المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وإن كان غيره صرورة، ففي المدونة أن المال مبدأ. وفي - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٢

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: وإن كان غيره صرورة، ففي المدونة أن المال مبدأ. وفي

وإن كان غيره صرورة، ففي المدونة أن المال مبدأ. وفي العتبية: يتحاصان. ففي هذه قولان، وفي الأولى ثلاثة أقوال. انتهى.

الثالث: لو قال: أحجوا فلاناً عني فأبى فلان إلا بأكثر من أجرة المثل زيد مثل ثلثها، فإن أبى أن يحج عنه إلا بأكثر من ثلثه، لم يزد على ذلك واستؤجر من يحج عنه غيره بعد الاستيناء ولم يرجع ذلك إلى الورثة إن كانت الحجة فريضة باتفاق، أو نافلة على قول غير ابن القاسم في المدونة خلاف قوله فيها، قاله في البيان.

وَ‌

‌أَفْعَالُ الْحَجِّ

وَاجِبَاتٌ؛ أَرْكَانٌ غَيْرُ مُنْجَبِرَةٍ، وَوَاجِبَاتٌ؛ غَيْرُ أَرْكَانٍ مُنْجَبِرَةٍ، وَمَسْنُونَاتٌ، وَمَحْظُورَاتٌ مُفْسِدَةٌ، وَمَحْظُورَاتٌ مُنْجَبِرَةٌ ....

يعني: أن أفعال الحج مقسمة إلى ما ذكر، ولا ينبغي أن يذكر في أفعال الحج المحظور المفسد والمنجبر، ألا ترى أن الفعل المفسد للصلاة لا يقال فيه أنه من أفعالها. ابن راشد: لكنه قصد أني بين ما يصدر من الحاج، وأضاف المحظورات إلى الحج؛ لكونها تقع فيه، والإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، وحينئذ يقال: الفعل الصادر من الحاج إما مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك. ومطلوب الفعل قسمان: واجب وغيره. ومطلوب الترك مفسد منجبر والله أعلم.

الأولى أَرَبْعَةٌ: الإِحْرَامُ، وَوُقُوفُ عَرَفَةَ جُزْءاً مِنْ اللَيْلِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَطَوَافُ الإِفَاضَةِ، وَالسَّعْيُ، وَقَالَ اِبْنُ الْمَاجِشُونِ، وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ

قوله: (الأُولَى) أي: القسمة الأولى، وفي بعض النسخ:(الأول) أي: القسم الأول، وهو الواجبات الأركان. وزاد ابن الماجشون على الأربعة جمرة العقبة والوقوف بالمشعر الحرام، نقله في المقدمات. وحكى اللخمي عنه أنه لو ترك الوقوف بالمشعر الحرام لا شيء عليه، ولعل له قولين.

ص: 511

والدليل على ركنية السعي قوله عليه الصلاة والسلام: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي". وضعفه بعضهم، لكن قال في الاستذكار: جوده الشافعي وغيره.

وَيَرْجِعُ لِلَسَّعْيِ مِنْ بَلَدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِعُمْرَةٍ إِنْ أَصَابَ النِّسَاءَ

المشهور مذهب المدونة، ولا فرق بين السعي كله أو بعضه، ومقابله رواية عن مالك: أنه لا يرجع إليه من بلده ويجزئه الدم. اللخمي اوبن بشير: وهذا مراعاة للخلاف؛ لأن أبا حنيفة لايرى ركنيته. أي: فلا يؤخذ منه أنه ليس بركن. وإذا رجع على المشهور، فإنه يطوف ثم يسعى؛ لأن السعي لا يكون إلا بعد الطواف.

وقوله: (بعُمْرَةٍ إِنْ أَصَابَ النِّسَاءَ) ليس متعلقاً بـ (يَرْجِعُ) بل بمحذوف تقديره: ويأتي بعمرة بعد طوافه وسعيه إن أصاب النساء؛ جبراً للخلل الذي وقع في الحج بسبب الوطء. أما إن لم يصب النساء فلا عمرة عليه، بل الهدي فقط.

وَالْوَاجِبَاتُ الْمُنْجَبِرَةُ - وَقِيلَ: سُنَنٌ - فِيهَا دَمٌ كَالإِحْرَامِ بَعْدَ تَجَاوَزِ الْمِيقَاتِ، وَالتَّلْبيَةِ جُمْلَةً عَلَى الأَظْهَرِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ لِغَيْرِ الْمُرَاهِقِ خِلافاً لأَشْهَبَ، وَهُمَا مَعاً كَأَحَدِهِمَا، وَفِي سُقُوطِهِ عَنِ النَّاسِي قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَرَكْعَتَيِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالإِفَاضَةِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَعَ الإِمَامِ قَبْلَ الدَّفْعِ لِلْمُتَمَكِّنِ، وَنُزُولِ المُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَرَمْيِ كُلَّ حَصَاةَ مِنَ الْجِمَارِ، وَالْحَلْقِ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَالسَّعْيِ بَعْدَ الإِفَاضَةِ قَبْلَ سَفَرِ مُنْشِئ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ، وَالْمَبِيتِ بِمِنَى كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيِهَا أَوْ جُلَّ لَيْلَةٍ.

