المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الثاني: أنه محمول على أنه لم يَتَحَلَّلْ، وهو أظهرُ الوجوه. الثالث: - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ١

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: الثاني: أنه محمول على أنه لم يَتَحَلَّلْ، وهو أظهرُ الوجوه. الثالث:

الثاني: أنه محمول على أنه لم يَتَحَلَّلْ، وهو أظهرُ الوجوه.

الثالث: أنه محمولٌ على أنه يَسيرٌ والطعامُ كثيرٌ- كما تقدم في أحدِ القولين.

والخشاش - بفتح الخاء وضمها وكسرها - صِغارُ الدَّوابِّ.

‌الأَوَانِي

مِنْ جِلْدِ الْمُذَكَّى الْمَاكُولِ طَاهِرَةٌ، ومِنْ غَيْرِهِ نَجِسَةٌ، وَفِيمَا دُبِغَ أَوْ ذُكِّيَ مِنْ غَيْرِهِ إِلا الْخِنْزِيرَ ثَالِثُها: الْمَشْهُورِ: الْمَيْتَةُ مُقَيَّدَةُ الطَّهَارَةِ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي الْيَابِسَاتِ وَالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَلا يُبَاعُ وَلا يُصَلَّى بِهِ وَلا عَلَيْهِ. وَالْمُذَكَّى طَاهِرٌ مطلقاً وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ .....

يعني: إِنْ حَصَلَ القيدان وهما: أَنْ يكون جِلْدًا مُذَكًّى، أي حَصَلَتْ فيه الذكاةُ، وأَنْ يكون مأكولَ اللحم، أي: مباحَ الأكل- جاز استعمالهُ اتفاقًا. وإِنِ انْتَفَى أَحَدُ القَيْدَيْنِ فَفِيهِ خلافٌ، وإليه أشارَ بقوله:(وَفِيمَا دُبِغَ) أي مطلقاً، سواءٌ أَكانَ مِن ميتةِ المذكى المأكولِ أو غيرهِ.

وقوله: (أَوْ ذُكِّيَ مِنْ غَيْرِهِ) أي مِن غيرِ المأكولِ، وهو كلُّ ما ذُكِّيَ لِقَصْدِ جِلْدِه ولم يَكُنْ مباحًا كالسباعِ والخيلِ، وأُخرج من ذلك الخنزيرُ فإنه لا يَطْهُرُ مطلقاً ذُكِّيَ أم لا، دُبغَ أم لا.

وحكى اللخميُّ وابنُ رشد في البيان والزناتي قولاً بأنَّه يَطْهُرُ بالدبغِ.

وقوله: (ثَالِثُهَا) أي في المسألتين ثلاثةُ أقوالٍ: بالطهارةِ المطلقةِ فيهما، وقولٌ بالنجاسة فيهما، والْمَشْهُورِ هذا، وهو قولُ ابن راشد.

وقال ابن هارون: في المسألة قولان: قول بأنه يَطهر طهارةً مقيدة فيهما، أي فيما دُبغ أو ذُكِّيَ، وهو قولُ ابن حبيب.

والثاني لابن وهب: أنه يَطهر طهارةً مُطلقة فيهما لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّما إِهَابٍ دُبغَ فقَدْ طَهُرَ)). وبناه على أنَّ الذكاةَ تَتَبَعَّضُ، والْمَشْهُورِ الفرقُ، فالميتةُ إذا دُبغتْ

ص: 44

تطهرُ طهارةً مقيدةً، أي: تُستعمل في اليابسات وفي الماء وَحْدَه مِن دون سائرِ المائعاتِ. والمذكَّى مِن غيرِ المأكولِ طاهرٌ طهارةً مطلقةً، وسيأتي التنبيه على ما في كلٍّ من التَّمْشِيَّتَيْنِ.

تنبيهات:

الأول: وقع في نسخة ابن عبد السلام: (وفيما دُبغ) زيادةُ (منه) وفسَّرَها، فقال: أي مِن ميتة المأكول. وليس بجَيِّدٍ؛ لإيهامِ ذلك أنَّ الخلافَ في الطهارةِ بالدبغِ خاصٌّ بميتةِ المأكولِ، وليس كذلك، بل الخلافُ في الطهارة عامٌّ في ميتة المأكولِ وغيرهِ، نقل ذلك ابنُ شاسٍ وغيرهُ، وممن نقل ذلك صاحبُ التلقين، قال: وجلودُ الميتةِ كلُّها نجسةٌ لا تطهر بالدبغِ، غير أنها يجوز استعمالها في اليابسات.

المازري: وإنما أكد الميتة بقوله: كلها طاهر. فأما الأوزاعيُّ فذهبَ إلى أَنه إنما يَطهر بالدبغ جِلْدُ ما يُؤكل لحمُه دون ما لا يؤكل. وحكى في البيان قولاً بطهارة مدبوغ ميتة الأنعام خاصةً. ورواه أشهبُ عن مالك، ولفظُ الروايةِ: سئل مالكٌ: أَترى ما دُبغَ من جلود الدوابِّ طاهرًا؟ قال: إنما يقال هذا في جلود الأنعام، فأما جلود ما لا يؤكل لحمه فكيف يكون جلده طاهرًا إذا دُبغ، وهو مما لا ذكاة فيه ولا يؤكل؟ اللهم إلا أن يقال: هذا الإيهامُ يرتفع بالاستثناء، وهو قوله:(إلا الخنزير) فإنه إنما أخرج الخنزير فقط.

التنبيه الثاني: ليست الطهارةُ بالذكاة خاصةً بالجلد. قال في الجواهر في باب الذبائح: وتَطهر بالذكاة جميعُ أجزائه من لحمه وعظمه وجلده، سواء قلنا يُؤكل أو لا يؤكل، كالسباع والكلاب ولحمر والبغال إذا ذكيت طهرت على كلتا الروايتين في إباحة أكلها ومَنْعِه، وقال ابنُ حبيب: لا تطهر بالذبح، بل تصير مَيْتَةً. انتهى.

وكلامُ ابن شاس يَدلُ على أن الذكاةَ تعمل في مُحَرَّمِ الأكل، وهي إحدى الطريقتين اللتين يَذكرهما المصنف في باب الصيد، والطريقة الأخرى- وهي طريقةُ أكثرِ الشيوخِ- أن الذكاةَ لا تُؤَثِّر [8/أ] في مكروهِ الأكلِ.

ص: 45

قال الباجي: وأما جِلْدُ الحمير والبغال فقال ابن القاسم: لا يصلَّى بشيء منها ولو ذُبحَ ودُبِغَ. قال مالك: أكره ذكاتها للذريعة إلى أكلِ لحومِها. وهذا يقتضي أنها عنده على الكراهة، وأما على روايةِ التحريمِ فوجب أن يكون جلدُها ممنوعاً قولاً واحداً. انتهى.

وقال سندٌ: الكلام في جلودِ الحُمُرِ يَتَخَرَّجُ على أحكامِ لحومِها، وفيها قولان: التحريمُ، والكراهةُ.

قال: فإن قلنا بالتحريمِ كانت كالخنزير، فلا تؤثر الذكاةُ في جلودِها. وهو وجهُ قولِه: لا يُصَلَّى على جلدِ حمارٍ وإن ذُكِّي ودُبغَ. وإِنْ قلنا: إِنَّ لحومَها مكروهةٌ- كانت كالسباعِ وجلودِها. وهو مقتضى قول مالك: أكره ذكاتها للذريعة إلى أكل لحومها. إلا أن كراهتَها فوقَ كراهةِ السباعِ.

وقال ابن عطاء الله: الذكاةُ تُؤَثِّرُ في كلِّ ما ليس أكلُه حراماً، فتؤثر في جلود السباع إِذْ ليست عندنا محرمةً. وكذلك ظاهرُ كلامِ التونسي وابن عبد البر وابن يونس، والقاضي غياضِ: أَنَّ الذكاة لا تؤثر في محرمِ الأكل، وعلى هذا يُقَدَّرُ قوله:(وَالْمُذَكَّى طَاهِرٌ مطلقاً) بما يُكره أكله، ونَقص مِن الْمَشْهُورِ أَنَّ مالكاً- رحمه الله تعالى- لا يَستعمله في خاصَّةِ نَفْسِه، ولم يحرمْه على غيرِه.

وقوله: (وَلا يُبَاعُ) سيأتي ذلك في البيوع إن شاء الله.

واختلفتْ عبارةُ أهل المذهب في جلدِ الميتةِ المدبوغِ، فقال أكثرُهم كالمصنف: إنه يَطهر طهارةً مطلقةً. وقال عبد الوهاب وصاحب البيان: إنه نجس، ولكن رُخِّصَ في استعماله في اليابساتِ والماءِ، ولذلك لا يُصَلَّى عليه. وهو خلاف لفظي.

وقوله: (وَالْمُذَكَّى طَاهِرٌ مطلقاً) وهو مِن تمام الْمَشْهُورِ، وذِكْرُه الأواني تمثيلٌ، وإلا فلا فَرْقَ بين الأواني وغيرِها.

ص: 46

وفُهِمَ من قوله: (دُبِغَ) أَنَّ جِلْدَ الميتة لو لم يدبغ لم يَجُزِ الانتفاعُ به بوجهٍ.

ابن هارون: وهو المذهب. قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: لا يُفْتَرَشُ ولا يُطْحَنُ عليه حتى يُدْبَغَ.

وروى ابن القاسم عن مالك في العتبية: تَرْكُ الانتفاعِ بها أحبُّ إليَّ. وهذا قولٌ بالاستحباب. انتهى.

التنبية الثالث: ما قاله ابنُ هارون بأن الأقوالَ الثلاثةَ: الطهارةُ المقيدةُ، والطهارةُ المطلقةُ، والتفصيلُ- أَقْرَبُ إلى قاعدة المصنف؛ لأنه قاعدتَه أَنْ يَجعل صَدْرَ القولِ الثالثِ دليلاً على القول الأول، وعَجُزَه دليلاً على الثاني، لكن الأقرب ما قاله ابن راشد من الأقوال الثلاثة: الطهارة المطلقة، والطهارة المقيدة؛ لأني لم أَرَ من قال: إن جلدَ المذكَّى غيرِ المأكولِ يَطهر طهارةً مُقيدةً بعدَ البحثِ عنه، والذي رأيتُه في مدبوغِ الميته: الْمَشْهُورِ وهو أنه يَطهر طهارةً مقيدةً. وقولُ ابنِ وهب وغيرِه: إنه يَطهر طهارة مطلقة. وهو مقتضى ما نقله الباجي عن ابن حبيبِ لأنه نَقَلَ عنه أنه تُعْمَلُ منه قِرْبَةُ اللَّبَنِ وزِقُّ الزيتِ، ونقل عنه غيرُه ما يَقتضي النجاسة، فإِنه نقل عنه أنه إذا بيعَ جِلْدُ الميتةِ المدبوغُ أن ذلك البيع يُفسخ، إلا أن يَفُوتَ، فيُمْضَى بالثَّمَنِ للاختلاف فيه. والذي رأيته في جلود السباع الْمَشْهُورِ، وهو أنها تطهر طهارة مطلقة. وحكى ابن عبد البر عن أشهب قولاً بنجاسة ما ذكِّي من السباع. وحكى الباجي عن ابن حبيب التفرقةَ فالسباعُ العاديَةُ لا يُصَلَّى عليها، ولا تُباع جلودُها، ولا تُلبس، ويُنتفع بها فيما سوى ذلك. وغيرُ العادية كالهر والثعلب يَجوز بيعُها والصلاةُ عليها.

وعلى هذا فيتحمل في كل مسألة ثلاثة أقوال، ويكون الصحيح تمشية ابن راشد؛ لأن القولَ بالنجاسةِ فيهما منقولٌ، وليس القول بالطهارة المقيدةِ فيهما منقولاً، والله أعلم. انتهى.

ص: 47

وَفِيهَا: وَلا يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ حِمَارٍ وَإِنْ ذُكَّيَ. وَتَوَقَّفَ عَنِ الْجَوَابِ فِي الْكَيْمَخْت

ذكر ما قاله في المدونة في جلد الحمار؛ لأن ظاهرَه مخالِفٌ للمشهور، إذ هو جلدُ مذكَّى غيرِ مأكولٍ، وقلنا: ظاهرهُ جوازُ حملِه على الكراهة.

والكيمخت: لفظٌ فارسيٌّ مُعَرَّبٌ. قال التونسي: هو جلد الحمار. وقال ابن عطاء الله: الكيمخت لا يكون إلا من جلد الحمر والبغال المدبوغِ.

والقياسُ يقتضى أنه نجسٌ لا سيما إذا وُجِدَ ذلك مِن جلد حمار ميتٍ، ولكن يُعارضه عملُ السلف. قال علي عن مالك: ما زال الناس يُصَلُّون بالسيوف، وفيها الكيمخت. فلما تَعارض عنده القياسُ والعملُ- رأى أنَّ الأحوطَ تركُه. ثم قال: فرعٌ: قال محمدٌ: لا يُصَلَّى على جلد الفرس ولو ذُكِّيَ. فأَلْحَقَه بجلد الحمار. وقال ابن حبيب: لا بأسَ ببيعِه والصلاةِ عليه. وهو الأظهرُ، لأنها أخف. انتهى كلام ابن عطاء الله.

واعلم أنَّ في كلام المصنف نقصاً وإيهاماً، أما النقصُ فلأنه قال في المدونة بعد التوقف: ورأيتُ تَرْكَهُ أَحَبُّ إليَّ. وأما الإيهامُ فلأنَّ عطفَه التوقف على قوله: (وَلا يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ حِمَارٍ) يُوهم أن الكيمخت غيرُ جلد الحمار، وليس كذلك على ما قاله التونسي وابن عطاء الله. وكأنه تَبعَ في ذلك لفظَ المدونة، لكن هذا الإيهام يندفع على ما فَسَّرَ به عياضٌ الكيمخت، فإنه قال: وهو جلدُ الفرس وشبهِه غيرِ المذكَّى. وحكى ابن يونس في الكيمخت ثلاثة أقوال:

أحدها: قوله في المدونة: وتركه أحب إليَّ. فيحتمل أن مَن صلَّى عليه يُعيد في الوقت، أولا إعادةَ عليه.

والثاني: الجوازُ لمالك في العتبية، قال: وما زال الناس يُصَلُّونَ بالسيوف وفيها الكَيْمَخْتُ.

ص: 48

الثالث: الجوازُ في السيوف خاصَّةً، قاله ابنُ المواز، وابنُ حبيب لحاجة الناس إلى ذلك. زاد ابن حبيب: ومَن صلى به في غير السيف يسيراً كان أو كثيراً أَعَادَ أبداً.

خليل: وفي أَخْذِ هذه الثلاثةِ الأقوالِ مِن كلامِه نظرٌ.

والكيمخت بفتح الكاف وسكون الياء وفتح الميم.

وَمِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ اتَّفَاقاً وَاقْتِنَاؤُهُمَا عَلَى الأَصَحِّ. قَالَ الْبَاجِيُّ: لَوْ لَمْ يَجُزْ لَفُسِخَ بَيْعُهُمَا. وَأُنْكِرَ لانْتِفَاءِ ضَمَانِ صَوْغِهَا وَتَحْرِيمِ الاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا، وَصَحَّ بَيْعُهَا لأَنَّ عَيْنَهَا تُمْلَكُ إِجْمَاعاً .......

أي: والأواني من الذهب والفضة محرمةُ الاستعمال عامَّةً عند الجمهور، خلافاً للظاهريةِ في قَصْرِهِم ذلك على الشّربِ.

وقوله: (عَلَى الأَصَحِّ) أي: الأصحُّ منعُ الاقتناء؛ لأن اقتناءها ذريعةٌ إلى استعمالها وقيل يجوزُ للتجمل، لقوله تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]. فإن قُلْتَ: وقد صرَّح في المدونة بأنَّ علةَ منعِ الاستعمالِ السرفُ. وإذا كان كذلك فالسَّرَفُ في الاستعمالِ أَشَدُّ منه في الاقتناءِ، فصار الفَرْعُ أضعفَ، فلا يصحُّ القياسُ.

فالجوابُ أنَّا لا نسلم أنَّ العلةَ سرفٌ قويٌّ، بل العلةُ مطلقُ السرفِ- وهو حاصلٌ في عملِها، وإن لم تستعمل- نعم يَزيد السرفُ بالاستعمال.

