الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رأي في تفسير القرآن
(1)
أنزل الله القرآن هادياً إلى سبيل السعادتين الأولى والآخرة، مؤيداً هدايته بالحجج التي لا تدع في النفوس شبهة، وفي هذا الكتاب آيات تبدو معانيها للنّاسِ عند تلاوتها، ومنه آيات لا تبدو معانيها إلا لرسول، أو راسخ في العلم، فقال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وقال عليه الصلاة والسلام داعياً لابن عباس رضي الله عنه:"اللهم فقَههُ في الدين، وعلِّمه التأويل"، وفي رواية:"علمه الحكمة وتأويل الكتاب".
وورد في الصحيح أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير بعض الآيات، ورويت آثار عن الصحابة في التفسير كذلك، وتعاطى التفسير من التابعين طوائف؛ كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعطاء بن رباح.
وظهر بعد هؤلاء طبقة الذين ألفوا في التفسير كتباً تجمع أقوال الصحابة والتابعين؛ كسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجّاج، وإسحاق بن راهويه.
وكتب في التفسير بعد هؤلاء جماعة منهم: ابن جرير الطبري في الشرق، وبقي بن مخلد في الأندلس، ودخل في زمرة المفسرين جماعة من علماء
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الخامس من السنة الأولى الصادر في شهر المحرم 1366 هـ - تشرين الثاني، نوفمبر 1947 م.
اللغة؛ كالفرّاء، وأبي عبيدة، والزجّاج.
وصار التفسير إلى صنفين: تفسير يستند إلى الآثار المنقولة عن السلف، ويسمى: التفسير بالمأثور، وتفسير يستند إلى فهم علماء اللغة والبلاغة، ويسمى: التفسير بالرأي، وفي كل من الطريقتين علم غزير يقدره المنصف البصير، ولكنهما لم يخلوا من مآخذ يجب على الناظر في التفسير الاحتراس منها.
أما التفسير بالمأثور، فقد دخله الخلل من جهة روايات لم يصح إسنادها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى من نسبت إليه من الصحابة.
وكان ابن جرير الطبري ينقد الروايات، فإذا ظهر له أن الرواية غير موثوق بها، تركها، وأبدى رأيه الخاص.
ودخل في التفسير بالمأثور أشياء يأسرها نفر من الإسرائيليين؛ مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، فربما ينقل هؤلاء القوم من الإسرائيليات ما له اتصال بتفسير بعض الآيات من قصص القرآن، ويتلقاها بعض المفسرين دون أن يعنوا بتمحيصها، والتثبت في صحة روايتها، وممن تيقظ لهذا: أبو محمد بن عطية من علماء الأندلس، فلخّص تلك التفاسير، وتحرّى ما هو أقرب إلى الصحة، وتبعه القرطبي في تلك الطريقة، فأسقط من تفسير ابن عطية القصص والتاريخ، وأثبت بدلها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة.
وممن أنكر الأخذ بالإسرائيليات: أبو بكر بن العربي في تفسيره "قانون التأويل"(1).
(1) يوجد منه قسم كبير بدار الكتب المصرية.
وأما التفسير بالرأي، فقد يدخله الخلل من جهة مخالفته لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية برواية صحيحة، أو من جهة عدم موافقته لما تقتضيه قواعد اللغة أو بلاغتها؛ ذهولاً عنها، أو لقلة الخبرة بها.
قال مالك: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله تعالى إلا جعلته نكالاً.
وعلى مثل هذا تحمل الآثار الواردة في ذم تفسير القرآن بالرأي، فمن واجب الكاتب في التفسير أن يتجه إلى تمحيص الروايات، ولا يعول إلا على ما صحت روايته، وأن يكون عارفاً بعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها، وبهذا يسلم من أن يخوض فيما ابتدعه قوم من النوع الذي يسمونه: التفسير الباطني.
والتفسير المنسوب إلى الباطن صنفان:
صنف اخترعه طائفة من الزنادقة؛ ليعطلوا أحكام الشريعة، أو ليقلبوا حكمة القرآن إلى معان سخيفة، وهذا باطل ببداهة العقل.
وصنف ينسب إلى المتصوفة، ويطلق عليه بعضهم: الكلام في القرآن من باب الإشارة، وقد تحدث عن هذا الصنف بعض أهل العلم، وأنكروا أن يكون من قبيل التفسير.
قال الواحدي: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق في التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر.
وقال ابن الصلاح: لا يريدون التفسير، ولو أرادوا أن ما يقولونه تفسير للقرآن، لكانوا من الباطنية، وإنما ذلك تنظير منهم لما ورد؛ أي: هي معان يجدونها في نفوسهم عند التلاوة.
