، ثم قال:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]

ولا يجوز أن يكون أراد غُلَّت نعمهم بل نعمتاه مبسوطتان، لأن النعم لا تُغَّل، ولأن المعروف لا يُكَنَّى عنه باليدين كما يُكَنَّى عنه باليد، إلا أن يريد جنسين من المعروف فيقول: لى عنده يدان. ونعم الله تعالى أكثر من أن يُحاط بها".

* *

* تذرع المعتزلة بالفروض المجازية إذا بدا ظاهر القرآن غريباً:

هذا.. وإن المعتزلة فى كثير من الأحيان، يعتمدون فى طريقتهم التفسيرية على الفروض المجازية، فمثلاً إذا مروا بآية من الآيات التى تبدو فى ظاهرها غريبة مستبعدة، كقوله تعالى فى الآية [172] من سورة الأعراف:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}

الآية، وقوله تعالى فى الآية [72] من سورة الأحزاب:{إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا}

الآية، نجدهم يحملون الكلام على التمثيل أو التخييل، ولا يقولون بالظاهر ولا يحوِّمون عليه، اللَّهم إلا للرد على مَن يقول به ويُجَوِّز حصوله.. نعم إن القرآن يمثل القمة العالية فى كمال الأسلوب وبراعة النظم، وهو فى نفسه يقبل ما يقوله المعتزلة من المجازات والاستعارات، ولكن ما الذى يمنع من إرادة الحقيقة؟ وأى صارف يصرف اللفظ عن الظاهر إلى غيره من التمثيل أو التخييل بعد ما تقرر من أن اللفظ إذا أمكن حمله على الظاهر وجب ح

ص: 271

مله عليه وقبح صرفه إلى غير ما يتبادر منه؟؟.. اللَّهم لا شئ يمنع من إرادة المعنى الظاهر إلا استبعاد ذلك على قدرة الله تعالى، ولسنا فى شك من صلاحية القدرة لمثل ما جاء فى الآيات التى أشرنا إليها، غاية الأمر، أن كيفية أخذ الله ذُرِّية بنى آدم من ظهورهم، ومخاطبته لتلك الذُرِّية، وكيفية عرض الأمانة على ما ذكر من السماوات والأرض والجبال وإبائها عن حملها، أمر لا نستطيع أن نخوض فيه، بل يجب علينا أن نفوِّض علمه وحقيقته إلى الله سبحانه.

وسيأتى الكلام عن هذه الناحية بالذات بما هو أوسع من هذا، عند الكلام على الكشاف للزمخشرى، فإنه صاحب اليد الطولى فى هذه الناحية، وخير من أفاض فيها وأجاد.

* *

* تفسيرهم للقرآن على ضوء ما أنكروه من الحقائق الدينية:

وكذلك نجد المعتزلة قد وقفوا تجاه بعض الحقائق الدينية الثابتة عند جمهور أهل السُّنَّة موقف المعارضة والكفاح، فأهل السُّنَّة يقولون بحقيقة السحر، ويعترفون بما له من تأثير فى المسحور، ويقولون بوجود الجن، ويعترفون بما لهم من قوة التأثير فى الإنسان حتى ينشأ عن ذلك المس والصَرَع، ويقولون بكرامات الأولياء.. وما إلى ذلك، ولكن المعتزلة الذين ربطوا التفسير بما شرطوه من جعل العقل مقياساً للحقائق الدينية وقفوا ضد هذا كله وجعلوه من قبيل الخرافات، والتصورات المخالفة لطبيعة الأشياء، وكان من وراء ذلك أن تمرد المعتزلة - فى حرية مطلقة من كل قيد - على الاعتقاد بالسحر والسَحَرة، وما يدور حول ذلك، وبلغ بهم الأمر أن أنكروا أو تأوَّلوا ما صح من الأحاديث التى تُصَرِّح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سُحِر، ولم يقفوا طويلاً أمام ما يعارضهم من سورة الفلق، بل تخلَّصوا بتأويلات ثلاث ذكرها الزمخشرى فى كشافه (الجزء الثانى ص 568) .

كذلك تمرد بعض أعلام المعتزلة كالنظام على الاعتقاد بوجود الجن، وثار بعضهم كالزمخشرى ضد مَن يقول بأن الجن لها قوة التأثير فى الإنسان مع الاعتراف منه بوجودها فى نفسها، فأوَّلوا ما يصادمهم من الآيات القرآنية، وأنكروا أو تأوَّلوا ما صح من الأحاديث النبوية، كالحديث الصحيح الذى أخرجه البخارى، وفيه:"أن شيطاناً من الجن عرض للنبى صلى الله عليه وسلم وهو فى الصلاة يريد أن يشغله عنها فأمكنه الله منه"،

ص: 272

وكالحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يُولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها".

كذلك تمرَّد المعتزلة على الاعتقاد بكرامات الأولياء، واعتمدوا فى تمردهم هذا على قول الله تعالى فى الآيتين [26، 27] من سورة الجن: {عَالِمُ الغيب فَلَا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَاّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ} .. ونرى الزمخشرى يستنتج من هذه الآية: "أنه تعالى لا يطلع على الغيب إلا المرتضى، الذى هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى، وفى هذا إبطال الكرامات، لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل، وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال الكهانة والتنجيم، لأن أصحابهما أبعد شئ من الارتضاء وأدخله فى السخط".

وبعد.. فإن المعتزلة لم يقفوا هذا الموقف الذى لا يتفق مع معتقدات أهل السُّنَّة، ولم يعطوا العقل هذا السلطان الواسع فى التفسير، إلا من أجل أن يبعدوا - كما يزعمون - كل الأساطير الخرافية عن محيط الحقائق الدينية، وليربطوا بين القرآن وبين عقيدتهم التى قامت على التوحيد الخالص من كل شائبة.

ولكن هل وقف أهل السُّنَّة حيال هذه المحاولات الاعتزالية فى فهم نصوص القرآن الكريم موقف التسليم لها والرضا بها؟ أو أغضبهم هذا التصرف من خصومهم المعتزلة؟. الحق أن هذا التصرف من المعتزلة أثار عليهم خصومهم أهل السُّنَّة واستعداهم عليهم فرموهم بالعبارات اللاذعة، واتهموهم بتحريك النصوص عن مواضعها تمشياً مع الهوى وميلاً مع العقيدة. وقد مرَّ بك آنفاً مقالة ابن قتيبة، وفيها يُشدِّد عليهم النكير من أجل مسلكهم اللغوى فى التفسير.

* *

* حكم الإمام أبى الحسن الأشعرى على تفسير المعتزلة:

وهذا هو الإمام أبو الحسن الأشعرى، يحكم على تفسير المعتزلة بأنه زيغ وضلال، وذلك حيث يقول فى مقدمة تفسيره المسمى بالمختزن والذى لم يقع لنا: "أما بعد، فإن أهل الزيغ والتضليل تأوَّلوا القرآن على آرائهم، وفسَّروه على أهوائهم، تفسيراً لم يُنزل الله به سلطاناً، ولا أوضح به برهاناً، ولا رووه عن رسول رب العالمين، ولا عن أهل بيته الطيبين، ولا عن السَلَف المتقدمين، من الصحابة والتابعين، افتراءً على الله، قد ضَلُّوا وما كانوا مهتدين.

وإنما أخذوا تفسيرهم عن أبى الهذيل بياع العلف ومتبعيه، وعن إبراهيم نظَّام الخرز ومقلديه، وعن الفوطى وناصريه، وعن المنسوب إلى قرية جُبى ومنتحليه، وعن الأشج

ص: 273

جعفر بن حرب ومجتبييه، وعن جعفر بن مبشر القصبى ومتعصبيه، وعن الإسكافى الجاهل ومعظميه، وعن الفروى المنسوب إلى مدينة بلخ وذويه، فإنهم قادة الضلال، من المعتزلة الجهال، الذين قلدوهم فى دينهم، وجعلوهم معولهم الذى عليه يُعوِّلون، وركنهم الذى إليه يستندون.

ورأيت الجبائى ألَّف فى تفسير القرآن كتاباً أوَّله خلاف ما أنزل الله عز وجل، وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجُبى، وليس من أهل اللسان الذى نزل به القرآن، وما روى فى كتاب حرفاً عن أحد من المفسِّرين. وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه، ولولا أنه استغوى بكتابه كثيراً من العوام، واستنزل به عن الحق كثيراً من الطغام، لم يكن لتشاغلى به وجه".

* *

* حكم ابن تيمية على تفسير المعتزلة:

كذلك حكم ابن تيمية على تفسيرهم فقال: "إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سَلَف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، لا فى رأيهم ولا فى تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسَّروا به القرآن إما دليلاً على قولهم، أو جواباً على المعارض لهم، ومِن هؤلاء مَن يكون حسن العبارة فصيحاً ويدس البدع فى كلامه وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف، ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله، وقد رأيت من العلماء المفسِّرين وغيرهم مَن يذكر فى كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التى يعلم أو يعتقد فسادها ولا يهتدى لذلك".

* *

* حكم ابن القيم على تفسير المعتزلة:

كذلك نجد العلَاّمة ابن القيم يحكم على التفسير المعتزلة حكماً قاسياً فيقول: "إنه زُبالة الأذهان، ونخالة الأفكار، وعفار الآراء، ووساوس الصدور، فملأوا به الأوراق سواداً، والقلوب شكوكاً، والعالَم فساداً، وكل مَن له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالَم إنما نشأ من تقديم الرأى على الوحى، والهوى على العقل".

* * *

ص: 274

أهم كتب التفسير الاعتزالى

صَنَّف كثير من شيوخ المعتزلة تفاسير للقرآن الكريم على أصول مذهبهم، ولم تكن هذه التفاسير أكثر حظاً من غيرها من كتب التفسير المختلفة، حيث امتدت إلى كثير منها يد الزمان، فضاعت بتقادم العهد عليها، وحُرمت المكتبة الإسلامية العامة من معظم هذا التراث العلمى الذى لو بقى إلى يومنا هذا لألقى لنا ضوءاً واضحاً على مدى التفكير التفسيرى، لشيوخ هذا المذهب الاعتزالى، ولكشف لنا عن حقيقة ما يُنسب لبعض شيوخهم من تفسيرات واسعة النطاق، نسمع بها من علمائنا المتقدمين، ونقف منها موقف الحائر بين الشك واليقين، لما يُذكر عنها من الاستفاضة والتضخم إلى حد يكاد يكون متخيلاً أو مبالغاً فيه.

نتصفح طبقات المفسِّرين للسيوطى، وطبقات المفسِّرين لتلميذه الداودى، وغيرهما من الكتب التى لها عناية بهذا الشأن، فنجد أن من أشهر من صَنَّف فى التفسير من المعتزلة: أبو بكر، عبد الرحمن بن كيسان الأصم المتوفى سنة 240 هـ (أربعين ومائتين من الهجرة) . أقدم شيوخ المعتزلة، وشيخ إبراهيم ابن إسماعيل بن علية الذى كان يناظر الشافعى، فقد ذكر ابن النديم فى الفهرست: أنه ألَّف تفسيراً للقرآن الكريم. ولكنا لا نعلم عن هذا التفسير خبراً، حيث إنه فُقِد بمرور الزمن وتقادم العهد عليه.

ومحمد بن عبد الوهاب بن سلام (أبو على الجبائى) المتوفى سنة 303 هـ (ثلاث وثلاثمائة من الهجرة) ، وأحد شيوخ المعتزلة الذين كانت لهم شهرة واسعة فى الفلسفة والكلام، فقد ذكر السيوطى فى طبقات المفسِّرين: أنه ألَّف فى التفسير، وذكر ذلك ابن النديم فى الفهرست أيضاً. ولكنَّا لا نعلم شيئاً عن هذا التفسير أكثر مما ذكرناه آنفاً عن أبى الحسن الأشعرى.

وأبو القاسم، عبد الله بن أحمد البلخى الحنفى، المعروف بالكعبى المعتزلى، المتوفى سنة 319 هـ (تسع عشرة وثلاثمائة من الهجرة)، فقد ذكر صاحب كشف الظنون: أنه ألَّف تفسيراً كبيراً يقع فى اثنى عشر مجلداً، وقال: إنه لم يُسبَق إليه ولكن لم يقع لنا هذا التفسير كغيره.

وأبو هاشم عبد السلام بن أبى علىّ الجبائى المتوفى سنة 321 هـ (إحدى وعشرين وثلاثمائة من الهجرة)، ذكر السيوطى فى طبقات المفسِّرين: أنه ألَّف تفسيراً، وقال إنه رأى جزءاً منه، ولكنَّا لم نظفر به أيضاً.

ص: 275

وأبو مسلم، محمد بن بحر الأصفهانى المتوفى سنة 322 هـ (اثنتين وعشرين وثلاثمائة من الهجرة) ، صنَّف تفسيراً اسمه "جامع التأويل لمحكم التنزيل" يقع فى أربعة عشر مجلداً، وقيل: فى عشرين مجلداً، وقد أشار إلى هذا التفسير ابن النديم فى الفهرست، والسيوطى فى بُغية الوعاة فى طبقات النحاة. وهذا التفسير - فيما يبدو - هو الذى يعتمد عليه الفخر الرازى فيما ينقله فى تفسيره من أقوال منسوبة لأبى مسلم، وقد أخذ بعض المؤلفين ما جاء فى تفسير الفخر الرازى منسوباً لأبى مسلم، وجمعه فى كتاب مستقل سماه تفسير أبى مسلم الأصفهانى، وقد اطلعتُ على جزء منه صغير الحجم بمكتبة الجامعة المصرية (جامعة القاهرة) .

وأبو الحسن علىّ بن عيسى الرمانى المتوفى سنة 384 هـ (أربع وثمانين وثلاثمائة من الهجرة) ، وأحد شيوخ المعتزلة المتشيعين صنَّف تفسيراً للقرآن الكريم، قال السيوطى فى طبقات المفسِّرين إنه رآه. وذكر صاحب كشف الظنون: أنه اختصره عبد الملك بن علىّ المؤذن الهروى المتوفى سنة 489 هـ (تسع وثمانين وأربعمائة من الهجرة) ولكنَّا لم نظفر به ولا بمختصره.

وعبيد الله بن محمد بن جرو الأسدى أبو القاسم النحوى العروضى المعتزلى المتوفى سنة 387 هـ (سبع وثمانين وثلاثمائة من الهجرة)، قال السيوطى فى طبقات المفسِّرين: إنه صنَّف تفسيراً للقرآن الكريم، وذكر فى {بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ} مائة وعشرين وجهاً ولكنَّا لم نظفر به أيضاً.

والقاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى، المتوفى سنة 415 هـ (خمس عشرة وأربعمائة من الهجرة) ، ألَّف كتابه "تنزيه القرآن عن المطاعن" وهو بين أيدينا، ومتداوَل بين أهل العلم، ولكنه غير شامل لجميع آيات القرآن الكريم.

والشريف المرتضى، العالِم الشيعى العلوى المتوفى سنة 436 هـ (ست وثلاثين وأربعمائة من الهجرة) ، كتب بحوثاً فيَّاضة فى بعض آيات القرآن الكريم التى تصادم مذهب المعتزلة، ووفق بين ظاهر النظم الكريم والعقيدة الاعتزالية، ونجد هذه البحوث التفسيرية ضمن ما دوَّنه فى أماليه التى سماها: غُرر الفوائد ودُرر القلائد.

وعبد السلام بن محمد بن يوسف القزوينى شيخ المعتزلة المتوفى سنة 483 هـ (ثلاث وثمانين وأربعمائة من الهجرة) ، فسَّر القرآن تفسيراً واسعاً، فقد جاء فى طبقات المفسِّرين، للسيوطى: "أنه جمع التفسير الكبير الذى لم يرد فى التفاسير

ص: 276

أكبر منه ولا أجمع للفوائد، لولا أنه موجه بكلام المعتزلة وبَثَّ فيه معتقده وهو فى ثلاثمائة مجلد، منها سبع مجلدات فى الفاتحة". ونقل عن ابن النجار أنه قال فى شأن القزوينى هذا: "إنه كان طويل اللسان، ولم يكن محققاً إلا فى التفسير، فإنه لهج بالتفاسير حتى جمع كتاباً بلغ خمسمائة مجلد حشى فيه العجائب، حتى رأيت منه مجلداً فى آية واحدة، وهى قوله تعالى:{واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين}

الآية".

وأبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى المتوفى سنة 538 هـ (ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة) ، فسَّر القرآن الكريم تفسيراً عظيماً جداً لولا ما فيه من نزعات الاعتزال، وهو أشمل ما وصل إلينا من تفاسير المعتزلة.

هؤلاء هم أشهر مَن عرفناهم من مفسِّرى المعتزلة. وهذه هى تفاسيرهم التى نسمع عنها، ولم يصل إلينا منها إلا هذه المصنَّفات الثلاثة: تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضى عبد الجبار، وأمالى الشريف المرتضى، والكشاف للزمخشرى. لهذا نرى أن نتكلم عن هذه الكتب الثلاثة، وعن المسلك الذى سلكه فيها أصحابها، بما يلقى لنا ضوءاً على المنحى الذى نحاه المعتزلة فى تفسيرهم لكتاب الله تعالى، وتأويلهم لنصوصه، حتى تشهد لهم، أو لا تتعارض معهم على الأقل.

* * *

ص: 277

1 -

تنزيه القرآن عن المطاعن (للقاضى عبد الجبار)

* التعريف بمؤلف هذا التفسير:

مؤلف هذا التفسير هو قاضى القضاة، أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد ابن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل الهمدانى الأسدباذى الشافعى، شيخ المعتزلة. سمع من أبى الحسن بن سلمة بن القطان، وعبد الله بن جعفر ابن فارس، وغيرهما. عاش دهراً طويلاً وفاق أقرانه، وسار ذكره، وعظم صيته، ورحلت إليه الطلبة، وأخذ عنه كثير من العلماء، منهم: أبو القاسم علىّ بن الحسن التنوخى، والحسن بن على الصيمرى الفقيه، وأبو محمد عبد السلام القزوينى المفسِّر المعتزلى.

استدعاه الصاحب إلى الرَّى بعد سنة 360 هـ (ستين وثلاثمائة من الهجرة) ، فولى قضاءها، وبقى بها مواظباً على التدريس إلى آخر حياته، وكان الصاحب يقول فيه: هو أعلم أهل الأرض.

وقد خلَّف القاضى عبد الجبار مصنَّفات فى أنواع مختلفة من العلوم، منها: كتاب الخلاف والوفاق، وكتاب المبسوط، وكتاب المحيط، وكلها فى علم الكلام. وألَّف فى أصول الفقه: النهاية، والعمدة، وشرحه. وألَّف فى المواعظ كتاباً سماه نصيحة المتفقهة. وقال ابن كثير فى طبقاته: إن من أجَّل مصنفاته وأعظمها، كتاب دلائل النبوة، فى مجلدين، أبان فيه عن علم وبصيرة جيدة، وبالجملة فقد طبق الأرض بكتبه، وبعد صيته، وعظم قدره، حتى انتهت إليه الرياسة فى المعتزلة، وصار شيخها وعالمها غير مدافع، وكانت وفاته فى ذى العقدة 415 هـ (خمس عشرة وأربعمائة من الهجرة) .

* *

* التعريف بكتاب تنزيه القرآن عن المطاعن وطريقة مؤلفه فيه:

ذكر مؤلف هذا الكتاب فى مقدمته (ص3، 4) : أنه لا يُنتفع بكتاب الله إلا بعد الوقوف على معانى ما فيه، وبعد الفصل بين مُحكمه ومتشابهه، وذكر أن كثيراً من الناس قد ضلَّ بأن تمسك بالمتشابه حتى اعتقد أن قوله تعالى:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [الحشر: 1، والصف: 1] حقيقة فى الحجر والمدر والطير والنعم، وربما رأوا فى ذلك تسبيح كل شئ من ذلك، ومَن اعتقد ذلك لم ينتفع بما يقرؤه، قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن} [محمد: 24] . وكذلك وصفه تعالى بأنه: {يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المؤمنين} [الإسراء: 9] .. ثم قال: وقد أملينا فى ذلك كتاباً يفصل بين

ص: 278

المحكم والمتشابه، عرضنا فيه سور القرآن على ترتيبها، وبيَّنا معانى ما تشابه من آياتها، مع بيان وجه خطأ فريق من الناس فى تأويلها، ليكون النفع به أعظم، ونسأل الله التوفيق للصواب إن شاء الله.

فالكتاب لم يقصد فيه مؤلفه أن يعرض لشرح كتاب الله آية آية، بل كان كل همه - كما نأخذ من عبارته السابقة، وكما يظهر لنا من مسلكه فى الكتاب نفسه - موجهاً إلى الفصل بين مُحكم الكتاب ومتشابهه، وإلى بيان معانى هذه الآيات المتشابهة، ثم إلى بيان خطأ فريق من الناس، فى تأويلها، وهو يقصد بهذا الفريق - فى الغالب - جماعة أهل السُّنَّة الذين لا يرون رأيه فى القرآن، ولا ينظرون إليه نظرته الاعتزالية.

نقرأ هذا الكتاب، فنجد أن مؤلفه قد ابتدأه بسورة الفاتحة، واختتمه بسورة الناس، ولكنه لا يستقصى جميع السورة، ولا يعرض لكل آياتها بالشرح كما قلنا، بل نجده يبنى كتابه على مسائل، كل مسألة تتضمن إشكالاً وجواباً، وهذا الإشكال تارة يرد على ظاهر النظم الكريم من ناحية الصناعة العربية، وتارة يرد عليه من ناحية أنه لا يتفق مع عقيدته الاعتزالية.

* *

* بعض مواقفه من مشكلات الصناعة العربية:

أما المسائل التى أوردها مشتملة على مشكلات الصناعة العربية وأجوبتها، فهو لا تخرج عما عرض له عامة المفسِّرين فى تفاسيرهم، وهذا الجانب يشمل جزءاً غير قليل من الكتاب، وإليك بعض هذه المسائل:

فمثلاً فى سورة الحمد يقول فى (ص 4، 5) ما نصه: "مسألة - قالوا: الحمد لله: خبر، فإن كان حمد نفسه فلا فائدة لنا فيه. وإن أمرنا بذلك، فكان يجب أن يقول: قولوا الحمد لله. وجوابنا عن ذلك: أن المراد به الأمر بالشكر والتعليم لكى نشكره، لكنه وإن حذف الأمر فقد دل عليه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .. لأنه لا يليق بالله تعالى، وإنما يليق بالعباد، فإذا كان معناه قولوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فكذلك قوله: {الحمد للَّهِ} .. وهكذا كقوله: {وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 23-24] .. ومثله كثير من القرآن".

ومثلاً فى سورة البقرة يقول فى (ص6) ما نصه: "مسألة" - ومتى قيل: ولماذا قال تعالى: {ذَلِكَ الكتاب} [البقرة: 2] ولم يقل: هذا الكتاب؟ فجوابنا: أنه جَلَّ وعَزَّ وعد رسوله إنزال كتاب عليه لا يمحوه الماء، فلما أنزل ذلك قال:{ذَلِكَ الكتاب} . والمراد: ما وعدتك، ولو قال:"هذا الكتاب" لم يفد هذه الفائدة".