وقوله: (قَالَ الْبَاجِيُّ) يعني أن الباجي ينتصر للقول بجوازِ الاقتناء، أي: لو لم يكن الاقتناء جائزاً لفسخ البيع، ولا يُفْسَخُ. بيانُ ذلك أنه وَقَعَ في المدونة جوازُ بيعِها، وليس لقصدِ الاستعمال؛ لأنه غيرُ جائز، فتعَيَّنَ أن يكون الاقتناءُ جائزاً، وإلا لفُسِخَ لكونهِ لغرضٍ فاسدٍ كبيعِ الآلةِ المحرمةِ، أو لكون الصفقةِ جمعتْ حلالاً وحراماً.

ص: 49

وقوله: (وَأُنْكِرَ) أي: أُنْكِرَ قولُ الباجي لوجهين: أحدُهما: لو كانت تلك الآنيةُ جائزةَ الاتخاذِ لَلَزِمَ أنه إذا كسرها شخصٌ أن يَغرم قيمةَ صياغتِها.

الثاني: يلزمُ جوازُ إعطاءِ الأجرةِ لِتُصَاغَ، إِذْ هو على شيءٍ جائزٍ، ولا يجوز ذلك.

وهذا تقديرُ كلامِه، وفيه نَظَرٌ؛ لأن كلامَه يقتضي الاتفاقَ عليهما، وليس كذلك.

قال ابن شاس بعد أن حكى عن الباجي جوازَ الاقتناء: قال ابن سابق: هذا غير صحيح؛ لأن ملكَها يَجوز إجماعاً بخلافِ اتخاذِها. قال: وإنما تُتصور فائدةُ الخلافِ بأنَّا لا نُجيز الاستئجارَ، ولا نُوجب الضمانَ على مَن أَفسدها؛ إِذْ لم يُتْلِفْ مِن عَينِها شيئاً، والمخالفُ يُجيز الاستئجارَ، ويُوجب الضمانَ. انتهى.

فأنت تَرى كيف حَكى الخلافَ فيما ظاهرُ كلامِ المصنف فيه أنه مُتفقٌ عليه، وإنما أنكرَ ابنُ سابق قولَ الباجي للإجماع فقط.

وقول المصنف: (وَصَحَّ بَيْعُهَا) فهو جوابٌ عن سؤالٍ مُقَدَّرٍ، كأنَّ قائلاً قال: وإذا كانت الصياغةُ ممنوعةً فكيف أَجَزْتُمُ البيعَ؟ فأجاب بأنَّا إنما أجَزْنا البيعَ، لأنَّ الصياغةَ وعينَها تُمْلَكُ إجماعاً، على أنه لا يَلزم مِن مِلْكِ العَيْنِ جوازُ البيعِ باتفاقٍ، فإن ابن عبد السلام قال: ذكروا في جوازِ بيع ثياب الحرير التي يلبسها الرجالُ خلافاً.

وَمِنَ الْجَوَاهِرِ قَوْلانِ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لِعَيْنِهِمَا أَوْ لِلسَّرَفِ. وَلَوْ غُشِّيَ الذَّهَبُ برَصَاصٍ أَوْ مُوِّهَ الرَّصَاصُ بذَهَبٍ فَقَوْلانِ. وَالْمُضَبَّبُ وَذُو الْحَلْقَةِ كَالْمِرْآةِ مَمْنُوعٌ عَلَى الأَصَحِّ. قَالَ مَالِكٌّ: لا يُعْجِبُنِي أَنْ يُشْرَبَ فِيهِ، وَلا أَنْ يُنْظَرَ فِيهَا ....

أي: وفي جواز أتخاذ الأواني من الجواهر كالزمرد والياقوت قولان للمتأخرين، مبنيان على الخلاف في علةِ منعِ الذهبِ والفضةِ، فمَن رآها للسَّرَفِ مَنَعَ مِن بابِ أَوْلَى،

ص: 50

ومَن رَآها لِعَيْنِ الذهبِ والفضةِ- أي لِذَاتِها- أجازَ. والجوازُ قولُ الباجي وابن سابق، واختاره ابنُ رشد. والقولُ بالمنع لابن العربي.

ابن عبد السلام: صرح في المدونة بالتعليل بالسرف. ومنشأُ الخلافِ في المُغَشَّى والمُمَوَّهِ النظرُ إلى الظاهرِ أو إلى الباطنِ، فمَن نظر إلى الظاهرِ أَجاز الأولى لا الثانية، وعلى العكسِ العكسُ.

وتردد ابنُ عبد السلام في المغشي، واستَظهر في المموهِ الإباحةَ؛ لأنه ليس بإناءِ ذهبٍ. وفي معنى الرصاصِ النحاسُ ونحوه.

والرصاص بفتح الراء وكسرِها، ذكره عياضٌ في السَّلَمِ الأول.

وانظرْ هل مرادُهم بالمموهِ الطلاءُ الذي لا يجتمع منه شيء، أو لو اجتمع؟ واتُفق في مذهب الشافعي على المنعِ فيما يَجتمع منه شيءٌ، وإنما جعلوا الخلافَ فيما لا يجمع منه شيء.

وانظر هذا النحاسَ المكَفَّتَ- أي: الذي يُحفر، ويُنزل فيه فضة- هل هو مُلْحَقٌ بإناءِ فضةٍ أو بالمموه؟ والأوَّلُ أظهرُ. وقد اتفقتْ الشافعيةُ فيه على المنع.

والمُضَبَّبُ إناءٌ شُعِبَ كَسْرُهُ بخيوطٍ مِن ذهب أو فضة، أو عُمِلَتْ فيه صَفِيحَةٌ مِن ذلك. قاله ابن راشد.

ذو الحلقة كالمِرْآةِ واللَّوْحِ تُجعل فيه حلقةٌ مِن ذهبٍ أو فضةٍ.

وقوله: (مَمْنُوعٌ عَلَى الأَصَحِّ) ظاهرهُ التحريمُ، وهو اختيار القاضي أبي الوليد، واختار القاضي أبو بكر الأبهري الجوازَ؛ لأنه تَبَعٌ. وقولُ مالك يحتملُ التحريمَ والكراهةَ، وهو في العتبية. ابن عبد السلام: وظاهرُه الكراهةُ، وكلامُ المصنِّفِ ظاهِرُه الاحتجاجُ به على المنع.

ص: 51

وَفِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ثَلاثُ طُرُقٍ: الأُولَى: لابْنِ الْقَصَّارِ، وَالتَّلْقِينِ، وَالرِّسَالَةِ: وَاجِبَةً مطلقاً، وَالْخِلافُ فِي الإِعَادَةِ خِلافٌ فِي الشَّرْطِيَّةِ. الثَّانِيَةُ: لِلْجَلابِ وَشَرْحِ الرِّسَالَةِ: سُنَّةٌ، وَالإِعَادَةُ كتَارِكِ السُّنَنِ. الثَّالِثَةُ: لِلَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَاجِبةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ لإِيجَابهِ الإِعَادَةَ مَعَهُمَا مطلقاً، دُونَ النِّسْيَانِ وَالْعَجْزِ لأَمْرِهِ فِي الْوَقْتِ خَاصَّةً، وَقَالَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ: إِلَى الاصْفِرَار. الثَّانِي: وَاجِبَةً مطلقاً؛ لأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى: يُعيد أبداً وَإِنْ كانَ نَاسِياً. الثَّالِثُ: سُنَّةٌ. قَالَ أَشْهَبُ: تُسْتَحَبُّ إِعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ عَامِداً أَوْ نَاسِياً ....

أي: الطريقةُ الأولى: [9/أ] لا خلاف عندهم في الوجوب، وما وقع مِن الخلافِ في الإعادةِ فهو مبني على أنها هل هي واجبة شرطاً أو واجبةٌ ليست بشرطٍ. فالإعادةُ على الشرطية، ونفيُ الإعادة على عدمِها.

وما نَسَبَه للرسالة ليس كذلك؛ لأن فيها قولين: قولٌ بالوجوب، وقول بالسُّنِّيَّة.

والطريقة الثانية: لا خلاف عندهم في أنها سُنة. وما وقع مِن الخلافِ في الإعادةِ مبنيٌّ على الخلافِ في تاركِ السننِ متعمداً. وابن الجلاب- رحمه الله تعالى- لم يَتعرض في كتابه لنفي الخلاف، فلا ينبغي أن يُعَدَّ قولُه طريقةً لجواز أن يكون اقتصر على هذا القولِ لاختيارِه.

والطريقةُ الثالثة: ظاهرةُ التصور، غير أنّ الشيخ عبدَ الحميد لا يَرضى بمثلِ هذا التخريجِ؛ لاحتمالِ أن يكون هذا القائلُ بالإعادة في الوقت- ولو مع العمد- يَرى وجوبَ زوال النجاسة، ولكن لم يأمره بالإعادة أبداً مراعاة للخلاف، ولاحتمال أن يكون القائل بالإعادة أبداً إنما قال بذلك لأن مذهبه أن السُّنة يَلزم فيها ذلك.

وزاد ابن رشد قولاً رابعاً بالاستحباب.

ص: 52

وطريقة اللخمي تدل على أن الْمَشْهُورِ هو التفصيل، وقد صرح بذلك غيرُ واحد، وذكر في البيان أن الْمَشْهُورِ في المذهب قولُ ابن القاسم وروايته عن مالك: أنَّ رَفْعَ النجاسةِ من الثياب والأبدان سنةٌ لا فريضةٌ، فمَن صَلَّى بثوبٍ نجسٍ- على مذهبهم- ناسياً أو جاهلاً بنجاسته، أو مضطراً إلى الصلاة فيه- أعاد الصلاة في الوقت. انتهى.

وذَكر المازري طريقةً رابعة، فإنه ذَكر بعدما ذَكر- كلامَ القاضي عبد الوهاب- أن إزالةَ النجاسة فرضٌ: اضطرب الحُذَّاقُ مِن أهل المذهب في العبارة عن ذلك، فالجاري على ألسنتهم- في المذكرات والإطلاقات- أن المذهب على قولين: أحدُهما: أن غسل النجاسة فرض، والآخرُ سنةٌ إطلاقاً لهذا القول من غير تقييد.

ومن أشياخي مَن يقول: المذهبُ على ثلاثةِ أقوالٍ. فأشار إلى ما ذَكره اللخمي، ثم قال: ومِن عجيب ما في هذه المسألة أن القاضي أبا محمد حكَى الاتفاقَ على تأثيمِ مَن تَعَمَّدَ الصلاةَ بها، والاتفاقُ على التأثيمِ يَقتضي الاتفاقَ على الوجوبِ، إذ الإثمُ مِن خصائصِ الوجوبِ. قال: وسألتُ بعضَ أشياخي عن هذا فتوقف عن الجواب، وسألت غيرهَ فقال لي: هو محمولٌ على اختلاف طريقة. انتهى.

وقوله: (وَقَالَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ: إِلَى الاصْفِرَارِ) هو الْمَشْهُورِ، وروي أن وقتَهما إلى الغروب، وقال ابن حبيب وابن وهب، وقيل إلى الغروب في حق المضطر، وإلى الاصفرار فيما سواه.

وعلى الْمَشْهُورِ فيُعيد- في المغرب والعشاء- الليلَ كلَّه، نص على ذلك في المدونة؛ إذِ الإعادةُ كالنَّفْلِ، ولا تُكره النافلة بعد نصف الليل، وعلى هذا فيكون للظهر ثلاثةُ أوقات: اختيارٌ إلى آخِرِ القامَةِ، واستدراكُ فضيلةٍ- كمسألتنا- إلى الاصفرار، وضرورةٌ إلى الغروب.

ص: 53

فائدة:

ثمانُ مسائلَ المذهبُ فيها الوجوبُ مع الذُّكْرِ، والسقوطُ مع النسيانِ: إزالةُ النجاسةِ، والنضحُ، والموالاةُ في الوضوء، وترتيبُ الصلاة، والتسميةُ في الذبيحة، والكفارةُ في رمضانَ، وطوافُ القدوم، وقضاءُ التطوعِ مِن صلاةٍ وصيامٍ واعتكافٍ، أَعنى إذا قُطِعَتْ عمداً مِن غيرِ عذرٍ لَزِمَ القضاءُ، وإِنْ كان لعُذْرٍ لم يَلْزَمْ، وسيأتي ذلك في بابه مُبَيَّناً إن شاء الله تعالى.

سؤالُ أَوْرَدَه ابنُ دقيقِ العيد: ما الفرقُ بينَ مَن صَلَّى بنجاسةٍ فإنه يُعيد ما لم تصفرَّ الشمسُ كما تقدم، وبين مَن نَسِيَ الصبحَ حتى صلى الظهرَ، فلْيُصَلِّها، ويُعيد الظهرَ إلى الغروبِ؟

وجوابُه: أَنَّ المطلوبَ في الترتيبِ آكَدُ منه في إزالةِ النجاسةِ فلذلك زِيدَ في وقتِ الإعادةِ للترتيب، أَلا تَرى أنه- عِنْدَ ضِيقِ الوقت- تُقَدَّمُ الفائتةُ وإِنْ خَرج وقتُ الحاضرةِ؟ ولو ضاقَ الوقتُ عَن غسلِ النجاسةِ صَلَّى بها؟ وأيضاً فإنه يُغتفر مِن النجاسة اليسيرُ، ولأن ابنَ رشد حَكَى عن المَذْهَبِ أنّ الإزالةَ سُنة كما تقدم.

وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ كَالْجُرْحِ يَمْصُلُ وَالدُّمَّلِ تَسِيلُ فِي الْجَسَدِ وَالثَّوْبِ، فَإِنْ تَفَاحَشَ اسْتُحِبَّ، بِخِلافِ مَا يَنْكَأُ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ .....

لما ذكر أن إزالةَ النجاسةِ واجبةٌ- ولم يفصل بين نجاسةٍ ونجاسةٍ- أَعْقَبَهُ بهذا الفَصْلِ لِيُعْلَمَ أنّ بعضَ النجاسةِ يُعفى عنها.

و (فِي الْجَسَدِ وَالثَّوْبِ) متعلقٌ بيمصل، أي: أن الدم الذي يسيل مِن الدُّمَّلِ مِن غيرِ نَكْإِ يُعفى عنه لعُسر الانفكاكِ عنه حينئذٍ، بخلاف ما يَنكأُ فلا يُعْفَى عنه؛ لأنه مختارٌ للصلاةِ بالنجاسةِ.

ويقال نَكَاتُ الجُرْحَ: أي قَشَرْتُهُ.

ص: 54

ابنْ عبد السلام: وهذا- والله أعلم- في الدُّمَّلِ الواحدِ، وأما إذا كَثُرَ كالجَرَبِ فإنه مُضطرٌّ إلى نَكْئِها.

وَالْمَرْأَةِ تُرْضِعُ وَتَجْتَهِدُ، وَاسْتَحَبَّ لَهَا ثَوْباً لِلصَّلاة

(الْمَرْأَةِ) عطف على (الدُّمَّلِ) وكذلك ما بعده، أي: وعُفِي عمَّا يُصيب ثوبَ المرضِعِ وبدنَها بعد أن تجتهد. واستحبَّ لها مالكٌ ثوباً للصلاةِ، ولم يَقُلْ ذلك في صاحبِ الدُّمَّلِ، ولعل ذلك لأن سببَ عُذْرِ الأَوَّلِ متصلٌ.

خليل: وهذا ظاهرٌ إذا كان ولدَها، أو غيرَه واحتاجتْ، أو كان لا يَقبل غيرَها، فأما مع عدمِ الحاجة فلا.

وَالأَحْدَاثِ تَسْتَنْكِحُ

أي: تكثر، وهي مثلُ الدُّمَّلِ.

وَبَوْلِ الْفَرَسِ لِلْغَازِي

يعني: إذا لم تَجِدْ مَن يَقوم به لضرورتِه إلى ملازمتِه، كذا قال في العتبية [9/ب] قال: وسُئل عن الفرسِ في مثل الغزو والأسفار يكون صاحبُه يمسكُه فيبولُ فيصيبُه بولُه؟ قال: أما في أرضِ الغزوِ فأرجو أن يكون خفيفاً إذا لم يُمسكه له غيرُه، وأما في أرض الإسلامِ فليَتَّقِهِ جُهْدَه، ودينُ الله يُسْرٌ.

