الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التَّيَمُّمُ
وَيَتَيَمَّمُ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ باتِّفَاقٍ
(التَّيَمُّمُ) لغةً القصدُ، وشرعاً طهارةٌ تُرابيةٌ تشتمل على مسح الوجهِ واليدين، وتعذرُ الاستعمالِ على المريضِ مِن جهةِ عدمِ الماءِ، أو عجزِه عن استعمالِه، [29/ أ] وعلى المسافرِ من جهةِ عدمِ الماءِ.
والتعذرُ- بمعنى تعذرِ الاستعمالِ- هو مصطلحُ الفقهاءِ. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المرادُ بالتعذرِ فيها التعذرَ مِن جهةِ العدمِ لتكونَ لفظةُ التعذرِ مستعملةً في معنى واحدٍ، وتكون فيه إشارةٌ إلى قوله تعالى:{وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [النساء:43]؟ فجواُبه أن المصنفَ لما فَسَّرَ التعذرَ فقال: ويتعذرُ بعدمِه، أو ما يتَنَزَّلُ منزلةَ عدمِه، وذكر في القسمِ الثاني عجزَ المريض مِن جهةِ الاستعمالِ - منع مِن حَمْلِه على ما ذكرتَ، فإن قلت: فإذا كان كذلك، فلا يصحُّ الاتفاقُ؛ لأن المريض إذا عَجَزَ عن الاستعمالِ تارةً يَخَافُ على نفسِه وتارةً على ما دُونَها، والأَوَّلُ لا خِلَافَ فيه، والثاني فيه الخلافُ كما سيأتي. فالجوابُ أنَّ المرادَ به متفقٌ عليه في الجملةِ، والله أعلم.
وَكَذَلِكَ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ يَخْشَى فَوَاتَ الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلا يُعيد. وَقَالَ ابْنُ حَبيبٍ: رَجَعَ عَنْهُ إِلَى وُجُوبِ الإِعَادَةِ ....
منشأُ الخلافِ هل تتناول الآيةُ الحاضِرَ، أو هي مُخْتَصَّةٌ بالمريضِ والمسافرِ، وذلك لأن الله تعالى قال:{وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [النساء: 43] فإن حملنا {أو} على بابِها فيكون قوله تعالى: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَآئِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِّسَآءَ} [النساء: 43] مطلقاً لا يَختص بمريضٍ ولا بمسافرٍ، وإن جعلناها بمعنى الواو خصَّتِ المريضَ والمسافرَ، لأن التقديرَ: وإن كنتم مرضَى أو على سفرٍ وجَاءَ أحدٌ منكم من الغائطِ. والْمَشْهُورِ أظهر؛ لحَمْلِ أَوْ على حقيقتها.
ومقابلُ الْمَشْهُورِ لمالك في الموازية قال: ويَطلب الماءَ وإن خرج الوقتُ. نقله ابن راشد، وهذا يظهر إذا قلنا: إِنَّ مَن عَدِمَ الماءَ والصعيدَ لا يُصلي، وأمّا على القولِ بأنه يصلي فيحتمل أنه يُصلي هذا بغير تيممٍ، ويحتمل أن يُقال: إنه يتيمم؛ لأن التيمم لا يَزيده إلا خيراً.
والْمَشْهُورِ كما قال المصنفُ أنه لا إعادةَ عليه، صرح بن الباجي وابن شاس، ولفظُ ابن شاس: إذا فرّعنا على الأوّل – أي: التيمم – فهل يُعيد؟
الْمَشْهُورِ أنه لا إعادة عليه، وقال ابن عبد الحكم، وابن حبيب: يُعيد أبداً. ابن حبيب: وإليه رجع مالك. انتهى.
وعلى هذا فقول المصنف: (وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: رَجَعَ عَنْهُ) أي: عن عدم الإعادة.
واعلم أنّ التيممَ مِن خصائص هذه الأمّةِ تكريماً لها وتشريفاً، وشُرِعَ لتحصيلِ مصالحِ أوقاتِ الصلاةِ قَبْلَ فواتِها، وذلك يَدُلُّ على اهتمامِ الشرعِ بمصالح الأوقاتِ أكثرَ مِن اهتمامِه بمصالحِ الطهارةِ، وبهذا يترجَّحُ الْمَشْهُورِ.
فإن قيل: فأيُّ مصلحةٍ في إيقاعِ الصلاةِ في وقتِها مع أن العقلَ يَحْكُمُ باستواءِ أفرادِ الزمان؟ فجوابُه: إِنَّ ذَلِكَ تَعَبُّدٌ.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَوْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجُمُعَةِ فَقَوْلانِ
القولُ بالمَنْعِ لأشهب، قال: فإن فَعَلَ لمَ ْيُجْزِهِ. والقولُ بالجواز حكاه ابنُ القصّار وغيرُه. قال ابن عطاء الله: ومنشأُ الخلاف: هل الجمعةُ فرضُ يومِها أو بدلٌ مِنَ الظُّهْرِ؟ انتهى.
وظاهرُ المذهبِ انه لا يَتيمم لها.
ابنُ يونس: قال بعضُ المتأخرين: لو قيل: يَتيمم ويُدْرِكُ الجمعةَ ثم يتوضأُ ويُعيد احتياطاً لما بَعُدَ.
فرع:
لو لم يَجِدِ الجُنُبُ الماءَ إلا في وَسَطِ المسجدِ، فهل يَجِبُ عليه التيممُ لدخولِ المسجدِ ليتوصَّلَ إلى الماء، ويَصِيرُ في معنى مَن تَعَيَّنَ عليه فِعْلٌ كالجنازةِ المتعَيِّنَةِ، أو يُنهى عن ذلك، لأنه لما كان للماءِ بَدَلٌ – وهو التيممُ – صار في معنى مَن لم يتعين عليه؟
المازري: هذا مما لا أحفظ فيه الآن نَصّاً. انتهى. وقال الباجي: قد قال مالك أن الجُنُبَ لا يَمُرُّ في المسجد، فعلى هذا إذا اضطر إليه وَجَبَ عليه التيممُ. انتهى.
وقال في النوادر: قال بعضُ أصحابِنا: مَن نام في المسجد فاحتَلَم فينبغي أن يَتيمم لخروجِه منه. قال سند: وهو باطل بالخبرِ والنَّظَرِ، أما الخبرُ فإنه صلى الله عليه وسلم: لما أَحْرَمَ ثم ذَكَرَ أنه جُنُبٌ – خَرَجَ ولم يَرَهُ أحدٌ يَتيممُ، وأما النظرُ فلأنه إذا اشتغل بالتيمم كان لابثاً في المسجدِ بالجنابةِ، والخروجُ أهونُ منه.
وَلا يَتَيَمَّمُ الْحَاضِرُ لِلسُّنَنِ عَلَى الْمَشْهُورِ
قوله: (لِلسُّنَنِ) ابن عبد السلام: يَقتضي الاتفاقَ على عدمِ التيمم للفضائلِ والنوافلِ، وفيه نظرٌ، والأظهرُ في الحاضرِ الصحيحِ التيممُ للفرائضِ والنوافلِ؛ لأن الآيةَ إذا تناولتْه – كان كالمسافرِ والمريضِ، وإن لم تتناوله – فلا يتيمم لها. انتهى.
ويُمكن أن يُقال: وإن قلنا إن الآيةَ تتناولُه فلا تَتناولُ إلا الفرائضَ عملاً بالحَمْلِ على الغالبِ، إذ الصلاةُ إذا وردتْ في الشرعِ غيرَ مقيدةٍ إنما تُحمل على الواجبةِ، وعلى هذا فاشتراطُ الوضوءِ للنافلةِ إنما هو للإجماع. ويُعترض على هذا بأنه لو صَحَّ لَلَزِمَ أن المسافر لا يتيممُ للنوافلِ، وذلك باطلٌ اتفاقاً. ومقابلُ المشهورِ لسحنون.
وَيَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ لِلْكُسُوفِ
الأحسنُ لو قال: "للنوافل" ليَعُمَّ. ويُمكن أن يريد بالكسوفِ كسوفَ الشمسِ والقمرِ فيَعُمَّ، ويكون كقوله في المدونة: ويتيمم المرضى والمسافرون لكسوف الشمس والقمر.
وَصَلاةُ الْجَنَازَةِ لِلْحَاضِرِ إِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ فَكَالْسُّنَنِ وَإِلا فَكَالْفَرْضِ عَلَى الأَصَحِّ
قوله (لِلْحَاضِرِ) أي: الصحيح؛ لأن المريضَ يتيمم لما هو دون هذا.
وقوله: (فَكَالسُّنَنِ) أي: فلا يتيمم لها على الْمَشْهُورِ.
(وَإِلا) أي: وإن تعينتْ كفرضِ العين على الأصح، [29 / ب] فعلى الأصح يتيمم لها كالظهر والعصر. وعلى مقابِلِه تُدْفَنُ بغيرِ صلاةٍ، فإذا وَجَدَ الماءَ تَوَضَّأَ وصَلَّى على القَبْرِ مراعاةً لمن أَجَازَ الصلاةَ على القبرِ. وفي هذه التفرقةِ نظرٌ؛ لأنه إذا كان مذهب أهل السنة في فرض الكفاية خطابُ الجميعِ حتى تفعلَه طائفةٌ منهم، فلا فَرْقَ بَيْنَ تعيينِه وعدمِ تعيينِه.
وَفِي تَحْدِيدِ سَفَرِهِ بِالْقَصْرِ قَوْلانِ
هذا الفرعُ مرتَّبٌ على القولِ الشاذِّ بمنعِ الحاضرِ من التيممِ للفرائضِ، ومنشأُ الخلافِ فيه: هل المعتبرُ السفرُ الشرعيُّ، أو يُقال: الخروجُ عن الوطنِ مظنةُ عَدَمِ الماءِ؟ والأَوَّلُ نقله ابن حبيب على ما نقله الباجي عنه، فقال: مَن يقصرُ التيممَ على المسافرِ فلا يُجزئه من المسافة إلا ما تُقصر فيه الصلاةُ. والثاني في الإشراف، ولفظُه: يجوز التيممُ في كلِّ سَفَرٍ عُدِمَ الماءُ فيه طال أو قَصُرَ، خلافاً لمن قال: لا يجوز إلا في مقدارِ مسافةِ القَصْرِ لقوله تعالى: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] فَعَمَّ. انتهى.
وجَوَّزَ فيه ابنُ هارون احتمالاً ثانياً، وهو أنه إذا بنينا على المشهور مِن مَنْعِ الحاضرِ مِن التيممِ للنوافلِ فهل يُشترطُ فيه مسافةُ القَصْرِ أَمْ لا؟ قال: وقد ذكر ابنُ بشير هذا الخلافَ.
خليل: ولم أَرَهُ في تنبيهِه.
وَلا يَتَرَخَّصُ بالْعِصَيَانِ عَلَى الأَصَحُّ
أي: لا يترخص بسفرِ العصيانِ كالإِبَاقِ، وقَطْعِ الطريقِ، وعقوقِ الوالدين.
واحترز (بالْعِصْيَانِ) مِن السفرِ المباحِ إذا عصَى فيه. ونفيُه الترخصَ يحتمل عمومَ نفيِ الترخصِ، ويحتمل أن يريد نَفْيَ الرخصةِ بالنسبة إلى التيممِ خاصَّةً، وهو الأظهرُ؛ لأنه يَذكر حكمَ غيرِ التيمم في موضعه. ويُستثنى على الأَوَّلِ جوازُ أَكْلِ الميتةِ، فإنه جائزٌ للعاصي على المشهور ارتكاباً لأخف المفسدتين؛ لأنه لو يأكل لَلَزِمَ فواتُ النَّفْسِ.
ابن عبد السلام: والحقُّ أنه لا يَنْتَفِي مِن الرُّخَصِ بسببِ العصيانِ بالسَّفَرِ إلا رخصةٌ يَظْهَرُ أثرُها في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ كالقَصْرِ والفِطْرِ. وأما رخصةٌ لا يَظهر أثرُها في السفر والإقامة كالتيممِ ومسحِ الخفين – فلا يُمْنَعُ المسافرُ منها.
وَيَتَعَذَّرُ بعَدَمِهِ أَوْ مَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ عَدَمِهِ
لما قَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ التيممِ تعذرُ الماءِ – أَخَذَ يُبين ذلك التعذرَ، أي يتعذر استعمال الماء بوجهين: أحدُهما: عدمُه جملةً، والثاني: ما يتنزل منزلةَ عدمِه.
ابن عبد السلام: ويُقال لغةً: تَعَذَّرَ عليه الأمرُ إذا عَسُرَ، وبعضُ المتأخرين يَستعمل التعذرَ فيما لا يَتأتى وقوعُه أصلاً، والمتعَسِّرَ فيما يَقَعُ بمشقةٍ، وربما قابل أحدَهما بالآخَرِ، فيقول: متعذرٌ أو متعسرٌ. وهو قريبٌ مِن استعمالِ المصنفِ.
الأَوَّلُ: إِنْ تَحَقَّقَ عَدَمَهُ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ
القسم الأول من القسمين: وهو أيضاً ينقسم إلى قسمين: الأول: إن تحقق العدمَ – تَيَمَّمَ لعدمِ الفائدةِ في طلبِ ما لا حُصول له.
ابنُ رشد: يُريد بالتحققِ غلبةَ الظنِّ؛ لأن الظن في الشرعياتِ معمولٌ به، وأما القَطْعُ بالعَدَمِ فلا يُتَصَوَّرُ.
وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ طَلَبَهُ طَلَباً لا يَشُقُّ بِمِثْلِهِ، قَالَ مَالِكٌ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمِيلِ ....