ويقول بعد ذلك مباشرة فى (ص 7، 6) ما نصه: "مسألة" - قالوا: ما معنى: {لَا

ص: 279

رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] وقد علمتم أن خلقاً يشكُّونَ فى ذلك فكيف يصح ذلك؟. وإن أراد: لا ريب فيه عندى وعند مَن يعلم، فلا فائدة فى ذلك. فجوابنا: أن المراد أنه حق يجب أن لا يُرتاب فيه، وهذا كما يبين المرء الشئ لخصمه فيحسن منه بعد البيان أن يقول: هذا كالشمس واضح، وهذا لا يشك فيه أحد، وهذا كما يقال عند إظهار الشهادتين: إن ذلك حق وصدق، وإن كان فى الناس مَن يُكَذِّب بذلك".

ومثلاً فى سورة هود يقول فى (ص 164) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} [هود: 17] : ما الفائدة فى هذا الابتداء ولا خبر له؟ وجوابنا: أن الخبر قد يُحذف إذا كان كالمعلوم، والمراد: أفمن كان بهذا الوصف كمن هو يكفر ولا يسلك طريق العبادة وما توجبه البيِّنة".

ومثلاً فى سورة الفرقان يقول فى (ص 354) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد} [الفرقان: 15] كيف يصح ذلك ولا خير فى النار أصلاً؟ وجوابنا: أن المراد: أيهما أولى بأن يكون خيراً؟ وقد يقول الحكيم لغيره من العصاة: إن التمسك بالطاعة خير لك من المعصية، والمراد ما قد ذكرنا".

هذه أمثلة من الإشكالات التى أوردها القاضى عبد الجبار على ظاهر النظم من ناحية الصناعة، وهذه هى الأجوبة التى أجاب بها عن هذه الإشكالات.

* *

* بعض مواقفه من المشكلات العقيدية الاعتزالية:

وأما المسائل التى أوردها مشتملة على إشكالات ترد على ظاهر النظم من ناحية أنه لا يتفق وعقيدته، وعلى أجوبة هذه الإشكالات، فهى كثيرة جداً، وهى تشغل الجزء الأكبر من هذا المؤلَّف، وإليك بعضه هذه المسائل:

* الهداية والضلال:

فمثلاً يقول فى سورة البقرة (ص 9، 10) ما نصه: "مسألة - قالوا: فقد قال تعالى: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غشَاوَةٌ} [البقرة: 7] .. وهذا يدل على أنه قد منعم من الإيمان، ومذهبكم بخلافه، وكيف تأويل الآية؟. وجوابنا: أن للعلماء فى ذلك جوابين، أحداهما: أنه شَبَّه حالهم بحال الممنوع الذى على بصره غشاوة من حيث أزاح كل عللهم فلم يقبلوا، كما قد تعيَّن للواحد الحق فتوضحه فإذا لم يقبل صحَّ أن تقول: إنه حمار قد طبع الله على قلبه، وربما تقول: إنه ميت، وقد قال تعالى للرسول:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الموتى} [النمل: 8] وكانوا أحياء، فلما لم يقبلوا شبَّههم بالموتى، وهو كقول الشاعر:

ص: 280

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً

ولكن لا حياة لمن تنادى

ويبيِّن ذلك أنه تعالى ذَمَّهم، ولو كان هو المانع لهم لما ذَمَّهم، وأنه ذكر فى جملة ذلك الغشاوة على سمعهم وبصرهم، وذلك لو كان ثابتاً لم يؤثر فى كونهم عقلاء مُكلَّفين.

والجواب الثانى: أن الختم علامة يفعلها تعالى فى قلوبهم، لتعرف الملائكة كفرهم وأنهم لا يؤمنون فتجتمع على ذَمَّهم، ويكون ذلك لطفاً لهم، ولطفاً لمن يعرف ذلك من الكفار أو يظنه، فيكون أقرب إلى أن يقلع عن الكفر. وهذا جواب الحسن رحمه الله، ولهذا قال تعالى:{غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 7] ".

ومثلاً فى سورة الأعراف يقول فى (ص 140) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولائك هُمُ الخاسرون} [الأعراف: 178] أليس ذلك يدل على أنه يخلق الهدى والضلال؟ وجوابنا: أن المراد: منَ يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدى فى الدنيا. ومَن يُضلل عن الثواب إلى العقاب فأُولئك هم الخاسرون فى الدنيا، وسبيل ذلك أن يكون بعثاً من الله تعالى على الطاعة. وكذلك قوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186] المراد: مَن يُضلله عن الثواب فى الآخرة فلا هادى له إليه، وإن كنا قد أزحنا العِلَّة وسهَّلنا السبيل إلى الطاعة".

ومثلاً فى سورة الحج يقول فى (ص 240، 241) ما نصه: "مسألة - وربما

ص: 281

قيل فى قوله تعالى: {وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] : إن ذلك يدل على أنه يهدى قوماً دون قوم بخلاف قولكم: إن الهدى عام. وجوابنا: أن المراد: يكلف مَن يريد، لأن فى الناس مَن لا يبلغه حد التكليف. أو يحتمل أن يريد الهداية إلى الثواب، لأنها خاصة فى المطيعين دون العصاة، ورغَّبَ تعالى المؤمن فى تحمل المشاق واحتمال ما يناله من المبطلين بقوله تعالى:{إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} [الحج: 17] .. فبيِّن حُسن عاقبة المؤمن عند الفصل، ليكون فى الدنيا وإن لحقه الذل صابراً. وعلى هذا الوجه قال صلى الله عليه وسلم:"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر".

فأنت ترى من هذا كله: أنه يفر من القول بأن الله تعالى هو الذى يصرف العبد عن طريق الهدى إلى طريق الضلال أو العكس، تمشياً مع مذهبه وعقيدته..

*

* مس الشيطان:

كذلك نراه يُفسِّر الآيات التى تدل على أن الشيطان له قدرة على أن يؤثر فى الإنسان بما يوافق مذهبه، فيقول فى سورة البقرة (ص 50) ما نصه:"مسألة - وربما قيل: إن قوله: {الذين يَأْكُلُونَ الربا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس} [البقرة: 275] كيف يصح ذلك وعندكم أن الشيطان لا يقدر على مثل ذلك؟. وجوابنا: أن مس الشيطان إنما هو بالوسوسة كما قال تعالى فى قصة أيوب: {مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] ، كما يقال فيمن يفكر فى شئ يغمه: قد مسَّه التعب، وبيَّن ذلك قوله فى صفة الشيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي} [إبراهيم: 22] .. ولو كان يقدر على أن يخبط لصرفً هِمَّته إلى العلماء والزُهَّاد وأهل العقول، لا إلى مَن يعتريه الضعف. وإذا وسوس ضعف قلب مَن يخصه بالوسوسة فتغلب عليه المرة فيتخبط، كما يتفق ذلك فى كثير من الإنس إذا فعلوا ذلك لغيرهم".

ويقول فى سورة الناس (ص 385، 386) : "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس *مَلِكِ الناس *إلاه الناس *مِن شَرِّ الوسواس الخناس} [الناس: 1-4] : أليس ذلك يدل على أن الشيطان يؤثر فى الإنسان حتى أُمِرنا بأن نتعوَّذ من شره، وأنتم تقولون: إنه لا يقدر على شئ من ذلك؟. وجوابنا: أنه تعالى بيَّن أن هذا الوسواس من الجِنَّة والناس، ومعلوم أن من يوسوس من الناس لا يخبط ولا يُحدِث فيمن يوسوس له تغيير عقل وجسم، فكذلك حال الشيطان، ومع ذلك فلا بد فى وسوستهم من أن يكون ضرر يصح أن يُتعوَّذ بالله تعالى منه، وهذا يدل إذا تأمله المرء على قولنا بأن العبد مختار لفعله، وذلك لأنه تعالى لو كان يخلق كل هذه الأمور فيه لم يكن لهذا التعوُّذ معنى، لأنه إن أراد خلق ما يضره فيه، وخلق المعاصى فيه، فهذا التعوُّذ وجوده كعدمه، وإنما ينفع متى كان العبد مختاراً، فإذا أتى بهذا التعوُّذ كان أقرب إلى أن لا يناله من قِبَلِ الجِنَّة والناس ما كان يناله لولا ذلك".

*

* رؤية الله:

ولما كان المعتزلة لا يجوزِّون وقوع رؤية الله فى الآخرة، فإن صاحبنا قد تخلَّص من كل آية تُجوَّز وقوع الرؤية.

فمثلاً فى سورة يونس يقول فى (ص 159) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] : أليس المراد بها الرؤية على ما روى فى الخبر؟. وجوابنا: أن المراد بالزيادة التفضل فى الثواب، فتكون الزيادة من جنس المزيد عليه، وهذا مروى، وهو الظاهر، فلا معنى لتعلقهم بذلك، وكيف يصح ذلك وعندهم أن الرؤية أعظم من كل الثواب فكيف تُجعل زيادة على الحسنى؟ ولذلك قال بعده: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ} [يونس: 26] فبيَّن أن الزيادة هى من هذا الجنس فى الجنَّة".

ص: 282

وفى سورة القيامة يقول فى (ص 358، 359) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23] : إنه أقوى دليل على أن الله تعالى يُرَى فى الآخرة. وجوابنا: أن مَن تعلَّق بذلك إن كان ممن يقول بأن الله تعالى جسم، فإنَّا لا ننازعه فى أنه يُرَى. بل فى أنه يُصافَح، ويُعانَق، ويُلمَس، تعالى الله عن ذلك، وإنما نكلمه فى أنه ليس بجسم. وإن كان ممن ينفى التشبيه عن الله فلا بد من أن يعترف بأن النظر إلى الله تعالى لا يصح، لأن النظر هو تقليب العين الصحيحة نحو الشئ طلباً لرؤيته، وذلك لا يصح إلا فى الأجسام. فيجب أن يُتأوَّل على ما يصح النظر إليه وهو الثواب، كقوله تعالى: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] ، فإنَّا تأوَّلناه على أهل القرية لصحة المسألة منهم. وبيَّن ذلك أن الله ذكر ذلك ترغيباً فى الثواب كما ذكر قوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 24-25] زجراً عن العقاب، فيجب حمله على ما ذكرناه".

*

* أفعال العباد:

كذلك يتأثر القاضى عبد الجبار بعقيدته الاعتزالية القائلة بأن الله تعالى لا يخلق أفعال العباد، فيقول فى سورة الأنفال (ص 144) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولاكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولاكن الله رمى} [الأنفال: 17]، كيف يصح ذلك مع القول بأن الله تعالى لا يخلق أفعال العباد؟ وجوابنا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يرمى يوم بدر، والله تعالى بلغ برميته المقاتل، فلذلك أضافه تعالى إلى نفسه كما أضاف الرمية أولاً إليه بقوله:{إِذْ رَمَيْتَ} ، والكلام متفق بحمد الله.

ويقول فى سورة الصافات (ص 298، 299) ما نصه: "مسألة- وربما قيل فى قوله تعالى: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95-96] : أليس فى ذلك تصريح بخلق أعمال العباد؟ وجوابنا: أن المراد: واللهُ خلقكم وما تعملون من الأصنام، فالأصنام من خلق الله، وإنما عملهم نحتها وتسويتها، ولم يكن الكلام فى ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم أنكر عبادتهم، فقال: أتعبدون ما تنحتون؟ وذلك الذى تنحتون الله خلقه. ولا يصح لما أورده عليهم معنى إلا على هذا الوجه، وذلك فى اللغة ظاهر، لأنه يقال فى النجار: عمل السرير - وإن كان عمله قد تقضى - وعمل الباب، ونظير ذلك قوله تعالى فى عصا موسى: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الشعراء: 45] : المراد ما وقع إفكهم فيه، فعلى هذا الوجه نتأوَّل هذه الآية، معنى قوله من بعد: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين} [الصافات: 99-100] ".

*

* المنزلة بين المنزلتين:

ولما كان القاضى عبد الجبار يقول - كغيره من المعتزلة - بالمنزلة بين المنزلتين، فإنَّا نراه

ص: 283

يتأثر بهذه العقيدة، ففى سورة الأنفال فى قوله تعالى:{إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً} [الأنفال: 2-4] .. نجده فى (ص 143) يقول ما نصه: "وكل ذلك يدل على أن الإيمان قول وعمل، ويدخل فيه كل هذه الطاعات، وأن المؤمن لا يكون مؤمناً إلا أن يقوم بحق العبادات، ومتى وقعت منه كبيرة خرج عن أن يكون مؤمناً".

وفى سورة الإنسان يقول فى (ص 359، 360) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 3] : أما يدل ذلك على أنه ليس من المكلَّفين إلا كافر ومؤمن؟ وجوابنا: أن الشاكر قد يكون شاكراً وإن لم يكن مؤمناً برَّاً تقياً، لأن الفاسق بغضب أو غيره قد يكون شاكراً فلا يدل على ما قالوا، بل فى الآية دلالة على ما نقول من أن الكافر والمؤمن هما سواء فى أن الله تعالى قد هداهما، لا كما قالت المجبِّرة: إنه تعالى إنما هدى المؤمنين. والمراد به أنه دلَّ الجميع وأزال عِلَّتهم، فمَن عصى فمِن جهة نفسه أُتِىَ".

* *

* تذرعه بالمجاز والتشبيه فيما يُستبعد ظاهره:

كذلك نرد القاضى عبد الجبار يقف أمام الآيات التى تبدو فى ظاهرها غريبة مستبعَدة، موقف النفور من جواز إرادة المعنى الحقيقى، والتخلص من هذا الظاهر المستغرَب بحمل الكلام على المجاز والتشبيه.

فمثلاً يقول فى سورة الأعراف (ص 140) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172] : وفى الخبر أن جميع بنى آدم أخذ عليهم المواثيق من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، كيف يصح ذلك؟ وجوابنا: أن القوم مخطئون فى الرواية، فمن المحال أن يأخذ عليهم المواثيق وهم كالذَّر لا حياة لهم ولا عقل، فالمراد أنه أخذ الميثاق من العقلاء، بأن أودع فى عقلهم ما ألزمهم، إذ فائدة الميثاق أن يكون مُنَبِّهاً، وأن يُذَكِّر المرء بالدنيا والآخرة، وذلك لا يصح إلا فى العقلاء، وظاهر الآية بخلاف قولهم، لأنه تعالى أخذ من ظهور بنى آدم، لها من آدم، والمراد أنه خرج من ظهورهم ذُرِّية أكمل عقولهم، فأخذ الميثاق عليهم، وأشهدهم على أنفسهم بما أودعه عقلهم".

ومثلاً فى سورة الرعد يقول فى (ص 181) ما نصه: "مسألة - ومتى قيل: فما معنى قوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ} [الرعد: 13]، وكيف يصلح التسبيح من الرعد؟. وجوابنا: أن المراد دلالة الرعد وتلك الأصوات الهائلة على قدرته وعلى تنزيهه، وذلك بقوله تعالى:{سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض} [الحديد: 1] .. لدلالة الكل على أنه

ص: 284

منزَّه عما لا يليقَ، ولذلك قال:{والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13] ففصل بين الأمرين. وقوله بعد: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً} [الرعد: 15] ؛ معناه: يخضع، فالمكلَّف العارف بالله يخضع طوعاً، وغيره يخضع كرهاً، لأنَّا نعلم أن نفس السجود لا يقع من كل أحد".

وقد رأينا كيف حمل القاضى حملته الشعواء فى مقدمة كتابه على مَن يحمل مثل هذه الآية على حقيقتها، وكيف حكم عليه بأنه ضال لا ينتفع بما يقرأ من كتاب الله.

وهكذا نجد القاضى عبد الجبار يتأثر تأثراً عظيماً بمذهبه الاعتزالى، فلا يكاد يمر بآية تعارض مذهبه إلا صرفها عن ظاهرها، ومال بها إلى ناحية مذهبه.. وعلى الجملة فالكتاب - رغم ما فيه من هذه النزعات الاعتزالية - قد كشف لنا عن كثير من الشبهات التى ترد على ظاهر النظم الكريم، وأوضح لنا عن كثير من جمال التركيب القرآنى الذى ينطوى على البلاغة والإعجاز، مما يشهد لمؤلفه بقوة وغزارة العلم. وهو مطبوع فى مجلد واحد كبير ومتداوَل بين أهل العلم.

* * *

2 -

أمالى الشريف المرتضى أو "غُرَر الفوائد ودُرَر القلائد"

* التعريف بمؤلف هذا الكتاب:

مؤلف هذا الكتاب، هو أبو القاسم، علىّ بن الطاهر أبى أحمد الحسين ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علىّ زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنهم، وهو أخو الشريف

ص: 285

الرضىّ، وشيخ الشيعة ورئيسهم بالعراق، وكان مع تشيعه معتزلياً مبالغاً فى اعتزاله، وقد تبحَّر رحمه الله فى فنون العلم، وعُرِف بالإمامة فى الكلام والأدب، والشعر، وأخذ عن الشيخ المفيد، وروى الحديث عن سهل الديباجى الكذَّاب، وله تصانيف كثيرة على مذهب الشيعة ومقالة فى أصول الدين، وله ديوان شعر كبير، وله كتاب "الأمالى" الذى سمَّاه "غُرَر الفوائد ودُرَر القلائد"، وجمع فيه بين التفسير الاعتزالى، والحديث، والأدب، وهو ما نحن بصدد الكلام عنه الآن، واختلف الناس فى كتاب "نهج البلاغة" المنسوب إلى الإمام علىّ بن أبى طالب، هل هو جمعه؟ أو جمع أخيه الشريف الرضىّ؟. وبالجملة فقد كان الشريف المرتضى إمام أئمة العراق، يفزع إليه علماؤها، ويأخذ عنه عظماؤها. وكانت ولادته سنة 355 هـ (خمس وخمسين وثلاثمائة من الهجرة) ، وتوفى سنة 436 هـ (ست وثلاثين وأربعمائة) ببغداد، ودُفن فى داره عَشية يوم وفاته، فرضى الله عنه وأرضاه.

* *

* التعريف بهذا الكتاب وطريقة مؤلِّفه التى سلكها فى التفسير:

كتاب غُرَر الفوائد ودُرَر القلائد، كتاب يشتمل على محاضرات أو أمالى، أملاها الشريف المرتضى فى ثمانين مجلساً، تشتمل على بحوث فى التفسير والحديث، والأدب، وهو كتاب ممتع، يدل على فضل كثير، وتوسع فى الاطلاع على العلوم، وهو لا يحيط بتفسير القرآن كله، بل ببعض من آياته التى يدور أغلبها حول العقيدة، وعلى ضوء ما فسَّره من الآيات نستطيع أن نلقى نظرة فاحصة على تفسير المعتزلة للقرآن فى ذلك العصر، كما نستطيع أن نقف على مبلغ جهود الشريف المرتضى للتوفيق بين آرائه الاعتزالية وآيات القرآن التى تتصادم معها.

ونحن إذ نتكلم عن أمالى الشريف المرتضى لا نتكلم عنها إلا من ناحية ما فيها من التفسير، أما الناحية الحديثية والأدبية فلا تعنينا فى هذا البحث، وإن كان لها قيمتها ومكانتها العلمية بين رجال الدين والأدب.

نتصفح كتاب الأمالى، ونجيل النظر بين ما فيه من بحوث فى التفسير، فنجد السيد الشريف يسعى بكل جهوده إلى الوصول إلى مبادئه الاعتزالية عن طريق التفسير، مستعيناً فى ذلك بنبوغه الأدبى، ومعرفته بفنون اللغة وأساليبها، حتى إننا لنراه يقف من الآيات التى تعارضه موقفاً يلتزم فيه مخالفة ظاهر القرآن، ويُفَضِّل فيه التفسير الملتوية لبعض الألفاظ على ما يتبادر منها إرضاء لعقيدته، وتمشياً مع مذهبه.

وإليك بعض الأمثلة من تفسيره للآيات التى تدور حول العقيدة، لتقف على حقيقة الأمر، ولتلمس مقدار هذا التعصب المذهبى عند هذا الشريف العلوى:

ص: 286

* رؤية الله:

يقول فى المجلس الثالث (جـ1 ص28-29) : "مسألة - اعلم بأن أصحابنا قد اعتمدوا فى إبطال ما ظنَّه أصحاب الرؤية فى قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} على وجوه معروفة، لأنهم بيَّنوا أن النظر ليس يفيد الرؤية، ولا الرؤية من أحد محتملاته، ودلُّوا على أن النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة: منها تقليب الحدقة الصحيحة فى جهة المرئى طلباً للرؤية، ومنها النظر الذى هو الانتظار، ومنها النظر الذى هو التعطف والمرحمة، ومنها النظر الذى هو الفكر والتأمل. وقالوا: إذ لم يكن فى أقسام النظر الرؤية، لم يكن للقوم بظاهرها تعلق، واحتجنا جميعاً إلى طلب تأويل الآية من جهة غير الرؤية. وتأوَّلها بعضهم على الانتظار للثواب، وإن كان المُنّتَظَر فى الحقيقة محذوفاً، والمُنْتَظَر منه مذكوراً على عادة للعرب معروفة. وسلَّم بعضهم أن النظر يكون الرؤية بالبصر. وحمل الآية على رؤية أهل الجنَّة لنِعَم الله تعالى عليهم، على سبيل حذف المرئى فى الحقيقة. وهذا كلام مشروح فى مواضعه، وقد بيَّنا ما يرد عليه، وما يُجاب به عن الشبهة المعترضة فى مواضع كثيرة.

وههنا وجه غريب فى الآية، حُكى عن بعض المتأخرين، لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر، أو إلى تقدير محذوف، ولا يحتاج إلى منازعتهم فى أن النظر يحتمل الرؤية أو لا يحتملها، بل يصح الاعتماد عليه، سواء أكان النظر المذكور فى الآية هو الانتظار بالقلب أو الرؤية بالعين، وهو أن يُحمِل قوله تعالى:{إلى رَبِّهَا} ، إلى أنه أراد نعمة ربها، لأن الآلاء النِعَم، وفى واحدها أربع لغات، ألَى مثل قفَى، وألِى مثل رمِى، وإِلى مثل معىِ، وإِلى مثل حِنى. قال أعشى بكر بن وائل:

أبيضُ لا يرهب الهزال ولا

يقطع رَحْماً ولا يخون إلِى

أراد أنه لا خون نعمة. وأراد تعالى: {إلى رَبِّهَا} ، فأسقط التنوين للإضافة؛ فإن قيل: فأى فرق بين هذه الوجه وبين تأويل مَن حمل الآية على أنه أراد به: إلى ثواب ربها ناظرة، بمعنى: رائية لنعمه وثوابه؟ قلنا: ذلك الوجه يفتقر إلى محذوف، لأنه إذا جعل "إلى" حرفاً، ولم يعلقها بالرب تعالى، فلا بد من تقدير محذوف، وفى الجواب الذى ذكرناه لا يُفتقر إلى تقدير محذوف، لأن "إلى" فيه اسم يتعلق به الرؤية، ولا يحتاج إلى تقدير غيره. والله أعلم بالصواب".

