الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ
الأول هو المشهور، وتصور كلامه ظاهر.
وَالْجَمَاعَاتُ سَوَاءٌ، وَقِيلَ: تَتَفَاضَلُ بِالْكَثْرَةِ
هذا كقوله فى الجواهر: والمشهور أنه لا فضلَ لجماعةٍ على جماعةٍ. وقال ابن حبيب: بل تَفْضُلُ الجماعةُ الجماعةَ بالكثير وفضيلة الغمام. انتهى
ابن عبد السلام: ومنهم من يرى ان إطلاق الأول بالتسوية إنما هو فى نفى الإعادة فى حقِّ مَن صلى مع واحد فاكثر لا أن الصلاة مع واحد كالصلاة مع ألف، لما رواه أُبَىُّ بن كعب أنه عليه الصلاة والسلام قال:"صلاة الرجل مع واحد أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى مِن صلاته مع الواحد، وما كثر فهو أحب إلى الله". ولما رواه مالك: "مَن صلَّى بأرضِ فلاةٍ صلى عن يمينه ملك وعن يسارة ملك، فإن أذن وأقام صلى وراءه مِن الملائكة كأمثالِ الجبال". الباجى: ولو لم تكن الجماعه تتفاضل لمَا كان للمصلِّى فائدةٌ فى تكثير مَن صلى خلفة.
وَإِذَا أُقِيمَتْ كُرِهَ التَّنَفُّلُ
لما فى مسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
ابن عبد السلام: وظاهر الاحاديث وما يقوله اهل المذهب فى تفاريع هذه المسالة مِن القَطْعِ أن المراد بالكراهة هنا التحريم.
وقال ابن هارون: المراد بالكراهة هنا التحريم، ويناقش المصنف فى تخصيصه الكراهة بالنقل، وهو أيضاً ممنوعٌ مِن فرضٍ آخرَ غير الذى أُقِيمَ. انتهى.
وَتُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ الْمُنْفَرِدِ مَعَ اثْنَيْنِ فَصَاعِداً، لا مَعَ وَاحِدٍ عَلَى الأَصَحِّ إِلا إِمَاماً رَاتِباً فِي مَسْجِدِه فَإِنَّهُ كَالْجَمَاعَةِ، وَلِذَلِكَ لا يُعِيدُ ....
ظاهره أن المنفرد يطلب الجماعة ليعيد معها.
ابن راشد: وهو ظاهر المذهب، وفى الحديث:"صل معنا وإن كنت صليت مع أهلك".
ويؤيده [?0/ب] إطلاق مالك فى موطئه، حيث يقول: ولا أرى بأساً أن يصلى مع الغمام من كان قد صلى وحده، إلا المغرب. انتهى. وهو خلاف ما فى المبسوط، لانه قال فى المارَّ يكون قد صلى وحده على نفسه مع الإمام بعد أن صلى وحده، وذلك مما لا ينبغى. نقله الباجى، ولم يذكر فيه خلافاً.
وفى استدلال ابن رشد بالحديث، وبما فى الموطأ نظر.
تنبيه:
هنا سؤال: وذلك لأنه إذا كان المطلوب فى حق من هو خارج المسجد ألا يدخل المسجد- كما قد قاله مالك - وتلزمه الصلاة بدخوله، فأين محل الاستحباب؟ إلا ان يجاب عنه بأن الاستحبابَ خاصٌ بغير المسجد.
قوله: (مَعَ اثْنَيْنِ فَصَاعِداً) لقله صلى الله عليه وسلم: "الاثنان فما فوقهما جماعة".
قوله: (لا مَعَ وَاحِدٍ عَلَى الأَصَحِّ) أى: لأنه إنما أُمِرَ أن يُعيد مع جماعة، والواحد ليس جماعة. وهذا القول نقلة ابن يونس عن القابسى وأبى عمران، وراى فى القول الآخر أنه إذا دخل مع الإمام صار جماعة.
خليل: وهو أظهر؛ لأن الصلاة إنما اعيدت للفضل، والفضل يحصل مع راحد، وحديث:"من يتصدق على هذا". يوضحه، وقد صرح صاحبُ اللباب بأنَّه ظاهرُ المذهبِ، بعد أنْ نَقَلَ الأَوَّلَ عن القابسيِّ.