وقوله: (وَقِيلَ، سُنَنَّ) هو خلاف في الاصطلاح. أي: هل يُعتَبر عن "المنجبر بالدم"[175/ب] بـ"الواجب غير الركني" أو بـ "السنة"؟ ويظهر الفرق بينهما بالتأثيم وعدمه، قاله ابن عبد السلام. وقال الأستاذ الطرطوشي: وأصحابنا يعبرون عن هذه الخصال بثلاث عبارات: فمنهم من يقول: واجبات. ومنهم من يقول: وجوب السنن. ومنهم من

ص: 512

يقول: سنة مؤكدة. قال: ولم أر لأحد من أصحابنا هل يأثم بتركها أم لا؟ وأراد بالوجوب وجوب الدم، والأمر محتمل.

وقوله: (كَالإِحْرَامِ بَعْدَ تَجَاوَزِ الْمِيقَاتِ) لا يريد أنه يجب عليه ترك الإحرام من الميقات ليحرم بعده، وإنما يريد أن الإحرام من الميقات واجب ليس بركن، فإذا ترك الإحرام من الميقات وجب عليه دم، وقد يجاب عنه بأن قوله:(كَالإِحْرَامِ) متعلق بقوله: (فِيهَا دَمْ) أي: من أمثلة ما فيه الدم الإحرام بعد تجاوز الميقات.

وقوله: (وَالتَّلْبيَةِ جُمْلَةً عَلَى الأَظْهَرِ) أي: وكترك التلبية. وعلى الأظهر لو أتي بالتلبية وقتاً دون وقت فلا شيء عليه، لكن مقتضى كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين أن يأتي بها أول الإحرام أو لا، وليس كذلك.

قال في المدونة: وإن توجه ناسياً من فناء المسجد للتلبية كان بنيته محرماً، وإن ذكر من قرب ليَّ ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك به أو نسيه حتى فرغ من حجه فليهرق دماً. انتهى. فجعل تركها أول الإحرام مع التطاول بمنزلة تركها جملة في وجوب الدم، ومقابل الأظهر ذكره اللخمي فقال: واختلف إذا ابتدأ بالتلبية ثم قطع هل يكون عليه دم أم لا؟ فظاهر كلامه أن مقابل الأظهر سقوط الدم ولو ترك التلبية جملة ولم أره.

وقوله: (وَطَوَافَ الْقُدُومِ) معطوف أيضاً؛ أي: وكترك طواف القدوم أو ترك السعي بعده لغير المراهق، وأما المراهق فلا خلاف في عدم وجوبها عليه وسقوط الدم عنه.

وقوله: (خِلافاً لأَشْهَبَ) راجع إلى غير المراهق. وقوله: (وَهُمَا مَعاً كَأحَدِهمَا)؛ أي: وتركهما معاً كترك أحدهما. وقوله: (وَفِي سُقُوطِهِ)؛ أي: الهدي. قال في الجلاب: وإن ترك الطواف والسعي ناسياً والوقت واسع، فلا دم عليه عند ابن القاسم، والقياس عندي أنه يلزمه الدم بخلاف المراهق وكذلك قال الشيخ أبو بكر الأبهري. انتهى. قيل إن ابن الجلاب قاس ذلك على سائر مايترك من أفعال الحج الواجبة، فإنه قال: لا فرق في ذلك بين أن يتركها عمداً أو سهواً، ورأى ابن القاسم أن النسيان عذر فكان كالمراهق.

ص: 513

وقوله: (وَرَكْعَتَي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالإِفَاضَةِ)؛ أي: ويجب الدم بترك كل من ركتي القدوم والإفاضة إذا بعد عن مكة جبراص؛ للتفرقة، وانظر كيف أوجبوا الدم في ركعتي طواف القدوم ولم يوجبه ابن القاسم في ترك الطواف نسياناً! وهما في الحقيقة تبع له.

وقوله: (وَالْوُقُوفِ مَعَ الإِمَامِ) معطوف أيضاً؛ أي: وكترك الوقوف مع الإمام قبل الدفع للمتمكن، فإنه يجب عليه الدم. واحترز بالمتمكن من المراهق.

ومن أسلم ليلة النحر فنه لا يجب عليه شيء.

ومقتضى كلامه أنه لو وقف مع الإمام قبل الغروب ودفع قبله أيضاً ثم أُخبِرَ أنه لا يجزئه إلا بشرط أن يقف جزءاً من الليل فرجع ووقف مع الإمام - فإن الدم ساقط عنه؛ لوقوفه مع الإمام، وقد صرح بذلك في المدونة. ابن يونس: وقال أصبغ: أحب إلي أن يهدي من غير إيجاب، يتعمده ترك انتظار الدفع مع الإمام.