*

* الإرادة وحرية الأفعال:

وفى المجلس الرابع (جـ1 ص30-33) يقول ما نصه: "تأويل آية - إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين

ص: 287

لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: 100] .. فظاهر هذا الكلام يدل على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه وأمره، وليس هذا مذهبكم. وإن حُمِل الإذن هنا على الإرادة، اقتضى أن مَن لم يقع منه الإيمان لم يرده الله منه، وهذا أيضاً بخلاف قولكم. ثم جعل الرجس - الذى هو العذاب - على الذين لا يعقلون، ومَن كان فاقداً لعقله لا يكون مكلَّفاً. فكيف يستحق العذاب. وهو بالضد من الخبر المروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أكثر أهل الجنة البُله"؟.. الجواب: يقال له: فى قوله تعالى: {إِلَاّ بِإِذْنِ الله} وجوه: منها أن يكون الإذن: الأمر، ويكون معنى الكلام أن الإيمان لا يقع إلا بعد أن يأذن الله فيه ويأمر به، ولا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 145] .. ومعلوم أن معنى قوله: "ليس لها" - فى هذه الآية. هو ما ذكرناه، وإن كان الأشبه فى هذه الآية التى ذُكِر فيها الموت أن يكون المراد بالإذن: العلم، ومنها أن يكون الإذن هو: التوفيق والتيسير والتسهيل. ولا شبهة فى أن الله يُوفِّق لفعل الإيمان ويلطف فيه، ويُسهِّل السبيل إليه.. ومنها أن يكون الإذن: العلم، من قولهم: أذنتُ لكذا وكذا، إذا سمعته وعلمتَه. وأذنتُ فلاناً بكذا، إذا أعلمته، فتكون فائدة الآية: الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات، فإنه ممن لا تخفى عليه الخفيات. وقد أنكر بعض مَن لا بصيرة له أن يكون الإذْن - بكسر الألف وتسكين الذال - عبارة عن العلم، وزعم أن الذى هو العلم: الأُذن - بالتحريك - واستشهد بقول الشاعر:

إنَّ هَمَّى فى سماع وأُذن

وليس الأمر على ما توهَّم هذا المتوهم، لأن الأذن هو المصدر، والإذن هو اسم الفعل، فيجرى مجرى الحذَر، والحذَر فى أنه مصدر، والحذْر - بالتسكين - الاسم. على أنه لو لم يكن مسموعاً إلا الأذن بالتحريك لجاز التسكين مثل: مثَل ومثْل، وشَبه وشِبْه، ونظائر ذلك كثيرة.. ومنها أن يكون الإذن: العلم، ومعناه إعلام الله المكلَّفين بفضل الإيمان وما يدعو إلى فعله، ويكون معنى الآية: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله لها بما يبعثها على الإيمان وما يدعوها إلى فعله.. فأما ظن السائل دخول الإرادة فى محتمل اللفظ فباطل، لأن الإذن لا يحتمل الإرادة فى اللُّغة، ولو احتملها أيضاً لم يجب ما توهمه، لأنه إذا قال: إن الإيمان لا يقع إلا وأنا مريد له، لم ينف أن يكون مريداً لما لم يقع، ولس فى صريح الكلام ولا دلالته شئ من ذلك". ثم انتقل من هذا إلى كشف الشبهة عن معنى قوله:{وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لَا يَعْقِلُونَ} مما لا يتصل بعقيدته الاعتزالية.

ص: 288

وفى المجلس (41 جـ 3 ص 2-4) يقول ما نصه: "تأويل آية - إن سأل سائل عن قوله تعالى: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [التكوير: 26-27]

إلى آخر الأية فقال: ما تأويل هذه الآية؟ أو ليس ظاهرها يقتضى أنَّا لا نشاء شيئاً إلا والله تعالى شاءه، ولم يخصّ إيمان من كفر، ولا طاعة من معصية..؟ الجواب: الوجه المذكور فى هذه الآية أن الكلام متعلق بما تقدمه من ذكر الاستقامة، لأنه تعالى قال:{لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} ثم قال: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّ العالمين} : أى ما تشاءون الاستقامة إلا والله تعالى مريد لها، ونحن لا ننكر أن يريد الله تعالى الطاعات، وإنما أنكرنا إرادته المعاصى وليس لهم أن يقولوا: تقدم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها ولا يمنع من عمومه، كما أن السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعداه، وذلك أن الذى ذكروه إنما يجب فيما يستقل بنفسه من الكلام دون ما لا يستقْل.. وقوله تعالى:{وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله} لا ذكر للمراد فيه، فهو غير مستقل بنفسه، وإذا علق بما تقدم من ذكر الاستقامة استقل. على أنه لو كان للآية ظاهر يقتضى ما ظنُّوه - وليس لها ذلك - لوجب الانصراف عنه بالأدلة الثابتة على أنه تعالى لا يريد المعاصى ولا القبائح. على أن مخالفينا فى هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم، لأن العباد قد يشاءون عندهم ما لا يشاؤه الله تعالى بأن يريدوا الشئ ويعزموا عليه فلا يقع لمانع، ممتنعاً كان أو غيره. وكذلك قد يريد النبى عليه الصلاة والسلام من الكفار والإيمان، وقد تعبدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه، وإن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنه لا يقع، فلا بد لهم من تخصيص الآية، فإذا جاز لهم ذلك بالشبهة، جاز لنا مثله بالحُجَّة، وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى:{إِنَّ هاذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً* وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله} [الإنسان: 29-30] .. وقوله تعالى: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله} [المدثر: 56] فى تعلق الكلام بما قبله..

فإن قالوا: فالآية تدل على صحة مذهبنا من وجه وبطلان مذهبكم من وجه آخر، وهو أنه عز وجل قال:{وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله} . وذلك يقتضى أنه يشاء الاستقامة فى حال مشيئتنا لها لأن "أن" الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال، وهذا يوجب أنه يشاء أفعال العباد فى كل حال، ويبطل ما تذهبون إليه من أنه إنما يريد الطاعات فى حال الأمر، قلنا: ليس فى ظاهر الآية أنَّا لا نشاء إلا ما شاءه الله تعالى فى حال مشيئتنا كما ظننتم، وإنما يقتضى حصول مشيئته لما نشاءوه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا

ص: 289

تأخر، ويجرى ذلك مجرى قول القائل: ما يدخل زيد هذه الدار إلا أن يدخلها عمرو، ونحن نعلم أنه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما فى حالة واحدة، بل لا يمتنع أن يتقدم دخول عمرو، ويتلوه دخول زيد. و "أن" الخفيفة وإن كانت للاستقبال - على ما ذكر - فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها، لأن تقدير الكلام: وما تشاءون الطاعات إلا بعد أن يشاء الله تعالى. ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال. وقد ذهب أبو على الجبائى إلى أنه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالاً بعد حال، وإن كان قد أرادها فى حال الأمر، كما يصح أن يأمر بها أمراً بعد أمر، قال: لأنه قد يصح أن يتعلق بإرادته ذلك منا بعد الأمر وفى حال الفعل مصلحة. ويعلم تعالى أنَّا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب، وعلى هذا المذهب لا يُعترض بما ذكروه.. والجواب الأول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبى علىّ فى هذا الباب. على أن اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم، لأن الكلام إذا اقتضى حدوث المشيئة وأبطل استقبالها بطل قول من قال منهم: إنه مريد بنفسه، أو مريد بإرادة قديمة، وصحَّ ما نقوله من أن إرادته مُحْدَثة مُجَدَّدة. ويمكن فى تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إياها على العموم من غير أن نخصها بما تقدَّم ذكره من الاستقامة، ويكون المعنى: وما تشاءون شيئاً من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم، وإقداركم عليها، والتخلية بينكم وبينها. وتكون الفائدة فى ذلك الإخبار عن الافتقار إلى الله تعالى، وأنه لا قدرة على ما لم

يُقَدِّره الله تعالى عز وجل. وليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه، لأن ما تتعلق به المشيئة فى الآية محذوف غير مذكور، وليس لهم أن يُعلِّقوا قوله تعالى:{إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله} بالأفعال، دون تعلقه بالقُدرة، لأن كل واحد من الأمرين غير مذكور، وكل هذا واضح بحمد الله.

فأنت ترى من هذه المُثُل وغيرها لو رجعت إليها فى مكانها أن الشريف المرتضى تأثر فى تأويله للآيات القرآنية بعقيدته الاعتزالية ودافع بكل ما يستطيع عن مذهبه، ورَدَّ كل شُبهة تَرِد عليه بما يدل على قوة ذهنه وسعة اطلاعه.

* *

* رفضه لبعض ظواهر القرآن:

كذلك نجد الشريف المرتضى - كغيره من المعتزلة - يرفض بشدة المعانى القرآنية الظاهرة، التى تبدو فى أول أمرها مُسْتبعدَة مُسْتغرَبة، والتى يجوِّزها أهل السُّنَّة ويرونها أولى بأن يُحمل اللفظ عليها من غيرها، ويتخلص من ذلك إما بحمل اللفظ على معنى حقيقى آخر لا غرابة فيه، وإما بحمله على التمثيل أو التخييل، ونجد لذلك مثلاً جلياً واضحاً فى المجلس الثالث (جـ1 ص20، 22) حيث يقول ما نصه: قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ

ص: 290

بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هاذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون} [الأعراف: 172-173] ..

وقد ظنّ بعض مَن لا بصيرة له ولا فطنة عنده، أن تأويل هذه الآية: أن الله استخرج من ظهر آدم جميع ذُرِّيته وهم فى خلق الذَّر، فقررهم بمعرفته، وأشهدهم على أنفسهم. وهذا التأويل مع أن العقل يبطله ويحيله، مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأن الله تعالى قال:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ} ، ولم يقل: من ظهره. وقال: {ذُرِّيَّتَهُمْ} ، ولم يقل: ذُرِّيته. ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقول إنهم كانوا عن هذا غافلين. أو يعتذروا بشرك آبائهم، وأنهم نشئوا على دينهم وسُنَّتهم، وهذا يقتضى أن الآية لم تتناول ولد آدم لصلبه، وأنها تناولت من كان له آباء مشركون، وهذا يدل على اختصاصها ببعض ولد آدم، فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويله. فأما شهادة العقل؛ فمن حيث لا تخلو هذه الذُرِّية التى استُخْرِجت من ظهر آدم فخوطبت وقُرِرت من أن تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف، أو لا تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف، فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه فى تلك الحال، وما قُرِروا به واستُشْهِدوا عليه، لأن العاقل لا ينسى ما يجرى هذا المجرى وإن بَعُدَ العهد وطال الزمان، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا فى بلد من البلدان وهو عاقل كامل، فينسى مع بُعْد العهد جميع تصرفه المتقدم وسائر أحواله، وليس أيضاً لتخلل الموت بين الحالتين تأثير، لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذِكْر، لكان تخلل النوم، والسُكر، والجنون، والإغماء من أحوال العقلاء يزيل ذِكْرهم لما مضى من أحوالهم، لأن سائر ما عددناه مما ينفى العلوم يجرى مجرى الموت فى هذا. وليس لهم أن يقولوا: إذا جاز فى العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه فى حال الطفولية جاز ما ذكرناه، وذلك إنما أوجبنا ذكرالعقلاء لما ادَّعوه إذا كملت عقولهم، من حيث يجرى عليهم وهم كاملو العقول، ولو كانوا بصفة الأطفال فى تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه. على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض فى الآية، وذلك أن الله تعالى أخبرنا بأنه إنما قررهم وأشهدهم، لئلا يدَّعوا يوم القيامة الغفلة وسقوط الحُجَّة عنهم، فإذا جاز نسيانهم له، عاد الأمر إلى سقوط

الحُجَّة وزوالها، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف، قبح خطابهم، وتقريرهم، وإشهادهم، وصار ذلك عبثاً قبيحاً. فإن قيل: قد أبطلتم قول مخالفيكم، فما تأويلها الصحيح عندكم؟. قلنا: فى الآية وجهان، أحدهما: أن يكون تعالى إنما عَنِىَ بها جماعة من ذُرِّية بنى آدم، خلقهم، وبلَّغهم، وأكمل

ص: 291

عقولهم، وقرَّرهم على ألسن رسله عليهم السلام بمعرفته، وما يجب من طاعته، فأُمِروا بذلك، وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم. وإنما أُتِىَ مَن اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن اسم الذُرِّية لا يقع إلى على مَن لم يكن عاقلاً كاملاً، وليس الأمر كما ظن، لأنه سمى جميع البَشر بأنهم ذُرِّية آدم وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون، وقد قال تعالى:{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [غافر: 8] ولفظ "الصالح" لا يُطلق إلا على مَن كان كاملاً عاقلاً، فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلَّفين فهذا جوابهم.

والجواب الثانى: أنه تعالى لما خلقهم وركبَّهم تركيباً يدل على معرفته، ويشهد بقدرته ووجوب عبادته، فأراهم العِبر، والآيات، والدلائل، فى أنفسهم وفى غيرهم، كان بمنزلة المُشْهِد لهم على أنفسهم وكانوا فى مشاهدة ذلك ومعرفته، وظهوره فيهم على الوجه الذى أراده الله تعالى وتعذَّر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته، بمنزلة المُقِّر المعترف وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة، ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى:{ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] ، وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة، ولا منهما جواب. ومثله قوله تعالى:{شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] ، ونحن نعلم أن الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم، وإنما ذلك لَمَّا ظهر منهم ظهوراً لا يتمكنون من دفعه، كانوا بمنزلة المعترفين به، ومثل هذا قولهم: جوارحى تشهد بنعمتك، وحالى معترفة بإحسانك، وما رُوى عن بعض الحكماء من قوله: سل الأرض مَن شق أنهارِك؟ وغرس أشجارك؟ وجنى ثمارِك؟ فإن لم تجبك جؤاراً، أجابتك اعتباراً، وهذا باب كبير، وله نظائر كثيرة فى النظم والنثر، يُغنى عن ذكر جميعها القدر الذى ذكرناه منها.

* *

الطريقة اللُّغوية فى تفسيره للقرآن:

ثم إننا نجد الشريف المرتضى، قد ولع بالطريقة اللُّغوية فى تفسيره للآيات القرآنية، وحرص كل الحرص على تطبيق هذا المبدأ اللُّغوى، الذى يُعتبر الأصل المهم من قواعد التفسير عند المعتزلة، وكثيراً ما نراه يُظهر مهارة فائقة فى استعماله لهذه الطريقة عندما يساوره الشك فى ظاهر اللفظ الذى يتعلق بالعقيدة، فنراه يفسِّره تفسيراً مقبولاً لديه، يقوم على أساس من الأسس اللُّغوية. والحق أن الشريف المرتضى قد ظهر تفوقه العلمى الصحيح، عند تطبيقه لهذا المبدأ، وذلك راجع إلى تمكنه العظيم من اللُّغة والشعر القديم، ولهذا نجده لا يُعتبر من التفاسير اللُّغوية إلا ما كان له شاهد من اللُّغة أو

ص: 292

الشعر العربى القديم. أما التفسير المطلق، الذى لا يعتمد على شاهد من ذلك، فإنه يرفضه ولا يرضاه. وإليك بعض الأمثلة التى تصوِّر لك عناية المرتضى بهذا المبدأ اللُّغوى.

ففى المجلس (23 جـ 2 ص 6-9) يقول ما نصه: إن سأل سائل عن قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]، ما المراد بالنفس فى هذه الآية وهل المعنى فيها كالمعنى فى قوله:{وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} [آل عمران: 28، 30] أو يخالفه؟ أو يطابق معنى الآيتين؟ والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله عز وجل: إذا أحبَّ العبدُ لقائى أحببتُ لقاؤه، وإذا ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإذا ذكرنى فى مَلإٍ ذكرته فى مَلإٍ خير منه، وإذا تقرَّب إلىّ ذراعاً تقرَّبتُ إليه باعاً" أو لا يطابقه؟.. الجواب: قلنا: إن النفس فى اللغة لها معان مختلفة. ووجوه فى التصرف متباينة؛ فالنفس نفس الإنسان وغيره من الحيوان، وهى التى إذا فقدها خرج عن كونه حياً، ومنه قوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت} [آل عمران: 185] .. والنفس: ذات الشئ الذى يُخبر عنه، كقولهم: فعلً ذلك فلان نفسه، إذا تولى فعله، والنفس: الأنفة، من قولهم: ليس لفلان نفس، أى لا أنفة له، والنفس: الإرادة، من قولهم: نفس فلان فى كذا، أى إرادته. قال الشاعر:

فنفساى نفس قالت إئت ابن بجدل

تجد فرجاً من كل غم تهابها

ونفس تقول اجهد نجاك فلا تكن

كخاصبة لم يغن شيئاً خضابها

ومنه: أن رجلاً قال للحسن البصرى: يا أبا سعيد؛ لم أحجج قط، فنفس تقول لى: حج، ونفس تقول لى: تزوج، فقال الحسن: أما النفس فواحدة، ولكن لك هم يقول: حج، وهم يقول: تزوج، وأمره بالحج. وقال الممزق العبدى، ويروى لمعقر بن حمار البارقى:

ألا مَن لعين قد نآها حميمها

وأرَّقنى بعد المنام همومها

فباتت لها نفسان، شتَّى همومها

فنفس تعزيها، ونفس تلومها

وقال نمر من تولب العكلى:

أما خليلى، فإنى لستُ معجله

حتى يؤامر نفسيه كما زعما

نفس له من نفوس القوم صالحة

تعطى الجزيل، ونفس ترضع الغنما

أراد أنه بين نفسين: نفس تأمره بالجود، وأخرى تأمره بالبخل، وكَنَّى برضاع الغنم عن البخل، لأن البخيل يرضع اللبن من الشاة ولا يحلبها، لئلا يسمع الضيف صوت الشخب فيهتدى إليه، ومنه قيل: لئيم راضع، وقال كثير:

فأصبحتُ ذا نفسين: نفس مريضة

من الناس، ما ينفك هم يعودها

ص: 293

ونفس ترجى وصلها بعد صرمها

تجمل كى يزداد غيظاً حسودها

والنفس: العين التى تصيب الإنسان يقال: أصابت فلاناً نفس: أى عين، وروُى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقى فيقول:"بسم الله أرقيك، واللهُ يشفيك، من كل داء يؤذيك، وداء هو فيك، من كل عين عائن، ونفس نافس، وحسد حاسد".

وقال ابن الأعرابى: النفوس: التى تصيب الناس بالنفس، وذكر رجلاً فقال: كان واللهِ حسوداً نفوساً كذوباً، وقال عبد الله بن قيس الرقيات، وهو قرشى:

يتقى أهلها النفوس عليها

فعلى نحرها الرقى والتميم

وقال مضرس الفقعسى:

وإذا نموا صعداً فليس عليهم

منا الخيال ولا نفوس الحُسَّدِ

وقال ابن هرمة، يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك:

فاسلم، سلمتَ من المكاره والردى

وعثارها، ووُقيتَ نفس الحُسَّدِ

والنفس أيضاً من الدباغ بمقدار الدبغة، تقول: أعطنى نفساً من دباغ، أى قدر ما أدبغ به مرة. والنفس: الغيب، يقول القائل: إنى لا أعلم نفس فلان: أى غيبه. وعلى هذا تأويل قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] : أى تعلم غيبى وما عندى، ولا أعلم غيبك. وقيل: إن النفس أيضاً: العقوبة، من قولهم: أحذرك نفسى: أى عقوبتى وبعض المفسِّرين يحمل قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} [آل عمران: 28، 30] على هذا المعنى كأنه: يحذركم عقوبته، وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرين، قالوا: معنى الآية: يحذركم الله إياه. وقد رُوى عن الحسن ومجاهد فى قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ما ذكرناه من التأويل بعينه.

فإن قيل: ما وجه تسميته "الغيب" بأنه نفس؟ قلنا: لا يمتنع أن يكون الوجه فى ذلك: أن نفس الإنسان لما كانت خفية الموضع، نزل ما يكتمه ويجتهد فى ستره منزلتها، وسمى باسمها فقيل فيه: إنه نفسه، مبالغة فى وصفه بالكتمان والخفاء. وإنما حَسُن أن يقول تعالى مخبراً عن نبيه عليه الصلاة والسلام:{وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} من حيث تقدم قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} ليزدوج الكلام، ولهذا لا يحسن ابتداءً: أنا لا أعلم ما فى نفس الله تعالى وإن حَسُنَ على الوجه الأول، ولهذا نظائر فى الاستعمال مشهورة مذكورة. فأما الخبر الذى يرويه السائل فتأويله ظاهر، وهو خارج على مذهب العرب فى مثل هذا الباب المعروف، ومعناه: أن مَن ذكرنى فى نفسه جاريته على ذكره لى، وإذا تقرَّب إلىّ شِبْراً جازيته على تقربه إلىّ.. وكذلك الخبر إلى آخره، فسمى المجازاة على الشئ باسمه اتساعاً، كما قال تعالى: {وَجَزَآءُ

ص: 294

سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله} [الأنفال: 30] ، {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} [البقرة: 15] .. وكما قال الشاعر:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ونظائر هذا كثير فى كلام العرب. ولما أراد تعالى المبالغة فى وصف ما يفعله به من الثواب والمجازاة على تقربه بالكثرة والزيادة، كَنَّى عن ذلك بذكر المسافة المتضاعفة فقال: باعاً وذراعاً، إشارة إلى المعنى من أبلغ الوجوه وأحسنها.

وقال فى المجلس (45 جـ3 ص 46-50) ما نصه: إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} [الإنسان: 9]، وقوله تعالى:{ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] .. وما شاكل ذلك من آى القرآن المتضمنة لذكر الوجه.. الجواب: قلنا: الوجه ينقسم فى اللغة العربية إلى أقسام: فالوجه المركَّب فيه العينان من كل حيوان. والوجه أيضاً: أول الشئ وصدره. ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ} [آل عمران: 72] : أى أول النهار، ومنه قول الربيع ابن زياد:

مَن كان مسروراً بمقتل مالك

فليأت نسوتنا بوجه نهار

أى غداة كل يوم، وقال قوم: وجه نهار: اسم موضع. والوجه: القصد بالفعل، من ذلك قوله تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} [النساء: 125] .. وقال الفرزدق:

وأسلمتُ وجهى حين شدَّت ركائبى

إلى آل مروان بناة المكارم

أى جعلتُ قصدى وإرادتى لهم. وأنشد الفرَّاء:

أستغفر الله ذنباً لستُ محصيه

رَبُّ العباد إليه الوجِه والعمل

أى القصد، ومنه قولهم فى الصلاة: وَجهَّتُ وجهى للذى فَطَرَ السماوات والأرض: أى قصدتُ قصدى بصلاتى وعملى، وكذلك قوله تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم} [الروم: 43] ..

والوجه: الاحتيال فى الأمر، من قولهم: كيف الوجه لهذا الأمر، وما الوجه فيه، أى الحيلة. والوجه: الذهاب والجهة والناحية. قال حمزة ابن بيض الحنفى:

أى الوجوه انتجعت؟ قلت لهم

لأى وجه إلا إلى الحكم

متى يقل صاحباً سرادقه

هذا ابن بيض الباب يبتسم

والوجه: القدر والمنزلة، ومنه قولهم: لفلان وجه عريض، وفلان أوجه مِن فلان، أى أعظم قدراً وجاهاً، ويقال: أوجهه السلطان، إذا جعل له جاهاً. قال امرؤ القيس:

ص: 295

ونامت قيصر فى ملكه

فأوجهنى وركبت البريدا

يقال: حمل فلاناً على البريد إذا هيَّأ له فى كل مرحلة مركباً ليركبه، فإذا وصل إلى المرحلة الأخرى نزل عن المعيى وركب المرفَّه.. وهكذا إلى أن يصل إلى مقصده.

