المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقوله: (الأَخِيرَةِ) أي: بالنسبة إلى صلاة الإمام. وقوله: (إِنْ لَمْ تَكُنْ - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ١

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: وقوله: (الأَخِيرَةِ) أي: بالنسبة إلى صلاة الإمام. وقوله: (إِنْ لَمْ تَكُنْ

وقوله: (الأَخِيرَةِ) أي: بالنسبة إلى صلاة الإمام.

وقوله: (إِنْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَةً) أي: للمأموم، وهو ظاهرٌ مما تقدم.

وَيَجْتَمِعُ الْبِنَاءُ وَالْقَضَاءُ فِي حَاضِرٍ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلاةِ مُسَافِرٍ، وَفِيمَنْ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلاةِ خَوْفٍ فِي حَضَرٍ ....

أي: إذا صلى حاضرٌ خَلْفَ مسافرٍ وفاتَتْه الأُولَى فإنَّ الأُولى قضاءٌ والأخيرتين بناءٌ؛ لأن الحاضرَ إذا صلى خلفَ المسافر لا يَقْصِرُ، وهذه كالصورة الثانية سواءٌ.

وقوله: (وَفِيمَنْ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلاةِ خَوْفٍ فِي حَضَرٍ) ظاهر.

وَلا يَبْنِي فِي فَرْحَةٍ، وَلا جُرْحٍ، وَلا قَيْءٍ، وَلا حَدَثٍ، وَلا شَيْءٍ غَيْرِ الرُّعَافِ

هذا ظاهرٌ، ونَبَّهَ على خلافٍ خارجَ المذهبِ.

وحكى المازري وابن العربي عن اشهب أنه يقول فيمن رأى نجاسةً في ثوبِه في الصلاة أنه يغسلُها ويبني. وهذا بعيدٌ عن أصل المذهب.

والقرحة بفتح القاف وسكون الراء: الجُرْحُ، وبغير التاء وفتح القاف وضمها: الجرح أيضاً، وقيل: بالضم ألمُ الجرح؟ قاله عياضٌ.

‌الْوُضُوءُ:

فَرَائِضُهُ سِتٌّ: النِّيَّةُ عَلَى الأَصَحِّ

أي: الفريضةُ الأُولى النيةُ على الأصح؛ لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوَا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْدِيِنَ} [البينة: 5]. وقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات". خَرَّجَه البخاري ومسلم.

ومقابلُ الأصَحِّ روايةٌ عن مالك في عدم الوجوب، حكاها المازري نصّاً عن مالك في الوضوء، وقال: يتخرج في الغسل. وكذلك ذكر ابن شاس أن ابن حكى عن مالك في كتابه الأوسط أن النية غير واجبة في الوضوء، وقال: ويتخرج في الغسل.

ص: 92

خليل: وفي التخريج نظرٌ؛ لأن التعبدَ في الغسل أقوى، ولم يحفظ صاحبُ المقدمات في وجوب النية في الوضوء خلافاً، بل حكى الاتفاق عليها.

وحكمةُ إيجابِ النية تمييزُ العبادات عن العادات؛ لتبيينِ ما لله عما ليس له، وتمييز مراتبِ العبادات في أنفسها؛ لتمييز مكافآت العبد على فعلهِ، ويظهرَ قدرُ تعظيم العبد لربه.

فمثال الأول الغُسل: يكون عبادةً ويكون تبرداً، وحضورُ المساجد يكون للصلاة ويكون للفرجة، ويكون السجودُ لله وللصنم.

ومثال الثاني الصلاة؛ لانقسامها إلى فرضٍ ونفلٍ، والفرضُ ينقسم إلى فرضٍ على الأعيانِ وفرضٍ على الكفاية، وفرض على منذور وغير منذور.

ومحلُّ النية القلبُ. قال المازريُّ: أكثرُ المُتَشَرِّعِينَ وأقلُّ أهلِ الفلسفةِ على أنَّ النيةَ في القلبِ، وأقلُّ المتشرعين وأكثرُ أهل الفلسفةِ على أنها في الدماغِ.

ورُوي عن عبد الملك في كتاب الجنايات أنَّ العقلَ في الدماغِ.

وَهِيَ الْقَصْدُ إِلَيْهِ: إِمَّا بتَخْصِيصِهِ ببَعْضِ أَحْكَامِهِ كَرَفْعِ الْحَدَثِ أَوِ اسْتِبَاحَةِ شَيْءٍ مِمَّا لا يُسْتَبَاحُ إِلا بِهِ، وَإِمَّا بفَرْضِيَّتِهِ

الضمير المجرور بإلى عائدٌ على الوضوء، والباءُ الأُولَى للمُصاحَبَةِ، والثانيةُ للتَّعْدِيَةِ.

وقوله (ببَعْضِ أَحْكَامِهِ) أي: ببعضِ لوازمِ الوضوءِ كرفعِ الحدثِ. وعبارتُه تقتضي أن للوضوءِ أحكاماً، وأن منها رفعَ الحدث، وهو كذلك؛ لأن الوضوءَ له أحكامٌ منها رفعُ الحدثِ عن الأعضاء، ومنها استباحةُ ما كان الحدث مانعاً منه، ومنها امتثالُ أَمْرِ الله تعالى بأداءِ ما افتَرَضَ.

وقوله: (أَوِ اسْتِبَاحَةِ شَيْءٍ مِمَّا لا يُسْتَبَاحُ إِلا بِهِ) الضمير المجرور في (بِهِ) يحَتمل عَوْدَه على الوضوء، ويحتمل عودَه على رفع الحدث، ورجحه بعضُهم؛ لأنه يَلزم على

ص: 93

الأوَّلِ أَنَّ مَن نوى استباحةَ الصلاة، أو القراءةَ في المصحف ونحوَهما لا يُجزئه ذلك؛ لأن ذلك يُستباح بالغُسل من الجنابة.

وأُجيب بأنَّ الغُسلَ مُستَلْزِمٌ للوضوء. وعلى كلا الوجهين يُنتقض كلامُه بالتيمم؛ لأنه تُستباح به العبادةُ، وليس بوضوءٍ. والأَوْلَى أَنْ لو قال: هو استباحةُ ما كان ممتنعاً منه، أو كقول ابن شاس: أو استباحة ما لا يُستباح إلا بالطهارة. لِعُمُومِه.

على أنَّ لقائلٍ أَنْ يقول: في كلام ابن شاس نظرٌ؛ لأنه إن أراد بالطهارةِ الطهارةَ الأصليةَ– أعني الحدثَ الأصغرَ والأكبرَ دونَ بدلهِما– ففيه إطلاقُ العامِّ وإرادةُ الخاصِّ، ويَرِدُ عليه التيممُ. وإن أراد بالطهارةِ الطهارةَ الكبرى أو الصغرى وبدلَهما– فيَرِدُ عليه ما لو نوى بوضوئِه قراءةَ القرآن طاهراً فإنه لا يُجزئه ما أنها لا تُستباح في حق الجُنُبِ إلا بالغسل، والله أعلم.

وقوله: (وَإِمَّا بفَرْضِيَّتِهِ) أي: ينوي أداءَ الوضوء الذي هو فرضٌ عليه. وبه صرح ابن شاس، فإنه قال: أو أرادَ فرضَ الوضوءِ. وعلى هذا يَخرج عنه الوضوءُ للتجديد، ويَدخل فيه الوضوء للنوافل.

وما قاله ابن هارون مِن أنه يَحتمل أن يريد أداءَ ما افتُرِضَ عليه من العبادات. وعلى هذا يَخرج الوضوءُ للنوافل– ليس بظاهر؛ لأن إعادةَ الضميرِ على غيرِ مذكورِ؛ ولأن تخصيصَ [15/ب] وضوءٍ بالفريضة– ليس بظاهر، إذ لا وجهَ للتخصيص، والله أعلم.

قال بعضهم: بناءً على أنَّ حقيقةَ رَفْعِ الحَدَثِ مغايرةٌ لاستباحةِ الصلاة– إن صاحبَ السلس والمستحاضة ينويان بوضوئهما الاستباحةَ لا رفعَ الحدثِ؛ لأن الحدثَ دائمٌ. وهذا يَظهر على القول بأن بولَ صاحب السلس حدثٌ، ويَسقط عنه الوضوء لكل صلاة للمشقةِ. وأما على رأي العراقيين الذين يجعلون بولَه كالعَدَمِ، ويَشترطون في الحدثِ الصحةَ والاعتيادَ– فلا يَلزم.

ص: 94

وَوَقْتُهَا مَعَ أَوَّلِ وَاجِبِهِ، وَقِيلَ: مَعَ أَوَّلِهِ

يعني: أنه اختُلف في وقت النيةِ، فالْمَشْهُورِ أنها عند غسل الوجه، وقيل: إنها عند غسل اليدين. وجمعَ بعضُهم بين القولين فقال: يبدأُ بالنية عند أول الفعل، ويَسْتَصْحِبُها إلى أولِ الفَرْضِ. خليل: والظاهرُ هو القول الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه ينوي عند غسل الوجه. يَلْزَمُ منه أَنْ يَعْرَى غسلُ اليدين والمضمضة والاستنشاق عن النيةِ. فإن قالوا: ينوي له نيةً مُفْرَدَةً. قيل: يَلزم منه أن يكون للوضوء نيتان، ولا قائلَ بذلك.

قاله ابن راشد.

وَفِي الْفَصْلِ الْيَسِيرِ بَيْنَهُمَا قَوْلانِ

أي: بين النية ومحلها.

ابن عبد السلام: والأشهرُ عدمُ التأثير، ومقتضى الدليل خلافُه.

وقال المازري: الأصح في النظرِ عدمُ الإجزاء. ابن بزيزة: وهو الْمَشْهُورِ.

ومن هذا المعنى اختلافُهم فيمن مشى إلى الحمَّام أو إلى النهر ناوياً غُسل الجنابة، فلما أخذ في الطُّهر نسيها. قال عيسى عن ابن القاسم: يجزئه فيهما. وشبه ابن القاسم ذلك بمن أَمَرَ أهلَه فوضعوا له ماءً يَغتسل به من الجنابة. وقال سحنون: يجزئه في النهر لا في الحمام. وقال في البيان: ووجهُه أن النيةَ بَعُدَتْ؛ لاشتغاله بالتَّحْمِيمِ قبلَ الغُسْلِ، وكذلك إن ذهب إلى النهر لِيَغْسِلَ ثوبَه قبل الغُسل، فغَسَل ثوبَه ثم اغتسل، لا يُجزئه على مذهبه، ولو لم يَتحمم في الحمام أجزأه الغُسْلُ، كالنهر سواء، ووجه ما قاله ابن القاسم أنه لما خرج إلى الحمام بنية أن يتحمم ثم يغتسل لم تُرْتَفَضْ عنده النيةُ. انتهى.

ونقل القارفي في قولاً بعدمِ الإجزاء في الحمام والنهر، وفُهم من التقييد باليسير أنه لو كان كثيراً لم يجز بلا خلاف. وقاله المازري.

ص: 95

وَعُزُوبُهَا بَعْدَهُ مُغْتَفَرٌ

العزوب هو انقطاعُ النية والذهولُ عنها.

وقوله: (بَعْدَهُ) أي: بعد وقتها.

ولفظه (مُغْتَفَرٌ) تقتضي أن الأصلَ الاستصحابُ، وهو كذلك، وإنما أسقطه عنه للمشقة.

وَفِي تَاثِيرِ رَفْضِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ رِوَايَتَانِ

هذا الخلافُ في الوضوءِ والحجِّ والصومِ والصلاةِ، وذكر القرافيُّ عن العبدي أنه قال: الْمَشْهُورِ في الوضوء والحج عدمُ الارتفاض، والْمَشْهُورِ في الصوم والصلاة الارتفاضُ. ومقتضى كلامه أن الخلافَ جارٍ بعد الفراغ من الفعل، فإنه قال: رفضُ النية من المشكلات لا سيما بعد تمام العبادة. كما نقله العبدي. فذكر الكلام السابق، ثم قال: والقاعدةُ العقليةُ أَنَّ رفع الواقع محالٌ. انتهى.

وقد أشرنا إلى الفَرْقِ بين هذه الأربعة في باب الصلاة فانظرْهُ.