ابنُ عبد السلام: يَدْخُلُ في هذا الظانُّ، والشاكُّ، والمتوهِّمُ وينبغي أن يَختلف حكمُ الطَّلَبِ في حقِّهم، فليس مَنْ ظَنَّ العَدَمَ كمَنْ شَكَّ، ولا الشاكُّ كالمتوَهِّمِ. انتهى.
وقال ابن شاس، وابن عطاء الله: لعادمِ الماءِ ثلاثةُ أحوالٍ: الحالةُ الأولى: أن يتحققَ عَدَمَ الماءِ حواليه فيتيممُ مِن غيرِ طَلَبٍ. الحالة الثانية: أن يتوهم وجوده حواليه فليتردد إلى حدٍّ لا يَدخل عليه فيه ضررٌ ولا مشقةٌ، ولا يُحَدُّ ذلك بحَدٍّ؛ إِذِ الشابُّ ليس كالمرأةِ، وقال أبو حنيفة: لا يَحتاجُ إلى طَلَبٍ، فإن كان عادِماً ولم يَعْلَمْ ماءً جاز له التيممُ. ودليلُنا الآيةُ كما سنذكرُه. الحالة الثالثة: أن يَعتقد وجودَ الماءِ في حدِّ القُرْبِ فيلزمُه السعيُ؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا} (المائدة: 6) وإنما يُقال: لم يجد، لمن طَلَبَ، وحَدُّ القرب ما لم يَنْتَهِ إلى المشقةِ، أو خوفِ فواتِ الأصحابِ.
ورُوي عن مالك أن مِن الناسِ مَن يَشُقُّ عليه نِصْفُ المِيلِ. وقال سحنون: لا يَعْدِلُ للمِيلَيْنِ وإِنْ كان آمناً. انتهى.
تنبيه:
مقتضى كلامِ ابنِ رُشْدٍ أنَّ المتوَهِّمَ لا يَطْلُبُ؛ لأنه فَسَّرَ تحققَ العَدَمِ بِظنِّه، ولا شك أنه إذا ظَنَّ العدمَ كان وجودُه متوَهَّماً، وهو خلافُ كلامِ هؤلاءِ، وعلى هذا فالأَوْلَى أَنْ يَبْقَى التحقيقُ أَوَّلاً على بابه.
وَفِي الطَّلَبِ مِمَّنْ يَلِيهِ مِنَ الرُّفْقَةِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانُوا نَحْوَ الثَّلاثَةِ طَلَبَ، وَإِلا أَعَادَ أبداً.
قال مالك: إن كان أهلُ الرفقةِ يَبخلون بالماء لقِلَّتِه معهم – جاز له أن يَتيمم بلا سؤالٍ، وإن لم يكونوا كذلك، وكانت الرفقةُ كثيرةً – لم يَكُنْ عليه أن يسألَهم. قال مالك: لم
يَكُنْ عليه أن يسأل أربعين رجلاً. وقال أصبغ: يطلب من الرفقة الكثيرة ممن حوله وممن قرب، فإن لم يفعل فقد أساء، ولا يُعيد، وإن كانوا رفقة قليلة، ولم يطلب أعاد في الوقت، وإن كانت مثلَ الرجلين والثلاثة أعاد أبداً.
وضعفه اللخمي والمازري بأنَّ تَوَجُّهَ الخِطَابِ بالطلبِ مِن النَّفَرِ اليسيرِ مِن الرُّفقةِ الكثيرةِ كَتَوَجُّهِهِ لو كانوا بانفرادِهم. قال اللخمي: ولا وَجْهَ أيضاً لإيجابِه الإعادةَ بَعْدَ خروجِ الوقتِ إن كانوا مثلَ الرجلين والثلاثةِ. قال: والأَوْلَى إِنْ كان الغالبُ عنده أنهم يُعطونه إذا طلب – أنه يُعيد أبداً في الموضعين، وإن أشكل الأمرُ ولم يطلبْ جاز أن يُقال: يُعيد في الوقت لأن الأصلَ الطلبُ.
وظاهرُ كلامِ المصنف أن في المسألةِ ثلاثةَ أقوالٍ: الأولُ: وجوبُ الطلبِ [30 / أ] مطلقاً، وإِنْ تَرَكَ أعاد أبداً. والثاني: نفيُ الوجوب. والثالث: أنه يجبُ في الرفقةِ اليسيرةِ، وإن لم يطلب أعاد أبداً، ولا يجب في الرفقة الكثيرة.
ابن راشد وابن هارون: ولم أر أحداً نَقَلَ مِثْلَما نَقَلَ المصنفُ، وإنما هو ما تقدم.
فَإِنْ وُهِبَ لَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلافِ ثَمَنِهِ
ما ذَكَرَه مِن الخلافِ في لُزُومِ قَبُولِ هِبَةِ الماءِ نحوُه في الجواهر. ونُسِبَ الشاذُّ لابنِ العربي، ثم قال: وقال ابنُ سابق: لا خلافَ في لزومِه. انتهى.
والفرقُ للمشهورِ قُوَّةُ المِنَّةِ في الثَّمَنِ، وهو كلامٌ مُتَّجِهٌ.
وَلَوْ بِيعَ بِغَبْنٍ مُجْحِفٍ، أَوْ بِغَيْرِ غَبْنٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ لِنَفَقَةِ سَفَرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ
لا حَدَّ للزيادةِ المُوجِبَةِ للتيممِ، وما وقع في الجلاب مِن قوله: ويَحتمل أن يُحَدَّ بالثُّلُثِ. مشكلٌ؛ لأنه إِنْ عَنَى ثُلُثَ مالِه فيلزمُ على قولِه على قوله إذا كان للإنسانِ ثلاثةُ آلافِ دينارٍ أن يشتريَ الماءَ بألفِ دينارٍ، وإن عَنَى ثلثَ الثمنِ فيَلْزَمُ إذا كانت القِرْبَةُ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ.
وصارت تُبَاعُ بثلاثةٍ – أنه يَتيمم، ولا خلافَ في بُطلانهِما. ثم إنَّ كلامَه يَحتمل إذا بَلَغَ الثلثَ يَتيمم، أو إذا زاد عليه، وفي كلامِ المصنفِ نظرٌ، وجوابُه لو قال بما خَرَجَ عن العادةِ ولو لم يُجحف به، فقد سئل مالك رضي الله تعالى عنه عن رجلٍ كثيرِ الدراهمِ: أَيَشتري قِرْبَةً بعشرةِ دراهمَ؟ فقال: ليس عليه ذلك. رواه ابنُ نافعٍ في المجموعةِ، وقال ابنُ القاسم نحوَه، قاله في النوادر.
وقوله: (أَوْ بِغَيْرِ غَبْنٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ لِنَفَقَةِ سَفَرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) ظاهرُ قول ابن العربي: لو بِيعَ له بثمنٍ في الذِّمَّةِ لَزِمَهُ شراؤُه؛ لأنه قادرٌ على ذلك، فأَشْبَه ما لو كان ثمنُه معه، وقد جَرَتِ العادةُ بانقسامِ البيعِ إلى المُعَجَّلِ والمُؤَجَّلِ، فلا مَعْنَى لِحَصْرِه في أحدِهما.
الثَّانِي: مَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ عَدَمِهِ كَعَدَمِ الآلَةِ، فَإِنْ وَجَدَهَا وَلَكِنْ يَذْهَبُ الْوَقْتُ لَهَا أَوْ لاسْتِعْمَالِهِ تَيَمَّمَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ الْحَضَرِيُّ ....
تقديره: فإن وَجَدَ الآلةَ، ولكن يَذْهَبُ الوقتُ لرفعِ الماءِ بها. أو لاستعمالِ الماءِ، ويحتملُ أن يُقَدَّرَ أو لاستعمالِ المكَلَّفِ، ويكون المفعول محذوفاً.
وقَسَّمَ غيرُ واحدٍ الحاضرَ على أربعةِ أقسامٍ:
أحدُها: أَنْ يَعْدَمَ الآلةَ التي يَرفع بها الماءَ، وحكمُه التيممُ.
والثاني: أن يَخشى فواتَ الوقتِ إن تَشاغَلَ بالطَّلَبِ.
والثالث: أن يكونَ في بئرٍ يَخشى إن تَشاغل برفعِه يَذْهَبُ الوقتُ.
والرابع: أن يكونَ في إناءٍ، ويخشى فواتَ الوقتِ إن اشتغلَ باستعمالِه.
وحكى اللخمي والمازري في القسمِ الثاني ثلاثةَ أقوالٍ:
أحدُها: يتيممُ ويصلي، ولا إعادةَ عليه.
والثاني: يُعيد إن وَجَدَ الماءَ في الوقتِ.
والثالث: يَطلب الماءَ، وإن خشي فواتَ الوقتِ.
وصَوَّبَ اللخميُّ إلحاقَه بالمسافرِ لتحصيلِ مصلحة الوقتِ. وذكر في المدونة في القسم الثالث أنه يتيمم.
وحكى ابن شاس فيه وفي الرابع روايتين: قال: واختار المغاربةُ الاستعمالَ تمسكاً بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً} (المائدة: 6).
خليل: واعلم أنه في المدونة لم ينص على التيمم إلا في القسم الثالث، وأما الرابعُ فلم يُنَصَّ عليه، وما شَهَّرَهُ المصنفُ فيه رواه الأبهريُّ عن مالك على ما نقله المازري وغيرُه، وهو مذهبُ ابنِ القصار وعبدِ الوهاب وغيرِهما من العراقيين، وهو مقتضى الفقه، وهو اختيار التونسي وابن يونس، ولا أَعْلَمُ مَنْ شَهَّرَهُ، وحكى في النكتِ عن بعضِ الشيوخِ أنه لا يُختلف في استعمالِ الماءِ لمن هو بَيْنَ يديه.
وقوله: (وَعَنْهُ يُعِيدُ الْحَضَرِيُّ) تَقَدَّمَ.
وَكَالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ عَلَى الأَصَحِّ
الأصحُّ راجعٌ إلى المالِ لعَدَمِ الخلافِ في النَّفْسِ، وقاله ابن عبد السلام وابن هارون.
قال ابن بشير: والقولُ بأنه لا يَتيمم إذا خاف على مالِه بعيدٌ، وأحسنُ ما يُحمل عليه إذا لم يتيقن الخوفَ، ولا غَلَبَ على ظَنِّه.
قال ابن عبد السلام: ويَنبغي أن يُفصل في الماءِ بين اليسيرِ والكثيرِ، وهو الذي أراه، والله أعلم. وفي الإعادةِ في الوقت بعد ذلك نظرٌ كالمصلي على الدابةِ خوفاً مِن اللصوصِ والسباعِ.
وَكَظَنِّ عَطَشِهِ أَوْ عَطَشِ مَنْ مَعَهُ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ دَابَّةٍ
لتأكدِ حِفْظِ النفوسِ، وفَصَّلَ ابن عبد السلام في الدابةِ، فقال: وأما الدابةُ فإن كان لا يَبْلُغُ إلا عليها فكذلك، وإلا اعتُبرتْ قيمتُها إن لم يُؤكل لحمُها، أو ما بَيْنَ قيمتِها حيةً
ومذبوحةً إن أُكِلَ لحمُها، فإن كان ذلك لا يُجْحِفُ به ذَبَحَها، وإن أَجحف به أبيح له التيممُ. خليلٌ: وفيه نظرٌ، لأنه يَقتضي أن الحيوانَ الذي لا يُؤكل لحمُه وثمنُه يسيرٌ يَتْرُكُه يموتُ ويَتوضأ، ولا أَظُنُّ أحداً يقول بذلك؛ لأنه لا يَجوز قَتْلُ الحيوانِ لغيرِ ضرورةٍ، والظاهرُ أنه إذا كان معه كلبٌ أو خنزيرٌ أنه يقتلُهما، ولا يَدَعُ الماءُ لأَجْلِهِما، وإن كان ابن هارون قد تَرَدَّدَ في ذلك لأن المذهبَ جوازُ قَتْلِ الكلبِ، صَرَّحَ به غَيْرُ واحدٍ، وكذلك المذهبُ جوازُ قتلِ الخنزيرِ، صَرَّحَ به اللخميُّ في بابِ الصيدِ.
وإذا جاز قتلُهما، وكان الانتقالُ إلى التيممِ– مع القُدْرَةِ على الماءِ– غيرُ جائزٍ تَعَيَّنَ قَتْلُهما، والله أعلم.
تنبيه:
قول المصنف: (وَكَظَنِّ عَطَشِهِ) قريبٌ منه في الجواهر، والذي في كتب أصحابِنا كالمدونةِ والجلابِ والتلقينِ وابنِ بشير وغيرِها: إذا خاف عطشَه أو عطشَ مَنْ معه فإنه يتيمم.
وأنت إذا تَأَمَّلْتَ العبارتين وجدتَ بينهما فَرْقاً؛ لأن عبارة المصنف تقتضي أنه– إذا شكَّ في العطشِ أو تَوَهَّمَه– لا يَجوز له التيممُ بخلاف عبارتهِمِ.
وَكَخَوْفِ تَلَفٍ، وَكَزِيَادَةِ مَرَضِ، أَوْ تَأَخِيرِ بُرْءٍ، أَوْ تَجْدِيدِ مَرَضٍ عَلَى الأَصَحِّ
[30/ب] الأصحُّ راجعٌ إلى ما بَعْدَ التَّلَفِ لعَدَمِ الخلافِ في التَّلَفِ. والظاهرُ الأصحُّ؛ لأن في إلزامهِ استعمالَ الماءِ حينئذٍ حَرَجاً.