والوجه: الرئيس المنظور إليه، يقال: فلان وجه القوم، وهو وجه عشيرته. ووجه الشئ: نفسه وذاته، قال أحمد بن جندل:

ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة

فأفلت منها وجهه عتد بها

أراد أفلته ونجَّاه، ومن ذلك قولهم: إنما أفعل ذلك لوجهك، ويدل أيضاً على أن الوجه يُعَبَّرُ به عن الذات، قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 22-25]، وقوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} [الغاشية: 8-9] ، لأن جميع ما أضيف إلى الوجوه فى ظاهر الآى من النظر والظن والرضا لا يصح إضافته على الحقيقة إليها، وإنما يضاف إلى الجملة، فمعنى قوله تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} ، أى كل شئ هالك إلا إياه. فكذلك قوله تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26-27] ؛ لما كان المراد بالوجه نفسه لم يقل: "ذى" كما قال: {تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام} [الرحمن: 78] لما كان اسمه غيره.. ويمكن فى قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، وجه آخر - وقد روى عن بعض المتقدمين - وهو أن يكون المراد بالوجه ما يُقصد به إلى الله تعالى، ويُوجَّه به إليه، نحو القُربة إليه جَلَّت عظمته، فيقول: لا تشرك بالله ولا تدع إلَهاً غيره، فإنَّ كل فعل يُتقرب به إلى غيره، ويُقصد به سواه فهو هالك باطل، وكيف يسوغ للمشبهة أن يحملوا هذه الآية والتى قبلها على الظاهر؟ أوَ ليس ذلك يُوجب أنه تعالى يفنى ويبقى وجهه، وهذا كفر وجهل من قائله.. فأما قوله تعالى:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} [الإنسان: 9]، وقوله:{إِلَاّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى} [الليل: 20]، وقوله:{وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله} [الروم: 39] ، فمحمول على أن هذه الأفعال مفعولة له، ومقصود بها ثوابه والقُربة إليه، والزلفى عنده. فأما قوله تعالى:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} [البقرة: 115] ، فيُحتمل أن يُراد به فثَمَّ الله، لا على معنى الحلول، ولكن على معنى التدبير والعلم. ويحتمل أيضاً أن يُراد به: فَثَمَّ رضا الله وثوابه والقُربة إليه. ويُحتمل أن يكون المراد بالوجه: الجهة، ويكون

الإضافة

ص: 296

بمعنى: الملك، والخلق، والإنشاء، والإحداث، لأنه عز وجل قال:{وَللَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} [البقرة: 115] : أى أن الجهات كلها لله، وتحت ملكه، وكل هذا واضح بَيِّنٌ بحمد الله.

ونراه يقول فى المجلس (39 جـ2 ص 53-56) ما نصه: إن سأل سائل عن قوله تعالى: {أولائك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ والله سَرِيعُ الحساب} [البقرة: 202] فقال: أىُّ تَمدُّح فى سرعة الحساب وليس بظاهر وجه المدح فيه؟ الجواب: قلنا: فى ذلك وجوه:

أولها: أن يكون المعنى أنه سريع الحساب للعباد على أعمالهم، وأن وقت الجزاء قريب وإن تأخر، ويجرى مجرى قوله تعالى:{وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلَاّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77] ، وإنما جاز أن يُعبَّر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب، لأن ما يُجازَى به العبد هو كفؤ لفعله وبمقداره، فهو حساب له إذا كان مماثلاً مكافئاً. ومما يشهد بأن فى الحساب معنى المكافأة قوله تعالى:{جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} [النبأ: 36] : أى عطاءً كافياً. ويقال: أحسبنى الطعام يحسبنى إحساباً: إذا كفانى. قال الشاعر:

وإذ لا ترى فى الناس حُسناً يفوتها

وفى الناس حُسناً لو تأملت محسب

معناه: كاف.

وثانيها: أن يكون المراد أنه عز وجل يُحاسِب الخلق جميعاً فى أوقات يسيرة. ويقال: إن مقدار ذلك حلب شاة، لأنه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره، بل يكلمهم جميعاً، ويحاسبهم كلهم على أعمالهم فى وقت واحد، وهذا أحد ما يدل على أنه تعالى ليس بجسم، وأنه لا يحتاج فى فعل الكلام إلى آلة، لأنه لو كان بهذه الصفات - تعالى عنها - لما جاز أن يخاطب اثنين فى وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين، ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة، كما أن جميع ذلك واجب فى المُحدِّثين الذين يفتقرون فى الكلام إلى الآلات.

وثالثها: ما ذكره بعضهم من أن المراد بالآية أنه سريع العلم بكل محسوب، وأنه لما كانت عادة بنى الدنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء فى أكثر أمورهم، أعلمهم الله أنه يعلم ما يحسبون بغير حساب، وإنما سمى العلم حساباً، لأن الحساب إنما يُراد به العلم، وهذا جواب ضعيف، لأن العلم بالحساب أو المحسوب لا يُسمى حساباً، ولو سُمى بذلك لما جاز أيضاً أن يقال: إنه سريع العلم بكذا، لأن علمه بالأشياء مما لا يتجدد فيوصف بالسرعة.

ورابعها: أن الله تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك أنه يُسئل فى

ص: 297

وقت واحد سؤالات مختلفة من أمور الدنيا والآخر، فيجزى كل عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحد ومقدار، فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب، فأعلمنا تعالى أنه سريع الحساب، أى سريع القبول للدعاء بغير إحصاء، وبحث عن المقدار الذى يستحقه الداعى. كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء. وهذا جواب مبنى أيضاً على دعوى أن قبول الدعاء يُسمى حساباً، ولم يُعهد ذلك فى لغة، ولا عُرف ولا شرع. وقد كان يجب على مَن أجاب بهذا الجواب، أن يستشهد على ذلك بما يكون حُجَّة فيه، وإلا فلا طائل فيما ذكره. ويمكن فى الآية وجه آخر: وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة، ومواقفهم عليها، وتكون الفائدة، فى الإخبار بسرعته: الإخبار عن قرب الساعة، كما قال تعالى:{سَرِيعُ العقاب} [الأنعام: 165]، وليس لأحد أن يقول: فهذا هو الجواب الأول الذى حكيتموه وذلك أن بينهما فرقاً، لأن الأول مبنى على أن الحساب فى الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال، وفى هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه، وعن معنى المحاسبة المعروفة، والمقابلة بالأعمال وترجيحها، وذلك غير الجزاء الذى يفضى الحساب إليه. وقد طعن بعضهم فى الجواب الثانى معترضاً على أبى علىّ الجبائى فى اعتماده إياه، بأن قال: مخرج الكلام فى الآية على وجه الوعيد، وليس فى خفة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضى زجراً، ولا هو مما يُتوعد بمثله فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة، والمجازاة على الأعمال. وهذا الجواب ليس أبو علىّ المبتدئ به، بل قد حُكى عن الحسن البصرى، واعتمده أيضاً قطرب بن المستنير النحوى، وذكره الفضل بن سلمة، وليس الطعن الذى حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له، لأنه اعتمد على أن مخرج الآية مخرج الوعيد، وليس كذلك، لأنه تعالى قال: {فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلَاقٍ * وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ

النار * أولائك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ والله سَرِيعُ الحساب} [البقرة: 200-202] ، فالأشبه بالظاهر أن يكون وعداً بالثواب، وراجعاً إلى الذين يقولون: ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أو يكون راجعاً إلى الجميع، فيكون المعنى: أن للجميع نصيباً مما كسبوا، فلا يكون وعيداً خالصاً: بل إما أن يكون وعداً خالصاً، أو وعدا ووعيداً. على أنه لو كان وعيداً خالصاً على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى:{والله سَرِيعُ الحساب} على تأويل مَن أراد قصر الزمان وسرعة الموافقة وجه وتعلق بالوعد والوعيد، لأن الكلام على كل حال متضمن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، والإحاطة بخيرها وشرها وإن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة، وفى هذا ترغيب

ص: 298

وترهيب لا محالة، لأن مَن علم بأنه يُحاسَب بأعماله، ويُوقَف على جميلها وقبيحها انزجر عن القبيح، وعمل ورغب فى فعل الجواب، فهذا ينصر الجواب، وإن كنا لا ندفع أن فى حمل الجواب على قرب المجازاة، وقرب المحاسبة على الأعمال ترغيباً فى الطاعات، وزجراً على المقبحات، فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية، إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضاً ولا مردود.

فأنت ترى فى المثالين الأوَّلين كيف تخلَّص من ظاهر اللفظ الذى يمس عقيدته بمهارته اللُّغوية وتوسعه فى المعرفة بأشعار العرب، كما ترى فى المثال الثالث كيف لم يقبل قول مَن قال: إن معنى "سريع الحساب" سريع العلم، أو سريع القبول للدعاء، لأن القولين لم يستندا - كما قال - إلى أصل لُّغوى، أو عُرْفى، أو شرعى.

* *

* دفعه لموهم الاختلاف والتناقض:

هذا.. وإن الشريف المرتضى لا يقتصر فى أماليه على هذا النوع المذهبى من التفسير، بل نجده يعرض لبعض الإشكالات التى ترد على ظاهر النظم الكريم مما يوهم الاختلاف والتناقض، ثم يجيب عنها بدقة بالغة، ترجع إلى مهارته فى اللُّغة وإحاطته بفنونها.

فمثلاً فى المجلس الثالث (جـ1 ص 18-20) يقول ما نصه: "تأويل آية - إن سأل سائل فقال: "ما تقولون فى قوله تبارك وتعالى حكاية عن موسى: {فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} [الشعراء: 32]، وقال تعالى فى موضع آخر:{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص: 31]، والثعبان: الحية العظيمة الخِلْقة، والجان: الصغير من الحيَّات، فكيف اختلف الوصفان والقصة واحدة؟ وكيف يجوز أن تكون العصا فى حال واحدة بصفة ما عَظُم خَلْقه من الحيَّات وبصفة ما صَغُر منها؟ وبأى شئ تزيلون التناقض عن هذا الكلام؟ الجواب: أول ما نقول: إنَّ الذى ظنَّه السائل من كون الآيتين خبراً عن قصة واحدة باطل، بل الحالتان مختلفتان، فالحال التى أخبر أن العصا فيها بصفة الجان، كانت فى ابتداء النبوة وقبل مسير موسى إلى فرعون. والحال التى صار العصا عليها ثعباناً، كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة، والتلاوة تدل على ذلك، وإذا اختلفت القصتان فلا مسألة، على أنَّ قوماً من المفسِّرين قد تعاطوا الجواب على هذا السؤال، إما لظنهم أن القصة واحدة، أو لاعتقادهم أن العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب فى حالتين، تارة إلى صفة الجان، وتارة إلى صفة الثعبان.

أو على سبيل الاستظهار فى الحُجَّة، وأنَّ الحال لو كانت واحدة على سبيل ما ظن لم يكن بين الآيتين تناقض. وهذا الوجه أحسن ما تكلَّف به الجواب لأجله، لأن

ص: 299

الأوَّلين لا يكونان إلا عن غلط أو عن غفلة. وذكروا وجهين تزول بكل منهما الشُبهة من تأويلها.

أحدهما: أنه تعالى إنما شبَّهها بالثعبان فى إحدى الحالتين لِعظَم خلقها، وكِبَر جسمها، وهول منظرها. وشبَّهها فى الآية الأخرى بالجان لسرعة حركتها، ونشاطها، وخفتها، فاجتمع لها مع أنها فى جسم الثعبان وكبر خلقه، نشاط الجان وسرعة حركته، وهذا أبهر فى باب الإعجاز وأبلغ فى خرق العادة، ولا تناقض بين الآيتين. وليس يجب إذا شبَّهها بالثِعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان، وإذا شبَّهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته، وقد قال الله تعالى:{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ* قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ..} [الإنسان: 15-16] ، ولم يرد تعالى أن الفضة قوارير على الحقيقة، وإنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير وشفوفها ورقتها، مع أنها من فضة، وقد تُشَبِّه العرب الشئ بغيره فى بعض وجوهه، فيُشبِّهون المرأة بالظبية، وبالبقرة، ونحن نعلم أن فى الظباء والبقر من الصفات ما لا يُستحسن أن يكون فى النساء، وإنما وقع التشبيه فى صفة دون صفة، ومن وجه دون وجه.

والجواب الثانى: أنه تعالى لم يرد بذكر الجان فى الآية الأخرى الحية، وإنما أراد أحد الجن، فكأنه تعالى أخبر بأن العصا صارت ثعباناً فى الخِلْقة وعِظَم الجسم، وكانت مع ذلك كأحد الجن فى هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها، ولهذا قال تعالى:{فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} .. ويمكن أن يكون فى الآية تأويل آخر استخرجناه، إن لم يزد على الوجهين الأوَّلين لم ينقص عنهما، والوجه فى تكلفنا له، ما بيَّناه من الاستظهار فى الحُجَّة، وأن التناقض الذى توهم زائل على كل وجه، وهو أن العصا لما انقلبت حيَّة صارت أولاً بصفة الجان وعلى صورته، ثم صارت بصفة الثعبان، ولم تصر كذلك ضربة واحدة، فتتفق الآيتان على هذا التأويل ولا يختلف حكمهما، وتكون الآية الأولى تتضمن ذكر الثعبان إخباراً عن غاية حال العصا، وتكون الآية الثانية تتضمن ذكر الحال التى ولَّى موسى منها هارباً، وهى حال انقلاب العصا إلى خِلْقة الجان، وإن كانت بعد تلك الحال انتهت إلى صورة الثعبان. فإن قيل على هذا الوجه: كيف يصح ما ذكرتموه مع قوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} ، وهذا يقتضى أنها صارت ثعباناً بعد الإلقاء بلا فصل؟ قلنا: ليس تفيد الآية ما ظن، وإنما فائدة قوله تعالى:{فَإِذَا هِيَ} الإخبار عن قُرب الحال التى صارت فيها بتلك الصفة، وأنه لم يطل الزمان فى مصيرها كذلك، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [يس: 77] ، مع تباعد ما بين كونه نطفة وكونه

ص: 300

خصيماً مبيناً، وقولهم: ركب فلان من منزله فإذا هو فى ضيعته، وسقط من أعلى الحائط فإذا هو فى الأرض، ونحن نعلم أن بين خروجه من منزله وبلوغه ضيعته زماناً، وأنه لم يصل إليها إلا على تدريج، وكذلك الهابط من الحائط، وإنما فائدة الكلام الإخبار عن تقارب الزمان وأنه لم يطل ولم يمتد".

* *

* ليس فى الأمالى أثر للتشيع، وإنما فيه عزو أُصول المعتزلة إلى الأئمة من آل البيت:

هذا.. وإنَّا لا نكاد نجد أثراً ظاهراً للتشيع فيما فسَّره الشريف المرتضى من الآيات فى آماليه، رغم أنه من شيوخ الشيعة وعلمائهم، غير أنَّا نجد منه محاولة جَدِّية، يريد من ورائها أن يثبت أن أصول المعتزلة مأخوذة من كلام أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، ومن كلام غيره من أئمة الشيعة وغيرهم، وذلك حيث يقول فى المجلس العاشر (جـ1 ص103، 104) ما نصه: "اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين علىّ عليه السلام وخطبه وأنها تتضمن من ذلك ما لا مزيد عليه ولا غاية وراءه، ومَن تأمل المأثور فى ذلك من كلامه علم أن جميع ما أسهب المتكلمون من بعد فى تصنيفه وجمعه إنما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأصول، ورُوى عن الأئمة من أبنائه عليهم السلام ما لا يكاد يُحاط به كثرة، ومَن أحب الوقوف عليه وطلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير الذى فى بعضه شفاء للصدور السقيمة، ونتاج للعقول العقيمة، ونحن نُقدِّم على ما نريد ذكره شيئاً مما يُروى عنهم فى هذا الباب".. ثم ساق أشياء كثيرة منها ما نصه: "وروى صفوان بن يحيى قال: دخل أبو قرة المحدِّث على أبى الحسن الرضا عليه السلام، فسأله عن أشياء من الحلال والحرام، والأحكام والفرائض، حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد، فقال أبو قرة: إنَّا رُوينا: أن الله قَسَّم الكلام والرؤية، فقسم لموسى عليه السلام الكلام، ولمحمد صلى الله عليه وسلم الرؤية، فقال الرضا عليه السلام: فمَن المبلِّغ عن الله إلى الثَقَلين - الجن والإنس -: أنه {لَاّ تُدْرِكُهُ الأبصار} [الأنعام: 103]، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [طه: 110] ، و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .. أليس محمد نبياً صادقاً؟ قال: بلَى. قال: وكيف يجئ رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله يدعوهم إليه بأمره ويقول: {لَاّ تُدْرِكُهُ الأبصار} ، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .. ثم يقول: سأراه بعينى، وأُحيط به علماً، ألا تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتى عن الله بشئ، ثم يأتى بخلافه من وجه آخر. قال أبو قرة: فإنه يقول: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى *

عِندَ سِدْرَةِ المنتهى} [النجم: 13-14] .. قال عليه السلام: ما قبل هذه الآية يدل على ما رأى حيث يقول: {مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى}

ص: 301

[النجم: 11] .. يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال:{لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى} [النجم: 18] ، وآيات الله غير الله، وقد قال الله تعالى:{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم، فقال أبو قرة: فأُكذِّب بالرؤية؟ فقال الرضا عليه السلام: إن القرآن كذَّبها وما أجمع عليه المسلمون أنه لا يُحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شئ".

.. ثم قال بعد قليل: "وروُى أن شيخاً حضر صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخْبِرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء من الله تعالى وقدر؟ قال له: نعم يا أخا أهل الشام، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، ما وطئنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً، ولا علونا تلعة، إلا بقضاء من الله وقدر، فقال الشامى: عند الله أحتسب عناى يا أمير المؤمنين، وما أظن أن لى أجراً فى سعيى إذا كان الله قضاء علىّ وقدَّره، فقال له عليه السلام: إنَّ الله قد أعظم لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، ولم تكونوا فى شئ من حالاتكم مُكْرَهين، وإلا إليها مضطرين، ولا عليها مُجبْرَين، فقال الشامى: كيف ذاك والقضاء والقَدَر ساقانا. وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟ فقال عليه السلام: ويحك يا أخا أهل الشام! لعلك ظننت قضاءً لازماً، وقَدَراً حاكماً، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهى، ولما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسئ، والمسئ أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدرية هذه الأُمة ومجوسها. إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلَّف يسيراً، وأعطى على القليل كثيراً. ولم يُطَع مكرهاً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُكِلف عسيراً، ولم يُرسل الأنبياء لعباً، ولم يُنزل الكتب لعباده عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً {ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار} [ص: 27] .. قال الشامى فما القضاء والقَدر الذى كان مسيرنا بهما وعنهما؟ قال: الأمر من الله بذلك والحكم. ثم تلا: {وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً} [الأحزاب: 38] .. فقام الشامى: فرحاً مسروراً لما سمع هذا المقال، وقال: فرَّجت عنى، فرَّج الله عنك يا أمير المؤمنين، وجعل يقول:

أنت الإمام الذى نرجو بطاعته

يوم الحساب من الرحمن غفراناً

أوضحتَ من أمرنا ما كان ملتبساً

جزاك ربك بالإحسان إحساناً"

وهكذا يذكر الشريف المرتضى من الأخبار عن أهل البيت وعن غيرهم ما يستدل به على أن أصول المعتزلة مستمدة من كلامهم، والله يعلم مقدار ما عليه هذه الأخبار من الصحة، وأنا لا أكاد أصدقها بالنسبة لعلىّ (رضى الله عنه) . فقد روى أبو القاسم

ص: 302

بن حبيب فى تفسيره بإسناده: أن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه سأله سائل عن القَدَر فقال: دقي لا تمش فيه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبِرنى عن القَدَر، فقال: بحر عميق لا تَخُضْ فيه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبِرنى عن القَدَر، فقال: سر خفى لله لا تُفشِه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبِرنى عن القَدَر، فقال علىّ (رضى الله عنه) : يا سائل؛ إن الله خلقك كما شاء أو كما شئت؟ فقال: كما شاء، قال: إن الله تعالى يبعثك يوم القيامة كما شئت أو كما شاء؟ فقال: كما شاء. فقال: يا سائل؛ لك مشيئة مع الله أو فوق مشيئته أو دون مشيئته؟ فإن قلت: مع مشيئته، ادعيت الشركة معه. وإن قلت: دون مشيئته، استغنيتَ عن مشيئته. وإن قلت: فوق مشيئته، كانت مشيئتك غالبة فى مشيئته. ثم قال: ألست تسأل الله العافية؟ فقال: نعم، فقال: فعن ماذا تسأله العافية؟ أمن بلاء هو ابتلاك به؟ أو من بلاء غيره ابتلاك به؟ قال: من بلاء ابتلانى به. فقال: ألست تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم؟ قال: بلى، قال: تعرف تفسيرها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، علِّمنى مما علَّمك الله، فقال: تفسيره: أن العبد لا قدرة له على طاعة الله ولا على معصيته إلا بالله عز وجل، يا سائل؛ إن الله يسقم ويداوى، منه الداء. ومنه الدواء، اعقل عن الله، فقال السائل عقلت، فقال له: الآن صرتَ مسلماً، قوموا إلى أخيكم المسلم وخذوا بيده، ثم قال علىّ: لو وجدتُ رجلاً من أهل القَدَر لأخذت بعنقه، ولا أزال أضربه حتى أكسر عنقه، فإنهم يهود هذه الأُمة.

وبعد

فهذه هى أمالى الشريف المرتضى، وهى وإن كانت لا تصوِّر لنا تفسيراً متناولاً للقرآن كله إلا أنها يمكن أن تكشف لنا عن مبلغ تأثر صاحبها بعقيدته الاعتزالية فى بحوثه التفسيرية التى عالجها، كما تكشف لنا عن مبلغ ما كان لفنه الأدبى من الأثر الظاهر فى التفسير.

* * *

ص: 303

3 -

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل (للزمخشرى)

* التعريف بمؤلف هذا التفسير:

مؤلف هذا التفسير، هو أبو القاسم: محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمى، الإمام الحنفى المعتزلى، الملقب بجار الله، ولد فى رجب سنة 467 هـ (سبع وستين وأربعمائة من الهجرة) بزمخشر - قرية من قرى خوارزم وقدم بغداد، ولقى الكبار وأخذ عنهم، دخل خراسان مراراً عديدة. وما دخل بلداً إلا واجتمع عليه أهلها وتتلمذوا له، وما ناظر أحداً إلا وسَلَّم له واعترف به. ولقد عظم صيته وطار ذكره حتى صار إمام عصره من غير مدافعة.

ليس عجباً أن يحظى الزمخشرى بكل هذا وهو الإمام الكبير فى التفسير والحديث والنحو، واللغة والأدب، وصاحب التصانيف البديعة فى شتَّى العلوم. ومن أجَّل مصنفاته: كتابه فى تفسير القرآن العزيز الذى لم يُصنَّف قبله مثله، وهو ما نحن بصدده الآن، والمحاجاة فى المسائل النحوية، والمفرد والمركب فى العربية، والفائق فى تفسير الحديث، وأساس البلاغة فى اللغة، والمفصَّل فى النحو، ورؤوس المسائل فى الفقه.. وغير هذا كثير من مؤلفاته.

قال صاحب وفيات الأعيان: "كان الزمخشرى معتزلى الاعتقاد، متظاهراً باعتزاله، حتى نُقِل عنه: أنه كان إذا قصد صاحباً له واستأذن عليه فى الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له أبو القاسم المعتزلى بالباب، وأول ما صنَّف كتاب الكشاف، كتب استتفتاح الخطبة: "الحمد لله الذى خلق القرآن" فيقال إنه قيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس سولا يرغب أحد فيه، فغيَّره بقوله: "الحمد لله الذى جعل القرآن" و "جعل" عندهم بمعنى "خلق"، والبحث فى ذلك يطول. ورأيت فى كثير من النسخ: "الحمد لله الذى أنزل القرآن" وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المُصنِّف".

