المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ثلاثة أشهر، ثم باعها فأقامت عند المشتري ثلاثة أشهر، ثم - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٢

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: ثلاثة أشهر، ثم باعها فأقامت عند المشتري ثلاثة أشهر، ثم

ثلاثة أشهر، ثم باعها فأقامت عند المشتري ثلاثة أشهر، ثم اطلع على العيب أو أفلس فردت إلى صاحبها. ففي كتاب ابن سحنون: يبني على ما مضى من الحول، وإن رجعت إليه بعد تمامه زكاها مكانها. قال ابن يونس: وعلى القول بأن الرد بالعيب بيع حادث يجب أن يستقبل به حولاً، يجعل القول بالاستقبال مخرجاً، وظاهر كلام المصنف أنه منصوص فتأمله.

فرعان:

الأول: إذا رجعت الماشية بإقالة، فقال ابن المواز: يستقبل بها حولاً. ابن يونس: لأن الإقالة بيع. انتهى. وقال غيره: إن قلنا: إنه حل بيع بنى.

الثاني: إذا ردت الماشية لفساد البيع، جرى البناء والاستقبال على الخلاف هل الفسخ نقض للبيع من أصله، أو ابتداء بيع.

‌الْخُلْطَةُ

فِي الصَّحِيحِ، وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ .....

يعني: دليلها في الحديث الصحيح وهو في البخاري وغيره، وكأن المصنف استدل على هذه المسألة لقوة الخلاف فيها، فإن أبا حنيفة نفى أن يكون للخلطة تأثير إلا مع عدم تبيين ما لكل واحد منهما، وحينئذ يصيران شريكين لا خليطين. ووجه الدليل قوله عليه الصلاة والسلام:"يترادانها" ولو كانا شريكين لما ترادا شيئاً.

قال اللخمي: ويصح التراجع بين الشريكين على أحد قولي مالك: أن الأوقاص غير مزكاة. فلو كانت الشركة في مائة وعشرين من الغنم؛ لأحدهما ثمانون وللآخر أربعون فأخذ منها شاة، لرجع صاحب الثمانين بقيمة سدس الشاة.

واختلف الناس هل هذا نهي للملاك عن الجمع والتفريق المقللين للصدقة، أو هو نهي للسعاة عن الجمع والتفريق المكثرين للصدقة؟ والأول أقرب؛ لقوله:(خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) ومعنى التراد بالسوية؛ أي: على عدد الماشية. وفيه دليل لمن يقول أن الأوقاص مزكاة.

ص: 297

كَثَلاثَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ فَيَجْمَعُونَهَا، وَكَاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِائَةً وَشَاةً فَيُفَرِّقُونَهَا.

(كَثَلاثَةٍ) مثال للنهي عن الجمع؛ لأنهم إذا جمعوها تجب عليهم شاة، وكان الواجب في الافتراق ثلاثاً.

وقوله: (وَكَاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِائَةً وَشَاةً) مثال للنهي عن الافتراق؛ لأنهما إذا افترقا وجب على كل واحد شاة، وإذا جمعوها كان الواجب على كل واحد شاة ونصف.

وَالْمَذْهَبُ أَخْذُهُمْ بِالأَوَّلِ. وَأَخَذَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الْفِرَارِ قَوْلاً بِخِلافِهِ

يعني: إذا اجتمعوا أو افترقوا خشية الصدقة، فالمذهب: أنهم لا ينتفعون بذلك ويؤخذون بما كانوا عليه. وخرج اللخمي قولاً بزكاة ما فروا إليه، من قول ابن شعبان فيمن باع ماشية فراراً أنه يؤخذ بزكاة العين؛ لأنه كما أخذهم في تلك بزكاة ما فروا إليه فكذلك في هذه. وفرق بوجهين:

أحدهما وهو لابن بشير: أن الانتفاع في مسألة الخلطة ظاهر فيما انتقلا إليه، فوجب التمكن منه لحق الفقراء، ولا كذلك في مسألة [137/ أ] البيع؛ لجواز أن يكون زكاة الثمن مثل زكاة المبيع أو أكثر.

ثانيهما: أن الفار في الخلطة قصده تقليل الزكاة لا رفعها، فنقيض قصده ألا يقلل، وأما الفار بالبيع فقصده رفعها بالكلية، فنقيض قصده ثبوت أصل الزكاة، ويكفي في ذلك ثبوتها في الثمن، ولعل المصنف لم يصح عنده تخريج اللخمي لاتضاح الفرق بينهما، فلذلك قال:(الْمَذْهَبُ) وإلا لقال: (على المنصوص) كعادته في مثل هذا.

وَإِذَا لَمْ تَقًمْ قَرِينَةُ وَاتُّهِمَا فِيهِمَا لِلنَّقْصِ، فَالْمَشْهُورُ: اعْتِبَارُ قَرْبِ الزَّمَانِ، وَفِي الْقُرْبِ شَهْرَانِ وَشَهْرُ وَدُونَهُ

هذا كما قال ابن بشير: وبأي معنى يحصل ظهور القصد إلى الفرار بالتفريق أو الجمع أما إن قامت قرينة حال تدل على القصد إلى ذلك، فينبغي أن يعول عليها ولا يلتفت إلى

ص: 298

الزمان. وأما إن لم تقم قرينة، فهل يرجع في ذلك إلى الزمان أم لا؟ قولان: المشهور أنه يستدل على أن ذلك بقرب الزمان، والشاذ أنه لا يستدل عليه بزمان أصلاً، بل ينظر إلى ما ظهر من قرينة الحال، ثم ذكر الثلاثة الأقوال التي ذكرها المصنف في حده.

وفهم من قوله: (إِذَا لَمْ تَقًمْ قَرِينَةُ) أنه لو قامت قرينة على صدقهما من حسن السيرة والديانة في المعاملة لعمل عليها. وظاهر قولهما: أن الساعي إذا وجدهما اجتمعا لشهرين قبل الحول أو لشهر على القول الآخر وافترقا لذلك أنه يأخذهما بما كانا عليه قبل. والمنقول في المدونة: إن لم يخلطوا إلا في شهرين من آخر السنة فهما خلطاء، قال ابن القاسم فيها: والأقل من شهرين فهم خلطاء ما لم يقرب الحول جداً. وقال ابن المواز: وكذلك أقل من شهر ما لم يقرب الحول جداً. وقال ابن حبيب: لا تكون الخلطة بأقل من شهر. ابن راشد: فتأمل هذه النقول وطابقها بما في الأصل فظاهرها التنافر، إلا أن يريد بحكاية الخلاف في القرب الذي يكونون فيه خلطاء، وأما ما دون ذلك يستدل به على قصد الفرار فتتفق النقول، لكن ظاهر كلامه خلافه، فتأمله.

وحكى ابن عبد البر في الكافي عن بعض أصحاب مالك: أنهما لا يزكيان زكاة الخلطة إلا أن يخلطا عاماً كاملاً.