فرع:

سُئل سحنونٌ عن الدوابِّ تَدْرُسُ الزرعَ فتبولُ فيه؟ فخَفَّفَه للضرورةِ، كالذي يكون في أرض العدو ولا يَجِدُ مَن يُمْسِكُ فَرَسَه.

ص: 55

قال في البيان: وإنما خَفف ذلك مع الضرورة للاختلاف في نجاستها، كما خفف المشي على أرواث الدواب وأبوالها في الطرقات- مع الضرورة إلى ذلك- من أجل الاختلاف في نجاستها.

وَبَلَلِ الْبَوَاسِيرِ وَعَمَّا أَصَابَ يَدَهُ مِنْ رَدَّهَا إِنْ كَثُرَ

البواسيرُ جمع باسُورٍ.

عياض: ويقال باسُورٌ وناسُورٌ، ومعناهما متقاربٌ، إِلَاّ أنه بالنونِ عجميٌّ، وبالباء عربيٌّ.

قاله الزُّبيديُّ، وهو بالباءِ وَجَعٌ بالَمقْعَدَةِ وتَوَرُّمُها مِن الداخل وخروجُ الثَّوَاليلِ هناك، وبالنون انقطاعُ عروقِها وجريانُ مادَّتِها. انتهى.

وفاعلُ (كَثُرَ) ضميرٌ عائد على الرَّدِّ، ولا يَصِحُّ أن يكون عائدا على المصيب؛ إذ لو كَثُرَ مِن غيرِ تَكَرُّرِ لوَجَبَ غَسْلُهُ لعدمِ المشقةِ.

وَعَنْ يَسِيرِ عُمُومِ الدَّمِ بِخِلافِ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ مَا لَمْ يَرَهُ فِي الصَّلاةِ، وَرُوِيَ: يَسِيرُ الْحَيْضِ كَكَثِيرِهِ. وَقِيلَ: وَدَمُ الْمَيْتَةِ. وَفِي يَسِيرِ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ قَوْلانِ .....

يعني: أنه يُعفى عن سائرِ الدماء، ولو وصل إليه من خارجٍ على ظاهرِ المذهب، وروى بعضُهم أنه إنما يُعفي عما كان مِن جسم الإنسان، وأمَّا ما وصل إليه مِن خارجٍ فيُغسلُ كالبولِ.

اللخمي: واختلف في الدمِ اليسيرِ يكونُ في ثوبِ الغيرِ ثم يلبسه الإنسانُ؛ لإمكانِ الانفكاكِ عنه. انتهى. قال سند: ما أُرَاهُ قاله إلا مِن رأيه، وفيه نظرٌ. ففي الجواهرِ يُعْفَى عنه إذا كان من بَدَنِه، وإنْ أصابه مِن بدنِ غيرِه، ففي العفوِ قولان، ذكره في كتاب الصلاة.

ص: 56

قوله: (بِخِلافِ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ) أي: فلا يُعفى عن يسيره، وهو ظاهرُ المدونة، وحكى عياضٌ في الإكمال عن مالك اغتفارَ ما تَطايَرَ مِن البَوْلِ كرؤوسِ الإِبَرِ، ثم اغتفارُه يحتمل أن يكون عامّاً في كل يسيرٍ مِن البول، ويحتمل أن يكون عندَ بولِه فقط، لأنه محلُّ الضرورة لتكرارِه.

فرع:

وأَمَّا يسيرُ البولِ والعذرةِ يَتعلق بالذُّبابِ ثم يَجلس على المَحَلِّ فيُعْفَى عنه، قاله سندٌ.

وقوله: (وَقِيلَ: يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ مَا لَمْ يَرَهُ فِي الصَّلاةِ) أي، أنه اختُلف في يسيرِ الدم، هل يُغتفر مطلقاً، ويصيرُ كالمائعِ الطاهر، أو اغتفارُه مقصورٌ على حالِ الصلاة فلا تُقطع الصلاةُ لأجلِه إذا ذكره فيها.

وهذا الثاني هو مذهبُ المدونة. وأما القولُ الأَوَّلُ فهو قول الداوُدي، وعُزِيَ للعراقيين. ابن عبد السلام: واعتُرض على المؤلفِ في تقديمِه غيرَ مذهبِ المدونة، وعليه فيكون الأمرُ بالغَسل- قبل الدخول في الصلاةِ- أمرَ ندب؛ لما نُقل عن ابن يونس عن مالك في العتبية أنه قال: كل ما لا تُعاد الصلاة منه بعد أن صُلي به يُكره للمرءِ أن يُصلي به، وإنْ ذكر وهو في الصلاة لم تَفْسُدْ عليه صلاتُه، مثل أنْ يُصلي الرجلُ بالماء الذي وَلَغَ فيه كلبٌ، أو يُصلي بالدم القليل، وما أشبه هذا. انتهى.

وكذلك نقل الباجي، فإنه قال: الدماءُ ثلاثة أقسام: يَسِيرٌ جِدّاً فلا يَجب غَسلُه ولا يمنعُ الصلاة، وكثيرٌ أكثرُ منه يَجِبُ غسله ولا يَمنع الصلاةَ، وهو قَدْرُ الأُنْمُلَةِ والدَّرْهَمِ، وكثيرٌ جداً يجب غسلُه ويمنعُ الصلاةَ.

وقوله: (وَرُوِيَ: يَسِيرُ الْحَيْضِ كَكَثِيرِهِ) وهذا راجعٌ إلى أصل المسألةِ، أي أنَّ في العفو عن يسير الدم ثلاثةَ أقوالٍ: الأوَّلُ: وهو الْمَشْهُورِ العفوُ مطلقاً. والثاني: قولُ ابن حبيب ورواه ابن أَشْرَسَ عن مالك أنه لا يُعْفَى عن يسيرِ دمِ الحيضِ؛ لكونه يَمُرُّ على مَمَرِّ البَوْلِ. والثالث: قولُ ابن وهب وابنُ حبيب وزاد عليه دمَ الميتةِ.

ص: 57

وأكثرُ النُّسَخِ على ما ذكرناه مِن قول: (وَرُوِيَ: يَسِيرُ الْحَيْضِ كَكَثِيرِهِ) وفي بعض النسخ: (وروي يسير الحيض كغيره) أي: كغير اليسير وهو الكثير.

وقوله: (وَفِي يَسِيرِ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ قَوْلانِ) قال في المدونة: القيحُ والصَّدِيدُ مِثْلُ الدَّمِ. سند: يُرِيدُ في العفوِ عن يسيرِه، والقولُ بعدمِ العفوِ أيضاً عن مالك.

وَفِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ طَرِيقَانِ: ابْنُ سَابقٍ: مَا دُونَ الدِّرْهَمِ وَما فَوْقَهُ. وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَابَتَانِ. ابْنُ بَشِيرٍ: قَدْرُ الْخِنْصَرِ وَالدِّرْهَمِ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلانِ

أي: ما دون الدرهمِ يسيرٌ، وما فوقه كثيرٌ. وفي الدهم روايتان: روى ابن زياد في المجموعة أنه يسيرٌ، وقاله ابنُ عبد الحكم، وروى ابن حبيب في الواضحة أنه كثيرٌ، هكذا نقل في النوادر، وكذلك نَقَلَ الباجي وغيرُه. وبه تعلمُ أن طريقةَ ابنِ بشيرٍ غيرُ صحيحةٍ.

ابنُ هارون: لأنه جَعَل الدرهم فيها كثيراً اتفاقاً. وليس كذلك؛ لثبوت الخلافِ في الدرهمِ، وقصورُ كلامِه ظاهرٌ.

ومنهم مَن رأى أن اليسارةَ والكثرةَ إنما يُرجع فيها إلى العُرْفِ، وهو ظاهرُ العتبية، لأنه قال فيها: وسُئل عن وَقْتِ الدمِ، فقال: ليس به عندنا وَقْتٌ. فقيل له: أفقليلُه وكثيرُه سواءٌ؟ فقال: لا، ولكن لا أُجيبُكم إلى هذا الضلالِ، إذا كان مثلَ الدرهمِ. ثم قال: الدراهمُ تَختلف.

ويُمكن أن يُجمع بين الطُّرق، فيقال: هل يُرْجَعُ إلى العادة أم لا؟ قولان. وعلى الثاني فالخنصِرُ يسيرٌ وما فوق الدرهمِ كثيرٌ، وفيما بينهما خلافٌ. والمرادُ بالدرهمِ الدرهمُ البَغْلِيُّ. أشار إليه مالكٌ في العتبية، ونص عليه ابنُ رشد ومجهولُ [10/أ] ابن الجلاب، أي: الدائرةُ التي تكون في بياض الذراعِ من البَغْلِ.

ص: 58

والخنصرُ قال مصنفُ الإرشاد في العمدة: والمرادُ- والله أعلم- مساحةُ رأسِه لا طولُه، فإن طولُه أكثرُ من الدرهم. وقال مجهولُ ابن الجلاب: يَعنون به الأُنْمُلَةَ العُلْيَا. وقال ابن هارون: المرادُ بالخنصرِ عند مَن اعتبره إذا كان مطويا.

وَعَنْ دَمِ الْبَرَاغِيِثِ غَيْرِ الْمُتَفَاحِشِ النَّادِر

أكثرُ الناسِ لم يزيدوا القيدَ الأخير الذي ذَكَرَهُ المصنفُ، وكأنَّ المصنفَ زَادَه لكونِ المتفاحش لم يُحَدَّهُ أصحابُنا، وإنما أَحالُوه على العُرْفِ، وظاهرُ كلامِ ابنِ أبي زيدٍ وجوبُ غَسلِه إذا تفاحَشَ؛ لقوله: ودم البراغيت ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش.

ابن عبد السلام: وجرتْ عادةُ المذاكِرِينَ بمعارضةِ هذه المسألةِ بمسألةِ الدملِ والجرحِ؛ لأنهم يقولون فيها: فإِنْ تَفَاحَشَ استُحِبَّ غَسْلُه. ومنهم مَن يَرى الحُكْمَ متساوياً، ومنهم مَن يُفَرِّقُ بسرعةِ التفاحشِ في الدملِ. انتهى.

وهذه المعارضةُ إنما تأتي إذا بَنَيْنَا على أنه واجبٌ. ورأيت في نسخةٍ من التهذيب: ولا يُغْسَلُ مِن دمِ البراغيثِ إلا ما تَفَاحَشَ فيُستحب غسلُه.

وتكلَّم عليها أبو الحسن، وعلى هذا فلا معارضةَ أصلاً لمساواة المسألتين.

وقال المتيويُّ بعد قول ابن أبي زيد: ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش. يُريد: فيُستحبُّ له غَسله. وذكر مصنف الإرشاد في العمدة قولين إذا تفاحش: بالوجوب والاستحباب. وكذلك نَقَلَ اللخمي.

وَعَنْ أَثِر الْمَخْرَجَيْن

أي: أنه لا يُكَلَّفُ بغسلِهما بل يَمْسَحُ، والغَسْلُ أفضلُ. ولا يُريد به ما وَصَلَ إلى الثوبِ؛ لأنه يَذكر ذلك الفرعَ بعد هذا.

ص: 59

وَعَنِ الْخُفِّ والنَّعْلِ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابُّ وَأَبْوَالِهَا يَدْلُكُهُ وَيُصَلِّي بهِ لِلْمَشَقَّةِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ لِلْعَمَلِ بِخِلافِ غَيْرِهمَا كَالْعَذِرَة .....

يعني: ويُعْفَى عما يُصيب الخفَّ والنعلَ مِن أرواثِ الدوابِّ وأبوالها؛ لمشقة الاحترازِ منها في حقِّ الماشي في الطرقاتِ.

وقوله: (يَدْلُكُهُ) بَيَّنَ أَنَّه لا يُعفى عنه على الإطلاق، ثم بيَّن السببَ المقتضي للعفوِ- وهو المشقةُ- ونَبَّهَ- رحمه الله تعالى- على أن المرضِيَّ عنده في سببِ العفوِ ما ذكره لا ما ذَكَرَ غيرُه مِن كون هذه الأرواثِ مختلَفاً في نجاستها.

وقوله: (وَإِلَيْهِ رَجَعَ) يعني: أن قولَ مالكٍ اختلف، فكان أوّلاً يقول بعدمِ العفو وأنه لا بُدَّ من الغَسل، ثم رجع إلى العفوِ لِعَمَلِ أهلِ المدينةِ.

وفي المذهب قول ثالث لابن حبيبٍ بالعفو عن الخفِّ دُونَ النَّعْلِ، وسيذكره المصنف.

وقوله: (بِخِلافِ غَيْرِهمَا) أي: غير الأبوالِ والأرواثِ، فلا يُعفى عنه كالعذرة والدم، ولابد من غسله. انتهى.

تنبيه:

نص سحنونٌ على أن العفوَ خاصٌّ بالمواضعِ التي تكثر فيها الدواب، وأما ما لا تكثر فيه الدواب فلا يُعفى عنه.

فَلِذَلِكَ يَخْلَعُهُ الْمَاسِحُ الْذِي لا مَاءَ مَعَهُ وَيَتَيَمَّمُ. ابْنُ حَبيبٍ: عُفِيَ عَنِ الْخُفِّ لا النَّعْلِ. وَفِي الرِّجْلِ مُجَرَّدَةً قَوْلانِ .........

أي: ولأجل أن ما عدا أرواث الدواب وأبوالِها لا يُعْفَى عنه لَزِمَ الماسحَ الذي لا ماء معه خلعُ الخُفُّ، ويتيمم إذا أصابه شيءٌ مِن ذلك، ولو كان مؤدياً إلى إبطال الطهارةِ المائيةِ والانتقالِ إلى الطهارةِ الترابيةِ. قال ابن راشد: وحكاه مطرفٌ عن مالك، يُريد أن

ص: 60

الوضوء له بَدَلٌ، وغَسْلُ النجاسة لا بَدَلَ له. ونقله المازريُّ عن أصبغَ، وأَخذ منه تقديمَ غَسل النجاسة على الوضوء في حقِّ مَن لم يَجِدْ مِن الماءِ إلا ما يَكفيه لإحدى الطهارتين.

ابن عبد السلام: وأظن أني رأيتُ لأبي عمران أنه يَتوضأ ويُصلي بالنجاسة، وكان بعض أشياخي ينقله عنه أيضاً، ويحتج بأن طهارةَ الخبثِ مختلفٌ في وجوبِها بخلاف طهارةِ الحدثِ، والمتفقُ على وجوبِه أولى بالتقديمِ، وهو الظاهرُ.

ابن هارون بَعْدَ أنِ استشكل ما ذكره المصنفُ، وذَكَرَ ما ذَكَرَه ابن عبد السلام بحثاً، ولم ينقله عن أحدٍ، قال: ويحتمل أن يَجري على اختلافهم فيمن عليه نجاسةٌ ومعه من الماء ما يَتوضأ به خاصة، أو يُزيل به النجاسة خاصة، فقد قيل: يُزيلها ويتيمم. وقيل: يتوضأ به ويُصلى بالنجاسة للاختلاف فيها.

وأما الرِّجْلُ المجرَّدَةُ فقال الباجي: لا نَصَّ فيها. قال: وعندي أنه يجوز فيها المسحُ؛ لأن العلةَ في المسحِ التكرارُ وعدمُ خُلُوِّ الطُرُقَاتِ منها.

ويجوز أن يقال: يَجب غَسلها؛ لأنها لا تفسُد بخلافِ الخفِّ. وحكى ابن بشير قولين للمتأخرين فيمن دَعَتْه ضرورةٌ إلى المشيِ حافياً. وحكى ابنُ شاس والقرافي في الذخيرة الثلاثةَ.

وَعَنْ طِينِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَنْقِعِ فِي الطُّرُقِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا الْعَذِرَةُ، وَقَالَ: مَا زَالَتِ الطُّرُقُ وَهَذَا فِيهَا، وَكَانُوا يَخُوضُونَ طِينَ الْمَطَرِ وَيُصَلُّونَ، وَلا يَغْسِلُونَهَ. وَفِي عَيْنِ النَّجَاسَةِ فِيهِ قَوْلانِ .....

قال شيخنا: نحوُ المطر هو ماء الرَّشِّ الذي في الطرقات. قال عياض: والمستنقِع بكسر القاف. وما قاله عن المدونة هو كذلك فيها، قال: وإن كان فيه العذرةُ والدمُ.