وقوله: (وَنُزُولِ المُزْدَلِفَةَ) وهو معطوف، وهو قول مالك وابن القاسم، ونسب مقابله لابن الماجشون، وهو مما يقوي قوله: اختلف في ركنية الوقوف بالمشعر الحرام.

خليل: والظاهر أنه لا يكفي في النزول إناخة البعير، بل لابد من حط الرحال.

وقوله: (وَرَمْيِ كُلِّ حَصَاةٍ)؛ وفي ترك رمي كل حصاة هدي، وسيأتي.

وقوله: (وَالْحَلْقِ)؛ أي: وكترك الحلق إلى أن يرجع إلى بلده.

وقوله: (وَالسَّعْيِ بَعْدَ الإِفَاضَةِ) هو معطوف أيضاً.

واعلم أن مُنشِئ الحج من مكة ليس مخاطباً بطواف القدوم ولا بالسعي أولاً، بلهو مأمور بأن يسعى بعد طواف الإفاضة، وهذا كقوله في الجواهر: ومن أنشأ الحج من مكة فطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفات، ثم لم يسع بعد عرفات حتى رجع إلى بلده-فعليه دم. فقوله:(بَعْدَ الإِفَاضَةِ) يريد وقد طاف وسعى قبل خروجه، وإلا فقد ذكر أولاً أنه إذا ترك السعي يرجع له من بلده.

ص: 514

وقوله: (وَالْمَبيتِ بمِنّى كُلِّ لَيْلَةٍ .... إلخ) تصوره ظاهر، ومراده الليالي التي بعد عرفة، وأما التي قبل عرفة فلا دم في تركها، صرح به في المقدمات.

وَمَسْنُونَاتٌ لَا دَمَ فِيهَا؛ وَهِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَتَتَبَيَّنُ بِالتَّفْصِيلِ

هو ظاهر، والإشارة بـ (ذَلِكَ) راجعة إلى الأركان والواجبات المنجبرة.

الإِحْرَامُ، وَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ مَقْرُوناً بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ، لا بِنَحْوِ التَّقْلِيدِ أَوِ الإِشْعَارِ ....

الإحرام: هو الدخول بالنية في أحد النسكين مع قول متعلق به كالتلبية أو فعل متعلق به كالتوجه على الطريق، ومقتضاه أن الإحرام لا ينعقد بمجرد النية [176/أ]، وكذلك صرح ابن بشير وابن شاس.

وقال صاحب التلقين وصاحب المعلم وصاحب القبس وسند النية وحدها كافية. ولفظ التلقين: الإحرام هو اعتقاد دخوله في الحج وبذلك يصير مُحِرماً. ولفظ المعلم: وعند مالك والشافعي أن الحج يصح الدخول فيه بالنية وحدها كما ينعقد الصوم. وأخذه القرافي من المدونة لقوله فيها: إذا توجه ناسياً للتلبية كان بنيته محرماً، لكن تأول ذلك أبو عمران واللخمي لأنهما قالا: لأنه حصل منه نية وفعل، وهو التوجه. ورد بأنه إنما قال: بنيته، ولم يقل بالنية والتوجه.

خليل: وهذا هو الظاهر. ولو سلم ما قاله الأولون فهي أيضاً مقارنة لفعل، وهو الكف عما ينافي الحج، والكف فعل على المختار عند أئمة الأصول.

وقوله: (لا بِنَحْوِ التَّقْلِيدِ أَوِ الإِشْعَارِ) أي: إذا تجرد عن النية وليس المراد ما فهمه ابن عبد السلام أن الإحرام لا ينعقد بالنية مع التقليد والإشعار، واستشكله بأن قال: وفي عدم انعقاد النسك بجموع النية وتقليد الهدي وإشعاره نظر. وكيف يقال هذا وقد نقل

ص: 515

ابن يونس عن القاضي إسماعيل أنه قال في كتاب الأحكام: لا خلاف أنه إذا قلد وأِعر يريد بذلك الإحرام أنه محرم.

وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيه مِنَ التَّسْمِيَةِ، وَقِيلَ: التَّلْبيَةُ كَتَكْبيرَةِ الإِحْرَامِ

أي: والدخول بالنية أحب إلى مالك من التسمية. وروي عنه كراهة التلفظ، وعن ابن وهب: التسمية أحب إلي. وفي الموازية قال مالك: ذلك واسع سَمَّى أو ترك. وقال ابن حبيب: التلبية كتكبيرة الإحرام، فلا ينعقد إحرامه إلا بالتلبية كما لا تنعقد إلا بتكبيرة الإحرام.

وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ عَلَى خِلافِ مُجَرَّدِهَا فِي الْيَمِينِ

هذا يدل على أن اللخمي والمصنف لم يقفا على قول منصوص بالإحرام بمجرد النية؛ يعني: أن اللخمي خرج قولاً بإجزاء النية فقط في الحج من أحد القولين فيمن عقد على نفسه يميناً أو طلاقاً بالنية، وقد يظهر الفرق بأن هذا من العبادات والأصل فيها الاكتفاء بالنية بخلاف الطلاق؛ لأنه من حقوق العباد.

ابن عبد السلام: وليس التخريج بذلك؛ لأن المراد بانعقاد الطلاق بالنية الكلام النفساني، والمرد بالنية في الحج غير ذلك.

فرع: نقل سند أن الإحرام ينعقد منه وهو يجامع، ويلزمه التمادي والقضاء، ولم يحك في ذلك خلافاً.

وَلَوْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ لَمْ يَفْسُدْ وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ

لأن هذه العبادة لما لزم التمادي في فسادها لم يؤثر رفض النية فيها؛ لأنه إذا كان الفعل القوي لا يمنع من التمادي فلأن لا يمنع منه النية بمجردها مع ضعفها أولى، قاله ابن عبد السلام.

ص: 516

قوله: (لاشَيْءَ عَلَيْهِ) أي: لا هدي ولا غيره.

وَتَلْبيَتُهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمِّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَزَادَ عُمَرُ: لَبَّيْكَ ذََا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوباً مِنْكَ وَمَرْغُوباً إِلَيْكَ، وَزَادَ اِبْنُ عُمَرَ: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكِ وَالْعَمَلُ ....

الضمير في (تَلْبيَتُهُ) ابن راشد: عائد على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يؤخذ من الجواهر. وقال ابن عبد السلام: عائد على الإحرام. وقال ابن هارون: عائد على المُحرِم. وظاهر الموطأ أن زيادة ابن عمر على تلبية رسول الله لا على تلبية أبيه؛ لأنه في الموطأ لما ذكر تلبيته عليه الصلاة والسلام ذكر زيادة ابن عمر ولم يذكر زيادة عمر رضي الله عنهما. قال مالك: والاقتصار على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل. وفي الاستذكار عن مالك كراهة الزيادة قال: وروي عنه أنه قال: لا بأسٍ أن يزيد فيها ما كان ابن عمر يزيده. انتهى. وكره في المدونة التلبية في غير الحج والعمرة، ورآه خرقاً ممن فعله؛ أي: حمقاً وقلة عقل. أبو الحسن: كيف يصح هذا وقد كانت الصحابة - رضوان الله عليهم - يجيبون بالتلبية، ولعله إنما كرهه إذا كان يلبي غير مجيب لأحد. انتهى. وقد يقال: إنما كره مالك قول لبيك اللهم لبيك، لا مجرد لبيك، لكن نص الشيخ سيدي ابن أبي جمرة عند كلامه عن حديث معاذ: وقوله لما ناداه عليه الصلاة والسلام: لبيك يا رسول الله وسعديك؛ فإن الإجابة بلبيك خاصة به عليه الصلاة والسلام. قال: ونص العلماء على أن جواب الرجل لمن ناداه بلبيك أنه من السفه وأنه جهل بالسنة، واستدل على ذلك بكون الصحابة لم يفعلوا ذلك فيما بينهم، وبكونه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك معهم.

والتلبية معناها: الإجابة؛ أي: إجابة بعد إجابة. وقيل: اللزوم؛ أي: أنا مقيم على طاعتك وأمرك، من قولهم: لب بالمكان إذا أقام به. وفيه لغة ثالثة، وهي: اللب، وقيل:

ص: 517

لبيك: اتجاهي لك؛ أي: توجهي وقصدي، من قولهم: داري تلب دار فلان؛ أي: توجهها. وقيل: معناها المحبة، من قولهم: امرأة لبة، إذا كانت تحب ولدها. وقيل: معناها الإخلاص؛ أي: إخلاصي. ومنه لب الطعام ولبابه. وقيل: من قولهم: أنا ملب [176/ب] بين يديك؛ أي: خاضع. وقيل: من الإلباب؛ يعني: القرب.

والمراد على كل قول من التلبية هنا التكثير. كقوله تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ

} [الملك: 4]. ومذهب يونس أنه اسم مفرد قلبت ألفه ياء، نحو: علّى ولَدَى. ومذهب سيبويه وغيره أنه تثنية. وروي: (إِنَّ الْحَمْدَ) بفتح الهمزة وكسرها. واختار الجمهور الكسر؛ لأن الفتح يدل على التعليل بخلاف الكسر، ورأى بعضهم أنها تدل أيضاً على التعليل في الكسر. وقال بعضهم: المفتوحة أصرح في التعليل. والأشهر نصب (النِّعْمَةَ)، ويجوز الرفع على الابتداء، وخبر (إِنْ) على هذين محذوف دل عليه ما بعده. واختار بعضهم الوقف على قوله:(الْمُلْكَ) ويبتدئ (لا شَرِيكَ لَكَ) ومعنى (سَعْدَيْكَ): ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة. وقال ابن الأنباري معناه: أسعدك الله إسعاداً بعد إسعاد.