وَالاخْتِلافَ عِنْدَ الإِشْكَالِ كَأَيْمَانِ التُّهَمِ

أي: إذا عدمت القرينة والزمان الدالان على الفرار وأشكل الأمر، فهل تتوجه اليمين على الملاك أو لا، أو يفرق بين المتهم فتتوجه، وبين غيره فلا تتوجه؟ ثلاثة أقوال. وهذا معنى قوله:(كَأَيْمَانِ التُّهَمِ).

ابن عبد السلام: ومذهب المدونة في الزكاة عدم توجهها، وظاهره مطلقاً؛ لقوله في الزكاة الأول: ومن قدم بتجارة فقال: هذا الذي معي قراض، أو بضاعه، أو على دين، أو لم يحل على ما عندي الحول صدق ولم يحلف. ولا شك أن أرباب الخلطة من هذا.

ص: 299

خليل: وقد يقال: إنما قال مالك هذا في زكاة العين الموكولة إلى أمانة ربها، ولا يلزم منه موافقة الماشية لذلك؛ لأنها أشد.

وَمُوجِبُهَا خَمْسَةُ: الرَّاعِي، وَالْفَحْلُ، وَالدَّلْوُ، وَالْمرَاحُ، وَالْمَبِيتُ

(موجب) هنا بكسر الجيم اسم فاعل؛ أي: سببها، و (الرَّاعِي، وَالْفَحْلُ) معلومان و (الدَّلْو) نقل الباجي عن الأصحاب: أنه الماء الذي تشرب منه الماشية. وذكر صاحب التلقين عوض المراح المسرح. قال ابن بشير: ويكفي عنه اشتراط اتحاد الراعي. وجعل اللخمي بدل المبيت الحلاب.

وَشَرْطُ الرَّاعِي: إَذْنُ الْمَالِكِينَ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالافْتِقَارُ إِلَى التَّعَدُّدِ

الراعي إن كان واحداً فهو من أسباب الخلطة، لكن يشترط أن يأذن له المالك، قاله غير واحد. قال الباجي: وإن كان لكل ماشية راعٍ يأخذ أجرته من مالكها، فلا يخلو أن يتعاونوا بالنهار على جميعها، أو لا يتعاونوا على ذلك، فإن كانوا يتعاونون بإذن أربابها فهي خلطة؛ فإن جميعهم رعاة لجميع الماشية، وإن كانوا لا يفعلون ذلك أو يفعلونه بغير إذن أرباب الماشية فليست بخلطة، هذا الذي أشار إليه أصحابنا. ويجب أن تكون في ذلك زيادة؛ وهي أن يكون إذن أرباب الأموال في التعاون على حفظها لكثرة الغنم. وإن كانت قليلة بحيث يقوى راعي كل واحد على ماشيته دون غيره، فليس اجتماعهم من صفة الخلطة. انتهى.

وقول الباجي صحيح، واشتراطهم ذلك في الفحل يوضحه، وعلى هذا فهو تقييد، ولهذا تكون نسخة (قَالَ الْبَاجِيُّ) أحسن من النسخة الأخرى:(وقال الباجي) بإثبات حرف العطف؛ لأن إثباته يدل على أن قوله خلاف. والله أعلم.

ص: 300

وَشَرْطُ الْفَحْلِ: الاشْتِرَاكُ أَوْ ضَرْبُهُ فِي الْجَمِيعِ وَالافْتِقَارُ إِلَى التَّعَدُّدِ

(الاشْتِرَاكُ) أي: مع الضرب، إذ من لازم الاشتراك الضرب في الجميع.

وقوله: (أَوْ ضَرْبُهُ فِي الْجَمِيعِ) أي: وهو [137/ ب] لأحدهما. وفي كلامه فائدة؛ لأنه لو قال: وشرط الفحل الضرب، لتوهم أن شرطه الضرب مع الاشتراك، فنفى هذا التوهم. وبهذا التقرير يندفع قول ابن عبد السلام: جعله ضربه في الجميع قسيماً، لكون الفحل مشتركاً فيه وليس كذلك، بل لابد من ضربه في الماشية، سواء كان مشتركاً أو كان لأحد المالكين.

وَالاشْتِرَاكُ فِي الْمَاءِ بِمِلْكٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ كَالدَّلْوِ

قوله: (وَالاشْتِرَاكُ فِي الْمَاءِ) تفسير للدلو. أي: الماء الذي هو من أسباب الخلطة. فقوله: (الاشتراك) مبتدأ. وقوله: (بملك أو منفعة) خبره. فالملك كالبئر إذا اجتمعوا على حفرها، والمنفعة كالنهر.

وقوله: (كَالدَّلْوِ) يعني بهذا الدلو: الآلة التي يرفع بها الماء. وكأنه قصد أن ينبه على أنه لا يشترط في الشرب أن يكون مملوكاً لهما، كما لا يشترط ذلك في الآلة التي يشال بها الماء. وقول ابن عبد السلام: إن قوله (كالدلو) هو الخبر. فيه نظر.

وَالْمُرَاحُ: مَوْضِعُ إِقَامَتِهَا، وَقِيلَ: مَوْضِعُ الرَّوَاحِ لِلْمَبِيتِ

تصوره ظاهر، وقد تقدم. وضبطه الجوهري: المراح بمعنى القول الأول بضم الميم، وبفتحها إذا كان بمعنى القول الثاني. والقولان اللذان ذكرهما المصنف حكاهما ابن بشير، وحكاهما أيضاً الباجي. وقال في التنبيهات: المراح: موضع المبيت. وهو بضم الميم.

ص: 301

وَالْمُعْتَبَرِ مِنْهَا: ثَلاثَةٌ. وَقِيلَ: أَوْ اثْنَانِ. وَقِيلَ: أَوِ الرَّاعِي

نقل الباجي أنه لا خلاف في عدم اشتراط الخمسة. والقول بالثلاثة لابن القاسم في العتبية. وبالاثنين للأبهري. والقول بالاكتفاء بالراعي لابن حبيب وليس بخلاف؛ لأنهم مجتمعون بالراعي على أكثر صفات الخلطة، كذا نص عليه الشيوخ.

ابن عبد السلام: وتأمل عطف الأقوال التي ذكرها بـ (أو) تجده غير صحيح.

وَمُوجَبُهَا: حُكْمُ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ فِي الوَاجِبِ، وَالسِّنِّ، وَالصِّنْفِ مِنْ ضَانٍ أَوْ مَعْزٍ

(موجب) هنا بفتح الجيم اسم مفعول؛ أي: أن الذي توجبه الخلطة بالأسباب المتقدمة أن يكون المأخوذ من الملاك كالمأخوذ من المالك الواحد في الواجب، كثلاثة لكل واحد أربعون فتجب عليهم شاة. (السِّنِّ) كاثنين لك واحد ست وثلاثون من الإبل فعليهم جذعة. (وَالصِّنْفِ) كاثنين لواحد ثمانون معزاً وللآخر أربعون ضأنية، فعليهما شاة من المعز. وفي بعض النسخ عوض (المالك)، (حكم الملك) وهي واضحة.

بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصَابُ فَأَكْثَرُ حَلَّ حَوْلُهُ

يعني: أن ما تقدم من أن المالكين يكونان كالمالك الواحد مشروط بأن يكون لكل واحد نصاب فأكثر حل حوله، ولم يحفظ أكثر شيوخ المذهب في النصاب خلافاً. ونقل ابن رشد عن ابن وهب كمذهب الشافعي: أنهما يزكيان زكاة الخلطة وإن لم يكن لكل واحد نصاب إذا كان في المجموع نصاب، وهو منصوص في المبسوطة، وذكره ابن زرقون. وحقيقته: تصيير المتعدد كالمتحد.

ص: 302

وَأَنْ يَكُونَا مَعاً مِنْ أَهْلِهَا لا وَاحِدُ عَلَى الْمَشْهُورِ

يعني: ويشترط أيضاً أن يكون المالكان معاً من أهلها. أي: مسلمين حرين. وإن كان أحدهما من أهلها فقط، فالمشهور أنه يزكي على حكم الإفراط. وذهب ابن الماجشون إلى أنه يزكي زكاة الخلطة ويسقط ما على الذمي والعبد.

وَأَخَذَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الشَّاذِّ خِلافاً فِي النِّصَابِ وَالْحَوْلِ فِي أَحَدِهِمَا، فَيُزَكِّي زَكَاةَ الْخُلْطَةِ وَيَسْقُطُ مَا عَلَى الآخَرِ إِلَى حَوْلِهِ، وَالْمَعْرُوفُ خِلافُهُ

يعني: أن اللخمي خرج من قول ابن الماجشون في المسألة التي قبل هذه قولاً آخر بعدم اشتراط النصاب في ملك كل واحد، وعدم اشتراط حلول الحول على ملك كل واحد، ورأى أن قيام المانع في أحد الملكين كقيامه في أحد المالين، ورده ابن بشير بأن الذمي مخاطب بفروع الشريعة على قول، والعبد قد قيل: تتعلق الزكاة بماله، فمخالطهما لم يخرج عن كونه مخالطاً لأهل الزكاة، وأن من قصر ماله عن النصاب، أو زمان ملكه عن الحول فلا زكاة عليه اتفاقاً، فوجب بقاء حكمه في حال الخلطة على ما كان عليه قبلها، ثم لا يحتاج إلى هذا التخريج في النصاب فقط؛ لأنا قدمنا الخلاف في المذهب في اشتراط النصاب.

وقوله: (فِي أَحَدِهِمَا) متعلق بقوله: (أَخَذَ) أي: خلافاً في أحدهما. وقوله: (فيزكي

) إلى آخره. هو تفسير لتخريج اللخمي، وهو واضح.

وَيَتَرَاجَعَانِ عَلَى الأَجْزَاءِ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَتْ أَوْقَاصاً، كَتِسْعٍ ذَوْدٍ وَسِتِّ اتِّفَاقاً، وَكَذَلِكَ فِي مِثْلِ تِسْعِ ذَوْدٍ وَخَمْسٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ

كان هنا تامة؛ أي: حصلت أوقاص. وحاصلها: إن حصلت الأوقاص من الطرفين كما مثل بست من الإبل وتسع، فلا خلاف في التراجع على الأجزاء، فإذا أخذ الساعي منها ثلاث شياه كانت بينهم على خمسة عشر جزءاً، على صاحب الستة ستة أجزاء، وعلى صاحب التسعة تسعة أجزاء. وإن انفرد الوقص من جهة كخمس وتسع، فعن مالك: إذا أخذ

ص: 303

الساعي منها شاتين روايتان: إحداهما: أن على كل واحد شاة. والثانية: أن الشاتين بينهما على أربعة عشر جزءاً، [138/ أ] على صاحب الخمسة خمسة أجزاء، وعلى صاحب التسعة تسعة أجزاء. والأولى أن يقال هنا: على صاحب التسعة ثلاثة أخماس، وعلى صاحب الستة خمسان؛ لأنه كلما أمكنت القسمة من عدد أقل كان أولى. ولكن ابن الجلاب فعل ما ذكرناه أولاً فاتبعناه تبركاً به. والرواية الثانية هي التي رجع إليها مالك بناء على أن الأوقاص مزكاة، وهي التي ذكر المصنف أنها المشهور، والأولى مبنية على أن الأوقاص غير مزكاة.

وَفِي التَّقْوِيمِ يَوْمَ الأَخْذِ أَوْ يَوْمَ الْوَفَاءِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَالْمُسْتَهْلِكِ أَوْ كَالْمُسْتَسْلِفِ

يعني: إذا أخذ الساعي من أحدهما وثبت لأحدهما الرجوع، فهل ينظر إلى قيمة ما أخذه الساعي يوم أخذه وهو قول ابن القاسم، أو يوم الوفاء وهو قول أشهب؟ والأول: بناء على أن الرجوع عليه كالمستهلك لنصيب خليطه، والقيمة إنما تؤخذ في الاستهلاك يوم التعدي. والثاني: بناء على أن المرجوع عليه كالمستسلف لنصيب خليطه. وإذا تسلف الإنسان شاة تساوي عشرين، ثم صارت تساوي عشرة، فليس له إلا شاة تساوي عشرة. وإلحاقه بالمستهلك أظهر؛ للأخذ كرهاً. وقد يقال: لما خالط غيره، فقد دخل على ذلك. ولعل هذا الوجه هو وجه القولين في الرد إلى هذين الأصلين، وإنما لم يجعله المصنف في القول الأول مستهلكاً حقيقة؛ لأنه لم يباشر ولم يأمر.

فَإِنْ خَالَفَ السَّاعِي فَأَخَذَ وَلَيْسَا بِنِصَابٍ فَغَصْبٌ لا تَرَاجُعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْجَمِيعِ نِصَاباً وَقَصَدَ غَصْباً فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ قَصَدَ غَصْباً بِالزَّائِدِ فَلا تَرَاجُعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِتَأوْيلٍ تَرَاجَعَا، وَقِيلَ فِي الزَّائِدِ.

أي: فإن خالف الساعي الشرع، فإن لم يكن جميع مال الخلطاء نصاباً كاثنين لكل واحد خمس عشرة شاة، فأخذ من أحدهما شاة فذلك غصب لا تراجع فيه. وإن كان

ص: 304

بالجميع نصاباً كما لو كان لكل واحد عشرون، فإن قصد بالأخذ الغصب فكذلك، وإن لم يقصد الغصب بل تأول في ذلك وأخذ بقول من ذهب إليه من العلماء تراجعا؛ لأن أخذ الساعي بالتأويل كحكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينقض ولا يرد.