ص: 61

قال ابن أبي زيد: يُريد ما لم تكُنْ غالبةً أو تكُنْ لها عينٌ قائمةٌ. قال ابن بشير: يحتمل أن يكون تفسيراً، ويحتمل أن يبقي الكتاب على ظاهره، وأنه في المدونة عفي عنه، وإن كان غالباً أو عينهُ قائمةً إذا تساوتِ الطرقاتُ في وجودِ ذلك فيها، وكان لا يمكن الانفكاكُ عنه.

وقال المازري بعد [10/ب] كلام أبي محمد: وقد تأولَ بعضُ الأشياخِ المتأخرين أن النجاسةَ وإذا كانت تخفى عينُها، ولا يُقطع بعلوقها في الجسم والثوب، فإنه يُعفى عنها في مثلِ هذا، فإذا تحقق عُلوقها فلا يُعفى عنها، وكأنه يرى أن الشكَّ مع الضرورة غيرُ معتبر. انتهى. ابن راشد: وهذه المسألةُ على أربعةِ أوجهٍ: أحدُها أن يتساوى الاحتمالان في وجودها وعدمِها، فهذا يُصَلَّى به على ما قاله في المدونةِ لترجيح الطهارةِ بالأصلِ.

الثاني: أن يترجح احتمالُ وجودِها، فهذا يُصلى به- على ما في المدونة- ترجيحاً للأصل، ويَغسله على رأي أبي محمد ترجيحاً للغالب.

والثالث: أن يُتَحَقَّقَ وجودُها، ولكن لا تَظهر لاختلاطِها بالطين، وظاهرُ المدونة أيضاً أنه يُصَلِّي به، ويغسله على رأي أبي محمد، وهو أحسنُ لتحققِ النجاسةِ. ونحوه للباجي.

الرابع: أن تكون لها عينٌ قائمةٌ، فههنا يجبُ غسلُها. انتهى.

وقوله: (وَإِنْ كَانَ فِيهَا الْعَذِرَةُ) يحمل على الصورتين الأولتين.

وقوله: (وَفِي عَيْنِ النَّجَاسَةِ فِيهِ قَوْلانِ) يُحمل على الثالثة. وأما الرابعة فلا يُعلم فيها خلافٌ، ويَبْعُدُ وجودُ الخلاف فيها. وهكذا كان شيخنا يقول، وبه يترجح ما قاله ابن عبد السلام هنا، فإنه قال: معنى قوله: (وَفِي عَيْنِ النَّجَاسَةِ فِيهِ قَوْلانِ) إذا كانت قائمةَ العينِ، ولا يُريد غيرَ قائمةِ العين، وإلا لنَاقَضَ قولَه:(وَإِنْ كَانَ فِيهَا الْعَذِرَةُ) ثم اعتُرض عليه بأنه خلافُ ما نَصُّ عليه الشيوخُ، ولا يُعْلَمُ قولٌ بالعفو في ذلك. قال: وإِنْ أَرَادَ بهذا القولِ ما قاله بعضُ المتأخرين من أنه يُعفى عنه إذا غَلَبَ على الطُّرُقِ، وهو بهذا الصفة،

ص: 62

أعني كون النجاسة قائمةً أو غالبةً، فإنه ليس بخلافٍ. ولو سُلِّم أنه خلافٌ لم يكن قولاً مطلقاً، وإنما يكون بشرطِ غلبتِه على الطُّرُقِ، لا باعتبارِ طريقٍ معينٍ. انتهى.

فرع:

قال في العتبية. وسئل مالك عن الرَّجُلِ يَمُرُّ تحت السقائفِ فيقعُ ماؤها عليه. قال: أراه في سَعَةٍ ما لم يتيقن بنجسٍ. زاد في سماع عيسى، وإِنْ سألهم فقالوا: إنه طاهر فليُصَدِّقْهُم، إِلا أن يكونوا نَصَارَى فلا أَرَى ذلك.

قال ابن رشد: وهذا كما قال: إِنَّ النصارى يُحمل ما سال عليه مِن عندِهم على النجاسة، ولا يُصَدَّقون إن قالوا: إنه طاهرٌ. بخلاف المسلمين.

وَلَوْ عَرِقَ مِنَ الْمُسْتَجْمِرِ مَوْضِعُ الاسْتِجْمَارِ فَقَوْلان

أي: هل يعفى عن ذلك العَرَقِ في الثوبِ؟ وستأتي هذه المسألة.

وَالْمَرْهَمُ النَّجِسُ يُغْسَلُ عَلَى الأَشْهَر

أي: إذا عمل المرهم مِن عِظام الميتة، أو مِن شيءٍ نجس، وطُلي به الجُرح، فهل يُعفى عنه لمشقَّةِ غَسلِه مِن الجرحِ- وهو قولُ ابن الماجشون- أو لا يُصلي به حتى يَغسله، وهو الْمَشْهُورِ؛ لأنه أَدْخَله على نَفْسِه، فكان لو نَكَأَ القُرْحَةَ. انتهى.

وَالنَّجَاسَةُ عَلَى طَرَفِ حَصِيرٍ لا تُمَاسُّ لا تَضُرُّ عَلَى الأَصَحِّ. وَنَجَاسَةُ طَرَفِ الْعِمَامَةِ مُعْتَبَرَةٌ. وَقِيلَ: إِنْ تَحَرَّكَتْ بحَرَكَتِه

إنما كان الأصحُّ في الحصير عدمَ الاعتبار؛ لأنه إنما صلى على مكان طاهر، وهو المطلوب. ونقله صاحبُ النُّكَتِ عن غيرِ واحدٍ من شيوخه، قال: ومنهم مَن ذهب إلى مراعاةِ تحركِ النجاسةِ، وليس بصحيحٍ. وهذا مقابل الأصح، والله أعلم.

ص: 63

وقوله: (وَنَجَاسَةُ طَرَفِ الْعِمَامَةِ مُعْتَبَرَةٌ) أي: أن الأظهرَ اعتبارُ نجاسةِ طرفِ العمامة إذا صلى بطرفها، والطرفُ الآخر مُلقى بالأرض وبه نجاسة؛ لأنه في معنى الحامل للنجاسة.

وَعَنِ السَّيْفِ الصَّقِيلِ وَشِبْهِهِ يُمْسَحُ لانْتِفَائِهَا أَوْ لإِفْسَادِهِ وَلا يَلْحَقُ بهِ غَيْرُهُ عَلَى الأَصَحُّ ......

قال في الجواهر: إذا مَسح السيفَ أو المُدْيَةَ الصَّقِيلَيْنِ أَجْزَأَ عن الغَسل، لما في الغَسل مِن إفسادِهما، وقيل: لأنه لم يَبْقَ مِن النجاسة شيءٌ. قال: والْمَشْهُورِ الاعتمادُ العِلة الأولى.

واحتَزر بالصقيل مِن غيرِه، فيجب غسلُه لبقاءِ بعضِ النجاسةِ؛ ولأن الغَسل حينئذٍ لا يُفسدُه.

وقوله: (وَشِبْهِهِ) كالمدية والمرآة، قاله القاضي أبو بكر. وقد اتضح لك أن قوله:(لانْتِفَائِهَا أَوْ لإِفْسَادِهِ) علتان على القولين، وتظهر ثمرةُ الخلافِ في الخلافِ في الظُّفْرِ وشبهِه لانتفائِها؛ إذ لا يفسُد. وقيّد بعضُهم العفوَ بأنْ يكون الدمُ مباحاً كما في الجهاد والقِصاصِ، ولا يُعفى عن دم العدوان، وأكثرُ أمثلتهم في السيف إِنَّما هو في الدم، فيحتمل ألا يُقْصَرَ الحكمُ عليه، ويحتمل القصرَ لأنه الغالبُ مِن النجاسة الواصلة إليه.

ومقتضى قولِ المصنفِ وابنِ شاس أنه لا يُعفى عن السيف إلا بعدَ المسحِ، وكذلك قال غيرُهما. ونقله الباجي عن مالك.

ابن راشد: وهو قول الأبهري، وعزاه اللخمي لعبد الوهاب، وابن شاس لابن العربي، والذي نقله في النوادر عن مالك وابن القاسم خلافُه، ولفظُه: قال مالك: ولا بأسَ بالسيفِ في الغزو وفيه الدمُ أن لا يغسل. قال في المختصر: ويُصَلَّى به. قال عيسى في روايته عن ابن القاسم عن مالك: مسحه من الدم أو لم يَمْسَحْه. قال عيسي: يريد في الجهاد أو في الصيد الذي هو عيشه. انتهى.

ص: 64

وقوله: (وَلا يَلْحَقُ بهِ غَيْرُهُ عَلَى الأَصَحُّ) كالثوب والجسد، والقولان للمتأخرين.

ابن العربي: والصحيح وجوب الغسل.

وَعَنْ مَاسِحِ مَوَاضِعِ [11/أ] المْحَاجِمِ وَفِيهَا: يُؤْمَرُ بِغَسْلِهَا وَيُعيد فِي الْوَقْت

أي: أن ماسح المحاجم يَكتفي في تطيرها بالمسح ِلما يتضررُ به المحتَجِمُ من وصولِ الماء لمحلِّ الحجامة، ومقتضى كلامُه أنه لا يُؤمر بغسلِها أصلاً؛ لأن ما بقي بعد المسح يَصير مَعْفُوّاً عنه لمقابلةِ ذلك بقوله:(وَفِيهَا: يُؤْمَرُ بِغَسْلِهَا) ووَصْلِه به (فِيهَا) قولَ يحيى بن سعيد: وكذلك العِرْقُ يُقْطَعُ. أي: الفَصْدُ. وليس مرادُه في المدونة أنه يُؤمر بالغسلِ إثر الحجامةِ أو الفصدِ؛ لأن ذلك مؤدٍّ إلى غاية الضرر، وإنما يَعني به بعد برء المحلِّ. ومذهبُ المدونة أظهرُ؛ لأن الأصل أن النجاسة لا تُزالُ إلا بالماء المطلق، وقد انتفى العذرُ، لكنَّ أمرَه بالإعادة في الوقت على خلافِ الأصل، إذ لم يفرق بين العامد وغيره، فتأوَّله ابنُ يونس على النسيان. وحكاه أبو عمران عن أبي محمد. وقيل: ليسارةِ الدم في نفسه واتساع محله أخذ شبهاً من اليسير والكثير، فيُحكم له بالإعادة في الوقت ولو مع العمد. وهو تأويل أبي عمران.

وَالْمَشْهُورِ أَنَّ ذَيْلَ الْمَرْأَةِ الْمُطَالَ لِلسَّتْرِ يُصِيبُهُ رَطْبُ النَّجَاسَةِ لا يَطْهُرُ بِمَا بَعْدَهُ

روى مالك وأبو داود وابن ماجه أن امرأةً سألتْ أمَّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت لها: إني امرأةٌ أُطيلُ ذَيلي وأَمشي في مكانٍ قذرٍ. فقالت أم سلمة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يُطَهِّرُهُ ما بَعْدَهُ".

واختلف هل هذا عام سواء مشت على نجاسة رطبة أو يابسة؟ من نظر إلى ظاهر الحديث قال: يطهر مطلقاً لقوله عليه السلام: "يطهره ما بعده". ومَنْ نَظَرَ إلى المعنَى حَمَلَه عَلَى القَشْبِ اليابسِ، وهو الْمَشْهُورِ. وحمل الباجي الحديثَ على ما إذا لم تُتَيَقَّنِ النجاسة،

ص: 65

قال: لأن النجاسة لا تنفك عن الطرقات، كطين المطر الذي لا يخلو عن النجاسة، لكن يُعفى عنه ما لم تظهر عينُ النجاسة فيه.

فرع:

وسئل مالك في العتبية عن الذي يتوضأ ثم يمشي على الموضعِ القذرِ الجافُّ. قال: لا بأسَ به، قَدْ وَسَّعَ اللهُ على هذه الأُمَّةِ. وقيده ابن اللباد بما إذا مشى بعد ذلك على محل طاهرٍ، كهذه المسألة.

ونقل المازريُّ في تأويل ما وقع في العتبية ثلاثةَ تأويلات للأشياخٍ: أحدها ما ذكرناه عن ابن اللباد. وثانيها: إنما هذا لأن الماشي لا تكاد تستقر رجله على النجاسة استقراراً ينحل معه قَدْرٌ له بالٌ يتعلق بالرِّجْلِ. ثالثها: أنَّ الماء يَدْفَعُ عن نفسه ولا ينجسه إلا ما غَيَّرَه، ولا يَكادُ يَنْحَلُّ مِن النجاسة ما يُغَيِّرُ أجزاءَ الماءِ الباقيةَ بالرِّجْلِ.

وَلا يَكْفِي مَجُّ الرِّيقِ فَيَنْقَطِعُ الدَّمُ على الأَصَحّ

لأن النجاسة لا تُزال إلا بالماء المطلق.

وَلا يَمَصُّهُ بفِيهِ ثُمَّ يَمُجُّهُ، وَالْيَسِيرُ عَفْوٌ

الفرع الأول: فيما إذا كان الدم في نفس الفم، والثاني: فيما إذا كان في غير الفم، وكونُ اليسير معفوّاً عنه ظاهرٌ، ولا حاجةَ إلى ذِكْرِه.

وَلا تُزَالُ النَّجَاسَةُ إِلا بِالْمَاءِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: وَبنَحْوِ الْخَلِّ. وَالاسْتِنْجَاءُ يَأتِي. وَأَمَّا الْحَدَثُ فَالْمَاءُ باتِّفَاقٍ ........

أي: أن الْمَشْهُورِ أن النجاسة لا تُزال إلا بالماء المطلق. وقيل: تزول بكل مائع قَلَاّعٍ كالخَلِّ. وتبع المصنفُ في هذا ابنَ بشير. وإنما حكَى في النوادر الخلافَ في الماءِ المضافِ. وذكرَ المازريُّ أنّ اللخميَّ ذَكَرَ خلافاً في إزالة النجاسةِ بالمائعِ، قال: وأُراه إنما أخذه من

ص: 66

قول ابن حبيب: إذا بصق دماً ثم بصق حتى زال أنه يَطْهُرُ. ورَدَّهُ بجوازِ أن يكون ابن حبيب إنما عَفَا عن هذا ليسارتِه. ومعنى (لا تُزَالُ النَّجَاسَةُ إِلا بِالْمَاءِ) أي: لا يُزال حكمُها، وإِلَاّ فعَيْنُها تُزَالُ بغير المطلق اتفاقاً.

فرع:

وإذا زالت عينُها بغير المطلق فذلك الثوبُ لا تجوز الصلاةُ به على الْمَشْهُورِ. وعليه فهل يَنْجُسُ ما لاقاه؟ قولان. والأكثرون على عدمِ التنجيس إِذِ الأَعْرَاضُ لا تنتقل، وعلى هذا الخلاف اختلف الشيخان القابسي وابن أبي زيد: إذا دَهَنَ الدَّلْوَ الجديدَ بالزيتِ واستَنْجَى منه فإنه لا يجزئه. فقال القابسي: ويَغسل ما أصابَه مِن الثياب. وقال ابن أبي زيد: يُعيد الاستنجاءَ دون غَسْلِ ثيابه. ومن هنا يتحقق لك أن المذهبَ سَلْبُ الدهنِ للطهوريةِ.

وقوله: (وَالاسْتِنْجَاءُ يَاتِي) جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ، كأن قائلاً يقول له: كيف تقول أن النجاسةَ لا تُزال إلا بالماء، وحكمُ النجاسة التي على المخرجين تُزال بالحَجَرِ، فأجاب بأنه سيأتي.

وقوله: (وَأَمَّا الْحَدَثُ فَالْمَاءُ باتِّفَاقٍ) أي: فاتُّفِقَ على اعتبارِ المطلقِ فيه كما ذكر المصنفِ.