وَكَالْمَجْدُورِ وَالْمَحْصُوبِ يَخَافَانِ الْمَاءَ
أي: فيفصل بين أن يَخاف التلفّ أو ما دوُنَه، كما تقدم
ابن راشد: وأَفْرَدَهُ تنبيهاً على محلِّ الدليلِ. روى ابنُ وهب في المدونةِ أن رجلاً في غزوةِ خيبرَ أصابه جُدَرِيٌّ، وأصابَتْه جنابةٌ، فغسله أصحابُه، فَتَهَرَّأَ لحمُه فماتَ. فَذُكِرَ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال:"قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيه أَنْ يُيَمِّمُوهُ بالصعيدِ" انتهى. رواه أبو داود والدارقطني، وفي أبي داود بعد قوله:"قتلَهم الله، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لم يَعْلَمُوا؟ إِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السؤالُ، إِنَّما كان يَكفيه أن يَتيممَ أو يَعْصِبَ– شك موسى– على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثم يَمْسَحُ عليها، ويَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِه".
وَكَشِجَاجٍ غَمَرَتِ الْجَسَدَ وَهُوَ جُنُبٌ، أَوْ أَعْضَاءَ الْوُضُوء وَهُوَ مُحْدِثٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَبْقَ إِلا يَدٌ أَوْ رِجْلٌ ....
الشَّجَّةُ مخصوصةٌ بالرأسِ، والجرحُ يُطلقُ على الرَّاسِ وغيرِه مِن الجسدِ، فاستعمالُ المصنفِ الشجةَ في غيرِ الرأسِ بطريقِ التجوزِ. ومقتضى كلامِه أنه لو بقي الأقلُّ من جسدِه صحيحاً– مما فَوْقَ اليَدِ والرِّجْلِ– لزمَه استعمالُ المالِ لتقييدِه باليَدِ والرِّجْلِ. واعلمْ أن لهذه المسألةِ– اعني ما إذا كان أكثرُ جَسَدِه جريحاً– صورتين:
إحداهما: أن لا يَصِلَ إلى غسلِ الصحيحِ إلا بضَرَرٍ يَلْحَقُ الجريحَ، فهذا يتيممُ. وإِنْ كان الأقلُّ متميزاً أو يُمكنُه غسلُه بدونِ ضررٍ يَلْحَقُ الجريحَ– غَسَلَهُ ومَسَحَ الجريحَ، إلا أن يَقِلَّ كاليّدِ والرِّجْلِ. وقولُ ابنِ الجلابِ: ومَن كانتْ به جراحٌ في أكثرِ جسدِه وهو جنبٌ، أو في أعضاءِ وضوئِه وهو مُحْدِثٌ– تَيَمَّمَ. إِنْ عَنَى به أن الأكثرَ متفرقٌ في الجَسَدِ، فهذا موافقٌ لمذهب المدونةِ، وإلا فهو مخالفٌ. قاله سَنَدٌ.
خليل: ويتحققُ هذا بذِكْرِ لفظِ المدونةِ، ونصُّها: قلتُ: أرأيتَ الذي كَثُرَتْ جراحاتُه في جسدِه حتى أَتَتْ على أكثرِ جسدِه، كيف يُصَلِّي في قولِ مالكٍ؟ قال: هو بمنزلةِ المجدورِ والمحصوبِ إذا خافا على أنفسِهما وقد أصابتهما جنابةٌ أنهما يتيممان لكِّل صلاةٍ. قُلْتُ: فإن
كان بعضُ جسدِه صحيحاً ليس فيه جراحٌ، وأكثرُ جسدِه فيه الجراحُ؟ قال: يَغْسِلُ ما صَحَّ مِن جسدِه، ويمسحُ على موضعِ الجراحِ. قلتُ: هذا قولُ مالكِ؟ قال: نعَمْ.
وإنما عَدَلْتُ عن لفظِ التهذيبِ هنا؛ لأنه قال فيه: والذي أَتَتِ الجراحُ على أكثرِ جسدِه ولا يستطيعُ مَسَّهُ بالماء، ثم ذكر بعد هذا أنه يَتيمم. واعتُرِضَ عليه بأن ما ذَكَرَه مِن قولِه: ولا يستطيعُ مَسَّه. ليس في المدونة، وهذا مِن المواضعِ التي تَعَقَّبَها عبدُ الحق عليه.
تنبيه:
قال أبو الفرج وابنُ عبد البر، وصاحبُ الإرشاد: جريحُ أكثرِ الجسدِ فَرْضُه التيممُ.
فرع:
فلو اغتسلَ أجزَأَه. نصَّ على ذلك المازريُّ في باب الصلاة، ونصَّ عليه صاحبُ الذخيرةِ، ولفظُه: ولو تحمل المشقةَ، وغسلَ الجميعَ أجزأَه؛ لأن التيممَ رخصةٌ، كما لو صَلّى قائماً مع مبيحِ الجلوسِ.
وكذلك نَصَّ اللخميُّ على أن المريضَ الذي يَخشى إن صام حصولَ عِلَّةٍ أو تأخيرَ بُرْءٍ على أنه إِنْ صامَ يُجزئُه، وكذلك قال المصنف في باب الظهار: ولو تكلفَ المعسرُ العِتْقَ جاز.
فَلَوْ غَسَلَ مَا صَحَّ وَمَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ لَمْ يُجْزِهِ، كَصَحِيحٍ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيهِ فَغَسَلَ وَمَسَحَ الْبَاقِيِ
…
يعني: إذا كان حكمُه التيممَ، كما لو لم يبقَ له إلا يَدٌ أو رِجْلٌ، فَغَسَلَ اليدَ أو الرِّجْلَ، ومَسَحَ على الجبائرِ– لَمْ يُجْزِهِ ذلك لعدمِ إتيانِه بالأصلِ، ولا بالبَدَلِ. والتشبيهُ الذي ذكره المصنِّفُ هو لأبي بكر بن عبد الرحمن، ونقضَه ابنُ محرز بمَنْ كان بعضُ جسدِه جَريحاً، فإنه يَغْسل ما صَحَّ ويَمسحُ على الجِرَاحِ. ولو وجد الصحيحُ هذا القدرَ من الماء لم يَلْزَمْه استعمالُه.
وفي هذا التشبيه تنبيهٌ على مذهبِ الشافعيِّ، فإنه يقولُ: لو وجد الماءَ لبعضِ أعضائهِ أنه يَسْتَعْمِلُه، ثم يتيمم. ومنشأُ الخلافِ قولُه تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: 6] هل هو محمولٌ على وجودِ الكفايةِ أو على مطلَقِ الوجودِ؟
فإن قلتَ: كيف اختلف مالك والشافعي في واجِدِ ما لا يَكفيه، واتفقا على أنه إن وَجَدَ بَعْضَ الرقبةِ لا يَعْتِقُ، ويَصوم؟
فالجوابُ أن الله عز وجل لما قدَّم ذِكْرَ الرقبة في صدرِ آيةِ الكفَّارَةِ في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] ثم قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المجادلة: 4] اتُّفِقَ على أن قولَه تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المجادلة: 4] محمولٌ على مَن لم يَجِدْ ما تَقَدَّمَ النَّصُّ عليه، بخلافِ آيةِ الوضوءِ، فإنه لم يتقدم ذِكْرُ الماءِ في صَدْرِها، ولذلك جاء الاضطرابُ.
ومما يناسبُ هذا ما نَقَلَه المازريُّ عن بعضِ العلماءِ أنه إذا وَجَدَ ما يُزيل به بعضَ ما عليه مِن النجاسةِ– أنه يَجِبُ عليه إزالةُ ذلك البعضِ. وكذا قال المازري: يَجِبُ عليه سترُ ما قَدَرَ عليه مِن عورتِه إذا لم يَجِدْ إلا ما يَكفيه لبعضِها. وفَرَّقَ بينهما وبين المتيممِ الواجِدِ دونَ الكفايةِ– أَنَّ وَاجِدَ الماءِ إنما لم يَجِبْ عليه استعمالُ ما لا يَكفيه لأنه فَعَلَ بَدَلاً يَقوم مقامَه، وهو التيممُ، بخلافِهما. قال: ومما يَنْخَرِطُ في هذا المسلكِ المضطرُ للميتةِ، وعنده اليسيرُ مِن الطعامِ الذي لا يَسُدُّ رمَقَه، فإنه يَجِبُ عليه أَكْلُه، ثم بَعْدَ أَكْلِه يَنتقلُ إلى الميتةِ.
ولا يكون هذا حُجَّةً لمن قال: إن الواجِدَ مِن الماءِ ما لا يَكفيه يَجِبُ عليه استعمالُ ما وَجَدَ؛ لأن اليسيرَ مِن الطعامِ له أَثَرٌ في إمساكِ الرَّمَقِ، فلذلك وَجَبَ استعمالُه، والغرضُ مِن الطهارةِ رفعُ الحَدَثِ، وهو لا يَرتفعُ إلا بالفراغِ مِن الطهارةِ.
قال: وأما مَن قال: يَرتفعُ حَدَثُ كُلِّ [31/أ] عضوٍ بالفراغِ منه، ففي انفصالِه عن مذهبِ الشافعيِّ وإلزامِه كلامٌ يَغْمُضُ. انتهى.
وَفِيهَا: مَنْعُ الْمُسَافِرِ مِنَ الْوَطْءِ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مِنَ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهمَا. وَقِيلَ: إِلا أَنْ يَطُولَ، وَكَذَلِكَ مَنْعُ الْمُتَوَضِّئِينَ مِنَ التَّقْبِيلِ، وَأَجَازَهُ فِي الشَّجَّةِ النَّاقِلَةِ إِلَى الْمَسْحِ أَوْ إِلَيْهِ لِطُولِ أَمْرِهِ.
في كلامِ المصنفِ نظرٌ؛ لأن قوله: (وَقِيلَ) لم يَقُلْ أحدٌ إنه خلافلإ، وإنما هو تقييدٌ. قاله ابنُ عبد السلام، وابن هارون. وعلى هذا ففي الطُّولِ يَجوزُ اتفاقاً، لا إن لم يَطُلْ على الْمَشْهُورِ خلافاً لابنِ وهب.
وعلى ما قاله المصنفُ يَنْعَكِسُ النَّقْلُ. والضمير في (أَجَازَهُ) عائدٌ على الوطءِ، وفي (إِلَيْهِ) عائِدٌ على التيمم. قال في المدونة: وليس كمَنْ به شِجَاجٌ أو جِرَاحٌ لا يستطيعُ الغُسْلَ بالماءِ، هذا له أن يَطَأَ لطُولِ أَمْرِه. انتهى.
وأما التقبيلُ فهما يشتركان في المَنْعِ إذا كانا على وضوءٍ.
وَوَقْتُهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لا قَبْلَهُ عَلَى الأَصَحِّ
ما ذَكَرَ أنه الأصحُّ، قال غيرُه: هو المشهورُ. ووجهُه أنها طهارةٌ ضروريةٌ، ولا ضرورةَ لِفِعْلِها قَبْلَ وَقْتِ الصلاةِ. ومقابلُه لابنِ شعبانَ، وبناه بعضُهم على القولِ بأنه يَرْفَعُ الحَدَثَ، وفيه نظرٌ.
ولا يَصِحُّ إلا في حَقِّ العاجِزِ عن استعمالِ الماءِ، أو العالِمِ بعَدَمِه، وأما الطامِعُ فيه، والشاكُّ فلا يُمكن أن يَاتِى فيه.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الآيسَ أَوَّلُهُ، وَالرَّاجِيَ آخِرَهُ. وَقِيلَ: وَقَبْلَهُ، وَالْمُتَرَدِّدَ وَسَطَهُ. وَرُويَ: آخِرَهُ فِي الْجَمِيعِ. وَقِيلَ: وَسَطَهُ إِلا الرَّاجِيَ، فَيُؤَخَّرُ. وَقِيلَ: آخِرَهُ إِلا الآيسَ فَيُقَدَّمُ.
والمرادُ بـ (أَوَّلُهُ) وما بعدَه الوقتُ المختارُ، ولا فَرْقَ في المتردِّدِ بين أن يكونَ تردُّدُه في إدراكِ الماءِ أو وجودِه، وتصورُ كلامِه واضحٌ.
ويُلحق بالمترددِ الخائفُ مِن السباعِ ونحوِها، والمريضُ الذي لا يَجِدُ مَن يُناولُه، ومعنى يَتيمم في آخره، أي: في آخِرِ ما يَقَعُ عليه وقتٌ.
وَفِيهَا: التَّاخِيرُ بَعْدَ الْغُرُوبِ إِنْ طَمِعَ فِي إِدْرَاكِ الْمَاءِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ
ذَكَرَ هذه المسألةَ لأنها كالنقضِ لما قَدَّمَ؛ لأن التأخيرَ إنما يكونُ في الوقتِ المختارِ. والمغربُ لا حَظَّ لها في ذلك، إِذْ وقتُها مُقَدَّرٌ بفعلِها بعد تحصيلِ شروطِها، وهذه المسألة– والله أعلم– إنما هي مبنيةٌ على أن وقتَ الاختيار ممتدٌّ إلى مغيب الشَّفَقِ، وهو الظاهرُ. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما في ذلك.
فَإِنْ قَدَّمَ ذُو التَّاخِيرِ فَوَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ أَبَداً. وَقِيلَ: فِي الْوَقْتِ، وَتَحْتَمِلُهُمَا. وَقَيلَ: وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَكَذَلِكَ
(ذُو التَّاخِيرِ) هو الراجي، و (قَدَّمَ) أي: في أول الوقت. وأَشْعَرَ بذلك لفظُه، إِذْ هو المتبادِرُ إلى الذِّهْنِ، ويدخلُ في كلامِه المتيقنُ للماءِ؛ لأنه صاحبُ تأخيرٍ.
