المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الاعْتِكَافُ: قُرْبَةٌ   لم يبين ما رتبته في القُرَب، والظاهر أنه مستحب، - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٢

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: ‌ ‌الاعْتِكَافُ: قُرْبَةٌ   لم يبين ما رتبته في القُرَب، والظاهر أنه مستحب،

‌الاعْتِكَافُ:

قُرْبَةٌ

لم يبين ما رتبته في القُرَب، والظاهر أنه مستحب، إذ لو كان سنة لم يواظب السلف على تركه. قال في الرسالة: والاعتكاف من نوافل الخير. وكذلك قال في المقدمات.

وحكمة مشروعيته التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات في العبادة وحبس النفس عن شهواتها، وكف اللسان عن الخوض فيما لا ينبغي.

ومما يدل على أنه قربة، ما وقع لمالك في العتبية من رواية ابن القاسم لما قيل له: من كان منزله من الفسطاط على ثلاثة أميال، أيعتكف في مسجد قريته؟ أم يسير إلى الجمعة؟ لأن قريته لا تجمع فيها الجمعة؟ قال: اعتكافه أولى من مسيره إلى الجمعة.

مَالِكٌ: وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَداً مِنَ السَّلَفِ اِعْتَكَفَ غَيْرَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وإِنَّمَا تَرَكُوهُ لِشِدَّتِهِ ....

هذا لمالك في المدونة، وفي المجموعة: ما زلت أفكر في ترك الصحابة رضي الله عنهم الاعتكاف مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يزل يعتكف حتى توفي، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى عنه وفعله، فقيل له: إنك تواصل، فقال:"إني لست كأحدكم".

وَهُوَ لُزُومُ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ الْمَسْجِدَ - لِلْعِبَادَةِ صَائِماً كَافّاً عَنِ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ - يَوْماً فَمَا فَوْقَهُ بِالنِّيَّةِ .....

قوله: (الْمُسْلِم). كالمستغني عنه بقوله: (لِلْعِبَادَةٍ صَائِماً). إذ علم أنهما لا يصحان من غير المسلم، ثم في قوله:(لِلْعِبَادَةِ) إجمال، إذ من العبادات ما لا يفعله المعتكف كما سيأتي، وقوله:(كَافَاً عَنِ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ). أي ليلاً ونهاراً.

ص: 462

فَيَصِحُّ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالرَّقِيقِ

أي: لدخولهم تحت المسلم المميز، ويدخل في الرقيق من فيه عقد حرية.

وَإِنْ أَذِنَ لامْرَأَتِهِ أَوْ لِعَبْدِهِ فَدَخَلا فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ

لمّا كان الاعتكاف ليس بواجب وهو مستلزم للصيام، وكل منهما مستلزم منع الوطء ومقدماته، لم يجز للمرأة أن تعتكف إلا بإذن زوجها لما في الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه". وكذلك العبد؛ لأن اعتكافه يبطل حق السيد في خدمته.

ومن أذن لامرأته أو لمملوكه فدخلا فيه فليس له قطعه، وهل له الرجوع بعد الإذن وقبل الدخول؟ ابن عبد السلام: في الأصل قولان. انتهى.

والرجوع في كتاب ابن شعبان، وهو مفهوم المدونة لقوله: ومن أذن لعبده أو لامرأته في الاعتكاف فليس له قطعه عليهما إذا دخلا فيه. فاشترط الدخول. وقيد أبو عمران وعبد الحق واللخمي ما في المدونة بما إذا أذن لهما في الفعل، وأما لو أذن لهما في النذر فنذراه فليس له قطعه عليهما وإن لم يدخلا فيه.

وَلا تَخْرُجُ لِلْعِدَّةِ إِلا بَعْدَهُ

قال في المدونة: وإن طلّقها زوجها أو مات عنها لم تخرج حتى تتم اعتكافها، ثم تتم ما بقي من العدة في بيتها.

قال ربيعة: وإن حاضت في العدة قبل أن ينقضي اعتكافها خرجت، فإذا طهرت رجعت لإتمام اعتكافها، وإن سبق الطلاق الاعتكاف فلا تعتكف حتى تحل. انتهى.

ص: 463

قال في العتبية: وكذلك المحرمة إذا دخلت في الإحرام ثم طلقت فإنها تتم إحرامها؛ قال في البيان: ولو سبق الطلاق أو الموت الاعتكاف أو الإحرام لم يصح لها أن تحرم ولا أن تعتكف حتى تنقضي العدة لأنها قد لزمتها فليس لها أن تنقضها. انتهى.

والحاصل الترجيح بالسبقية. وقال أبو الحسن الصغير: إذا أحرمت بعد موت زوجها نفذت وهي عاصية، بخلاف المعتكفة فإنها لا تنفذ إذا أحرمت، وتبقي على اعتكافها حتى تتمه. إذ لو قيل أنها تخرج للحج إذا أحرمت لبطل اعتكافها لكونه لا يصح إلا في المسجد، بخلاف الإحرام فإنه [166/ب] إنما يبطل المبيت لا أصل العدة. انتهى. فانظره مع كلام صاحب البيان إلا أن يحمل قوله في البيان: لا يصح على معنى: لا يجوز. والله أعلم.

وَإِنْ مَنْعَهُ نَذْرَاً فَعَلَيْهِ إِنْ أعْتقَ

يعني: إذا نذر العبد اعتكافاً بغير إذن السيد فمنعه السيد منه بقي في ذمته متى أعتق قضى، وليس للسيد أن يسقطه مطلقاً. خلاف الدين لأن بقاء الدين عليه عيب يبخس ثمنه بخلاف النذر، ولأن الناس غرضاً في أن العبد إذا عتق يكون مستغنياً غير محتاج، حتى إن بعضهم ليعطيه شيئاً لهذا. وإذا كان مدياناً انتزع منه ما بيده، فيفوت غرض سيده، فلذلك كان لسيده أن يسقطه بخلاف الاعتكاف.

وقوله: (فَعَلَيْهِ إِنْ أعْتقَ). ظاهره سواء كان نذره معيناً أو مضموناً، قيل: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة. وقال سحنون: إن كان النذر معيناً فمنعه السيد حتى انقضت الأيام فلا قضاء عليه.

وَلا يُمَنَعُ الْمُكَاتَبُ الاعْتِكَافَ الْيَسِيرَ

هو ظاهر.

ص: 464

وَالرِّدَّةُ وَالسُّكْرُ الْمُكْتَسَبُ مُبْطِلانِ قَارنا أَوْ طَرَأ فَيَجِبُ اسْتِئْنَافُهُ فِي السُّكْرِ، وَفِي غَيْرِ الْمُكْتَسَبِ كَالْْجُنُونِ وَالإِغْمَاءِ الْبِنَاءُ .....

لأن الردة نقيض شرطه وهو الإسلام. والسكر كذلك لكونه مناقضاً للتمييز. واحترز بالمكتسب من غيره، فإنه كالمجنون يبني لعذره.

وذكر المقارنة ليس بظاهر؛ لأن الإبطال يستدعي شيئاً متقدماً حتى بطل وهو معدوم.

وَفِي إِبْطَالِهِ بِالْكَبَائِرِ الَّتِي لا تُبْطِلُ الصَّوْمَ كَالْْقَذْفِ وَالْخَمْرِ لَيْلاً: قَوْلانِ، بِخِلَافِ الصَّغَائِرِ .....

لا خفاء في أن الكبائر المبطلة للصوم مبطلة للاعتكاف، لبطلان شرطه كالزنا واللواط وشرب الخمر نهاراً، وأما الكبائر التي لا تبطل الصوم فنص في المدونة على البطلان في حق من سكر ليلاً. وحمل بعضهم على هذا، والبغداديون كل كبيرة.

وَالْمَسْجِدُ وَرِحَابُهُ سَوَاءٌ

يعني في الإجزاء، واستحب في المدونة عجز المسجد؛ لأنه أخفى للعبادة وللبعد ممن يتشاغل بالحديث معه.

اللخمي: واختلف فيما سوى سطح المسجد، ففي الكتاب يعتكف في عجز المسجد وفي رحابه. وقال ابن وهب عنه: لم أره إلا في رحبة المسجد. وقال في المجموعة: لم أره إلا في عجز المسجد، والقول الأول أحسن، واختلف إذا اعتكف في رحبة المسجد هل يضرب خباء يكون فيه؟ فأجاز ذلك في المدونة. وقال ابن وهب عنه لم أسمع أنه يضرب ما يبيت فيه والأول أحسن.

وقد ضرب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الأخبية يعتكفن فيها. انتهى.

ص: 465

وخالف ابن لبابة في ثلاثة مسائل، فأجاز في غير المسجد بغير صوم، وأجاز المباشرة في غير المسجد، وهل الرحاب ما كان مضافاً إلى المسجد محجراً عليه وإن كان خارجاً عنه؟ وعلى هذا فليس لكل المساجد رحاب، وإليه ذهب سند والتملساني. أو هو صحته؟ وأما خارجه فلا يجوز الاعتكاف فيه، وإليه ذهب الباجي وصاحب اللباب، وهو الصحيح.

بِخِلافِ السَّطْحِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَبِخِلافِ بَيْتِ قَنَادِيلِهِ وَنَحْوِهِ

ما ذكره في السطح ظاهر، ونحو بيت القناديل السقاية وبيت الخطابة، وإنما لم يجز الاعتكاف في هذه المواضع لكونها محجوراً عليها فصارت كالبيوت.

وَفِي صُعُودِ الْمُؤَذِّنِ الْمَنَارِ ثَالِثُهَا: يُكْرَهُ كَالسَّطْحِ

قال في المدونة: واختلف قوله في صعود المؤذن المنار فمرة قال: لا، ومرة قال: نعم. وجل قوله فيه الكراهة، وذلك رأي.

وقوله: (كَالسَّطْحِ) ففيه أيضاً الأقوال الثلاثة. قال ابن يونس بعد ذكر الخلاف عن مالك في صعود المؤذن المنار: وكذلك اختلف قوله في سطوح المسجد.

واستبعد ابن عبد السلام هذا الحمل بأنه لو أراده لقال: وفي صعود المؤذن السطح والمنار. وجعل قوله: (كَالسَّطْحِ) من تمام القول الثالث. وما ذكرناه أولى؛ لأنه أكثر.

فائدة:

وما ذكره من وجه الاستبعاد ليس بلازم. وظاهر كلامه جواز الآذان للمعتكف؛ لأنه إنما ذكر الخلاف في صعود المؤذن المنار، ومثله استقرأ عياض من المدونة. وحكي في المفهم عن مالك في جوازه ومنعه روايتين قال: والجميع على الجواز، وهذا فيما [167/أ] على المنار وأما في غيره فلا خلاف في إجزائه. انتهى.

ص: 466

ونحوه لعياض: وصرح اللخمي بجوازه في صحن المسجد، وقيده بما إذا لم يكن المؤذن الذي يرصد الأوقات.

فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ جُمُعَةٌ، وَهُوَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ فَفِي تَعْيِينِ الْجَامِعِ قَوْلانِ

إن اعتكف أياماً لا تأتي فيها الجمعة، اعتكف في أي مسجد شاء، وكذلك إن كانت الجمعة، تأتي ولكنه ممن لا تلزمه الجمعة.

وقيل: بل يكره الاعتكاف في غيره فقط.

ومنشأ الخلاف: هل يبطل اعتكافه بخروجه إلى الجمعة؟ وهو المشهور على ما نقله الباجي وغيره أم لا يبطل مطلقاً ويخرج إلى الجمعة؟، وهي رواية ابن الجهم، وفرق ابن الماجشون فقال: إن دخل على ذلك ابتداء خرج، وبطل، بخلاف ما إذا اعتكف أولاً أياماً لا تأخذه فيها الجمعة، ثم خرج لمرض وعاد فجاءته الجمعة، فإنه يخرج ولا يبطل، هكذا نقل ابن زرقون وغيره.

وَعَلَى صِحَّتِهِ فَفِي إِتْمَامِهِ فِي الْجَامِعِ أَوْ عَوْدِهِ قَوْلانِ

يعين إذا فرعنا على الشهور بطل اعتكافه، وإن فرعنا على صحته فهل يتم في الجامع؟ وهي رواية عن مالك أو يرجع إلى المسجد الذي ابتدأ فيه؟ وهو قول عبد الملك، وقيد سند الخلاف بما إذا لم يعين الموضع ينذره، وأما لو عينه فيرجع.

وَيَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِمَعِيشَتِهِ إِنِ احْتَاجَ وَلَوْ بَعْدُ

المراد بحاجة الإنسان الغائط والبول واستحبوا أن يكون في غير منزله؛ لأن المنزل لا يخلو من شغل، ولمعيشته، أي: لما يأكله ويشربه.

ص: 467

وكره مالك في آخر قوليه أن يعتكف حتى يكون له من يكفيه ذلك أو يعدّ ما يكفيه. ولا يعتكف إلا من كان مكتفياً حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان. وأول قوليه في المدونة الجواز، قال فيها: ولا يمكث بعد قضاء حاجته شيئاً. قال ابن القاسم في العتبية: ويخرج المعتكف لعيادة أبويه إذا مرضا ويتبدئ اعتكافه. ورأى ذلك واجب عليه لبرهما قال: ولا يخرج لجنازتهما.

وفرّق الباجي بينهما بأنهما في الحياة يرضيان بزيارته ويسخطان بتركها.

سند: وفيما قاله نظر، فإن ذلك من حقوقهما. قال: ويلزمه إذا مات أحدهما فإن عدم خروجه يسخط الآخر.

وقوله: (وَلَوْ بَعْدُ) يعني إذا لم يجد إلا ذلك ولو وجد الأقرب ثم تعداه فذلك مكروه أو مفسد.

بِخِلَافِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالْحُكُومَةِ وَأَدَاءِ الشِّهَادَةِ وَصَلَاةِ الْجَنَائِزِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَلَّ الاشْتِغَالُ بِهِ فَقَوْلانِ ....

أي: فلا يخرج لهذه لما يلزم من فوات شرطه، وهو المسجد من غير ضرورة.

وفي الموطأ: عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض إلا وهي تمشي. وقوله: (فَإِنْ كَانَ في الْمَسْجِدِ) .. إلى آخره، كره مالك في المدونة الصلاة على الجنائز وإن انتهى إليه زحام المصلين عليها، قال فيها: ولا يعود مريضاً معه في المسجد إلا أن يصلي إلى جنبه فلا بأس أن يسلم عليه، ولا يقوم ليعزي ولا ليهني.

والقول بالجواز لعبد الوهاب في المعونة والتلقين. ففي التلقين: ولا يتصدر للإقراء ولا لتدريس العلم ولا يمشي لعيادة مريض أو صلاة على جنازة إلا أن يقرب ذلك من موضعه أو يسأل في قليل من العلم. انتهى بمعناه.

ص: 468

وَيَخْرُجُ لِغُسْلِ جُمُعَتِهِ أَوْ لِجَنَابَةِ اِحْتِلامٍ، وَلا يَنْتَظِرُ غَسْلَ ثَوْبِهِ وَلا تَجْفِيفَهُ، وَلِذَلِكَ اِسْتُحِبَّ أَنْ يُعِدَّ ثَوْباً آخَرَ

كلامه ظاهر التصور، وكلامه منصوص في المدونة، اللخمي: ويختلف ف خروجه لغسل الجمعة قياساً على الاختلاف في خروجه لصلاة العيدين؛ لأن كليهما سنة. وفي المجموعة: لا بأس أن يخرج ليغتسل لحر أصابه.

وَيُكْرَهُ اِشْتِغَالُهُ بِالْعِلْمِ وَكِتَابَتِهِ مَا لَمْ يَخِفَّ

سئل مالك في المدونة أي جلس مجالس العلماء ويكتب العلم؟ فقال: لا يفعل إلا الشيء الحفيف والترك أحب إلي. ابن القاسم في النوادر عن مالك إجازة كتابة الرسالة الخفيفة أو قراءتها إذا احتاج.

قال صاحب المقدمات وصاحب الجواهر: اختلف في العمل الذي يعمل في الاعتكاف؟ فقيل إنه الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله، دون ما سوى ذلك من أعمال البر، وهو مذهب ابن القاسم؛ لأنه لا يجيز للمعتكف عيادة المريض والمدارسة العلم ولا الصلاة على الجنازة وإن كان ذلك كله من أعمال البر.

وقيل: أنه جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب؛ لأنه لا يرى بأساً للمعتكف في مدارسة العلم وعيادة المريض، يريد: في موضع معتكفه، وكذلك الصلاة على الجنائز على مذهبه إذا انتهى إليه زحام الناس.

وقلنا الأعمال المختصة بالآخرة تحرزاً من الحكم بين الناس والإصلاح بينهم. انتهى. قال في الجلاب: ولا بأس أن يقرأ أو يقرئ غيره القرآن.

ص: 469

وَلا يَاخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلا يَحْتَجِمُ وَإِنْ جَمَعَهُ وَأَلْقَاهُ لِحُرْمَةِ المسجِد

هذا ظاهر، قال في المجموعة: ولا يخرج لمداواة [167/ب] علة بعينه وليأته من يعالجه وكره مالك في المدونة أن يخرج من المسجد ويأكل بين يديه، ولكن في المسجد، قال: ولا يأكل ولا يقيل فوق ظهر المسجد.

وَالصَّوْمُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ سَوَاءٌ

أي: أنَّ من شرطه الصيام وليس من شرط الصيام أن يكون له؛ لاعتكافه صلى الله عليه وسلم في رمضان.

فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافاً؛ فَقَوْلانِ

أي: فلو كان الاعتكاف منذوراً فهل يتعين له صوم فلا يجزئ في رمضان؟ أو هو كغيره؟ قولان، والأول لابن الماجشون وسحنون، والثاني لمالك وابن عبد الحكم بناء على أن الصوم ركن فناذر الاعتكاف ناذر لجميع أجزائه، أو شرط فناذر الاعتكاف غير ناذر له لخروجه عن الماهية.

وَلَوْ طَرَأَ مَا يمنع الصوم فَقَطْ دُونَ الْمَسْجِدِ كَالْْمَرِيضِ إِنْ قَدَرَ وَالْحَائِضُ تَخْرُجُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَفِي لُزُومِ الْمَسْجِدِ ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ يَخْرُجَانِ، فَإِذَا صَحَّ وَطَهُرَتْ رَجَعَا تِلْكَ السَّاعَةَ وَإِلا ابتدآ ....

الضمير في (يمنع) عائد على الصوم، أي إذا طرأ مانع يمنع الصوم خاصة دون المكث في المسجد فإنه يخرج، ولم يذكر المصنف فيا لخروج خلافاً، وفيه قولان. واقتصر على الخروج لأنه مذهب المدونة.

وأما الحائض فإنها تخرج اتفاقا، ً وإنما ذكرها المصنف بطريق التبع ليفيد الخلاف فيها، إذ الخلاف فيها وفي المريض بالنسبة إلى العود سواء.

ص: 470

وقوله: (فَفِي لُزُومِ الْمَسْجِدِ) تنبيه على الأقوال، أي ففي لزوم العود إلى المسجد وعدم لزومه. وقوله:(يَخْرُجَانِ) توطئة لذكر الرجوع لا أنه المقصود. وتؤخذ بقية الأقوال من قوله: (رَجَعَا تِلْكَ السَّاعَةَ وِإلا ابتدأ) فالأول يرجعان، وإن لم يرجعا لم يبتدأ. والقول الثاني أنهما لا يرجعان حينئذ بل إلى الليل لفقدان الصوم. وهو قول سحنون، والثالث وهو المشهور يرجعان تلك الساعة وإلا ابتدأ.

واعلم أن هذه المسألة تشكل على الناس؛ لأن غالب عادة المصنف أن القول الثالث يدل على القولين الأولين كما سبق؛ فيلزم على الغالب من عادته من قوله: (ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: يَخْرُجَانِ) أن يكون الأول يخرجان والثاني يمكثان وليس كذلك؛ لأن الحائض لا يمنك بقاؤها في المسجد.

والجواب عن هذه: أنه هنا لم يجر على الغالب من عادته. وقد فعل ذلك في مواضع لا تخفي على من له اشتغال بهذا الكتاب. والحق أن كلامه في هذه المسألة مشكل. والله أعلم.

فرع:

إذا خرج الميض والحائض فهما في حرمة الاعتكاف، وقال ابن القاسم عن مالك في العتبية أنها إذا خرجت للحيضة فلها أن تخرج في حوائجها إلى السوق وتصنع ما أرادت إلا لذة الرجال من قبلة أو جسة ونحوهما.

قال سحنون: لا أعرف هذا بل تكون في بيتها في حرمة الاعتكاف ولا تدخل المسجد.

وَفِي البقاء يَوْمَ الْعِيدِ لِقَضَاءِ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ- قَوْلانِ

كما لو نذر اعتكاف العشر الأواخر ثم مرض بعد دخوله فيه خمسة ثم صح فإنه يقضي بعد العيد الخمسة التي مرضها وهل يلزمه أن يقيم يوم العيد في المسجد؟ قولان؛ وهما معاً في المدونة والمشهور عدم اللزوم؛ قال فيها في المثال المذكور: فإذا صح قبل الفطر

ص: 471

بيوم فليرجع إلى معتكفه فيبني ولا يبيت يوم الفطر في معتكفه ويخرج، فإذا مضى يوم الفطر عاد إلى معتكفه.

وقال ابن نافع عن مالك: يشهد العيد مع الناس ويرجع إلى المسجد ذلك اليوم لا إلى بيته. وعلى المشهور فلو صح المريض ليلة العيد فلا يأتي وكذلك فهم عياض وناقض المسألة بمسألة المريض المتقدمة يصح في بعض يوم، فإن المشهور أنه يرجع، وكذلك الحائض تطهر، ولا فرق، فإن الكل مفرطون، ونحو هذه المناقضة للتونسي.

وأجيب عنها: بأن اليوم الذي طهرت فيه الحائض وصح فيه المريض يصح صومه لغيرهما بخلاف يوم العيد فإنه لا يصح صومه لأحد.

وتقدير كلام المصنف: وفي لزوم المعتكف الذي بقي لقضاء ما بقي عليه.

وفي بعض النسخ (وفي الباقين) بالياء والنون. وفي بعضها: (وفي البقاء) على المصدر.

بِخِلافِ مَا لَوْ تَخَلُّلَ اِبْتِدَاءً عَلَى الأَصَحِّ

هذه مسألة في الجلاب. قال فيه: ولو اعتكف خمساً من رمضان وخمساً من شوال خرج يوم الفطر من المسجد إلى أهله، وعليه حرمة العكوف كما هي، ثم عاد قبل غروب الشمس من يومه. وقال عبد الملك يقيم في المسجد يومه ولا يخرج إلى أهله ويون يومه ذلك كليل أيام الاعتكاف.

وعلى هذا فمخالفة هذا الفرع اللذي قبله إنما هي على كلام المصنف فقط. وإلا فقد ذكرنا أن المشهور فيهما الخروج، وهذا أولى من قول ابن عبد السلام وابن هارون: معناه، أن الأصح في المذهب الفرق بين أن يتخلل المرض في أثناء الاعتكاف بعد مضي يوم فأكثر، وبين أن يتخلل قبل الدخول فيه، فالأول يجب عليه قضاء أيام المرض والثاني لا قضاء عليه. قاله ابن عبدوس وتأوله ابن أبي زيد على النذر المعين. انتهى باختصار.

ص: 472

فإن كلامهما غير منطبق على كلام المصنف، إذ لا يقال: تخلل لما كان في الابتداء ولأن الكلام في لزوم المسجد لا في القضاء، لكن في كلام المصنف على ما ذكرناه أولاً نظر، لأن مسألة ابن الجلاب مقيدة بالنذر، وذلك [168/أ] لا يؤخذ من كلام المصنف، ذكر ذلك عبد الحق في تهذيبه، قال: وإذا اعتكف في خمس بقين من رمضان نواها مع خمسٍ من شوال أو دخل في غيره ينوي عكوف عشرة أيام على أن يفطر منها بعد خمسة أيام يوماً هذه نيته، فإننا ننهاه عن ذلك قبل الدخول فيه، فإذا دخل لم يلزمه إلا الخمسة الأولى ولا تلزمه الأيام التي بعد فطره، أبو محمد: إلا أن يكون نذرها بلسانه.

وَعَلَى اللُّزُومِ فَفِي خُرُوجِهِ لِلْعِيدِ قَوْلانِ

الخروج لمالك كغسل الجمعة، وعدمه لسحنون كصلاة الجنازة وهو أقيس، لأن مكثه واجب وصلاة العيد سنة.

وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ، مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهمَا مُفْسِدَةٌ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً، وَلَوْ كَانَتْ حَائِضاً وَلا بَاس أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ فِي مَجْلِسِهِ، وَبِالطِّيبِ ......

قوله: (مَفْسَدَةً) أي عمداً أو سهواً أو غلبة. وقوله: (ولَو كانت حائضاً) ظاهر، ونص عليه في المدونة. وقوله:(وَلا بَاس أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ) قيده في المدونة بأن يغشاه في مجلسه وهو مقيد أيضاً بأن لا يطول التشاغل به، وسواء كان زوجاً أوولياً.

والفرق بينه وبين المحرم أن المعتكف عنده وازع وهو الصوم والمسجد؛ ولأن الحج عبادة شاقة فاحتيط لها، ولأن الحج مسافر، فالغالب بعده على الأهل وذلك مظنة التذكر المؤدي إلى الفساد بخلاف المعتكف.

ابن وهب عن مالك: ولا يكره للمعتكفة أن تتزين وتلبس الحي. وذكر حمديس أنها لا تتطيب، وفي المجموعة خلافه.

ص: 473

وَيَجِبُ الاسْتٍئْنَافُ لِجَمِيعِهِ بِالْمُفْسدِ عَمْداً وَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِغَيْرِهِ وَالْبِنَاءُ

يعني: أن مفسد الاعتكاف إذا فعل على سبيل العمد مبطل لجميع الاعتكاف لأنه لما كانت سنة التتابع تنزل بذلك منزلة العبادة الواحدة، فذلك يفسد كله بفساد جزئه.

قوله: (وبِغَيْرِهِ) أي فإن لم يكن عمداً، بل كان سهواً أو غلبة فإنه يجب القضاء متصلاً بآخره. وظاهر كلامه أن القبلة والمباشرة بل والوطء سهواً مما يقضي فيه ويبني، وليس كذلك؛ ففي المدونة: إن جامع في ليله أو نهاره ناسياً أو قبل أو باشر أو لامس فسد اعتكافه وابتدأه. وأما إن أفطر لمرض فإما أن يكون في نذر أو نفل. قال في المقدمات: والنذر في الاعتكاف على وجهين: أحدهما أن ينذر اعتكاف أيام بأعيانها، والثاني: أن ينذر أياماً بغير أعيانها، فالأول لا يخلو أن تكون من رمضان أو من غيره، فإن كانت من رمضان، فعليه قضاؤها إن مرضها كلها لوجب قضاء الصوم عليه. وإن مرض بعضها قضى ما مرض منها، ووصله، فإن لم يصل، استأنف، سواء كان مرضه من أولها قبل دخوله فيها أو لا.