وَغَيْرُ الْمَعْفُوِّ إِنْ بَقِيَ طَعْمُهُ لَمْ يَطْهُرْ، وَإِنْ بَقِيَ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ لِعُسْرِ قَلْعِهِ بِالْمَاءِ فَطَاهِرٌ

تقدم من كلامه ما يدل على أن النجاسة قسمان: معفو عنه، وغير معفو عنه. فالمعفوُّ عنه لا كلامَ فيه، وأما ما لا يُعفى عنه فلا بد مِن تطهيره بالماء كما أشار إليه المصنفُ، فإذا غُسِلَ وبَقِيَ طَعْمُه لم يَطْهُر؛ لأن بقاءَ الطعم دليلٌ على بقاءِ جزءٍ في المحلِّ، وإِنْ بَقِيَ اللونُ أو الرِّيحُ- وقَلْعُه مُتَيَسِّرٌ- فكذلك أيضاً. وإِنْ عَسُرَ قلعُه فيُحكم بطهارةِ المحلِّ، وينبغي أن يكون بقاءُ اللون أشدَّ مِن بقاءِ الريح.

ص: 67

وَالْغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ نَجِسَةٌ، وَغَيْرُ الْمُتَغَيِّرَةِ طَاهِرَةٌ وَلا يَضُرُّ بَلَلُهَا لأَنَّهُ جُزْءُ الْمُنْفَصِلِ

مرادهُ بالغُسالة ما غُسلت به النجاسة، ثم إن كانت متغيرةً فلا شكَّ في نجاستها، كان تغيرُها باللون أو بالطعم أو بالريح، وإن كانت غيرَ متغيرةٍ فطاهرةٌ، ولا يَضر ما بقي بَعْدَ زوالِ الغُسالة الطاهرةِ. فإنَّ ما بقي بعضُ ما نزل، والنازلُ بالفرض طاهر، وهو معنى قوله:(وَلا يَضُرُّ بَلَلُهَا لأَنَّهُ جُزْءُ الْمُنْفَصِلِ) أي جزؤه قبلَ الانفصال، وصرح ابن شاس بأنه لا يلزم عصرُ [11/ب] الثوب لما ذكرناه. وهل يَجوز رفعُ الحَدَثِ بهذه الغُسالةِ أم لا؟ أجراه ابنُ العربي على الماء القليلِ تَحُلُّه النجاسةُ ولم تُغَيِّرْهُ.

ابن عبد السلام وابن هارون: وفيه نظر؛ إِذْ لو كانت كذلك لكانت الغسالةُ مختلفاً فيها، ولم يذكروا فيها خلافاً فيما رأيناه. وفيه نظر.

وَإِذَا لَمْ يَتَمَيَّزْ مَوْضِعُهَا غُسِلَ الْجَمِيعُ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ كُمَّيْهِ عَلَى الأَصَحِّ

وَجَبَ غسلُ الجميعِ؛ لأنَّ غسلَ النجاسةِ واجبٌ، ولا يَتحقق إلا بغَسل الجميع، إِلَاّ أَنْ لا يجدَ مِن الماء ما يَعُمُّ الثوبَ، ويَضيق الوقتُ، فإنه يتحرى موضعَها. نص عليه في الذخيرة.

وأما الكُمَّانِ فلْيُعْلَمُ أولاً أنه إذا اشتبه عليه ثوبان أحدُهما نجسٌ والآخر طاهرٌ فالحكمُ أن يَتحرى أحدَهما على المذهب؛ لأنَّ الأصلَ في كلٍّ منهما الطهارةُ، ولا كذلك الثوبُ الواحدُ؛ لأن حكمَ الأصل قد بَطَلَ لتحققِ حصولِ النجاسةِ فيه، وعلى هذا فمنشأُ الخلافِ في الكمينِ هل هما كالثوبِ الواحدِ أو كالثوبين؟ ولهذا قال ابن العربي: لو أَفْرَدَ الكمين جاز له التحري إجماعاً. يعني على القولِ بالتحرِّي في الثوبين.

ص: 68

فَإِنْ شَكَّ فِي إِصَابَتِهَا نُضِحَ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ الثَّوْبِ يُجِنِبُ فِيهِ أَوْ تَحِيضُ فِيهِ وَنَحْوِهِ. قَالَ: وَالنَّضْحُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، وَهُوَ طُهُورٌ لِكُلِّ مَا يُشَكُّ فِيهِ. فَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ نَجَاسَةً فَقَوْلانِ. فَإِنْ شَكَّ فِيهِمَا فَلا نَضْحَ ....

لما تكلم على حكمِ النجاسةِ المحققةِ أَتْبَعَها بحكم النجاسةِ المشكوكِ فيها، وحاصلُ ما ذكره أن مسائلَ النضحِ على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٌ متفقٌ فيه على النضحِ، وقسمٌ مختَلَفٌ فيه، وقسمٌ اتفق فيه على سقوط النضح، أشار إلى الأول بقوله:(فَإِنْ شَكَّ فِي إِصَابَتِهَا نُضِحَ) أي: إذا تَحَقَّقَ النجاسةَ وشكَّ في الإصابةِ، ومَثَّلَ لهذا القسم إذا شك الجنبُ أو الحائضُ هل أصاب ثوبَهما شيءٌ أم لا؟ وهذا إذا كان الثوب مصبوغاً يَخْفَى أثرُ الدمِ فيه، فإن كان أبيضَ فلا أثرَ للاحتمال، وهو وهمٌ. قال معناه في الجلاب.

وقوله: (وَالنَّضْحُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ) استدلالٌ على إثباتهِ، أي: مقتضى الدليلِ سقوطُه، إذ الأصلُ الطهارةُ.

وأشار إلى القسم الثاني بقوله: (فَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ نَجَاسَةً فَقَوْلانِ) أي: إذا تحقق الإصابةَ وشك في النجاسة فقولان: أحدُهما لا شيء فيه؛ إذ الأصلُ الطهارةُ. وقال ابن شاس: وهو الْمَشْهُورِ. والثاني أن فيه النضحَ. رواه ابن نافع عن مالك، واستظهره بعضُهم قياساً على الشك في الإصابةِ بجامعِ حصولِ الشَّكِّ. وأيضاً فهو ظاهرُ قوله:(طُهُورٌ لِكُلِّ مَا يُشَكُّ فِيهِ).

وأشار إلى القسم الثالث بقوله: (فَإِنْ شَكَّ فِيهِمَا فَلا نَضْحَ) أي: شك في النجاسة والإصابةِ.

وذكر الباجي من أقسام الشكِّ قسماً آخر: وهو إذا تحقق النجاسةَ وشكَّ في الإزالةِ. قال: ولا خلافَ في وجوب الغَسْلِ؛ لأن النجاسةَ مُتيقنةٌ فلا يَرتفع حكمُها إلا بيقينٍ.

ص: 69

والنضحُ هو الرشُّ على المعروف. ونقل الباجي عن الداودي أنه غَمْرُ المحلِّ بالماءِ، وأنه نوعٌ من الغَسل. والمعروفُ أن النضحَ هو الرشُّ باليدِ، ونصَّ عليه سحنون. ونقل أبو الحسن الصغير عن سحنون أنه الرشُّ بالفم، قال سند وصاحب البيان: وظاهرُ المذهب وجوبُ النضح.

وَفِي النِّيَّةِ فِي النَّضْحِ قَوْلانِ

فوجهُ القولِ بالوجوبِ ظهورُ التَّعَبُّدِ، فإن الرشَّ يَنْشُرُ النجاسةَ. ووجهُ القولِ بسقوطِها أنه مِن بابِ إزالةِ النجاسةِ. قال ابن بشير وابن شاس: والقولان للمتأخرين. قال في البيان: وظاهرُ المذهب عدمُ افتقارِه للنية.

وَالْجَسَدُ فِي النَّضْحِ كَالثَّوْبِ عَلَى الأَصَحِّ. وَفِيهَا: وَلا يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ مِنَ الْمَذْيِ إِلا أَنْ يَخْشَى إِصَابَتَهُمَا. فَأُخِذَ مِنْهُ الْغَسْلُ ....

أي: أن الأصح في الجسد أنه كالثوب على التفصيل المتقدم، ومقابل الأصح أن الجسد يُغسل لعدم فساده. واستُقْرِئَ من المدونةِ من قوله:(وَلا يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ مِنَ الْمَذْيِ إِلا أَنْ يَخْشَى إِصَابَتَهُمَا) فإنَّ ظاهرَه أنه إذا خَشِيَ يغسلُهما، وهذا الاستقراءُ للباجي وغيره. وأجيب بأنه يجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً، أي: لكن إن خشي إصابتَهما وَجَبَ النضحُ؛ لقوله في المدونة: والنضحُ طهورٌ لكل ما يُشَكُّ فيه.

ومقتضى كلامِه في البيان أنّ المذهبَ وجوبُ غسلِ الجسدِ مع الشكِّ؛ لأنه قال بعد أنْ ذَكَرَ استقراءَ الغَسْلِ من مسألة المدونة المذكورة: وأصلُ ذلك أن ما شُكَّ في نجاسته مِن الأبداًن فلا يُجزئ فيه إلا الغسلُ بخلافِ الثيابِ، ومن الدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا استيقظ أحدكم .... " الحديثَ. فأَمَرَ بغسلِ اليد للشكِّ في نجاستها. وفي كتاب ابن شعبان أنه يُنضح ما شُكَّ فيه مِن الأبدانِ والثيابِ. انتهى.

ص: 70

وقال صاحبُ النكت وسندٌ: ظاهرُ المدونة الغسلُ في الجسد مع الشك. وذكر ابن شاس أن ظاهرَ المذهب مساواةُ الجسد للثوب، واعترض عليه صاحب الذخيرة بما ذكرناه عن عبد الحق وسند، وإنما قالا: ظاهر المدونة؛ لأنه لما نص على خصوص الجسد في الأُنثيين أَمَرَ بالغَسل، وإنما أُخذ النضحُ فيه مِن تعميمه بقوله: هو طهور لكل ما يشك فيه. وهو محتمِلٌ للتخصيص.

تنبيه:

اللفظ الذي ذكره المصنفُ عن المدونة هو الذي في الأمهات. وقال في التهذيب: إلا أن يصيبَهما منه شيء. واعترضه عبد الحق.

وَلَوْ تَرَكَ النَّضْحَ وَصَلَّى فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ: يُعيد كَالْغُسْلِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ....

قوله: (وَلَوْ تَرَكَ النَّضْحَ) يُريد والغسلَ، وأما لو تركه وغَسَلَ لجرى على الخلافِ فيمن أُمِرَ بمسحِ رأسِه وخفيه فغَسَلَ ذلك، والأقيسُ الإجزاءُ، وسيأتي. انتهى. وفي هذا التخريجِ نظرٌ.

وقوله: (كَالْغُسْلِ) يُريد كمَن تَرَكَ الغُسل مع تحققِ النجاسة.

وظاهرهُ يُعيد العامِدُ أبداً والناسي في الوقت، ونحوُه لابن حبيب. وأَلحق الجاهلَ بالعامدِ.

وفي المجموعة عن ابنِ القاسم فيمن تَرَكَ النضحَ: يُعيد في الوقت. وظاهرُه عمداً أو سهواً. وقال أشهب وابن نافع وابن الماجشون: لا إعادةَ عليه أصلاً. وعلله القاضي أبو محمد بأن النضحَ عندهم مستحبٌّ، وقد تقدم أن ظاهرَ المذهبِ خلافُه.

تنبيه:

قولُ ابن حبيب المتقدم: يُعيد الجاهل والعامد أبداً بخلاف الناسي. مقيدٌ في الواضحة بما إذا شك هل أصاب ثوبَه شيءٌ مِن جنابة [12/أ] أو غيرِها من النجاسة؟ قال: وأما إذا

ص: 71

وَجَدَ أثر احتلام فاغتسل وغسل ما رَأَى، وجَهِلَ أَنْ يَنْضَحَ ما لم يَرَ وصلَّى به- فلا إعادةَ عليه لِمَا صَلَّى. قال: ولكن عليه أن يَنضحه لما يَسْتَقْبِلُ. وقاله ابن الماجشون. قال: وقال: ليس هذا كالأول؛ لأن هذا لم يدخله الشكُّ فيما لم يَرَ كما دَخَلَ الأولَ، وإنما أُمِرَ بالنضحِ فيما لم يَرَ لتطيبَ النفسُ عليه. هذا معنى كلامه، وعلى هذا فيُقَيَّدُ ما نَقَلَه المصنفُ عن ابن الماجشون بهذا. المازري بعد حكايته الثلاثة الأقوال: وقد قدمنا الاختلاف في الإعادةِ بِتَرْكِ النجاسةِ المحققةِ، وأَنَّ في المذهب قولاً بالإعادة أبداً مع النسيان، ولم يَقُلْ بذلك أحدٌ مِن أصحابنا في النضحِ، وإنما ذلك لانخفاضِ رُتْبَتِه عن الغَسل.

وَيُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعاً لِلْحَدِيثِ فَقِيلَ: تَعَبُّدً. وَقِيلَ: لِقَذَارَتِهِ. وَقِيلَ: لِنَجَاسَتِهِ. وَالسَّبْعُ تَعَبُّدٌ، وَقِيلَ: لِتَشْدِيدِ الْمَنْعِ. وَقِيلَ: لأَنَّهُمْ نُهُوا فَلَمْ يَنْتَهُوا .....

الحديث المشار إليه حديث صحيح خرجه البخاري ومسلم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إِناءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً".

وكونُ الغسلِ تعبداً هو ظاهرُ المذهبِ.

وقوله: (وَالسَّبْعُ تَعَبُّدٌ) الواو للحالِ مِن تمامِ القولين.

والفرقُ بينَ تشديدِ المنع وبين كونِهم نُهوا فلم ينتهوا- أَنَّ الأوَّلَ تشديدٌ ابتداءً، والثاني تشديدٌ بَعْدَ تَسهيلٍ.

واحتج من قال بالتَّعَبُّدِ بطلبِ العددِ المخصوص. وأُجيب بأنه لا يَبعد أن يكون الغسلُ للنجاسة، ويكون التعبدُ في كيفية الغسل.

واعتُرِضَ على مَن قال: إنهم نُهُوا فلم ينتهوا. بأنه غيرُ لائقٍ بالصحابة رضي الله عنهم. وأُجيب بأن المراد بعضُ الأعراب الذين لم يتمكن الإسلامُ من قلوبهم، ولم يفهموا معنى هذا النهي، فحملوه على الكراهة، وعلى هذا فكان الأولى أن يقال: لأنَّ بعضَهم نُهِيَ.

ص: 72

فائدة:

كثيراً ما يَذكر العلماءُ التعبدَ، ومعنى ذلك: الحكمُ الذي لا تَظهر له الحكمةُ- بالنسبة إلينا مع أنَّا نَجْزِمُ أنه لا بُدَّ مِن حكمة؛ وذلك لأنا استقرأنا عادةَ الله تعالى فوجدناه جالباً للمصالحِ دَارِئاً للمَفاسِدِ؛ ولهذا قال ابن عباس: إذا سمعتَ نداءَ الله فهو إمَّا يدعوك لخيرٍ أو يصرفُك عن شَرٍّ، كإيجاب الزكاةِ والنفقاتِ لسَدِّ الخَلَاّتِ، وأَرْشِ الجناياتِ لجبرِ المتلفاتِ، وتحريمِ القَتْلِ والسُّكرِ والزِّنَى والقَذْفِ والسَّرِقَةِ صَوْناً للنفوسِ والأنسابِ والعقولِ والأموالِ والأعراضِ وإعراضاً عن المُفْسدات. ويُقَرِّبُ إليك ما أشرنا إليه مثالاً في الخارجِ إذا رأينا مَلِكاً عادتُه يُكْرُمُ العلماءَ ويُهِينُ الجُهَّالَ، ثم أَكْرَمَ شخصاً- غَلَبَ على ظَننا أنه عالمٌ، فاللهُ تعالى إذا شَرَعَ حُكْماً عَلِمْنا أنه شَرَعَه لحكمةٍ، ثم إِنْ ظهرتْ لنا فنقولُ هو معقولُ المعنى، وإن لم تَظهر لنا فنقولُ هو تعبدٌ، والله أعلم.

وَفِي وُجُوبِهِ وَنَدْبِهِ رِوَايَتَانِ

منشأُ الخلافِ الخلافُ في الأمرِ المطلَقِ: هل يُحمل على الوجوبِ أو على الندب؟ قال ابن بشير: والذي في المدونةِ الندبُ. أَخَذَهُ مِن قولِه: يُضعفه، فإنه جعل المعنى: يُضْعِفُ الوجوبَ.