يقول الفيروزآبادى - وصاحب القاموس - فيما علَّقه على خطبة الكشاف: "قال بعض الطلبة - وأثبته بعض المعتنين بالكشاف فى تعليق له عليه - أنه كان فى الأصل كتب: "خلق" مكان: "أنزل" وأخيراً غيَّره المصنف أو غيَّره حذراً عن الشناعة

ص: 304

الواضحة وهذا قول ساقط جداً وقد عرضته على أستاذى فأنكره غاية الإنكار، وأشار إلى أن هذا القول بمعزل عن الصواب لوجهين: أحدهما أن الزمخشرى لم يكن أهلاً لأن تفوته اللطائف المذكورة فى "أنزل" وفى "نزل" فى مفتتح كلامه ووضع كلمة خالية من ذلك. والثانى: أنه لم يكن يأنف من انتمائه إلى الاعتزال، وإنما كان يفتخر بذلك، وأيضاً أتى عقيبه بما هو صريح فى المعنى ولم يبال بأنه قبيح، وقد رأيت النسخة التى بخط يده بمدينة السلام، مختبئة فى تربة الإمام أبى حنيفة، خالية عن أثر كشط وإصلاح".

وكانت وفاة الزمخشرى رحمه الله ليلة عرفة سنة 538 هـ (ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة) بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة، ورثاه بعضهم، بأبيات من جملتها:

فأرض مكة نَدَّى الدمع مقلتها

حزناً لفُرقة جار الله محمود

* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه - قصة تأليف الكشاف:

قبل الخوض فى التعريف بالكشاف للزمخشرى، أرى أن أسوق لك قصة تأليفه وما كان من الزمخشرى من التردد بين الإقدام عليه والإحجام عنه أولاً.. ثم العزم المصمم منه على تأليفه حتى أخرجه للناس كتاباً جامعاً نافعاً.

أسوق هذه القصة نقلاً عن الزمخشرى فى مقدمة كشافه، فقد أوضح ما كان منه أول الأمر، وكشف عن السبب الذى دعاه إلى تأليف كتابه فى التفسير فقال:

"ولقد رأيت إخواننا فى الدين من أفاضل الفئة الناجية العدلية، الجامعين بين علم العربية والأصول الدينية، كلما رجعوا إلىَّ فى تفسير آية فأبرزت لهم بعض الحقائق من الحُجُب، أفاضوا فى الاستحسان والتعجب، واستطيروا شوقاً إلى مُصَنَّف يضم أطرافاً من ذلك، حتى اجتمعوا إلىَّ مقترحين أن أُملى عليهم الكشف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل، فى وجوه التأويل، فاستعفيت، فأبوا إلا المراجعة والاستشفاع بعظماء الدين، وعلماء العدل والتوحيد. والذى حدانى إلى الاستعفاء - على علمى أنهم طلبوا ما الإجابة إليه علىَّ واجبة، لأن الخوض فيه كفرض العَيْن - ما أرى عليه الزمان من رثاثة أحواله، وركاكة رجاله، وتقاصر همهم عن أدنى عدد هذا العلم، فضلاً أن تترقى إلى الكلام المؤسس على علمى البيان والمعانى، فأمليت عليهم مسألة فى الفواتح، وطائفة من الكلام فى حقائق سورة البقرة، وكان كلاماً مبسوطاً كثير السؤال والجواب،

ص: 305

طويل الذيول والأذناب، وإنما حاولت به التنبيه على غزارة نكت هذا العلم، وأن يكون لهم مناراً ينتحونه، ومثالاً يحتذونه، فلما صمم العزم على معاودة جوار الله، والإناخة بحرم الله، فتوجهت تلقاء مكة، وجدت فى مجتازى بكل بلد مَن فيه مسكة من أهلها - وقليل ما هم - عطشى الأكباد إلى العثور على ذلك المملَى، متطلعين إلى إيناسه، حراصاً على اقتباسه، فهزَّ ما رأيت من عِطفى، وحرَّك الساكن من نشاطى، فلما حططت الرَحْل بمكة إذا أنا بالشعبة السنية من الدرجة الحسنية: الأمير الشريف، الإمام شرف آل رسول الله، أبى الحسن، بن حمزة بن وهاس - أدام الله مجده - وهو النكتة والشامة فى بنى الحسن، مع كثرة محاسنهم، وجموم مناقبهم، أعطش الناس كبداً، وألهبهم حشىً، وأوفاهم رغبة، حتى ذكر أنه كان يُحدِّث نفسه فى مدة غيبتى عن الحجاز مع تزاحم ما هو فيه من المشادة، بقطع الفيافى وطى المهامه، والإفادة علينا بخوارزم، ليتوصل إلى إصابة هذا الغرض، فقلت: قد ضاقت على المستعفى الحيل، وعيّت به العلل. ورأيتنى قد أخذت منى السن، وتقعقع الشن، وناهزت العشر التى سمتها العرب دقاقة الرقاب، فأخذت فى طريقة أخصر من الأولى، مع ضمان التكثير من الفوائد، والفحص عن السرائر،

ووفَّق الله وسدَّد، ففُرِغ منه فى مقدار مدة خلافة أبى بكر الصِدِّيق رضى الله عنه وكان يُقَدَّر تمامه فى أكثر من ثلاثين سنة. وما هى إلا آية من آيات هذا البيت المحرَّم، وبركة أُفيضت علىّ من بركات هذا الحرم المعظَّم. أسأل الله أن يجعل ما تعبت فيه سبباً ينجينى، ونوراً لى على الصراط يسعى بين يدى ويمينى، ونِعْم المسئول".

هذه قصة تأليف الكشاف كما يرويها الزمخشرى نفسه.

* *

* قيمة الكشاف العلمية:

وأما قيمة هذا التفسير. فهو - بصرف النظر عما فيه من الاعتزال - تفسير لم يُسبق مؤلفه إليه، لما أبان فيه من وجوه الإعجاز فى غير ما آية من القرآن، ولما ظهر فيه من جمال النظم القرآنى وبلاغته، وليس كالزمخشرى مَن يستطيع أن يكشف لنا عن جمال القرآن وسحر بلاغته، لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم. لا سيما ما برز فيه من الإلمام بلغة العرب. والمعرفة بأشعارهم. وما امتاز به من الإحاطة بعلوم البلاغة،

ص: 306

والبيان والإعراب، والأدب، ولقد أضفى هذا النبوغ العلمى والأدبى على تفسير الكشاف ثوباً جميلاً، لفت إليه أنظار العلماء وعلَّق به قلوب المفسِّرين.

هذا.. وقد أحس الزمخشرى إحساساً قوياً بضرورة الإلمام بعلمى المعانى والبيان قبل كل شئ، لمن يريد أن يُفسِّر كتاب الله عز وجل، وجهر بذلك فى مقدمة الكشاف فقال:".. ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يُبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سبكها، علم التفسير، الذى لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذى علم - كما ذكر الجاحظ فى كتاب نظم القرآن - فالفقيه وإن برز على الأقران فى علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بَزَّ أهل الدنيا فى صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القِرِّية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصرى أوعظ، والنحوى وإن كان أنحى من سيبويه، واللُّغوى وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعانى، وعلم البيان، وتمهل فى ارتيادهما آونة، وتعب فى التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة فى معرفة لطائف حُجَّة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله بعد أن يكون آخذاً من سائر العلوم بحظ، جامعاً بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رَجَعَ زماناً ورُجِعَ إليه، ورَدَّ ورُدَّ عليه، فارساً فى علم الإعراب، مقدَّماً فى حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقَّادها، يقظان النفس، دراً كاللمحة وإن لطف شأنها، منتبهاً على الرمزة وإن خفى مكانها، لا كزَّاً جاسياً، ولا غليظاً جافياً، متصرفاً ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتاضاً غير ريض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يُرتَّب الكلام ويُؤلَّف، وكيف يُنظَّم ويُرصَّف، طالما دفع إلى مضايقه. ووقع فى مداحضه ومزالقه".

وفى الحقيقة أن الزمخشرى قد جمع كل هذه الوسائل التى لا بد منها للمفسِّر، فأخرج للناس هذا الكتاب العظيم فى تفسير القرآن "الكشاف عن حقائقه، المخلص من مضايقه، المطلع على غوامضه، المثبت فى مداحضه، المُلخِّص لنكته ولطائف نظمه، المُنَقِّر عن فِقَره وجواهر علمه، المكتنز بالفوائد المفتنَّة التى لا تُوجد إلا فيه، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه ومعانيه، مع الإيجاز الحاذف للفضول، وتجنب المستكرَه

ص: 307

المملول، ولو لم يكن فى مضمونه إلا إيراد كل شئ على قانونه، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأخبار، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار".

ولما علم الزمخشرى أن كتابه قد تحلَّى بهذه الأوصاف قال متحدثاً بنعمة الله:

إن التفاسير فى الدنيا بلا عدد

وليس فيها لعَمْرى مثل كشافى

إن كنتَ تبغى الهدى فالزم قراءته

فالجهل كالداء والكشاف كالشافى

وإذا كان الزمخشرى قد اعتزَّ بكشافه، وبلغ إعجابه به إلى حد جعله يقول فيه ما قال من تقريظ له، وإطراء عليه، فإنَّا نعذره فى ذلك ولا نلومه عليه، فالكتاب واحدٌ فى بابه، وعَلَمٌ شامخ فى نظر علماء التفسير وطُلابه، ولقد اعترف له خصومه بالبرعة وحسن الصناعة، وإن أخذوا عليه بعض المآخذ التى يرجع أغلبها إلى ما فيه من ناحية الاعتزال، وإليك مقالات بعض العلماء فى الكشاف:

* مقالة ابن بشكوال فى الكشاف:

وإنَّا لنجد فى مقدمة تفسير أبى حيان، مقارنة للحافظ أبى القاسم بن بشكوال، بين تفسير ابن عطية وتفسير الزمخشرى، ووصفاً رقيقاً وتحليلاً عميقاً لكتاب الكشاف يقول فيها:

"وكتاب ابن عطية أنقل وأجمع وأخلص. وكتاب الزمخشرى ألخص وأغوص، إلا أن الزمخشرى قائل بالطفرة، ومقتصر من الذؤابة على الوفرة، فربما سنح له آبى المقادة فأعجزه اعتياصه، ولم يمكنه لتأنيه اقتناصه، فتركه عقلاً لمن يصطاده، وغفلاً لمن يرتاده. وربما ناقض هذا المنزع، فثنى العنان إلى الواضح والسهل اللائح، وأجال فيه كلاماً، ورمى نحو غرضه سهاماً. هذا مع ما فى كتابه من نصرة مذهبه، وتقحم مرتكبه، وتجشم حمل كتاب الله عز وجل عليه، ونسبة ذلك إليه، فمغتفر إساءته لإحسانه، ومصفوح عن سقطه فى بعض، لإصابته فى أكثر تبيانه".

*

* مقالة الشيخ حيدر الهروى:

كذلك نجد للشيخ حيدر الهروى - أحد الذين عَلَّقوا على الكشاف - وصفاً دقيقاً لكتاب الكشاف وهذا نصه:

"

وبعد، فإن كتاب الكشاف، كتاب عَلىُّ القدر رفيع الشأن، لم يُرَ مثله فى تصانيف الأوَّلين، ولم يرد شبيهه فى تآليف الآخرين. اتفقت على متانة تراكيبه الرشيقة كلمة المهرة المتقنين، واجتمعن على محاسن أساليبه الأنيقة ألسنة الكلمة المفلقين. ما قصَّرَ فى قوانين التفسير وتهذيب براهينه. وتمهيد قواعده وتشييد معاقده.

ص: 308

وكل كتاب بعده فى التفسير، ولو فُرِض أنه لا يخلو عن النقير والقطمير، إذا قيس به لا تكون له تلك الطلاوة، ولا يُوجد فيه شئ من تلك الحلاوة، على أن مؤلفه يَقتفى أثره، ويَسأل خبره. وقلَّما غيَّر تركيباً من تراكيبه إلا وقع فى الخطأ والخطل، وسقط من مزالق الخبط والزلل، ومع ذلك كله إذا فتشت عن حقيقة الخبر، فلا عين منه ولا أثر، ولذلك قد تداولته أيدى النظار، فاشتهر فى الأقطار، كالشمس فى وسط النهار، إلا أنه لإخطائه سلوك الطرق الأدبية، وإغفاله عن إجمال أرباب الكمال. أصابته عين الكلالة. فالتزم فى كتابه أُموراً أذهبت رونقه وماءه، وأبطلت منظره ورواءه، فتكدرت مشارعه الصافية، وتضيَّقت موارده الضافية، وتزلزلت رتبه العالية.

منها: أنه كلما شرع فى تفسير آية من الآى القرآنية مضمونها لا يساعد هواه، ومدلولها لا يطاوع مشتهاه، صرفها عن ظاهرها بتكلفات باردة، وتعسفات جامدة، وصرف الآية - بلا نكتة بلاغية لغير الضرورة - عن الظاهر، وفيه تحريف لكلام الله سبحانه وتعالى، وليته يكتفى بقدر الضرورة، بل يبالغ فى الإطناب والتكثير، لئلا يوهم بالعجز والتقصي، فتراه مشحوناً بالاعتزالات الظاهرة التى تتبادر إلى الأفهام، والخفية التى لا تتسارق إليها الأوهام، بل لا يهتدى إلى حبائله إلا ورَّاد بعد وراَّد من الأذكياء الحذَّاق، ولا ينتبه لمكائده إلا واحد من فضلاء الآفاق. وهذه آفة عظيمة ومصيبة جسيمة.

ومنها: أنه يطعن فى أولياء الله المرتضين من عباده، ويغفل عن هذا الصنيع لفرط عناده. ونِعْمَ ما قال الرازى فى تفسير قوله تعالى:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .. خاض صاحب الكشاف فى هذا المقام فى الطعن فى أولياء الله تعالى، وكتب فيها ما لا يليق بعاقل أن يكتب مثله فى كتب الفحش، فهب أنه اجترأ على الطعن فى أولياء الله تعالى، فكيف اجتراؤه على كتبه ذلك الكلام الفاحش فى تفسير كلام الله المجيد.

ومنها: أنه أورد فيه أبياتاً كثيرة، وأمثالاً غزيرة بنى على الهزل والفكاهة أساسها. وأورد على المزاح البارد نبراسها. وهذا أمر من الشرع والعقل بعيد، لا سيما عند أهل العدل والتوحيد.

ومنها: أنه يذكر أهل السُّنَّة والجماعة - وهم الفرقة الناجية - بعبارات فاحشة، فتارة يُعَبِّر عنهم بالمُجَبِّرة، وتارة ينسبهم على سبيل التعريض إلى الكفر والإلحاد. وهذه وظيفة السفهاء الشطار، لا طريقة العلماء الأبرار".

*

* مقالة أبى حيان:

ونجد أبا حيان صاحب البحر المحيط عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [49] من

ص: 309

سورة النمل: {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} .. يتعقب الزمخشرى فى تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} .. ثم يصفه بقوله: "وهذا الرجل وإن كان أُوتِىَ من علم القرآن أوفر حظ، وجمع بين اختراع المعنى وبراعة اللفظ، ففى كتابه فى التفسير أشياء منتقدة، وكنت قريباً من تسطير هذه الأحرف قد نظمت قصيداً فى شغل الإنسان بكتاب الله، واستطردت إلى مدح كتاب الزمخشرى، فذكرت أشياء من محاسنه، ثم نبهت على ما فيه مما يجب تجنبه، ورأيت إثبات ذلك هنا لينتفع بذلك مَن يقف على كتابى هذا، ويتنبه على ما تضمنه من القبائح، فقلت بعد ذكر ما مدحته به:

ولكنه فيه مجال لناقد

وزلات سوء قد أخذن المخانقا

فيثبت موضوع الأحاديث جاهلاً

ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا

ويشم أعلام الأئمة ضلة

ولا سيما إن أولجوه المضايقا

ويُسهب فى المعنى الوجيز دلالة

بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا

يُقوِّل فيها الله ما ليس قائلا

وكان محباً فى الخطابة وامقا

ويخطئ فى تركيبه لكلامه

فليس لما قد ركَّبوه موافقا

وينسب إبداء المعانى لنفسه

ليُوهم أغماراً وإن كان سارقا

ويخطئ فى فهم القرآن لأنه

يُجَوِّز إعراباً أبى أن يطابقا

وكم بين مَن يؤتى البيان سليقة

وآخر عاناه فما هو لاحقا

ويحتال للألفاظ حتى يديرها

لمذهب سوء فيه أصبح مارقا

فيا خسره شيخ تخرَّق صيته

مغارب تخريق الصبا ومشارقا

لئن لم تداركه من الله رحمة

لسوف يُرى للكافرين مرافقا"

وأحسب أن القارئ لا يفوته أن يدرك ما فى الوصف من قسوة على الزمخشرى، وما فيه من اتهامه بقِلَّة بضاعته فى البيان والعربية، مع أنه سلطان هذه الطريقة فى التفسير غير مدافع.

*

* مقالة ابن خلدون:

وهذا هو العلَاّمة ابن خلدون، نجده عندما تكلم عن القسم الثانى من التفسير وهو ما يرجع إلى اللسان، من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة فى تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب. يقول: "ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير كتاب الكشاف للزمخشرى من أهل خوارزم العراق، إلا أن مؤلِّفه من أهل الاعتزال فى

ص: 310

العقائد، فيأتى بالحِجَاج على مذاهبهم الفاسدة حيث تعرَض له فى آى القرآن من طرق البلاغة، فصار بذلك للمحققين من أهل السُّنَّة انحراف عنه، وتحذير للجمهور من مكامته، مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة، وإذا كان الناظر فيه واقفاً مع ذلك على المذاهب السُّنِّية، محسناً للحجاج عنها، فلا جَرَم أنه مأمون من غوائله، فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه فى اللسان. ولقد وصل إلينا فى هذه العصور تأليف لبعض العراقيين، وهو شرف الدين الطيبى من أهل توريز، من عراق العجم، شرح فيه كتاب الزمخشرى هذا، وتَنَبَّع ألفاظه، وتَعَرَّض لمذاهبه فى الاعتزال بأدلة تُزيفها، وتُبيِّن أن البلاغة إنما تقع فى الآية على ما يراه أهل السُّنَّة، لا على ما يراه المعتزلة، فأحسن فى ذلك ما شاء، مع إمتاعه فى سائر فنون البلاغة، وفوق كل ذى علم عليم".

*

*مقالة التاج السبكى:

وأخيراً.. فهذا هو العلَاّمة تاج الدين السبكى يقول فى كتابه "معيد النِعَم ومبيد النِقَم": "واعلم أن الكشاف كتاب عظيم فى بابه، ومصنِّفه إمام فى فنه، إلا أنه رجل مبتدع متاجر ببدعته، يضع من قدر النبوة كثيراً، ويسئ أدبه على أهل السُّنَّة والجماعة، والواجب كشط ما فى الكشاف من ذلك كله، ولقد كان الشيخ الإمام - يعنى والده تقى الدين السبكى - يقرأه فإذا انتهى إلى كلامه فى قوله تعالى فى سورة التكوير الآية [19] : {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} أعرض عنه صفحاً، وكتب ورقة حسبة سماها "سبب الانكفاف، عن إقراء الكشاف" وقال فيها: قد رأيت كلامه على قوله تعالى: {عَفَا الله عَنكَ} ، وكلامه فى سورة التحريم وغير ذلك من الأماكن التى أساء أدبه فيها على خير خلق الله تعالى، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعرضتُ عن إقراء كتابه حياءً من النبى صلى الله عليه وسلم، مع ما فى كتابه من الفوائد والنكت البديعة".

هذه هى شهادات بعض العلماء فى تفسير الكشاف بما له وما عليه. ومهما يكن

ص: 311

من شئ، فالكل مجمع عن أن الزمخشرى هو سلطان الطريقة اللُّغوية فى تفسير القرآن، وبها أمكنه أن يكشف عن وجه الإعجاز فيه، ومن أجلها طار كتابه فى أقصى المشرق والمغرب، واشتهر فى الآفاق، واستمد كل مَن جاء بعده من المفسِّرين من بحره الزاخر، وارتشف من معينه الفيَّاض، واعتنى الأئمة المحققون بالكتابة عليه: فمن مميِّز لما جاء فيه من الاعتزال، ومن مناقش لما أتى فيه من وجوه الإعراب، ومن محش وضَّحَ ونَقَّحَ واستشكل وأجاب، ومن مخرج لأحاديثه عَزَا وأسْنَدَ وصَحَّحَ وأنقد، ومن مختصر لَخَّصَ وأوجز.

ولا أطيل بذكر الكتب التى عَنِىَ فيها أصحابها بهذه النواحى، ويكفى أن أقول: إن من أهم الحواشى على تفسير الكشاف، حاشية العلامة شرف الدين الحسن بن محمد الطيبى، المتوفى سنة 743 هـ (ثلاث وأربعين وسبعمائة من الهجرة) ، وهى تقع فى ست مجلدات كباراً، وهى التى أشار إليها ابن خلدون فى مقالته السابقة. وقد سمَّاها صاحبها "فتوح الغيب، فى الكف عن قناع الريب" ومَن يريد الوقوف على كل ما كُتِب على الكشاف ليرجع إلى كشف الظنون (جـ2 ص173-177) وسيراها كثيرة، كثرة يضيق المقام عن ذكرها.

هذا.. وإن حظوة الكشاف بهذا التقدير والإعجاب حتى من خصومه، وظفره بهذه الشهرة الواسعة التى أغرت العلماء بالكتابة عليه بمثل هذه الكثرة الوافرة الزاخرة من المؤلفات، لدليل قاطع على أنه تفسير فى أعلى القمة.

وليس عجيباً أن يكون الكشاف كذلك وهو أول كتاب فى التفسير كشف لنا على سر بلاغة القرآن، وأبان لنا عن وجوه إعجازه، وأوضح لنا عن دقة المعنى الذى يُفهم من التركيب اللفظى. كل هذا فى قالب أدبى رائع، وصوغ إنشائى بديع، لا يتفق لغير الزمخشرى، إمام اللُّغة وسلطان المفسِّرين. وإذا كان الزمخشرى قد تأثر فى تفسيره بعقيدته الاعتزالية فمال بالألفاظ القرآنية إلى المعانى التى تشهد لمذهبه، أو تأوَّلها بحيث لا يتنافى معه على الأقل، فإنه فى محاولاته هذه قد برهن بحق على براعته وقوة ذهنه، وصوَّر لنا مقدار ما كان من التأثر بين التفسير وهوى العقيدة، وما كان لنا بعد هذا كله أن نغض الطرف عن هذا التفسير، تأثراً بمذهبنا السُّنِّى، وكراهة لمذهب المعتزلة، وبخاصة بعد ما هو ثابت وواقع من ثناء كثير من علماء أهل السُّنَّة عليه - فيما عدا ناحيته الاعتزالية - واعتماد معظم مفسِّريهم عليه وأخذهم منه.