ابن عبد السلام: وكان بعضُ من لقيته من الشيوخ يُنكر إطلاقَ الخلافِ في ذلك، ويقول: إن العبادةَ المشترط فيها النية إمّا أن تنقضي حِسّاً وحُكماً كالصلاةِ والصومِ بعد خروجِ وقتِهما، أو لا تنقضي حِسّاً ولا حُكماً كما في حال التَّلبُّس بها، أو تَنقضي حساً دون حكمٍ كالوضوء بعد الفراغ منه، فإنه وإن انقضى حسّاً لكنَّ حكمَه– وهو رفع الحدث– باقٍ. فالأولُ لا خلاف في عدم تأثيرِ الرفضِ فيه، والثاني لا خلاف في تأثير الرفض فيه، ومحل الخلاف هو الثالث، وهو أحسنُ من جهة الفقهِ لو ساعدَتْه الأنقالُ. انتهى.

ص: 96

خليل: وقد نصَّ صاحبُ النكت في باب الصوم على خلافهِ، فإنه نصَّ على أنه لو رفض الوضوء– وهو لم يكمله– إن رفضه لا يُؤَثِّرُ إن أكمل وضوءَه بالقُرْبِ. قال: وكذلك الحجُّ إذا رَفَضَه بَعْدَ الإحرامِ ثم عاد فلا شيءَ عليه. قال: وأما إن كان في حين الأفعالِ التي تجب عليه ونوى الرفضَ وفَعَلَها بغير نيةٍ كالطوافِ، فهذا الرافضُ يُعَدُّ كالتاركِ لذلك. انتهى.

وَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الأَعْضَاءِ فَقَوْلانِ بِنَاءً عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ أَوْ بالإِكْمَالِ ....

أي: خصَّ كل عضوٍ بالنية مع قطعِ النظرِ عما بعده. ومنشأُ الخلاف كما المصنفُ: هل يرتفع حدثُ كلِّ عضوٍ حصلت الطهارةُ فيه بانفرادِه أو لا يرتفعُ إلا بإكمال الطهارةِ؟ فإذا غَسَلَ الوجه مثلاً: في قولٍ يرتفع حدثُه عنه، وفي قول لا يرتفع حدثه عنه إلا بَعْدَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ.

قال في البيان: والأولُ قولُ ابن القاسم في سماع موسى عنه في هذا الكتاب، والثاني لسحنون. قال: والأولُ أظهرُ، واحتج له بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا توضأ العبدُ المسلمُ فغَسَلَ وجهَه خرجتْ الخطايا مِن وجهِه حتى تخرجَ مِن تحتِ أَشْفاِر عَينيه". فخروجُ الخطايا دليلٌ على حصولِ الطهارةِ. انتهى.

وقد يُجاب بمنعِ ارتفاع الخطايا بارتفاعِ الحدث، بل لأجل الغسلِ؛ لأن الغسلَ مِن فِعْلِه فيُجازَى عليه، وأما رفعُ الحدثِ فليس مِن فعلِه.

سندٌ: وظاهرُ المذهب عدمُ الصحة. وقال ابن بزيزة: المنصوصُ أنها لا تَفَرَّقُ؛ نظراً إلى أنها عبادةٌ واحدةٌ، فكأن الأعضاءَ كلَّها عضوٌ واحدٌ، والشاذُّ أنها تَفَرَّقُ. واستقرأه القاضي أبو محمد من المدونة، وفيه نظرٌ. انتهى. وفي كلامِهما نظرٌ مع كلام ابن رشد فانْظُرْه.

ص: 97

واستَشْكَلَ [16/أ] القرافيُّ في قواعده القولَ بطهارةِ كلِّ عضوٍ بانفرادِه، قال: لأن المنعَ يَتعلق بالمكلَّفِ لا بالعضوِ، فالمكلفُ هو الممنوعُ من الصلاة، لا أن العضوَ هو الممنوعُ من الصلاة، والمنعُ في حقِّ المكلفِ باقٍ ولو غسل جميع الأعضاء إلا لُمْعَةً واحدةً. وأطال في ذلك فانظره.

وَمِنْهُ لابسُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ غَسْلِ الأُخْرَى عِنْدَ قَوْمٍ

أي: ومن هذا الأصل اختُلف فيمن غسل رجلَه اليُمنى وأدخلها في الخُفِّ، ثم غسل اليسرى فأَدْخَلَها: هل يسمحُ أم لا؟ فإن قلنا: إن الحدثَ يرتفع عن كل عضوٍ بالفراغ منه– مَسَحَ وإلا فلا. وأنكر ابنُ العربي أن يكون هذا أصلاً أو فرعاً في المذهب، وشنَّع على مَن ذهب إليه، وبَنَي الخلافَ في هذه المسألةِ على أن الدوامَ كالابتداءِ أَوْ لا. وإلى هذا أشار المصنف بقوله:(عند قوم) أي: يُفهم منه أنه عند قوم آخرين ليس كذلك.

وَأَمَّا خِلافُ الْقَابِسيَّ وَابْنَ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ أَحْدَثَ قَبْلَ تَمَامِ غَسْلِهِ ثُمَّ غَسَلَ مَا مَرَّ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ وَلَم يُجَدِّدْ نِيَّةً فَالْمُخْتَارُ: بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالابْتِدَاء أَوْ لا، وَظَاهِرُهَا لِلْقَابِسِيِّ

يعني: أن الشيخين القابسي وابن أبي زيد اختلفا فيمن أَحْدَثَ أثناءَ غسلِه بمَسِّ ذَكَرِه أو غيرِه، هل يجب عليه تجديدُ النيةِ إذا غَسَلَ أعضاءَه؟

فقال ابن أبي زيد: يجب عليه التجديد، وإن لم يجدد لَمْ يُجْزِهِ ذلك عن وضوئه. وقال القابسي: يجزئه.

وأَجْرَى هذا الخلافَ على الأصلين المتقدمين. واختار المصنفُ إجراءَه على أن الدوامَ كالابتداءِ.

ص: 98

ووجهُ إجرائِه على الأصلِ الأولِ أنك إذا قَدَّرْتَ أن الطهارةَ حاصلةٌ في أعضاء الوضوء وجبتْ إعادةُ النيةِ عند تجديدِ غسلِها لذهابِ طهارتِها، وإن قَدَّرْتَها غيرَ حاصلةٍ فالنيةُ باقيةٌ فلا يُحتاج إلى تجديدِ النيةِ لبقائِها ضِمْناً في نيةِ الطهارةِ الكبرى.

وأما إجراؤُها على الأصل الثاني فلأنَّ نيةَ الطهارةِ الكبرى منسحبةٌ حكماً، فإن قُدِّرَ الانسحابُ كالابتداءِ لم يُحْتَجْ إلى تجديدِ النية، وإِلَاّ احتيج.

واختار المصنفُ إجراءَ هذا الفرعِ على الأصلِ الثاني، ولم يفعل ذلك في المسألة التي قَبْلَها، لأن اعتبارَ الاستدامةِ لمسألةِ الخفِّ مخالِفٌ لظاهِرِ قوله صلى الله عليه وسلم:"دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ".

قوله: (وَظَاهِرُهَا لِلْقَابِسِيِّ) أي: ظاهرُ المدونة مع القابسي؛ لأنه إنما ذَكَرَ إمرارَ اليدينِ مِن غيرِ تَعَرُّض للنية، فلو كانت شرطاً لذَكَرَها، ولأن لفظَ التهذيب: (ومَن مَسَّ ذَكَرَهُ في غُسْلِه مِن جنابةٍ أعاد وضوءَه إذا فرغ مِن غُسْلِه، إِلا أن يُمِرَّ يَدَه على أعضاءِ الوضوء في غُسله فيُجزئه. فأطلَق على الأولِ إعادةً، وعلى الثاني إِمْرَاراً، وخالفَ بين اللفظين وذلك دليلٌ على اختلافِ الحقيقتين، وليس إلا اختلافُ النية، وفيه ضعف، إذ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ ذِكْرِ شيءٍ عَدَمُ اشتراطِه.

فرع:

إذا قيل بقول القابسي، فغَسَلَ أعضاءَ الوضوءِ بعدَ الفراغِ مِن الطهارةِ الكبرى، فهل يَلْزَمُ تجديدُ النيةِ لانقطاعِ الطهارةِ الكبرى؟ أَوْ لا لأن الفَصْلَ يَسير؟ قولان للشيوخ المتأخرين، قاله المازري.

فَإِنْ نَوَى حَدَثاً مَخْصُوصاً نَاسِياً غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ

أي: إذا أَحْدَثَ أَحْدَاثاً فَنَوى منها حَدَثاً ناسياً غيرَه– أَجزأه؛ لتساويها في الحُكْمِ- وسيأتي ما إذا أخرج غيرَه– وأما لو كان ذاكراً للغيرِ ولم يخرجْه فظاهرُ النصوصِ الإجزاءُ. وسواءٌ كان الحدثَ الأولَ أَمْ لا.

ص: 99

وفَرَّقَ بعضُ المخالِفين لنا في المذهب بينَ أَنْ يَنْوِي الحدثَ الأولَ فيجزئُه، وبين أن يَنوي غيرَه فلا يُجزئه، إذِ المؤثرُ في نقضِ الطهارةِ إنما هو الأَوَّلُ، ولو نوى حدثاً غيرَ الذي صَدَرَ منه غَلَطاً فنَصَّ بعضُ المخالفين المتأخرين على الإجزاءِ، وهو أيضاً صحيحٌ على المذهب. قال ابن عبد السلام.

وَفِي الْجُنُبِ تَحِيضُ وَالْحَائِضِ تُجْنِب فَتَنْوِي الْجَنَابَةَ قَوْلانِ، فَإِنْ نَوَتِ الْحَيْضَ فيهِمَا فَالْمَنْصُوصُ يُجّزِئُ لِتَأكُّدِهِ، وَخَرَّجَ الْبَاجِيُّ نَفْيَهُ لِقِرَاءَةِ الْحَائِضِ ....

قوله: (الْجُنُبِ تَحِيضُ وَالْحَائِضِ تُجْنِب) أي: لا فرق بين أن تتقدم الجنابةُ على الحيض أو تتأخرَ، ففُهِم منه أنه يُوافق مَن ذهب إلى هذه الطريقةِ، لا ما ذهب إليه أبو بكر ابن عبد الرحمن مِن أنه إذا تَقَدَّمَ الحيضُ لم تُجْزِئْها نيةُ الجنابة اتفاقاً. قال: لأن الجنابة إذا طرأتْ لم تؤثر شيئاً.

ثم لهذه المسألة ثلاث صور:

الأولى: إن نوتهما معاً فلا إشكال في الإجزاء، ولذلك لم يتعرض لها المصنف لوضوحِها.

الصورة الثانية: أن تنوي الجنابة ناسية للحيض، فهل يجزئها؟ وإليه ذهب أبو الفرج، وابن عبد الحكم، وابن يونس، وهو مذهب المدونة. ولا يجزئُها وإليه ذهب سحنون؛ لأن موانعَ الحيض أكثرُ فلا تندرج تحت الجنابة. ورأى في القول الأول أنهما متساويان في أكثر الأشياء، وإنما يختلفان في الأقلِّ، ومن القواعد جَعْلُ الأقلِّ تابعاً للأَكْثَرِ.

الصورة الثالثة: أن تنوي الحيضَ ناسيةً للجنابةِ. قال المصنفُ: فالمنصوصُ، أي المنقول عن ابن القاسم يُجزئ. ولم يَفْصِلْ بين تَقَدُّمِ الجنابةِ وتَأَخُّرِها.

وقوله: (لِتَأكُّدِهِ) أي: لكثرة موانعه.

ص: 100

وقوله: (وَخَرَّجَ الْبَاجِيُّ نَفْيَهُ لِقِرَاءَةِ الْحَائِضِ) أي نفي الإجزاء، فإن الجنابةَ تمنع القراءةَ، والحيضُ لا يمنعُها على الْمَشْهُورِ. ورُدَّ بأن الحيضَ يمنع مِن القراءة إذا انقطع الدمُ، نصَّ على ذلك عبدُ الحق في نكته. وزاد: وحكمُها حكم الجنب في أنها لا تنام حتى تتوضأَ. وعلى هذا فقد اشتركا في مَنْعِ القراءةِ فلا فَرْقَ.

خليل: وللباجي أن يقولَ: لا يضرُّني ما ذكرتموه؛ لأني إنما ادعيت أن الجنابة تمنع ما لا يمنعه الحيض. وقد سلمتم لي ذلك قبلَ انقطاعِ الدمِ. وفيه نظر؛ لأن فرض المسألة إنما هو بعدَ الانقطاع، وهما إذ ذاك قد اشتركا في المنعِ، والله أعلم.