وكذلك إن أفطر ساهياً، وأما إن أفطر فيها متعمداً من غير عذر فعليه استئناف الاعتكاف مع الكفارة لفطره في رمضان. وإن كانت من غير رمضان فمرضها كلها أو بعضها فثلاثة أقوال: أحدها: عليه القضاء مطلقاً على رواية ابن وهب في الصوم، الثاني نفى القضاء مطلقاً؛ وهو مذهب سحنون. والثالث: التفرقة بين أن يمرض قبل دخوله في الاعتكاف فلا يلزمه قضاء وبين أن يمرض بعد دخوله فيلزمه؛ وهو مذهب ابن القاسم في المدونة على تأويل ابن عبدوس.

واختلف إذا أفطر فيه ساهياً على قولين، أحدهما: لا قضاء عليه وهو مذهب سحنون، والثاني: عليه القضاء بشرط الاتصال، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.

ص: 474

وأما الوجه الثاني وهو أن ينذر أياماً بغير أعيانها فيقضي ما مرض منها أو أفطر ساهياً يصل ذلك باعتكافه. ولا خلاف في هذا، وإن أفطر فيه متعمداً أفسده ووجب عليه قضاؤه لوجوبه عليه بالدخول فيه، انتهى باختصار.

وإن كان الاعتكاف تطوعاً فإن أفطر فيه بمرض أو حيض فلا قضاء عليه، وإن أفطر ناسياً قال عبد الملك: عليه القضاء. وهذا ظاهر المدونة؛ لقوله: من أكل يوماً من اعتكافه ناسياً يقضي يوماً مكانه، فعمم. وكذلك قال بعضهم: إن مذهب المدونة القضاء مطلقاً، وحمل بعضهم المدونة على النذر المعين وأما التطوع فلا يقضي فيه بالنسيان. وهو قول عبد الملك أيضاً وابن حبيب وهو أصح. وانظر: ما الفرق على الأول بين الاعتكاف والصوم؟

تنبيه:

قال ابن رشد على ما تأول عليه ابن عبدوس إشارة إلى مسألة المدونة التي قال فيها: فيمن نذر اعتكاف شعبان فمرضه فلا شيء عليه، وإن نذرته امرأة فحاضت فيه، فإنها تصل القضاء بما اعتكفته قبل ذلك، ففرق بينهما ابن عبدوس بما ذكره عنه. واختاره ابن أبي زمنين وقال بعضهم: إنما قال في الحائض تقضي بناء على قوله في ناذر ذي الحجة أنه يلزمه قضاء أيام الذبح وكذلك ظاهر قول سحنون، وحمل المسالة على الخلاف لقوله بعد ذلك: وهذه مختلطة والله أعلم.

وَلا يُسْقِطُهُ الاشْتِرَاطُ

الضمير عائد على القضاء أي إذا اشترط المعتكف أولاً [168/ب] أنه إن حدثت له ضرورة توجب القضاء فلا قضاء، لمي فده ذلك. قال في الموطأ: وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام والحج فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل بما مضى من السنّة وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون.

ص: 475

وحكى عن ابن القصار انه قال: إن اشترط في الاعتكاف ما يغير سنته فلا يلزمه الاعتكاف والأول هو المعروف.

وَيَبْنِي مِنْ خَرَجَ لِتَعَيُّنِ جِهَادٍ أَوْ مُحَاكَمَةٍ عَلَى الأَصَحِّ وَإِلَيْهِ رَجَعَ

أي: أن المعتكف في الثغور إذا نزل العدو فخرج ليقاتل أو عينه الإمام أو أخرجه الحاكم مطلقاً لإقامة حد عليه أو غيره، هل يبني – وإليه رجع مالك – أو يبتدئ؟ قولان، وهما في المدونة.

ابن هارون: وفي كلام المصنف إيهام أن مالكاً رجع في المسألتين وإنما تكلم في المدونة على مسألة الجهاد فقط.

فرع:

قال فيها: ولا ينبغي للحاكم إخراجه لخصومة أو غيرها حتى يتم اعتكافه إلا أن يتبين له أنه إنما اعتكف لوزا أو فراراً من الحقوق فيرى فيه رأيه.

وَمَنْ أَخَّرَ لْبِنَاءَ بَعْدَ ذَهَابِ عُذْرِهِ ابْتَدَأَ عَلَى الأصح

يعني: أن من كان حكمه البناء تركه فذلك يتنزل منزلة من قطع اعتكافه اختياراً. والله أعلم.

وَما اِخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ اِخْتُلِفَ فِي الاسْتِئْنَافِ، وَما اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ صِيَامِهِ اِخْتُلِف فِي قَضَائِهِ ..

حاصله أنه جعل الاستئناف هنا كالكفارة في رمضان والقضاء هنا كالقضاء في رمضان، فإن وجبت الكفارة باتفاق وجب استئناف الاعتكاف باتفاق. وإن اختلف فيها، فيختلف هنا في الاستئناف وكذلك القضاء. وليس ذلك صحيحاً؛ لأن المشهور سقوط الكفارة عن المجامع ناسياً والمكرهة ولا خلاف في وجوب الاستئناف.

ص: 476

عياض: وأما تقبيلها واللمس بها مكرهة فيجب أن يراعي وجود اللذة منها وإلا فلا شيء عليها. وأيضاً فإن الإنعاظ الناشئ عن القبلة والمباشرة والمذي فمختلف في قضاء الصوم فيهما ولاخلاف في وجوب قضاء الاعتكاف بهما.

وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ، وَقِيلَ: وَلَيْلَةٌ، وأكمله عَشَرَةٌ، وَفِي كَرَاهَةِ مَا دُونَهَا قَوْلانِ

أما القولان الأولان فلعلهما مبنيان على أنه هل يجب استيعاب الليلة بالاعتكاف أم لا؟ وقوله: (وأكمله عَشَرَةٌ) نحوه لابن حبيب واللخمي. ولفظ اللخمي: أكثره.

ابن حبيب: أعلاه. وعلى هذا فاعتكاف الزائد خلاف الأولى؛ لأنه ليس وراء الأكمل فضيلة تطلب، ونقل عن بعضهم كراهة الزيادة، وظاهر كلام صاحب الرسالة خلافه لقوله: وأقل ما وهو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام.

وفي الجلاب: والاختيار أن لا يعتكف المرء أقل من عشرة أيام.

قوله: (وفِي كَرَاهَةِ مَا دُونَهَا) قال في المقدمات: قال ابن القاسم: أقل الاعتكاف عشرة أيام، وذلك رأيي أن لا ينقص عن عشرة أيام؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينقص منها. ولكن إن نذر من ذلك لزمه.

وسئل مالك في "التعبية" عن الاعتكاف في يوم أو يومين، فقال: ما أعرف هذا من اعتكاف الناس. قال ابن القاسم: وسئل عنه قبل ذلك فقال: لم أر به بأسا. وأنا لست أرى به بأسا؛ لأن الحديث قد جاء: أدنى الاعتكاف يوم وليلة، ولم أر من صرح بالكراهة فيما دون العشرة. نعم قد يؤخذ من قول مالك أن أقله عشرة، ومما قاله أيضاً في "العتبية".

التلمساني: قال الأبهري: لا بأس أن يعتكف الإنسان عشرة أيام أو أقل أو أكثر.

وَمَنْ نَذَرَ اِعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لزمه يومها، فَقِيلَ: تَبْطُلُ

الأول هو المشهور، وهو مذهب المدونة، والبطلان لسحنون؛ ولعل سبب الخلاف هل هو ناذر له بغير شرطه فيبطل؟ أو الأصل في الكلام الإعمال دون الإهمال؟

ص: 477

وَيَجِبُ تَتَابُعُهُ فِي الْمُطْلَقِ

أي: إذا نوى التتابع أو عدمه فعلى ما نوى، وإن لم ينو شيئاً لزمه التتابع لأنه سنة.

وَمَنْ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ اعَتَدَّ بِيَوْمِهِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ لا يُعْتَدُّ بِهِ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلانِ

[169/أ] أي أن من دخل معتكفه قبل غروب الشمس اعتد بصبيحة تلك الليلة اتفاقاً، اختلف إذا دخل بينهما فالمشهور الاعتداد. وقال سحنون: لا يعتد به وحمل بعضهم قول سحنون على أنه ليس بخلاف، وأن المشهور محمول على النذر. وقول سحنون محمول على التطوع. ابن رشد: والظاهر أنه خلاف.

ابن راشد وابن هارون: وظاهر كلامه أن الخلاف جار ولودخل بقرب غروب الشمس.

وظاهر الرواية أن الخلاف لا يدخل هذه وإنما محله إذا دخل قبل طلوع الفجر.

وانظر ما قاله الأصحاب هنا مع ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه.

وَإذَا دَخَلَ وَنَوَى وَجَبَ الْمَنْوِيُّ بِخِلافِ الجُوَار، لا يَجِبُ إِلا بِاللَّفْظِ كَالنَّذْرِ لجوار مَكَّةَ أَوْ مَسْجِدٍ فِي بَلَدٍ سَاكِنٍ هُوَ فِيهِ ....

أما قوله إذا دخل ونوى وجب المنوي فظاهر، وهو من ثمرة وجوب التتابع، لأن ذلك يصيره بمنزلة العبادة الواحدة. وأما الجوار فلا شك أن الجوار المنذور باللفظ واجب لأنه طاعة. وأما عقده بالقلب، فذلك جار على الخلاف في انعقاد اليمين بالقلب.

وأما إن لم يكن إلا مجرد النية، فإن نوى يوماً أو أياماً لم يلزمه ما بعد الأول، وهل يلزمه اليوم المنفرد أو اليوم الأول فيما إذا نوى أياماً بالدخول فيها؟

حمل ابن يونس على المدونة اللزوم، قال: وكذلك إن دخل في اليوم الثاني لزمه، وقال أبو عمران: لايلزمه هذا الجوار وإن دخل فيه، إذ لا صوم فيه، لأنه إنما نوى أن يذكر الله

ص: 478

والذكر يتبعض، فما ذكر يصح أن يكون عبادة، وكذلك لو نوى قراءة معلومة فلا يلزمه جميع ما نوى؛ لأن ما قرأ منه يثاب عليه، بخلاف صوم اليوم الواحد الذي لا يتبعض، قال في المقدمات: وقوله أظهر. والجوار بضم الجيم: المجاورة.

ابن رشد وعياض: وهو على قسمين: جوار مطلق وهو كالاعتكاف سواء في لزوم الصوم وغيره، ومقيد، وهو الذي ذكره في المدونة بقوله: والجوار كالاعتكاف إلا من جاور بمكة نهاراً وينقلب من الليل إلى أهله فلا يصوم فيه، ولا يلزمه بدخول ونية حتى ينذره بلفظه.

وَمَنْ نَذَرَ اِعْتِكَافاً بِمَسْجِدِ الْفُسْطَاطِ فَلْيَعْتَكِفْ بِمَوْضِعِهِ بِخِلافِ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وإيلياء .....

هذه المسألة وقعت هنا في بعض النسخ، ومعناها أن من نذر أن يعتكف بمسجد مصر وهو في موضع آخر، فليعتكف موضعه. بخلاف ما لو نذر الاعتكاف في أحد المساجد الثلاثة لقوله عليه الصلاة والسلام:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد".

فرع:

قال في المدونة: ومن نذر أن يصوم بساحل من السواحل بموضع يتقرب بإتيانه كمكة والمدينة لزمه الصوم بذلك الموضع، وإن كان من أهل مكة وإيلياء، قال في المستخرجة: ولو نذر مثل ذلك بمثل العراق وشبهها صام مكانه.

ابن يونس: ولو نذر اعتكافاً بساحل من السواحل اعتكف بموضعه بخلاف الصوم، لأن الصوم لا يمنعه من الحرس والجهاد والاعتكاف يمنعه من ذلك، فاعتكافه بموضعه أفضل.

ابن راشد: سؤال: إذا نذر أن يتصدق بهذا الدرهم المعين لم يجز له أن يمسكه ويتصدق بمثله، ولو أراد أن يمسكه ويخرج عنه ديناراً لم يجز، وها هنا إذا نذر أن يعتكف بمسجد الفسطاط اعتكف بمسجد موضعه، وإن كان بمكة اعتكف بمسجدها لأنه أتى بالأفضل- وأجاز مالك له أن يأتي بالمثل الأفضل – وفي مسألة الدرهم لم يجز له ذلك؟!

ص: 479

والجامع بينهما أن خصوص الدرهم لا يتعلق به غرض للفقراء، والحاصل لهم بالمعين حاصل لهم بغيره كما أن خصوص هذا المسجد لا اعتبار به، فإذا أتى بمثل ما نذره أو أفضل منه جاز، وهذا السؤال كثيراً ما أورده علي الفضلاء ولم يتحرر لي جواب أرضاه، فتأمله انتهى.

وَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهِ جَازَ الْخُرُوجُ

هذا ظاهر ولا أعلم فيه خلافاً، إلا ما اختاره اللخمي، وحكاه بعضهم عن ابن لبابة من مكثه ليلة آخره، لقول أبي سعيد فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبيحتها من اعتكافه.

وَفِي خُرُوجِهِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ قَوْلانِ، وَعَلَى الْمَنْعِ فِي فَسَادِهِ بِالْخُرُوجِ أَوْ بِمَا يُضَادُّ الاعْتِكَافَ قَوْلانِ .....

المشهور أن يقيم لفعله عليه الصلاة والسلام، وعليه فقال ابن القاسم: ليس بواجب خلافاً لابن الماجشون فإنه رآه واجباً وأبطل الاعتكاف بخروجه أو بفعله ما يضاد الاعتكاف.