وقد حكى ابن شاس في الراجي والمتيقنِ إذا قَدِمَا أولَ الوقتِ ثلاثةَ أقوالٍ: الإعادةُ في الوقتِ لابن القاسم، والإعادةُ أبداً، والتفصيلُ: فيُعيد المتيقنُ أبداً، والراجي في الوقت لابن حبيب.
ومِنْ ثَمَّ اعتُرِضَ على المؤلفِ في تقديمِ قولِ غيرِ ابنِ القاسمِ. ووجهُ احتمالِ المدونةِ للقولين أنه قال فيها: وإن كان على يقينٍ مِن إدراكِ الماءِ في الوقتِ أَخَّرَ الصلاةَ إلى آخِرِ الوقتِ، فإن تيمم في أولِ الوقتِ وصَلَّى– أَعَادَ الصلاةَ إن وَجَدَ الماءَ في الوقتِ.
فقوله: (فِي الْوَقْتِ) يحتمل أن يَكون ظَرْفاً للوجودِ أو للإعادِة، فإن كان للإعادةِ فلا احتمالَ، وإنما الاحتمالُ على جَعْلِه ظَرْفاً للوجودِ.
قال ابن عطاء الله: ومنشأُ الخلافِ: هل التأخيرُ مِن بابِ الأَوْلَى، أو مِن باب الأَوْجَبِ؟ إلا أن لفظ المدونة في هذه المسألة بيِّن فيه. وقال: أَرى أن يُعيد هذا في الوقت إن وَجَدَ الماءَ في الوقتِ.
فقد أَسَاءَ أبو سعيِدٍ إِذْ نَقَلَ اللفظَ الصريحَ بلفظٍ محتَمِلٍ، ولم يَذكر عبدُ الحق هذا المكانَ في تعقبِه. انتهى.
وعلى هذا فالمدونةُ لا احتمالَ فيها، والمسألةُ مقيدةٌ بما إذا وَجَدَ الماءَ المرجوَّ، وأما إن وَجَدَ غيرَه فلا إعادةَ عليه. قاله ابن عبد السلام. والله أعلم.
فَإِنْ قَدَّمَ ذُو التَّوَسُّطِ لَمْ يُعِدْ بَعْدَ الْوَقْتِ بِاتِّفَاقٍ
(ذُو التَّوَسُّطِ) هو المترَدِّدُ، ومفهومُ كلامِه أنه يُعيد في الوقت، وفيه تفصيلٌ، فإن كان تَرَدُّدُه في وجودِ الماءِ وعدمِه، فوَجَدَهُ بَعْدَ صلاتِه– فلا إعادةَ عليه، وإن ترددَ هل يبلغُ الماءَ المعهودَ أم لا يبلغُه فبَلَغَه بَعْدَ صلاتِه– فإنه يُعيد في الوقتِ، وكذلك الخائفُ من اللصوصِ، وكذلك المريضُ العادمُ المناوِلَ. ومفهومُ كلامِ المصنفِ أن القسمَ الأولَ يُعيد، وليس كذلك. وما حكاه المصنفُ من الاتفاقِ حكاه المازري.
فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلاةِ بَطَلَ، وَفِي الصَّلاةِ لا يَبْطُلُ، فَإِنْ ذَكَرَهُ فِي رَحْلِهِ قَطَعَ
أي: إن المتيمم إذا وَجد الماءَ قبل دخولِه في الصلاة بَطَلَ تيممُه، ووَجَبَ عليه استعمالُه، يريد إذا كان الوقتُ متسعاً، وإن كان ضيقاً إِنْ توضأ به لم يُدْرِكِ الصلاةَ– لم يَجِبْ عليه استعمالُه على الصحيح مِن المذهب، قاله اللخمي.
وقوله: (وَفِي الصَّلاةِ) أي: إن وَجد الماءَ بعد دخولِه في الصلاة لا يَبْطُلُ تيممُه ويَتمادى على صلاتِه.
ابنُ العربي: ويَحْرُمُ عليه القَطْعُ. وخَرَّجَ اللخمي قولاً بالقَطْعِ من الأَمَةِ تَعْتِقُ وهي في الصلاةِ مكشوفةَ الرأسِ، والعريانِ يَجِدُ ثوباً وهو في الصلاة، ومَنْ ذَكَرَ صلاةً في صلاةٍ، والمسافرِ يَنوي الإقامةَ بَعْدَ ركعةٍ، ومَن صلى بقومٍ ركعةً من الجمعةِ فقَدِمَ والٍ فعَزَلَه؛ فإِنَّ في الجميعِ قَوْلاً بالقَطْعِ، وفيه نَظَرٌ، أما تخريجُه على الأَمَةِ والعُريانِ فلأنَّ [31/ب] المتيممَ دَخَلَ بِبَدَلٍ بخلافِهما، وأما تخريجُه على مَن ذَكَرَ صلاةً في صلاتِه– فإِنَّ مستندَ مَن قال هنا بالقَطْعِ قوله صلى الله عليه وسلم:"فإنما ذلك وقتُها". والوقتُ الواحدُ لا يُتصور إيقاعُ صلاتين فيه بخلافِ المتيمم؛ ولأن المَنْسِيَّةَ تَقَدَّمَ العِلْمُ بها، بخلافِ الماءِ، وأما تخريجُه على المسافرِ فلأنَّ الإبطالَ جاءَ مِن جهتِه بخلافِ المتيممِ، وأما تخريجُه على مسألةِ الوالي فلأنَّ القولين فيه مبنيان على أنَّ الاستنابةَ هل تَبْطُلُ بِنَفْسِ العَزْلِ أو لا تبطل إلا بوصول الثاني إليه؟ وهو قصدُ المُستنيبِ، إذ لا يَقْصِدُ إهمالَ أَمْرِ الناسِ مِن وقتِ وقوعِ العزل بخلافِ التيممِ، فإنه إنما جُعل نائباً عن الماء في القيامِ إلى الصلاةِ، بدليلِ قوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} ثم قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: 6] والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَإِنْ ذَكَرَهُ فِي رَحْلِهِ قَطَعَ) يعني: لتفريطِه، كذكرِه الرقبةَ بَعْدَ الصيامِ ناسياً، وحكى ابن راشد قولاً في المتيمم بالتمادي.
فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَوَجَدُوا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ فَإِنْ بَادَرَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُ الْبَاقِينَ، وَإِنْ أَسْلَمُوهُ اخْتِيَاراً فَقَوْلانِ ....
هذا راجع إلى قوله: (فإن وجده قبل الصلاة بطل) وإنما لم يَبْطُلْ تيممُ الباقين؛ لأن وجودَ الماء إنما يَبطلُ مع القدرةِ على الاستعمالِ، فإذا بادَرَ إليه أحدُهم فهو أَحَقُّ به، والباقون معذورون إِذْ ليس لهم قدرةٌ عليه.
وأمَا إِنْ أَسْلَمُوه اختياراً فقيل: يَبْطُلُ تيممُ كلٍّ منهم؛ لأن الماءَ شركةٌ بينهم، فالحكمُ فيه القُرْعَةُ، فإذا أسلموه فكأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُسْلِمٌ لجميعِه؛ لجوازِ ملكِه له بالسهمِ.
والثاني لا يَبْطُلُ – وهو الأظهرُ– لأنَّ ما تركوه مِن هذا الماء غايتهُ أن يكون مملوكاً لهم، فكُلُّ واحدٍ منهم لم يَملك ما يُكْمِلُ به الطهارةَ، فلم يَبْطُلْ التيممُ. والقولان لسحنون، قاله في البيان.
فرع:
في العتبية: قيل لسحنون: لو أن رجلاً معه ماءٌ، قال لرجلين قد تَيَمَّمَا: وهبتُ لأحدِكما. ولم يُسَمِّ أحداً، فقال: قد وَجَبَ لأحدِهما وهو مجهولٌ ولا يُعْرَفُ، وليس لهما رَدُّ هذه العطيةِ؛ لأنها مِن البِرِّ، فإنْ أَسْلَمَه أحدُهما لصاحبِه فقد انتقضَ تيممُه. وكذلك لو قال لثلاثةٍ أو أربعةٍ: هو لأحدكم. فأَسْلَمُوه لواحدٍ منهم– انتَقَضَ تيممُهم. قيل له: فلو أَعْطَى ذلك لجماعةِ جيشٍ أو لقومٍ كثيرين، فأَعْطَوْه واحداً. فقال: أما إذا كثروا فأَرَى تيممَهم تامّاً. قيل: فلو قال لثلاثةٍ: هذا الماءُ لكم. فقال: ليس هذا مِثْلَ الأَوَّلِ؛ لأن هذا قد وَجَبَ لكلِّ واحدٍ نصيبهُ بلا شَكٍّ، وليس في نصيبهِ ما يَكفيه لوضوئِه، فإذا هو أعطى نصيبَه لم يَنْتَقِضْ تيممُه.
قال في البيان: تأوَلَ ابنُ لبابة على سحنون في هذه المسألة أنه إذا قال: قد وهبتُ هذا الماءَ لأحدِكم– فسواءٌ أكانوا ثلاثةً أو اثنين، أو عشرةَ آلافٍ– ينتقضُ تيممُ الجميعِ. وإن قال: قد وهبتُ هذا الماءَ لكم. فلا يَنتقضُ إلا تيممُ مَنْ أُسْلِمَ إليه– كانوا اثنين أو عشرةَ آلافٍ.
والظاهرُ مِن قولِه خلافُ ذلك أنه إذا كان عددُهم كثيراً فسواءٌ أقال: هذا الماءُ لكم، أو هو لأحدِكم. لا ينتقضُ إلا تيممُ الذي أُسْلِمَ إليه الماءُ وَحْدَهُ. وإن كان عددُهم يسيراً كالرجلين والثلاثةِ، ونحوِ ذلك، فقال: هذا الماءُ لأحدِكم. انتقضَ تيممُهم إِنْ أَسْلَمُوه لواحدٍ منهم. وإن قال: هذا الماءُ لكم. لم ينتقضْ إلا تيممُ الذي أُسْلِمَ إليه وَحْدَهُ. انتهى.
وكأنه إنما فَرَّقَ في (لأَحَدِكُمْ) بَيْنَ الجماعةِ اليسيرةِ والكثيرةِ لعمومِ الحرجِ في حقِّ الجماعةِ الكثيرةِ.
قال في البيان: وقوله: إن قال هذا الماء لكم، لم ينتقض إلا تيمم الذي أسلم إليه وحده. إنما يأتي على أحد قوليه المتقَدِّمَيْنِ، يُريد في مسألةِ المصنفِ، وهي قوله:(وَإِنْ أَسْلَمُوهُ اخْتِيَاراً فَقَوْلانِ).
وَمَنْ تَيَمَّمَ ِفي وَقْتِهِ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَلا إعَادَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَالْمُقَصِّرِ فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَيَحْتَمِلُ أَبَداً كالشَّاكِّ، هَلْ يُدْرِكُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ، وَالْمُطِّلِعِ عَلَيْهِ بِقُرْبِهِ، وَالْخَائِفِ، وَالْمَرِيضِ الْعَادِمِ الْمُنَاوِلَ لِتَقْصِيرِهِ فِي الاسْتِعْدَادِ ....
إنما قَيَّدَه بـ (وَقْتِهِ) ليُخْرِجَ ما تَقَدَّمَ في ذِي التأخيرِ وذِي التَّوَسُّطِ إذا قَدَّمَا. قال في المدونة: ويتيممُ المريضُ الذي يَجِدُ الماءَ، ولا يَجِدُ مَن يُناولُه إياه، والخائفُ الذي يَعلم موضعَه ويخاف أَلَاّ يبلغَه. وكذلك الخائفُ مِن سباعٍ أو لصوصٍ في وسطِ وقتِ كلِّ صلاةٍ، ثم إن وَجَدَ الماءَ في الوقتِ أَعَادَ.
فقولُه: (أعاد) يحتمل أن يُريد في الوقتِ، ويحتمل أن يُريد أبداً، فهذا معنى قوله: ويحتمل أبداً. وما رأيتُ من ذَهَبَ إلى أن المدونةَ تحتملُ الإعادةَ أبداً مع ضعفِه مِن جهةِ النَّظَرِ؛ لأن كُلاًّ منهم تيممَ في الوقتِ المأذونِ له فيه.
وقوله: (كالشَّاكِّ، هَلْ يُدْرِكُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ) تحرز مما لو لم يكن عنده عِلْمٌ، فإنه لا إعادةَ عليه؛ لأنه استَنَدَ إلى أصلٍ، وهو العَدَمُ، ولا يُتصور التقصيرُ في جميعِ الصُّوَرِ.
وقوله: (وَالْمُطِّلِعِ عَلَيْهِ بِقُرْبِهِ) يعني: لتقصيرِه في الطَّلَبِ.
وقوله: (وَالْخَائِفِ) أي: مع تَيَقُّنِ الماءِ، ولو لم يتيقَنْه لم يُعِدْ. وعبارةُ المصنفِ قاصرةٌ، قال شيخُنا: وإعادةُ الخائفِ مُشْكِلَةٌ، إِذْ لا يَجوز أن يُغَرِّرَ بِنَفْسِهِ. وعادمُ المناوُلِ إِنْ كان ممن يتكررُ عليه الداخلونَ فليس بمُقَصِّرٍ، وزِيدَ ناسِي الماءِ في رَحْلِه، يُعيدُ في الوقتِ على مذهب المدونة، وعلى هذا فالمعيدون في الوقتِ خمسةٌ على مذهبِ المدونةِ.
وأَوْرَدَ عليه [32/أ] ابنُ راشد أن مسألةَ المطلعِ عليه بقُرْبِه ليستْ في المدونة، وإنما حكاها ابنُ يونس عن ابنِ القاسم، وكلامُ المصنف يُوهِمُ أنها فيها. وقد يُقال: لا دلالة في كلامِ المصنفِ على أن جميعَ المسائلِ في المدونةِ.