فَإِنْ خَصَّهُ مُخْرِجاً [16/ب] غَيْرَهُ فَسَدَتْ لِلتَّنَاقُضِ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ أَحَدَ الثَّلاثَةِ

الضمير في (خَصَّهُ) عائدٌ على الحدثِ المخصوصِ من قوله: (فَإِنْ نَوَى حَدَثاً مَخْصُوصاً).

والمرادُ بالثلاثة رفعُ الحدث، واستباحةُ الصلاة، والفرضية. إذ لو نوى رفعَ الحَدَثِ وقال: لا أستبيح. أو نوى الاستباحة وقال: لا أرفع الحدث. أو نوى امتثالَ أَمْرِ الله تعالى وقال: لا أستبيح الصلاةَ ولا أَرْفَعُ الحَدَثَ– لم يَصِحَّ للتَّضَادِّ.

وفاعل (فَسَدَتْ) عائدٌ على الطهارةِ المفهومةِ من السياقِ.

وقوله: (كَمَا لَوْ أَخْرَجَ أَحَدَ الثَّلاثَةِ) إشارةٌ إلى أن هذا الحُكمَ ليس خاصّاً بهذه المسألة، بل وكذلك لو نَوَتِ الحيضَ، وأَخْرَجَتِ الجنابةَ، أو تَغَوَّطَ وبَالَ، ونوى رفعَ أحدِهما، وأَخْرَجَ الآخَرَ.

فَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ الْمُسْتَبَاحِ فَثَالِثُهَا: يَسْتَبِيحُ مَا نَوَاهُ دُونَهُ

أي: دُونَ ما لم يَنْوِهِ، مثال ذلك: لو نَوَى أَنْ يُصلي به الظهرَ ولا يُصلي به العصر، أو مسَّ المصحفِ دونَ الصلاةِ، فقيل: يَستبيح ما نواه، وما لم يَنْوِهِ؛ لِقَصْدِ رَفْعِ الحدثِ. قال الباجي: وهو الْمَشْهُورِ.

ص: 101

وقيل: لا يستبيح شيئاً؛ لأنه لما أَخرج بعضَ المستباح فكأنه قَصَدَ رَفْضَ الوضوءِ. والثالثُ: يَسبيح ما نواه دُون ما لم يَنْوِهِ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى" وتَبعَ المصنفُ في حكاية الثلاثةِ ابنَ شاسٍ. ولم يذكر المازري والباجي غيرَ قولين: الْمَشْهُورِ، والثاني أنه يَستبيحُ ما نواه فقط. وذكر أن ابنَ القصار خرَّجه على القول برفضِ الطهارةِ، قال: لأنه نوى رفضَ طهارتِه بعد ما نواها، فليس له أن يُصلي شيئاً بَعْدَه. لكنْ قال ابن زَرْقُون: اختلف أصحابُنا البغداديون فيمن توضأ ينوي صلاةً واحدًة، فقال بعضُهم: له أن يصلي به جميعَ الصلوات. وقال بعضُهم: لا يصلي إلا تلك الصلاةَ وحدَها. وقال بعضُهم: لا يُصَلِّي به شيئاً. والله أعلم.

وَلَوْ نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ كَالتِّلاوَةِ لَمْ يُجْزِه عَلَى الْمَشْهُورِ

قاعدةُ هذا أن مَن نَوَى ما لا يَصِحُّ إلا بطهارة كالصلاةِ ومَسَّ المصحفِ والطوافِ فيجوزُ له أنْ يَفعل بذلك الطُّهْرِ غيرَه، ومَن نوى شيئاً لا تُشترط فيه الطهارةُ كالنومِ وقراءةِ القرآن طاهراً وتعليمِ العلم– فلا يَجُوزُ له أن يَفعل بذلك الوضوءِ غيرَه على الْمَشْهُورِ. وقيل: يستبيح؛ لأنه نَوَى أن يكون على أكملِ الحالات بِنِيَّةٍ مستلزِمَةٍ لرفعِ الحدثِ عنه.

فرعان:

الأول: لو قصد الطهارةَ المطلقةَ، فإن ذلك لا يرفع الحدثَ؛ لأن الطهارةَ قسمان: طهارةُ نَجَسٍ، وطهارةُ حَدَثٍ. فإذا قصد قصداً مطلقاً، وأَمْكَنَ انصرافُه للنَّجَسِ لم يَرتفعْ حَدَثُه. قاله المازري.

والثاني: لا يَلزم في الوضوء أو الغسل أن يُعَيِّنَ بنيته الفعلَ المستباحَ، ويلزم ذلك في التيممِ. وحكى ابنُ حبيب أن ذلك في التيمم يُشترط على سبيل الوجوب، والْمَشْهُورِ أن ذلك على سبيلِ الاستحبابِ، لا على سبيلِ الإيجاب، فانْظُرِ الفَرْقَ. قال ابنُ بزيزة.

ص: 102

وَلَوْ شَكِّ فِي الْحَدَثِ وَقُلْنَا: لا يَجِبُ. فَتَوَضَّأَ أَوْ تَوَضَّأَ مُجَدَّداً فَتَبَيَّنَ حَدَثُهُ فَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةِ قَوْلانِ ......

أي: إذا بنينا على مقابل الْمَشْهُورِ– أَنَّ الشكَّ لا يُوجبُ الوضوءَ– فتوضأ، أو توضأ مجدداً فتبَيَّنَ حدثُه مِن غيرِ شَكٍّ، فالْمَشْهُورِ عدمُ الإجزاءِ، لكونه لم يَقصد بوضوئه رفعَ الحدث، وإنما قَصَدَ به الفضيلةَ.

وقيل: يُجزئه؛ لأن نيته أن يكون على أكملِ الحالات، وذلك يستلزمُ رفعَ الحدث.

فرع:

لو اغتسل وقال: إِنْ كُنْتُ على جنابةٍ فهذا لها. ثم تبين أنه كان جنباً، فروى عيسى عن ابن القاسم: لا يُجزئه. وقال عيسى: يجزئه.

فائدة:

اختُلف عندنا في مسائل: هل يجزئ فيها ما ليس بواجبٍ عن الواجب أم لا؟

المسألة الأولى التي ذكرها المصنف هي ما إذا جَدَّدَ ثم تبين حدثُه.

ومنها ما إذا ترك لمعةً فانغسلتْ ثانيةً بنِيَّةِ الفضيلةِ.

ومنها ما إذا بطلتْ عليه ركعةٌ ثم قام إلى خامسةٍ ساهياً.

ومنها مَن اغتسل للجمعة ناسياً للجنابة.

ومنها مَن سَلَّم مِن ركعتين ثم قام إلى نافلةٍ.

ومنها مَن لم يُسَلِّم ولكنه ظن أنه قد سلم.

ومنها مَن نسي سجدةً ثم سَجَدَ سهواً، أو سَجَدَ للسهو. والْمَشْهُورِ في هذه عدمُ الإجزاءِ.

ومنها من طاف للوداع ناسياً للإفاضة.

ص: 103

ومنها من سَاقَ هدياً تَطَوُّعاً ثم تَمَتَّعَ.

ومنها مَن قال إلى ثالثة مِن غير أن يُسَلِّمَ أو يَظُنُّ السلامَ. والْمَشْهُورِ في هذه الثلاثة الإجزاءُ.

ومنها ما وقع لعبد الملك فيمن نَسي جمرةَ العقبة ثم رماها ساهياً أنها تُجزئه.

وَلَوْ تَرَكَ لُمْعَةً فَانْغَسَلَتْ ثَانِياً بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ فَقَوْلانِ

هذا ظاهر مما تقدم.

وَلَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ فَفِيهَا: يُجْزِئُ عَنْهُمَا. وَفِي الْجَلابِ: وَلَوْ خَلَطَهُمَا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُجْزِهِ بِنَاءً عَلَى انْتِفَاء التَّنَافِي أَوْ حُصُولِهِ .....

اعلمْ أنّ لهذه المسألة صورتين: إحداهما: أن ينوي غسل الجنابة، وينوي به النيابةَ عن غسلِ الجمعةِ. فهذه الصورةُ لا خلاف فيها أنه يُجزئ لهما.

والثانية: أن يَنوي أن هذا الغسلَ للجنابة والجمعة، وهي المسألة التي ذكرها في الجلاب. ثم اختلف الشيوخ: هلا ما في الجلاب مخالفٌ لما في المدونة؟ وإليه ذهب الأكثرون، وأن قوله في المدونة:(يُجْزِئُ عَنْهُمَا) أي: سواء خلطهما أم لا. وذهب ابنُ العربي إلى أن مسألةَ المدونةِ محمولةٌ على الصورة الأولى، ويكون في كلِّ كتاب مسألةٌ غيرُ التي في الكتابِ الآخَرِ. ويؤيده قولُ ابنُ الجلاب، وهذ المسألة مخرَّجة غيرُ منصوصة، ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهري، إِذْ لو كانت [17/أ] في المدونة لكانت منصوصةً. ويضعف قول بعضهم أنه لم يَطَّلِعْ على المدونة أو أنه نسي المسألة؛ لأنه من الأئمة الحفاظ.

وقوله: (ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهري) قيل: إن الأبهري خرّجها على مسألةِ ما إذا نوى بحجِّه فرضَه ونذرَه. فعلى القولِ بالإجزاءِ هناك عن الفرض يُجزئ هنا عن الجنابة، وعلى القولِ بالإجزاءِ عن النذر يُجزئ هنا عن الجمعة. وكان المصنف– رحمه الله تعالى-

ص: 104

إنما لم يَحْكِ القولين مُجملين لاختلاف الشيوخ في الفَهْمِ، لكنَّ ذِكْرَه لسببِ الخلافِ مرجِّحٌ لمخالفةِ أحَدِ الكتابين للآخَرِ.

ومعنى التنافي أن نيةَ الفرض الذي هو غسلُ الجنابة منافيةٌ لنيةِ غسل الجمعةِ، إذِ الفرضُ لا يجوز تركُه، والنفلُ يجوز تَرْكُه، والجمعُ بينهما في نيةٍ واحدةٍ جمعٌ بين المتنافيين. أو يقالُ: إن النفلَ جزءٌ من الفرض؛ لأن النفلَ مما يُمدح على فِعله، والفرضُ يُشاركه في هذا، ويَزيد المنعَ مِن الترك فلا تنافي.

وَلَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ نَاسِياً لِلْجُمُعَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لا يُجْزِئُ عَنِ الْمَنْوِيِّ فِي الثَّانِيَة، وَلا عَنِ الْمَنْسِيِّ فِيهمَا، وَقِيلَ: يُجْزِئُ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ فِي الأُولَى لا في الثَّانِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَبيبٍ: بِالعَكْسِ

يتضح كلامُه هنا بمعرفة الأُولى والثانية، ومَنْوِيِّ الأولى ومنويِّ الثانية. فالأُولى: إذا نوى الجنابة ناسياً للجمعة. والثانية: إذا نوى الجمعة ناسياً للجنابة. ومنويُّ الأولى الجنابةُ ومنسُّيها الجمعةُ. ومنويُّ الثانية الجمعةُ، ومنسُّيها الجنابةُ.

فقوله: (فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لا يُجْزِئُ عَنِ الْمَنْوِيِّ فِي الثَّانِيَة) أي: الجمعة (وَلا عَنِ الْمَنْسِيِّ فِيهمَا) أي: الجمعةُ في الأولى والجنابةُ في الثانية.

وحاصلُه أنه إذا نَوَى الجنابةَ ناسياً للجمعة– أنه تُجزئُه عن الجنابة ولا تجزئه عن الجمعة، وإذا نوى الجمعة ناسياً للجنابة لَمْ يُجْزِهِ عن جنابته ولا عن جمعته.

وقوله: (وَقِيلَ: يُجْزِئُ) أي عن المنوي والمنسي في المسألتين، وهو منقولٌ عن أشهب، حكاه ابن شاس عنه فيما إذا نسي الجنابةَ والباجيُّ في عكسها.

وقوله: (وَقِيلَ: يُجْزِئُ فِي الأُولَى لا في الثَّانِيَةِ) أي: يُجزئه في الأولى عن المنسي، ولا يجزئ عن منسي الثانية، وهو قولُ ابن عبد الحكم.