وقوله: (وَالْخَيْرُ كُلَّهُ بيَدَيْكَ) تأدب، وإلا فالخير وغيره بيد الله. و (الرَّغْبَاءُ) بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر. وحكى أبو علي الفتح والقصر.

وَلِلإِحْرَامِ مِيقَاتَانِ: زَمانِيٌّ وَمَكَانِيٌّ؛ فَالزَّمانِيُّ شَوَّالٌ وذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّة، وَقِيلَ: الْعَشْرُ مِنْهُ، وَقِيِلَ: وَأَيَّامُ الرَّمْيِ

إطلاق الميقات على المكاني إنما هو بالحقيقة الشرعية؛ لأن في الحديث: "وقت لأهل المدينة" وإلا فحقيقة التوقيت تعلق الحكم بالوقت، ثم استعمل في التحديد مطلقاً؛ لأن التوقيت تحديد بالوقت، فيصير التحديد من لوازم التوقيت. واختلف في قوله تعالى:(الحج أشهر معلومات) فالمشهور أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله حملاً للَّفظ على حقيقته. وتصور كلامه واضح. ولا خلاف أن أولها شوال.

ص: 518

وَفَائِدَتُهُ دَمُ تَاخِيرِ الإِفَاضَةِ

أي: فائدة الخلاف، فعلى المشهور لا يلزمه إلا بتأخيره إلى المحرم. وعلى العشر يلزمه إذا أخره إلى الحادي عشر. وهكذا قال الباجي وعبد الحق واللخمي وغيرهم. وليس كما زعمه ابن الحاج في مناسكه من أنه اختلاف عبارة، وأنه لا خلاف أنه لا يجب الدم إلا بخروج جميع الشهر.

وَأَمَا الْعُمْرَةُ فَفِي جَمِيعِ السَّنَةِ إِلا فِي أَيَّامِ مِنَى لِمَنْ حَجَّ وَلا يَنْعَقِدُ إِلا أَنْ يَتِمَّ رَمْيُهُ وَيَحِلَّ بالإِفَاضَةِ فَيَنْعَقِدَ ....

يعني: أن العمرة يجوز إيقاعها في جميع أيام السنة إلا في أيام منى لمن حج.

ابن هارون: ونحو هذا لابن شاس، وليس بصحيح، بل لا يجوز له من بعد إحرامه بالحج إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق ولو كان متعجلاً. انتهى.

وقد يقال: إنما اقتصر المصنف على أيام منى تنبيهاً منه بالأخف على الأشد؛ لأن الشافعي – رضي الله تعالى عنه – يرى أن من نفر نفراً جائزاً- أي: تعجل في يومين –يجوز له أن يحرم بالعمرة. والله أعلم. قال في الجلاب: ومن كان حاجاً فلا يعتمر حتى يفرغ من حجه. من رمي في آخر أيام التشريق، فلا يعتمر حتى تغرب الشمس، فإن احرم بعمرة بعد رميه وقبل أن تغرب الشمس لزمه الإحرام بها، ومضى فيها حتى يتمها. وإن أحرم بها قبل رميه لم يلزمه آداؤها ولا قضاؤها. انتهى.

وصرح في المدونة بكراهة العمرة قبل أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق. ابن المواز: وإذا صح إحرامه بعد رميه فلا يحل حتى تغرب الشمس، وإحلاله قبل ذلك باطل. قال: وإن وطء قبل ذلك أفسد عمرته وقضاها وأهدى. قال في النكت: قال بعض شيوخنا من أهل بلادنا: ويكون خارج الحرم حتى تغيب الشمس؛ لأن دخول الحرم

ص: 519

بسبب العمرة عمل لها، وهو ممنوع من أن يعمل لها عملاً حتى تغيب الشمس. وقول المصنف:(وَيَحِلَّ بالإِفَاضَةِ) أي: أن العمرة لا تنعقد بمجرد انقضاء أيام الرمي، بل لابد مع ذلك من أن يطوف طواف الإفاضة، وكذا قال في المدونة، وحاصله: أنها لا تنعقد إلا بانقضاء شيئين: الرمي وطواف الإفاضة.

وقوله: (لِمَنْ حَجَّ) يعني: أن العمرة إنما تمتنع في أيام التشريق في حق من حج؛ لكونه ملتبساً بأفعال الحج، وأما من لم يحج، فله إيقاع العمرة فيها.