فالفرق بين تفسير الباطنية، وبين تفسير أصحاب الإشارة؛ أن الباطنية يفسرون الآيات بتلك المعاني المنبوذة على أنها هي المقصود من القرآن، أما أصحاب الإشارة فيسلِّمون أن المراد من القرآن هي المعاني التي يذكرها أهل العلم بالتفسير، غير أنهم يذكرون عند تفسير الآية معاني تخطر في أذهانهم عند التلاوة، وإن لم تدل عليها الآية بطريق من طرق الدلالات المعروفة في الاستعمال العربي.
ومع هذا الفرق الواضح بين صنفي التفسير بالباطن، فان الاقتصار في تفسير ألفاظ القرآن على ما يقتضيه استعمالها العربي، يكفي لتقويم العقول، وتزكية النفوس، وإرشادها إلى وجوه الإصلاح الذي تُدرك به السعادة في الآخرة والأولى.
وإذا كان الباطنية يخرجون بألفاظ القرآن عن مقتضى أوضاعها ومجازاتها المألوفة، فهناك طائفة أخرى تحمل ألفاظه على حقائقها اللغوية. وقد يكون حملها على المجاز أو التمثيل هو الذي تقضي به البلاغة، ويستدعيه المقام الذي سيقت فيه الآية، ومن هذا كان من شرائط المفسر للقرآن: أن يكون ملماً بفنون البيان، ذا ألمعية مهذبة تسعده على أن يعرف المواضع التي تفهم فيها الألفاظ على حقائقها، والمواضع التي يليق ببلاغة القرآن أن تفهم فيها على المجاز، أو التمثيل.
وحدث في هذا العصر آراء في التفسير يذيعها نفر لا يرقبون في القرآن حكمة ولا بلاغة؛ كمن ينكر المعجزات الكونية بإطلاق، فيؤول آيات المعجزات على وجوه تجعلها من الحوادث العادية، وإن كان تأويلها لا يجري على استعمال الألفاظ المعروف في اللغة، ولا تحتمله أساليب بلاغتها.
هذه هي الطريقة الموصلة إلى التفسير الحق -فيما نرى-.
وننظر بعد هذا في الأهداف التي يتجه إليها المفسر، فنقول: أنزل القرآن لمقصدين ساميين:
أولهما: هداية البشر إلى سبل السعادة في الحياتين الدنيا والآخرة.
ثانيهما: دلالته على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ادعاه من الرسالة التي هي مطلع تلك الهداية العامة، فكان أعظم معجزة وأخلدها على وجه الأرض.
فمن أراد تفسير القرآن، فليتجه إلى وجوه الهداية التي أرشد إليها؛ من نحو: العقائد، والعبادات، والأخلاق، والآداب، وأحكام المعاملات، ويتجه مع هذا إلى الوجوه التي كان بها معجزة خالدة.
وقد تفاوتت آراء المفسرين في البحث عن وجوه هدايته، ووجوه إعجازه على قدر تفاوتهم في العلم والفهم.
وتجاوز قوم حدود هذين الهدفين، وأطلقوا لأقلامهم العنان، فاستطردوا في التفسير مباحث لا يتوقف عليها فهم القرآن من حيث إنه هداية، أو مباحث لا يحتاج إليها في تقرير وجه من وجوه إعجازه، وإنما هي مسائل ترجع إلى علوم أخرى مستقلة بنفسها.
كنت يوماً في مجلس حافل، فقال أحد حاضريه: إن القرآن نزل للوعظ والإرشاد، ولا يضره أن يوجد فيه ما يكون مخالفاً لقضايا بعض العلوم القطعية.
فقلت: نحن نعلم أن القرآن الكريم لم ينزل لبيان الحقائق العلمية التي يبحث عنها في مثل العلوم الطبيعية والرياضية، ولكنه إذا عرَّج في طريق هدايته على شيء مما يبحث عنه أرباب هاتيك العلوم، عرفنا حق
اليقين أنه لا يقول إلا حقاً، ولا أرى هذا الرأي الذي أبديتَه إلا أنك فرضته فرضاً؛ إذ لا تستطيع أن تأتينا بمثال يرينا كيف قرر القرآن شيئاً يخالف ما ثبت في العلوم اليقينية.
وهنا انقطعت المحاورة العلمية بيني وبينه من ناحية المباحثة العلمية.
وقد يورد بعض من لا يفرق بين الظنيات والعلميات، ومن لا يمعن النظر في فهم البليغ من الكلام، أشياءَ يزعم أنها علميات جاء القرآن على خلافها، فمن واجب المفسر أن يتصدى لإزاحة هذه الشُّبَه، ويبين بالطريق المنطقي أن ما أورد على القرآن لا يدخل في العلميات، أو يذهب في تفسير الآية على وجه يلائم بلاغة القرآن، ولا يخالف ما قرره العلم، وأقام الدليل على أنه قطعي لا يلابسه ريب.