ص: 105

وقوله: (وَقَالَ ابْنُ حَبيبٍ: بِالعَكْسِ) أي: يجزئ عن الجنابة في المسألة الثانية ولا يجزئ عن الجمعة في المسألة الأولى.

فوجهُ قولِ ابنِ القاسم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات". فوَجَبَ أن لا يجزئه عن الجمعة إذا نسيها.

وأما المسألة الثانية فمِن شَرْطِ غُسل الجمعة حصولُ غُسل الجنابة. ورأى أشهبُ الإجزاءَ عن الجمعة إذا نَوى الجنابةَ بناءً منه على أن غُسل الجمعة تنظيفٌ، ورأى الإجزاءَ عن الجنابة إذا نوى الجمعة؛ لأنه نوى أن يكون على أكمل الحالات.

ووجهُ قولِ ابنِ عبد الحكم أنه إذا نوى الجنابة أجزأه عن الجمعةِ بناءً على أنه للتنظيف، وإذا نوى الجمعةَ فقد نوى ما ليس بواجبٍ؛ فلا يَنُوبُ عن الواجب كما لو صلى نافلةً فلا تَنُوب عن الفريضة.

ووجهُ قولِ ابن حبيب أنه إذا نوى الجنابةَ لم يجزئْه عن الجمعة؛ لأن الغُسل لها تعبدٌ وغسلُ الجنابة لا يستلزِمُه، وإذا نوى الجمعةَ فقد نَوى ما يَستلزم الجنابةَ.

وَلا يَصِحُّ وُضُوءُ الْكَافِر وَلا غُسْلُهُ بِخِلافِ الذِّمِّيِّةِ تُجْبَرُ لِلْحَيْضِ لِحَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلافِ الْجَنَابَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ......

إنما لم يَصِحَّ وُضوء الكافر ولا غُسله لتعذرِ النيةِ في حقِّه.

وقوله: (بِخِلافِ الذِّمِّيِّةِ تُجْبَرُ) أي: على الغُسل مِن الحيض لحقّ الزوج على الْمَشْهُورِ للنص، وهو قوله تعالى:{ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].

ومقابلُ الْمَشْهُورِ لا تُجبر، وهو قولُ مالك في العتبية، قال في البيان: والخلاف جارٍ على اختلافِهم في الكفار: هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ لأن المُسْلِمَ أُمِرَ أن لا يطأ مَن يَجِبُ عليها الغُسلُ مِن الحيض حتى تغتسل. قال: فإن قيل: فما فائدةُ إجبارها على

ص: 106

الغسل وهو لا يصح إلا بالنية، وهي لا تصح منها؟ قيل: إنما تشترط النية في صحة الغسل للصلاة، وأما الوطء في حق الزوج فلا؛ لأنه متعبد بذلك فيها، وما كان كذلك من العبادات التي يفعلها المتعبد في غيره لم تفتقر إلى نية كغسل الميت، وغسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب.

قال: وقد قيل: إنما لم ير مالك في رواية العتبية أن يجبرها على الاغتسال من أجل أن الغسل لا يصح إلا بنية، وهي لا تصح منها. وإنما قال في المدونة: يجبرها. مراعاة لمن يقول: إن الغسل يجزئ بغير نية. والتأويل الأول هو الصحيح، انتهى باختصار.

قوله: (بخلاف الجنابة) أي: فلا تجبر على الغسل منها؛ لأن وطء الجنب جائز. وروي عن مالك في الثمانية أنه يجبرها على الاغتسال من الحيض والجنابة.

الثَّانِيَةُ: غَسْلُ جَمِيعِ الْوَجْهِ بِنَقْلِ الْمَاءِ إِلَيْه مَعَ الدَّلْكِ عَلَى الْمَشْهُورِ

قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) عائدٌ على الدلك فقط، أو على الدلك والنقلِ، وفي الأخير نظر؛ لأنَّ ظاهرَ المذهب أن النقلَ غيرُ مشترطٍ خلافاً لأصبغ وغيرهِ، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

وفي الدلك ثلاثةُ أقوال: الْمَشْهُورِ الوجوبُ، والثاني لابن عبد الحكم بنفيِ وجوبه، والثالثُ أنه واجبٌ– لا لنفسه– بل لتحقيقِ إيصالِ الماءِ، فمتى تحقَّقَ إيصالَ الماءِ لطُولِ مُكْثِه أجزأَه. ورأى بعضُهم أن هذا القولَ راجعٌ إلى القولِ بسقوطِ الدلكِ.

وأما النقلُ فقد قال سحنون في العتبية: أرأيتَ الرجلَ يكون في السَّفَرِ، ولا يَجِدُ الماء [17/ب] فيصيبه المطرُ، هل يجوز له أن يَنْصِبَ يديه إلى المطر ويتوضأَ به؟ قال لي: نعم. قلت له: وإن كان جنباً هل يجوز له أن يتجرَّدَ ويتطهر بالمطر؟ فقال: نعم. قلت: وإن لم يكن المطر غزيراً؟ فقال لي: إذا وقع عليه من المطر ما يَبُلُّ به جلده فعليه أن يتجرد ويتطهر.

ص: 107

قال في البيان: أما إذا نصب يديه للمطر فحمل فيهما من ماء المطر ما ينقلُه إلى وجهِه وسائرِ أعضائه غاسلاً لها، ومِن بللِه ما يَمسح به رأسَه– فلا اختلاف في صحة وضوئه.

وذهب ابنُ حبيب إلى أنه لا يجوز له أن يمسح بيديه على رأسِه بما أصابه مِن الرشِّ فقط، وكذلك– على مذهبه– لا يجوز أن يَغسل ذراعيه ورجليه مما أصابهما من ماء المطر دون أن ينقل إليهما الماءَ بيديه مِن ماءِ المطر. وحكاه عن ابن الماجشون، وهو دليلُ قولِ سحنون في هذه الرواية، وذلك كله جائزٌ على مذهب ابن القاسم، ورواه عيسى عنه فيما حكاه الفَضْلُ، وذلك قائمٌ من المدونة في الذي توضأ وأَبْقَى رجليه فخاضَ بهما النهرَ فَغَسَلَهُما فيه: إِن ذلك يُجزئه إذا نوى به الوضوء، وإن لم يَنقل إليهما الماءَ بيده. ومثلُه في سماع موسى بن معاوية، ومحمد بن خالد مِن هذا الكتاب. وقد أَجمعوا أن الجُنُبَ إذا انغمس في النهر وتدلَّك فيه للغُسل أنّ ذلك يُجزئه، وإن كان لم ينقل الماء بيده إليه ولا صَبَّه عليه، وذلك يدل على ما اختلفوا فيه من الوضوء.

وأما قوله: (إذا وقع من المطر ما يبل به جسده فعليه أن يتجرد ويتطهر) فمعناه إذا وقع عليه في أول وهلة من ماء المطر ما يَبُلُّ به جسدَه فعليه أن يَتجرَّد ويتطهرَ؛ لأنه إذا مَكَثَ للمطرِ تضاعف عليه البللُ، فكثر الماءُ على جسدِه فأَمْكَنَه التدلكُ. وأما لو لم يقع عليه مِن ماء المطر إلا ما يبل جسدُه لا أكثرَ لَمَا كان ذلك غُسلاً ولا أجزأه؛ لأن الاغتسال لا يكونُ إلا بإفاضةِ الماءِ، أَلا تَرَى إلى قوله في الحديث:"ثمَّ اغْتَسَلَ فَأَفاضَ عَلَيْهِ المَاءَ". وبالله التوفيق. انتهى.

فأنت ترى ابنَ رشدٍ كيف حكى اشتراطَ النقلِ في الصورةِ المذكورةِ، وعلى هذا فالصورُ ثلاثٌ: منها ما اتُفق فيه على عدم النقلِ– وهي مسألةُ النهرِ– كما ذكر ابن رشد. ومنها ما اختُلف فيه – وهي مسألة سحنون. ومنها ما اتُّفق فيه على وجوبِ النقلِ، وهي

ص: 108

إذا أخذ الإنسانُ الماءَ، ثم نفضه مِن يده، ومرَّ بها بعد ذلكَ على العضوِ، فلا يُجزئه، نص على ذلك مالك في العتبية.

ابن رشد: ولا خلافَ فيه؛ لأنه مَسْحٌ، وليس بغسلٍ. وفي المنتقى: لو مسحَ بماءٍ على رأسِه مِن بللِ المطرِ أو غيرِه لَمْ يُجْزِهِ. قاله ابن القاسم. وفيه أيضاً أن ابن القاسم وسحنوناً قالا: يجوز الغسل بماء المطر. كما نقله ابن رشد. وعلى هذا فاتَّفَقَ نقلُ الباجي وابن رشد عن ابنِ القاسم في الإجزاءِ في الغُسل، واختُلف في المسح، والظاهرُ أن له فيه قولين، والله أعلم.

والفرق على هذا القولِ أن قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] يقتضي وجوبَ النقل، إذ التقدير: أَلْصِقُوا بللَ أيديكم برؤوسِكم، والله أعلم.

وَالْوَجْهُ: مِنْ مَنْبَتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ، فَيَدْخُلُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ وَلا يَدْخُلُ مَوْضِعُ الصَّلَعِ، وَمِنَ الأُذْنِ إِلى الأُذُنِ، وَقِيلَ: مِنَ الْعِذَارِ إِلَى الْعِذَارِ. وَقِيلَ بالأَوَّلِ فِي نَقِيِّ الْخَدِّ وَبِالثَّانِي فِي ذِي الشَّعَرِ. وَانْفَرَد عَبْدُ الْوَهَّابِ بِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا سُنَّة .....

أي: حدُّ الوجهِ طُولاً مِن منابتِ الشعرِ المعتادِ إلى منتهى الذقنِ. والذقنُ مجتمعُ اللحيين، فبسببِ قولِنَا:(الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ) يَغسل الأَغَمُّ ما على جبهته من الشعر، ولا يغسل الأصلعُ ما انحسر عنه الشعرُ مِن الرأس.

وحدُّه عَرْضاً مِن الأُذُنِ إلى الأذن على الْمَشْهُورِ، والقولُ بأنه مِن العذار إلى العذار رواه ابن وهب عن مالك في المجموعة.

والقولُ الثالث حكاه عبدُ الوهاب عن بعض المتأخرين.

والضمير في (بَيْنَهُمَا) عائدٌ على الأذنِ والعذارِ. واستُضْعِفَ قولُ القاضي؛ لأنه إِنْ كان مِن الوجهِ وَجَبَ، وإِلَاّ سَقَطَ، ولا يَثْبُتُ كونُه سنةً إلا بدليلٍ، ولم يَثْبُتْ، وكلامُه ظاهرُ التصورِ.

ص: 109

وَيَجِبُ تَخْلِيلُ خَفِيفِ الشَّعَرِ دُونَ كَثِيفِهِ، وَفِي اللَّحْيَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْهُدْبِ، وَقِيلَ: وَكَثِيفُهُ .....

الخفيف ما تظهرُ البشرةُ مِن تحته، والكثيفُ ما لا تظهر. قاله في التلقين.

قوله: (وَيَجِبُ تَخْلِيلُ خَفِيفِ الشَّعَرِ) أي: أَن يُوصِلَ الماءَ إلى البشرة.

وقوله: (دُونَ كَثِيفِهِ) أي: فلا يَجِبُ.

واختُلِفَ في تخليلِ اللحيةِ الكثيفةِ على ثلاثةِ أقوالٍ: أحدُها- لمالك في العتبية- نَفْيُ التخليلِ، وعاب تخليلَها، فيحتمل ذلك الإباحةَ والكراهةَ.

والثاني الوجوبُ، قاله محمد بن عبد الحكم. قال في البيان: وهو قول مالك في رواية ابن وهب وابن نافع. وهو القولُ الذي حكاه المصنف بقوله: (وَقِيلَ: وَكَثِيفُهُ).

والثالث الاستحبابُ لابن حبيب. قال في البيان: وهو أظهرُ الأقوال.