وَفِي كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ قَوْلانِ

المشهور الكراهة. وهو مذهب المدونة. والشاذ لمطرف إجازة تكرارها، ونحوه لابن المواز؛ لأنه قال: وأرجو أن لا يكون بالعمرة في السنة مرتين بأس. وقد اعتمرت عائشة رضي الله عنها مرتين في العام الواحد وفعله ابن عمر وابن المنكدر. وكرهت عائشة عمرتين في شهر. وكرهه القاسم بن محمد، وإنما كره مالك تكرارها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يعتمر في كل عام إلا مرة. وعلى المشهور فأول السنة المحرم، فيجوز لمن اعتمر في آخر ذي الحجة أن يعتمر في محرم، قاله مالك وابن القاسم ثم استثقله وقال: أحب إلي لمن أقام بمكة أن لا يعتمر بعد الحج حتى يدخل المحرم لقرب الزمان. مالك: ولا بأس أن يعتمر الصرورة قبل أن يحج.

فَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ اِنْعَقَدَ عَلَى الأشْهَرِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى أَوْ وَاجِبٌ

تصوره واضح. ومقابل الأشهر ذكره اللخمي ولم يعزه: أن الإحرام لا ينعقد ويتحلل منه بعمرة. قال: وقوله: يتحلل بعمرة استحسان. وهو بمنزلة من دخل في صلاة ثم ذكر أنه كان صلاها – فإنه يستحب [177/أ] له أن ينصرف على شفع.

ص: 520

ابن القاسم: وإن قطع فلا شيء عليه. عبد الحق: واعترض علينا مخالفنا في هذه المسألة بالإحرام بالصلاة قبل وقتها، وأصل الحج مباين للصلاة في أمور شتى.

الأبهري: ولأن الحج إذا أحرم به قبل الوقت لا يمكن أن يفرغ قبله؛ لأن وقته عرفة بخلاف الصلاة. وبني المصنف عدم الانعقاد على الوجوب، وفيه بحث.

وَالْمَكَانِيُّ لِلْمُقِيمِ – مِنَ الْحَاضِرِ وَغَيْرِهِ – مَكَّةَ فِي الْحَجِّ لا فِي الْعُمَرَةِ، وَفِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَوْلانِ

يعني: أن الميقات المكاني يتنوع بحسب الإقامة بمكة وغيرها، فالمقيم بمكة- من الحاضر وغيره؛ أي: الوافد – ميقاته في الحج مكة. وهل يستحب لهما الإحرام من المسجد الحرام أم؟ قولان:

مذهب المدونة الاستحباب، وعليه فقال مالك في المدونة: لا يحرم من بيته، بل من جوف المسجد، قيل له: فمن عند باب المسجد؟ قال: لا، بل من جوف المسجد. وعن ابن حبيب: من أهَلَّ بالحج من مكة متمتعاً، والمكي يُهِلُّ بحجة إنما يهلان من باب المسجد؛ لأن المساجد إنما وضعت للصلاة.

والقول الثاني: عدم الاستحباب، وهو ظاهر ما نقله اللخمي وغيره عن المبسوط أن مالكاً قال فيه: إن شاء أهَلَّ من مكة. وقوله: (وَفِي تَعْيينِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَوْلانِ) أي: في استحباب تعيين المسجد، إذ لا خلاف في عدم اللزوم.

قاعدة:

كل إحرام لابد فيه من الجمع بين الحِل والحَرم؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، فلذلك لا يجوز للمكي أن يحرم من مكة؛ لأنه لو أحرم بها منها وهي تنقضي في الحرم لزم أن لا يجتمع في إحرامه حل وحرم. بخلاف الحج؛ فإنه يخرج إلى عرفة وهي حل، وإلى هذا أشار بقوله:(لا في الْعُمْرَةِ).

ص: 521

فَلَوْ خَرَجَا إِلَى الْحِلِّ جَازَ عَلَى الأَشْهُرِ، وَلا دَمَ؛ لأَنَّهُمَا زَادَا وَمَا نَقَصَا

الضمير في: (خَرَجَا) عائد على الحاضر من أهلها ومن كان مقيماً بها؛ يعني: أن الآفاقي المقيم بمكة ومن هو من أهلها إذا أحرما من الحل بالحج جاز ذلك في أشهر القولين، وهذا الأشهر هو مذهب المدونة، قال فيها: وإذا أحرم بالحج من خارج الحرم مَكْيِّ أو متمتع فلا دم عليه في تركه الإحرام من داخل الحرم، وإن مضى إلى عرفات بعد إحرامه من الحل ولم يدخل الحرم وهو مراهق فلا دم عليه، وهذا زاد ولم ينقص. قال في المنتقي:"زاد ولم ينقص" هذا عندي فيمن عاد إلى الحرم، فأما مَنْ أهَّلَ مِنْ الحل وتوجه إلى عرفة قبل دخول الحرم أو أهل من عرفة بعد أن توجه إليها حلالاً مريداً للحج فإنه نقص ولم يزد. انتهى.