وَفِي نَاسِي الْمَاءِ فِي رَحْلِه، ثَالِثُهَا: لابْنِ الْقَاسِمِ، يُعيد فِي الْوَقْتِ
أي: وفي إعادة ناسي الماء في رَحْلِه- يُريد ولم يَذَكَرَه إلا بَعْدَ الصلاةِ- ثلاثةُ أقوالٍ:
الأولُ: الإعادةُ أبداً، وهو قول أصبغ ومطرف وابن الماجشون لأنه مُفَرّطٌ، وأيضاً فهو كمظاهِرٍ كَفَّر بالإطعامِ مع نسيانِ الرقبةِ، فإنه لا يُجزئُه.
ابن عطاء الله: وهو الْمَشْهُورِ. وفيه نظر؛ لأنه خلافُ روايةِ ابن القاسمِ في المدونةِ.
والثاني: نفيُ الإعادةِ، رواه ابنُ عبد الحكم عن مالك، زاد: وإن أَعَادَ فحَسَنٌ؛ لأنه معذورٌ بالنسيانِ. والفرقُ بين ناسي الماءِ وناسي الرقبةِ أَنَّ الإعتاقَ غيرُ مؤقتٍ، والصلاةَ مؤقتةٌ، فإن ذَهَبَ الوقتُ فاتَ التَّلافِي.
والثالث: الإعادةُ في الوقتِ مراعاةً للدليلين، وهي روايةُ ابنِ القاسمِ في المدونةِ، قاله ابنُ عطاء الله.
أما لو ذَكَرَه قَبْلَ الدخولِ في الصلاة– بَطَلَ تيممُه اتفاقاً، نقله ابن عطاء الله، قال: وإن ذَكَرَ ذلك في الصلاة– فمَنْ يَقُولُ في المسألةِ المتقدمةِ بالإعادةِ يَقُولُ هنا: يَقْطَعُ. لأن صلاته عنده باطلةٌ، ومَن يَقول بعَدَمِ الإعادةِ يقول هنا بالتَّمادي؛ لأنه عنده كالعَادمِ.
وقال ابن القاسم هنا: يقطع. مع أنه يقول: لو لم يَذْكُرْ حتى فَرَغَ لَصَحَّتْ.
فللمُعترِضِ أن يقولَ: إمّا أن يُغَلَّبَ عليه حُكْمُ العادِمِ فيتمادَى على صلاتِه كما لو طَلَعَ عليه رجلٌ بماءِ، وإما أن يُغَلَّبَ عليه حُكْمُ الوَاجِدِ فينبغي أن تَجِبَ عليه الإعادةُ أبداً إذا ذَكَرَ بَعْدَ الفراغِ مِن الصلاةِ.
وطريقُ الجوابِ عندي أن يُقال: إِنَّ هذا المكَلَّفَ تعارضتْ فيه شائبتان؛ شائبةُ أنه واجِدٌ في نَفْسِ الأَمْرِ، وشائبةُ أنه عادِمٌ في ظَنِّهِ، والمرءُ مكلَّفٌ بما غَلَبَ على ظَنِّهِ، فإن ذَكَرَ قَبْلَ الفراغِ– غُلِّبَتْ عليه شائبةُ الواجِدِ؛ لِشَبَهِه بمَن ذَكَرَ قَبْلَ الشروعِ في الصلاةِ، لاشتراكِهما في عدمِ براءةِ الذمةِ. وإِنْ ذَكَرَ بعدَ أنْ يُسَلِّمَ غُلبت عليه شائبةُ العادمِ، إلا أَنَّا نَسْتَحِبُّ له الإعادةَ في الوقتِ مراعاةً للخلافِ.
فَإِنْ أَضَلّهُ فِي رَحْلِهِ فَأَوْلَى أَلا يُعيد
إنما كان أَوْلَى لعجزِه عنه بَعْدَ الإمعانِ في طلبهِ حتى خشيَ فواتَ الوقتِ.
ابن راشد: والظاهرُ دخولُ الخلافِ في هذه الصورة؛ لأن معه بعضَ تفريطٍ، فيُمكن تخريجُ قولٍ بالإعادةِ فيها من المُطَّلِعِ عليه بِقُرْبِهَ، والله أعلم.
ابن شاس: وظاهرُ روايةِ مطرفِ وابنِ الماجشون وأصبغَ الإعادةُ، يعني أبداً.
فَإنْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فَلا إِعَادَةَ
إذا أَضَلَّ رَحْلَهُ بَيْنَ الرِّحَالِ وبَالَغَ في طلبِه– لم يُعِدْ في الوقتِ ولا في غيرِه.
ابن راشد: ولم أَرَ في هذا خلافاً.
وَكُلُّ مَنْ أُمِرَ أَنْ يُعيد فِي الْوَقْتِ فَنَسِيَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِدْ بَعْدَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُعيد ....
في قولِ ابنِ حبيبٍ نظرٌ، إِذْ الفرضُ أن الصلاة مستوفاةُ الشروطِ والأركانِ، وإنما الخللُ وَقَعَ في بعضِ كمالها، فأُمِرَ باستدراكِها في الوقتِ، فلو أُمِرَ بالإعادةِ أبداً لَلَزِمَ انقلابُ النفلِ فرضاً، وكأَنَّه يَرَى أنه لما أُمِرَ بالإعادةِ وتَرَكَ– صار كالمُخالِفِ لما أُمِرَ به.
وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُ الْمَاءِ وَمَعَهُ جُنْبٌ فَرَبُّهُ أَوْلَى بِهِ إِلا أَنْ يَخْشَى الْجُنُبُ الْعَطَشَ فَيَضْمَنُ قيِمَتَهُ لِلْوَرَثَةِ لا مِثْلَهُ عَلَى الأَصَحِّ ....
رَبُّهُ أَوْلَى لا لكونِه ميتاً، بل لِمِلْكِه للماءِ، وَلَوْ كان حيّاً لكان أَوْلَى.
وانظرْ كيفَ يُضَمَّنُ قيمتَه هُنَا مع ما قاله أهلُ المذهبِ إذا استهلكَ طعاماً في غلاءٍ، ثم حُكِمَ عليه في الرخاءِ، فإن الْمَشْهُورِ لا يُقْضَى عليه إلا بالمِثْلِ.
وما قاله المصنفُ في بابِ قضاءِ الدَّيْنِ لو تَسَلَّفَ فُلُوساً ثم انقطعَ التعاملُ بها– فالْمَشْهُورِ المثلُ. وما قاله في باب الغصب: فإنْ فُقِدَ المِثْلُ صَبَرَ حتى يُوجد عند ابن القاسم، وله طلبُ القيمةِ الآنَ عندَ أشهبَ. إلا أن يُقال: لو أُخِذَ منه المِثْلُ لكان في موضعِ السَّلَفِ، وذلك في غايةِ الحَرَج، إِذْ الغالبُ أن الاحتياجَ للماءِ إنما يكونُ بموضعٍ يَتعذرُ الوصولُ إليه في كلِّ وقتٍ. ومكانُ السَّلَفِ عندنا معتبرٌ في ضمانِ المثلياتِ ما عدا الدراهم والدنانير، ويُراعى في القيمةِ الزمانُ والحالُ مِن كثرة الرُّفْقَةِ وقِلَّتِها، وكثرةِ الطلبِ له.
ابن راشد: والحكمُ عندنا في قَفْصَةَ في المياهِ تُسْلَفُ في الصيفِ أو وقتِ الربيعِ- فإنها تكونُ حينئذٍ مطلوبةً، ولا كثيرَ ثَمَنٍ لها في أوائلِ الشتاءِ– بِالْقِيمَةِ، وأفتى بعضُ المعاصِرِينَ بالمِثْلِ. انتهى. وإنما كان الجنبُ أَوْلَى إذا خَشِيَ العطشَ لإحياءِ النفوسِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَفِي الأَوْلَى بهِ قَوْلانِ
قال ابنُ القاسم: الحَيُّ أَوْلَى، ويَضْمَنُ قيمةَ نصيبِ الآخَرِ؛ لأنَّ غُسْلَ الجنابةِ مُجْمَعٌ عليه. وقال ابن العربي: الميتُ أَوْلَى؛ لأنها طهارةُ خَبَثٍ، وهي أَوْلَى؛ ولأنها آخِرُ طهارتِه مِنَ الدُّنْيَا. والجوابُ عن الأوّل مَنْعُ أن تكون طهارةُ الميتِ للخَبَثِ، ويعضِدُه أن التيممَ يَقومُ مقامَ الماءِ، وعن الثاني أنّ ما ذَكَرَه وَصْفٌ طَرْدِيٌّ، فإن تطهيرَ الحيِّ بالماءِ يَعُودُ صلاحُه على الميتِ.
وانظر على قولِ القاضي: هل يُقْضَى للحَيِّ على وَرَثَةِ الميتِ بالقيمةِ، وإن زادت على الثلثِ أو لا يُقضى بها، وتكونُ في الثلث؟
فإن اجتمع حائض وجنب، فرأى ابن العربي تقديم الحائض؛ [32/ب] لأن موانع الحيض أكثر، واختلف الشافعية فيه.
وَيَتَيّمَّمُ بالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ وَهُوَ وَجْهُ الأَرْضِ: التُّرَابُ وَالْحَجَرُ وَالرَّمْلُ وَالْمِلْحُ وَالسَّبْخُ والصَّفَا والشَّبُّ وَالنُّوَرَةُ وَالزِّرْنِيخُ وَغَيْرُهُ مَا لَمْ يُطْبَخْ
لما كان المذهب في تفسير الصعيد الطيب بالطاهر – لزم أن يتيمم بكل ما ذكر. وإن كان قد وقع في تفسير الصعيد خلاف في اللغة، فالظاهر مذهب مالك – رحمه الله – لقوله صلى الله عليه وسلم:"جُعِلَتْ لي الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً" أخرجه البخاري ومسلم.
والأرضُ لا تَخْتَصُّ بالترابِ، واستَدَلَّ مَن خَصَّصَ بالترابِ بما في الحديث الآخَرِ:"وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا طَهُوراً". واعْتُرِضَ بمنعِ كَوْنِ التربةِ مرادفةً للترابِ، وادَّعَى أن تربةَ كلِّ مكانٍ ما فيه. وَلَوْ سُلِّمَ فهو مفهومُ لَقَبٍ، ولم يَقُلْ به إلا الدَّقَّاقُ، وَلَوْ سُلِّمَ فإنما يُعْمَلُ بالمفهومِ ما لم يُعارِضْه ما هو أقوى منه، وهَبْ أَنَّ هذا الحديثَ يدلُّ على التخصيصِ بالترابِ فالآخَر يَعُمِّ.
واشْتُرِطَ عَدَمُ الطبخِ؛ لأن الطبخَ يُخرجُه عن ماهِيَّةِ الصعيدِ. وفي المنتقى: ولا يَجُوزُ التيممُ بالجِيرِ، ويجيءُ عل قولِ ابنِ حبيب أنه يجوزُ التيممُ به. والأولُ أصحُّ، لأنه قد تَغّيَّرَ بالطبخِ عن جِنْسِ أصلِه. انتهى.
قيل: وأشار بقوله: (على قول ابن حبيب) إلى ما نَصَّ عليه ابنُ حبيبٍ، إذا كان الحائط آجُرّاً، أو حَجَراً، فاضطُرَّ إليه المريضُ فتيمم به لم تَكن عليه إعادةٌ؛ لأنه مضطرٌ.
التونسي: انظر قوله: آجُرّاً أو حَجَراً. والآجُرُّ طينٌ قد طُبِخَ، فكيف يَتيمم عليه وهو كالرمادِ؟ ومَنْ قَصَرَه على الترابِ جَعَلَ الطَّيِّبَ الُمنْبِتَ.
والصَّفَا – مقصورٌ: الحجارةُ التي لا ترابَ عليها.
وَظَاهِرُهَا كَابْنِ حَبِيبٍ بِشَرْطِ عَدَمِ التُّرَابِ. وَقيلَ: بالتُّرَابِ خَاصَّةً. وَعَلَى الْخَضَخَاضِ مِمَّا لَيْسَ بِمَاءٍ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ. وَقِيلَ: وَإِنْ وَجَدَ
أي: وظاهرُ المدونةِ كقولِ ابنِ حبيبٍ أنه لا يتيممُ بما عدا الترابِ إلا بشرطِ عدمِه، كقول المُخْتَصِرِينَ: ويتيممُ على الجَبَلِ والحَصْبَاءِ مَنْ لم يَجِدْ تُراباً. وأَنْكَرَ هذا بعضُ المشارقةِ– أعني اختصارَ المدونةِ على هذا– وقال: إنما وَقَعَ هذا الشرطُ في المدونةِ مِن كلامِ السائلِ لا مِن كلامِ ابنِ القاسمِ فيحتَمِلُ ما ذَكَرَهُ، ويحتملُ الجوازُ عموماً، وهو مُتَّجِهٌ. قاله ابن عبد السلام.
خليل: وما قاله– مِن أن الشَّرْطَ إنما هو في السؤالِ– صحيحٌ إن شاء الله. ونَصُّ الأُمِّ: سُئِلَ مالكٌ: أَيَتَيَمَّمُ على الجَبَلِ مَن لم يَجِدْ تُراباً؟ قال: نعم.