فإن قيل: فما الفرقُ بين الْمَشْهُورِ في الوضوءِ والْمَشْهُورِ في الغُسل، وأنه يَجب فيه تخليلُ الكثيف؟ فجوابُه أن المطلوبَ في الغسل المبالغةُ؛ لقوله تعالى:{فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. ولقوله صلى الله عليه وسلم: "تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٍ، فَاغْسِلُوا الشَّعَرَ وأَنقُوا البَشَرَةَ". رواه الترمذي والنسائي وأبو داود، ولكنه ضَعَّفَه. بخلاف الوضوء، فإنه إنما أُمِرَ فيه بالوجه، والوجهُ مأخوذٌ مِن المواجهة.

وَيَجِبُ غُسْلُ مَا طَالَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَلَى الأَظْهَرِ كَمَسْحِ الرَّاسِ

التشبيهُ هنا في الخلافِ وفي الظهورِ، أي أن الأظهرَ في غَسلِ ما طال مِن اللحية على الذقن الوجوبُ. قال في البيان: وهو الْمَشْهُورِ والمعلومُ مِن قولِ مالكٍ وأصحابهِ. وكذلك الخلافُ في مَسْحِ ما طال مِن شعرِ الرأس.

ص: 110

الثَّالِثَةُ: [18/أ] غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ. وَقِيلَ: دُونَهُمَا. فَلَوْ قُطِعَ الْمِرْفَقُ سَقَطَ، وَفِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا: الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ. وَفِي إِجَالَةِ الْخَاتَمِ: ثَالِثُهَا يِجِبُ فِي الضَّيِّقِ. وَرَابعُهَا: يُنْزَعُ ......

المرفق: بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس لغتان.

وقوله: (سَقَطَ) أي: على القول الأول، وأما على الثاني فلم يَجِبْ حتى يسقط.

وحكى جماعةٌ عن أبي الفرج أن تخليلَهما واجبٌ لا لنفسِه، بل لتحققِ الوجوبِ كما تقدم في الدَّلْكِ. ولم يُختلف في طلبِ تخليلِ أصابعِ اليدين، وإنما اختُلف في الطلب هل هو وجوبٌ أو ندبٌ. ابن راشد: والْمَشْهُورِ الوجوبُ. وقال في الذخيرة: ظاهرُ المذهب عدمُ الوجوب. والقولُ بِإِجالَةِ الخاتَمِ لابن شعبان، وبعدمِها لمالك، رواه عنه ابنُ القاسم في العتبية والمجموعة. قال ابن المواز: وكذلك ليس عليه إجالتُه في الغُسل.

والثالث لابن حبيبٍ. والرابع حكاه ابن بشير عن ابن عبد الحكم. وليس هو مِن فَرْضِ المسألةِ؛ لأن فرضَ المسألةِ الإجالةُ، لكنْ مِن عادة المصنف التكلمُ على ما هو أعمُّ مِن فرضِ المسألة.

الرَّابِعَةُ: مَسْحُ جَمِيعِ الرَّاسِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرأَةِ وَمَا اسْتَرْخَي مِنْ شَعْرِهِمَا، وَلا تَنْقُضُ عِقَصَهَا، وَلا تَمْسَحُ عَلَى حِنَّاءٍ وَلا غَيْرِهِ. وَمَبْدَؤُهُ مِنْ مَبْدَإِ الْوَجْهِ وَآخِرُهُ مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ. وَقِيلَ: آخِرُهُ مَنْبَتِ شَعْرِ الْقَفَا الْمُعْتَادِ. فَإِنْ مَسَحَ بَعْضَهَ لَمْ يُجْزِئُهُ الْمُعْتَادِ. فَإِنْ مَسَحَ بَعْضَهُ لَمْ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ. ابْنُ مَسْلَمَةً: يُجْزِئُ الثُّلُثَانِ. أَبُو الْفَرَجِ: الثُّلُثُ وَقَالَ أَشْهَبُ: النَّاصِيَةُ. وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أيضاً الإِطْلاقُ، وَقَالَ: إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُقَدِّرْ مَا لا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ

اللخمي وابن عبد السلام: ولا خلاف أنه مأمور بالجميع ابتداء، وإنما الخلاف إذا اقتصر على بعضه. ابن عبد السلام: وكان بعض أشياخي يحكي عن بعض شيوخ الأندلسيين أن الخلافَ ابتداءً في المذهب، ولم أَرَهُ. انتهى.

ص: 111

وقوله: (وَمَا اسْتَرْخَي مِنْ شَعْرِهِمَا) أي: على الخلاف المتقدم.

وقوله: (وَلا تَنْقُضُ عِقَصَهَا) أي للمشقةِ، وهو مجازٌ؛ لأن عَقْصَ الشعرِ ضَفْرُهُ ولَيُّهُ. والواحدةُ عِقْصَةٌ، والجمع عقائصُ وعِقَصٌ. ويقال أيضاً للواحدة عقيصة. والعقصة التي يجوز المسح عليها ما تكون بخيط يسير، وأما لو كَثُرَ لم يُجُزْ؛ لأنه حينئذٍ حائلٌ.

الباجي: وكذلك لو ضفرتْ شعرَها بصوفٍ أو شعرٍ لم يجزْ أن تمسحَ عليه؛ لأنه مانعٌ من الاستيعاب. ابنُ يونس: وكذلك الرجل لو فَتَلَ رأسَه يَجوزُ له أن يَمسح عليه كالمرأة. وحكى البَلَنْسِي في شرح الرسالة أنَّ الرجلَ لا يَجوزُ له أن يَفْتِلَ شعرَ رأسِه.

ابن أبي زيد: وتُدخل يديها مِن تحتِ عِقَاصِ شعرِها في رجوع يديها في المسح.

وقولُه: (وَلا تَمْسَحُ عَلَى حِنَّاءٍ) يُريدُ ولا حائلَ غيرَه. والأحسنُ لو قال: وآخره منتهى الجمجمة. لأن مقتضى قوله: (مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ) أن الجمجمةَ حائزةٌ للرأس، وليس كذلك، بل هي الرأس.

وقوله: (عَلَى الْمَنْصُوصِ) يحتمل أن يُريد بمقابلةِ الأقوالِ التي ذَكَرَها، ويحتمل أن يريد ما أَلْزَمَ مالكاً بعضُهم مِن قوله: إنَّ الأذنين مِن الرأسِ. ثم قال: إِنْ تَرَكَهما وصَلَّى فلا يُعيد. فقال: يَلزم مِن ذلك الإجزاءُ في حقِّ مَن لم يَعُمَّ رأسَه. ولا يُؤخذ من قول أشهب: (إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ أَجْزَأَهُ) قولٌ في المذهب بإجزاءِ ثلاثِ شعراتٍ كمذهب الشافعي؛ لأن الذي يُفهم من قوله: (إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ) عُرْفاً أَخْذُ جزءٍ جَيِّدٍ منه.

تنبيه:

ذكر في النوادر أن شعرَ الصُّدْغَيْنِ مِن الرأسِ يَدْخُلُ في المسحِ. قال الباجي: يُريد ما فَوْقَ العَظْمِ.

ص: 112

وَغَسْلُهُ ثَالِثُهَا: يُكْرَهُ وَيُجْزِئُ فِي الْغُسْلِ اتِّفَاقاً. وَفِيهَا: لَوْ حَلَقَ رَاسَهُ أَوْ قَلَّمَ أَظفَارَهُ لمَ يُعِدْ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ. وَالظَّاهِرُ الصَّوَابُ، بِفَتْحِ الْحَاءِ. وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُعيد

قال ابن عطاء الله: أشهرُ الثلاثةِ الإجزاءُ؛ لأنَّ الغَسل مسحٌ وزيادةٌ. وحكاه ابنُ سابق عن ابن شعبان. الثاني: نفيُ الإجزاء؛ لأن حقيقةَ الغسل مغايرةٌ لحقيقة المسح، فلا يُجزئ أحدُهما عن الآخَرِ. ووجهُ الكراهةِ مراعاةُ الخلافِ.

وقوله: (وَيُجْزِئُ فِي الْغُسْلِ اتِّفَاقاً) أي: أن المغتسِل مِن الجنابةِ إذا لم يمسحْ رأسَه فغُسْلُه في الجنابةِ يُجزئه عن الوضوء اتفاقاً؛ لقول عائشة رضي الله عنها: وأيُّ وضوءٍ أعمُّ مِن الغُسْلِ. وقرَّره ابنُ راشد وابن هارون، ولم يعترضا عليه. وقال ابن عبد السلام: لا ينبغي أن يُتَّفَقَ عليه؛ فإنه اختَلف المذهب هل تَضْمَحِلُّ شروطُ الطهارةِ الصغرى في الطهارةِ الكبرى، أو إنما يَضمحل منها ما يُوافق الطهارةَ الكبرى؟

وقوله: (وَالظَّاهِرُ الصَّوَابُ، بِفَتْحِ الْحَاءِ) أي: أنّ لفظةَ (لحن) تُقال بفتح الحاء وسكونها، فبالفتح معناها الصوابُ، وبالسكون معناها الخطأ. واختلفَ الشيوخُ في مرادِه، نَقل ذلك صاحبُ النكت.

قال المصنفُ: (والظاهرُ أنه أراد الصوابَ بفتح الحاء) والظاهرُ ما قاله سحنون- وصوَّبه عياضٌ- أنَّ مرادَه الخطأُ؛ فتُسكنُ الحاءُ؛ لأنه إذا كان مذهبُه الإعادةَ فلا يُصَوِّبُ مذهبَ غيرِه.

وقوله: (لمَ يُعِدْ) أي: مسحَ رأسِه، كذا قال في المدونة، وكذا قال في المعونة: إن زوالَه لا يُوجب إعادةَ تطهيرِه.

ص: 113

واختُلف إذا حلق لحيتَه، فقال ابن القصار: لا يَغسل محلَّها. وقال الشارِقيُّ: يغسلُه. قيل: فأما مَن قُطعتْ منه بَضْعَةٌ بعدَ الوضوءِ أنه يغسلُ موضعَ القَطْعِ، أو يمسحُه إن تعذّر غسلُه. ورَدَّهُ سندٌ بأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يُجرحون ثم يصلون بلا إعادةِ غَسْلٍ.

الخَامِسَةُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ. وَقِيلَ دُونَهُمَا. وَهُمَا النَّاتِئَانِ فِي السَّاقَيْن، وَقِيلَ: عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَفِي تَخْلِيلِ وَفِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا:[18/ب] الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالإِنْكَارُ ....

الخلافُ في دُخول الكعبينِ كالخلافِ في دخولِ المرفقين، والْمَشْهُورِ عندنا- وعند أهل اللغة- أَنَّ الكعبين هما الناتئان في طرفي الساقين، وأَنكر الأصمعيُّ الثانيَ. وإنما أَتَى في أصابع الرجلين قولٌ بالإنكارِ، ولم يأتِ في اليدينِ لالتصاقِ أصابعِ الرِّجلين، فأَشْبَه ما بينهما الباطنَ.

والقولُ بالندب لابن شعبان. وبالإنكار رواه أشهب عن مالك. ورجح اللخمي وابن بزيزة وابن عبد السلام الوجوبَ في تخليل أصابع اليدين والرجلين لما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كَانَ يُخَلِّلُ أصابعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ". وذكر ابنُ وهب أنه سمع مالكاً يُنكر التخليلَ، قال: فأخبرتُه بالحديثِ فرجع إليه.

السَّادِسَةُ: الْمُوَالاةُ. وَقِيلَ: سُنَّةٌ. وَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ، وَالْكَثِيرُ، ثَالِثُهَا لِلْمُدَوَّنَةِ: يُفْسِدُ عَمْدُهُ لا نِسْيَانُهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ حِينَ ذَكَرَهُ فَكَالْمُتَعَمَّدِ، فإِنِ اتَّفَقَ غَسْلُهُ بِغَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ .....

منهم مَن يُعَبِّرُ عن الموالاة بالفَوْرِ، وبعضُ المصنفين يَحكي الخمسةَ الأقوالَ التي ذكرها المصنفُ في حُكْمِها ابتداءً. والمصنفُ حكى الخلافَ أَوَّلاً في حُكمها بالسُّنَّيَّةِ

ص: 114

والوجوب، ثم فيه إذا ترك، يعني- والله أعلم- ما هو أعم من كل واحد من القولين، يعني القول بالوجوب والقول بالسنية، وشَهَّرَ في المقدمات القولَ بالسُّنيةِ.