قال في النكت: واستحب مالك لأهل مكة أو لمن دخلها بعمرة أن يحرم بالحج من المسجد الحرام وقال: إذا دخل مكة أحد من أهل الآفاق في أشهر الحج بعمرة وعليه نفس أحب إلي أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه بالحج، ولو أقام حتى يحرم من مكة كان ذلك له.

عبد الحق: إنما استحب له ههنا أن يخرج إلى ميقاته، واستحب في السؤال الأول أن يحرم من المسجد الحرام، وإن كان قد دخل بعمرة في المسألتين؛ لأنه قد ذكرها هنا أن عليه نفساً، فلذلك أمره بالخروج إلى الميقات.

ومعنى السؤال الأول: أنه في ضيق من الوقت ليس عليه نفس مثل هذا، فلذلك اختلف جوابه في السؤالين، وقد تأول متأول أن معنى السؤال الأول أنه قد دخل قبل أشهر الحج بعمرة فكان له حكم أهل مكة في إحرامهم من المسجد.

والسؤال الثاني: أنه دخل في أشهر الحج، وهذا ليس بصحيح، كيف يصح أن يجعله كأهل مكة بدخوله قبل أشهر الحج وهو لو قرن أو تمتع كان الهدي عليه، ولم يكن كأهل مكة لدخوله قبل أشهر الحج؟! فلو كان كأهل مكة بدخوله قبل أِهر الحج وجب عنه دم التمتع. انتهى.

ص: 522

وعلى هذا فقول المصنف: (جَازَ) يقتضي بحسب الظاهر أن ترك الخروج أولى، لا سيما وقد قرر ابتداءً أن المقيم يحرم من مكة، وهو خلاف قول مالك: أنه يستحب له الخروج على ما قرره صاحب النكت إذا كان في الوقت سعة.

ابن هارون: وقوله: (جَازَ عَلَى الأَشْهَرِ) يقتضي أن فيهما قولاً آخر بالكراهة أو المنع، ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا في الأولوية. انتهى.

وَأَحَبُّ إِلَيَّ لَهُمَا إذاَ أَهَلَّ هَلَالُ ذُو الْحِجَّةِ

يعني: أن مالك استحب للمكي والوافد المقيم بها أن يحرما في أول هلال ذي الحجة؛ لما في الموطأ عن عمر رضي الله عنه: (يا أهل مكة ما شأن الناس شُعثاً وأنتم مُذَّهِنون؟! أهلوا إذا رأيتم الهلال". وفيه أيضاً: أن ابن الزبير أقام بمكة تسع سنين يُهِلُّ بالحج لهلال ذي الحجة، وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك. وهذا هو المعروف.

وروي عن مالك استحباب الإحرام يوم التروية ليتصل إحرامهم بمسيرهم.

وَلا يَقْرِنُ إلا مِنَ الْحِلِّ عَلَى الْمَشْهُورِ

مقابل المشهور لسحنون، وعبد الملك والقاضي إسماعيل، ووجه المشهور أنه لو أحرم بالقران من مكة لزم ألا يجتمع فيها حل وحرم؛ لأن خروجه لعرفة خاص بالحج، ورأى سحنون أن العمرة في القران مضمحلة، فوجب اعتبار الحج فقط.

وَلِلآفَاقِيُّ مِنَ الْمَدِينَةِ ذُو الْحَلِيفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةُ، وَمِنَ الْيَمَنِ: يَلَمْلِمُ، وَمِنْ نَجْدٍ قَرْنٌ. وَوَقَّتُ عُمَرُ لِلْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ، وَلِمَنْ بَيْنَهُمَا مَسْكَنُهُ

قوله: (وَللآفَاقِيًُّ) معطوف على قوله: (للمقيم). وخَرَّج الصحيحان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [177/ب] وَقَّتَ لأهل

ص: 523

المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قَرْنُ المنازلِ، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان بين ذلك فمن حيث أنشأ الحج حتى أهل مكة من مكة".

ابن راشد: ذو الحليفة ما بين مباه بني جشم على ستة أميال، وقيل: سبعة من المدينة وهو أبعد المواقيت من مكة على نحو عشرة مراحل أو تسعة، قاله النووي. وهو بضم الحاء المهملة وبالفاء. والجحفة بجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة قرية بين مكة والمدينة، سميت بذلك لأن السيول أجحفتها.

عياض: وهي على ثلاث مراحل من المدينة، وتسمى أيضاً مُهْيعة بسكون الهاء عند أكثرهم وبعضهم يكسرها. وقَرْن بسكون الراء، ويقال: قرن المنازل وقرن الثعالب، وفتح الجوهري راءه. عياض وغيره: وهو خطأ. النووي: وأخطأ فيه خطأين فاحشين: أحدهما هذا، وعم أن أويساً القرني رضي الله عنه منسوب ليه. والصواب أنه منسوب إلى قبيلة يقال لهم: بنو قرن، هي على مرحلتين من مكة، وهو أقرب المواقيت لمكة.