ولعل منشأ الخلاف اختلاف الأصولين في فعله عليه الصلاة والسالم هل هو محمول على الوجوب أوعلى الندب؟ [169/ب]

وَأَفْضَلُهُ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَاِخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخامسَةِ"، فَقِيلَ بِظاهِرِهِ، وَالْمَنْصُوصَ: لِتِسْعٍ بَقِينَ أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ ....

لا خفاء في أفضلية العشر الأواخر لمواظبته عليه الصلاة والسلام عليها، ويشهد للمنصوص ما في مسلم عن أبي سعيد الخدري لما سئل عن معنى الخامسة والسابعة والتاسعة، قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنان وعشرون، فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها اثنان وعشرون، فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها أربعة وعشرون فهي السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون التي تليها هي الخامسة. وخرج البخاري نحو ذلك مرفوعاً من

ص: 480

حديث ابن عباس والحديثان المذكوران مبنيان على أن الشهر ناقص، وكأنه اعتبر المحقق وألغى المشكوك.

وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ أَوْ فِي جَمِيع الشَّهْرِ في جميع السنة أَوْ كَانَتْ وَرُفِعَتْ ضَعِيفٌ ....

لا شك في ضعف الأخير.

ابن هارون: وأما الأول فليس بضعيف كما تقدم في العشر الأواخر. قال المؤلف: بل هو الصحيح عند الجمهور، أنها تدور في العشر الأواخر؛ لأن الأحاديث في هذا الباب صحيحة ولا يمكن الجمع بينها إلا على ذلك انتهى.

وقد اختلف في ليلة القدر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها في ليلة بعينها لا تنتقل عنها إلا أنها غير معروفة ليجتهد في طلبها، ليكون ذلك سبباً في طلبها لاستكثار فعل الخير. وافتقر الذين ذهبوا إلى هذا على أربعة أقوال، أحدها: أنها في العام كله، والثاني: أنها في شهر رمضان، والثالث: أنها في العشر الأواسط وفي العشر الأواخر. والرابع: أنها في العشر الأواخر.

والقول الثاني أنها في ليلة بعينها لا تنتقل عنها معروفة، واختلف القائلون بهذا القول على أربعة أقوال: أحدها أنها في ليلة إحدى وعشرين على حديث أبي سعيد.

والثاني: أنها في ليلة ثلاث وعشرين على حديث عبد الله بن أنيس الجهني.

والثالث: أنها ليلة سبع وعشرين على حديث أبي بن كعب وحديث معاوية؛ وهي كلها أحاديث صحاح.

والرابع: أنها ليلة ثلاث وعشرين أو ليلة سبع وعشرين. والقول الثالث أنها ليست في ليلة بعينها وأنها تنتقل في الأعوام، وليست مختصة بالعشر الأواخر. والغالب أن تكون في العشر الأواسط والعشر الأواخر. والغالب من ذلك أن تكون في العشر الأواخر، وإلى هذا ذهب مالك رحمه الله والشافعي واحمد وأكثر أهل العلم وهو أصح الأقوال. قاله في المقدمات.

ص: 481

الْحَجُّ وَاجِبٌ مَرَّةً، وَفِي الْفَوْرِ أَوْ تَوَسِعَتِهِ إِلَى خَوْفِ الْفَوَاتِ قَوْلانِ

أما وجوبه فلا إشكال فيه. قال القرافي في ذخيرته وابن بزيزة ومُصَنَّف الإرشاد في عمدته: والمشهور الفور. وقال ابن الفاكهاني في باب الأقضية من شرح الرسالة: والمشهور التراخي، وبالجملة فالعراقيون نقلوا عن مالك الفور، ويرون أنه المذهب. والباجي وابن رشد والتلمساني وغيرهم من المغاربة يرون أن المذهب الترخي أخذاً له من مسألة الزوجة والأبوين، وذلك لأن أشهب روى عن مالك أنه سئل عمن حلف على زوجته ألا تخرج فأرادت الحج وهي ضرورة، أنه يقضي عليه بذلك، قال: ولكن لا أدري ما تعجيل الحنث ها هنا حلف أمس، فتقول هي: أنا أحج اليوم، ولعله يؤخر ذلك سنة. وفي كتاب ابن عبد الحكم: أنه يؤخر ذلك سنة. قالوا: ولو كان ذلك على الفور ما شك في تعجيل الحنث، وأجيب بأن مالك فهم عنها قصد إضرار؛ لقوله حلف أمس، وتقول هي: أحج اليوم، وإذا تأملت ذلك وجدت دلالته على الفور أقرب. وأشار المصنف إلى مسألة الأبوين بقوله:

وَعُمْدَةُ الْمُوسِّعِ طَوْعُ الأَبَوَيْنِ، وَلا يَقْوَى لِوُجُوبِهِ أَيْضاً

أي: وعمدة القائل بالتراخي ما وقع لمالك من رواية ابن نافع أن الولد لا يعجل على والديه في الفريضة، وليستأذنهما العام والعام القابل، فإن أبيا فليخرج، ولو كان على الفور لعجل عليهما؛ لأن التراخي معصية ولا طاعة للأبوين في المعصية.

والجواب من وجهين:

أحدهما: أن هذا معارض بمثله، فقد نقل في النوادر رواية أخرى بالإعجال عليهما، ونص ما ذكره: قال مالك: ولا يحج بغير إذن أبوه إلا حجة الفريضة، فليخرج ويدعهما، وإن قدر أن يراضيهما حتى يأذنا له فعل، وإن نذر حجة لا يكابرهما ولينظر إذنهما عاماً بعد

ص: 482

عام ولا يعجل، فإن أبيا فليحج، ومن توجه حاجاً بغير إذن والديه، فإن بعد وبلغ مثل المدينة فليتمادى. انتهى. ثم ذكر رواية ابن نافع عن النص المتقدم.

الثاني: وهو ما ذكره المصنف: أن طاعة الأبوين لما كانت واجبة على الفور بالاتفاق وكان الحج مختلفاً في فوريته قدم المتفق على فوريته. ولا يلزم من التأخير لواجب [170/أ] أقوى منه أن يكون الفور غير واجب.

خليل: والظاهر قول من شهر الفور. وفي كلام المصنف ميل إليه؛ لكونه ضَّعَفَ حُجَةَ التراخي؛ لأن القول بالفور نقله العراقيون عن مالك، والتراخي إنما أخذ من مسائل، وليس الأخذ منها بقوي، وعلى التراخي فهو مقيد بخوف الفوات كما قال المصنف، وهو ستون سنة، قاله سحنون، زاد: ويفسق وترد شهادته. ومنهم من أشار إلى أن ذلك مغياً بظن العجز، وذلك ربما اختلف باختلاف الناس بكثرة المرض وقِلَتِهِ. قال في المقدمات: ولا أعلم أحداً قال يفسق وترد شهادته غير سحنون.

وَيَجِبُ بِالإِسْلامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ وَالاسْتِطَاعَةِ

كلامه ظاهر. وذكرُ الإسلام من شرائط الوجوب مبني على أن الكفار غير مخاطبون بفروع الشريعة. قال في الذخيرة: والمشهور الخطاب.

وَالْمُعْتَبَرُ الأَمْنُ وَالإِمْكَانُ غَيْرُ الْمُضِرِّ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ

أي: والمعتبر في الاستطاعة وحصولها الأمن على نفسه وماله، وإمكان السير بغير مشقة فادحة تلحقه في باطنه أو ظاهره؛ بأن يحتاج إلى السؤال ولا عادة له به، أو إلى المشيء أو ركوب المُقَتَّبُ، ولا يقدر على ذلك إلا بمشقة عظيمة، ولا يعتبر مطلق المشقة وإلا سقط الحج عن أكثر المستطيعين.

ص: 483

ونقل عبد الحق عن بعض شيوخه: أنه يعتبر في الاستطاعة وجود الماء في كل منهل؛ لأنه لو كُلِّفَ بنقل الماء لشَقَ عليه ذلك.

وهل المعتبر ما يوصل فقط أو يرجع؟ نص عليه اللخمي- وهو ظاهر الرسالة-: أن المعتبر ما يوصل فقط. اللخمي: إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه، فيراعي ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع مما يمكنه التمعش فيه.

ونقل ابن المعلي عن بعض المتأخرين من أصحابنا اعتبار الذهاب والرجوع، وهو الذي قاله التلمساني؛ لأنه قال: إن قلنا إنه على التراخي اعتبر ما ينفقه ذاهباً وراجعاً وما ينفقه على الأقارب والزوجة، وإن قلنا إنه على الفور لم يعتبر ما ينفقه على الزوجة والأقارب، وهو مذهب الشافعي، وهو أظهر، إذ على الإنسان حرج عظيم في إلزامه المقام بغير بلده.

فَلِذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِاِخْتِلافِ الأَشْخَاصِ وَالْمَسَافَاتِ، فَيَلْزَمُ الْقَادِرَ عَلَى الْمَشْيِ بِغَيْرِ رَاحِلَةٍ، والأَعْمَى بِقَائِدٍ مِثْلِهِ

أي: ولأجل أن المعتبر في الاستطاعة الإمكان غير المضر يختلف الحال باختلاف أحوال الناس فليس من لا يقدر على المشي ولا يكفيه القليل من المال كغيره، وليس القريب كالبعيد، ولا زمان الخصب كزمان الجدب؛ ولهذا جعل اللخمي الاستطاعة على أربعة أقسام: فإن لم تكن له صناعة في سفره، ولا قدرة له على المشي، اعتبر في حقه الزاد والراحلة، وإن كانت له صناعة يعيش بها في سفره وهو قادر على المشي لم يعتبر في حقه، وباقي التفسير واضح.

وقوله: (والأَعْمَى بقَائِدٍ مِثْلِهِ) أي: والأعمى إذا كان قادراً على المشي ووجد من يقوده مثل البصير في الوجوب، ولا إشكال في هذا.

ص: 484

فرع:

قال مالك: إن الركوب لمن قدر عليه أفضل من المشي. الأبهري: لحجه صلى الله عليه وسلم راكباً؛ ولأنه أمكن ي أداء ما يلزمه من الفرائض؛ لأنه أقرب إلى الشكر والرضي، والمشي أقرب إلى العجز، ولما فيه من زيادة النقة المضاعف ثوابها.

وقال اللخمي وغيره من المتأخرين: المشي أفضل.

وَفِي السّائِلِ إِنْ كَانَتِ الْعَادَةَ إِعْطَاؤُهُ قَوْلانِ

قوله: (وَفِي السَّائِلِ) أي: إن كانت عادته السؤال، واحترز به مما لم تكن عادته السؤال وهو لا يقدر على الوصول إلا بالسؤال. ففي البيان أنه لا خلاف أنه لا يجب عليه. واختلف هل يباح له أو يكره؟ والأول رواه ابن عبد الحكم، والثاني: رواه ابن القاسم.

واحترز بقوله: (إِنْ كَانَتِ الْعَادَةَ إِعْطَاؤُهُ) مما لو كانت العادة عدم الإعطاء، فلا يلزمه حينئذ بالاتفاق.

وقوله: (قَوْلانِ) هما روايتان، وروى ابن القاسم السقوط وزاد فيها الكراهة، وهو ظاهر المذهب وأظهر من جهة المعنى، وروى ابن وهب الوجوب.

وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ

هذا مقابل قوله أولاً: (من غير تحديد) وهذا قول سحنون وابن حبيب. قال في الجواهر: وتؤول على من بعدت داره. ودليله ما رواه أبو داود والترمذي: أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الاستطاعة، فقال:"هي الزاد والراحلة". الترمذي: وتكلم بعض أهل العلم في راويه من قبل حفظه، وأجيب عنه أيضاً بأنه خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو لأنه فهم عن السائل أنه لا قدرة له إلا بذلك.

ص: 485

[170/ب] وقد سئل مالك، هل الاستطاعة الزاد والراحلة؟ فقال: لا، والله واحد يجد زاداً وراحلة ولا يقدر، وآخر يقدر أن يمشي راجلاً، ورب صغير أجلد من كبير ولا صيغة في هذا أبين مما قال الله تعالى:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97].

وَلا يُعْتَبَرُ بَقَاؤُهُ فَقِيراً، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى ضِيَاعِهِ أَوْ ضَيَاعٍ مَنْ يَقُوتُ

يعني: إذا كان معه ما يكفيه لسفره لكنه إن سار بقي فقيراً- لا شيء له ولا لأهله- فالمشهور الوجوب من غير نظر إلى ما يؤول أمره إليه، وأمر أهله؛ لأنه يصدق عليه أنه مستطيع، وهذا قول ابن القاسم في العتبية؛ لأنه سئل عن الرجل تكون له القرية ليس له غيرها، أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده في الصدقة؟ قال: نعم ذلك عليه. وقيده في البيان بأن لا يخشى عليهم الهلاك، وأما لو خشي عليهم لقَدَّمَهُم قال: وهذا على أنه على الفور، وأما على التراخي، فلا شك في تقديم الولد. والشاذ أنه لا يلزمه للحرج، ولقوله عليه الصلاة والسلام:"كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت".

وذكر في البيان: أنه اختلف في الإنسان ليس عنده إلا ما يحج به أو يعطيه لزوجته نفقة، وإن خرج ولم يترك لها نفقة طلقت نفسها على قولين: فإن قلنا الحج على التراخي اعتبر ما ينفقه عليها. وإن قلنا على الفور كان أولى من النفقة؛ لأن نفقة الزوجة لم تتعين، فإن شاءت صبرت وإن شاءت فارقت، وكذلك ذكر التلمساني في الأقارب.

وسئل مالك- رحمه الله – عن الرجل العزب لا يكون عنده إلا ما يتزوج به أو يحج؟ قال: يحج. ولا شك في هذا القول بأنه على الفور.