وقوله: (وَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ) حكى عبدُ الوهاب فيه الاتفاقَ، والعجزُ مُلْحَقٌ- على الْمَشْهُورِ- بالنسيانِ في عدمِ الإفسادِ، إلا أنه في النسيان يَبني مطلقاً طال أو لم يَطُلْ، وفي العَجْزِ ما لم يَطل. والْمَشْهُورِ أن الطُّولَ مقيدٌ بجفافِ الأعضاءِ، وقُيِّدَ في الزمان المعتدل، والجسم المعتدل، وقيل: هو محدودٌ بالعُرْفِ. وحكى ابنُ القصار عن بعض أصحابِ مالكٍ أن الموالاةَ مستحبةٌ، ولعلَّه القولُ بالسُّنِّيَّةِ؛ لأن العراقيين يُطلقون على السُّنَّةِ الاستحبابَ.

وقوله: (فَإِنْ أَخَّرَهُ حِينَ ذَكَرَهُ) هذا فرعٌ على الْمَشْهُورِ، أي إذا بَنَيْنَا أنها لا تَجِبُ مع النسيان، فلو ذَكَرَ ما أَخَّرَ- صار كما لو أَخَّرَ مُتعمداً.

فرع:

فلو ذَكَرَ ولم يجد ماءً فحكى في النكت عن غيرِ واحدٍ من شيوخِه أن حُكمَه حكمُ مَن عَجَزَ ماؤه.

قوله: (فإِنِ اتَّفَقَ غَسْلُهُ بِغَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ) يعني حيثُ قُلنا بأنه يَبني على ما تقدَّمَ فلا بُدَّ له مِن نيةٍ. فلو حَصَلَ غَسْلُ المنسيِّ بلا نية لم يُجزه ذلك، كما لو تَرَكَ رجليه وخاضَ بهما نهراً ودَلَكَهُما فيه.

وَلا يَمْسَحُ رَاسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ، بَلْ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَلا يُعيد غَسْلَ رِجْلَيْهِ إِنْ كَانَ وَضُوءُهُ قَدْ جَفَّ وَرَابِعُهَا: يَفْسَدُ إِلا فِي الرَّاسِ. وَخَامِسُهَا: وَفِي الْخُفَّيْنِ ....

نَبَّهَ بهذا على خلافِ ابن الماجشون: أنه إذا نَسِيَ مسحَ رأسِه- أَنَّهُ يَمسح ببللِ لحيتِه، ونص مالكٌ على أنه يُجدد الماءَ. ابن القاسم في العتبية: فإنْ مَسَحَ ببللِ لحيتِه أَعادَ أبداً، وليس هذا بِمَسْحٍ.

ص: 115

قال في البيان بعد كلام ابن القاسم وقول ابن الماجشون: وهذا الخلافُ جارٍ على اختلافِهم في إجازةِ الوضوءِ بالماءِ المستعملِ عندَ الضرورةِ، وظاهرُ قولِ مالك في المدونة أن ذلك لا يجوزُ، مثلُ المعلوم مِن قولِ أصبغَ خلافَ قولِ ابن القاسم، وبالله التوفيق. انتهى.

ويمكن أن يُستدل للتجديد بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه مَسح على رأسه بماءٍ جديدٍ.

وقوله: (وَلا يُعيد غَسْلَ رِجْلَيْهِ) أي: إذا توضأ فغسل رجليه ونسي مسحَ رأسِه فإنه يمسحُ رأسَه ولا يُعيد غَسْلَ رجليه.

ابن راشد: وقيل يُعيد لأجْلِ الترتيب. ابن هارون: وظاهرُ كلام المصنف وإن كان بالقُرْبِ، فلهذا قال: ولا يمسح رأسه ببللِ لحيته، ولو طال- لم يكن في لحيته بَلَلٌ، وهو في هذا مخالفٌ لمشهور المذهب من الفَرْقِ بَيْنَ أن يكون بحَضْرَةِ الوضوء أو بَعْدَ الطُّولِ. ففي الحضرةِ يأتي بالمنسيِّ وما بَعْدَهُ، وبَعْدَ الطُّولِ يأتي بالمنسيِّ فقطْ. انتهى.

خليل: وفيه نظر؛ لأن قوله: (إِنْ كَانَ وَضُوءُهُ قَدْ جَفَّ) نصٌّ في الطول، بل يُفهم منه أنه إذا لم تجفَّ أعضاؤه أنه يُعيد غَسْلَ رجليه، فليس فيه مخالفةٌ للمشهور، وأما ما احتج به مِن قوله ولذلك قال:(وَلا يَمْسَحُ رَاسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ) فليس فيه دليلٌ؛ فإنهما مسألتان.

وقوله: (وَرَابِعُهَا: يَفْسَدُ إِلا فِي الرَّاسِ. وَخَامِسُهَا: وَفِي الْخُفَّيْنِ) حاصلُه أن هذين القولين أَسْقَطَا وجوبَ الموالاةِ في الممسوحِ؛ لكونه مَبْنِيّاً على التخفيف، واختُلف هل ذلك خاصٌّ بالممسوح بطريقِ الأصالةِ أو هو عامٌّ في الممسوحِ سواءٌ كان بطريقِ الأصالةِ أو بطريقِ النيابةِ؟

وما نقله المصنفُ في القول الرابع والخامس موافقٌ لما نَقَلَه المازري، فإنه قال: وقيل: يفسد إلا في الممسوح، فإنه لا يفسد بالنسيان.

ص: 116

وقَيَّدَ بعضُ هؤلاء الممسوحَ بأن يكون أَصْلاً، احترازاً مِن المسح على الخفين، لكنه مخالفٌ لما نقله ابنُ شاس وابن عطاء الله، فإنهما قالا: والرابعُ أنها شرطٌ في المغسول دُونَ الممسوحِ الذي هو الرأس. رواه عبد الملك في ثَمَانِيَةِ أبي زيد.

والخامس: أنها شرطٌ في المغسولِ والممسوحِ الذي ليس بدلاً عن غَيْرِه، ولسي شرطاً في الممسوحِ الذي هو بدلٌ، فإن أَخَّرَ مَسْحَ رأسِه بَطَلَ وُضوؤه، وإن أَخَّرَ مَسْحُ خُفَّيْهِ لم يَبْطُلْ. انتهى.

ويَنبغي أن يكون حكمُ الجبيرة حكمَ الخفين عند هذا القول. نعم يُوافقُ كلامُ المصنفِ كلامَ ابن شاس على ما وقع في بعض النسخ: (وخامسها في الخفين) بإسقاط الواو.

وَفِيهَا: إِذَا قَامَ لِعَجْزِ الْمَاءِ وَلم يَطُلْ حَتَّى جَفَّ بَنَى

قال عياض: ذهب بعضُهم إلى أنَّ معناه لم يَعُدْ مِن الماءِ ما يَكفيه، فكان كالمفرِّطِ، ولو أَعَدَّ مِن الماءِ ما يَكفيه فأُهْرِقَ عليه أو غُصِبَ منه- لكان حكمُه حكمَ الناسي: يَبْنِي وإن طال. وعلى هذا [19/أ] تُحمل روايةُ ابنِ وهب أنه يَبني إذا عَجَزَ الماءُ وإِنْ طال، وحملَها الباجي على الخلاف. انتهى.

وذَكر بعضُهم في العاجز ثلاثةَ أقوالٍ كالناسي وكالعامد.

والفرقُ: فإن أَعَدَّ ما يَكفيه وأهرق عليه- كان كالناسي، وإن أعد ما يعتقد أنه كافٍ، فتبين أنه غير كافٍ- فكالعامد. نقله ابن عبد السلام عن بعض المتأخرين.

وقال ابن بزيزة: ذَكَرَ المتأخرون في العاجز ثلاثَ صورٍ:

الصورة الأولى: أن يَقطع أن الماء يَكفيه.

الصورة الثانية: أن يقطع أن الماء لا يكفيه.

ص: 117

الصورة الثالثة: أن يَشُكَّ في ابتداءِ وُضوئه هل يكفيه أم لا؟ ففي كل صورة قولان: الابتداُ والبناءُ، والْمَشْهُورِ في الأولى البناءُ، وفي الثانية والثالثة الابتداءُ، ووجهُ ذلك ظاهرٌ. انتهى.

السُّنَنُ سِتٌّ: الأُولَى: غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ إِدْخَالِهمَا فِي الإنَاءِ. وَفِي كَوْنِهِ لِلْعِبَادَةِ أَوْ لِلنَّظَافَاةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَلَيْهِمَا مَنْ أَحْدَثَ فِي أَضْعَافِهِ ........

الْمَشْهُورِ كما ذكره أنَّ غَسْلَ اليدين سنةٌ، وقيل: مستحبٌّ. ومذهبُ ابنِ القاسم أنه للعبادة، ومذهبُ أشهب أنه للنظافة.

وعلى العبادة يَغسلهما مَنْ أَحْدَثَ في أَضْعَافِ وُضُوئِهِ ولو كان نظيفَ اليدينِ، ويُحتاج إلى نيةٍ ويَغسلهما مُفْتَرِقَتَيْنِ، وعلى النظافةِ خلافُه في الجميع، وهكذا قالوا. وفيه بحث على التنظيف، وذلك لأنه لم لا يجوزُ أن يُسَنَّ لنظيفِ اليدِ الغُسْلُ، ولو قلنا: إنه تنظيف؟ كما في غُسل الجمعة فإنه شُرِعَ أولاً للنظافة مع أَنا نأمر به مَن كان نظيفَ الجسد، فانظرْ ما الفَرْقُ؟

الثَّانِيَةُ: الْمَضْمَضَةُ. الثَّالِثَةُ: الاسْتِنْشَاقِ؛ وَهُوَ أَنْ يَجْذِبَ الْمَاءَ بِأَنْفِهِ وَيَنْثُرَهُ بِنَفَسِهِ وَإِصْبَعَيْهِ، وَيُبَالِغُ غَيْرُ الصَّائِمِ، وَالاسْتِنْشَاقُ بِغَرْفَةٍ ثَلاثاً كَالْمَضْمَضَةِ، أَوْ كِلاهُمَا بِغَرْفَةٍ واحدةٍ ....

كونُ المضمضةِ والاستنشاقِ سنةً هو المعروفُ.

المازري: وذهبَ بعضُ المتأخرين إلى أنهما فضيلتان.

ابن عبد السلام: فَسَّرَ الاستنشاقَ بجَذْبِ الماءِ مع نَثْرِه، وحقيقتُه إنما هي في جَذْبِه خاصَّةً، ولهذا عَدَّ غيرُ واحدٍ الاستنثارَ سنةً أُخرى. انتهى.

وذكر الأصبعين ليُنَبِّهَ على أنه بغيرِهما لا ينبغي، فقد قال مالك في المجموعة في رواية ابن وهب: هكذا يَفْعَلُ الحمارُ.

ص: 118

وقوله: (وَالاسْتِنْشَاقُ بِغَرْفَةٍ ثَلاثاً كَالْمَضْمَضَةِ) أي: يَتمضمض بغَرْفَةٍ ثلاثاً، ثم يَسْتَنْشِقُ بأخرى ثلاثاً.

وقوله: (أَوْ كِلاهُمَا بِغَرْفَةٍ) مثلُه وَقَعَ في الموطأ، وجَوَّزَ فيه الباجي وجهين:

أحدُهما أن يَفعلَ كلَّ مضمضةٍ واستنشاقةٍ في غَرفةٍ، فيكون المجموعُ في ثلاثِ غَرَفاتٍ.

الثاني: أن يفعل الستَّ في غَرفةٍ. وهذا الأخيرُ أيضاً يحتمل وجهين: أحدُهما ان يَبدأ فيتمضمضُ بها أولاً ثلاثاً، ثم يَستنشق كذلك. والثاني أن يَتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم كذلك. ولم يذكر المصنفُ الصفةَ الفاضلةَ عندهم، وهي أن يَفعلها مِن ستِّ غَرَفاتٍ.

تنبيه:

وحكمُ ما ظَهَرَ مِن الشفتين الوجوبُ، وكذلك أيضاً وَجَبَ عليه غَسْلُ الوَتَرَةُ، وهي الحاجزةُ بين ثُقْبَتَيَ الأَنْفِ.

فرع: قال في النوادر: وليس عليه غَسلُ ما غَارَ مِن جُرْحٍ بَرِئَ على اسْتِغْوارٍ كثير، أو كان خَلْقاً خُلِقَ به، ولا غسلُ ما تحت ذَقَنِهِ.