فالكشاف - والحق يقال - قد بلغ فى نجاحه مبلغاً عظيماً، ليس فقط لأنه لا يمكن الاستغناء عنه فى بيان الأقوال الكثيرة لقدماء المعتزلة، بل لأنه استطاع أيضاً أن يكون

ص: 312

معتَرفاً به من الأصدقاء والخصوم على السواء ككتاب أساسى للتفسير، وأن يأخذ طابعاً شعبياً يغرى الكل ويتسع للجميع.

وكما اعتبرنا تفسير الطبرى ممثلاً للقمة العالية فى التفسير بالمأثور فأطنبنا فى وصفه وأطلنا الكلام عليه، فهنا كذلك سنعتبر الكشاف للزمخشرى القمة العالية للتفسير الاعتزالى، لأنه الكتاب الوحيد من تفاسير المعتزلة الذى وصل إلينا متناولاً للقرآن كله. وشاملاً للأفكار الاعتزالية التى تتصل بالقرآن الكريم باعتباره أصل العقيدة ومعتمد ما يتشعب عنها من آراء وأفكار، ولهذا أرانى مضطراً إلى الإطناب والإفاضة فى كلامى عن هذا التفسير، ودراستى له من جميع نواحيه بمقدار ما يفتح الله.

* *

* اهتمام الزمخشرى بالناحية البلاغية للقرآن:

عندما يلقى الإنسان نظرة فاحصة على العمل التفسيرى الذى قام به العلَاّمة الزمخشرى فى كشَّافه، يظهر له من أول وهلة، أن المبدأ الغالب عليه فى جهوده التفسيرية، كان فى تبيين ما فى القرآن من الثروة البلاغية التى كان لها كبير الأثر فى عجز العرب عن معارضته والإتيان بأقصر سورة من مثله. والذى يقرأ ما أورده الزمخشرى عند تفسيره لكثير من الآيات من ضروب الاستعارات، والمجازات، والأشكال البلاغية الأخرى، يرى أن الزمخشرى كان يحرص كل الحرص على أن يُبرز فى حلة بديعة جمال أسلوبه وكمال نظمه، وإنَّا لنكاد نقطع - إذا استعرضنا كتب التفسير وتأملنا مبلغ عنايتها باستخراج ما يحتويه القرآن من ثروة بلاغية فى المعانى والبيان - بأنه لا يوجد تفسير أوسع مجالاً فى جهوده فى هذا الصدد من تفسير الزمخشرى.

ولقد كانت لعناية الزمخشرى بهذه الناحية فى تفسيره من الأثر بين المفسِّرين وبين مواطنيه من المشارقة ما هو واضح بيِّنٌ.

أما أثره بين المفسِّرين، فإنَّ كل مَن جاء بعده منهم - حتى من أهل السُّنَّة - استفادوا من تفسيره فوائد كثيرة كانوا لا يلتفتون إليها لولاه، فأوردوا فى تفسيرهم ما ساقه الزمخشرى فى كشَّافه من ضروب الاستعارات، والمجازات، والأشكال البلاغية الأخرى، واعتمدوا ما نبَّه عليه الزمخشرى من نكات بلاغية، تكشف عما دَقَّ من براعة نظم القرآن وحسن أُسلوبه.

وليس عجيباً أن يعتمد خصوم الزمخشرى كغيرهم على كتاب الكشاف، وينظروا إليه كمرجع مهم من مراجع التفسير فى هذه الناحية، بعد ما قدَّروا هذ الناحية البلاغية فى تفسير القرآن، وبعد ما علموا أن الزمخشرى هو سلطان هذه الطريقة غير مدافَع.

وأما أثره بين مواطنيه من المشارقة، فإنهم أخذوا عنه هذا الفن البلاغى وبرعوا فيه،

ص: 313

حتى سبقوا مَن عداهم من المغاربة، وقد بيَّن ابن خلدون فى مقدمته - عند الكلام عن علم البيان - ما لتفسير الزمخشرى من الأثر فى براعة المشارقة فى هذا الفن فقال:

".. وبالجملة، فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة، وسببه - والله - أعلم - أنه كمالى فى العلوم اللسانية، والصنائع الكمالية توجد فى العمران والمشرق أوفر عمراناً من المغرب كما ذكرنا. أو نقول: لعناية العجم - وهم معظم أهل المشرق - بتفسير الزمخشرى وهو كله مبنى على هذا الفن وهو أصله".

ثم إنَّا نستعرض هذه الروح البلاغية التى تسود فى تفسير الزمخشرى فنشهدها واضحة من أول الأمر عندما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [2] من سورة البقرة: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} .. فبعد أن ذكر كل الاحتمالات التى تجوز فى محل هذه الجملة من الإعراب، نَبَّهَ على أن الواجب على مُفَسِّر كلام الله تعالى أن يلتفت للمعانى ويحافظ عليها، ويجعل الألفاظ تبعاً لها، فقال ما نصه: ".. والذى هو أرسخ عرقاً فى البلاغة أن يُضرب عن هذه الحال صفحاً وأن يقال: إن قوله: {آلم} جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها. {ذَلِكَ الكتاب} جملة ثانية و {لَا رَيْبَ فِيهِ} ثالثة و {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} رابعة، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، وموجب حسن النظم، حيث جئ بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك حسن لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها.. وهلم جرّاً إلى الثالثة والرابعة. بيان ذلك: أنه نَبَّه أولاً على أنه الكلام المُتَحدَّى به. ثم أشير إليه بأنه الكتاب المبعوث بغاية الكمال، فكان تقريراً لجهة التحدى وشداً من أعضاده، ثم نفى عنه أنه يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلاً بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة. وقيل لبعض العلماء: فيم لذَّتك؟ فقال: فى حُجَّة تتبختر اتضاحاً، وفى شبهة تتضاءل افتضاحاً. ثم أخبر عنه بأنه {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} ، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يُحَوَّم الشك حوله، وحقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتُبت هذا الترتيب الأنيق، ونُظِمَت هذا النظم السوى، من نكتة ذات جزالة، ففى الأولى: الحذف، والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفى الثانية: ما فى التعريف من الفخامة، وفى الثالثة: ما فى تقديم الريب على الظرف. وفى الرابعة: الحذف، وضح المصدر الذى هو {هُدًى} موضع الوصف الذى هو {هَاد} ، وإيراده

ص: 314

منكراً، والإيجاز فى ذكر {لِّلْمُتَّقِينَ} . زادنا الله اطلاعاً على أسرار كلامه، وتييناً لنكت تنزيله، وتوفيقاً للعمل بما فيه".

* *

* تذرعه بالمعانى اللغوية لنُصرة مذهبه الاعتزالى:

كذلك نرى الزمخشرى - كغيره من المعتزلة - إذا مَرَّ بلفظ يشتبه عليه ظاهره ولا يتفق مع مذهبه، يُحاول بكل جهوده أن يُبطل هذا المعنى الظاهر، وأن يُثبت للفظ معنى آخر موجوداً فى اللغة.

فمثلاً يراه عندما تَعَرَّضَ لتفسير قوله تعالى فى الآيتين [22، 23] من سورة القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} .. يتخلص من المعنى الظاهر لكلمة "ناظرة"، لأنه لا يتفق مع مذهبه الذى لا يقول برؤية الله تعالى، ونراه يثبت له معنى آخر هو التوقع والرجاء، ويستشهد على ذلك بالشعر العربى فيقول ما نصه:{إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} : تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله:{إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر} [القيامة: 12] .. {إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق} [القيامة: 30] .. {إِلَى الله تَصِيرُ الأمور} [الشورى: 53] .. {إلى الله المصير} [آل عمران: 28، النور: 42، فاطر: 18] .. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245] .. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 1] كيف دَلَّ فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد، وفى محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإن المؤمنين نظَّارة ذلك اليوم، لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص. والذى يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى، تريد معنى التوقع والرجاء، ومنه قول القائل:

وإذا نظرتُ إليك من ملك

والبحر دونك زدتنى نعماً

وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر، حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم، تقول: عُيينتى نويظرة إلى الله وإليكم" والمعنى: أنهم لا يتوقون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا فى الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه".

* *

* اعتماده على الفروض المجازية، وتذرعه بالتمثيل والتخييل فيما يُستبعد ظاهره:

كذلك نرى الزمخشرى يعتمد فى تفسيره على الفروض المجازية فى الكلام الذى يبدو فى حقيقته بعيداً وغريباً.

ص: 315

فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [72] من سورة الأحزاب: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال} .. الآية، يقول ما نصه: "وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظَّم أمرها، وفَخَّم شأنها. وفيه وجهان:

أحدهما: أن هذه الأجرام العظام من السماوات والأرض والجبال، قد انقادت لأمر الله عَزَّ وعلا انقياد مثلها، وهو ما يتأتى من الجمادات، وأطاعت له الطاعة التى تصح منها وتليق بها، حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجاداً، وتكويناً، وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة، كما قال:{قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] .. وأما الإنسان، فلم تكن حاله فيما يصح منه من الطاعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه - وهو حيوان عاقل صالح للتكليف - مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع، والمراد بالأمانة: الطاعة، لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء. وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها مجاز. وأما حمل الأمانة، فمن قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولى عليه حق.. فإذا أدَّاها لم تكن راكبة له ولا هو حاملاً لها. ونحوه قولهم: لا يملك مولى لمولى نصراً، يريدون أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها ولا يمسكها الخاذل، ومنه قول القائل:

أخوك الذى لا تملك الحس نفسه

وترفض عند المحفظات الكتائف

أى لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما فى يده، بل يبذل ذلك ويسمح به. ومنه قولهم: ابغض حق أخيك، لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤدِّه، وإذا أبغضه أخرجه وأدَّاه. فمعنى:{فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان} [الأحزاب: 72] : فأبين إلا أن يؤدينها وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملاً لها لا يؤدِّيها. ثم وصفه بالظلم لكونه تاركاً لأداء الأمانة، وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤه.

والثانى: أنَّ ما كُلِّفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله، أنه عُرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشده أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به، وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها: ونحو هذا الكلام كثير فى لسان العرب، وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم. ومن ذلك قولهم:"لو قيل للشحم أين تذهب؟ لقال: أسوى العوج" وكم لهم من

ص: 316

أمثال على ألسنة البهائم والجمادات، وتصور مقاولة الشحم محال ولكن الغرض أن السمن فى الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصوَّر أثر السمن فيه تصويراً هو أوقع فى نفس السامع، وهى به آنس، وله أقبل وعلى حقيقته أوقف، وكذلك تصوير عظم الأمانة، وصعوبة أمرها، وثقل محملها، والوفاء بها.

وهنا تقوم أمام الزمخشرى صعوبات ومشاكل يصوِّرها لنا فى سؤاله: "فإن قلت: قد عُلِمَ وجه التمثيل فى قولهم للذى لا يثبت على رأى واحد: أراك تُقَدِّم رِجْلاً وتُؤَخِّر أخرى، لأنه مُثِّلَت حاله فى تميله وترجحه بين الرأيين، وتركه المضى على أحدهما، بحال مَن يتردد فى ذهابه فلا يجمع رجليه للمضى فى وجهة، وكل واحد من الممثل والممثَّل به شئ مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما فى هذه الآية، فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال فى نفسه غير مستقيم، فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال؟ وما مثال هذا إلا أن تُشبِّه شيئاً والمشبَّه به غير معقول".

ولكن الزمخشرى لا يقف طويلاً أمام هذه الصعوبات، بل نراه يتخلص منها بكل دقة وبراعة حيث يقول:"قلت الممثَّل به فى الآية، وفى قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب، وفى نظائره، مفروض، والمفروضات تتخيل فى الذهن كما المحققات مثلت حال التكليف فى صعوبته وثقل محمله، بحاله المفروضة لو عُرِضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها".

ثم إن هذه الطريقة التى يعتمد عليها الزمخشرى فى تفسيره - أعنى طريقة الفروض المجازية، وحمل الكلام الذى يبدو غريباً فى ظاهره على أنه من قبيل التعبيرات التمثيلية أو التخييلية - قد أثارت حفيظة خصمه السُّنِّى ابن المنير الإسكندرى عليه، فاتهمه بأشنع التهم فى كثير من المواضع التى تحمل هذا الطابع، ونسبه فيها إلى قِلَّة الأدب وعدم الذوق.

فمثلاً عندما يعرض الزمخشرى لقوله تعالى فى الآية [21] من سورة الحشر: {لَوْ أَنزَلْنَا هاذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .. نراه يقول: "هذا تمثيل وتخييل كما مَرَّ فى قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة} وقد دلَّ عليه قوله: {وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} .. والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقِلَّة تخشعه، عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره".

ولكن هذا قد أغضب ابن المنير على الزمخشرى فقال معقباً عليه: "وهذا مما تقدَّم

ص: 317

إنكارى عليه فيه، أفلا كان يتأدب بأدب الآية، حيث سمَّى الله هذا مَثَلاً، ولم يقل: تلك الخيالات نضربها للناس؟. ألهمنا الله حُسْن الأدب معه. والله الموفق".

ولكن الزمخشرى ولع بهذه الطريقة، فمشى عليها من أول تفسيرهُ إلى آخره، ولم يقبل المعانى الظاهرة التى يُجوِّزها أهل السُّنَّة، بل ويرونها أقرب إلى الصواب من غيرها، وهو فى كل ما يذكر من المعانى لا يعدم مثلاً عربياً سائراً، أو بيتاً من الشعر القديم يشهد لما يقوله، كما أنه لا ينفك عن التنديد بأهل السُّنَّة الذين يقبلون هذه المعانى الظاهرة ويقولون بها، وكثيراً ما ينسبهم من أجل ذلك إلى أنهم من أهل الأوهام والخرافات. وإليك بعض الأمثلة لتقف على مقدار تمسكه بهذه الطريقة:

ففى سورة البقرة عند قوله تعالى فى الآية [255] : {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض} .. يذكر الزمخشرى أربع أوجه فى معنى الكرسى، يقول فى الوجه الأول منها: إن كرسيُّه لم يضق عن السَّمَاوات والأرض لبسطته وسِعَته، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط، ولا كرسى ثمة، ولا قعود، ولا قاعد، كقوله:{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] . من غير تصور قبضة وطى ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه، وتمثيل حسن، ألا ترى إلى قوله:{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} ..

وبطبيعة الحال لم يرتض ابن المنير هذا الكلام فتعقبه بقوله: "قوله فى الوجه الأول: إن ذلك تخييل للعظمة، سوء أدب فى الإطلاق، وبُعْدٌ فى الإصرار. فإن التخييل إنما يُستعمل فى الأباطيل وما ليست له حقيقة صدق، فإن يكن معنى ما قاله صحيحاً، فقد أخطأ فى التعبير عنه بعبارة موهمة، لا مدخل لها فى الأدب الشرعى. وسيأتى له أمثالها مما يوجب الأدب أن يُجتنب".

وفى سورة الأعراف عند قوله تعالى فى الآيتين [172، 173] : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هاذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون} يقول ما نصه: وقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ} من باب التمثيل ومعنى ذلك: أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التى ركَّبها فيهم، وجعلها مميزة بين

ص: 318

الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم. وقال لهم:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} ؟ وكأنهم قالوا: بَلَى أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا، وأقررنا بوحدانيتك. وباب التمثيل واسع فى كلام الله تعالى ورسوله عليه السلام وفى كلام العرب، ونظيره قوله تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] ، {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] .. وقوله:

إذا قالت الأنساع للبطن الحق

قالت له ريح الصبا قرقار

ومعلوم أنه لا قول، وإنما هو تميل وتصوير للمعنى".

ولكن ابن المنير السُّىِّ لم يرض هذا من الزمخشرى بطبيعة الحال، ولذا تعقبه بقوله:"إطلاق التمثيل أحسن، وقد ورد الشرع به، وأما إطلاقه التخييل على كلام الله تعالى فمردود ولم يرد به سمع. وقد كثر إنكارنا عليه لهذه اللفظة، ثم إن القاعدة مستقرة على أن الظاهر ما لم يخالف المعقول يجب إقراره على ما هو عليه، فكذلك أقره الأكثرون على ظاهره وحقيقته ولم يجعلوه مثالاً. وأما كيفية الإخراج والمخاطبة فالله أعلم بذلك".

ويتصل بهذه الآية السابقة قوله تعالى فى الآية [8] من سورة الحديد: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بالله والرسول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} .. فالزمخشرى يميل فى تفسير الميثاق هنا إلى المعنى الذى حمل عليه أخذ العهد فى آية الأعراف، فيقول:"والمعنى: وأى عذر لكم فى ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه، وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج، وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان، حيث رَكَّبَ فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة، ومكَّنكم من النظر وأزاح عللكم، فإذا لم تبق لكم عِلَّة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول، فمالكم لا تؤمنون".

ولكن ابن المنير السُّنِّى، يريد أن يحمل أخذ الميثاق الذى فى سورة الحديد، على المعنى الذى ارتضاه للفظ "العهد" فى سورة الأعراف، ولهذا نراه يرد على الزمخشرى ويشدِّد عليه النكير فيقول: "ومما عليه أن يحمل أخذ الميثاق على ما بينَّه الله فى آية غير هذه، إذ يقول تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172] ولقد يريبنى منه إنكاره لكثير من مثل هذه الظواهر، والعدول بها عن حقائقها مع إمكانها عقلاً، ووقوعها بالسمع

ص: 319

قطعاً، إلى ما يتوهمه من تمثيل يسميه تخييلاً. فالقاعدة التى تعتمد عليها كى لا يضرك ما يومئ إليه: أن كل ما جوَّزه العقل وورد بوقوعه السمع، وجب حمله على ظاهره. والله الموفق".

ومسألة التمثيل والتخيل يستعملها الزمخشرى بحرية أوسع فيما ورد من الأحاديث التى يبدو ظاهرها مستغرباً، وأسوق إليك مثالاً أتى به الزمخشرى عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [36] من سورة آل عمران:{وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم} .. قال رحمه الله: "وما يروون من الحديث: "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها" فالله أعلم بصحته، فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان فى إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومَيْن، وكذلك كل منَ كان فى صفتهما، كقوله تعالى: {

لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} [ص: 82-83] .. واستهلاله صارخاً من مسه، تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أغويه. ونحوه من التخييل قول ابن الرومى:

لما تؤذن الدنيا به من صروفها

يكون بكاء الطفل ساعة يولد

وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سُلِّطَ إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه".

وبالضرورة لم يرتض ابن المنير هذا الصنيع من خصمه المعتزلى، فنراه يتورَّك عليه بقوله:"أما الحديث فمذكور فى الصحاح متفَق على صحته، فلا محيص له إذن عن تعطيل كلامه عليه السلام بتعميله ما لا يحتمله، جنوحاً إلى اعتزال منتزع، فى فلسفة منتزعة، فى إلحاد. ظلمات بعضها فوق بعض،. وقد قدمت عند قوله تعالى: {لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس} [البقرة: 275] ما فيه الكفاية. وما أرى الشيطان إلا طعن فى خواصر القدرية حتى بقرها، وذكر فى قلوبهم حتى حمل الزمخشرى وأمثاله أن يقول فى كتاب الله تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل، كما قال فى هذا الحديث. ثم تنظيره بتخييل ابن الرومى فى شعره جرأة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجباً أن تُجتنب. ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بُعْدٍ أن يكون تمثيلاً، أما وهو واقع مُشاهدَ فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل، وارتكاب الهوى الوبيل".

ص: 320

* *

* مبدأ الزمخشرى فى التفسير عندما يصادم النص القرآنى مذهبه:

والمبدأ الذى يسير عليه الزمخشرى فى تفسيره ويعتمد عليه عندما تصادمه آية تخالف مذهبه وعقيدته، هو حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة، وهذا المبدأ قد وجده المزمخشرى فى قوله تعالى فى الآية [7] من سورة آل عمران:{هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} .. فـ "المحكمات" هى التى أحكمت عباراتها، بأن حُفظت من الاحتمال والاشتباه. و "المتشابهات" هى المتشبهات المحتملات. و "أم الكتاب" هى أصله الذى يُحمل عليه المتشابه، ويُرَد إليه، ويُفسَّر به.

علىَ هذا التفسير جرى الزمخشرى فى كشَّافه عندما تَعرَّض لهذه الآية، وهو تفسير لا غبار عليه، كما أن هذا المبدأ - أعنى مبدأ حمل الآيات المتشابهات على الآيات المحكمات - مبدأ سليم يقول به غير الزمخشرى أيضاً من علماء أهل السُّنَّة، ولكن الذى لا نُسَلِّمه للزمخشرى هو تطبيقه لهذا المبدأ على الآيات التى تصادمه، فإذا مَرَّ بآية تُعارِض مذهبه، وآية أخرى فى موضوعها تشهد له بظاهرها، نراه يَدَّعى الاشتباه فى الأولى والإحكام فى الثانية، ثم يحمل الأولى على الثانية وبهذا يُرضى هواه المذهبى، وعقيدته الاعتزالية.

وقد مَثَّل الزمخشرى لحملِ المتشابه على المحكم ورده إليه بقوله تعالى فى الآية [103] من سورة الأنعام: {لَاّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار} . وقوله فى الآيتين [22، 23] من سورة القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} .. فهو يرى أن الآية الأولى محكمة، والآية الثانية متشابهة، وعليه فتجب أن تكون الآية الثانية متفقة مع الآية الأولى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بحملها عليها، وردها إليها.

ومَثَّل أيضاً بقوله تعالى فى الآية [28] من سورة الأعراف: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لَا يَأْمُرُ بالفحشآء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وقوله فى الآية [16] من سورة الإسراء:{وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القول فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} .. فهو يرى أن الآية الأولى محكمة، والآية الثانية متشابهة، فلا بد من حمل الثانية على الأولى ليتفق المعنى ويتحدد المراد.

ثم لا ينتهى الزمخشرى من تطبيقه لهذا المبدأ حتى يتساءل عن السبب الذى من أجله لم يكن القرآن كله محكماً، وعن السر الذى من أجله جعل الله فى القرآن آيات

ص: 321

محتملات متشابهات؟. ولكن الزمخشرى يجيب بنفسه على ما تساءل عنه فيقول: "لو كان كله محكماً لتعلَّق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذى لا يُتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، ولما فيه المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما فى تقادح العلماء وإتعابهم القرائح فى استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمَّة، ونيل الدرجات عند الله، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة فى كلام الله ولا اختلاف، وإذا رأى فيه ما يتناقض فى ظاهره، وأهمه طلب ما يُوفِق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكَّر وراجع نفسه وغيره، ففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقدة وقوة فى إيقانه".

وهذا الجواب فى منتهى القوة والسداد، وابن المنير السُّنَّى يمر على كل هذا الكلام فلا يرى فيه أدنى ناحية من نواحى الاعتزال، لكنه يغضب على الزمخشرى فقط من أجل أنه عدَّ قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23] من قبيل المتشابه الذى يجب حمله على آية الأنعام: {لَاّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار} [الأنعام: 103]، فيقول معقباً عليه: قال محمود: "المحكمات التى أُحكمت عباراتها.. إلخ" قال أحمد: هذا كما قدمته عنه من تكلفه لتنزيل الآى على وفق ما يتعقده، وأعوذ بالله من جعل القرآن تبعاً للرأى، وذلك أن معتقده إحالة رؤية الله تعالى، بناء على زعم القدرية من أن الرؤية تستلزم الجسمية والجهة، فإذا ورد عليهم النص القاطع الدال على وقوع الرؤية كقوله:{إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} مالوا إلى جعله من المتشابه حتى يردوه بزعمهم إلى الآية التى يَدَّعون أن ظاهرها يوافق رأيهم، ولآية قوله تعالى:{لَاّ تُدْرِكُهُ الأبصار} ثم جمع ابن المنير بين الآيتين بما يتفق مع مذهبه السُّنِّى.. ثم قال: وأما الآيتان الأخريان اللتان إحداهما قوله تعالى: {إِنَّ الله لَا يَأْمُرُ بالفحشآء} ، والأخرى التى هى قوله تعالى:{أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} ، فلا ينازع الزمخشرى فى تمثيل المحكم والمتشابه بهما".