ولم ينقل المصنفُ قولَ ابنِ حبيبٍ على ما يَنبغي، ونصُّه على نَقْلِ ابنِ يونس: قال ابن حبيبٍ: ومَنْ تَيَمَّمَ على الحصى، أو الجبلِ، ولا ترابَ عليه، وهو يَجِدُ تراباً أساءَ، ويُعيد في الوقتِ، وإِنْ لم يَجِدْ تراباً لم يُعِدْ.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا يُعيد واجداً كان أو غيرَ واجِدٍ. قال في المقدمات: وظاهرُ المدونةِ عدمُ الإعادةِ. والقولُ بالقَصْرِ على الترابِ نقلَه ابنُ بشير وابنُ شاس.
وقوله: (وَعَلَى الْخَضَخَاضِ) قال في المدونة: يُخَفِّفُ وَضْعَ يديه عليه. قال القاضي عياض: يخفف بالخاء، ويُرْوَى بالجيم. وجَمَعَ في المختصر بينهما بأنه يُخفف ويجففهما قليلاً.
قال ابنُ حبيب: ويُحرِّكُ يديه بعضَهما ببعضٍ يسيراً إِنْ كان فيهما ما يُؤذيه، ثم يَمْسَحُ.
ابنُ راشد: والقولُ بأنه يتيممُ به– وإِنْ وَجَدَ غَيْرَه– لم أَرَهُ.
وَفِيهَا: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا حَالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ الأَرْضِ فَهُوَ مِنْهَا
يريد: هو استشهاد للمشهور، وقوله:(مَا حَالَ) يريد: من جنسِها من حجرٍ أو رملٍ، أو ملحٍ، أو نباتٍ.
وحكى اللخمي عن ابن القصار جوازُ التيممِ على الحشيشِ، وأجاز في مختصرِ الوَقَارِ التيممَ على الخشبِ، وذكر بعضُ البغداديين أنّ في التيمم على الزَّرْعِ اختلافاً. وظاهرُ كلامِ يحيى بن سعيد مساواةُ الجميعِ، فلا يُقَدَّمُ بعضُ أجزائِها على بعضٍ.
وَفِي المِْلْحِ وَالثَّلْجِ رِوَايَتَانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
روايةُ ابن القاسم عن مالك في المدونةِ الجوازُ، وقَيَّدَ ذلك بما إذا لم يَجِدُ غيرَه، ولعل المصنفَ تَرَكَه لما تَقَدَّمَ.
وروايةُ أشهبَ عدمُه وَلَوْ لم يَجِدْ. قال اللخميُّ: جَعْلُه كالعَدَمِ. ونقلَها الباجيُّ روايةً لابنِ القاسمِ. وقيل: يَتيمم بالملحِ بالمعدنيِّ دُونَ المصنوعِ.
وَلا يَتَيَمَّمُ عَلَى لَبَدٍ وَنَحْوِهِ
لأنه ليسِ بِصَعِيدِ، إلا أن يَكْثُرَ ما عليه مِن الترابِ حتى يتناولَه اسمُ الصعيدِ.
وَلَوْ نَقَلَ التُّرَابَ، فَالْمَشْهُورِ الْجَوَازُ، بِخِلافِ غَيْرِهِ.
وجهُ الْمَشْهُورِ قولُه صلى الله عليه وسلم: "وتُرْبَتُها لنا طَهُوراً" وظاهرُه العمومُ، ومقابِلُه لابن بكير، والأظهرُ أن اسم الصعيدِ لا يَتناولُه مع النقلِ إلا باعتبارِ ما كان عليه، وهو مجازٌ.
وقوله: (بِخِلافِ غَيْرِهِ) أي: مِن الحَجَرِ، وما عُطِفَ عليه.
ابنُ عبد السلام، وابن هارون: وفي الفَرْقِ بينها وبين الترابِ بُعْدٌ. وقد حكى ابنُ يونس عن ابن المواز أن المريضَ إذا لم يَجد مَن يناوله تُراباً تَيمم بالجدارِ المبنيِّ بالحجارةِ إذا لم يكن مَسْتُوراً بالجِيرِ.
ومن النوادر: قال عيسى عن ابن القاسم: وللمريضِ أن يَتيمم على الجدارِ إذا كان طُوباً نِيئاً مِن ضرورةٍ، مثلُ أن لا يَجِدَ مِن يُوَضِّئُه، ولا يُيَمِّمُه. وقال عنه ابن المواز: لا يتيمم عليه وهو طوبٌ أو حجارةٌ إلا مِن ضرورةِ، وإِن كُسِيَ بِجِيرٍ أو جِبْسٍ فلا يَتيمم عليه. وقال اللخمي بعد أن ذَكَرَ الْمَشْهُورِ وقولَ ابنِ بكيرٍ في الترابِ المنقولِ: ومثلُه لو أُتِيَ المريضُ بصخرٍ. على قولِ مَن يقول: يَتيمم بالصفا. جاز التيممُ، ولم يَجُزْ على قولِ ابنِ بكيرٍ. قال: ولا يختلف المذهب أن البَدَاءَةَ بالترابِ [33/أ] أَوْلَى.
وقال مالك في السُّلمانيةِ: إذا نُقِلَ الكِبْرِيتُ، والزِّرْنِيخُ، والشَّبُّ، ونحو ذلك لا يُتيمم به؛ لأنه لما صار في أيدي الناسِ مُعَدّاً لمنفعتِهم أَشْبَهَ العَقَاقِيرَ.
ويَتيمم على المَغْرَةِ؛ لأنها ترابٌ. ويحتمل أن يريد بقوله: (بخِلافِ غَيْرِهِ) أن فيه قولين، ولا مشهورَ فيهما، ويكون الفرقُ بين الترابِ وغيرِه قُوَّتَهُ، فانظرْ في ذلك كلِّه.
وَفِيهَا: وَالْمُتَيَمِّمُ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ كَالْمُتَوَضِّئِ بِمَاءٍ غَيْرِ طَاهِرٍ يُعيدانِ فِي الْوَقْتِ، وَاسْتُشْكِلَ، وَقَالَ أيضاً: يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ وَيُعيد الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ فِي الْوَقْتِ، وَاسْتُشْكِلَ، وَحُمِلَ عَلَى الْمَشْكُوكِ ....
وجهُ الإشكالِ ظاهرٌ؛ لأنه إذا انتفتِ الطهارةُ عن الترابِ كان الصعيدُ غيرَ طَيِّبٍ، وإذا انتفتْ عنِ الماء كان نَجِساً.
وقوله: (وَقَالَ أيضاً) هو كالأَوَّلِ، وفيه زيادةُ أنَّ الأَمْرَ بالغَسْلِ مع الإعادةِ في الوقت كالمتناقِضِ.
وقوله: (وَحُمِلَ عَلَى الْمَشْكُوكِ) أي: الماءِ الذي وقعتْ فيه نجاسةٌ ولم تُغَيِّرْ أَحَدَ أوصافِه، والترابِ المشكوكِ هو الذي خالطَتْه النجاسةُ ولم تَظْهَرْ فيه. وهذا الحَمْلُ لأبي الفَرَجِ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ الشكِّ في الترابِ على بِابِه، لقوله في المدونة: ومَن تيمم على موضعٍ أصابه بَوْلٌ أو عَذِرَةٌ فلْيُعِدْ ما كان في الوَقْتِ.
قال ابن يونس بعد كلام أبي الفرج: وإن لم يُرِدْ هذا فلعله قد يُفَرَّقُ بين الماءِ والأرضِ بأن الماءَ ينقلُ المُحْدِثَ إلى أكملِ الطهارةِ، والتيممَ إنما ينقله عن حكمِ الحدثِ إلى وجودِ الماءِ، ويحتمل أن يكون الفرق بين المتيم على الموضع النجس، والمتوضئِ بماٍء قد تَغَيَّرَ لونُه أو طعمهُ– أن المتوضئَ يَنتقل إلى ماءٍ طاهرٍ في الحقيقة؛ لأنه يُدرك معرفتَه بالمشاهدةِ، والمتيمم إذا انتقل إلى ترابٍ آخرَ أَمْكَنَ أن يكون ذلك الترابُ نجساً؛ لأنه لا يُدركُ مشاهدتَه كما في الماء، فلذلك لم يُؤمر بالإعادةِ أبداً. والله أعلم. انتهى.
واستُضْعِفَ هذا الأخيرُ؛ لأن القَدْرِ الذي يُتَوَصَّلُ إليه بالحواسِّ في الماء ممكنٌ في الترابِ. وقيل: إنما قال في الترابِ: أعاد في الوقت. لأنَّ الأرضَ تَسْفِي عليها الرياحُ الترابَ، فيختلطُ الطاهرُ بالنجسِ. وقال عياض: إنما قال: يُعيد في الوقت. مراعاةً لمن يقول: جُفُوفُ الأرضِ طُهورُها. وهو مذهبُ الحسنِ ومحمدِ ابن الحنفية.
وَصِفَتُهُ أَنْ يَنَوِيَ اِسْتِبَاحَةَ الصَّلاةِ مُحْدِثَا أَوْ جُنُباً لَا رَفْعَ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيهِمَا وُجُوبُ الْغُسْلِ لَمَا يُسْتَقَبْلَ ....
قدَّمَ النية وإن لم تكن مِن الصفةِ؛ لأن النيةَ شرطٌ لا يَصِحُّ التيممُ إلا بها. وفُهِمَ مِن هنا أن الاستباحةَ لا تَستلزمُ رَفْعَ الحَدَثِ، بل أعمّ، نَعَمْ يُمكن أن يُدَّعَى أن الاستباحةَ بالماءِ مساويةٌ لرفعِ الحدثِ.
وظن الشرَّاحُ الثلاثةُ أن قوله: (وَعَلَيهِمَا) يقتضي وجودَ قول بأنه لا يَلزم استعمالُ الماءِ إذا وجده– وهو غيرُ موجود– حتى تأوَّلَ ذلك ابنُ هارون على أن الضميرَ عائدٌ
على الجنبِ والمحدِثِ. ورُدَّ بأن الغُسْلَ إذا أطلقَ في الاصطلاح إنما يُراد به الطهارةُ الكبرى لا الصغرى. والذي يَظهر أن معناه. – على كلٍّ مِن القولين– فيَجِبُ الغُسْلُ لما يُستقبل؛ لأنه وإِنْ رَفَعَ فإِلى غايَةٍ.
وهكذا كان شيخُنا رحمه الله يقول: ودليلُ الْمَشْهُورِ قوله تعالى: {ولا جُنُبًا إلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [المائدة:6] على تأويلِ عليٍّ رضي الله عنه وقد تقدم، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص لما بَعَثَه إلى غزوةِ ذاتِ السلاسلِ، واحتَلَمَ في ليلةٍ باردةٍ، وأَشْفَقَ إن اغْتَسَلَ هَلَكَ، فتيممَ وصَلَّى بأصحابهِ، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أَصَلَّيْتَ بالناسِ وأنتَ جُنُبٌ". فقال عمرو: سمعت الله عز وجل يقول: {ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، فضحك صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود والدارقطني وابن وهب في المدونة.
قال القرافي: ومعنى قولهم: إن التيمم لا يرفع الحدث. أنه لا يَرفعه مطلقاً، وإنما يرفعُه إلى غايةِ وجودِ الماءِ. قال: وهذه المقالةُ أشدُّ مِن المقالةِ بأنه لا يَرْفَعُ الحدثَ ألبَتَّةَ، إِذْ يَلْزَمُ عليه اجتماعُ النقيضَيْنِ؛ إِذْ الحدثُ هو المانعُ، والإباحةُ متحققةٌ بإجماعٍ، وعلى هذا فلا يبقَى في المسألةِ خلافٌ. ولذلك قال المازري: لعل الخلافَ في اللفظِ.
ابن رشد: ويُمكن أن يُقال: الجنابةُ سببٌ يترتب عليه سببان: أحدُهما المنعُ من الصلاةِ، والآخرُ وجوبُ الغسلِ بالماءِ، فأقام الشرعُ التيممَ سبباً لرفعِ المنعِ مِن الصلاةِ، ولم يُقِمْه سبباً لرفعِ وجوبِ الغسلِ، فإذا وُجِدَ الماءُ أُمِرَ بإيقاعِ السببِ الثاني وهو وجوبُ الغسلِ، فلا منافاةَ بين قولِنا: التيممُ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، وأنه يُؤمر بالغُسل لما يَستقبل. وهو لَعَمْرِي مُرَادُ الأشياخِ بقولِهم: التيممُ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. أي لا يَرفعُ موجباتِ الحدثِ كلَّها، وإنما وَقَعَ إشكالٌ من قصورِ الفهمِ عنهم فتأمَلْه، وهو بحثٌ حسنٌ جدّاً. انتهى.
خليلٌ: وعليه أيضاً فلا يكون في المسألةِ خلافٌ، والأَوْلَى هنا ما ذَكَرَه ابنُ دقيق العيد، فإنه قال بعد أن قَرَّرَ أن الحَدَثَ يُطلق على ثلاثةِ معانٍ:
الأولُ: الخارجُ مِن السبيلين. والثاني: الخروجُ. والثالثُ: المنعُ الناشئ عن الخارج. واستُشكل عدمُ رفعِ التيممِ للحدثِ بما ذكره. نعم هاهنا معنى رابعٌ يَدَّعِيه كثيرٌ مِن الفقهاءِ، وهو أن الحَدَثَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ يُقَدَّرُ قيامُه بالأعضاء على مقتضى الأوصافِ الحسيةِ، ويُنزلون ذلك منزلةَ الحسيِّ في قيامِه بالأعضاءِ. فمَن يقول: إنه يرفعُ الحدثَ كالوضوءِ [33/ب] والغسلِ، يقول: يُزيل ذلك الأمرَ الحُكْمِيَّ، فيزول ذلك المنعُ المرَتَّبُ على ذلك الأمرِ المقدرِ الحكميِّ. ومَن يقول: إنه لا يرفع الحدث. فذلك المعنى المقدَّرُ القائمُ بالأعضاءِ حكمٌ باقٍ ولم يَزُلْ، والمنعُ المُرَتَّبُ عليه زائلٌ. فبهذا الاعتبارِ يقول: إن التيممَ لا يَرفع الحدثَ. بمعنى أنه لم يُزِلْ ذلك الحكمَ الوصفيَّ المقدَّرَ، وإن كان المنعُ زائلاً.