وَمَنْ تَرَكَهُمَا وَصَلَّى أُمِرَ بِفِعْلِهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَعَمَّدِ أَنْ يُعيد الصَّلاةَ فِي الْوَقْتِ

قوله: (أُمِرَ بِفِعْلِهِمَا) أي: لما يستقبل.

وقوله: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَعَمِّدِ أَنْ يُعيد الصَّلاةَ فِي الْوَقْتِ) في هذه المسألة ثلاثةُ أقوالٍ: الإعادةُ في الوقت كما ذَكَرَ، ونفيُها كما ذكروا، والثالثُ لغير ابن القاسم في العتبية بالإعادة أبداً، نقله صاحبُ الطراز، قال: وهذا إمّا لأنهما- أي المضمضة والاستنشاق- عنده واجبان، وإما لأنّ تركَ السنن عمداً لعبٌ وعبثٌ. والذي رأيتُه في البيان: وأما

ص: 119

العامدُ فقال ابن القاسم: يُعيد الصلاةَ فيالوقت. وقال ابنُ حبيب: لا إعادةَ عليه. ويتخرَجُ في المسألة قولٌ ثالثٌ: أنه يُعيد أبداً بالقياس على مِن تَرْكَ سنةً مِن سُنَنِ الصلاة. فقيل: يستغفرُ الله تعالى وَلا شىء عليه. وقيل: يُعيد في الوقت. وعلى قياسِ هذا يَأتي قولُ ابن القاسم في هذه المسألة. وقيل: أنه يُعيد أبداً. وهو الْمَشْهُورِ في المذهبِ، المعلومُ مِن قول ابن القاسم فيَلزم على قياسِ هذا القولِ أَنْ يُعيد في هذه المسألة أيضاً أبداً. انتهي.

الرَّابعَةُ: أَنْ يَمسحَ أُذُنَيْهِ بمَاءٍ جَدِيدٍ ظَاهِرَهُمَا بإِبْهَامَيْهِ، وَبَاطِنَهُمَا بإِصْبَعَيْهِ وَيَجْعَلُهُمَا فِي صِمَاخَيْهِ. وَفِي وُجُوبِ ظَاهِرِهِمَا قَوَلانِ، وَظَاهِرُهُمَا مَا يَلِي الرَّاسَ، وَقِيلَ: مَا يُوَاجِهُ

الْمَشْهُورِ أنَّ مسحَ الأذنين ظاهراً وباطناً سنةٌ. قال في المِنتقى: وذهب ابنُ مَسلمةَ والأبهريُّ إلى أنَّ مسحَهما فَرْضٌ. وقال عبد الوهاب: داخلُهما سنةٌ وفي ظاهرهما خلافٌ.

وقوله: (بمَاءٍ جَدِيدٍ) الْمَشْهُورِ لا بُدَّ مِن تجديد الماءِ لهما.

ابن حبيب: وإن لم يُجدد الماءَ فهو كمِن تَرْكَ مسحَهما. وقال ابن مسلمة: هو مخيَّرٌ بَيْنَ التجديدِ وعدمِه. وكلامُه يحتمل أن التجديدَ مع المسحَ سُنَّةٌ واحدةٌ، وإليه ذهب أكثر الشيوخ، وجعل ابنُ رشد التجديدَ سُنَّةً مستقلةً، ويحتمل أن يكون المسحَ هو السُّنَّةِ، والتجديدُ مستحبٌّ، وهو قول مالك في المختصر.

وقوله: (ظَاهِرَهُمَا بإِبْهَامَيْهِ) يُريد بالظاهر هنا ما يلى الرأس.

وقوله: (وبَاَطِنَهُمَا بإِصْبَعَيْهِ) أي بسبابتيه (وَيَجْعَلُهُمَا فِي صِمَاخَيْهِ) نَبَّهَ على ذلك لئلا يُظَنَّ سقوطُ المسحَ عليهما. قال ابن حبيب: وَلا يتبع غُضُونَهما، أي كالخفين.

وقوله: (وَظَاهِرُهُمَا مَا يَلِي الرَّاسَ) إلى آخره. قال ابن عطاء الله: إذا كان [19/ب] مسحُ الجميع سنةً فلا معنى للتفريق. أي: وإنما يَظهر على مقابَلْ الْمَشْهُورِ أن مسحَ

ص: 120

ظاهِرهما واجبٌ. ومنشأُ الخلافِ فيه النظرُ إلى الحالِ أو الأصلِ، فإِنَّ أصلَ الأُذُنِ في الخِلْقَةِ كالوَرَدَةِ ثُم تَنفتح. والقوَلان حكاهما ابنُ سابق عن المتأخرين، قال: والأظهرُ أن الظاهرَ ما يُوالى الرأسَ.

الجوهرى: والصِّماخُ خَرْقُ الأُذُنِ، بالصاد، وبالسين لغةٌ، ويقال: هو الأذنُ نفسُها.

الخَامِسَةُ: رَدُّ الْيَدَيْنِ مِن مُؤَخَّرِ الرَّاسِ إِلَى مُقَدِّمِهِ

ظاهرُ كلامه أنَّ الردَّ لا يكون سُنة إلا إذا كان مِن المؤخَّر إلى المقدَّم. وليس كذلك؛ فقد نقل اللخمىُّ وصاحبُ تهذيب الطالب عن ابن القصار أنه قال: لو بَدَأَ الرَّجُلُ مِن مُؤخَّرِ الرأس إلى مُقدَّمِه لكان المسنونُ في حقه أَنْ يَرُدَّ مِن المقدَّم غلى المؤخَّر. ويلزمُ على قولِ المصنفِ –أن يكونَ الابتداءُ مِن مقدمِ الرأسِ سنةً- خلافُ ما يَأتي له.

السَّادِسَةُ: أَنْ ُيُرَتِّبَ عَلَى الأَشْهَرِ. وَقَاَلَ: مَا أَدْرِى مَا وُجُوُبُه. وثَالِثُهَا: وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ

فاعل (قَالَ) عائدٌ إلى الإمام، وفيه إيماءٌ إلى إنكارِ وجوبِ الترتيبِ؛ لأن الآيةَ جاءت بالواو، وهي لا تقتضى ترتيبا. وفِعْلُه صلى الله عليه وسلم يَحتمل الوجوبَ والندبَ، وقد قال على رضى الله عنه: ما أُبالى إذا أتممتُ وُضوئي بأيِّ أعضائى بَدَأَتُ. وقال ابن عباس: لا بأسَ بالبداية بالرِّجلين قَبْلَ اليدين. خَرَّجَ الأَثَرين الدارقطنىُّ. مَعَ صُحْبَةِ علىٍّ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم طولَ عمرِه، فلوَلا إطلاعُه على عدمِ الوجوبِ ما قال ذلك.

وفي المدونة أيضاً عن عليٍّ وابن مسعود رضى الله عنهما: ما نبالى بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا. والأقوالُ الثلاثةُ- الْمَشْهُورُ مِنها السنيةُ.

والثانى: الوجوبُ مطلقاً، رواه علي عن مالك، وهو قول أبى مصعب، والتفرقةُ لابن حبيب، وزِيدَ قولٌ رابعٌ بالاستحباب.

ص: 121

وتأوَّل اللخميُّ المدونةَ عليه لقوله فيها: (يُعيد الوضوء وهذا أحب إلى).

سند: وهو تأويلٌ فاسدٌ.

والهاء في (وُجُوبُهُ) عائدةٌ على الترتيب، ويحتمل أن تَعود على إعادةِ الوضوء. واقتصر ابنُ يونس على الأَوَّلِ. وهذا حكمُ الترتيبِ بين المفروضِ مع المفروضِ.

وأما حكمُ ترتيبِ المفروضِ مع المسنون ففي المقدمات: ظاهرُ الموطأ أنه مستحبٌّ؛ لأنه قال فيمِن غسلَ وجهَه قَبْلَ أَنْ يَتمضمض: أنه يتمضمضُ وَلا يُعيد غَسْلَ وجهِه. وقال ابنُ حبيب: هو سُنةٌ. إلا أنه جعله أخفَّ مِن ترتيبِ المفروضِ مع المفروض، فقال مَرَّةً: إنه يُعيد الوضوءَ إذا نكَّسَه متعمداً كالمفروض مع المفروض. وله في موضعٍ آخرَ ما يَدُلُّ على أنه لا شيءَ عليه إذا فرَّق وضوءَه. انتهى باختصار.

واما ترتيبُ المسنونِ مع المسنونِ فمستحبٌّ.

وَعَلَى السُّنَّةِ لَوْ نَكْسَ مُتَعَمِّداً فَقَوَلانِ كَمُتَعَمِّدِ تَرْكَ السُّنَّةِ، وَلَوْ نَكْسَ نَاسِياً أَعَادَ بحَضْرَةِ الْمَاء، فَإِنْ بَعْدَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعيد الْمِنكِّسُ خَاصَّةً. وَقِيلَ: يُعيدهُ وَمَا بَعْدَهُ

فَرَّعَ على السُّنَّةِ لكونِه هو الْمَشْهُورِ.

وقوله: (فقوَلان) قال ابن شاس: أحدُهما أنه يُعيد مع العَمْدِ قريباً كان أو بعيداً.

الثانى: أنه كالناسى، فلا يُعيد. وهما على الخلاف في تاركِ السنن متعمداً: هل تجب عليه إعادةُ الصلاةِ أم لا؟

وقوله: (وَلَوْ نَكْسَ نَاسِياً أَعَادَ بحَضْرَةِ الْمَاءِ) يحتمل إعادةَ الوضوءِ كلِّه، وهو ظاهرُ كلامِ ابن شاس، ولفظه: إن كان بحضرةِ الماءِ فأنه يَبْتَدِئُ ليسارةِ الأَمْرِ عليه. ويحتملُ إعادةَ المِنكَّسِ وما بَعْدَه، وهو الذي نصَّ عليه ابنُ رشد وابنُ بشير أنه إن كان بحضرة الماء فإنما عليه إعادةُ المِنكَّسِ وما بَعْدَه. قال في المقدمات: ناسيا كان أو متعمداً.

ص: 122

فإن كان قد تَبَاعَدَ وجَفَّ وُضوؤه وكان متعمداً فثلاثةُ أقوالٍ: الأولُ: يُعيد الوضوءَ والصلاةَ. والثانى: لا يُعيدهما. وهو قولُ مالك في المدونة. والثالث: يُعيد الوضوءَ فقط. وهو قولُ ابن حبيب.

والأَوَلانِ مَبْنِيَّانِ على الخلافِ في تاركِ السننِ متعمداً، وأما الثالثُ فرأي أنه يُعيد الوضوءَ لبقاءِ حُكمِه بخلافِ الصلاةِ؛ لانقضاءِ أمرِها.

وقوله: (فَإِنْ بَعْدَ) أي: وكان ناسياً (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعيد الْمِنكِّسُ خَاصَّةً) ظاهرُ التصورِ. (وَقِيلَ: يُعيدهُ وَمَا بَعْدَهُ) وهو قولُ ابن حبيب.

فلو بَدَأَ بيديه، ثم بوجهِه، ثم برأسِه، ثم برجليه فعَنِ ابنِ القاسم: يُعيد ما تقدَّم مِن غَسْلِ ذراعيه، وَلا يُعيد ما بَعْدَه كما لو تَرْكَ غسلَهما ناسياً حتى طال. وعند ابن حبيب: يَغسل ذراعيه، ثم يَمسحَ رأسِه، ثم يَغسل رجليه؛ لأنه إذا لم يُعِدْ مسحَ رأسِه وغَسْلَ رجليه وَقَعَ غَسْلُ يديه آخراً. ولو بَدَأَ بوجهه، ثم رأسِه، ثم ذراعيه، ثم رجليه- أَعَادَ عند ابن القاسم رأسِه فقط فيرتفعُ الخللُ. وعند غيرِه يمسحَ رأسِه، ثم يغسل رجليه. ولو بَدَأَ بوجهه، ثم رأسِه، ثم رجليه، ثم ذراعيه – فعند ابن القاسم: يُعيد مسحَ رأسِه؛ لأنه لم يَقَعْ بَعْدَ يديه، ويُعيد غسلَ رجليه أيضاً لهذه العِلة. ويتفق ابنُ القاسم وغيرُه هنا.

ابن هارون: واستشكل الشيوخُ مذهبَ ابن القاسم؛ لأنه لم يَتَخَلَّصْ به مِن التنكيس. ومثالُه: لو قَدَّمَ رأسَه على غَسل يديه ثم تذكر فأنه يُعيد مسحَ رأسِه ليحصلَ له بَعْدَ اليدين، ولكنه يختلُّ عليه الترتيب لمسحِه إياه بَعْدَ الرِّجلين.