* *

* انتصار الزمخشرى لعقائد المعتزلة:

هذا.. وإن الزمخشرى لينتصر لمذهبه الاعتزالى، ويؤيده بكل ما يملك من قوة الحُجَّة وسلطان الدليل، وإنَّا لنلمس هذا التعصب الظاهر فى كثير مما أسلفنا من النصوص، وفى غيرها مما نسوقه لك من الأمثلة. وهو يحرص كل الحرص على أن يأخذ من الآيات القرآنية ما يشهد لمذهبه، وعلى أن يتأوَّل ما كان منها معارضاً له.

* انتصاره لرأى المعتزلة فى أصحاب الكبائر:

فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [93] من سورة النساء: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً

ص: 322

مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} .. نجده يجعل هذه الآية أهمية كبيرة فى نُصْرة مذهبه، ويتيه بها على خصومه من أهل السُّنَّة، ويُنَدِّد بهم حيث يقولون بجواز مغفرة الذنب وإن لم يتب منه صاحبه، وبأن صاحب الكبيرة لا يخلد فى النار، فيقول مستغلاً لهذه الفرصة المواتية للاستهزاء من خصومه السُّنِّين:"هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد، أمر عظيم وخَطْبٌ غليظ، ومن ثَمَّ رُوِى عن ابن عباس ما رُوِى من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة، وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سُئِلوا، قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسُنَّة الله فى التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلاً، وفى الحديث: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم". وفيه: "لو أن رجلا قُتِلَ بالمشرق وآخر رَضِىَ بالمغرب لأُشِرَك فى دمه" وفيه: "إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون مَن هدم بنيانه". وفيه:"مَن أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله". والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يُخَيِّل إليهم مُناهم، أن يطمعوا فى العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24] .. ثم ذكر الله سبحانه وتعالى التوبة فى قتل الخطأ - لما عسًى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ - فيه حسم للأطماع وأى حسم، ولكن لا حياة لمن تنادى، فإن قلت: هل فيها دليل على خلود مَن لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل، وهو تناوله قوله:{وَمَن يَقْتُلْ} أىُّ قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمَن ادَّعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله".

وفى سورة الأنعام عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [158] : {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً} .. نجد الزمخشرى يمسك بهذه الآية، ويستدل بها على صحة عقيدته فى أن الكافر والعاصى سواء فى الخلود فى النار فيقول: "والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت - وهى آيات ملجئة مضطرة - ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدَّمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدِّمة الإيمان غير كاسبة فى إيمانها خيراً، فلم يُفَرِّق - كما ترى - بين النفس الكافرة إذا آمنت فى غير وقت الإيمان، وبين النفس التى آمنت فى وقته ولم تكسب خيراً، ليعلم أن قوله:{الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} جمع

ص: 323

بين قرينتين لا ينبغى أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك".

* *

* انتصاره لمذهب المعتزلة فى الحُسْن والقُبْح العقليين:

ولما كان الزمخشرى يقول بمبدأ المعتزلة فى التحسين والتقبيح العقليين، كان لابد له أن يتخلص من ظاهر هذين النصين المنافيين لمذهبه، وهما: قوله تعالى فى الآية [165] من سورة النساء: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل} ، وقوله فى الآية [15] من سورة الإسراء:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} .. فنراه فى الآية الأولى يستشعر معارضة ظاهر الآية لهذا المبدأ فيسأل هذا السؤال: "كيف يكون للناس على الله حُجَّة قِبَل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التى النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل فى أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر فى تلك الأدلة، ولا عُرِفَ أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها"؟

ثم يجيب هو عن هذا السؤال فيقول: "قلت: الرسل منُبِّهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أُمور الدين، وبيان أحوال التكليف. وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعِلَّة، وتتميماً لإلزام الحُجَّة لئلا يقولوا: لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فيوقظنا من سِنَة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له".

وعندما تكلم عن الآية الثانية نراه يستشعر مثل ما استشعر فى الآية الأولى، ويسأل ويجيب بمثل ما سأل عنه وأجاب به فى الآية الأولى فيقول:"فإن قلت: الحُجَّة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأن معهم أدلة العقل التى بها يُعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التى لا سبيل إليها إلا بالتوقيف والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين فلولا بعثتَ إلينا رسولاً ينبهنا على النظر فى أدلة العقل".

* *

* انتصار لمعتقد المعتزلة فى السحر:

ثم إن الزمخشرى - كغيره من المعتزلة - لا يقول بالسحر ولا يعتقد فى السَحَرة، ولهذا نجده عندما يفسِّر سورة الفلق التى تشهد لأهل السُّنَّة ولا تشهد له، لا تخونه مهارته، ولا تعوزه الحيلة التى يخرج بها فى تفسيره من هذه الورطة الصريحة، كما نجده يشدِّد النكير ويغرق فى الاستهزاء والسخرية بأهل السُّنَّة القائلين بحقيقة السحر، وذلك حيث يقول: "النفَّاثات: النساء أو النفوس، أو الجماعات السواحر، اللاتى يعقدن عُقَداً فى الخيوط، وينفثن عليها ويرقين. والنفث: النفخ من

ص: 324

ريق. ولا تأثير لذلك، اللَّهم إلا إذا كان ثَمَّ إطعام شئ ضار، أو سقيه، أو إشمامه، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكن الله عز وجل، قد يفعل عند ذلك فعلاً على سبيل الامتحان الذى يتميز به الثبت على الحق، من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشو والرعاع إليهن وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبأون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرِّهن؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يُستعاذ من عملهن الذى هو صنعة السحر ومن إثمهن فى ذلك.

والثانى: أن يُستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن.

والثالث: أن يُستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن.

ويجوز أن يُراد بهن النساء الكيَّادات من قوله: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28] تشبيهاً لكيدهن بالسحر والنفث فى العُقَد، أو اللاتى يفتنَّ الرجال بتعرضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك".

وفى الحق أن هذه محاولة عقلية عنيفة من الزمخشرى يريد من ورائها أن يحوِّل الحقائق التى ورد بوقوعها الكتاب والسُّنَّة. إلى ما يتناسب مع هواه وعقيدته. ولقد دهش ابن المنير من هذه المحاولة وحكم على الزمخشرى بأنه: "استفزَّه الهوى حتى أنكر ما عُرِف، وما به إلا أن يتبع اعتزاله، ويغطى بكفه وجه الغزالة".

* *

* انتصاره لمذهب المعتزلة فى حرية الإرادة وخلق الأفعال:

ولقد تأثر الزمخشرى برأيه الاعتزالى فى حرية الإرادة وخلق الأفعال، ولكنه وجد ما يصادمه من الآيات الصريحة فى أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، فأراد أن يتفادى هذا التصادم ويعمل على الخروج من هذه الورطة الكبرى، فساعده على ما أراد هذا المعنى الذى تمسك به المعتزلة ونفعهم فى كثير من المواضع. وهو "اللُّطف" من الله، فباللُّطف منه تعالى يسهل عمل الخير على الإنسان، وبسلبه يصعب عليه عمل الخير.

هذا "اللُّطف" وما يتصل به من "التوفيق" ساعد الزمخشرى على الخروج من الضائقة التى صادفته عندما تناول بالتفسير تلك الآيات القرآنية الصريحة فى أن الله يخلق أفعال العباد خيرها وشرها، والتى يعتبرها أهل السُّنَّة سلاحاً قوياً لهم ضد هذه النظرية الاعتزالية.

ففى سورة آل عمران عند قوله تعالى فى الآية [8] : {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} .. نجد الزمخشرى يستشعر من هذه الآية أن قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف

ص: 325

يشاء، فمَن أراد الله هدايته هداه، ومَن أراد ضلاله أضله، ولكنه يفر من هذا الظاهر فيقول:{لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} وأرشدتنا لدينك. أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفتَ بنا".

وفى سورة المائدة عند قوله تعالى فى الآية [41] : {وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولائك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ} .. نجد الزمخشرى لا يجزع من هذا الظاهر الذى يتشبث به أهل السُّنَّة ويتيهون به على خصومهم، بل نراه يفسِّرها حسب هواه ووفق مبدئه فيقول:{وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ} تركه مفتوناً وخذلاناً.. {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً} فلن نستطيع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً، أولئك الذين لم يُرد الله أن يمنحهم من ألطافه ما يُطَهِّر به قلوبهم، لأنهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنهم لا تنفع فيهم ولا تنجع:{إِنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لَا يَهْدِيهِمُ الله} [النحل: 104] .. {كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 86] .

وهكذا نجد الزمخشرى بواسطة هذه التأويلات يُخْضِع لمبدئه الاعتزالى فى الجبر والاختيار مثل هذه المواضع القرآنية التى لم تكن طيَّعة له. ولكن ابن المنير السكندرى لم ترقه هذه التأويلات، ولم يُسَلِّم بها لخصمه، فأخذ يناقشه فى معنى اللُّطف مناقشة حادة ساخرة، فعندما تكلم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [272] من سورة البقرة:{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولاكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ} وتذرع بلفظ "اللُّطف" تعقبه ابن المنير فقال: "المعتقَد الصحيح، أن الله هو الذى يخلق الهدى لمن يشاء هداه، وذلك هو اللُّطف، لا كما يزعم الزمخشرى أن الهدى ليس خلقا لله إنما العبد يخلقه لنفسه، وإن أطلق الله تعالى إضافة الهدى إليه كما فى الآية فهو مؤوَّل - على زعم الزمخشرى - بلطف الله الحامل للعبد على أن يخلق هداه. إن هذا إلا اختلاق. وهذه النزعة من توابع معتقدهم السئ فى خلق الأفعال، وليس علينا هداهم، ولكن الله يهدى من يشاء، وهو المسئول ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا".

وعندما تكلَّم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [39] من سورة الأنعام: {مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، وقال:{مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ} .. أى يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به، لأنه ليس من أهل اللُّطف. {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أى يلطف به، لأن اللُّطف يجدى عليه. عندما قال ذلك تعقبه ابن المنير فقال: "وهذا من تحريفاته للهداية والضلالة اتباعاً لمعتقده الفاسد فى أن

ص: 326

الله تعالى لا يخلق الهدى ولا الضلال، وأنهما من جملة مخلوقات العباد. وكم تخرق عليه هذه العقيدة فيروم أن يرقعها، وقد اتسع الخرق على الراقع".

وعندما تكلم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [43] من سورة الأعراف: {وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله} وتأوَّل الهداية هنا بمعنى اللُّطف والتوفيق كعادته. تعقبه ابن المنير وردّ عليه رداً فى غاية التهكم والسخرية فقال: "وهذه الآية - يعنى قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله} - تكفح وجوه القدرية بالرد، فإنها شاهدة شهادة تامة مؤكدة باللام على أن المهتدى مَنْ خلق الله له الهدى، وأن غير ذلك محال أن يكون، فلا يهتدى إلا مَن هدى الله ولو لم يهده لم يهتد، وأما القدرية فيزعمون أن كل مهتد خلق لنفسه الهدى فهو إذن مهتد وإن لم يهده الله، إذ هدى الله للعبد خلق الهدى له، وفى زعمهم أن الله تعالى لم يخلق لأحد من المهتدين الهدى ولا يتوقف ذلك على خلقه. تعالى الله عما يقولون. ولما فطن الزمخشرى لذلك جرى على عادته فى تحريف الهدى من الله تعالى إلى اللُّطف الذى بسببه يخلق العبد الاهتداء لنفسه. فأنصِف من نفسك، واعرِض قول القائل: المهتدى مَن اهتدى بنفسه من غير أن يهديه الله - أى يخلق له الهدى - على قوله تعالى حكاية عن قول الموَحِّدين فى دار الحق: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله} .. وانظر تباين هذين القولين - أعنى قول المعتزلى فى الدنيا وقول الموَحِّد فى الآخرة فى مقعد صدق - واختر لنفسك أى الفريقين تقتدى به. وما أراك - والخطاب لكل عاقل - تعدل بهذا القول المحكى عن أولياء الله فى دار الإسلام منوهاً به فى الكتاب العزيز، قول قدرى ضال تذبذب مع هواه وتعصبه فى دار الغرور والزوال. نسأل الله حُسْن المآب والمآل".

* *

* خصومة العقيدة بين الزمخشرى وأهل السُّنَّة:

ومن أجل هذا الخلاف العقيدى بين الزمخشرى وأهل السُّنَّة، نجد الخصومة بينهم حادة عنيفة، كل يتهم خصمه بالزيغ والضلال، ويرميه بأوصاف يسلكه بها فى قرن واحد مع الكفرة الفجرة، وتلك - على ما أعتقد - مبالغة مُسِفَّة فى الخصومة - ما كان ينبغى لأحد الخصمين أن يخوض فيها على هذا الوجه. وبخاصة بعد ما عُرِف من أن كليهما يهدف إلى تنزيه الله عما لا يليق بكماله. وإليك بعض الحملات التى وجهها كل من الخصمين إلى الآخر، لتلمس بنفسك مبلغ هذه الخصومة وتحكم عليها:

* ح

ص: 327

ملة الزمخشرى على أهل السُّنَّة:

هذا.. وإن المتتبع لما فى الكشَّاف من الجدل المذهبى، ليجد أن الزمخشرى قد مزجه فى الغالب بشئ من المبالغة فى السخرية والاستهزاء بأهل السُّنَّة، فهو لا يكاد يدع فرصة تمر بدون أن يُحقِّرهم ويرميهم بالأوصاف المقذعة، فتارة يسميهم المجبرة، وأخرى يسميهم الحشوية، وثالثة يسميهم المشبهة، وأحياناً يسميهم القدرية، تلك التسمية التى أطلقها أهل السُّنَّة على منكرى القَدَر، فرماهم بها الزمخشرى لأنهم يؤمنون بالقَدَر، كما جعل حديث الرسول الذى حكم فيه على القدرية أنهم مجوس هذه الأُمة مُنصَّباً عليهم، وذلك حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [17] من سورة فصلت:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} : "ولو لم يكن فى القرآن حُجَّة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم وكفى به شاهداً - إلا هذه الآية لكفى بها حُجَّة".

كما سمَّاهم بهذا الاسم ورماهم بأنهم يحيون لياليهم فى تحمل فاحشة ينسبونها إلى الله تعالى، حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [9، 10] من سورة الشمس: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} : "وأما قول مَن زعم أن الضمير فى "زَكّى" و "دَسَّى" لله تعالى، وأن تأنيث الراجع إلى "مَنْ" لأنه فى معنى النفس، فمن تعكس القدرية الذين يوركون على الله قَدَراً هو برئ منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم فى تمحل الفاحشة ينسبونها إليه".

والظاهرة العجيبة فى خصومة الزمخشرى، أنه يحرص كل الحرص على أن يُحوِّل الآيات القرآنية التى وردت فى حق الكفار إلى ناحية مخالفيه فى العقيدة من أهل السُّنَّة، ففى سورة آل عمران حيث يقول الله تعالى فى الآية [105] :{وَلَا تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البينات} .. نجد الزمخشرى بعد ما يعترف بأن الآية واردة فى حق اليهود والنصارى، يُجَوِّز أن تكون واردة فى حق مبتدعى هذه الأُمة، وينص على أنهم المشبهة، والمجبرة، والحشوية، وأشباههم.

وفى سورة يونس حيث يقول الله تعالى فى الآية [39] : {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} .. يقول: "بل سارعوا إلى التكذيب وفاجأوه فى بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كُنْهَ أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله

ص: 328

ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم. وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشئ على التقليد من الحشوية، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه - وإن كان أضوأ من الشمس فى ظهور الصحة وبيان الاستقامة - أنكرها فى أول وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر فى صحة أو فساد، لأنه لم يُشعر قلبه إلا صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب".

ولقد أظهر الزمخشرى تعصباً قوياً للمعتزلة، إلى حد جعله يُخرج خصومه السُّنِّيين من دين الله وهو الإسلام، وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [18] من سورة آل عمران:{شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إلاه إِلَاّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم} .. الآية: "فإن قلت: ما المراد بـ "أُولى العلم" الذين عظَّمهم هذا التعظيم، حيث جمعهم معهْ ومع الملائكة فى الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يُثبتون وحدانيته وعدله بالحجج والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل والتوحيد - يريد أهل مذهبه - فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ - يعنى فى قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} [آل عمران: 19] .. قلت: فائدته أن قوله: {لَا إلاه إِلَاّ هُوَ} توحيد. وقوله: {قَآئِمَاً بالقسط} تعديل، فإذا أردفه قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده فى شئ من الدين. وفيه أن مَن ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدى إليه كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذى هو محض الجَوْر، لم يكن على دين الله الذى هو الإسلام. وهذا بيِّنٌ جَلِىٌ كما ترى".

هذه بعض الأمثلة التى يتجلى فيها تعصب الزمخشرى لمذهبه الاعتزالى، وانتصاره له. ويتضح منها مبلغ إيغاله فى الخصومة، ومقدار حملته على أهل السُّنَّة، وهناك غيرها كثير مما أثار عليه خصومه من السُّنِّيين، فتعقبوه بالمناقشة والتفنيد، وردوا بشكل حاسم على ما أورده فى كشّافه من استنتاجات اعتقادية. من آى القرآن الكريم، وقالوا: إنها جافة وقائمة على الرأى الطليق.

ومع ذلك لم يجحدوا ما كان للزمخشرى من أثر محمود فى التفسير، فنراهم - على ما بينهم وبينه من خصومه، ورغم ما سيمر بك من حملاتهم عليه - يُقَدِّرون إلى حد بعيد ما كان له من مجهود خاص فى عمله التفسيرى الذى يرجع إلى الناحية البلاغية واللُّغوية، كما نراهم فى الغالب يسطون على كتابه ويأخذون منه ما يعجبون به ويرون أنه عزيز المنال إلا على الزمخشرى.

*

ص: 329

* حملة ابن القيم على الزمخشرى:

فهذا هو العلَاّمة ابن القيم، كثيراً ما يثور على الزمخشرى من أجل تفسيره الاعتزالى.

فمثلاً نراه يذكر ما فَسَّرَ به الزمخشرى قوله تعالى فى الآية [176] من سورة الأعراف: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولاكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ} .. ثم يقول: "فهذا منه شنشنة نعرفها من قَدَرى نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنجعة فى جعل الكلام الله معتزلياً قدرياً".

*

* حملة ابن المنير على الزمخشرى:

ومن الذين خصصوا جهودهم للكشَّاف بعد قرون من ظهوره، قاضى الإسكندرية، أحمد بن محمد بن منصور المنير المالكى، فقد كتب عليه حاشية خاصة سماها "الانتصاف" ناقش فيها الزمخشرى وجادله فى بعض ما جاء فى كشَّافه من أعاريب وغيرها، ولكنه ركز مجهوده العظيم فى بيان ما تضمنه من الاعتزال، وإبطال ما فيه من تأويلات تتناسب مع مذهب الزمخشرى وتتفق مع هواه.

ويظهر أن القاضى المالكى كان يميل بوجه عام إلى الجدال والنقاش، فقد قيل: إنه كان بصدد أن يرد على كتب الإمام الغزالى، تلك الكتب التى لم تكن مقبولة عند المالكية، ولم يصرفه عن قصده إلا أُمه التى لم يطب خاطرها بهذه الحرب التى يثيرها ابنها ضد الموتى كما أثارها ضد الأحياء، ولكنه مع ذلك فعل هذا مع الزمخشرى، واعتقد أنه بعمله هذا قد ثار لأهل السُّنَّة من أهل البدعة، وقد صرَّح بذلك حيث توجَّه باللوم للزمخشرى على تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [23، 24] ُ من سورة آل عمران: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُدْعَوْنَ إلى كِتَابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ * ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} ..

فقال: "فانظر إليه كيف أشحن قلبه بغضاً لأهل السُّنَّة وشقاقاً، وكيف ملأ الأرض من هذه النزعات نفاقاًَ، فالحمد لله الذى أهَّل عبده الفقير إلى التورك عليه، لأن آخذ من أهل البدعة بثأر أهل السُّنَّة، فأصمى أفئدتهم من قواطع البراهين بمقومات الأسِّنة".

كما اعتقد أنه أدَّى للمسلمين وللإسلام خدمة عظيمة، كافية لأن تقوم له عذراً أمام الله وأمام الناس عن تخلفه عن الخروج للغزو والجهاد فى سبيل الله وذلك حيث يقول بعد تعقيبه على الزمخشرى فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [122] من سورة

ص: 330

التوبة: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} .. قال أحمد: ولا أجد فى تأخرى عن حضور الغزاة عذراً إلا صرف الهمة لتحرير هذا المُصنَّف، فإنى تفقهَّتُ فى أصل الدين وقواعد العقائد مؤيداً بآيات الكتاب العزيز، مع ما اشتمل عليه من صيانة حوزتها من مكايد أهل البدع والأهواء، وأنا مع ذلك أرجو من الله حُسْن التوجه. بلَّغنا الله الخير، ووفَّقنا لما يرضيه، وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم".

وابن المنير - مع شدة خصومته للزمخشرى - لا ينسى ما له من أثر طيب فى التفسير - فكثيراً ما يُبدى إعجابه به، لتنويهه بأساليب القرآن العجيبة التى تنادى بأنه ليس من كلام البَشر.. وكثيراً ما يعترف - بتقدير كبير وفى عدالة واعتدال - بتحليلاته اللُّغوية، ونكاته البلاغية.

فمثلاً عندما تعقَّب تفسيره لقوله تعالى فى الآية [91] من سورة الأنعام: {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} .. نجده يقول: "وهذا أيضاً من دقة نظره فى الكتاب العزيز والعمق فى آثار معانده، وإبراز محاسنه".

وفى سورة يونس عند قوله تعالى فى الآية [11] : {وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير} .. الآية، نجده يثنى على تفسيره لها فيقول:"وهذا أيضاً من تنبيهات الزمخشرى الحسنة التى تقوم على دقة نظره".

وفى سورة هود عند قوله تعالى فى الآية [91] : {قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} .. أثنى على تفسيره لقوله: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} .. فقال: "وهذا من محاسن نكته الدالة على أنه كان ملياً بالحذاقة فى علم البيان".

وعندما بيَّن الزمخشرى سر التعبير بقوله تعالى فى الآية [51] من سورة النحل: {وَقَالَ الله لَا تَتَّخِذُواْ إلاهين اثنين} .. قال ابن المنير معترفاً بدقة الزمخشرى وبراعته: "وهذا الفصل من حسناته التى لا يُدافع عنها".