وقوله: (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) يعني: وإن كان أحد المالين نصاباً والآخر دون النصاب، كاثنين للواحد مائة وللآخر أحد وعشرون، فإن قصد غصباً بالزائد؛ أي: بالشاة الثانية فلا تراجع فيه لأنه ظلم، وإن لم يقصد الغصب بل قلد في ذلك إماماً وهو معنى قوله:(وَإِنْ كَانَ بِتَأوْيلٍ) فإنهما يتراجعان كما تقدم. وإذا قلنا بالتراجع فهل يتراجعان في جميع الشاتين، أو في الزائد وهو الشاة الثانية؟ قولان:

فعلى الأول وهو قول محمد وسحنون: يقسمان الشاتين على مائة وأحد وعشرين جزءاً، يكون على صاحب المائة مائة، وعلى صاحب الإحدى وعشرين أحد وعشرون جزءاً.

وعلى الثاني وهو قول ابن عبد الحكم: يكون على صاحب المائة شاة، ثم يقسم الثانية على مائة وإحدى وعشرين.

وَعَلَيْهِمَا اخْتُلِفَ إِذَا أَخَذَ بِنْتَ لَبُونٍ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعٍ، فَقِيلَ: يَتَرَاجَعَانِهَا، وَقِيلَ: قِيمَةُ مَا بَيْنَ السِّنَّيْنِ ....

أي: وعلى القول في كيفية التراجع، اختلف في خليطين لأحدهما اثنان وثلاثون، وللآخر أربع، فعلى الأول يتراجعان في مجموع بنت اللبون، فإن كانت تساوي ستةً وثلاثين درهماً كان على صاحب الأربع أربعة دراهم، وعلى صاحب اثنين وثلاثين اثنان وثلاثون درهماً. وعلى الثاني يتراجعان الزائد على سن بنت المخاض؛ أي: يقتسمان الزائد على سن بنت مخاض على مجموع المال، فلو كانت بنت المخاض تساوي أربعة وعشرين لاقتسما اثنى عشر على مجموع الماشية؛ أي: على ست وثلاثين، فيكون على صاحب الأربع درهم وثلث.

ص: 305

وقال ابن عبد السلام في هذا القول الثاني: يقتسمان الزائد على سن بنت المخاض على ما بين السنين، وهو أحد عشر جزءاً. وما أراه إلا وهماً، وقد نص على ما قدمته الباجي، وصاحب البيان، وابن يونس، وابن شاس وغيرهم، ولتعلم أن النص إنما هو للمتقدمين في الغنم لا كما يُفْهِمُهُ كلام المصنف بقوله:(عَلَيْهِمَا) ثم أجرى المتأخرون مسألة الإبل عليها، ونص على ذلك ابن عبد السلام.

وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ التَّنْصِيفَ فِي الزَّائِدِ

قال اللخمي- بعد ذكر القولين المتقدمين-: هل يتراجعان المجموع أو الزائد؟ ويجري فيهما قول ثالث: أن الثانية تكون عليهما نصفين، قياساً على القول: إذا شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرجم ثم رجع جميعهم، فقيل: تكون ديته عليهم أسداساً، وقيل: نصفين؛ لأن كل فريق يقول: لولا أنتم لم يرجم.

قال ابن بشير: ولا يلزم ما قاله؛ لأن القول بأن في الدية شطرين نظر إلى أن الإحصان يستقل بالاثنين كاستقلال الزنا بالأربعة، فهم في المعنى كالمتشاطرين، وفي مسألة الخليطين لا شك أن لزيادة العدد تأثيراً في وجوب الزكاة في تأويل المصدق، فيقسم على الأعداد.

وَفِي الزَّوْجُ يَسْتَحِقُّ [138/ ب] نِصْفَ مَاشِيَةِ بِعَيْنِهَا بِالطَّلاقِ كَالْخَلِيطِ أَوْ كَالْفَائِدَةِ، قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ بَقَاؤُهَا عَلَى مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِهَا الآنَ

أي: إذا تزوج إنسان امرأة وأصدقها ماشية معينة كثمانين شاة، ثم طلقها قبل البناء فاستحق نصفها، قهل يقدر هذا الراجع كأنه لم يزل على ملكه فيزكيان زكاة الخلطة- وهو له في المدونة- أو إنما انتقل إلى ملكه الآن- قاله أشهب- فيستقبل الزوج بنصيبه؟ ثم لهما حالتان: حالة يقتسمان فيها قبل مجيء الساعي، وحالة لا يقتسمان فيها. فإذا اقتسما أخذ من الزوجة شاة وكذلك من الزوج على المشهور.

ص: 306

قال اللخمي: واختلف إن وجدهما لم يقسما، هل يجب فيها نصف شاة على المرأة، أو يكون عليها فيها شاة دون الزوج، أو تكون الشاة عليهما جميعاً، وانظره؟

ولفظ المدونة: ومن تزوج امرأة على ماشية بعينها فلم تقبضها حتى تم لها حول عند الزوج، فطلقها قبل البناء وقبل مجيء الساعي، فإن أتى الساعي ولم يقتسماها أو وجدهما قد تخالطا بعد اقتسام، فهما كالخليطين لا زكاة عليهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما فيه الزكاة. قال: ولا يكون للزوج فائدة إذا كان فيها شريكاً في نمائها ونقصها.

وقوله: (بِعَيْنِهَا) احترازاً من التي في الذمة، فإن المرأة لا زكاة عليها إلا بعد حول بعد قبضها اتفاقاً.

وَعَلَيْهِمَا خِلافُ الْغَلَّةِ، وَخِلافُ الْحَدِّ فِي وَطْئِهِ جَارِيَة الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ

فعلى الأول: يكون للزوج نصف الغلة ولا حد عليه. وعلى الثاني: تكون الغلة كلها للمرأة والحد عليه.

وَأَمَّا الْخَلِيطُ لَهُ مَاشِيَةٌ بِخَلِيطٍ آخَرَ كَثَمَانِينَ، وَثَمَانِينَ لَهُ نِصْفُهَا

هذه المسألة من حسان المسائل، وللناس فيها طرق وكلها لا ترفع الإشكال، وربما صعبت على كثير لاسيما من لفظ المدونة، وسأوضحها إن شاء الله تعالى.

ابن هارون: يعني: أن من له ماشية خالط ببعضها إنساناً وبالبعض الآخر آخر، وهذا ظاهر من كلمه، فإنه قال:(وَأَمَّا الْخَلِيطُ) فأثبت له أنه خليط. وقوله: (لَهُ مَاشِيَةُ بِخَلِيطٍ آخَرَ) يستلزم أن تكون هذه الماشية غير الأولى. وقوله: (كَثَمَانِينَ

) إلخ. أي: كرجل له ثمانون شاة خالط بأربعين إنساناً وبالأربعين الأخرى آخر، وما قاله ابن عبد السلام من أن كلامه أعم من أن يكون خالط كلاًّ من الطرفين بنصف الثمانين أو بأكثرها ليس بظاهر، بل يتعين الحمل على أنه خالط كل واحد بنصفها؛ لما تقدم أن شرط الخلطة أن يكون لكل واحد نصاب.