ابن رشد: وعلى التراخي فالحج أولى، إن تزوج لم يفسخ وكان آثماً على الفور. وهذا كله ما لم يخش العنت، وإن خشي تزوج، قاله مالك في السليمانية. ولا يجوز أن يتزوج الأمة ليوفر المال للحج لوجود الطول.

ص: 486

وَيُعْتَبَرُ الأَمْنُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَفِي سُقُوطِهِ بِغَيْرِ الْمُجْحِفِ قَوْلانِ

لما ذَكر أن الاستطاعة هي الأمن والإمكان، وتكلم على الإمكان، أخذ يتكلم على الأمن فقال: ويعتبر الأمن على النفس ولا شك في ذلك. وأما المال فإن كان من لصوص فكذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى ضياع النفس من غير فائدة وإن كان من صاحب مكس، فإن كان ما يأخذه غير معين أو معيناً مجحفاً سقط الوجوب، وفي غير المجحف قولان، أظهرهما عدم السقوط وهو قول الأبهري، واختاره ابن العربي وغيره، والآخر حكاه ابن القصار عن بعض الأصحاب، وفي شرح الرسالة لأبي محمد عبد الصادق: وإن كان مع الرجل زاد وراحلة إلا أنه لا يستطيع من لصوص قال مالك: هو عذر بين، ثم رجع بعدما أفتى به زماناً، وقال: الحذر لا ينجي من القدر، ويجب عليه. ابن المواز: لم يقل ذلك مالك إلا في مدينة الرسول عليه السلام، وأما غيرها من الأمصار فهو مخير ن شاء أجاب أو ترك. انتهى باختصار.

ابن عبد السلام: وقد تقدم أنه لا يعتبر بقاؤه فقيراً، وأنه يبيع عروضه، وأنه يترك ولده ي الصدقة، وذلك أنه لا يراعي ما يجحف فضلاً عما لا يجحف.

خليل: وقد يفرق بأن في الإعطاء هنا إعانة للظالم على ظلمه وبغيه.

وَإذاً تَعَيَّنَ الْبَحْرُ وَجَبَ، إِلا أَنْ يَغْلِبَ الْعَطَبُ أَوْ يَعْلَمَ تَعْطِيلَ الصَّلاةِ بِمَيْدٍ أَوْ ضِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَرْكَبْهُ أَيَرْكَبُ حَيْثُ لا يُصَلِّي؟! وَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ

يعني: تعيين البحر، إما أن يكون في جزيرة كأهل الأندلس، وإما لتعذر السير في البر لخوف أو غيره. الباجي: وظاهر المذهب وجوبه على من لا سبيل له. وقال القاضي أبو الحسن: إن كان بحراً مأموناً يكثر سلوكه للتجارة وغيرها، فإنه لا يسقط فرض الحج،

ص: 487

وإن كان بحراً مخوفاً تندر فيه السلامة ولا يكثر ركوب الناس له، فإن ذلك يسقط فرض الحج. وقد روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة: أنه كره الحج في البحر إلا لمثل أهل الأندلس الذين لا يجدون طيقاً غيره، واستدل على ذلك بقوله تعالى:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 37]. ولم يذكر البحر.

سحنون: ولما يلحق الناس فيه من تضييع كثير من أحكام الصلاة. وفي البيان: وقد قيل: إن فرض الحج ساقط عمن لا يقدر على الوصول إلى مكة إلا في البحر؛ لقوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ

} الآية. وهو قول شاذ ودليل ضعيف؛ لأن مكة ليست داخلة في نفس البحر، فلا يصل إليها أحد إلا راكباً أو راجلاً، ركب البحر ي طريقه أو لم يركب.

وقوله: (إِلا أَنْ يَغْلِبَ الْعَطَبُ

إلخ) أي فيحرم ركوبه إذا عرض الخوف على النفس أو المال. ومال الباجي إلى ركوبه وإن أدى ذلك إلى تضييع بعض أحكام الصالة، لما وقع الاتفاق عليه من ركوبه في الجهاد. وفُرِّقَ بأن المراد من الجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا [171/أ] والقيام بها أشرف من القيام بالصلاة؛ لأن عدم القيام بالتوحيد كفر. وعدم القيام بالصلاة ليس بكفر على المعروف. ويضدها تتبين الأشياء، والحج مع الصلاة بالعكس؛ إذ هي أفضل. وما ذكره الباجي في الجهاد فهو محمول- والله أعلم- على ما تعين منه، وأما إذا لم يتعين فبعيد أن يقال بركوبه إن أدى إلى تضييع بعض أحكام الصالة.

وَالْمَرأَةُ كَالرَّجُلِ

أي: فيما تقدم إلا ما سيذكره.

ص: 488

وَزِيادَةِ اِسْتِصْحابِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، فَإِنْ أَبَى أَوْ لَمْ يَكُنْ فَرُفْقَةٌ مَامُونَةٌ نَسَاءٌ أَوْ رِجَالٌ تَقُومُ مَقَامَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ

للحديث الصحيح:"لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم". وروى: "لا يحل لامرأة". وروى: "فوق ثلاث".وروى: "مسيرة ثلاث". وروى:"يومين". وروي: "مسيرة ليلة". وروى: "مسيرة يوم". وروى: "بريداً". وقد حملوا هذا الاختلاف على حسب اختلاف السائلين واختلاف المواطن، فإن ذلك معلق بأقل ما يقع عليه اسم السفر.

وقوله: (لامرأة) نكرة في سياق النفي فتعم، وهو قول الجمهور. وقال بعض أصحابنا: تخرج منه المُتجالَّة؛ لأنها كالرجل. ورد بأن الخلوة بها ممنوعة. وقاس العلماء الزوج على المحرم بطريق أولى. والمحرم يشمل النسب والصهر والرضاع، لكن كره مالك سرها مع ربيبها، إما لفساد الزمان، أو لضعف مدرك التحريم عند بعضهم – وعلى هذا يلحق به محارم الصهر والرضاع – وإما لما بينهما من العداوة فسفرها معه تعريض لضيعتها، وهذا هو الظاهر. وقد صرح ابن الجلاب وصاحب التلقين بجواز سفر المرأة مع محرمها من الرضاع في باب الرضاع.

وقوله: (فَإِنْ أَبَى) أي: الزوج أو المحرم. (أَوْ لَمْ يَكُنْ) أي: أحدهما. (فَرُفْقَةً مَامُونَةً) ابن بشير وابن بزيزة: وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: قيل: لا تسافر إلا بأحدهما للحديث، كانت ضرورة أو لا. وقيل: تسافر م الرفقة مطلقاً، والمشهور تسافر في الفريضة خاصة. ابن حبيب: وسواء كانت شابة أو عجوزاً. وقد نقل صاحب الإكمال الاتفاق على المنع في غير الفريضة، ونقل عن الشيوخ اختلافاً في فهم قول مالك: تخرج مع رجال ونساء. هل معناه أنها لا تخرج إلا بهما، أم في جماعة من أحد الجنسين؟ قال: وأكثر ما نقله اصحابنا عنه اشتراط النساء قال: وقد قال ابن عبد الحكم: لا تخرج مع

ص: 489

رجال ليسوا منها بمحرم، ولعل مراده على الانفراد دون النساء، فيكون وفاقاً لما تقدم. انتهى. وحمل سند قول ابن عبد الحكم على الكراهة.

وَفِي رُكُوبِهَا الْبَحْرَ وَالْمَشْيِ الْبَعِيدِ لِلْقَادِرَةِ قَوْلانِ

المنقول عن مالك في الموازية كراهة سفر النساء في البحر. وفي العتبية: نهى مالك عن حج النساء في البحر. وأشار اللخمي إلى أن هذا إنما يحسن في الشابة ومن يولد لها، وأما المتجالة ومن لا يولد لها فهي كالرجل. وقيد عياض ما وقع لمالك بما صغر من السفن؛ لعدم الأمن حينئذ من انكشاف عوراتهن، لا سيما عند قضاء الحاجة.

قال: وركوبهن فيما كبر من السفن وحيث يخصصن بأماكن يستترن فيها جائز، والمنقول أيضاً عن مالك في الموازية كراهة المشي لهن، قال: لأنهن عورة في مشيهن، إلا لماكن قريب مثل مكة وما حولها. والقول بلزوم المشي خَرَّجَهُ اللخمي من مسألة المشي من قول مالك في المدونة فيا لحانث والحانثة، والمشي على الرجال والنساء سواء، وأخذ القول بجواز ركوبهن البحر مما ورد في السنة بجواز ركوبهن في الجهاد.

خليل: وقد يفرق بين ذلك:

أما المسألة الأولى فلأنها لو كلفت بالمشي في الحج لزم منه عموم الفتنة والحرج بخلاف النذر؛ لأنها صورة نادرة وقد ألزمت نفسها ذلك بيمينها، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يكن عنده إلا قوت يوم الفطر لا يلزمه إخراجه في زكاة الفطر، ولو نذر إخراجه للزمه.

وأما الثانية فيجاب عنها بما تقدم، والله أعلم.

وَشَرْطُ صِحَّتِهِ الإِسْلامُ

أي: ولا يشترط في صحته غيره.

ص: 490

فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنِ الطِّفْلِ أَوِ الْمَجْنُونِ بِتَجْرِيدِهِ يَنْوِي الإِحْرَامَ لا أَنْ يُلَبِّيَ عَنْهُ، وَيُلَبِّي الطِّفْلُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَيَطُوفُ بِهِ وَيَسْعَى مَحْمُولاً إِنْ لَمْ يَقْوَ، وَيَرْمِي عَنْهُ إِنْ لَمْ يُحْسِنْ الرَمْي، وَيُحْضِرُهُ الْمَوَاقِيتَ وَلا يَرْكَعُ عَنْهُ عَلَى الأَشْهَر

أي: فبسبب أنه لا يشترط غير الإسلام صح من الصبي والمجنون، فيحرم وليهما عنهما بتجريد كل منهما ينوي الإحرام، وحاصله أنه يدخلهما في الإحرام بالتجريد، والتجريد فعل فيكون كلامه هنا موافقاً لما سيقوله، أن الإحرام لابد في انعقاده من قول أو فعل، ولا يقال: ذِكرُه التجيد مخالفاً لما في المدونة: وإذا أحج الصبي أبوه وهو لا يعلم ما يؤمر به – مثل ابن سبع سنين وثمانية – فلا يجرده حتى يدنو من الحرم؛ لأنه إنما قال: وإذا أحج، ولا دلالة له في ذلك على أنه أحرم به قبل ذلك، وهو كقوله في الجلاب: ولا بأس أن يؤخر إحرام الصبي عن الميقات إلى قرب الحرم.

وقوله: (الطِّفْلِ) أي: ولم يتكلم؛ لقوله: [171/ب](وَيُلَبِّي الطَّفْلُ الْذِي يَتَكَلَّمُ) وهو مذهب المدونة، ويؤيده ما رواه مسلم: أن امرأة أخذت بضبعي صبي، فقالت: يا سول الله، ألهذا حج؟ فقال:"نعم ولك أجر" وقال في الموازية: لا يحج بالرضيع، وأما ابن خمس سنين أو أربع فنعم. اللخمي: وعلى قوله هذا فلا يحج بالمجنون المطبق. عياض: وحمل الأصحاب قوله: لا يحج بالرضيع على كراهة ذلك لا على منعه.

ابن عبد السلام: ووقع في كلام بعض شارحي الموطأ من المتأخرين: أن الحج لا يصح من المجنون نقلاً ولا فرضاً، وهو خلاف نص المدونة.

قوله: وَيُلَبِّي الطِّفْلُ الْذِي يَتَكَلَّمُ) أي: الذي يؤتمر إذا أمر. وبقوله: (وَيَطُوفُ) إلى آخره.

قاعدة: إن ما يمكن للصبي فعله بنفسه، وما لا يمكن فعله، فإن قبل النيابة فعل عنه وإلا سقط. واختلف هل يركع عه؟ فالمشهور: لا؛ لام ثبت أنه لا يصلي أحد عن أحد. ونقل حمديس عن ابن عبد الحكم أنه يركع عنه. والظاهر أنه لا يخرج منه قول بجواز

ص: 491

التلبية بجامع أن كُلَاّ منهما عبادة بدنية معجوز عنها؛ لأنه لما كان الركوع كالجزء من الطواف والطواف يقبل النيابة ناسب أن يركع عنه بخلاف التلبية، وفي قوله:(الْمَوَاقِيتَ) نظر؛ إذ الميقات واحد، ولعله يريد المشاعر كعرفة والمزدلفة ومنى.

وَلا بَاسَ بِبَقَاءٍ خَلاخِلِ الذُّكُورِ وَأَسْوِرَتِهِمْ، وَكُرِهَ لِلذُّكُورِ حُلِيُّ الذَّهَبِ مُطْلِقاً

هذا كقوله في المدونة: ولا بأس أن يُحرِم بالأصاغر الذكور وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة. وكره مالك للأصاغر الذكور حلي الذهب.

ابن عبد السلام: وأخذ منها غير واحد جواز تحلية الذكور بالفضة، وانه يستخف في الصغير ما يمنع منه الكبير، وأخذهم ظاهر؛ لكنه مشكل في تفرقته بين الذهب والفضة.

وقول المصنف: (مُطْلَقاً) أي: في الإحرام وغيره. قال في التنبيهات والكراهية معناه التحيم؛ لأنه قال عبد هذا فيه وفي الحرير: أكرهه لهم كما أكرهه للرجال. وهو حرام على الرجال عنده، فظاهره أنه لم يكره الخلاخل والأسورة لهم من الفضة، وذلك حرام على الذكور كالذهب؛ إلا الخاتم وحده وآلة الحرب انتهى.