وَلا يُؤْمَرُ بِهِ إِلا عِنْدَ قَصْدِ الاسْتِعْمَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ

بَنَى ابنُ رشد وعياضٌ الخلافَ على أن الغُسل تَعَبُّدٌ، فيجِبُ عند الولوغ؛ لأن العبادات لا تُؤَخَّرُ، أو للنجاسة فلا يَجِبُ إلا عند إرادةِ الاستعمال. وفيه نظر؛ لأن الْمَشْهُورِ أنه تعبد، وأنه لا يجب إلا عند إرادة الاستعمال.

والأحسنُ أَنْ يُبْنَى على الخلافِ في الأمر: هل هو على الفور أو على التراخي؟

وَلا يَتَعَدَّدُ الْغُسْلُ بتَعَدُّدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي إِلْحَاقِ الْخِنْزِيِرِ بِهِ رِوَايَتَانِ

الظاهر أن الضمير في (تعدده) عائدٌ على الولوغ، ويشمل ذلك صورتين: إحداهما أن يكون التعددُ مِن كلبٍ واحدٍ. الثانية: أن يكون مِن كلبين فأكثر.

ص: 73

وقد ذكر ابنُ بشير وابن شاس الخلافَ في الفرعين، وقال ابن عبد السلام: الظاهرُ عَوْدهُ على الكلب. وفيه نظرٌ لوجهين: أحدُهما أن عَود الضمير على المضاف إليه على خلافِ الأصل. الثاني: أن الحمل الذي ذكرناه أعم فائدةً فكان أولى.

ابن هارون: وهذا الخلاف أيضاً في تَعَدُّدِ حكايةِ المؤذنين. ورجَّح بعضُهم عدمَ التعدد، وهو الْمَشْهُورِ؛ لأن الأسبابَ إذا تَساوتْ مُوجِبَاتُها اكتُفي بأحدِها، كتعدد النواقضِ في الطهارة، والسهوِ في الصلاة، وموجباتِ الحدود.

والظاهرُ مِن المذهب عدمُ إلحاق الخنزير به، والقولُ بالإلحاق مبنيٌّ على أن الغسل للقذارة.

قال ابن رشد: وإذا لَحِقَ به الخنزيرُ فيُلحَقُ به سائرُ السباع لاستعمالها النجاسةَ.

وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالْمَنْهِيِّ عَنِ اتِّخَاذِهِ قَوْلانِ

بناءً على أن الألف واللام في قوله صلى الله عليه وسلم: "الكلب" هل هو للجنس فيعمُّ، أو للعَهْدِ في المنهيِّ عن اتخاذه؟

وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْمَاءِ خَاصَّةً، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: وَفِي الطَّعَامِ. وَفِيهَا: إِنْ كَانَ يُغْسَلُ فَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ وَكَانَ يُضَعِّفُهُ. فَقِيلَ: الْحَدِيثَ. وَقِيلَ: الْوُجُوبَ. وَقَالَ: جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ. وَكَانَ يَرَى الْكَلْبَ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ السِّبَاعِ .....

بنى المازريُّ الخلافَ على خلافِ أهل الأصول في تخصيص العموم بالعادة، إِذِ الغالبُ عندهم وجودُ الماءِ لا الطعام.

ابن هارون: ويحتمل أن يُبنى على أَنَّ الولوغَ هل يختصُّ بالماء أو يعمُّ؟

وقوله: (إِنْ كَانَ يُغْسَلُ) إشارة إلى تَضعيف الغسل.

ص: 74

واختلف في الضمير في (يُضَعِّفُهُ) على ثلاثة أقوال: فقيل: أَراد يضعف الوجوب، وهو أظهرُها. وقيل: أراد تضعيفَ الحديث لظاهر السياق. وقيل: إنما ضعَّفَه لمعارضته لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4]. وقيل: أراد تضعيفَ العددِ. ولا يَخفى ما فيهما مِن الضعف، فإن الحديثَ صحيحٌ، والمعارضةَ منفيةٌ لإمكان حَمْلِ الحديثِ على المنهي عن اتخاذه، وحَمْلِ الآيةِ على المأذونِ في اتخاذه. أو المرادُ مِن الآية- بَعْدَ غَسْلِ الصيد. [12/ب] أو الحديثُ مقيدٌ بالماء فقط إلى غير ذلك.

قوله: (وَكانَ يَرَى الْكَلْبَ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ السِّبَاعِ) استدل بعضهم على أن مذهبَ المدونة تعميمُ الغسل في المأذونِ وغيرِه، إذ المأذونُ فيه هو الذي يكون من أهل البيت. ورده عياضٌ لاحتمال أن يُرادَ مِن أهل البيت في عادة الناس في اتخاذه، لا أنه مِن أهل البيت في إباحة مخالطتِه.

وَفِي إِرَاقَتِهِمَا- مَشْهُورُهَا الْمَاءُ لا الطَّعَامُ- ثَالِثُ الأَقْوَالِ. وَكَانَ يَسْتَعْظِمُ أَنْ يَعْمَدَ إِلَى رِزْقِ اللهِ. فَيُرَاقُ لأَنَّهُ وَلَغَ فِيِهِ كَلْبٌ ....

(وَفِي إِرَاقَتِهِمَا) خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ، أي ثلاثةُ أقوال، و (الْمَاءُ) في كلامِه مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدإٍ على حذفِ مضافٍ، أي: ومشهورُها إراقةُ الماء، ويجوز أن يكون التقدير: يُراق الماءُ دونَ الطعامِ؛ لاستجازةِ طَرْحِه. وكيفية الأقوال هكذا: يُراق الماء والطعامُ بناءً على أن التعليل بالنجاسة. لا يُراقان للتَّعَبُّدِ. ونُسِبَ لابن القاسم: يراقُ الماء دون الطعام؛ لاستجازةِ طَرْحِه، وهو الْمَشْهُورِ. وفي المذهب قولٌ رابعٌ لمالكٍ فَرَّقَ بين المأذونِ، فسؤرُه طاهرٌ وغيرُه نجسٌ. وخامسٌ لعبد الملك: فَرَّقَ بين البدويِّ وغيرِه، فيُحمل في البدوي على الطهارة، وفي الحَضَرِيِّ على النجاسةِ.

ص: 75

وَفِي غَسْلِهِ بِالْمَاءِ الْمَوْلُوغِ فِيهِ قَوْلانِ

يمكن أن يكون منشأُ الخلافِ التعبدَ والنجاسةَ.

خليل: والصحيحُ أنه لا يُغسل به لما في مسلم: "فَلْيُرِقْهُ، وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً".

وَفِيهَا: إِذَا تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى فَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَفِيهَا: لا يُعْجِبُنِي إِنْ كَانَ قَلِيلاً

إن قلتَ: ظاهرُ قولِه (فَلا إِعَادَةَ) يقتضي التعبد، وهو خلافُ مقتضى قوله:(لا يُعْجِبُنِي إِنْ كَانَ قَلِيلاً) لأنَّ التفرقةَ بينَ القِلَّةِ والكثرةِ لا تُناسِبُ التعبدَ- فالجوابُ أَنَّ الأَوَّلَ كما قلتُ يقتضي التعبد، ولا منافاةَ بينه وبين ما بعده؛ لأن القليلَ قد يتَغير مِن لُزُوجاتِ فَمِ الكلبِ. كما قالوا في أحد القولين: لا يُتطهر بالماء بَعْدَ جَعْلِه في الفَمِ. وما ذكره المصنفُ هو الْمَشْهُورِ. ولابن القاسمِ وغيرِه أنه يطرح الماء الملوغ فيه ويتيمم. وقاله ابن الماجشون في الثمانية. ولابن وهب أنه يُعيد- المتوَضِّئُ به- في الوقت.

فروع:

الأول: الغسلُ مختصٌّ بالإناء، فلو وَلَغَ في حوضٍ لم يُغسل؛ لأنه تَعبدٌ.

الثاني: الغسلُ مختصٌّ بالولوغ، فلو أدخل يدَه أو رجلَه لم يغسل خلافاً للشافعي.

الثالث: لا تُشترط النيةُ في الغسل. قاله الباجي وابن رشد، قالا: وإنما يَفتقر التعبدُ إلى النيةِ إذا فعلَها شخصٌ في نفسه، أمّا هذا وغسلُ الميت وما شابههما فلا. قال في الذخيرة: ويحتمل أن تُشترط فيه النية قياساً على اشتراطها في النضحِ. قال: ويحتمل أن يُفْرَقَ هنا بأن الغسلَ يُزيل اللعابَ، والنضحُ لا يُزيل شيئاً، فكان تعبداً بخلافِ إناء الكلب.

الرابع: هل يشترط الدلك أم لا؟ ليس فيه نصٌّ، والظاهرُ- على أصولنا- الاشتراطُ، لأن الغسلَ عندنا لا تَتِمُّ حقيقتُه إلا به.

ص: 76

وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَوَانِي قَالَ سَحْنُونٌ: يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهَا. وَقَالَ مَعَ ابْنِ المَاجِشُونِ: يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي حَتَّى تَفْرُغَ. زَادَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: وَيَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ مِمَّا قَبْلَهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سُحْنُونٍ: يَتَحَرَّى كَالْقِبْلَةِ. ابْنُ الْقَصَّارِ مِثلُهُمَا إِنْ كَثُرَتْ، وَمِثْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ إِنْ قَلَّتْ .....

(اشْتَبَهَتِ) أي: التبس الطاهرُ بالنجسِ، وأما لو اشتبه مُطَهِّرٌ بطاهر لاستَعْمَلَهما وصلَّى صلاةً واحدةً. ومسألةُ المصنف يُمكن أن تُفْرَضَ في الماءِ القليلِ تَحُلُّه نجاسةٌ كثيرة، ولم تُغَيِّرْهُ على القولِ بالنجاسة. ويُمكن أن تُفرض في الماء الكثيرِ تُغَيِّرُه نجاسةٌ كثيرة، ولكنها لم تَظْهَرْ لكونِ الماءِ متغيراً بِقَرارِه. ويُمكن أن تُفرض في البولِ الموافقِ لصفةِ الماء.

أما الوجهُ الأوَّلُ فالظاهرُ أنه لم يُرِدْهُ؛ لأنه إنما يأتي على غيرِ الْمَشْهُورِ، وحكمُه على الْمَشْهُورِ ما قاله ابنُ الجلاب أنه يتوضأ بأيهما شاء، إلا أنه يُستحب له أن يتوضأ بأحدِهما ويُصلي، ثم بالثاني ويصلي.

وأما الثاني فحكى ابنُ شاس فيه الخلافَ كما حكى المصنف.

وأما الثالثُ فخرّج القاضي أبو محمد فيه جوازَ الاجتهاد على قول ابن المواز، واختاره ابنُ العربي. وأوجبت الشافعيةُ فيه التيمم. ووجهُ تخريجِ القاضي أنه اشتباهُ طاهرٍ بنجس، فأجاز التحرِّي كالماء المتنجس.

وحاصلُ ما ذكره المصنف مِن الخلاف هل يتيمم ويتركُها، أو يتطهر بها؟ قولان: فالأولُ: مذهبُ سحنون، وعلى الثاني هل يتحرى؟ وهو قول ابن المواز وابن سحنون. ابن العربي: وهو الصحيح. أم لا؟ وعليه فهل يَتطهر بالجميع أو يُفَرِّقُ؟

والأولُ مذهب ابن الماجشون وابن مسلمة، غير أن ابن مسلمة زاد: ويغسلُ أعضاءه بماءِ الإناء الثاني مما أصابه مِن ماء الإناءِ الأوَّلِ. قال الأصحابُ: وقولُ ابنِ مسلمة هو الأشبهُ بقولِ مالك. واختاره القاضي أبو محمد.

ص: 77

والثاني: مذهبُ ابن القصار يُفَرِّقُ بينَ أنْ تَقِلَّ الأَواني فيقول بقولِ ابن مسلمة، وبين أن تَكْثُرَ فيقولُ بقول ابن المواز وابن سحنون. وعلى قولِ ابن مسلمة لو ترك غسل أعضائه مما قبله- لم يكن عليه شيءٌ، لكونِ النجاسةِ غيرِ مُحَقَّقَةٍ.

ابن عبد السلام: وبَقِيَ عليه قولُ مَن قال: يَتوضأ بعَدَدِ النَّجِسِ وزيادةِ إناءٍ مثلُ ما قيل في الثياب. خليل: وهذا هو الصحيحُ، بل لا يَنبغي أن يُفهم الخلاف على الإطلاق؛ لأنه إذا كان معه عشرةُ أوانٍ فيها واحدٌ نجسٌ فما وجهُ التيمم ومعه ماءٌ محقَّقُ الطهارة وهو قادر على استعماله؟ وما وجه مَن يقول إنه يستعمل الجميع. ونحن نَقطع بأنه إذا استعمَل إناءين تبرأُ ذمتُه؟ وإنما ينبغي أن يكون محلُّ الأقوال إذا لم يتحقق [13/ أ] النجس من الطاهر، أو تَعَّدَ النجسُ واتحد الطاهرُ.

قال في الجواهر: ثُمَّ مِن شرطِ الاجتهادِ أن يَعجز عن الوصولِ إلى اليقين، فإن كان معه ماءٌ يَتحقق طهارتَه امتَنع الاجتهادُ.

فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بِعِلْمٍ عَمِلَ عَلَيْهِ، وبَظَنٍّ قَوْلانِ: كَالْقِبْلَةِ

أي إذا فرعنا على القول بالاجتهاد فتحَرَّى إناء، ثم تَغَيَّرَ اجتهادُه فإن كان إلى يقينٍ بطلتْ الأولى، ولزمه إعادتُها. وهذا معنى قوله:(عمل عليه) وإلى ظن قولان مبنيان على أن الظنَّ هل يُنقض بالظنِّ أم لا؟

وَيَتَحَرَّى فِي الثِّيَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُصَلِّي بِعَدَدِ النَّجِسَ وَزِيَادَةِ ثَوْبٍ

يعني: أن الْمَشْهُورِ في الثياب- إذا التبست عليه- التحري. فإن قلت: ما الفرقُ بين الأواني والثياب؟ قيل: لخفَّةِ النجاسةِ بدليلِ الاختلاف فيها، ولا كذلك الماءُ، فإنه لم يختلف في اشتراط المطلق في رفع الحدث. وبهذا يندفع ما قاله ابن عبد السلام هنا. وانظره.

ص: 78

وظاهر قوله: (وَيَتَحَرَّى فِي الثِّيَابِ) عدمُ اشتراطِ الضرورة. وكلامه في الجواهر قريبٌ منه. ونص سند على أنه إنما يتحرى في الثوبين عند الضرورةِ، وعدمِ وجود ما يَغسل به الثوبين.

وَلَوْ رَأَى نَجَاسَةً فِي الصَّلاةِ فَفِيهَا: يَنْزِعُهُ وَيَسْتَانِفُ، وَلا يَبْنِي. ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَتَمَادَى مطلقاً، وَيُعيد فِي الْوَقْتِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُهُ. مُطَرِّفٌ: إِنْ أَمْكَنَ تَمَادَى، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتَانَفَ .....

أي: فلو رأى نجاسةً في الصلاة غيرَ معفوٍّ عنها في ثوبه، وحاصلُ ما قاله في المدونة البطلانُ. ولو قال: ففيها تبطل. لَفُهِمَ المعنى، والقطعُ مشروطٌ بسَعَةِ الوقتِ، وأما مع ضيقِه فقال ابن هارون: لا يَختلفون في التَّمادي إذا خُشِيَ فواتُ الوقت؛ لأن المحافظةَ على الوقت أَوْلَى مِن زوالِ النجاسةِ. وعلى هذا لو رآها وخشي فواتَ الجمعةِ أو الجنازةِ أو العيدين لتمادَى لعدمِ قضاءِ هذه الصلوات. وفي الجمعةِ نظرٌ إذا لنا: إنها بَدَلٌ مِن الظهرِ.

وقوله: (وَيَسْتَانِفُ) إنما هو في الفريضة، وأما غيرُها فليس عليه استئنافُها، قاله في المدونة، قال: ففيها ويستأنف بإقامة. وهل ذلك مطلقاً؛ لأنها إنما كانت لتلك الصلاة، وقد فسدتْ، أو مع الطول؟ تأويلان للشيوخ.