ومع كل هذا الاعتراف، فإن ابن المنير يلاحظ على الزمخشرى - أحياناً - أنه سئ

ص: 331

النية فيما يقول: فمن ذلك أن الزمخشرى لما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [33] من سورة الرعد: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الأرض أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول} .. وختم تفسيره للآية بقوله: "وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التى ورد عليها، مناد على نفسه بلسان طلق ذلق: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه. فتبارك الله أحسن الخالقين" لما قال الزمخشرى هذه المقالة، لم يتركها ابن المنير تمر بدون أن يُنبِّه على ما فيها فقال:"هذه الخاتمة كلمة حق أراد بها باطلاً، لأنه يُعَرِّض فيها بخلق القرآن، فتنبه لها. وما أسرع المُطالع لهذا الفصل أن يمر على لسانه وقلبه ويستحسنه، وهو غافل عما تحته، لولا هذا التنبيه والإيقاظ".

وفى الوقت نفسه لم يترك ابن المنير فرصة تمر بدون أن يكيل للزمخشرى بمثل كيله من الإقذاع فى القول والسخرية به وبأمثاله من المعتزلة، فنراه يرد هجمات الزمخشرى التى يشنها على أهل السُّنَّة بعبارات شديدة يوجهها إلى الزمخشرى وأصحابه، مع تحقيره له ولهم، واستبشاعه لتفسيره وتفسيرهم.

فمثلاً فى سورة آل عمران عندما تكلم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [18] : {شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إلاه إِلَاّ هُوَ} .. الآية، ونوَّه بأنه وأصحابه أهل العدل والتوحيد، وأنهم أُولوا العلم المرادون بالآية، وصرَّح - أو كاد - بخروج أهل السُّنَّة من مِلَّة الإسلام. عندما تكلم الزمخشرى بهذا كله، عقَّب عليه ابن المنير بتهكمه اللاذع، وسخريته الفاضحة فقال: "وهذا تعريض بخروج أهل السُّنَّة من رِبقة الإسلام، بل تصريح، وما ينقم منهم إلا أن صدَّقوا وعد الله عباده المكرمين على لسان نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم بأنهم يرون ربهم كالقمر ليلة البدر لا يُضامون فى رؤيته، ولأنهم وحَّدوا الله حق توحيده، فشهدوا أنْ لا إله إلا هو، ولا خالق لهم ولأفعالهم إلا هو، واقتصروا على أن نسبوا لأنفسهم قدرة تقارن فعلهم، لا خلق لها ولا تأثير غير التمييز بين أفعالهم الاختيارية والاضطرارية. وتلك هى المُعَبَّرُ عنه شرعاً بالكسب فى مثل قوله تعالى:{فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] .

هذا إيمان القوم وتوحيدهم، لا كقوم يغيرون فى وجه النصوص، فيجحدون الرؤية التى يظهر أن جحدهم لها سبب فى حرمانهم إياها، ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة لله فى مخلوقاته، فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم بما شاءوا من أفعال على خلاف مشيئة ربهم، محادة ومعاندة لله فى مُلكه، ثم بعد ذلك يتسترون بتسمية

ص: 332

أنفسهم: أهل العدل والتوحيد، والله أعلم بمن اتقى، وَلَجَبْرٌ خيرٌ من إشراك، إن كان أهل السُّنَّة مجبرة فأنا أول المجبِّرين.

ولو نظرت أيها الزمخشرى بين الإنصاف إلى جهالة القدرية وضلالها لانبعثتَ إلى حدائق السُّنَّة وظلالها، ولخرجتَ من مزالق البدع ومزَّالها - ولكن كره الله انبعاثهم - ولعلمتَ أى الفريقين أحق بالأمن، وأولى بالدخول فى أُولى العلم المقرونين فى التوحيد بالملائكة المشرفين بعطفهم على اسم الله عز وجل".

وفى سورة المائدة عند قوله تعالى فى الآية [41] : {وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولائك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} .. الآية، نراه يُمعن فى السخرية من المعتزلة، ويغرق فى النكير على تفسير الزمخشرى لهذه الآية. وذلك حيث يقول: "كم يتلجلج والحق أبلج. هذه الآية - كما تراها - منطبقة على عقيدة أهل السُّنَّة فى أن الله تعالى أراد الفتنة من المفتونين، ولم يرد أن يُطَهِّر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر، لا كما تزعم المعتزلة من أنه تعالى ما أراد الفتنة من أحد، وأراد من كل أحد الإيمان وطهارة القلب، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته، وأن غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد، ولكن لم يقع، فحسبهم هذه الآية وأمثالها - لو أراد الله أن يطهر قلوبهم من وضر البدع:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24] .

وما أبشع صرف الزمخشرى هذه الآية عن ظاهرها بقوله: لم يرد الله أن يمنحهم ألطافه، لعلمه أن ألطافه لا تنجع فيهم ولا تنفع، فلطف مَن ينفع؟ وإرادة مَن تنجع؟ وليس وراء الله للمرء مطمع".

ولقد يتطرف ابن المنير فيرمى خصومه من المعتزلة بالشرك، ففى سورة يونس عند تفسير الزمخشرى لقوله تعالى فى الآية [31] :{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض}

الآية، نرى ابن المنير يقول: وهذه الآية كافحة لوجوه القدرية، الزاعمين أن الأرزاق منقسمة، فمنها ما رزقه الله للعبد وهو الحلال، ومنها ما رزقه العبد لنفسه وهو الحرام، وهذه الآية ناعية عليهم هذا الشرك الخفى لو سمعوا:{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: 42] ..

وإنَّا لنرى ابن المنير يعتمد فى حملاته الساخرة القاسية التى يحملها على الزمخشرى، على ما يعتمد عليه الزمخشرى فى حملاته على أهل السُّنَّة، أو على

ص: 333

الأصح، يأخذ من كلام الزمخشرى نفسه ما يبرر به موقفه الذى وقفه منه للرد على اعتزالاته، فحيث يقول الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى فى الآية [73] من سورة التوبة:{ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير} : " {جَاهِدِ الكفار} بالسيف {والمنافقين} بالحُجَّة {واغلظ عَلَيْهِمْ} فى الجهادين جميعاً ولا تحابهم. وكل مَن وُقِفَ منه على فساد فى العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه، يُجاهَد بالحُجَّة، وتُستعمل معه الغلظة ما أمكن"، عندما يقول الزمخشرى هذا، ويرمى من ورائه إلى أن الآية شاملة لخصومه من أهل السُّنَّة، نرى ابن المنير يستغل هذا الكلام لنفسه ويقلبه على خصمه المعتزلى فيقول:"الحمد لله الذى أنطقه بالحُجَّة لنا فى إغلاظ عليه أحياناً".

وقد تبدو على ابن المنير علائم البِشْر، وتأخذه نشوة الفرح والسرور، عندما يرى أن الزمخشرى قد ابتعد عن متطرفى المعتزلة، وخالفهم فى بعض آرائهم، وأخذ برأى أهل السُّنَّة ومثل هذا نراه واضحاً عندما فسَّر الزمخشرى قوله تعالى فى الآية [185] من سورة آل عمران:{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ وَما الحياة الدنيا إِلَاّ مَتَاعُ الغرور} .. حيث قال فى تفسير هذه الآية: "فإن قلت: كيف اتصل به - أى بقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت} - {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} .. قلت: اتصاله به على أن كلكم تموتون، ولا بد لكم من الموت، ولا تُوَفَّون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقب موتكم، وإنما تُوَفَّونها يوم قيامكم من القبور. فإن قلت: فهذا يوهم نفى ما يُروى أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. قلت: كلمة التوفية تُزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور".

وهنا نرى ابن المنير يعترف بأن الزمخشرى قد أحسن فى مخالفته لأصحابه من المعتزلة، وموافقته لأهل السُّنَّة، فيقول:"هذا - كما ترى - صريح فى اعتقاده حصول بعضها قبل يوم القيامة، وهو المراد بما يكون فى القبر من نعيم وعذاب، ولقد أحسن الزمخشرى فى مخالفة أصحابه فى هذه العقيدة، فإنهم يجحدون عذاب القبر، وها هو قد اعترف به".

* * *

* موقف الزمخشرى من المسائل الفقهية:

هذا.. وإن الزمخشرى رحمه الله يتعرض إلى حد ما، وبدون توسع إلى المسائل الفقهية التى تتعلق ببعض الآيات القرآنية، وهو معتدل لا يتعصب لمذهبه الحنفى.

ص: 334

ففى سورة البقرة عند قوله تعالى فى الآية [222] : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين} .. يقول: "

وبين الفقهاء خلاف فى الاعتزال، فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار. ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفَرْج، وروى محمد حديث عائشة رضى الله عنها: أن عبد الله بن عمر سألها: هل يباشر الرجل امرأته وهى حائض؟ فقال: تشد إزارها على سفلتها، ثم ليباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم: أن رجلاً سأل النبى صلى الله عليه وسلم: ما يحل لى من امرأتى وهى حائض؟ قال: "لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها"، ثم قال: وهذا قول أبى حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت:"يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك". وقرئ "يطَّهرن" بالتشديد، أى يتطهرن، بدليل قوله:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} .. وقرأ عبد الله: "حتى يتطَّهرْن" و "يَطْهرن" بالتخفيف، والتطهر الاغتسال، والطُهر انقطاع دم الحيض. وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يقربها فى أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل وفى أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل أو يمضى عليها وقت صلاة. وذهب الشافعى إلى أنه لا يقربها حتى تَطْهر وتَطَّهر فتجمع بين الأمرين، وهو قول واضح، ويعضده قوله:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} ".

وعندما فَسَّر قوله تعالى فى الآية [237] من سورة البقرة: {إِلَاّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} .. قال: "والذى بيده عقدة النكاح الولى، يعنى إلا أن تعفو المطلقَّات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآنى، ولا خدمته، ولا استمتع بى، فكيف آخذ منه شيئاً. أو يعفو الولى الذى يلى عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعى. وقيل هو الزوج وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملاً، وهو مذهب أبى حنيفة، والأول ظاهر الصحة".

وفى سورة الطلاق عند قوله تعالى فى الآية [1] : {ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ العدة} .. يقول ما نصه: "فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرَّم، أى مستقبلاً لها. وفى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فى قبل عِدَّتهم"، وإذا طُلِّقت المرأة فى الطُهْر المتقدم للقُرْءِ الأول من أقرائها فقد طُلِّقت مستقبلة لعِدَّتها.

والمراد أن يُطَّلقَن فى طُهر لم يُجامَعْنَ فيه، ثم يُخلين حتى تنقضى عدتهن، وهذا أحسن الطلاق، وأدخله فى السُّنَّة، وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روى عن إبراهيم

ص: 335

النخعى: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون ألَاّ يُطَلِّقوا أزواجهم للسُّنَّة إلا واحدة، ثم لا يُطَلِّقوا غير ذلك حتى تنقضى العِدَّة، وكان أحسن عندهم من أن يُطلِّق الرجل ثلاثاً فى ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس رضى الله عنه: لا أعرف طلاق السُّنَّة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة.

وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة فى طُهر واحد، فأما مُفرَّقاً فى الأطهار فلا، لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حيث طلَّق امرأته وهى حائض:"ما هكذا أمرك الله، إنما السُّنَّة أن تستقبل الطُهر استقبالاً، وتُطلِّقها لكل قُرء تطليقه". وروى أنه قال لعمر: "مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليُطلِّقها إن شاء، فتلك العِدَّة التى أمر الله أن تُطَّلَق لها النساء".

وعند الشافعى رضى الله عنه لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف فى عدد الطلاق سُنَّة ولا بدعة، وهو مباح.

فمالك يراعى فى طلاق السُّنَّة الواحدة والوقت. وأبو حنيفة يراعى التفريق والوقت. والشافعى يراعى الوقت وحده".

* *

* موقف الزمخشرى من الإسرائيليات:

ثم إن الزمخشرى مُقِلٌ من ذكر الروايات الإسرائيلية، وما يذكره من ذلك إما أن يُصَدِّره بلفظ "روى"، المُشعر بضعف الرواية وبُعدها عن الصحة، وأما أن يُفَوِّض علمه إلى الله سبحانه، وهذا فى الغالب يكون عند ذكره للروايات التى لا يلزم من التصديق بها مساس بالدين، وإما أن يُنَبِّه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف ولو بطريق الإجمال، وهذا فى الغالب يكون عند الروايات التى لها مساس بالدين وتَعلُّق به.

فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [35] من سورة النمل: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} .. الآية، نجده يذكر هذه الرواية فيقول: "روى أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجوارى، وحليهم الأساور والأطواق والقرطة، راكبى خيل مغشَّاة بالديباج محلَاّة اللُّجُم والسروج بالذهب المرصَّع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك فى زِىِّ الغلمان، وألف لَبِنة من ذهب وفضة، وتاجاً مكَّلَلاً بالدُّرِ والياقوت المرتفع والمسك والعنبر، وحُقاً فيه دُرَّة عذراء وجزعة معوجة الثقب، وبعثت رجلين من أشراف قومها: المنذر ابن عمرو، وآخر ذا رأى وعقل، وقالت: إن كان نبياً مَيَّز بين الغلمان والجوارى، وثقب الدُرَّة ثقباً مستوياً، وسلك فى الخرزة خيطا. ثم قالت للمنذر:

ص: 336

إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك، فلا يهولنك، وإن رأيته بَشَّاً لطيفاً فهو نبى. فأقبل الهدهد فأخبر سليمان، فأمر الجن فضربوا لَبِنَ الذهب والفضة، وفرشوه فى ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطاً شُرَفَهُ من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب فى البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللَّبِن، وأمر بأولاد الجن - وهم خلق كثير - فأُقيموا على اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسى من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ، والإنس صفوفاً فراسخ، والوحش والسباع والهوام والطيور كذلك، فلما دنا القوم ونظروا بُهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللَّبِن فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ وقال: أين الحُقّ؟ وأخبره جبريْل عليه السلام بما فيه، فقال لهم: إن فيه كذا وكذا، ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت فيها فجُعِل رزقها فى الشجرة، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها فجُعِل رزقها فى الفواكه، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله فى الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رَدَّ الهدية وقال للمنذر: ارجع إليهم، فقالت: هو نبى وما لنا به طاقة، فشخصت إليه فى اثنى عشر ألف قَيْلٍ تحت كل قَيْلٍ ألوف".

وفى سورة القصص عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [38] : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين فاجعل لِّي صَرْحاً} .. الآية، قال:"روى أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بنَّاء سوى الأتباع والأُجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيَّده حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فكان البانى لا يقدر أن يقوم على رأسه يبنى، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطَّعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة فى البحر، وقطعة فى المغرب ولم يبق أحد من عُمَّاله إلا قد هلك. ويروى فى هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنُشابه إلى السماء، فأراد الله أن يفتنهم، فرُدت إليه ملطوخة بالدم، فقال: قد قتلتُ إلَه موسى، فعندها بعث الله جبريل عليه السلام لهدمه، والله أعلم بصحته".

فالقصة الأولى صَدَّرها الزمخشرى بلفظ: "روى" المشعر بضعفها. والقصة الثانية صَدَّرها أيضاً بهذا اللفظ وعَقَّبَ عليها بقوله: "والله أعلم بصحته" مما يَدُل على أنه متشكك فى صحة هذه الرواية. وكِلتا القصتين على فرض صحتهما لا مطعن فيهما

ص: 337

ولا مغمز من ورائها يحلق الدين، ولهذا اكتفى الزمخشرى بما ذكر فى حكمه عليهما.

وفى سورة "ص" عند تفسيره لقوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب} .. الآيات [21] وما بعدها إلى آخر القصة نراه يقول: "كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكانت لهم عادة فى المواساة بذلك قد اعتادوها - وقد روينا أن الأنصار كانوا يُواسون المهاجرين بمثل ذلك - فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له "أوريا" فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها - وهى أم سليمان - فقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وارتفاع مرتبتك وكبر شأنك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغى لك أن تسأل رجلاً ليس له إلا امرأَة واحدة النزول عنها، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك، وقهر نفسك، والصبر على ما امتُحنتَ به. وقيل: خطبها "أوريا" ثم خطبها داود فآثره أهلها، فكان ذنبه أن خطب على خِطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه.

وأما ما يُذكر أن داود عليه السلام، تمنَّى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال: يا رب، إن آبائى قد ذهبوا بالخير كله، فأوحى إليه أنهم ابتلوا ببلايا فصبروا عليها، قد ابتُلِىَ إبراهيم بنمروذ وذبح ولده، وإسحاق بذبحه وذهاب بصره، ويعقوب بالحزن على يوسف، فسأل الابتلاء، فأوحى الله إليه: إنك لمبتلىً فى يوم كذا وكذا فاحترس، فلما حان ذلك اليوم، دخل محرابه، وأغلق بابه، وجعل يُصلِّى ويقرأ الزبور، فجاء الشيطان فى صورة حمامة من ذهب، فمدَّ يده ليأخذها لابن له صغير فطارت، فامتد إليها فطارت، فوقعت فى كوّة فتتبعها، فأبصر امرأة جميلة قد نفضت شعرها فغطى بدنها، وهى امرأة أوريا، وهو من غزاة البلقاء، فكتب إلى أيوب بن صوريا - وهو صاحب بعث البلقاء - أن ابعث أوريا وقَدِّمه على التابوت - وكان من يتقدم لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد - ففتح الله على يده وسلم، فأمر برده مرة أخرى وثالثة حتى قُتِل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما يحزن على الشهداء، وتزوج امرأته. فهذا ونحوه، مما لا يصح أن يُحَدَّث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين، فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء. وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور: أن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: مَن حَدَّثكم بحديث داود على ما يرويه القُصَّاص، جلدته مائة وستين جَلْدة، وهو حد الفرية على الأنبياء. وروى أنه حُدِّث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذَّب المحدِّث به وقال: إن كانت القصة على ما فى كتاب الله فما ينبغى أن يُلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كان كما ذكرت وكفَّ الله عنها ستراً على نبيه، فما ينبغى إظهارها عليه،

ص: 338

فقال عمر: لسماعى هذا الكلام أحبُّ إلىّ مما طلعت عليه الشمس. والذى يدل عليه المثل الذى ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب".

فأنت ترى أن الزمخشرى يرتضى قصة النزول عن الزوجة، وقصة الخطبة على الخطبة، ولا يرى فى ذلك إخلالاً بعصمة داود، ولا مساساً بمقام النبوة، ويمثل قصة النزول بما كان من تنازل الأنصار للمهاجرين عن أزواجهم فى مبدأ الهجرة، ويروى أن الآية تدل على ذلك، ولكنه يستنكر القصة الأخيرة، ويذكر فى الأخبار ما يؤكد استبعادها، وذلك لأنه يرى فيها - لو صحَّت - إخلالاً بمقام النبوة، وهدماً لعصمة نبى الله داود عليه السلام.

كذلك نرى الزمخشرى فى السورة نفسها عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [34] : {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} .. يقول "قيل: فُتِن سليمان بعد ما مُلِّك عشرين سنة، ومَلَك بعد الفتنة عشرين سنة. وكانت من فتنته: أنه وُلِد له ابن فقالت الشياطين: إن عاش لم ننفك من السخرة، فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم. فكان يغذوه فى السحاب، فما راعه إلا أن أُلقى على كرسيه ميتاً، فتنبه على خطئه فى أن لم يتوكل فيه على ربه، فاستغفر ربه وتاب إليه. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم: "قال سليمان: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتى بفارس يجاهد فى سبيل الله - ولم يقل إن شاء الله - فطاف عليهنَّ فلم يحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، والذى نفسى بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله فرساناً أجمعون". فذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} . وهذا ونحوه مما لا بأس به.

وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن فى بيت سليمان فالله أعلم بصحته. حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون، وهى مدنية فى بعض الجزائر، وأن بها مَلِكاً عظيم الشأن لا يُقوى عليه لتحصنه بالبحر، فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها، وأصاب بنتاً له اسمها "جرادة". ومن أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه. وأسلمت، وأحبها. وكانت لا يرقأ دمعها على أبيها، فأمر الشياطين فمثَّلوا لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته، وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها، يسجدن له كعادتهنّ فى مُلكه، فأخبر آصف سليمان بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فَلاةٍ وفُرش له الرماد فجلس عليه تائباً إلى الله متضرعاً. وكانت له أم ولد يقال لها "أمينة" إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع

ص: 339

خاتمه عندها - وكان مُلكه فى خاتمه - فوضعه عندها يوماً، وأتاها الشيطان صاحب البحر - وهو الذى دَلَّ سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس، واسمه "صخر" - على صورة سليمان فقال: يا أمينة، خاتمى، فتختَّم به وجلس على كرسى سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس وغيَّر سليمان من هيئته، فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته، فعرف أن الخطيئة قد أدركته. فكان يدور على البيوت يتكفف، فإذا قال أنا سليمان، حثوا عليه التراب وسبُّوه، ثم عمد إلى السمَّاكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على ذلك أربعين صباحاً عدد ما عُبِد الوثن فى بيته، فأنكر آصف وعظماء بنى إسرائيل حكم الشيطان. وسأل آصف نساء سليمان، فقلن: ما يدع امرأة منا فى دمها ولا يغتسل من جنابة. وقيل: بل نفذ حكمه فى كل شئ إلا فيهن. ثم طار الشيطان وقذف الخاتم. فتختَّم به ووقع ساجداً، ورجع إليه مُلكه، وجاب صخرة لـ "صخر" فجعله فيها، وسدَّ عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص وقذفه فى البحر. وقيل: لما افتتن كان يسقط الخاتم من يده لا يتماسك فيها، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك. والخاتم لا يقر فى يدك، فتُبْ إلى الله عز وجل. ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله، وقالوا: هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكون من فعل هذه الأفاعيل، وتسليط الله إياهم على

عباده حتى يقعوا فى تغيير الأحكام، وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهن قبيح. وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع، ألا ترى إلى قوله:{مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} [سبأ: 13] .. وأما السجود للصورة فلا يُظَن بنبى الله أن يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه فلا عليه".

وجَلِىُّ أن الزمخشرى قد صرَّح بجواز الروايتين (الأولى والثانية) ورأى أنه لا بأس من وقوع إحداهما، ولكنه فَنَّدَ الرواية الأخيرة - رواية صخر المارد - وبَيَّنَ أنها تُذْهِب بعصمة الأنبياء، ولا تتفق وقواعد الشريعة.

وهكذا لم يقع الزمخشرى فيما وقع فيه غيره من المفسِّرين من الاغترار بالقَصص الإسرائيلى والأخبار المختلفة المصنوعة، وهذه محمدة أخرى لهذا المفسِّر الكبير تُحمَد له ويُشكَر عليها.

وبعد.. فهذه الكتب الثلاثة: تنزيه القرآن عن المطاعن، وأمالى الشريف المرتضى، وكشَّاف الزمخشرى، هى كل ما وصل إلى أيدينا من تراث المعتزلة ومؤلفاتهم فى التفسير، وهى وإن كانت قليلة بالنسبة لما لم تنله أيدينا من تفاسير المعتزلة، يمكن أن تكون تعويضاً مقبولاً إلى حد كبير عن التفاسير التى طوتها يد النسيان، وأدرجتها

ص: 340

فى غضون الزمن السحيق. وهى بعد ذلك تُعتبر أثراً خالداً ومهماً، لا فى تاريخ التفسير الاعتزالى فقط، بل فيه، وفى تاريخ الأدب العربى كذلك، لما تشتمل عليه من بحوث أدبية قيمة، تلقى لنا ضوءاً على ما كان بين الأدب والتفسير من تأثر كل منهما بالآخر وتأثيره فيه. والله أعلم.

* * *

ص: 341