وقال التونسي: ظاهر جوابه أولاً جوازه في الجميع؛ إذ لم يفصل ذهباً ولا فضة، والأشبه منعهم من كل ما يمنع منه الكبير؛ لأن أولياءهم مخاطبون بذلك ويأتي على قياس قوله: جواز لباسهم ثياب الحرير. وقد نص على منعهم منه في الكتاب. انتهى.

عياض: وظاهره التخفيف؛ إذ سئل عنه في الإحرام، ولو سئل عن جواز لبسهم له لعله كان لا يجيزه على أصله كما جاء في مسائل من صرف أواني الذهب والفضة. انتهى.

ومقتضى قول ابن شعبان: أن تحلية الصغير لا تجوز؛ لأنه أوجب فيها الزكاة. ولو كان لبسها مباحاً لسقطت الزكاة. ويعضده مارواه الترمذي وصححه عنه عليه الصلاة والسلام: "حرام لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وحلال لإناثهم".

ص: 492

لا سيما وقد روى أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تحلى ذهباً أو حلياً أو حلى ولده مثل جزء بصيصة لم يدخل الجنة". وجزء البصيصة: هي الحبة التي تتراءى في الرمل لها بصيص كأنها عين جرادة.

وَأَمَّا الْمُمَيِّزُ وَالْعَبْدُ فَعَنْ أَنْفُسِهِمَا

يحرمان عن أنفسهما، وهو ظاهر.

وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَلِيِّ إِلا إِنْ خِيفَ عَلَيْهِ ضَيْعَةً

كما لو كانت في الحضر ربع درهم في اليوم، وفي السفر نصفاً، فيكون على الولي الزائد؛ لأنه أدخل الصبي فيما لا ضرورة له به، إلا أن يخشى على الصبي الضيعة إذا ترك فالزيادة في مال الصبي إذا دَفَعَ عنه بالزيادة ضرراً، ولا إشكال مع تساوي النفقتين.

وَالْفِدْيَةُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ عَلَى وَلِيِّهِ، وَثَالِثُهَا كَزِيادَتِهَا

تصوره ظاهر، والقول بأن ذلك في مال الطفل حكاه في الجلاب عن بعض الأصحاب، والقول بأنها على الولي لمالك في الموازية، وحكاه ابن الجلاب أيضاً. أبو عمر في كاَفِيِه: وهو الأشهر عن مالك. والفرق للأشهر أن الولي مضطر إلى الخروج به لا إلى إحرامه، فكأنه هو الذي أوقعه في الغرم.

وزعم ابن عبد السلام أن القول الثالث هو المروي عن مالك. قال في الجواهر: ولو طيب الولي الصبي فالفدية على الولي، إلا إذا قصد المداواة فيكون كاستعمال الصبي.

وَلَوْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْفَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يُعْتقَ إِلا أَنْ يَكُونَا غَيْرَ مُحْرِمَيْنِ فَيُحْرِمَانِ، وَلَوْ فِي لَيْلَةِ النَّحْر .....

أي: إذا أحرم الصبي بالحج وبلغ في أثنائه لزمه أن يتمادى على ما أحرم به ولا يجزئه عن فرضه؛ لأنه إنما انعقد نفلاً، وهذا هو المذهب، فقد ذكر صاحب اللباب عن مالك

ص: 493

عدم الإجزاء سواء جدَّدَ إحراماً أم لا، ونحوه للتلمساني، والقرافي، ونحوه في الاستذكار لقوله: واختلف في المراهق والعبد يحرمان بالحج، ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف، فقال مالك: لا سبيل إلى رفض إحرامهما ويتماديان ولا يجزئهما وعليهما حجة الإسلام.

وقال الشافعي: يجزئهما عن حجة الإسلام ولا يحتاجان إلى تجديد إحرام.

وقال أبو حنيفة: إن جدد الصبي قبل وقوفه بعرفة أجزأه لا إن لم يجدد، وأما العبد [172/أ] فلا يجزئه مطلقاً. انتهى بمعناه.

ونص غير واحد على انه يلزمهما التمادي ولا يكون لهما رفض الإحرام.

وفي الإكمال: اختلف العلماء فيمن أحرم وهو صبي فبلغ قبل عمل شيء من الحج.

فقال مالك: لا يرفض إحرامه ويتم حجه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام، قال: وإن استأنف الإحرام قبل الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام، وقال: يجزئه إن نوى في إحرامه الأول حجة الإسلام. انتهى. ولم أر من وافقه على الإجزاء فيما إذا استأنف الإحرام، ولا ما إذا نوى بإحرامه الأول الفرض. على أنه يمكن حمل قوله: وإن استأنف على أن يكون مراده إذا لم يكن محرماً، فانظره.

وقوله: (وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يُعْتقَ) ظاهر. وكذلك قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَا) ظاهر، وهو استثناء منقطع ولعله ذكره ليرتب عليه ما بعده.

وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَّلَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ قَبْلَهُ

الضمير في: (قَبْلَهُ) عائد على البلوغ، يريد إذا أحرم بغير إذنه فله أن يحلله، لا سيما إذا كان يرجو بلوغه، فيحلله رجاء أني حج الفرض.

وقوله: (وَكَذَلِكَ) راجع إلى قوله: (إلا أن يكونا) أي: فيحرم هذا الصبي الآخر ويجزئه عن فرضه، وأما لو أحرم بإذنه فليس له أن يحلله، وبهذا تعلم أن قول ابن عبد

ص: 494

السلام: تأمل هل يجوز له أن يحلله؟ وأي فائدة في ذلك إلا أن يخشى أن يدخل على نفسه فدية أو جزاء صيد – ليس بظاهر.

وفِي الْعَبْدِ يُحَلِّلُهُ سَيِّدُهُ قَبْلَهُ

إذا أحرم العبد بغير إذن سيده وحلله قبله – أي: قبل العتق- ثم أعتق فقولان؛ أي هل هو كالصبي فيحرم بفريضة، أو ليس هو كالصبي؛ لأنه مكلف فيقدم قضاء ما ترتب عليه إذا أعتق؛ لتسببه مع عدم إذن سيده؟ وفي معنى العتق الإذن له. ونسب اللخمي القضاء لابن القاسم وعدمه لأشهب. هكذا مَشَّى هذا المحل شيخنا رحمه الله تعالى وعلى هذا فالضمير في قوله:(قَبْلَهُ) عائد على العتق الذي فهم من قوله: وكذلك العبد يعتق.

وجعل ابن راشد القولين: هل يمضي تحليل السيد العبد ويحرم بالفريضة كالصبي أو لا يمضي تحليله لأنه من أهل التكليف؟ قال: ولم يحك اللخمي إلا القول بأن إحرامه يبطل، ثم ذكر الخلاف الذي ذكرناه في أنه هل يجب عليه القضاء أم لا؟ وتمشية شيخنا أولى لمساعدة النقل لها.

وحمل ابن عبد السلام القولين على أن المعنى أنه اختلف في العبد يحلله سيده قبل الوقوف بعرفة إذا أحرم بعد ذلك بحجة الإسلام هل يجزئه أم لا؟ قال: والقول بعدم الإجزاء هنا لا أعرفه، وإنما الخلاف هل يلزمه القضاء أم لا؟ انتهى. وليس بظاهر، والله أعلم. أما لو أحرم بإذن سيده فليس له تحليله، قاله في المدونة وغيرها.

فرع: فلو أذن ثم بدا له قبل أن يحرم، فله ذلك عند مالك. اللخمي: وليس بالبين. سند: وظاهر المدونة عندي أنه ليس له الرجوع بعد الإذن.

وَمَنْ نَوَى النَّفْلَ لَمْ يُجْزِئهِ عَنِ الْفَرْضِ

كسائر العبادات، فلا ينقلب النفل فرضاً.

ص: 495

وَلا اسْتِنَابَةَ لِعَاجِزِ عَلَى الْمَشْهُورِ– وَثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِي الْوَلَدِ

قال سند: اتفق أهل المذاهب أن الصحيح لا تجوز استنابته في فرض الحج، والمذهب كراهتها في التطوع، وإن وقعت صحت الإجارة، وحرمها الشافعي قياساً على الفرض. انتهى. وأما العاجز فحكى المصنف فيه ثلاثة أقاول:

المشهور: عدم الجواز؛ أي: تكره. صرح في الجلاب بذلك وكلام المصنف لا تؤخذ منه الكراهة بل المنع. ابن هارون: وهو ظاهر ما حكاه اللخمي.

والقول الثاني: الجواز مطلقاً، وهو مروي عن مالك.

وقال ابن وهب وأبو مصعب: يجوز في حق الولد خاصة؛ لأن الرخصة وردت فيه.

ونقل عن ابن وهب أنه أجاز أن يحج الرجل عن قرابته، ولم يخص الولد.

ويقول ابن وهب الأول قال ابن حبيب؛ لأنه قال: قد جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لم ينهض ولمي حج، وعن من مات ولم يحج أن يحج عنه ولده وإن لم يوص به، ويجزئه ن شاء الله، والله واسع بعباده وأحق بالتجاوز، وهذا لفظ النوادر عنه. واظهر قوله: يجزئه إن شاء الله؛ أنه يجزئه عن الفرض وهو خلاف ما قاله عبد الوهاب وغيره: لسنا نعني بصحة النيابة أن الفرض يسقط عنه بحج الغير.

ابن القصار: وإنما للميت المحجوج عنه أجر النفقة إن أوصى أن يستأجر من ماله على ذلك، وإن تطوع عنه أحد بذلك فله أجر الدعاء وفضله. وهذا انتفاع الميت.

وروى عن مالك أنه قال: لا أدري أيجزئه عند الله.

وأخذ الباجي قولاً بسقوط الفرض من قول مالك فيمن أوصى أن يحج عنه بعد موته، أنه لا يستأجر عنه صبي ولا من فيه عقد حرية.

ص: 496

قال: فلولا أن الحج على وجه النيابة عن الموصى لما اعتبرت صف المباشرة للحج.

خليل: وفيه نظر؛ لجواز أن يرى مالك ذلك مراعاة لقصده ومراعاة للخلاف، وكان الترتيب يقتضي أن لا يأتي بهذه المسألة هنا، بل بعد مسائلة النيابة، لكن لما ذكرنا قول ابن حبيب ذكرناها لذلك.

ويُتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا – يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يُتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتِقُ

هذا لمالك في المدونة ونصها: ومن مات وهو صرورة ولم يوص [172/ب] أن يحج عنه، فأراد أن يتطوع عنه بذلك ولد أو والد أو أجنبي فليتطوع بغير هذا: يهدي عنه، أو يتصدق، أو يعتق. وإنما كانت هذه الأشياء أولى؛ لوصولها إلى الميت من غير خلاف بخلاف الحج.

فائدة: من الأشياء ما لا يقبل النيابة بالإجماع، كالإيمان بالله عز وجل، ومنها ما يقبلها إجماعاً كالدعاء والصدقة ورد الديون والودائع.

واختلف في الصوم والحج، والمذهب أنهما لا يقبلان النيابة. وكذلك القراءة لا تصل على المذهب، حكاه القرافي في قواعده والشيخ ابن أبي جمرة، وهو المشهور من مذهب الشافعي، ذكره النووي في الأذكار. ومذهب أحمد وصول القراءة.

ومذهب مالك كراهة القراءة على القبور، ونقله سيدي ابن أبي جمرة في شرح مختصر البخاري، قال: لأنا مكلفون بالتفكر فيما قبل لهم وماذا لقوا، ونحن مكلفون بالتدبر في القرآن قال الأمر إلى إسقاط أحد العملين.

وَتُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتَكُونُ لِمَنْ حَجَّ أَحَبَّ إِلَيَّ

أي: إذا فرعنا على المشهور من عدم إجازة النيابة فأوصى بذلك فالمشهور تنفذ مراعاةً للخلاف. وقال ابن كنانة: لا تنفذ وصيته؛ لأن الوصية لا تبيح الممنوع، قال: ويصرف قدر الموصى به في هدايا. وقال بعض من قال بقوله: يصرفه في وجه من وجوه الخير. وفي

ص: 497

الموازية والواضحة: في امرأة أوصت أن يحج عنها إن حمل ذلك ثلثها، وإن لم يحمل أعتق به رقبة، فحمل ذلك ثلثها أيحج عنها؟ قال: أرى أن يعتق عنها ولا يحج. قيل له: فكل من أوصى أن يحج عنه أينفذ ذلك من ثلثه؟ قال: نعم.

فضل: وهذه رواية سوء وكان سحنون ينكرها.

وقوله: (وتَكُونُ لِمَنْ حَجَّ أَحَبَّ إِلَيَّ) أي: أن مالكاً قال: وإن كانت الوصية عنده مكروهة أن الوصية بها لمن حج أحب إليَّ من أن يوصي بها لمن لم يحج. وعلله عبد الوهاب بأنه يُكره عندنا أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام للذي سمعه يُحرم عن غيره: "حج عن نفسك ثم عن شُبْرُمة".

أشهب: ولا بأس أن يستأجر الوصي صرورة إذا كان لا يجد سبيلاً إلى الحج، وأما من يجد سبيلاً إليه فلا ينبغي. وقال ابن القاسم: إذا جهلوا فآجروا صرورة ممن لا يجد السبيل أجزأه.

وَإِنْ لَمْ يُوَصِ لَمْ يَلْزَمْ وَإِنْ كَانَ صَرُورَةً عَلَى الأَصَحِّ

الخلاف راجع إلى الصرورة، وكلامه يقتضي أن الخلاف في اللزوم، وظاهر كلام ابن بشير وابن شاس: أن الخلاف إنما هو في الجواز وهو ظاهر، وكذلك قال ابن بريزة، ولفظه: المستنيب إما أن يكون حياً أو ميتاً، فإن كان ميتأً فإما أن يوصي أو لا يوصي، فإن لم يوصِ فلا يحج عنه على المشهور سواء كان صرورة أو غير صرورة.