وقوله: (إِلا إِمَاماً رَاتِباً) أى: لأنه وحده كاجماعة، بدليل انه لا يعيد فى جماعةٍ إذا صلى وحده.
فائدة:
الإمام الراتب يقوم مقامَ الجماعة فى أوجه: فى تحصيل الفضل المرتب للجماعة، وفى عدم إعادته فى جماعة، وفى أنه إذا وحده لا تعيد بعدة جماعة، وفى أن الصلاة تعاد معه وحده باتفاق.
فرع:
أذا صلى وحده ثم أدرك ركعة من صلاة الجماعة أتمها، وإن لم يدرك ركعة فليس عليه إتمامها لئلا يُعيد منفرداً، ويستحب أن يصلي ركعتين، يجعلهما نافلة. قاله فى الجلاب، وقاله ابن القاسم، وقُيِّدَ بأن تكون الصلاة يُتنفل بعدها. ولو أدركه فى التشهد فروى أشهبُ: لا يدخل معه. وقال ابن القاسم: فإن دخل يظنه فى التشهد الأول، فسلم الإمام فلا شىء عليه، وأحبُّ إليَّ ان يتنفل بعدها. فإن شاء تَرَكَ. وقاله المغيرةُ وابنُ الماجشون، وقال مالك فى المبسوط: إن كانت نيته حين دخل مع الإمام ان يجعلها ظهراً أربعاً، وصلاتَه فى بيته نافلةً فعليه أن يتمها وأمرهُما إلى الله تعالى، يجعل فرضَه أيهما شاء، وأن لم يرد رفض الأولى أجزأته الأولى، ولم يكن عليه أن يتم هذه.
وَفِي إِعَادَةِ مَنْ صَلَّى مَعَ صَبِيَّ أَوْ أَهْلِهِ قَوْلانِ
يعنى: أنه اختُلف فيمن صلَّى مع صبى، فقيل: لا يعيد فى جماعة. وقال ابن عبد الرحمن. يعيد، لآن صلاة الصبى نافلة.
واختلف فى أيام محمد فيمن صلى مع امرأته هل يعيدها فى جماعة؟ وإلى عدم الإعادة ذهب الشيخ أبو الحسن والشيخ أبو عمران، وهو اختار جماعة. المازرى قال: لأنه مع المرأة جماعة.
فَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَالظَّاهِرُ لُزُومُهَا كَالَّتِي لَمْ يُصَلِّهَا
أى: الظاهر من المذهب، لأنه قال فى المدونة: ومَن سمع الإقامة- وقد صلى وحده- فليس بواجب عليه إعادتها إلا أن يشاء، ولو كان فى المسجد لدخل مع الإمام، إلا فى المغرب فليخرج. انتهى. وظاهرهُ لزومُ الدخول، وصرح بذلك ابن بشير، ويدل علية قولة عليه الصلاة والسلام:"صل"، والأمرُ للوجوب. ويؤخذ مِن كلامِ المصنفِ الحكمُ فى التى لم يُصَلِّها بطريقِ الأَوْلَى، وفُهم من كلامه أنه إذا أتى المسجد قبل إقامة الصلاة أن له أن يخرج ما لم تُقَمْ، وبذلك صرح ابن الماجشون.
وإِنْ كَانَ فِي نَفْلٍ أَتَمَّهَا
أى: أتم النافلة سواء عقد ركعة أم لا، يريد مالم يخف فوات ركعة، كما سيأتى. فإن قيل: هذا خلاف المشهور فيمن أحرم بنافلة فذكر أن عليه فريضة، فإنه إذا لم يعقد ركعة يقطع. قيل: الفرق أنه فى هذه إذا أتم النافلة أدرك وقت الفريضة وفعلها على التمام مع الإمام، ولم يكن فى ذمته ما يمنعه التمادى، بخلاف من ذكر فريضةً فإن الوقت قد تعين لها وهى فى الذمة، فأَثَّرَتْ فيما تَلَبَّسَ به فافترقا. قال فى البيان: ولا خلاف أنه إذا عقد ركعة فى النافلة أنه يضم إليها ثانية، إلا فى المغرب.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا وَهِيَ غَيْرُ الْمَغْرِبِ فَإِنْ عَقَدَ رَكْعَةً شَفَعَهَا. وَقِيلَ: وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً كَالنَّفْلِ، وَإِلا قَطَعَ ....