قال ابن رشد: والجارى على أصلِه أنه لا شىء عليه كما لو أخلَّ بالفَوْرِ ناسياً. وأُجيب عنه بوجهين: أحدُهما أن المِنكَّسَ عنده كالمِنسِّى، فيأتى به بعد الطُّولِ. واعتُرِضَ بأنه لو جعله كالمِنسي لَلَزِم أن يُعيد [20/أ] الوضوءَ في العَمْدِ، ولم يَقُلْ به. والثانى: أَنَّ إعادةَ

ص: 123

الرأسِ إنما هي لتحصيلِ الترتيبِ بينَه وبينَ اليدين؛ لأن التنكيسَ وَقَعَ بينهما، لا بينه وبين الرِّجلين لحصولِ الترتيبِ بينهما أوَلا، وهذا أيضاً معترَضٌ عليه؛ لأنه يَلْزَمُ مثلُه بالحضرةِ. ثم قال: واستُشْكِلَ قولُ ابنِ حبيب على أصلِه؛ لأن فيه الإخلالَ بالفَوْرِ، وهو عنده واجبٌ في العمدِ والنسيانِ.

وقوله: (وَعَلَىَ السُّنَّةِ) يقتضى أنا لو فرّعنا على الوجوب -وخالف- أنه يبتدئ، قال في الجواهر: وكذلك روى عن مالك. لكن حكى القاضى أبو الوليد خلافاً في الترتيب: هل هو مِن شروط الصحةح وإن قيل بالوجوب- أم لا؟ فعلى هذا يُختلف في الابتداء على قولين وإن قلنا بالوجوب. انتهي.

الْفَضَائِلُ: التَّسْمِيَةُ. وَرُوِيَ الإِبَاحَةُ وَالإِنْكَارُ

استَشكل بعضُهم تَصَوُّرَ الإباحةِ؛ لأن الذِّكْرِ راجحُ الفِعْلِ.

خليل: وأُجيب بأن مرادَ مِن أباح إنما هو اقترانُ هذا الذِّكْرِ بأوَّل هذه العبادةِ الخاصةِ، لا حصولُ الذِّكْرِ مِن حيث هو ذِكرٌ. وصيغةُ رِواية الإنكارِ: أَهُوَ يَذْبَحُ؟ ما علمتُ أحداً يَفعل ذلك.

فائدة:

مِن الأفعال ما شُرعت فيه التسميةُ سواءٌ كانت قُرْبَةً كالطهارةِ، أو مباحاً كالأكل. ومِنها ما لم تُشرع فيه كالأَذان، والحجِّ، والذِّكْرِ، والدعاء. ومِنها ما تُكره فيه كالمحرمات والمكروهات؛ لأن المقصود بها البركةُ، والحرامُ والمكروهُ لا تُراد البركةُ مِنهما.

وَلا بأس بِعَدِّ المواضعِ التي يُبسمل فيها، فنقول على ما حَضَرَ لنا الآنَ: ركوبُ الفَرَسِ، وركوبُ السفينةِ، والأكلُ، والشربُ، والطهارةُ سواءٌ أكانت وضوءاً أو غسلاً أو تيمماً، والذَّبْحُ، والدخولُ إلى الخلاء، والخروجُ مِنه، والدخولُ إلى المسجد، والخروجُ مِنه، والدخولُ إلى المِنزل، والخروجُ مِنه، والوطءُ، وإطفاءُ المصباح، وإغلاقُ الباب، وإذا لَبِسَ ثوباً جديداً، أو

ص: 124

لَبِيساً، وعِنْدَ نَزْعِه، وعند صُعودِ الخطيبِ على المِنبر -نص عليه الشيخ أبو عبد الله بن الحاجِّ- وعند وضع الميت في لَحْدِهِ فقد استَحَبَّ ابنُ حبيب حينئذٍ أن يُقال: بسم الله، وعلى مِلَّةِ رسولِ الله. وكذلك نُصَّ على استحبابها عندَ إغماض الميت، وكذلك نُص على استحبابها عند ابتداء الطواف بأن يقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك

إلى آخره.

واَلسِّوَاكُ وَلَوْ بإِصْبَعِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ، وَالأَخْضَرُ لِغَيْرِ الصَّائِمِ أَحْسَنُ

السواكُ فضيلةٌ لما وَرَدَ فيه مِن الأحاديثِ الصحاحِ.

قال سندٌ: يَستاك قَبَلْ الوُضوء ويتمضمض بَعْدَه؛ ليَخرج بالماء ما حَصَلَ بالسواك.

وفي اللخمى: هو مخيرٌ في أن يجعله عند الوضوء أو الصلاة. واستَحسن إذا بَعُدَ ما بين الوضوءِ والصلاةِ أَنْ يُعيده عِنْدَ صلاته، وإِنْ حضرتْ صلاةٌ أُخرى- وهو على طهارته تلك- أَنْ يَستاك للثانية. انتهي مختصراً.

وقوله: (وَلَوْ بإِصْبَعِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ) أي أنه بغيرِ الأصابعِ أفضلُ، ولكنْ يُجزئ بأصبع. وما ذكره مِن أرجحيةِ غيرِ الأصبع- فالأمرُ عليه عند أهلِ المذهبِ، وظاهرُ كلامِ أبى محمدٍ أن الأصبعَ كغيرِه.

وفُضِّلَ الأخضرُ؛ لكونه أبَلْغَ في الإنقاءِ. قال ابنُ حبيب: ويُكره السواكُ بعودِ الرُّمَّانِ والرَّيْحانِ.

وَالْيَمِينُ قَبَلْ الْيَسَارِ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ رَاسِهِ

هذا هو الْمَشْهُورِ، وحكى فيه ابن رشد قوَلا بالسنية، وفي المذهب قولٌ أنه يبَدَأُ مِن مؤخِر الرأسِ، وقيل: مِن وسطِه، ثم يذهب إلى جِهة وَجْهِه إلى حَدِّ مِنابتِ شعرِ رأسِه، ثم يَرجعُ إلى قفاه، ثم يَردهما إلى حيث بَدَأَ، وهو قول أحمد بن داود.

ص: 125

وَانْفَرَدَ ابْنُ الْجَلابِ بِصِفَتِهِ، وَقَالَ: اخْتَرْتُهَا لِئَلا يَتَكَرَّرَ الْمَسْحُ. وَرُدَّ بِأَنَّ التَّكْرَارَ الْمَكْرُوهَ بِمَاءٍ جَديدٍ

صِفَةُ ابنِ الجلاب هي أن يَبْدَأَ بمقدَّمِ رأسِه فيُلْصِقُ أصابعَ يديه بمقدَّم رأسِه، ويرفعُ راحتيه عن فَوْدَيْهِ ويمرُّ بهما إلى قفاه، ثم يرفعُ أصابعَه ويلصِقُ راحتيه بفوديه، ثم يَرُدُّهما كذلك إلى مُقَدَّمِه. قال عبد الوهاب: كان رحمه الله يقول: إنما اخترتُها لئلا يَتكرر المسحُ، وفضيلةُ التكرار تَختص بالغَسل. وَردَّهُ ابنُ القصار بأنَّ ذلك ليس محفوظاً عن مالكٍ وَلا عن أحدٍ مِن أصحابه، وإنما يُكره التكرارُ إذا كان ذلك بماءٍ جديدٍ. انتهي.

وَأَنْ يُكَرِّرِ الْمُغْسُوَل، وَثَلاثاً أَفْضَلُ

الْمَشْهُورِ أن الغسلة الثانيةَ والثالثةَ فضيلةٌ، وهو الذى يُؤخذ مِن كلامه؛ لأنه جعل الثانيةَ فضيلةً بقوله:(وَأَنْ يُكَرِّرَ الْمُغْسُولَ) ثم نَبَّهَ على أن الثلاثةَ أفضلُ مِن الاثنتين بقوله: (وَثَلاثاً أَفْضَلُ) وقيل: كلاهما سنة. وقيل: الثانية سنة، والثالثة فضيلة. والْمَشْهُورِ أن ذلك عام.

وزعم بعضُ الشيوخ أنه لا فضيلةَ في تكرارِ غسلِ الرجلين، قال: لأن المقصودَ مِن غَسلِهما الإنقاءُ؛ لأنهما محلُّ الأقذارِ غالباً، ونحوُه رواه ابنُ حبيب عن مالك، نقله في النوادر.

وما ذكرنا أنه الْمَشْهُورِ هو الذى في الرسالة والجلاب. وقال ابن راشد: وذكر لى بعضُ المشايخ أن الْمَشْهُورِ في الرِّجلين عَدَمُ التحديد. انتهي. وكذلك ذَكَرَ سندٌ أن الْمَشْهُورِ في الرِّجلين انتفاءُ التحديدِ.

وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ

نحوُه في المقدمات، وقال عبد الوهاب واللخمى والمازرى: بَلْ تُمِنعُ. ونَقَلَ سندٌ على المِنعِ اتفاقَ المذهبِ. فوَجْهُ الكراهةِ أنه مِن ناحية السَّرَفِ في الماء، ووجهُ المِنع قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابى الذى سأله عن الوضوء فاراه ثلاثاً فقال له:((هكذا الوضوءُ فمَنْ زادَ فقد تَعَدَّى [20/ب] وظَلَمَ)). رواه النسائى، ورواه أبو داود بنحوه.

ص: 126

ولو شك هل غسل اثنين او ثلاثاً -فقوَلان للشيوخ: قيل يأتى بأخرى قياساً على الصلاة، وقيل: لا؛ خوفاً مِن الوقوع في المحظور.

وَلا فضيلةَ عن أهل المذهب في إطالةِ الغُرَّةِ.

ابنُ عبد السلام: وينبغى أن يَعُدُّوها مِن الفضائل لما ثَبَتَ في ذلك.

وَلا بَاسَ بِمَسْحِ الأَعْضَاءِ بالْمِنْدِيلِ

نَبَّهَ على استحبابِ الشافعيةِ تَرْكَ المسحِ أو كراهتِهم له على خلافٍ بينهم فيه.

وَلا تَحْدِيدَ فِيمَا يُتَوَضَّأُ بهِ وَيُغْتَسَلُ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: الأَقَلُّ مُدٌّ وَصَاعٌ. وَالوَاجِبُ الإِسْبَاغُ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ التَّحْدِيدَ بأنْ يَقْطُرَ أَوْ يَسِيلَ، وَقَالَ: كَانَ بَعْضُ مِنْ مَضَى يَتَوَضَّأُ بِثُلُثِ الْمُدِّ- يَعْنِي: مُدَّ هِشَامٍ

لأن ذلك يختلف بحسب القَسَاوَةِ والرطوبةِ، والرِّفْقِ والخَرَقِ.

الباجى: ومَن اغتسلَ بأقلَّ مِن صاعٍ، أو توضأ بأقل مِن مُدٍّ أَجْزَأَهُ على الْمَشْهُورِ. وقال الشيخُ أبو إسحاق: لا يُجزئ في الغُسل أقلُّ مِن صَاعٍ، وَلا في الوضوءِ أقلُّ مِنْ مُدِّ. انتهي.

وقال ابنُ العربى: ومرادُه التقديرُ بهما في الكَيْلِ لا في الوَزْنِ، ورَأَى أَنَّ ما رواه البخارىُّ ومسلمٌ مِن وُضوئه صلى الله عليه وسلم بمُدٍّ وتَطَهُّرِه بصاعٍ محمولٌ على الأقَلِّ.

وقوله: (وَالوَاجِبُ الإِسْبَاغُ) أي التعميمُ. وأنكر مالكٌ التحديدَ، ورُوى عنه أنه قال: قَطَرَ قَطَرَ. إنكاراً لذلك، ثم الإنكارُ إنما هو لنفسِ التحديدِ؛ لأنه بغيرِ دليلٍ، وإلا فهو مع عدمِ السيلانِ مسحٌ بغير شكٍّ. قاله فضلُ بن مَسلمة.

وقال ابن مُحْرِزٍ: ظاهرُ قوله أنه ليس مِنْ حَدِّ الوضوء أَنْ يَسِيلَ أو يَقْطُرَ. قال في التنبيهات: وهو خلافُ الأَوْلَى.

ص: 127