وَيُكْرَهُ لِلْمَرْءِ إِجَارَةَ نَفْسِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَتَلْزَمُ

أي: إذا أنفذنا الوصية أو أجزناها ابتداءً فهل يجوز لأحد أن يؤاجر نفسه أو يكره؟ المشهور الكراهة. قال مالك: لأن يؤاجر الإنسان نفسه فيعمل اللبن والحطب- وفي رواية: وسوق الإبل- أحب إلي من أن يعمل لله عز وجل عملاً بأجر. ورأى في الشاذ أن هذا من باب الإعانة على الطاعة.

ص: 498

وَهِي قِسْمَانِ: قِسْمٌ بِمُعَيِّنٍ فَيُمَلَّكُ وَعَلَيْهِ مَا يَحْتَاجُ، وَقِسْمٌ يُسْمَّى الْبَلاغُ - وَهُوَ إِعْطَاؤُهُ مَالاً يَحُجُّ مِنْهُ – فَلَهُ الإِنْفَاقُ بِالْمَعْرُوفِ وَإذَا رَجَعَ رَدَّ مَا فَضَلَ

قوله: (فَيُمَلَّكُ) أي: فيضمنه، ويكون الفضل له والنقصان عليه، وليس المراد بقوله:(فَيُمَلَّكُ) أنه يفعل به ما أراد؛ لأن مالكاً قال في السليمانية: لاينبغي للأجير أني ركب من الجمال والدواب إلا ما كان الميت يركب، لأنه كذلك أراد أن يوصي، ولا يقضي بها دينه ويسأل الناس، وهذه جناية، وإنما أراد الميت أن يحج عنه بماله والعادة اليوم خلاف ذلك، وأنه يصنع به ما أحب، ويحج ماشياً وكيف تيسر. انتهى.

وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول: ومثل هذا المساجد ونحوها يأخذها الوجيه بوجاهته، ثم يدفع منها شيئاً قليلاً لمن ينوب عنه، فأرى الذي أبقاه لنفسه حراماً؛ لأنه اتخذ عبادة الله متجراً ولم يوف بقصد صاحبها، إذ مراده التوسعة ليأتي بذلك الأجير منشرح الصدر. قال رحمه الله تعالى: وأما من اضطر إلى شيء من الإجارة على ذلك، فأنا أعذره لضرورته.

وقوله في القسم الثاني: (فَلَهُ الإِنْفَاقُ بالْمَعْرُوفِ) قال مالك في الموازية: في مثل الكعك، والخل، والزيت، واللحم المرة بعد المرة، والثياب، والوَطَاء، واللحاف فإذا رجع رد ما فضل ورد الثياب، ولا يقال: إذا رد ما فضل يلزم منه البيع والسلف؛ لأن ما أنفقه أجرة وما رده سلف، لأنا نقول: المقبوض لا يتعين للإجارة إلا بالإنفاق بدليل أنه لو هلك لم يضمنه.

ابن راشد: والبلاغ [173/أ] قسمان: بلاغ في الثمن وهو الذي ذكره المصنف. وبلاغ في الحج ومعناه: إن وفَّى بالحج كان له الثمن وإلا فلا شيء له، وإذا مات قبل إكمال الحج استرجع منه جميع الأجرة، ولايترك له شيء لما سار له، وهذا القسم ذكره الموثقون واللخمي.

ص: 499

فرع: فالإجارة وإن كرهها مالك مطلقاً فالمضمونة أحب إليه؛ لأنه إذا مات حوسب بما صار له وأخذ من تركته، وهو أحوط.

ويَرْجِعُ بِمَا زَادَ عَنْهَا وَعَمَّا لَزِمَهُ مِنْ هَدْيٍ أَوْ فِدْيَةِ غَيْرَ مُتَعَمِّدِ حَجَّ أَوْ صُدَّ أَوْ أُحْصِرَ

ابن راشد وابن عبد السلام وابن هارون: معناه أن الأجير يرجع- إذا لم تَكفِه النفقة – بما أنفقه زائداً عليها، ويحسب فيها الهدي إذا لم يتعمد إيجابه، كما لو لزمه سهواً أو اضطراراً، وإن تعاطى موجب الهدي فليس على الورثة شيء من ذلك. وقوله:(حَجَّ) أي: سواء تم حجه أو صد بعدو أو أحصر بمرض عن تمام الحج، ومثله من فاته الحج.

قال شيخنا: بل المعنى أنه يرجع على الأجير بما زاد عن نفقته، كما لو اشترى هدية أو غيرها مما لا تعلق للحج به، وعلى هذا يضبط مبنياً لما لم يسم فاعله، ولو كان المراد أن الأجير يرجع لقال: بما زاد عليها. وقول ابن هارون أن (عَنْهَا) متعلق بـ (فضل)، وأنه من باب التنازع- بعيد.

وَنَفَقَتُهُ بَعْدَ فُرْضِهِ من مَالِ الْمَيِّتِ مَا أَقَامَ، وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ الإِحْرَامِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ فَإِنْ تَمَادَى فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فِي ذَهَابِهِ ....

أي: ونفقة الأجير على البلاغ بعد فرضه، أي: بعد إحرامه، كقوله تعالى:{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ ....} [البقرة: 197] وليس المراد بعد أداء فرضه. فإن الإجارة قد تكون على طوع.

وقوله: (مَا أَقَامَ) أي: مدة إقامته في الإحرام، ولو طال الزمان؛ لأنه على ذلك انعقدت الإجارة، وهذا مقيد بما إذا لم يكن العام المستأجر عليه معيناً، وأما المعين فتفسخ الإجارة سواء صد بعدو أو مرض، أو فاته الحج بخطأ العدد؛ أما من صدِ فظاهر؛ لأنه يمكن التحلل حيث كان. وأما المريض ومن فاته الحج، فهما وإن لم يمكنهما التحلل حتى يذهبا إلى مكة ويتحللان بعمل عمرة فلأن العام الذي استؤجرا عليه ذهب، وإنما يتماديان

ص: 500

لحق الله فيما يتحللان به من الإحرام، فكأن ذلك معصية وقعت بهما، قال معناه اللخمي. ووقع في نسخة ابن راشد:(مرضه) عوض (فَرْضِهِ). وقد ذكر في المدونة وغيرها المسألة كذلك، وهو أنه إذا أخذ المال على البلاغ فله نفقته ما أقام مريضاً في مال الميت، وإن أقام إلى حج قابل.

وقوله: (وَلَوْ تَلِفَ قبله فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ) اعلم أنه لا شيء عليه مطلقاً سواء تلف قبله أو بعده؛ لأنه أمين، وإنما فصل المصنف في التلف للكلام على حكم الأجير، ورجع إذا تلف قبل الإحرام؛ لأنه إنما انعقدت الإجارة على ذلك المال ولم تنعقد على المال المطلق لعدم الدخول عليه، وله النفقة في رجوعه، إلا أن تكون الإجارة على نفقته من الثلث فيرجع في باقيه، وإن كان المدفوع أولاً جميع الثلث وعليه رَاضَوهُ فلا شيء عليه. انتهى.

وإن تمادى على السير بعد تلفها، فنفقته عليه في ذهابه وفي رجوعه إلى المكان الذي ذهبت فيه النفقة.

واختلف فيما ينفقه في رجوعه من موضع ضياعها على روايتين:

إحداهما: أن نفقته على المستأجر وبها أخذ ابن القاسم.

والثانية: أنها على الأجير وبها أخذ ابن حبيب وابن يونس.

والأول أحسن؛ لأنه مضطر إلى ذلك والأجير هو الذي أوقعه فيه. فإن لم تضع النفقة لكنها فرغت من المؤن قبل الإحرام، فههنا لايرجع ويمضي ونفقته عليهم؛ لأن العقد باق وأحكامه باقية، قاله سند.

فرع: وإذا تلف المال وكان في الثلث فضلة فقال ابن القاسم: ليس على الورثة أن يحجوا عنه. وقال أشهب: هو عليهم كالوصية بالعتق فيموت العبد بعد الشراء.

ص: 501

وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَهُ وَلا مَالَ لِلْمَيِّتِ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمُسْتَاجِرِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَقَوْلانِ

أي: وإن تلف المال المأخوذ على البلاغ بعد الإحرام فإنه يمضي في حجه لعدم ارتفاض الحج، ثم إن لم يكن للميت مال فالنفقة على المستأجر؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذا، وهو مخطئ في تركه الإجارة المضمونة. ومذهب المدونة فيما إذا كان للميت مال أنه على الأجير أيضاً؛ للخطأ المذكور. والقول بأن ذلك من مال الميت لابن حبيب، وصوب القابسي وابن شبلون الأول. ووجه قول ابن حبيب: أن الولي قد يؤدي نظره إلى البلاغ، إما لرفق وإما لصلاح في الجير أو لهما. واعترض صاحب النكت قول ابن حبيب بأن الدافع إما أن يجعل متعدياً بتركه الإجارة الحقيقية أم لا؟ فإن كان متعدياً كان الرجوع [173/ب] في ماله مطلقاً، وإلا فلا يرجع عليه مطلقاً.

أما إن أمرهم أن يستأجروا عنه على البلاغ فيرجع في بقية ثلثه إن لم يقسم باتفاق. قال صاحب البيان: وإن كان قسم فعلى الاختلاف في الذي يوصي أن يشتري عبداً من ثلثه فيعتق، فاشترى ولم ينفذ له العتق حتى مات وقد قسم الورثة ماله، فقد قيل: أنه يشتري له عبد آخر من بقية الثلث وهو ظاهر ما في المدونة وقبل: لا.

وَلَوْ صُدَّ الأَجِيرُ أَوْ مَاتَ اسْتُؤْجِرَ مِنْ حَيْثُ اِنْتَهَى، وَلَهُ إِلَيْهِ

قوله: (الأَجِيرُ) أي: سواء كان على الضمان أو على البلاغ. ففي الضمان له بحسب ما سار على قدر صعوبة الطريق وسهولتها وأمنها وخوفها لا بمجرد قطع المسافة؛ فقد يكون ربع المسافة يساوي نصف الكراء، هذا هو المشهور. ونقل ابن حبيب أن الأجير إذا مات بعد دخول مكة تكون له الأجرة كاملة. وضُعِّفَ؛ لبقاء ما اقتضاه العقد. وفي البلاغ: يرد ما فضل وقوله: (وَلَهُ إِلَيْهِ) أي: وللأجير مطلقاً المصدود أو الميت إلى الموضع الذي حصل له ذلك على ما تقدم. وقد ذكر في المدونة الأجيرين، وفسرهما ابن اللباد بما

ص: 502

قلناه، وحمل ابن عبد السلام المسألة على أجير البلاغ. وما ذكرناه أولى؛ لموافقة المدونة، ولكونه أعم فائدة، وجعل أيضاً الضمير في قوله:(له) عائد على الأجير ثانياً. أي: للأجير أيضاً النفقة ذاهباً وجائياً إلى حيث انتهى الأول، وفيه بُعْد.

فَلَوْ أَرَادَ بَقاءَ إِجَارَتِهِ إِلَى الْعَامِ الثَّانِي مُحْرِماً أَوْ مُتَحَلِّلاً – فَقَوْلانِ

هذا خاص بالإجارة المضمونة؛ أي: إذا صُدَّ في الإجارة على الضمان أو أُحصِر بمرض حتى فاته الحج، فأراد هو أو من استأجره أن يبقى على حكم الإجارة إلى العام الثاني محرماً أو متحللاً، فهل لهما ذلك أو لابد من الفسخ؟ قولان للمتأخرين: فمن رأى أنه لما تعذر الحج في هذا العام انفسخت فصار له دين في ذمته يأخذ عنه منافع متأخرة مَنَع؛ لأنه فسخ دين في دين. ومن رأى هذا النوع أخف من الإجارة الحقيقية ولم يقدر الانفساخ، لأنه إنما قبض الأجرة عن الحج وقد صار الأمر إليه –أجاز.

واختار ابن أبي زيد الجواز، وأما في البلاغ فذلك جائز فيه؛ لأن ما أخذه الأجير ليس ديناً في ذمته، قال في البيان: وأما لو ترتب في ذمته مال لم يجز أن يصرف في الإجارة عند مالك وجميع أصحابه.

وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ انْفَسَخَتْ إِنْ عَيَّنَ الْعَامَ

لأن ما استؤجر عليه لم يأت به والعقد لم يتناول العام الثاني. ومفهوم قوله: (إِنْ عَيَّنَ الْعَامَ) أنهما لو دخلا على عام غير معين لم تنفسخ الإجارة، وبذلك صرح ابن بشير وابن عبد السلام، وأشار ابن بشير إلى أنهما لو دخلا على السكوت أن الإجارة تنفسخ كما لو عين العام. وعلله ابن راشد بأن العام الأول يتعين. ونص صاحب البيان على خلافه وسيأتي لفظه.

فرع: فلو أحرم عن الميت ثم صرفه إلى نفسه، قال في الذخيرة: لم يجز عنهما ولم يستحق الأجرة. وقال الشافعي: يقع عن الميت. وفي النوادر: إن نوى الأجير الصرورة

ص: 503

الحج عن نفسه أجزأه عن نفسه وأعاد عن الميت. رواه أبو زيد عن ابن القاسم، وروى عنه أصبغ: لا يجزئ عن واحد منهما، وقال أصبغ: وليرجع ثانية عن الميت. انتهى.