ص: 307

فَارَبَعَةٌ، كَالْخَلِيطِ الْوَاحِدِ فَشَاتَانِ عَلَيْهِ شَاةٌ

أي: فأربعة أقوال ولذلك أتى بالتاء، ولو أراد روايات لقال: فأربع.

الأول: أن الخليطين كالخليط الواحد، بناء على أن خليط الخليط كالخليط فيكون عليه شاة كاملة؛ لأن له نصف المائة والستين، وعلى كل واحد من الطرفين نصف شاة وعزاه ابن شاس، وابن راشد لابن القاسم وأشهب. قال ابن بزيزة: وهو أصح الأقوال وعزاه في البيان لابن حبيب، وابن الماجشون. قال: ولم يتكلم في المدونة على خليط الخليط، وإنما تكلم على الخليط إذا كانت له غنم لم يخالط بها، فاحتمل أن يكون مذهبه فيها خليط في الخليط كالخليط على ما في العتبية عن بعض المصريين، ويحتمل أن يكون على ما ذهب إليه ابن حبيب، ووالأول هو الذي حفظناه عن الشيوخ. انتهى. وسيأتي لفظ العتبية إن شاء الله تعالى.

وَكَالْخَلِيطَيْنِ فَكَذَلِكَ

هذا القول الثاني قد ذكره ابن رشد. ومعناه: أن كل واحد من الطرفين لا خلطة بينه وبين الطرف الآخر، بناء على أن خليط الخليط ليس كالخليط فيكونان خليطين، فيكون عليه مع كل من الطرفين نصف شاة، ويكون على كل من الطرفين نصف شاة، فيكون مجموع الواجب شاتين، وهو معنى قوله:(فَكَذَلِكَ) ومنشأ الخلاف تعارض أمرين كالمتناقضين؛ أحدهما: أن الخليط الأوسط يجب ضم بعض ملكه إلى بعض مع عدم الخلطة. والثاني: أن الطرفين ليس بينهما خلطة فلا يضم ملكهما بعضه إلى بعض. فمن غلب حكم الوسط جعل خليط الخليط كالخليط، ومن غلب حكم الطرفين أفرد ملك الوسط فجعله كمالين لمالكين.

ص: 308

وَالْوَسَطُ خَلِيطٌ لهُمَا مَعاً وَهُوَ مَعَ أَكْثَرِهِمَا، فَشَاةٌ وَثُلُثَانِ عَلَيْهِ ثُلُثَا شَاةٍ

هذا هو القول الثالث. ومعناه: أن الوسط وهو صاحب الثمانين يعد خليطاً لكل من الطرفين بجميع الثمانين.

وقوله: (وَهُوَ مَعَ أَكْثَرِهِمَا) الضمير في (هو) عائد على أحد الطرفين لا بعينه؛ أي: وكل واحد من الطرفين خليط للوسط بما خالطه به الوسط فقط، وإذا كان كذلك كان الواجب شاة وثلثين، على الوسط الثلثان وعلى كل طرف نصف؛ لأن الوسط إذا عد خليطاً لكل منهما بجميع الثمانين كان هو صاحب الأكثر؛ أي: صاحب الثمانين. فعليه ثلثا شاة وعلى كل طرف نصف؛ لأن كل واحد منهما إنما يعد مخالطاً للوسط بما خالطه به الوسط فقط وهو أربعون، والفرض أن له أربعين. وأبهم الضمير لعدم الالتباس؛ إذ لا يمكن حمله على [139/ أ] الوسط، وقد ذكر في البيان هذا القول كما تقرر ولم يعزه، وبهذا تعلم أن ما قاله ابن راشد- وقال ابن عبد السلام أنه قريب-: أن (أكثرهما) تصحيف في هذا القول وفي الذي بعده، وأنها مصحفة بـ (أحدهما) ليس بشيء، وجزاهم الله خيراً لقد أوضحا وبينا.

وَالْوَسَطُ خَلِيطٌ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُمَا وَهُوَ مَعَ أَكْثَرِهِمَا، فَشَاةٌ وَثُلُثٌ عَلَيْهِ ثُلُثَا شَاةٍ

هذا هو القول الرابع. ومعناه: أن الوسط يقدر خليطاً لكل واحد من الطرفين بجميع ماشيته، وأن الطرفين لا خلطة بينهما. وقوله:(لَهُمَا) أي: لأجل إدخال الرفق عليهما.

وحاصله: أن هذا والقول الثالث يريان أن الوسط لا يزكي ماله إلا مجتمعاً، إذ من حجته أن يقول: إنما أزكي مالي مع واحد لأن على في التفريق ضرر. وكذلك اتفقا على أنه إنما يجب على الوسط ثلثا شاة ثم اختلفا. ففي الثالث هل يقدر أن كل طرف مخالط

ص: 309

للوسط بما خالطه به الوسط فقط، فيكون عليه نصف شاة. وفي الرابع يقدر أن كل طرف مخالطاً للوسط بجميع ماشيته، فيكون عليه ثلثا شاة رفقاً بالطرفين. وحاصل ما ذكره المصنف: أن خليط الخليط قيل كالخليط، وقيل: لا. وعلى الثاني فهل يزكي الوسط ماشيته مع هذا وهذا أم لا؟ وعلى الثاني فهل يقدر كل طرف مخالطاً للوسط بما خالط به الوسط فقط، أو بمجموع ماشيته؟ وهذا القول هو الذي يؤخذ من العتبية. قال فيها: قال بعض المصريين: ولو أن رجلاً له ثلاثون من الإبل ولثلاث نفر ثلاثون من الإبل لكل واحد عشرة، فجاءهم الساعي، فإنه يحسب على الذي له العشرة الثلاثين كلها التي هي لصاحبه؛ لأنها يجمعها على صاحبه فيأخذ من صاحب العشرة ما يصير على عشرته إذا جمعت كلها، وتفسير ذلك أن الساعي يبدأ بأحد ثلاثة نفر، فيقول له: إن لك عشرة من الإبل ولمخالطك مثلها فهذه عشرون، وله عند فلان وفلان عشرون فهذه أربعو،، فلابد من جمعها عليك فاعلم ما يصير عليك يا صاحب العشرة فأخذه بأربعين من الإبل فيهما ابنة لبون، فعليك يا صاحب العشرة ربعها، ثم يرجع إلى الثاني والثالث فيفعل بهما هكذا، ويأخذ من كل واحد ربع قيمة بنت اللبون، ثم يرجع إلى صاحب الثلاثين فيقول له: إن لك ثلاثين من الإبل ولأصحابك ثلاثين أخرى وأنت خليط لهم بإبلك ولابد أن أحسب عليك ما لأصحابك فاعرف ما يصير عليك إذا جمعته عليك وآخذه منك، فجميع إبلك إذا جمعتها ستون وفيها حقة، فعليك يا صاحب الثلاثين نصفها فَهاتِه.