وحاصلُ هذا أنهم أَبْدَوْا للحَدَثِ معنى رابعاً غير ما ذكرناه مِن الثلاثةِ، وهم مطالَبُون بدليلٍ شرعيٍّ يَدُلُّ على إثباتِ هذا المعنى. انتهى.
قال القرافيُّ: نظائرُ خمسةٌ: التيممُ، والمسحُ على الخفين، والمسحُ على الجبيرة، والمسحُ على شعر الرأسِ، والغسلُ على الأظفارِ، وفي الجميعِ قولانِ للعلماءِ، والمذهبُ في الثلاثة الأُوَلِ عدمُ الرَّفْعِ.
فَإِنْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيُعيد أبداً
يعني: أن الجُنُبَ إذا تيمم فلابُدَّ أن يَنْوِيَ الجنابةَ، فإن نَسِيَها لَمْ يُجْزِهِ تيممُه على الْمَشْهُورِ، إِذْ ليس لكلِّ امرئٍ إلا ما نوى. وفي سماع ابن وهب: يُعيد في الوقت. وقال ابن مسلمة: لا إعادةَ عليه؛ لأن التيممَ للوضوءِ والغسلِ فَرْضانِ على صِفَةٍ واحدةٍ، فنَابَ أحدُهما عن الآخرِ كالحيضِ عن الجنابةِ. وحكاه في التلقينِ روايةً.
فرع:
إذا تيمم الجنبُ ثم أَحْدَثَ فظاهرُ المذهبِ أنه يتيممُ بِنِيَّةِ الجنابةِ أيضاً، وخَرَّجَ اللخمي أيضاً على قولِ ابن شعبان– أَنَّ له أَنْ يُصيب الحائضَ إذا طهرت بالتيمم-: أن ينويَ الحدثَ الأصغرَ.
وَلَوْ كَانَ مَعَ الْجُنُبِ قَدْرُ الْوُضُوءِ تَيَمَّمَ وَلَمْ يَتَوَضَّأ بهِ
كما لو وجد ماءً لا يَكفي إلا بعضَ أعضاءِ وضوئِه، ولا أَعْلَمُ في المذهب في هذا خلافاً.
وَيَسْتَوْعِبُ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَيَنْزِعُ الْخَاَتَم عَلَى الْمَنْصُوصِ، قَالُوا: وَيُخَلَّلُ أَصَابعَهُ ....
أي: أن الاستيعاب مطلوبٌ ابتداءً، وَلَوْ تَركَ شيئاً من الوجه واليدين إلى الكُوعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ على الْمَشْهُورِ. وقال ابن مسلمة: إن كان يسيراً أجزأه. وما ذَكَرَه المصنف هو الْمَشْهُورِ. وقال ابن مسلمة: يَتيمم إلى المنكبين. ورُوي عن مالكِ إلى الكوعين.
وقال ابن لبابة: يَتيمم الجنبُ إلى الكوعين، وغيرُه إلى المنكبين. قال ابن رشد: واعْتَمَدَ على آثارٍ.
وأما الخاتمُ فلا خلافَ أنه مطلوبٌ نزعه ابتداءً؛ لأن الترابَ لا يَدْخُلُ تَحْتَه، وإِنْ لم يَنْزِعْه فالمذهبُ أنه لا يُجزئُه، واستقرَأَ اللخميُّ مِن قولِ ابنِ مسلمةَ الإجزاءَ.
وعلى هذا فكان الأَوْلَى أن يقول: فلو لم ينزعه لَمْ يُجْزِهِ على المنصوص. لأن كلامه يُوهمُ أن الخلافَ ابتداءٌ.
وأما تضعيفهُ تخليلَ الأصابعِ بقوله: (قَالُوا) لأحدِ وجهين، إما لأن التخليلَ لا يُناسِبُ المسحَ الذي هو مبنيٌّ على التخفيفِ، وإما لأنه لما كان المذهبُ لا يَشترطُ النَّقْلَ؛ إِذْ يَجوز على الحَجَرِ– نَاسَبَ أن لا يَلْزَمَ التخليلُ.
وقوله: (قَالُوا) يُوهِمُ تواطؤَ جماعةٍ كثيرةٍ مِن أهلِ المذهبِ، ولم يُنقل ذلك إلا عن ابن القُرْطِيِّ. ونص ما نقله أبو محمد عنه: ويُخلل أصابعَه في التيمم، وليس عليه متابعةُ الغُضُونِ.
الشيخ أبو محمد: ولم أَرَهُ لغيرِه. وأشار ابنُ راشدٍ إلى هذا الاعتراضِ.
وَفِي مُرَاعَاةِ صِفَةِ الْيَدِينِ قَوْلانِ، وَفِي الصَّفَّةَ قَوْلانِ، فَفِيهَا: يَبْدَأُ بِظَاهِرِ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى مِنْ فَوْقِ الْكَفِّ إِلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ يَمْسَحُ الْبَاطِنَ إِلَى الْكُوعِ، ثُمَّ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ وَلا بُدَّ مِنْ زِيادَةٍ، فَقِيلَ: أَرَادَ ثُمَّ يَمْسَحُ الْكَفَّيْنِ، وَقِيلَ: أَرَادَ إِلَى مُنْتَهى الأَصَابع فِيهِمَا
أي: وفي استجاب (مُرَاعَاةِ) إِذْ لا خلافَ أعلمُه في عدمِ الوجوبِ، والْمَشْهُورِ المراعاةُ لأنه ممسوحٌ، فتُرَاعَى فيه الصِّفَةُ كالرأسِ والخُفَّيْنِ. والقولُ الآخَرُ لابنِ عبدِ الحَكَمِ قياساً على الوضوءِ. والباء في (بِظَاهِرِ) للإلصاق، وفي (بِالْيُسْرَى) للاستعانة، و"إلى المرفق" في محل الحال، أي: يمسح ظاهر اليمنى باليُسرى مُوِصلاً إلى المرفقِ.
وقوله: (وَلا بُدَّ مِنْ زِيادَةٍ) مِن لفظِ المدونةِ، واختُلف– كما قال المصنف– في معناها، فقال ابن القاسم: يُكمل اليمنى، ثم يَشرع في اليسرى. واختاره الشيوخُ: أبو محمد، وابنُ أبي زيد، والقابسيُّ، وعبدُ الحقِّ، وهو الظاهرُ لتحصيلِ فضيلةِ الترتيبِ بينَ المَيَامِنِ والمَيَاسِرِ.
وقال مطرفٌ وابن الماجشون: بل يبلغ الكوع من اليمنى، ثم كذلك من اليسرى، ثم يمسح كفيه. قال الباجي: والأول هو اختيار أكثر الأصحاب.
فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْكُوعَيْنِ أَوْ عَلَى ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَثَالِثُهَا: يُعيد فِي الْوَقْتِ، وَرَابِعُهَا: الْمَشْهُورِ فِي الأُولَى خَاصَّةً ....
المأمورُ به ابتداءً ضربتان على الْمَشْهُورِ، وقال ابن الجَهْمِ: التيممُ بضربةٍ واحدةٍ لقوله تعالى: {فَتَيَممُوا} [المائدة:6] معناه فَاقَصِدُوا. فكان القصدُ مرَّةً واحدةً؛ إِذْ لم يَذْكُرْ مرتين. قال اللخميُّ: وهو أَبْيَنُ لظاهرِ القرآنِ، ثم إذا فرَّعنا على الْمَشْهُورِ فاقتَصَرَ على الكوعين أو على ضربةٍ واحدةٍ للوجهِ واليدين فأربعةُ أقوالٍ: الأولُ لابنِ ناقعٍ: الإعادةُ أبداً فيهما.
والثاني: لا إعادةَ فيهما. والثالثُ: الإعادةُ في الوقت لابن حبيب. والرابع– وهو الْمَشْهُورِ-: إن اقْتَصَرَ على الكوعين أَعَادَ في الوقتِ، وإن اقتَصَر على ضربةٍ واحدةٍ فلا إعادةَ عليه في وقتٍ ولا غيرِه.
فمن رأى الإعادةَ أبداً رأى الثانيةً– وكونها إلى المرفقين– فرضاً. ومَن قال بالإجزاءِ رأي أن ذلك فضيلةٌ، ومَنْ أَمَرَ بالإعادةِ في الوقتِ فلتَرْكِ الكمالِ، أو مراعاةً للخلافِ.
وقال بعضُ الشيوخِ: مَن يُجيز التيممَ على الصَّخْرِ لا يُوجب الضربةَ الثانيةَ إِذْ لا معنى لها، ومَنِ اشتَرَطَ الترابَ أَوْجَبَها. وخالفَه غيرُه لأنه لا يَلْزَمُ مِن عدمِ اشتراطِ الترابِ عَدَمُ اشتراطِ الأمرِ بالضربةِ الثانيةِ، وإلا لَزِمَ انتفاءُ [34/أ] الأُولَى به.
تنبيهان:
الأول: ما ذكرناه مِن الإعادةِ أبداً مبنيةٌ على وجوبِه إلى المرفقين، ووجوبِ الضربةِ الثانيةِ، قاله جماعةٌ مِن الأشياخِ. ونقلَ المازريُّ عن بعضِ أشياخِه أنه أَنكر ذلك.
وقال: لعله بَنَى ذلك على أَنَّ تاركَ السننِ متعمداً يُعيد أبداً. وأن يُؤخذ مِن قول مَن قال بالإعادة في الوقتِ عدمُ الوجوبِ، ولعله يقولُ بالوجوب، واقتَصَرَ على الإعادةِ في الوقتِ مراعاةً للخلافِ.
المازري: وهذا الذي قاله ممكنٌ، لكنْ وَقَعَ لابن القصّار فيمن لم يَجِدْ من الترابِ إلا ما يَكفيه لضربةٍ واحدةٍ أنه لا يَتيمم؛ إِذْ لا يَنْتَفِعُ بتيممِه، وهو كالنَّصِّ على أن الضربةَ الثانيةَ فرضٌ لا حِيلَةَ لأَحَدٍ في تأويلِه.
الثاني: ما ذَكَرَه المصنفُ مِن الْمَشْهُورِ بالتفرقةِ ظاهرٌ في المسألة الأولى؛ لأنه نَصَّ في المدونةِ فيمن تيمم إلى الكوعين على الإعادةِ في الوقت.
وأما المسألةُ الثانية فلا يُؤخذ منها عدمُ الإعادة، والذي ذكروا فيها أنه يَسْتَانِفُ الضربةَ. وفَهِمَ ابنُ عطاء الله منه أن الضربةَ الثانيةَ سنةٌ، وأَنَّ مَنْ تَرَكَها يُعيد في الوقت. وبه قال ابن حبيب. ونَسَبَ عدمَ الإعادةِ مطلقاً لكتابِ محمد، قال: وهو مروي عن ابن القاسمِ.
وَلَوْ مَسَحَ يَدِيِْهِ عَلَى شَيْءِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ فَلِلْمُتَأَخِّرِين قَوْلانِ، بِخِلافِ النَّفْضِ الْخَفَِيفِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ ....
ابن عبد السلام: الأظهرُ أن ذلك لا يَضُرُّه، إِذْ النَّقْلُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ. انتهي.
وفيه نظرٌ؛ لأن تيممَه لم يَحْصُلْ للأعضاءِ بل للممسوحِ. وقد ذكر صاحبُ تهذيب الطالب القولين، وشُرِعَ النَّفْضُ الخفيفُ خشيةَ أن يَضُرَّه شيءٌ في عينيه.
وَالتَّرْتِيبُ والْمُوَالاةُ كَالْْوَضُوءِ
أي: على الْمَشْهُورِ فيهما على أنه يُمكنُ إجراء الأقوالِ المتقدمةِ في الترتيب هنا.
وأما الموالاةُ فلا يُمكنُ إجراءُ كلِّ تلك الأقوالِ؛ إِذْ لا يَتَأَتَّى فيها قولٌ بالفَرْقِ بَيْنَ المغسولِ والمسموحِ.
خليل: ويُمكن أن يُقال بالبطلان إِذا فَرَّقَ التيممَ ناسياً مِن جهةِ اشتراطِ اتصالهِ بالصلاةِ، لا مِنْ جِهَةِ الموالاةِ، فافهمْه. وكذلك يَنبغي أن يُفهم كلامُ المصنفِ إذا تقدَّم له كلامٌ على مسألةِ، ثم شَبَّهَ مسألةً أُخرى بها في الحُكْمِ فإنما يُشَبِّه في الْمَشْهُورِ خاصَّةً.
وَفِيهَا: فَمَنْ نَكَّسَ تَيَمُّمَهُ وَصَلَّى يُعيد لِمَا يُسْتَقْبَلُ، وَحُمِلَ عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِلا فَهُوَ وَهْمٌ ....
أي: يُعيد لما يُريد فِعْلَه مِن النوافل، وإلا فهو وهمٌ؛ لأنه اعتقد إجراءه على الوضوء، وغَفَل عن كونِه لابُدَّ مِن استئنافِه، إِذْ لا يُجمع عنده بين صلاتين بتيممٍ واحدٍ، والإعادةُ عنده محمولةٌ على الاستحبابِ. وليس الوهمُ بلازمٍ كما قال المصنفُ؛ لاحتمالِ أن يكونَ
مرادُه إذا تيمم مرةً ثانيةً يَفْعَلُه على سُنَّتِه من الترتيبِ، ولا يَعود إلى الخطأ، وهو أجودُ ما تؤُوِّلَ على المدونة، ذَكَرَه في التنبيهات.