فَلَوْ اِعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ فَكَذَلِكَ

أي: فالحكم فيه الانفساخ لتعيين العام، أما إن لم يكن العام معيناً فلا تنفسخ. ففي المدونة: من أخذ مالاً ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجزه ذلك عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى كما استؤجر. زاد ابن القاسم في العتبية: لا أبالي شرطوا عليه الإحرام من ذي الحليفة أم لا يشترطوا. ولابن القاسم في العتبية والأسدية: إذا اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة أجزأه، إلا إن شرطوا عليه أن يحرم من ميقات الميت، ولا حجة للمستأجر عليه بذلك. واستبعده صاحب البيان. وقال ابن المواز: إذا كان خروجه عن الميت، وأحرم عن الميت من الميقات أجزأه ذلك، وإن أحرم من مكة فعليه البدل. واختلف في فهم المدونة، فنقل ابن يونس عن بعض شيوخه أنه قال: يلزمه أني حج عن الميت من الموضع الذي استؤجر منه لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه فكأنه خرج لذلك، ففهم أن مذهب المدونة على نفي الإجزاء.

ابن يونس: وأرى أنه إن رجع وأحرم من ميقات الميت أنه يجزئه؛ لأنه منه تَعَدٍ، فعلى تأويل ابن يونس يكون في المسألة قولان. وعلى تأويل غيره يكون فيها ثلاثة أقوال والله أعلم. استشكل التونسي الإجزاء مطلقاً، قال: وكذلك أنه إذا اعتمر عن نفسه ثم حج عن الميت من الميقات فقد صارت هذه الحجة فيها نقص لما كان تمنعه عن نفسه بعمرة في أشهر الحج. فإن حج من [174/أ] مكة فيدخله مع ذلك نقص الإحرام من الميقات عن الميت. فلو قيل في هذه المسألة أنه يرجع عليه بقدر ما نقص ما بَعُدْ. انتهى باختصار.

فروع:

الأول: لو شر عليه القِرَان فأفرد، فالمذهب لا يجزئه؛ لإتيانه بغير المعقود عليه. وكذلك لو استؤجر على القران فتمتع، أو على التمتع فقرن، ذكره في الذخيرة.

ص: 504

الثاني: لو قدم الحج على العام المشترط فقال بعض الأندلسيين: يجزئه كما لو قدم دَيناً قبل محله، نقله ابن راشد.

الثالث: لو شرط عليه ميقاتاً فأحرم من غيره، فظاهر المذهب لا يجزئه ويرد المال في الحج المعين إن فات، قاله في الذخيرة.

الرابع: لو استؤجر رجل على الحج والزيارة فتعذرت عليه الزيارة- فقال ابن أبي زيد: يرد من الإجارة قدر مسافة الزيارة، وقيل: يرجع ثانية حتى يزور.

وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الإِفْرَادَ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فَقَرَنَ اِنْفَسَخَتِ فَلَوْ تَمَتَّعَ أَعَادَ

يعني: فلو شرط على الأجير الإفراد – بسبب أن الميت أوصى بذلك فخالف الأجير الشرط- فإن خالفه بقِران انفسخت الإجارة سواء كان العام معيناً أم لا، فإن خالفه فتمتع لم تنفسخ وأعاد وإن كان العام غير معين، هكذا قال ابن عبد السلام.

وما ذكره المصنف من الإعادة في التمتع والانفساخ في القران نص عليه جماعة.

ابن بشير: ولا يجزئه ما أتى به من تمتع أو قران بالاتفاق، إذا كان المشترط الإفراد هو الميت، وهو مراد المصنف احترازاً من الورثة. وفرق بين تمكين المتمتع من الإعادة وعدم تمكين القارن منها بأن عداء القارن خفي؛ لأنه في النية فلا يؤمن أن يفعل مثل ذلك، وعداء المتمتع ظاهر؛ فلهذا مكن من العود. وفيه نظر؛ لأنا لو راعينا أمر النية لم تجز هذه الإجارة لاحتمال أن يحرم عن نفسه، وقيل في الفرق إن القارن يشارك في العمل فأتى ببعض ما استؤجر عليه. والمتمتع أيضاً لا يجزئه وهو مخاطب بالإعادة، وقيل: لأن القارن استؤجر على عام بعينه، والمتمتع استؤجر على عام مضمون. واعترض بأنه إحالة للرواية عن ظاهرها.

ص: 505

فَلَوْ شَرَطَ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ فَقَوْلانِ

أي: فلو شرط الورثة على الأجير الإفراد ولم يكن الميت أوصى به- فخالف الأجير ففي ذلك قولان:

أحدهما: أنه يجزئ ما أتى به من تمتع أو قران؛ لأن قصد الميت حجة وقد حصلت.

والثاني: أن ذلك لا يجزئ؛ لأن الوارث يتنزل منزلته ويتحصل فيما إذا اشترط عليه الورثة الإفراد فتمتع ثلاثة أقوال: قال ابن القاسم: لا يجزئ. ونقل عن مالك الإجزاء ابن يونس وغيره، وإليه رجع ابن القاسم. ونقل ابن حبيب: إن نوى العمرة عن الميت أجزأه، وإن نواها عن نفسه ضمن المال، ويتحصل فيما إذا اشترط عليه الورثة الإفراد فقرن ثلاثة أقوال: قال في الجلاب: قال ابن القاسم: لا يجزئ وعليه الإعادة. وقال عبد الملك يجزئ. وفرق ابن حبيب بين أن ينوي العمرة عن نفسه أو عن الميت كما تقدم.

وَمَتَى لَمْ يُعَيِّنِ السَّنَةَ فَفِي الْبُطْلانِ قَوْلانِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ تَتَعَيَّنُ أَوَّلُ سَنَةٍ

يعني: إذا وقع العقد على سَنةٍ غير معينة فقيل: لا يصح للجهالة، وقيل: يصح وهو أظهر، كما في سائر عقود الإجارة إذا وقعت مطلقاً، فإنها تصح وبحمل على أقرب زمان يمكن وقوع الفعل فيه. ابن شاس: والقولان للمتأخرين.

وفي البيان: إن استؤجر على أن يحج في ذلك العام فلا يتعين في ذلك العام، كمن استأجر سَقَّاءً على أن يأتيه بِجِرَارٍ معينة في يوم معين، ثم أخلفَ السقاء فإنه لا تنفسخ، قال: وإن استأجره على الحج وسكت، فهو على أول سَنة. فإن لم يحج في أول سَنة لزمه فيما بعدها. وذهب ابن العطار إلى أن السنة تتعين بذكرها، ولا تصح الإجارة إلا بتعيينها.

فأما قوله: إنها تتعين بذرها، فقد قيل ذلك، وهو الذي يدل عليه ما في الحج الثالث من المدونة. وأما ما ذهب إليه من أن الإجارة لا تصح إلا بتعيينها فليس بصحيح؛ فقد أجاز في سماع أبي زيد من العتبية الاستئجار على حجة مقاطعة في سنة بعينها.

ص: 506

وَفِي تَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِذِمَّةِ الأَجِيرِ قَوْلانِ

محل الخلاف إذا لم تكن قرينة في التعيين، وأما لو حصلت صير إليها. فعلى القول بأنها تتعلق بذمته له أن يستأجر من هو في مثل حاله، بخلاف القول الآخر.

ابن بشير: والقولان للمتأخرين. والذي اختاره ابن عبد البر وغيره أنه يتعلق بنفسه.

خليل: وقد يتخرج عليهما ما إذا مات الأجير في أثناء الطريق، فعلى تعلقها بنفسه تنفسخ، وعلى تعلقها بذمته يستأجر من ماله من يتم، ويكون الفضل له والنقصان عليه. وإلى ذلك أشار بعضهم. [174/ب]

وَفِي تَعْيِينِ مَنْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ قَوْلانِ إِلا فِي ذِي حَالٍ يُفْهَمُ قَصْدُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا تَتَعَيَّنُ بَطَلَتْ لِغَيْرَهِ ......

تصوره ظاهر، وفي الجواهر نحوه، لأنه قال بعد أن ذكر الخلاف في تعيينه: وعليه يخرج الخلاف في امتناعه، هل يعوض بغيره أو تبطل الوصية؟ وفي الجلاب: ومن أوصى أن يحج عنه رجل بعينه فأبى أن يحج عنه، فإن كان الموصي لم يحج عن نفسه دفعت حجته إلى غيره، وإن كان قد حج بطلت وصيته ورد المال إلى ورثته.

التلمساني: وقال ابن القاسم. وقال غير ابن القاسم: لا يرجع ميراثاً وهو كالصرورة؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه بخلاف الوصية لمسكين معين.

وإِذَا سَمَّى قَدْراً فَوُجِدَ بِدُونِهِ فَالْفَاضِلُ مِيرَاثٌ إِلا إذَا عَيَّنَ وَفُهِمَ إِعْطَاءُ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ: يَحُجُّ حِجَجَاً .....

قال في المدونة: ومن أوصى أن يُحَجَّ عنه بأربعين ديناراً فدفعوها إلى رجل على البلاغ وفضلت نمها فليرد إلى الورثة ما فضل، كقوله: اشتروا عبد فلان بمائة وأعتقوه فاشتروه

ص: 507

بأقل فالبقية ميراث. وكذلك إذا قال: أعطوا فلاناً أربعين ديناراً يحج بها عني فاستؤجر بثلاثين – كان الفضل ميراث. انتهى.

وقال ابن المواز: إذا سمي ما يعطي فذلك كله للموصى له، إلا أن يرضي بدونه بعد علمه بالوصية، وهذا إذا قال: يَحُجُ بهذه الأربعين عني فلان أو قال رجل، وأما إذا قال: حجوا بها عني أو يحج عني بها فلتنفذ كلها في حجة أو حجتين أو ثلاث أو أكثر، ولو جعلت في حجة واحدة فهو أحسن. وكذلك لو قال: أعتقوا عني بهذه المائة، ولم يقل عبداً ولاسمي عدداً يعتق عنه بها. وإن قال: أعتقوا عبد فلان بهذه الأربعين، فإنها تدفع له إلا أن يعلم سيد العبد بالوصية ويرضى بالأقل.

ابن بشير: واختلف المتأخرون في قول ابن المواز هل هو تفسير لكلام ابن القاسم أو خلاف؟ قال سند: إن كان الموصى له وارثاً لا يزاد على النفقة والكراء شيء. قاله في كتاب الوصية. وإن كان غير وارث فعلم ورضي بدونه فقد أسقط حقه، وإن لم يعلم: فرأى ابن القاسم أن المقصود الحج، وقال ابن المواز: يدفع الجميع له في الحج، وإذا قلنا يعطي الزائد فقال: أحجوا غيري وأعطوني الزائد لم يوافق؛ لأنه أوصى له بشرط الحج.

قوله: إذَا عَيَّنَ وفُهِمَ إِعْطَاءُ الْجَمِيعِ) أي: فيعطي له؛ لأنه حينئذ وصية؛ يريد: ما لم يكن وارثاً.

قوله: (وَقِيلَ، يَحُجُ حِجَجَاً) راجع إلى أصل المسألة؛ أي: إذا لم يفهم إعطاء الجميع. واعترض قياس ابن القاسم" عبد فلان" على "الحج" بأن القصد في الرقبة إنما هو فكاكها بخلاف الحج، فإنه يقصد فيه كثرة النفقة. فإن قيل: وكثرة الثمن مقصودة في الرقبة أيضاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: وقد سئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: "أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها

" الحديث- قيل هذا إنما يحسن في الرقبة غير المعينة، وأما المعينة فلا، والله أعلم.

ص: 508

فرعان:

الأول: لو قال: حجوا عني بِثُلُثِي حجة واحدة فحجوا بدونه فبالباقي ميراث عند ابن القاسم، وعند أشهب: يخرجون في حجة أخرى، وفعلهم للأقل جائز، ولا يجزئهم عند سحنون، ويضمنون للمخالفة، نقله في الذخيرة.

والثاني: إن أوصى أن يحج عنه بمال فتبرع أحد بالحج. فقال سند: يعود على قول ابن القاسم ميراثاً. وعلى قول أشهب يُستَأجَر به.

تنبيه: قال في العتبية في رجل أوصى أن يحج عنه بثلثه فوجد ثلاثة ألف دينار ونحو ذلك- أنه يحج عنه حتى يستوعب الثلث. قال في البيان: لأنه لما كان الثلث واسعاً حُمِلَ على أنه لم يرد حجة واحدة، وإن كان ثلثه يشبه أن يحج به حجةً واحدة رجع ما بقي ميراثاً كما قال في المدونة في مسألة الأربعين ديناراً، قال: وليست هذه مخالفة للمدونة.

ولو أوصى أن يحج عنه من ثُلثه لم يزد على حجة؛ لأن (من) للتبعيض.

فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ كُلِّهِ مِنْ مَحَلِّهِ – فَثَالِثُهَا إِنْ كَانَ صَرُورَةً حَجَّ عَنْهُ مِنَ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ وَإِلا فَمِيرَاثٌ ....

أي: فإن لم يوجد من يحج عنه بما سمي من المال (مِنْ مَحَلِّهِ) أي: من محل الموصى. قال في البيان: فإن لمي سم من بلد كذا فلا اختلاف أنه يحج عنه من حيث وجد، وأما إن قال: حجوا بها عني من بلد كذا وبه مات فإن لم يوجد من يحج بها عنه من ذلك البلد قال ابن القاسم في العتبية: يرجع ميراثاً. وروي مثله عن أصبغ، وروي عن ابن القاسم أيضاً: أنه يستأجر له بها من حيث يوجد، إلا أن يبين أنه لا يحج بها عنه إلا من بلده. وحكى مثل ذلك ابن المواز عن أشهب، واختار هو الأول إن كان الميت حج، وقول أشهب إن لم يحج انتهى.

ص: 509