يعنى: وإن كان فى الصلاة التى أقيمت عليه، بشرط أن تكون غير المغرب، فإن كان قد عقد ركعة فلا يقطع وكمًلها نافلةً، وإن لم يعقد قَطَعَ، وإليه أشار بقوله:(وإلا قطع) وهذا مذهب المدونة. وقال أشهب: يشفعها وإن لم يعقد ركعة كالنافلة. وفرق للأول بأن النافلة إذا قطعها أبطلها بالكلية، والفريضة إذا قطعها يأتى بها على وجه أكمل. وأيضاً فإن
نية النافلة على حالها لم تتغير، وفى الفريضة قد تغيرت من الفرض إلى النفل فضعفت بهذا؛ ولأنه فى الفريضة إذا أُمِرَ أن يُتم ركعتين فهو قاطع لها، فيقطع مِن الآن، بخلافِ النافلة فإنه إذا أتمها ركعتين هو تمامها. ذكر هذه الفروق ابنُ يونسَ وغيره. وحصل فى البيان فيها والتى قبلها أربعة أقوال: يقطع فيهما، يتم فيهما، يقطع فى الفريضة دون النافلة، وعكسه.
وَالثَّالِثَةُ كَالأُولَى إِلا أَنَّهُ يَجْلِسُ لِيُسَلِّمَ
أى: إذا عقدها تمادى، وأضاف إليها أخرى وسلم. قال ابن القاسم: ولا يجعلُها نافلة. والعقدُ فيه خلافٌ مشهور، [??/أ] وإن لم يعقدها لم يتمادَ، وعاد إلى الجلوس وسلم؛ لأن السلام لا يكون إلا وهو جالس.
فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ قَطَعَ فِي الْجَمِيعِ
أى: قطع فى الفريضة والنافلة، عقد ركعة أم لا، إذ لو لم يقطع لتحققتْ مخالفةُ الإمام وصلاتان معاً.
وَالْقَطْعُ بِسَلامٍ أَوْ مُنَافٍ، وَإِلا أَعَادَ الصَّلاةَ
يعنى: وحيث قلنا بالقطعِ فلا يَقطع ما أَحْرَمَ به إلا بسلامٍ، أو بفعلٍ مناف للصلاة، ومتى لم يفعل ذلك صار محرماً فى الصلاة، وهو فى صلاة، فتبطلان معاً.
خليل: وينبغى -على القول بأن الصلاة ترتفض بالنية- أن يصح الرفض هنا بغير سلام ولا كلام.
وَفِي الْمَغْرِبِ يَقْطَعُ. وَقِيلَ: كَغَيْرِهِا
أى: يقطع، عَقَدَ ركعةً أم لا، لئلا يؤدى إلى التنفل قبل المغرب، وقال الباجى: لأنه دخل بنية الوتر فلا يسلم على شفع. وفى هذا الأصل خلاف.
والقول الثانى: لابن القاسم، وأشهب فى المجوعة، ورأيا أن الأحكام جرت إليه.
وَإِنْ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ فَالْمَشْهُورُ يُتِمُّ وَيَنْصَرِفُ، كَمَا لَوْ قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ، أَوْ كَانَ أَتَمَّهَا
يعنى: إذا أتم ركعتين من المغرب ففى المدونة- وهو المشهور - أنه يضيف إليها ثالثةً فيسلم وينصرف؛ لأنه إذا سلم من اثنتين يصير متنفلاً قبل المغرب.
ومقابلُ المشهور لابن القاسم أيضاً فى المجموعة: يسلم منها؛ لأن فى إتمامها مخالفة على الإمام وإيقاع صلاتين معاً.
وقوله: (كَمَا لَوْ قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ) ظاهرة أنه يتفق على أنه إذا قام إلى ثالثة على الإتمام، وفيه نظر. فقد حكى اللخمى وابن بشير وغيرهم الخلاف إذا ركع فى الثالثة ولم يَرفع، وبَنَوْهُ على الخلاف فى الرفع.
ابن راشد: ثم حيث أمرناه بالانصراف فإنه يخرج مُمْسِكاً لأنفه ليشعر أن خروجَه لرعافٍ أصابه لمَا فى خروجه مِن التعرض للإمام.
فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا فَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: يَتَمَادَى مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ رَكْعَةٍ. وَقِيلَ: فَوَاتَهَا كُلَّهَا. وَقِيلَ: وَإِنْ خَافَ ......
أى: وإن أقيمت عليه الصلاة وهو فى غيرها كما لو أقيمت عليه العصر وهو فى الظهر، فقيل: الحكم فيها كما إذا أقيمت عليه الصلاة نفسها فيفرق بين أن يعقد ركعة أم لا، كما تقدم، وهو قول ابن القاسم، قال: إن كان قد صلى ركعة شفعها ودخل مع الإمام وإن خاف فوات ركعة مع الإمام قطع. وظاهر كلامه أنه إن لم يعقد ركعة قطع. وقيل: يتمادى مطلقاً، عَقَدَ ركعة أم لا، إلا أن يخاف فوات ركعة. وهذا القول رواه أشهب عن مالك.
وقوله: (وَقِيلَ: فَوَاتَهَا) أى: الصلاة كلها، وهذا القول حكاه اللخمى عن مالك فى المستخرجة فيمن كان فى الظهر فأقيمت عليه العصر، أنه إن كان يطمع أن يفرغ منها
ويدرك الصلاة مع الإمام فَعَلَ، وإلا قطع ودخل مع الإمام ويستأنف الصلاتين. انتهى. ولكن حملها ابن يونس على أنها وفاق لما رواه أشهب، وأنه إنما يتمها إذا لم يَخف فواتَ ركعة. وقال محمد بن عبد الحكم: يتم صلاته التى هو فيها ويخففها. فإن أدرك مع الإمام شيئاً صَلَّى، وإن لم يُدرك صلَّى لنفسه. وهذا القول هو الرابع من كلام المصنف، ولا إشكال على قول ابن القاسم لمساواته بين من أقيمت عليه تلك الصلاة أو غيرها، وأما على قول مالك، فقال ابن يونس: يحتمل أن يساوى مالك بينهما، ويرى أنه إذا أقيمت عليه الصلاة التى هو فيها، وطمع فى إكمالها قبل ركوع الإمام أكملها. وإليه نحا فى رواية أشهب، فلا فرق بين أن تقام الصلاة التى هو فيها أو صلاة أخرى؛ لأنه إنما أمر بالقطع فى الجميع لئلا يقع فى الصلاتين معاً. وقد يفرق بينهما بأن من أقيمت عليه الصلاة التى هو فيها إذا قطعها وصل مع الإمام اعتد بصلاته معه، وحصل له فضل الجماعة، والذى أقيمت عليه أخرى إذا قطع لم تحصل له الصلاتان جميعاً، أما الأولى فلإبطاله إياها، وأما التى مع الإمام فلأنه صلاها وعليه صلاة. قال معناه المازريُّ وابنُ يونس.
وَلا تُعَادُ الْمَغْرِبُ وَلا الْعِشَاءُ بَعْدَ الْوِتْرِ. وَقِيلَ: تُعَادَانِ
أما منع إعادة المغرب فلأنها وتر صلاة النهار، ولأنها لو أعادها لزم أن تكوم إحدى الصلاتين نفلاً، ولا يتنفل بثلاث. وقال المغيرة، وابن مسلمة: تعاد المغرب، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم:"صَلِّ وإنْ كنتَ صليتَ مع أهلك". وأما مَن منعَ إعادة العشاء بعد الوتر فلأنه لو أعادها فإما أن يعيد الوتر أم لا؟ ولا يُمكن إعادتُه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وتران فى ليلة"، ولا عَدَمُ إعادته لقوله صلى الله عليه وسلم:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً". قال اللخمى: وعلى قول المغيرة تعاد العشاء بعد الوتر.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ أَعَادَ فَإِنْ رَكَعَ شَفَعَهَا، وَقِيلَ: يَقْطَعُهَا. وَقِيلَ: يُتِمُّهَا
أى: إذا فرعنا على المشهور فأخطأ وأعاد، فإن لم يركع قطع، وإن ركع فثلاثة أقوال:
الأول: يشفعها. حكاه الباجى عن ابن حبيب، قال: ويجئ على أصل ابن القاسم أنه يقطع بعد الركوع، أى: لأن أصله أن العقد غنما هو بالرفع.