ابنُ عبد السلام: وهو يظهر إذا كان تنكيسُه على وجهِ العَمْدِ، وأما النسيانُ فلا يَحسن وُرُودُ مِثْلِ هذا الكلامِ فيه. انتهى.
والقياسُ يَقتضي أنه إذا كان في الحَضْرَةِ يَمسحُ يديه فقط، وإن طال أَعادَ التيممَ، ولا يكونُ حكمُه كالوضوءِ من إعادةِ المُنكَّسِ خاصَّةً على الْمَشْهُورِ، إِذْ لا حُكْمَ له إِلا أَنْ يُؤْتَى بجميعِه لأجلِ اتصالِه. وقد يقال: هو تامٌّ، وإنما أُمِرَ أن يُرَتِّبَه للكمالِ خاصةً، والله أعلم.
وَلَوْ نَوَى فَرْضاً جَازَ النَّفْلُ بَعْدَه، وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ وَرَكْعَتَاهُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وِقِرَاءَتُهُ وَسَجْدَتُهَا، وَرُوِيَ وَقَبْلَهُ ....
قال بعضُهم: لا خلافَ في جوازِ النفلِ بعدَ الفَرْضِ؛ لأنه تَبَعٌ. وقال بعضُ الشيوخِ: إنما يَجري هذا على القولِ بأنه يَرفعُ الحدثَ، وفيه نظرٌ. ومِن شَرْطِ جوازِ إيقاعِ النفلِ بتيممِ الفرضِ أن يكونَ النفلُ متصلاً بالفرضِ؛ فقد روى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: مَن تَيَمَّمَ لنافلةٍ ثم خرج مِن المسجدِ لحاجةٍ ثم عاد فلا يَتنفلُ به، ولا يَمَسُّ المصحفَ. وشَرَطَ فيه ابنُ رشدٍ أن تكونَ النافلةُ منويةً عند تيممِ الفريضةِ. قال: وإن لم يَنْوِها لم يُصَلِّها. ولا فرقَ بين النفلِ والسنةِ عند ابنِ حبيب، واستَحَبَّ سحنونٌ أن يتيمم للوَتْرِ.
التونسي: وإنما له أن يتنفلَ بإثْرِ الصلاةِ ما لم يَطُلْ كثيراً. انتهى.
وقيد ذلك الشافعيةُ بأن لا يَدخلَ وقتُ الأخرى، فإذا دخل فلا، وهو ظاهرٌ؛ لأن ما يفعلُه مِن النافلةِ تابعٌ للفريضةِ، ولا معنى للتابعِ حالَ عَدَمِ المتبوعِ حِسّاً وحُكماً، والله أعلم.
والْمَشْهُورِ: لا يَجوز أن يَتنفل قَبْلَ الفريضةِ. وروى يحيى بن عمر جوازَ صلاةِ ركعتي الفجرِ بتيممه للصبحِ، وهو معنى قولهِ:(وقيل: قَبْلَه).
وقوله: (وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ) يُريد أنه يُصلي بتيممِ الفريضةِ ما شاءَ مِن النفلِ، ويطوفُ به ويَقرأ به، وينبغي أن يُقَيَّدَ الطوافُ بطوافِ النفلِ. وجوَّزَ فيه ابنُ هارون احتمالاً ثانياً وهو أن يكون كلاماً مُستأنفاً، ويكون في كلامِه ثلاثُ جُمَلٍ وأن التابعَ في كلٍّ يُفْعَلُ بتيممِ متبوعِهِ، وفيه نظرٌ.
فرع:
وإن تَيمم للفريضةِ فتنَفَّلَ قَبْلَها، أو صلى ركعتي الفجرِ ثم صلى المكتوبةَ، ففي الموازية: أعاد أبداً. ثم قال: هذا خفيفٌ، وأرى أن يُعيد في الوقت.
قال: وإن تيمم لنافلةٍ أو لقراءةِ مصحفٍ ثم صلى مكتوبةً أعاد أبداً.
وقال سحنون عن ابن القاسم فيمن تيمم لركعتي الفجر فصلى به الصبحَ، أو تيمم لنافلةٍ فصلى به الظهرَ: إنه يُعيد في الوقت. وقال البرقي عن أشهب: تُجزئه صلاةُ الصبحِ بتيممه لركعتي الفجرِ، ولا يُجزئه إذا تيمم لنافلةٍ أن يُصَلِّي به الظهرَ.
وَلَوْ نَوَى نَفْلاً لَمْ يُجْزِ الْفَرْضُ بِهِ، وَصَلَّى [34/ ب] مِنَ النَّفَلِ مَا شَاءَ وَفَعَلَ مَا تَقَدَّمَ كَمَا يَفْعَلُهُ بِمَا تَقَدَّمَ ....
أي: أنه لا يكون الأعلى تابعاً للأدنى، وقد تَقَدَّمَ حُكْمُ ما لو فَعَلَ.
وقوله: (وَصَلَّى مِنَ النَّفَلِ مَا شَاءَ) يعني: إذا نَوَى مطلقَ النفلِ، وأما إذا نَوَى نافلةً دون الأخرى فيُمكنُ أن يَجْرَى على الخلافِ فيمن نَوَى صلاةً بعينها دونَ غيرِها– وقد تقدم.
وقوله: (وَفَعَلَ مَا تَقَدمَ) يعني: مِن الطوافِ وما عُطِفَ عليه في مسألةِ التيممِ للفريضةِ.
وقوله: (كَمَا يَفعَلُهُ بمَا تَقَدمَ) يعني: بتيممه للفريضة، وهذا ينفي ما جوزه ابن هارون في التي قَبْلَها، والله أعلم.
بِخِلافِ تَيَمُّمِهِ لِلنَّوْمِ وَنَحْوِهِ
يعني: أن التيمم كالوضوءِ، فكما أن مَن توضأ للنومِ لا يُصلِّي به، فكذلك مَن تيمم للنومِ. وكذلك قال في المدونة، وذكر في التنبيهات عن الواضحة: أنه يصلي بتيمم النوم.
وَلَوْ نَوَى فَرْضَيْنِ صَحَّ وَصَلَّى بِهِ فَرْضاً عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لأَنَّهُ لاا يَرْفَعُ الْحَدَثُ، أَوْلَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ، أَوْ لِوُجُوبِ الطِّلَبِ لَكُلَِّ صَلَاةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الثَّلاثَةِ.
لا يُقال إنه لما نَوَى فَرضين– فلا يَستبيح به إلا فرضاً واحداً– صار تيمماً غيرَ مشروعٍ، لأن القَصْدَ الأهَمَّ مِن النيةِ استباحةُ العبادةِ، وفعلُه فرضاً أو فرضين مِن لواحق التيمم. وأحدُ الفرضين منفصلٌ عن الآخَرِ، والأولُ عبادةٌ مستقلةٌ بنفسِها بخلافِ مَن نَوَى في الذبيحةِ أَنْ يُجْهِزَ حتى يُبِينَ الرأسَ، فإنه اختُلِفَ في أَكْلِها كما سيأتي.
وما ذَكَرَه المصنفُ من تعليلِ عدمِ الجمعِ بثلاثِ عللٍ قد سبقه إلى ذلك عبدُ الوهاب، وفيه نظرٌ. أما الأُولى فلأَنَّا وإِنْ سَلَّمْنَا إلى أنه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، فما المانعُ أن يَستبيحَ به ما نواه؟ وقولهم: فلا يستبيح به إلا أقل ما يمكن– دَعْوَى لا دليلَ عليها. وأما الثانيةُ فمنقوضةٌ بالفائتتين، والْمَشْهُورِ خلافُه، وأما الثالثةُ فمنقوضةٌ بالمريضِ الذي لا يَقْدِرُ على استعمال الماءِ، أو مَن كان غيرَ مريضٍ، وهو يَعْلَمُ عَدَمَه، والْمَشْهُورِ خلافُه. ويُمكن أن يُوَجَّهَ الْمَشْهُورِ بأن يُقال: ظاهرُ قوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] يَقتضي أَلَاّ يُجْمَعَ بين فَرْضَيْنِ بوضوءٍ ولا بتيممٍ، فاستثنتِ السُّنَّةُ جوازَ الجمعِ بالوضوءِ، وبَقِيَ ما عداه على الأصْلِ. وقال ابن المسيب: مضتِ السنةُ أنه لا يَجمع المتيمُ بينَ صلاتين
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الثَّلاثَةِ) يعني: في عدمِ رفعِه للحدثِ، وتقدُّمِه على الوقتِ، ووجوبِ الطلبِ، وليس الخلافُ مخصوصاً بما إذا نَوَى فرضين، بل الخلافُ موجودٌ سواءٌ نَوَى فرضاً أو فرضين.
أَبُو الْفَرَجِ: يَجُوزُ فِي الْفَوَائِتِ. أَبُو إِسْحَاقَ: يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ
قولُ أبي الفَرَجِ مبنيٌّ على التعليلِ الثاني، وليس هو قولُه، وإنما رواه عن مالك. ذَكَرَه صاحبُ المقدمات وغيرهُ. وقولُ ابنِ شعبانَ على الثالثِ.
وَلَوْ صَلَّى الْفَرْضَيْنِ فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَتَا مُشْتَرَكَتَيِ الْوَقْتِ أَعَادَ الثَّانِيَةَ فِي الْوَقْتِ وَإلّا أَعَادَهَا أبداً ....
لم يُصَرِّحِ ابنُ القاسمِ بهذا، وإنما صّرح به أصبغُ، وقال: هو بمعنى قولِ ابنِ القاسم، ومَنْ يُحَرِّرُ النَّقْلَ يُفَرِّقُ بين ما هو نصٌّ أو استقراءٌ أو إجراءٌ، ويُفهم منه أن في المسألة خلافاً، وهو كذلك. ففي كتاب محمد: إِنْ فَعَلَ ذلك ناسياً أو جاهلاً جَمَعَهما أو فرَّقَهما– أعاد الأخيرةَ في الوقتِ. وقال أيضاً: يُعيدها أبداً وإِنْ ذَهَبَ الوقتُ.
وقد نقل اللخمي وابن يونس والمازري وغيرُهم هذه الثلاثةَ الأقوالَ، ونَسَبَ في النوادرِ القولَ بالإعادةِ أبداً لابن القاسم مِن روايةِ ابن المواز مطلقاً، سواءٌ كانتا مشتركي الوقت أم لا.
قال الباجي: وهو الذي يُنَاِظِرُ عليه أصحابُنا. ولابن القاسم في العتبية أنه يُعيد ما زاد على الواحدةِ في الوقتِ، ولو أعاد أبداً كان أحبَّ إليَّ.
وقال سحنون في كتاب ابنه: يُعيد الثانيةَ ما لم يَطُلْ كاليومين وأكثر.
وقال في البيان: واختُلف في الوقت الذي يُعيد فيه الثانيةَ مِن المُشْتَرَكَيَ الوقتِ، فقيل: ما لم تَغْرُبِ الشمسُ، وقيل: ما لم يَذهبِ الوقتُ المختارُ.
فرع:
قال ابن سحنون: سبيلُ السننِ في التيمم سبيلُ الفرائضِ، الوترُ وركعتا الفجر والِعيدَانِ والاستسقاءُ والخسوفُ– يَتيمم لكلِّ واحدةٍ كما في الفرائض. نقله اللخمي.
وَلَوْ نَسِيَ صَلاةً مِنَ الْخَمْسِ تَيَمَّمَ خَمْساً عَلَى الْمَشْهُورِ وَصَلَّى
قوله: (وَصَلَّى) أي: خمساً. وقد اختلف في أصول الفقه في هذه المسألة: هل الواجب عيه خمس أو وحدة، والبواقي لتحصيل المتروكة؟ والأول المختار بدليل أن خواص الواجب من ثواب أو عقاب يدور مع كل واحدة، والتيمم لكل واحدة يحقق هذا القول.
وأما مقابل الْمَشْهُورِ فيتيمم واحداً ويصلي به خمس صلوات، وهو يحتمل أن يكون مبنياً على قول أبي الفرج ويحتمل أن يكون مبنياً على المذهب.
الثاني: لأنه أشبه من اجتمع في حقه فرض ونفل، فيكون كمن تيمم للفريضة وتنفل قبلها، بل هو أخف لجواز أن يصادف الفريضة أولاً.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلا تُراباً فَرَابِعُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: يُصَلِّي وَيَقْضِي، وَالثَّلاثَةُ لِمَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَأَصْبَغَ ....
يُتَصَوَّرُ ذلك في المربوط والمريض إذا لم يجدُ مُناوِلاً.
وقوله: (تُرَاباً) أحسن منه لو قال: صعيداً. وعلى ما قدمناه من قاعدته فإن ابن القاسم هو القائل بالأداء والقضاء، ومالك هو القائل بنفيهما، وأشهب قائل بالأداء دون القضاء، وأصبغ بالعكس.
فدليل قول ابن القاسم قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: "إِذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ". ورأى [35/أ] القضاء عليه احتياطاً، وهو بعينه حجة لأشهب؛ لأن ظاهره الاقتصار على الأداء. واختاره الأكثر لصلاة الصحابة رضوان الله عليهم عند عدم الماء قَبْلَ نزول آية التيمم؛ لأن عدم الماء قَبْلَ شرع التيمم كعدم الماء والتراب بعد شرعه.
ودليل قول مالك: "لا يَقْبَلُ اللهُ صلاةَ أحدِكُم إذا أَحْدَثَ حتى يَتَوَضَّأ" أخرجه البخاري وأبو داوود والترمذي، وقال: حديث صحيح.