وقوله: (مُطَرِّفٌ: إِنْ أَمْكَنَ) أي: إن أمكن نزعُه- نَزَعَهُ وتمادى، فإن لم يُمكن نَزْعُه قَطَع واستأنف. وقولُ ابن الماجشون كقولِ مطرفٍ إلا أنه إذا لم يمكنه النزعُ يتمادى لاختلافِ أهلِ العلم في هذه الصلاة، ويُعيد احتياطاً.

قال ابن عبد السلام وابن هارون: وظاهر قوله (مطلقاً) ولو أمكنه نَزْعُه، ويكون قوله:(إِنْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُهُ) شرطاً في الإعادة في الوقت. لكن إذا كان الحكمُ على هذا أنه يُعيد في الوقت مع عدمِ الإمكان، فكان المناسبُ مع الإمكان الإعادةَ أبداً، وذلك مناقضٌ لقوله:(يَتَمَادَى مطلقاً) والأظهرُ أن الإطلاق عائد على غيرِ مذكور، بل هو إلى ما يُفهم من السياق، وهو على أيِّ حالٍ كان المصلي مِن قيام أو غيرِه، عقدَ ركعةً أم لا.

ص: 79

خليل: والظاهرُ- من جهة اللفظ- أن ابن الماجشون يقول بالتمادي مطلقاً، سواء أمكن نزعه أم لا. إلا أنه إن لم يمكن نزعه يُعيد في الوقت، وإن أمكن نزعُه: فإنْ نَزَعَه فلا شيءَ عليه، وإن لم ينزعه أعاد أبداً. وإليه أشار المازري بقوله: وقيل يتمادى بعد نزعها، وإن لم يمكنه النزع تمادى. وكذلك قال ابن شاس، ولفظه: وقال ابن الماجشون: وينزعه إذا أمكنه ويتمادى، وإن لم يمكنه تمادى ثم نزعه وأعاد. انتهى.

فروع:

الأول: قال سحنون: مَن أُلقي عليه ثوب نجس في الصلاة، ثم سقط عنه مكانَه أرى أن يبتدئ. قال الباجي: وهذا على رأي ابن القاسم.

الثاني: إذا كانت النجاسةُ تحت قدميه فرآها فتحوَّل عنها- خُرِّجَتْ على الخلاف في الثوب إذا أَمْكَنَه طَرْحُه.

الثالث: قال أبو العباس الإِبِّيَانِيّ: إذا كانت في أسفل نعليه نجاسةٌ فنزعه ووقف عليه جاز، كظَهْرِ حَصِيرٍ. نقله في الذخيرة.

فَلَوْ رَآهَا فِي الصَّلاةِ ثُمَّ نَسِيَ فَتَمَادَى فَقَوْلانِ

أي: رآها في ثوبِه، أو في جسدِه، فَهَمَّ بالقَطْعِ فَنَسِيَ وتمادى فقولان:

ابن حبيب: تبطُل صلاتُه. وهو الجاري على مذهب المدونة.

واختار ابنُ العربي عدمَ البطلان بناءً على صحة الصلاة إذا نَزع الثوبَ النجسَ.

وَأَمَّا قَبْلَهَا فَكَمَا لَوْ لَمْ يَرَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ

أي: كمن لم يرها، أي فيُعيد في الوقت.

ص: 80

ابن عبد السلام: والشاذُّ ليس بثابتٍ في المذهب، وإنما اعتمد المؤلف فيه على ابن شاس، وابن شاس ذكره عن ابن العربي، وابن العربي لم يسمِّ قائله، وشأنه في كتابه إدخالُ مسائلَ وأقاويلَ مِن غيرِ المذهب استحساناً لها، أو استغراباً أو تضعيفاً.

وَلَوْ سَالَتْ قُرْحَتُهُ أَوْ نَكَأَهَا تَمَادَىَ، إِلا أَنْ يَكُونَ كَثِيراً، إِلا أَنْ تَمْصُلَ بِنَفْسِهَا وَلا تَكُفَّ فَيَدْرَأَهَا بِخِرْقَةٍ ......

أي: إن سالت أو نكأها تمادى إن كان يسيراً، بدليل قوله:(إلا أن يكون كثيراً) أي فلا يتمادى. وقوله: (إِلا أَنْ تَمْصُلَ بِنَفْسِهَا) استثناءٌ مِن المستثني، وكلامُه يقتضي أنه يَتمادى إذا مَصَلَتْ بشرطِ ألا تَكُفَّ. وأما لو رجا الكفَّ لَقَطَعَ ولو سَالتْ بنفسِها. وهذا كما قال في المدونة: وكلُّ قرحةٍ لو تركها صاحبُها لم تَمْصُل، ولو نكَأها سالتْ، فما خرج مِن هذه مِن دَمٍ أو غيرِه فأصاب ثوبَه أو جسدَه غَسَلَه، وإن كان في الصلاة قَطَعَ، ولا يَبني إلا في الرُّعاف إلا أن يَخرج منها الشيءُ السيرُ فَلْيَفِتِلْهُ، ولا ينصرفُ. وإن كانتْ لا تكفُّ ولا تَمْصِلُ مِن غيرِ أن ينكأها فليُصَلِّ، وليَدْرَأَها بخرقةٍ، ولا يقطعُ لذلك الصلاةَ. انتهى.

الجوهري: نكَاتُ القُرْحَةَ أَنْكَؤُهَا إِذا قَشَرْتَها.

ولَوْ رَعَفَ وَعَلِمَ [13/ب] دَوَامُهُ أَتَمَّ الصَّلاةَ

قال الجوهري: الرُّعَافُ: الدَّمُ الذي يَخرج مِن الأنفِ. وقد رَعَفَ الرجل يَرْعَفُ ويَرْعُفُ. ورَعُفَ- بالضم- لغةٌ فيه ضعيفةٌ. انتهى.

وقوله: (ولَوْ رَعَفَ) أي في الصلاة، بدليل قوله:(أَتَمَّ الصَّلاةَ). ومرادُه بالعلم في قوله: (وعلم) الظنُّ على أحد التأويلين في قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} . [الممتحنة: 10].

ص: 81

وقيل: أَطلق الإيمانَ على الإسلام لما بينهما مِن الارتباط غالباً. وموجبُ الظن هاهنا العادةُ. ابن عبد السلام: والدوامُ إلى آخرِ الوقتِ الضروريِّ، وفي الاختياريِّ نظرٌ.

خليل: يحتمل أن يكون النظرُ مبنياً على أن غير أصحاب الأعذار إذا أوقعوا الصلاة بعد الوقت الاختياري، هل يكونون مؤدين أو قاضين؟ فعلى الأداء مِن غيرِ عصيانٍ يَقطعُ، وعلى القضاءِ لا يَقطع.

وقد حكى ابنُ رشد فيما إذا أصابه الدمُ قبلَ الدخول في الصلاة قولين: أحدُهما أنه ينتظر الوقت الاختياري: القامة في الظهر، والقامتان في العصر. والثاني أنه يؤخرها ما لم يَخَفْ فواتَ الوقتِ جملةً.

والظاهرُ مِن كلام ابن رشد أن الأوّلَ هو المذهب؛ لتصديره به، وعطفِه عليه بقيل، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن أنْ يُجري هذان القولان اللذان حكاهما ابن رشد فيما إذا حَدَثَ له الرعافُ بعد دخولِه في الصلاة، والأصل في هذا ما ورد أن عمر رضي الله عنه صَلَّى وجُرْحُه يَثْعَبُ دماً.

وَفِي جَوَازِ إِيمَائِهِ خَشْيَةَ تَلَطُّخِهِ بِالدَّمِ قَوْلانِ

أي: إذا قلنا يُتِمُّ الصلاةَ ولا يَقطعُ لأجلِ الدمِ، فهل يَجوز له أن يُومِئُ ألا؟ فقولان. وفي كلامِه إجمالٌ؛ لأن المسألةَ على ثلاثةِ أقسام: إِنْ خَشِيَ ضرراً لجسمِه أَوْمَأ اتفاقاً، وإِنْ خَشِيَ تَلَطُّخَ جسدِه لم يُومِئُ اتفاقاً، إذِ الجسدُ لا يَفسد. وإن خشي تلطخَ ثوبِه فللشيوخِ طريقان: حكى ابنُ رشد جوازَ الإيماء باتفاقٍ كما في القسم الأول، وحكى غيرُه قولين كالمصنف: الأول: الجوازُ عن ابن حبيب، وعدمُه عن ابنِ مسلمة. وعلى الإيماء فقال في تهذيب الطالب: يُومئ للركوع من قيام، وللسجود من جلوس.

ص: 82

فَإِنْ شَكَّ فَتَلَهُ وَمَضَى، فَإِنْ كَثُرَ بِحَيْثُ سَالَ أَوْ قَطَرَ وتَلَطَخَّ بِهِ قَطَعَ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَطَّخْ جَازَ أَنْ يَقْطَعَ أَوْ يَخْرُجَ فَيَغْسِلَهُ .....

حاصلُ ما ذكره أنّ للراعف إذا لم يعلم أنه يتمادى به الدمُ ثلاثةَ أحوال: الأول: لا يسيل ولا يقطر، فلا يجوز له أن يَخرج، وإنْ قَطَعَ أَفسد عليه صلاته، وعليهم إن كان إماماً. وقال مالك وابن نافع في المجموعة: ويَفْتِلُه بأنامِلِه الأربعة، والمراد بالأناملِ الأناملُ العليا، فإن زاد إلى الوسطى قَطَعَ. هكذا حكى الباجي، وحكى ابنُ رشد أن الكثير هو الذي يَسيل إلى الأنامل الوسطى بقدرِ الدرهم في قول ابن حبيب، وأكثرَ منه في رواية ابن زياد.

وحكى مجهولُ الجلاب في فتله باليد اليمنى أو اليسرى قولين.

الحالة الثانية أن يَقطر أو يَسيل، ويتلطخُ به فلا يجوزُ له التمادي، وإليه أشار بقوله:(قطع).

الحالة الثالثة أن يسيل أو يقطر، ولا يتلطخُ به، فيجوزُ له القطع والتمادي.

وهل الأفضلُ البناءُ لعَمَلِ الصحابة، أو القطعُ لحصول المنافي؟ حكى ابن رشد الأول عن مالك، والثاني عن ابن القاسم. وحكى الباجيُّ عن مالك من رواية ابن نافع وعلي بن زياد ترجيحَ القطع. قال الباجي: وهذا إن كان مأموماً.

وإن كان فَذّاً فهل له أن يبني أم لا؟ عن مالك في ذلك روايتان: إحداهما أنه ليس له لك، وهو الْمَشْهُورِ من مذهبه. والثانية له ذلك، وبها قال محمد بن مسلمة. انتهى.

ص: 83

ثُمَّ يَبْنِي مطلقاً عَلَى الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَعَقَدَ رَكْعَةً. وَقِيلَ: وَأَتَمَّ رَكْعَةً. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ إِمَاماً وَيَسْتَخْلِفُ كَذَاكِرِ الْحَدَثِ

هذا مُفَرَّعٌ على الحالة الثالثة، أي: إذا أَجَزْنَا له البناءَ والقطعَ، فإنْ قَطَعَ فلا إشكالَ، وإِنْ بنى خَرجَ فغسلَ الدمَ، ثم يبنى على صلاتِه مطلقاً على مذهب المدونة. أي: سواءٌ أكان إماماً أو مأموماً أو فذّاً، عَقَدَ ركعةً أم لا.

وكأنّ المصنفَ اعتمد في هذا على ابن بشير وابن شاس، فإنهما قالا: وإن كان فذّاً أو لم يعقد ركعة فهنا قولان: أحدهما يبني، وهو ظاهر الكتاب. ولذلك قال في المقدمات: إن ظاهر المدونة بناء من لم يعقد ركعة، وبناء الفذ على ما قاله ابن لبابة. وحكى ابن بشير بناء الفذ عن ابن مسلمة وأصبغ ومالك من سماع ابن القاسم، وكذلك قال ابن بَزِيزَةَ: مذهب المدونة بناء الفذ. خليل: ولا شك في أخذ بناء المأموم من المدونة، وفي أخذ بناء الفذ والإمام منها نظر، وفي كل منهما قولان منصوصان. وقد تقدم أن الباجي حكى أن الْمَشْهُورِ في الفذِّ عدمُ البناءِ.

وقد حكى ابنُ رشد في البناءِ قَبْلَ عَقْدِ ركعةٍ أربعةَ أقوال: عن سحنون: يبني. وعن ابن القاسم: لا يبني. وعن ابن وهب: يبني إلا في الجمعة. قال: وهو ظاهر المدونة. وقيل يبني المأمومُ دونَ الإمامِ والفذِّ.

وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَعَقَدَ رَكْعَةً) أي: إنما يبني على هذا القول بشرط أن يكون في جماعة، فلا يبني الفذ، وبشرط أن يعقد ركعة، فلا يَبني مَن كان في جماعة قبل أن يَعقد ركعة. وهذا القول لابن حبيب، وعقدُ الركعة عنده برفع الرأس.

وقوله: (وَقِيلَ: وَأَتَمَّ رَكْعَةً) أي: يزيدُ هذا القائلُ على قولِ ابنِ حبيب أنه يُتِمُّ ركعةً بسجدتيها، ولا يكتفي هذا القائلُ في البناء بمجرد العقدِ. وحكى ابن يونس أن ابن

ص: 84

القاسم روى عن مالك جوازَ بناء الفذ بشرط أن يعقد ركعة بسجدتيها؟ ومنشأ الخلاف هل رخصةُ البناء لحرمة الصلاةِ للمنع من إبطال العمل أو لتحصيل فضل الجماعة؟

ابن عبد السلام: وظاهرُ قوله: (وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ إِمَاماً) التكرارُ؛ لأن قوله قبل هذا (مطلقاً)، يُغني عنه. فإن قيل: إن الإطلاقَ عائدٌ على [14/أ] عَقْدِ الركعة. قيل: قوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَعَقَدَ رَكْعَةً) يدل على أنه أراد بالإطلاقِ ما هو أعمُّ.

خليل: ويمكن أن يقال: إنما أعاده ليرتب عليه ما بعده من كيفية الاستخلاف.

وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَخْرُجَ مُمْسِكاً لأَنْفِهِ إِلَى أَقْرَبِ الْمِيَاهِ الْمُمْكِنَةِ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ وَلا مَاشٍ عَلَى نَجَاسَةٍ، فَلَوْ تَكَلَّمَ سَهْواً أَوْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ فَثَالِثُهَا: تَبْطُلُ فِي الْمُضَيِّ لا فِي الْعَوْدَةِ، لإِقْبَالِهِ إِلَيْهَا. وَرَابعُهَا عَكْسُهُ

أي: وصِفَةُ ما يَفعل الراعِفُ الذي يَجوز له البناءُ أن يَخرج إلى أقربِ المياهِ، فإِنْ تَعَدَّى إِلى أبعدَ بَطَلَتْ. قال في المقدمات: باتفاقٍ. لأنه أَتَى بزيادةٍ مُستغنى عنها، ولم يَفصلوا بين الزيادةِ القليلةِ والكثيرةِ.

واشترطَ ابنُ هارون أنْ يُمسك أنفَه مِن أعلاه؛ لأنه إذا أَمسكه مِن أسفلِه بقيَ الدمُ في داخل الأنف، وحكمُه حكمُ الظاهر على سطح الجسد.

خليل: وفيه نظرٌ، والمحلُّ محلُّ الضرورة، والله أعلم.

وقوله: (إِلَى أَقْرَبِ الْمِيَاهِ) قالوا: ما لم يَتَفَاحَشُ بُعْدُ موضعِ الغَسْلِ، فيَجِبُ القَطْعُ، وقد يُفهم ذلك مِن قوله:(أَقْرَبِ الْمِيَاهِ) ويُشترط في بنائه أَلَاّ يتكلمَ ولا يمشيَ على نجاسةٍ. فإنْ تَكلم- قال في المقدمات: جاهلاً أو عامداً- بطلتْ باتفاقٍ. قال: واختُلِفَ إذا تَكلم ساهياً. فقال ابن حبيب: لا يَبْنِي. وحكى ابنُ سحنون عن أبيه أنه يَبني على صَلاتِه، ويسجدُ لسَهْوِه إلا أن يكون الإمامُ لم يَفرغ مِن صلاته، فإنَّه يَحْمِلُه عنه.