ورأى فى الثالث أنه احرم بصلاة فلا يقطعها لقوله، تعالى:{وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33][71/ب] وهذا التفريع المذكور منصوص فى المغرب.
ابن عبد السلام: ولا أذكره الآن في العشاء بعد الوتر.
وقال ابن هارون: ذِكْرُه ذلك مما انفرد به.
فَإِنْ أَتَمَّ الْمَغْرِبَ أَتَى بِرَابِعَةٍ بِالْقُرْبِ، فَإِنْ طَالَ لَمْ يُعِدْهَا ثَالِثَةً عَلَى الأَصَحِّ
يعنى: إذا أتم المغرب أضاف إليها أخرى بقرب سلامه وتكون نافلة، قاله ابن القاسم. قال: وبلغنى ذلك عن مالك. وإذا كان يضيف إليها أخرى بالقرب بعد السلام فَلأَنْ يُضيف إليها أخرى قبل سلامه أَوْلَى. قال اللخمى بعد كلام ابن القاسم: يريد إذا أعادها بنيه النفل، وإن نوى رفضَ الأولى لتكون هذه فرضة لم يشفعها، لأن الاحتياط لفرضه أولى.
واعلم أن القول بإعادة المغرب ثلاثاً إنما يعلم لابن وهب، ولمالك فى رواية ابن زياد، وانما نقله صاحب النوارد والتونسى والباجى إذا أكمل المغرب مع الإمام، وأراد المأمومُ الإصلاحَ قبل سلامِه. ولفظ الباجى: فإن أكمل صلاته مع الإمام، وأراد الإصلاح قبل السلام فقد قال ابن القاسم فى المدونة: من أعاد المغرب فى جماعة، فإنه يشفعها بركعه، وبلغنى ذلك عن مالك. وقال ابن وهب: لا يشفع، ولكن يسلم ويعيدها ثالثة، فإن ذكر بعد السلام فقد قال ابن حبيب: إنْ ذَكَرَ بالقُرْبِ شَفَعَها بركعةٍ وإن تباعد ذلك فلا
يشفعها ولا شيء عليه. انتهى. وهذا تصريح بأن قول اين وهب إنما هو إذا ذكر قبل السلام، وكذلك نقل صاحب البيان عن مالك من رواية على بن زياد، وينبغى أن يكون الحكم كذلك على هذا القول إذا ذكر بقرب السلام، وهو خلافُ نَقْلِ المصنف؛ لأنه إنما نقله مع البعد لقوله:(فَإِنْ طَالَ) فانظره. وبنى الباجي خلافَ قول ابن القاسم وابن حبيب وأشهب على الخلاف فى نبة الشفع، هل هي منافية لنية الوتر أو لا؟
وَفِي إِعَادَةِ الْوِتْرِ قَوْلانِ
أي: إذا أوتر بعد العشاء، وقلنا: لا يعيدها، فأعادها فقال سحنون: يعيد الوتر. وقال يحي بن عمر: لا يعيده. واحتجا بالحديثين، ورأى اللخميُّ الإعادةَ إن كانت نيتُه بالعشاء الفرضَ، وإن نوى بها النفل لم يُعِدْ.
وَإِذَا أُقِيمَتْ وَقَدْ أَحْرَمَ فِي بَيْتِهِ أَتَمَّهَا كَمَا لَوْ لَمْ تُقَمْ
أي: إذا أحرم بصلاة فى بيته، فأقيمت تلك الصلاة فى المسجد فإنه يتمادى على صلاته كما لو لم تُقَمْ، لأن الموجب للقطع فى المسجد إما هو خوف مخالفة الإمام، وإما وقوعه فى صلاتين معاً، وكل منهما منتف هنا.
وَفِي نِيَّةِ الإِعَادَةِ أَرْبَعَةٌ: فَرْضٌ، وَنَفْلٌ، وَتَفْوِيضٌ، وَإِكْمَالٌ
نُظِمَتْ هذه الأقوال، فقيل:
في ِنيَّةِ العَوْدِ للمفروضِ أربعة
…
فرضٌ ونفلٌ وتفويضٌ وإكمالْ
ابن الفاكهانى: والمشهور التفويض، وحكى ابنُ بشير وابن شاس الأربعةَ، ولم يحك الباجى والمازرى وإلا روايتين: النفل والتفويض. والقول بالفريضة. ابن راشد: لم أره معزواً. انتهى.