وفي المسألة قول خامس حكاه الباجي عن ابن المواز، وابن عبد الحكم، وأصبغ: أن الوسط عليه شاة وعلى كل واحد من صاحبيه ثلث شاة. وفهم ابن راشد أن هذا هو القول الثالث، وليس بصحيح؛ لأن المصنف نص على أن الوسط في القول الثالث ثلثي شاة.

ص: 310

وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَينَ الأَوَّلِ وَالثَّانِي فِي وَسَطٍ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ خَالَطَ بِخَمْسَةٍ، وَعَشَرَةٍ ذَوِي خَمْسَةٍ، فَعَلَى الأَوَّلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَعَلَى الثَّانِي بِالْغَنَمِ

هذا جواب عن سؤال مقدر؛ لأنه لما قال الواجب في الأول شاتاان وفي الثاني كذلك، كأن قائلاً قال له: فإذاً لا فرق بينهما. فأجاب بما ذكره وهو ظاهر، وهنا فرق آخر وهو أظهر، وهو أن المصنف سيذكر أن المشهور فيمن وجب عليه جزء شاة أخذ القيمة، وعلى هذا فيتخرج الوسط على القول الأول شاة وعلى الثاني قيمة نصف شاة.

فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةُ بِغَيْرِ خَلِيطٍ ثَانٍ سَقَطَ الرَّابِعُ

يعني: سقط القول الرابع الذي في مسألة خليط الخليط، وتأتي الثلاثة الأول هنا: الأول: أن الجميع خليط فتجب شاة على صاحب الثمانين، وهو مذهب المدونة.

ثانيها: أن على صاحب الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين شاة؛ لأن الساعي يأخذ منها شاة الثمانين المختلطة، ثم يأخذ من صاحب الثمانين على الأربعين التي لا خليط له فيها نصف شاة؛ لأنه لم يضيفه إلى الأربعين التي زكاها مع صاحبها. هكذا قرر هذا القول ابن راشد، وابن عبد السلام وغيرهما. ولولا هذا لأمكن أن يقال بوجوب الشاتين؛ لأن الثمانين المجتمعة فيها شاة، والأربعين الأخرى مقدرة الانفصال فتكون فيها أخرى.

والقول الثالث: أن عليهما شاة، وسدساً عليه ثلثا شاة، وعلى صاحب الأربعين نصف شاة، وعزاه ابن راشد لابن الماجشون. قال سحنون: وهو أحب إلي.

وَإِذَا وَجَبَ جُزْءٌ تَعَيَّنَ أَخْذُ الْقِيمَةِ لا جُزْءٍ عَلَى الْمَشْهُورِ

إنما تعين أخذ القيمة لأجل الشركة، لما فيها من الضرر، ألا ترى أن الأوقاص إنما شرعت لرفع ضرر الشركة، والشاذ أنه يكون شريكاً في شاة؛ لأن أخذ القيمة خلاف الأصل.

ص: 311

وَالْمَشْهُورُ: اشْتِرَاطُ مَجِيءِ السَّاعِي إَنْ كَانَ لِلْعَمَلِ

أي: أنه اختلف في مجيء الساعي هل هو شرط للوجوب كالنصاب، أو في الأداب لخصوصية الماشية على غيرها؟ والأول هو المشهور [138/ أ].

[139/ ب] وقوله: (إَنْ كَانَ) أي: إن كان ثَمَّ سعاة. يريد وتصل، وإلا وجبت بالحول الثاني اتفاقاً. واستدل المصنف للمشهور بعمل المدينة، واعترض بأن لا زيادة في العمل على خروجهم لقبضها، وذلك أعم من شرط الوجوب وشرط الأداء. ولأنهم كانوا يخرجون لقبض زكاة الحب، وليس خروجهم لذلك شرط في الوجوب، والقول الشاذ حكاه ابن بشير.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَوْ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، أَوْ أَوْصَى بِهَا، أَوْ أَخْرَجَهَا لَمْ تَجِبْ، وَلَمْ تُبَدَّ، وَلَمْ تُجْزِهِ

أي: وإذا فرعنا على المشهور، فمات رب الغنم بعد الحول وقبل مجيء الساعي لم يجب على الوارث إخراجها عنه؛ لأنها لم تجب عليه، ولكن يستحب لهم إخراجها. ولو أوصى بها فهي من الثلث غير مبداة. قال مالك في المدونة: وإنما يبدأ في الثلث ما كان فرط فيه من زكاة العين، ولو أخرجها قبل مجيئه لم تجزه وكان للساعي أخذها منه. قوله:(لَمْ تَجِبْ) راجع إلى قوله: (لَوْ مَاتَ). قوله: (وَلَمْ تُبَدَّ) راجع إلى قوله (أَوْصَى بِهَا). قوله (لَمْ تُجْزِهِ) راجع إلى قوله (أَخْرَجَهَا).

وعلى الشاذ: تجب في الفرع الأول وتبدي في الثاني. وظاهر قوله: وعلى المشهور أنها تجزئ على الشاذ، وهكذا قال اللخمي لكنه لم يطلق الخلاف، بل قال: إذا أخرج المزكي زكاته لغير الأئمة ولم يعلم ذلك إلا بقوله، فإن كان من أهل التهم لم تجزه بالاتفاق. قال: وإنما الخلاف إذا كان مخرجها عدلاً أو غير عدل وأخرجها ببينة، فوجه عدم الإجزاء ورود النص بجعل هذه إلى الأئمة. ووجه القول الآخر أن جعل ذلك للأئمة لم يكن لحق

ص: 312

لهم، وإنما هم فيها كالولاة يوصلونها إلى مستحقهأ، فمن أوصلها إليهم أجزأت. قال: والأموال الظاهرة والباطنة في ذلك سواء. انتهى. ولولا هذا لكان الظاهر أنها لا تجزئ على القولين؛ لأنا وإن لم نقل أن الساعي شرط وجوب فهو شرط أداء.

وَعَلَيْهِ لَوْ مَرَّ السَّاعِي فَوَجَدَهَا نَاقِصَةً ثُمَّ رَجَعَ وقَدْ كَمُلَتِ اسْتَقْبَلَ

أي: وعلى المشهور، لو مر الساعي بإنسان فوجد ماشيته ناقصة عن النصاب، ثم رجع وقد كملت استقبل حولاً؛ لأن حول الماشية إنما هو مرور الساعي بها بعد الحول عليها. قال في العتبية: ولا ينبغي للمصدق أن يرجع لهأ، ولا أن يمر بها، ولا يمر على الماشية في العام الواحد إلا مرة. قال في البيان: لأنه لو كان يرجع إليها بعد أن مر بها لم يكن لذلك حد ولا انضبط لها حول، وهذا مما لا خلاف فيه. انتهى.