ص: 85

وقال ابن الماجشون وابن حبيب: إِنْ تَكلم في ذهابه بطلتْ، وإن تكلم في رجوعه لم تبطل. قال ابن يونس: قال بعضُ أصحابنا: لأنه إذا تكلم راجعاً فهو في عملِ الصلاة فأَشْبَهَ كلامَه سهواً في أَضْعَافِ الصلاةِ، وإذا تكلم في انصرافه فإنما هو في مستقبل الغسلِ للدمِ. وهذا هو القول الثالثُ الذي ذكره المؤلفُ. وحكى ابنُ بشير وابنُ شاس عكسَه: إِنْ تَكَلَّمَ في مسيرِه لم تبطل، وغن تكلم في عَوْدِه بطلت. ولم يَعْزُواهُ.

قال في المقدمات: واختُلِفَ إن مشى على قَشْبٍ يابسٍ، فقال سحنون: تنتقضُ صلاتُه. وقال ابن عبدوس: لا تنتقض. ولم أرَ منصوصاً في مسألةِ النجاسةِ إلا هذين القولين.

وكلامُ المصنفِ يَدُلُّ على أن الكلامَ والمشيَ على النجاسة مستويان. وهو مقتضى كلامِ ابن شاس، وابنِ عطاء الله.

ولم يقع في بعض النسخ قوله: (أَوْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ) وهذا الخلافُ إنما هو في النجاسةِ اليابسةِ، وأما الرَّطْبَةُ فتبطل اتفاقاً. قاله في المقدمات.

ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ كَانَ سَجَدَ وَاحِدَةً بِخِلافِ السَّجْدَتَيْنِ. وَقِيلَ: يَبْنِي عَلَى مَا عَمِلَ فِيهَا .......

يُطلق البناءُ في بابِ الرُّعاف على معنيين: بناءٍ في مقابلَةِ قَطْعٍ، وقد تقدّم، وبناءٍ في مقابلةِ عَدَمِ اعتدادٍ. وهذا الثاني إنما يأتي بعد حصولِ البناءِ الأوّلِ، أي: إذا حَكَمْنَا بأنه لا يَقطع فهل يَعتدُّ بكلِّ ما فَعَلَه أو لا يعتدُّ إلا بركعةٍ قد تَمَّتْ بسجدتيها؟ الْمَشْهُورِ الثاني. والأولُ هو قولُ ابن مسلمة، وهو الأظهرُ. وما ذكره إنما هو في حقِّ الإمام والفذِّ والمأمومِ إذا وَجَدَ الإمامَ قد فَرَغَ، وأما إن وَجَدَه في الصلاة فإنه يَتبعُه على كلِّ حالٍ.

ص: 86

فَإِنْ رَجَعَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَظَنَّ فَرَاغَ الإِمَامِ أَتَمَّ مَكَانَهُ إِنْ أَمْكَنَ، أَصَابَ ظَنُّهُ أَوْ أَخْطَأَ، فَإِنْ خَالَفَ ظَنَّهُ بَطَلَتْ، أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ، فَإِنْ كَانَتِ الْجُمُعَةَ رَجَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَثَالِثُهَا: إِنْ أَمْكَنَهُ رَجَعَ وَإِلا فَمَكَانهُ .....

قيل: يُريد أَخَذَ في الرجوعِ أو قَصَدَه، إِذِ المرادُ ليس حقيقةَ الرجوعِ؛ لقوله:(أَتَمَّ مَكَانَهُ) ويحتمل أن يريد: رجعَ في بعضِ الطريق ثم عَلِمَ، ويحتمل أن يريد: رجع إلى ما زَايَلَه، وهو الصلاةُ؛ لأنه بخروجِه كالمفارِقِ له. وفي بعض النسخ:(فإن خرج في غير الجمعة) ولا إشكالَ عليها.

وحاصلُ كلامِه أن له صورتين: صورةٌ في غير الجمعة، وصورةٌ في الجمعة، ففي غير الجمعة: إِنْ ظَنَّ فراغَ الإمامِ أَتَمَّ مكانَه إِنْ أَمْكَنَ، وإلا ففي أقربِ المواضعِ إليه مما يَصلح للصلاة وهذا هو الْمَشْهُورِ. ورُوي عن مالك- رحمه الله تعالى- أنه يرجع في مسجدِ مكةَ ومسجدِ الرسول صلى الله عليه وسلم. الباجي: فجعل الرجوعَ لفضيلةِ المكان.

قوله: (أَتَمَّ مَكَانَهُ) في الكلام حذفٌ، أي: وصَحَّتْ صلاتُه أَصاب ظنُّه أو أخطأ، وهذا هو الْمَشْهُورِ. وحكى ابن رشد قولاً- إذا أخطأ- بالبطلان، ويدل على الحذف قوله:(فَإِنْ خَالَفَ ظَنَّهُ بَطَلَتْ، أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ).

ويَتَخَرَّجُ قولٌ بالصحةِ- فيما إذا خالفَ ظنَّه وأصابَ- مما حكاه ابنُ رشد في مقابلةِ هذا مأخوذٌ مِن كلامِه بالمطابقة. وفُهِمَ مِن كلامه أنه لو ظن بقاءَ الإمام لزمه الرجوعُ مطلقاً، وهو الْمَشْهُورِ قاله الباجي.

وقال ابن شعبان: إِنْ لم يَرْجُ أَنْ يُدرك ركعةً أَتَمَّ مكانَه. قال ابن يونس: وهو خلافُ مذهب المدونة.

ص: 87

وهذا التقسيمُ ظاهرٌ في المأمومِ والإمامِ؛ لأنه إذا استخلّف صار حكمُه حكمَ المأموم، وأما الفَذُّ فيُتِمُّ مكانَه مِن غيرِ رجوعٍ.

فإن كانت الجمعة فإنْ ظن بقاءَ الإمام رَجَعَ، وإن لم يَظُنَّ بقاءَه فقال المصنف: رَجَع على الْمَشْهُورِ إلى آخره. أي: أن الْمَشْهُورِ يرى أن رجوعه إلى الجامع شرطٌ في صحة الجمعة، وإن لم يرجع بطلتْ. ولا يُمكن حملُه على ما يُفهم مِن كلامه أنه يَرجع مطلقاً إن أمكن أو لم يمكن؛ إذ لا يمكن أن يُقال بالرجوع مع عدمِ الإمكانِ.

والقول الثاني: لا يرجعُ– كغيرها– ويُتِمُّ بموضِعه. وهذا القول حكاه الشوشاوي وابن شاس، وعزاه بعضُهم لابن عبد الحكم، وخرَّجه ابنُ يونس مِن قول أشهب في هروب الناس عن الإمام بعدَ عقدِ ركعةٍ أنه يُضيف إليها أُخرى، وتجزئه جمعته. قال: لأن الجماعةَ أحد [14 / ب] شروطها كالمسجد.

والقول الثالث نقله اللخمي وابن يونس عن المغيرة، أنه إذا رَعَفَ بعدَ تمامِ ركعةٍ من الجمعةِ فحال بينه وبين المسجد وادٍ فليُضِفْ إليها أُخرى، ثم يُصلي أربعاً. لكن لا يُؤخذ من كلام المصنف أنه يُصلي أربعاً. قال في البيان: ومن أصحابنا من قال: إنه يُتِمُّ صلاتهَ في أقربِ المساجدِ إليهِ.

فرع:

وإذا قلنا إنه لا بد أن يرجع، فهل لا بُدَّ له أن يَرجع إلى نفس الجامع؟ وهو الْمَشْهُورِ، أو إلى أقربِ موضعٍ تُصلى فيه الجمعة؟ وهو قول ابن شعبان. قال: وإنْ أَتَمَّ في موضعه لم أرَ عليه الإعادة.

قال المازري: فأشار إلى أنَّ الرجوعَ إلى الجامع فضيلةٌ. ويُمكن أن يكون هذا مراد المصنف في القول الثاني، وفيه بُعْدٌ.

ص: 88

وإذا بَنينا على الْمَشْهُورِ فإنه يَكتفي بأولِ الجامع، فإنْ تَعَدَّاه بطلتْ، نَصَّ عليه الباجي، وهذا الخلافُ كلُّه إنما هو إذا حصل له ركعةٌ قَبْلَ رُعافِه، وتَرَكَ المصنفُ هذا القيدَ لما سيأتي، والله أعلم.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ رَعَفَ فَسَلَّمَ الإِمَامُ رَجَعَ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ، فَإِنْ سَلَّمَ الإِمَامُ فَرَعَفَ سَلَّمَ وَأَجْزَأَهُ.

أي: وعلى الْمَشْهُورِ بالتزامِه العَوْدَ إلى الجامع مطلقاً لو رَعَفَ قبل أن يُسَلِّم الإمامُ رَجع ليُوقع السلامَ في الجامع.

وقوله: (فَتَشَهَّدَ) أي: لم يتقدم له التشهد، وأما لو تقدم فلا يُعيده.

وقوله: (فَإِنْ سَلَّمَ الإِمَامُ فَرَعَفَ سَلَّمَ وَأَجْزَأَهُ) لما في الخروج مِن كثرةِ المُنافي، وخِفَّةِ لفظةِ السلام، ولا يُؤخذ منه عدمُ وجوبِ السلامِ كما قِيل.

وما ذَكره المصنفُ– من التفرقة بينَ أَنْ يَرْعُفَ قبلَ سلامِ الإمامِ أو بعدَه– منصوصٌ لمالك في المدونة والعتبية، وهو الْمَشْهُورِ.

ومنعَ سحنونٌ أن يُسلِّم حتى يغسل الدمَ إن كان كثيراً.

فَإِنْ كَانَ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا ابْتَدَأَهَا ظُهْراً. وَقال سَحْنُونٌ: يَبْنِي عَلَى إِحْرَامِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ شَاءَ قَطَعَ، أَوْ بَنَى عَلَى إِحْرَامِه أَوْ عَلَى مَا عَمِلَ فِيهَا

أي: فإن حَصَلَ الرُّعاف في الجمعة قبل أن يُتِمَّ ركعةً بسجدتيها– يريد: ولم يَلحق منها بعد ذلك ركعةً– صلى ظهراً اتفاقاً. وهل يَبني على إحرامه؟ الْمَشْهُورِ لا بد من الابتداءِ. وقال سحنون: يَبني على إحرامِه. وقال أشهب: إِنْ شاءَ قطعَ وابتدأَ كما في المذهب، وإن شاء بَنَى على احرامِه كقولِ سحنون. وإن شاءَ بَنَى على ما تقدم له مِن

ص: 89

فعلِها. وظاهرُ كلامِه أن أشهب لا يَستحبُّ شيئاً، والذي حكاه عنه ابنُ يونس وابنُ رشد وغيرُهما استحبابَ القطعِ.

وربما عُورِضَ الْمَشْهُورِ هنا بمن دَخَلَ يومَ خميسٍ يَظنه يومَ جمعةٍ، لكنَّ مسألةَ الرعافِ أخفُّ مِن حيث إن الإمام قد انفصل فيها من الصلاة، فضَعُفَ رَعْيُ حُرْمَتِه.

وَإِذَا اجْتَمَعَ الْقَضَاءُ وَالْبِنَاءُ فَفِي الْبِدَايَةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ، وَذَلِكَ بأَنْ يُدْرِكَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ مَعاً أَوْ إِحْدَاهُمَا

أي: فابنُ القاسم يُقدم البناءَ، وسحنونٌ يُقدم القضاءَ. والبناءُ عبارةٌ عما فات بعد الدخول مع الإمام، والقضاءُ عبارةٌ عما فات قبل الدخول مع الإمام، هذا إن لم يدخل بعد ذلك مع الإمام، وأما إن دخل فلا، وذلك في ثلاث صور:

الأولى: إذا أَدرك الأُولى ثم رَعَفَ فخرج ثم أَدرك الرابعةَ، فأطلق في المدونة على الثانيةِ والثالثةِ القضاءَ. وبعضُ الأندلسيين: البناءَ.

ابن عبد السلام: وجعلها بعضُ أشياخي قولين.

الصورة الثانية: إذا أَدرك الأُولى ورَعَفَ في الثانية أو نَعَسَ، ثم أدرك الثالثةَ وفاتته الرابعةُ؛ فالأخيرةُ بناءٌ بلا شكٍّ، والثانيةُ قضاءٌ على مذهب المدونة، بناءٌ على مذهب الأندلسيين.

الثالثة: عكسُها.

وهاتان الصورتان تُستدركان على المصنفِ؛ لأنه اجتمع فيهما القضاءُ والبناءُ بخلاف الأُولى فإنها بناءٌ كلُّها، أو قضاءٌ كلُّها، والله أعلم.

والأظهرُ تقديمُ البناءِ؛ لأنه إذا قَدَّمَ القضاءَ وَقَعَ بين بناءين، وإذا قدّم البناءَ وقع القضاءُ في طرفٍ، والبناءُ في طرفٍ آخرَ.

وقوله: (وَذَلِكَ) أي اجتماعُ البناءِ والقضاءِ، فيُتَصَوَّرُ في ثلاثِ مسائلَ:

ص: 90

الأولى: فاتَتْه الأُولى وأَدرك الوسطيين، وفاتته الرابعة بخروجِه لغسلِ الدمِ، وفي معناها النُّعَاسُ والزِّحامُ. فعلَى البناءِ يأتي بركعةٍ بالفاتحةِ فقط سرّاً. وهل يَجلس قبل نهوضِه لركعةِ القضاءِ؟ قولان: الْمَشْهُورِ الجلوسُ؛ لأنه يُحاكي به فِعْلَ الإمام؛ ولأَنَّ مِن سنةِ القضاءِ أن يكون عَقِيبَ جلوسٍ. وقيل: لا يَجلس؛ لأنها ثالثتُه. ثم يأتي بركعةٍ بأمِّ القرآنِ وسورةٍ ويَجهر إِنْ كانتْ صلاةً جهريةً، ويَجلس؛ لأنها آخرُ صلاتِه.

وتُلَقَّبُ هذه المسألةُ بأمِّ الجناحين لقراءةِ السورة في الطَّرَفَيْنِ. وعلى قولِ سحنون: يأتي بركعة بأم القرآن وسورةٍ ولا يجلس، ثم بركعةٍ بأمِّ القرآنِ خاصةً.

الصورة الثانية: فاتته الأولى وأدركَ الثانيةَ وفاتته الأخيرتان، فعلى البناءِ يأتي بركعةِ بالفاتحة فقط ويجلس؛ لأنها ثانيته تغليباً لحُكْمِه، ثم يأتي بالثالثة بالفاتحةِ فقط. وهل يجلس. القولان، ثم بركعة القضاءِ بالفاتحةِ والسورةِ، وتكون هذه الصلاةُ– على الْمَشْهُورِ– كلها جلوساً، وهي أيضاً– على هذا القول– أمُّ جَناحين. وعلى القضاء يأتي بركعةٍ بالفاتحة وسورة ويجلسُ لأنها ثانيته، ثم بركعتي البناء مِن غيرِ جلوس في وَسَطِها.

الصورة الثالثة: فاتته الأُوليان وأدركَ الثالثةَ، وفاتته الرابعة لخروجه للغسل. فعلى البناء يأتي بالفاتحة فقط ويجلسُ اتفاقاً؛ لأنها ثانيته ورابعة إمامه؛ ولأنَّ القضاءَ لا يَقوم له إلا مِن جلوس، ثم يأتي بركعتي القضاءِ بسورتين مِن غير جلوس في وسطهما؛ [15/ أ] لعدمِ مُوجِبِ الجلوسِ، فتكون السورتان متأخرتين عكسَ الأصلِ. وعلى القضاءِ يأتي بالفاتحةِ والسورةِ ويجلسُ؛ لأنها ثانيتهُ، ثم بثالثةٍ بالفاتحةٍ والسورةٍ ولا يجلسُ، ثم بركعة البناءِ بالفاتحةِ فقط، وتُسمى هذه الحُبْلَى والمُجَوَّفَةَ؛ لصيرورةِ السورتين في وسطِها.

وَعَلَى الْبِنَاءِ فَفِي جُلُوسِهِ فِي الأَخِيرَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَةً قَوْلانِ

يعني: إذا كانت ثانيةً لم يدخلها خلافٌ، بل يجلسُ فيها اتفاقاً كما ذكرنا في الصورة الثالثة، وإن كانت غيرَ ثانيةٍ فقولان، كالصورة الأولى والثانية.

ص: 91