وصحح ابنُ عبد البر وابنُ العربى وغيرُهما النفلَ، لأن الذمه قد برئت بالصلاة الأولى. واستكمل القول بالإكمال؛ لأنه إن وقع الخلل فى أركان الأولى تَعَيَّنَ عليه أن ينوى الفرض، وإن وقع على الكمال كانت الثانية نفلاً ولا معنى للتكملة.
ابن راشد: ولم أره فى غير الأصل من الأمهات.
وقال ابن عبد السلام: فهم المؤلف القول بالإكمال رابعاً، وظاهرُ كلام قائله أنه تفسيرٌ للقول بالنفل، وهو الأقرب، وإلا فالأمر بالنفل المجرد من غير تكميل للفرض السابق به لا معنى له. انتهى بمعناه.
واستشكلت الفرضية أيضاً؛ لأنها مبنية على الرفضِ، والذمةُ قد برئت فعمارتُها ثانياً تفتقر إلى دليل.
واستُشكل التفويضُ أيضاً بأن النية شأنها التمييز، والتفويضُ ضدُّ ذلك. وقولُ عمر لما سئل عن ذلك: أَوَ ذَلِكَ إليك، إنما ذلم إلى الله يجعل أيتهما شاء رَاجِعٌ إلى القَبول، وبذلك فسره ابنُ الماجشون، وهو أمرٌ آخر وراء النية.
وَعَلَى الْفَرْضِ لَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُ الأُولَى أَجْزَأَتْهُ الثَّانِيَةُ، وَلَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُ الثَّانِيَةِ لَمْ تُجْزِئْهُ الأُولَى، وَعَلَى غَيْرِهِ بالْعَكْسِ فِيهِمَا .....
قال فى الجلاب: ون أعاد صلاتَه فى جماعةٍ، ثم ذكر أنَّ الأُولى مِن صلاتيه كان فيها على غير وضوء ففيها روايتان: إحداهما: أن الثانية تجزئه عن فرضه، والأخرى: لا تجزئه وعليه الإعادة. انتهى.
وانظر: هل يؤخذ من هنا القول بأنه ينوى الفريضة.
وقوله: (وَعَلَى غَيْرِهِ) أى: الثلاثة الأُخَرِ: النفل، والتفويض، والإكمال.
وقوله: (بالْعَكْسِ فِيهِمَا) أى: فإن تبين فساد الأولى لم تجزئه الثانية، وإن تبين فساد الثانية أجزأته الأولى. وما ذكره المصنف مِن أنه إذا تبين فسادُ الأولى لم تجزئه الثانيةُ بَيِّنٌ على
النفل والإكمال، وأما على التفويض، فقال ابن بشير: تُراعى صحة الصلاتين؛ لأنه لا يدرى أيتهما المنكوبة. وقال اللخمى: إذا تبين فساد إحدى الصلاتين- على القول بالتفويض- أجزأتْه الأخرى. وعلى هذا فكلام المصنف لا يوافق واحداً منهما.
وسلك فى الجواهر طريقةً أخرى؛ لأنه قال: هل يُعيد بنية الفرض، أو النفل، أو الإكمال، أو التفويض؟ أربعةُ أقوال، ينبنى عليها ثلاثة فروع:
الفرع الأول: إن صلى فذّاً ثم أعاد فى جماعة، ثم ذكر أن الأولى كانت على غيرِ طهارة، فقال ابن القاسم: تجزئة الثانية. وقال ابن الماجشون: لا تجزئه؛ لأنه صلاها على جهة [??/أ] السُّنية لا على جهة الفريضة. وقال أشهب: إن كان حين دخوله فى الثانية ذاكراً للأولى فلا تجزئة هذه، وإن لم يكن ذاكراً لها أجزأته.
الفرع الثانى: إذا صلى مع الإمام لفضل الجماعة معتقداً انه صلى فى بيته، ثم ذَكَرَ أنه لم يُصَلِّ فقال ابن القاسم: تجزئه. وقال ابن أشهب: لاتجزئه.