قال في الموازية: وإذا لم يجد الساعي في الماشية نصاباً، ثم رجع فوجدها ولدت فبلغت النصاب، فلا يأخذ منها شيئاً. وقال ابن عبد الحكم: ما أدري ما وجه قول مالك في هذه المسألة وعليه أن يزكي. وصوبه اللخمي قال: لأنه نصاب حال عليه الحول، وإنما أمر الساعي بعدم الرجوع لكلفة ذلك عليه، فإذا تكلف ورجع فليأخذه بالزكاة.

وَلَوْ سَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ زَادَتْ بِولادَةٍ، أَوْ نَقَصَتْ بِمَوْتٍ، فَأَصْبَحَ فَعَدَّ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ لَمْ يُصَدِّقْهُ، فَالْمُعْتَبَرُ مَا وُجِدَ اتِّفَاقاً، وإِنْ كَانَ قَدْ صَدِّقَهُ فَفِي النَّقْصِ قَوْلانِ، كَمَا لَوْ ضَاعَ جُزْءُ الْعَيْنِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَفِي الزِّيَادَةِ طَرِيقَانِ: مَا صَدَّقَهُ فِيهِ، وقَوْلانِ

أما إن لم يصدقه، فلأن كلامه كلا كلام. وأما إن صدقه، قال الباجي: وفي معنى التصديق أن يعد عليه ولا يأخذ، ففي النقص كما لو ضاع جزء من العين فلا زكاة عليه على المذهب. ابن يونس: وقد قيل ما عده المصدق فقد وجبت زكاته وإن هلك بأمر من الله تعالى ويأخذ مما بقي وليس ذلك بشيء. وقد قيل في العين يهلك بعضها أنه يخرج ربع

ص: 313

عشر الذي بقي؛ لأنهم كانوا شركاء معه بربع العشر، فيدخل هذا القول في الماشية وله وجه. انتهى.

فظاهره أن في المسألة ثلاثة أقوال، وهذا القول الذي أشار إليه تجب زكاة ما بقي هو قول ابن الجهم كما تقدم، وهو يستفاد من تشبيه المصنف هذه المسألة بالعين. وقصر اللخمي القول بالسقوط على ما إذا كانت زكاتها من عينها. قال: أما إذا كانت زكاتها من غيرها، كما إذا سأله عن عدد إبله، فقال: هي عشرون. فإنه يأخذ أربع شياه وإن ذهبت كلها؛ ٍلأنه سلم ذلك إليه ليأخذ الزكاة من الذمة. ولا فرق على المشهور في النقص بين أن يكون بموت أو بذبح إلا أن يكون قصد بذبحها الفرار، نص عليه ابن المواز. وقوله:(وَفِي الزِّيَادَةِ طَرِيقَانِ) تصورهما ظاهر. وقد ذكرهما ابن بشير، ولعل منشأ الخلاف هل تصديقه كحكمه أم لا؟

وَتَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْهَارِبِ مِنَ السُّعَاةِ اتِّفاقاً

المراد بتعلقها بالذمة: وجوب أدائها على ماضي السنين التي هرب فيها من حيث الجملة؛ لأنها تتعلق بالذمة كالدين لما سيأتي.

فَإِنْ وُجِدَتْ نَاقِصَةً عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُصَدَّقْ إِلا فِي ذَلِكَ الْعَامِ

كما لو فر بها وهي ثلاثمائة ثلاث سنين ثم وجده الساعي وهي مائة، فإنه يأخذ منه زكاة ما فر به كل عام كالعامين في هذا المثال فتؤخذ ست شياه عنهما، ويأخذ منه شاة عن العام الثالث؛ لأنه تبين صدقه فيه. ابن عبد السلام: وهذا بين إذا قدر [140/ أ] عليه، وأما إن جاء تائباً أو قامت له بينة، فينبغي ألا يأخذ منه إلا ما كانت عليه.

ص: 314

وَإِنْ وُجِدَتْ زَائِدَةً، فَفِي أَخْذِهِ عَنْ كُلِّ عَامٍ بما كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ بِمَا وُجِدَ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَصْدِيقِهِ قَوْلانِ

أي: فر بها وهي قليلة ثم قدر عليه وهي كثيرة، فهل يؤخذ كل عام بما كان ف ي يده، وهو قول ابن القاسم. قال الباجي: وهو قول أصحابنا إلا أشهب، فإنه قال: يؤخذ بالكثرة عما مضى من الأعوام.

قوله: (وَعَلَى الْمَشْهُورِ) أي: قول ابن القاسم، فهل يصدق لأنه الأصل في الزكاة أم لا، لأن قرينة الهروب تدل على كذبه؟ قولان: الأول لسحنون، والثاني لابن الماجشون أما إن قامت له بينة عمل عليها بلا إشكال.

وَلَوْ كَانَ الأَخْذُ لِبَعْضِ الأَعْوَامِ يُنْقِصُ النِّصَابَ أَوْ الصِّفَةَ؛ فَالْمَشْهُورُ نَقْصُهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْيَانِ الْمَاشِيَةِ أَوْ لا، فَلِذَلِكَ يَاخُذُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسَ سِنِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ شَاةً، وعَنْ خَمْسٍ خَمْسَ شِيَاهٍ، لأَنَّ زَكَاتَهَا مِنْ غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ تَخَلَّف السُّعَاةُ

مثال نقص النصاب: كما لو كان معه اثنان وأربعون شاة وفر خمس سنين، فإنه إذا أخذ لثلاث منها ينقص النصاب؛ لأنه إنما يبقى معه تسع وثلاثون شاة. ومثال نقص الصفة: أن ينقص سن الزكاة إذا فر وعنده سبعة وثلاثون بعيراً، فإنه إذا أخذ لسنتين نقص سن بنت اللبون. وقوله: (والمشهور

) إلخ. ظاهر التصور. والشاذ لسحنون وأشهب: أن الزكاة متعلقة بذمته، والدين لا يسقط زكاة الماشية. قوله:(فَلِذَلِكَ) أي: فلاعتبار النقص يأخذ من خمس وعشرين خمس سنين. أي: فر بها خمس سنين بنت مخاض وست عشرة شاة، وعلى الشاذ يأخذ فيه عن كل سنة بنت مخاض. ابن راشد: والمنقول في هذه المسألة أن الساعي إن وجد فيها بنت مخاض وابن لبون يأخذه ويزكي ما بقي بالغنم، وإن لم يجد ذلك وكلفه شراء ذلك، فهل يزكي عن جميع الأعوام بالإبل، وهو

ص: 315

قول مالك في المجموعة، أو يكون الحكم كالأول، وهو ظاهر المدونة. انتهى. ونحوه للخمي، ولم يحك الباجي فيما إذا لم يكن فيها بنت مخاض إلا تزكيتها لسائر الأعوام بنت مخاض. لكن قال ابن زرقون: هذا هو قول عبد الملك في المبسوط، وقال ابن القاسم في المدونة: يزكي عن العام الأول بنت مخاض وعن سائر الأعوام بالغنم.

قوله: (كَمَا لَوْ تَخَلَّف السُّعَاةُ) تشبيه في المجموع. وما ذكره الباجي الكلام الذي ذكرناه عنه إلا في المتخلف.

