الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله: (والله عليم حكيم)، يقول:(والله عليم) ، بمن يعلم حدودَ ما أنزل على رسوله، والمنافق من خلقه، والكافرِ منهم، لا يخفى عليه منهم أحد = (حكيم) ، في تدبيره إياهم، وفي حلمه عن عقابهم، مع علمه بسرائرهم وخِداعهم أولياءَه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله: {وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
(98) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يَعُدُّ نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه عباده = (مغرما)، يعني: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا = (ويتربص بكم الدوائر)، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، (2) أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروهٍ ومجيء محبوب، (3) وغلبة عدوٍّ لكم. (4) يقول الله تعالى ذكره:(عليهم دائرة السوء)، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون، ولا بكم = (والله سميع) ، لدعاء الداعين = (عليم) بتدبيرهم، وما هو بهم نازلٌ من عقاب الله، وما هم إليه صائرون من أليم عقابه. (5)
* * *
(1) انظر تفسير " عليم " و " حكيم "، فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم) .
(2)
انظر تفسير " التربص " فيما سلف ص: 291، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(3)
في المطبوعة " ونفى محبوب "، وأثبت ما في المخطوطة، وهي سيئة الكتابة.
(4)
انظر تفسير " الدوائر " فيما سلف 10: 404.
(5)
انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17094-
حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله:(ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بكم الدوائر)، قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياءً اتِّقاءَ أن يُغْزَوْا أو يُحارَبوا أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مغرمًا. ألا تراه يقول:(ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء) ؟
* * *
واختلفت القرأة في قراءه ذلك.
فقرأ عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوْءِ) بفتح السين، بمعنى النعت لـ "الدائرة"، وإن كانت "الدائرة" مضافة إليه، كقولهم:"هو رجل السَّوْء"، "وامرؤ الصدق"، من كأنه إذا فُتح مصدرٌ من قولهم: "سؤته أسوُءه سَوْءًا ومَساءَةً ومَسَائِيَةً. (1)
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السُّوْءِ) ، بضم السين، كأنه جعله اسمًا، كما يقال: عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: "عليهم دائرة السُّوء" فضم، لم يقل:"هذا رجل السُّوء" بالضم، و"الرجل السُّوء"، (2) وقال الشاعر:(3)
وكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَمًا
…
بِصَاحِبِه يَوْمًا أحَالَ عَلَى الدَّمِ (4)
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1: 449، 450.
(2)
انظر معاني القرآن للفراء 1: 450.
(3)
هو الفرزدق.
(4)
ديوانه: 749، وطبقات فحول الشعراء: 306، والحيوان 5: 319، 6: 298، واللسان (حول) ، وغيرها كثير، من أبيات لها خبر طويل. وقوله:" أحال على الدم "، أي: أقبل عليه. والذئبان ربما أقبلا على الرجل إقبالا واحدًا، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله، فإذا أدمى أحدهما وثب على صاحبه فمزقه وأكله، وترك الإنسان (من كلام الجاحظ) . وقد كرر الفرزدق هذا المعنى في قوله: فَتًى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كالذِّئْبِ، إن رَأَى
…
بِصَاحِبِهِ يَوْمًا دَمًا فَهْوَ آكِلُهُ
.