الفرع الثالث: إذا صلَّى الأول على طهارة، وأَحْدَثَ فى الثانية، فروى المصريون عن مالك: ليس عليه أن يُعيد الثانية. وقال أشهب منهم: ولو قصد بصلاته مع الأيام رَفْضَ الأولى لم تلزمه إعادة. وروى: أنه يعيدها. وبه قال ابن كنانة وسحنون، إلا أنهما اختلفا فى التعليل، فقال ابن كنانة، لأنه لايدرى أيهما صلاته. وقال سحنون، لأنهما وجبت بدخوله فيها. وتظهر فائدتها فى التعليل، إذا كان الحدث من غلبة. وقال ابن عبد الحكيم: إذا أحدث بعد عقد ركعة أعاد الثانية؛ لأنه أدرك صلاة الإمام، وإذاكان قبل أن يعقد ركعة لم تلزمه إعادتها. وحكاه ابنُ سحنون عن أبيه، وروى فى كتاب ابن سحنون أنه إن كان أراد بصلاته مع الإمام أن يجعلها فرضه، والتى صلاها وحده نافلة، أو أراد أن يكون الأمر إلى الله سبحانه فى صلاته فليُعد الصلاة. انتهى كلامه فى الجواهر.
وَلا يُؤْتَمُّ بِالمُعِيدِ، وَيُعِيدُ الْمُؤْتَمُّونَ بِهِ أَبَداً أَفْذَاذاً عَلَى الْمَشْهُورِ
لا يؤتم به؛ لأنه كمتنفل، وينبغى على القول بأنه ينوى الفريضة أن يَؤُمَّ، قاله اللخمى، ويعيد المؤتمون به أبداً كما ذكرناه. ونقل ابن بشير عن ابن سحنون أنه قال: يعيد المؤتمون وإن خرج الوقت ما لم يطل ذلك؛ لأجل اختلاف الصحابة رضى الله عنهم فى صلاة المفترض خلف المتنفل.
فإن قلت: فإن كانوا يعيدون أبداً فينبغى أن يجمعوا؛ لأن الإعادة أبداً تقتضى البطلان، وإذا بطلت لم يحروما فضل الجماعة.
قيل: لأن الصاة لما كانت غير مجزئة عندنا، وكان الشافعى وغيره يرى صحتها قيل بالإعادة أبدا لبطلان الصلاة عندنا، وبعدم إعادته فى جماعة لصحتها عند الغير.
ابن هارون: وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) يحتمل أن يتعلق بقوله: (وَيُعِيدُ الْمُؤْتَمُّونَ) أو بقوله: (أَبَداً) أو بقوله: (أَفْذَاذاً).
فعلى تعلقه بالأول يكون إشارة إلى التحرز مما أجراه اللخمى من نفى ظغعادتهم على القول بالفرضية.
وعلى تعلقه بالثانى يكون إشارة إلى ما حكاه ابن بشير عن ابن سحنون.
وعلى تعلقه بالثالث يكون إشارة إلى مذهب المدونة فى أنه يعيد بنية التفويض، وقد يحتمل إذا قلنا أنه يعيد بنية النفل أن يعيد فى جماعة. انتهى.
وَلا تُعَادُ صَلاةُ جَمَاعَةٍ مَعَ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ فِي أُخْرَى. ابْنُ حَبِيبٍ: إِلا فِي الثَّلاثَةِ الْمَسَاجِدِ. وَأُلْزِمَ أَنْ يُعِيدُ مُنْفرِداً ....
المساجد الثلاث هى: المسجد الحرام، ومسجده عليه الصلاة والسلام، ومسجد بيت المقدس. يعنى أن مَن صلَّى فى جماعة- ولو قل عددها- فلا يعيدها فى حماعة أخرى.
وكلامُ ابن حبيب ظاهرٌ، والإلزام للخمى؛ لأن الصلاةَ فى أحد الثلاثة منفرداً أفضلُ مِن الصلاة فى جماعة غيرها. وقد قال مالك فى قوم أتوا المسجد فوجدوا أهله قد صلوا: فلا بأس أن يَخرجوا منه فيجتمعوا فى غيره، إلا أن يكون المسجد الحرام، أو مسجده عليه الصلاة والسلام، فيُصَلُّوا أفذاذاً، فهو أعظم لأجرهم. وهذا ظاهر؛ لأن صلاتهم جماعة تفضل صلاةَ الفَذِّ بسبع وعشرين درجة، والصلاةُ فى أحد المسجدين بألف. ابن بشير: ولا يلزم هذا. ابن حبيب: لأن الشرع إنما وَرَدَ بإعادة الفذِّ فى جماعةٍ، وهذا نقيضه. وفيه نظر، والله أعلم.
فَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ، وَلا يَجْلِسُ، وَلا يُصَلِّيهَا وَلا غَيْرَهَا
أى: أقيمت بعد أن صلاها فى جماعة خرج. ولا يجلس لئلا يتوهم الطعن على الإمام، ولا يصليها لئلا يعيد ما صلى فى جماعة، ولا غيرها لئلا يقع فى صلاتين معاً، وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك، رواه الترمذى وأبو داود.
وَلا تُجْمَعُ صَلاةٌ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ مَرَّتَيْنِ، وَإِمَامُهُ وَحْدهُ كَالْجَمَاعَةِ إِلا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَمَعَ قَبْلَهُ، وَيَخْرُجُونَ فَيُصَلُّونَ جَمَاعَةً فِي مَوْضِعٍ غَيْرِه إِلا فِي الثَّلاثَةَ الْمَسَاجِدِ فَيُصَلُّونَ أَفْذَاذاً .....
اعلم أن للشرع غرضاً فى تكثير الجماعة، لعل أن يصلى الشخص مع مغفور له فيغفر له، على ما جاء فى الحديث، ولذلك أَمَرَ بالجماعة وحَضَّ عليها، ولذلك قلنا: لا تجمع الصلاة فى مسجدٍ واحدٍ مرتين: لأن الناس إذا علموا بذلك تأهبوا أول مرة خوفاً من فوت فضيلة الجماعة.
ومِن كرمِ الله تعالى أنْ شَرَعَ الجمعة؛ لأنه قد يكون فى تلك الحالة مغفوراً له؛ لأن الجمعة يجتمع فيها أهل البلدة، ثم شرع العيدين؛ لأنه يجتمع فيها من لا تلزمه الجمعة، ثم
شرع الموقف الأعظم بعرفة الذى يجتمع فيه الناس من سائر الأقطار، وهذا دليل على اعتنائه تعالى بك أيها العبد، وهذا أحسن ماعللت به [??/ب] الكراهة فى هذه المسألة.
وقيل: لئلا يتطرق أهل البدع بالتأخير، ثم يجتمعون مع إمامهم. وقيل: لأن ذلك حق للإمام.
وعلى الأول: يكره الجمع مطلقاً.
وعلى الثانى: يجوز إذا علمت براءتهم.
وعلى الثالث: يجوز إذا أذن الإمام.
ابن راشد: وحكى صاحبُ اللبابِ الجوازَ إذا أَذِنَ الإمامُ، ولم يَحْكِ خلافاً.
وقال سند: ظاهرُ المذهب: لا يجوز وإن أذن الإمام؛ لأن مَن أَذِنَ لرجل أن يؤذيه لا يجوز له ذلك. وكذلك قال ابن عطاء الله، وما ذكره المصنف من كراهة الإعادة هم المشهور.
وذهب أشهب إلى الجواز، ويؤيده حديث:"من يتصدق على هذا".
واحترز بقوله: (لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ) مما لو لم يكن له إمام راتب، فإنه يجوز له الجمع- وإن كان له إمام راتب- فى بعض الصلوات دون بعض، فالصلاة التى فيها راتب لا تُعاد الجماعة فيها، والصلوات الأخرى اختلف قول مالك فى كراهة الإعادة فيها، والكراهة رواية ابن القاسم، ورأى أن مَن جمع أولاً كخليفة الإمام. واستحسن اللخمى جوازَ الإعادة، قال المازرى: وهو الأظهر على أصلنا فى إجازة الجَمْعِ فى المساجد التى لا إمام راتب لها.
وقوله: (وَإِمَامُهُ وَحْدهُ كَالْجَمَاعَةِ) ظاهرٌ.
قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَمَعَ قَبْلَهُ) أى: فيجوز له الجمع، يريد ما لم يستخلف، فلا يجوز له حينئذ الجمع. وقال مالك فى الواضحة: إذا أذًنَ المؤذنُ فلم يأتِهِ أحدٌ فصلَّى