وَإِذَا تَخَلَّفَ السُّعَاةُ أَعْوَاماً أَخَذَوا عَمَّا تَقَدَّمَ

يريد: إذا بقي بيد أرباب الماشية ما يؤخذ منهم، إذ الأخذ لا يكون إلا من مأخوذ، ولولا قول مالك بعد قوله: أخذوا لماضي السنين. وذلك الأمر عندنا، لكان مقتضى كونه شرطاً في الوجوب ألا يأخذ الماضي.

فرع:

قال اللخمي: وإذا تخلفت السعادة لشغل أو أمر لم يقصدوا فيه إلى تضييع الزكاة، فأخرج رجل زكاة ماشيته أجزأت. وقال عبد الملك في الموازية: لا تجزئ والأول أحسن. فإن وجدت ناقصة عمل عليه فيما تقدم، أي: عمل على النقص فيما تقدم، فلو تخلف وهي مائتان أربعة أعوام فصارت اثنين وأربعين، فإنه يأخذ لثلاثة أعوام ثلاث شياه ويسقط ما عليه في العام الرابع؛ لنقص ما بيده عن النصاب.

وَإِنْ وُجِدَتْ زَائِدَةً، فَالْمَشْهُورُ: اعْتِبَارُهُ أَيْضاً فِيمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. والشَّاذُّ الْقِيَاسُ

كما لو تخلف عنها وهي أربعون أربع سنين، ثم جاء فوجدها أربعمائة، فالمشهور: أنه يأخذ منه ست عشرة شاة اعتباراً للزائد فيما مضى من السنين، وبه قال ابن القاسم، وأشهب، ومحمد، وابن حبيب، وسحنون. وعلى المشهور عمل أهل المدينة. والشاذ لابن

ص: 316

الماجشون: أنها تؤخذ في كل عام على ما ذكر صاحبها أنها كانت عليه. هكذا نقله الباجي. قال ابن عبد الحكم: ومعنى قول مالك أنه يزكي ما وجد إذا لم يدَّعِ أرباب الماشية أنها كانت في الأعوام الماضية ناقصة. وقوله: والشاذ القياس؛ أي: لأن الفَارَّ إذا لم يؤخذ بالزيادة لماضي السنين مع تعديه فلأن لا يؤخذ بها من تخلف عنه الساعي مع عذره من باب الأولى.

وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلاً دُونَ النِّصَابِ فَكَمُلَتْ بِوِلادَةٍ أَوْ بَدَلٍ، فَفِي اعْتِبَارِهِ أَعْوَامَ النُّصُبِ أَوْ إِلْحَاقِهَا بِالْكَامِلَةِ لَهَا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ

كما لو كانت ثلاثين، فتخلف الساعي عنها ثلاث سنين، فجاء الساعي فوجدها خمسين بولادة أو أبدلها بها. فقال مالك، وابن القاسم: إنما يؤخذ عن الأعوام التي كان فيها نصاب. زاد الباجي في قولهما: وهو مصدق في ذلك. وألحقها أشهب بالكاملة. أما لو كمل النصاب بفائدة، فلا خلاف أنها لا تجب إلا من حين الكمال. نقل ذلك الباجي وغيره.

ابن عبد السلام: وغير ذلك بعضهم. انتهى.

فرعان:

الأول: لو غاب عنها الساعي [140/ ب] وهي نصاب، ثم نقصت عن النصاب ثم عادت إلى النصاب، فإن عادت بولادة زكى الجميع لجميع الأحوال على ما هي عليه اليوم. قال محمد: لا آخذ بهذا، ويأخذ منها من يوم تمت ما فيه الزكاة ويسقط ما قبل ذلك. قال الباجي: وإن عادت بفائدة لم يزكها إلا يوم بلغت النصاب لا يوم مجيء الساعي.

الثاني: قال اللخمي: لا خلاف فيما غاب عنه الساعي أنه يبتدئ في العام الأول واخلتف قول مالك- رحمه الله في الفرار هل يبتدئ الساعي بالأخذ لأول عام، ثم للثاني، ثم للثالث؟ أو يأخذ أولاً عن العام الأول، كما لو فر بها وهي أربعون سنتين ثم جاء وهي أربعون، فعلى الأول: يأخذ للعام الأول شاة ولا شيء في الثاني؛ لنقصها عن

ص: 317

النصاب. وعلى الثاني: يأخذ شاتين. وقال بالأول ابن القاسم، وابن الماجشون، وسحنون في المختصر، وهو اختيار ابن المواز.

وَإِذَا امْتَنَعَ الْخَوَارِجُ بِبَلَدٍ أَعْوَاماً وَظُهِرَ عَلَيْهِمْ، أُخِذَوا بِالزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ وغَيْرِهِ. وقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَقُولُوَا أَدَّيْنَا؛ لأَنَّهُمْ مُتَاوِّلُونَ بِخِلافِ الْهَارِبِ

الخوارج هم الذين يرون ما رآه الخارجون عن علي رضي الله عنه أي: إذا امتنعوا وقدر عليهم أخذت منهم الزكاة لماضي الأعوام في العين، والحرث، والماشية، فإن زعموا أنهم أعطوها، فإنهم يصدقون في قول أشهب، إلا في ذلك العام الذي ظُهر عليهم فيه؛ يريد إذا ظُهر عليهم قبل الحول. ابن عبد السلام: وحمل الأشياخ قول أشهب على الوفاق لابن القاسم، وهو كذلك. ونص ابن المواز على أن المتغلبين على البلد ممن لا يرى رأي الخوارج يلحقون بالخوارج في حكم الزكاة.

وَخُرُوجُ السُّعَاةِ أَوَّلَ الصَّيْفِ تَخْفِيفاً عَلَى الْقَبِيلَيْنِ

أي: والمراد بالقبيلين السعادة وأرباب المواشي، لأنه لو خرج في زمان الربيع لوجد الناس مفترقين على المياه والمراعي، فيحصل للسعادة التعب ولأرباب المواشي؛ لأن بعضهم قد يحتاج إلى نقل ماشيته، وقد يحتاج إلى سن فيجد عنده غيره، بخلاف أول الصيف فإن المياه تقل فيجتمع الناس. قال الشافعي رضي الله عنه: يخرج أول المحرم، لأن الأحكام الشرعية إنما هي منوطة بالسنين القمرية. وعلق مالك- رحمه الله الحكم هنا بالسنين الشمسية، وإن كان يؤدي إلى إسقاط سنة في نحو ثلاثين سنة لما في ذلك من مصلحة العامة.

وَفِي أَخْذِهِمْ سَنَةَ الْجَدْبِ قَوْلانِ

المشهور: الأخذ، والقول الآخر من كلام المصنف يحتمل وجهين: أحدهما: تركها لعام الخصب فتؤخذ، وهو قول مالك في الموازية ذكره اللخمي. والثاني: سقوطها بالكلية، وحكاه ابن رشد.

ص: 318