عياض: وأصل القرن الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير. وقال القابسي: مَنْ سَكَّنَةُ أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتح أراد الطريق الذي يقرب منه، فإنه موضع فيه طرق مختلفة بينه وبين مكة أربعين ميلاً. ويلملم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة. ويقال فيه: ألملم بالهمز بدل الياء.

وقوله: "هن لهن". كذا هو ثابت في أكثر الروايات. وعن بعض رواة مسلم والبخاري: "فهن لهم". وكذا رواه أبو داود وهو الوجه. وتخرج الرواية الأولى على أن المراد هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد أهلها، وقد تقدم ما يتعلق بقوله: وقت في المكان. قال ابن دقيق العيد: وقوله: (وَقْتَ) يحتمل أن يراد به التحديد؛ أي: حدد هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أن يراد بذلك تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بشرط إرادة الحج أو العمرة.

ص: 524

ومعنى توقيت هذه الأماكن للإحرام أنه لا يجوز مجاوزتها لمن يريد الحج أو العمرة إلا محرماً، وإن لم يكن في لفظة (وَقَّتَ) تصريح بالوجوب، فقد ورد في غير هذه الرواية:"يُهِلُّ أهل المدينة" وهي صيغة خبر يراد به الأمر، وورد في بعض الروايات لفظة الأمر. انتهى. وأجمع العلماء على هذه المواقيت إلا ذات عرق، فإن الشافعي استحب لأهل العراق أن يُهلوا من العقيق. القرطبي: معتمداً في ذلك على ما رواه ابن عباس قال: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق". خرجه أبو داود، وفي إسناده يزيد بن زياد وهو ضعيف عندهم. واختلف في من وقت ذات عرق. ففي البخاري أنه من توقيت عمر.

وروى مسلم وأبو داود والنسائي: أنه عليه الصلاة والسلام وقت لأهل العراق ذات عرق.

القرطبي: وهو صحيح. وضعف الدارقطني كونها من توقيته عليه الصلاة والسلام، قال: ولم يكن عراق يومئذ، أي: في زمانه صلى الله عليه وسلم، قال في الإكمال: وهذا مما لا يعلل به الحديث، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما لم يكن في زامنه، وهذا يعد من معجزاته، واختار صاحب الاستذكار أنه من توقيته عليه الصالة والسلام.

وقوله: (وَلِمَنْ بَيْنَهُمَا) أي: بين الميقات ومكة، فإن تعدى المنزل فهو كمن تعدى الميقات. قال مالك في الموازية: وهو بالخيار إن شاء أحرم من داره أو من مسجده. قال صاحب اللباب: والأحسن أن يحرم من المسجد؛ لأنه موضع الصلاة كأهل مكة.

القرافي: والمذهب أن هذه المواقيت تحديد لظاهر الحديث، وقال ابن حبيب: فإذا أحرم قريباً منه فلا دم عليه.

ص: 525

وَمَنْ مَرَّ مِنْهُم بِمِيقَاتِ أَحَرَمَ مِنْهُ خَلا الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَلَهُ تَجَاوُزُهُ إِلَى الْجُحْفَةِ، وَالأَفْضَلُ إِحْرَامُهُ ....

يعني: أن كل من له ميقات فمر بغيرهن فإنه يلزمه أن يحرم منه كالمصري يمر بيلملم، والعراقي بنجد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن". ويستثني من ذلك مَنْ ميقاته الجحفة إذا مر بذي الحليفة فإن الأفضل له أن يحرم من ذي الحليفة؛ لأنه ميقاته صلى الله عليه وسلم، ويجوز له أن يؤخر الإحرام إلى ميقات الجحفة، وهو مذهبنا، خلافاً للجمهور في إيجابهم الإحرام من ذي الحليفة مطلقاً؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام:"ومن أتى عليهن". والمحل محل نظر؛ لأن قوله:"ولمن أتى عليهن". عام يعم مَنْ ميقاته بين يديه وغيره. وقوله: "ولأهل الشام الجحفة" يعم من يمر بميقات آخر أم لا.

ابن حبيب: ولو أراد الشامي والمصري والمغربي أن لا يمروا بالجحفة فلا رخصة لهم في ترك الإحرام من ذي الحليفة. أبو محمد: انظر لم ذلك وهم يحاذون الجحفة؟! وحمل اللخمي قول ابن حبيب على ما إذا لم يحاذ في مروره الجحفة.

واختلف في المدني المريض هل يرخص له في تأخير الإحرام إلى الجحفة؟ فقال مالك في الموازية: لا ينبغي أن يجاوز الميقات فيما يرجو من قوة وليُحْرِم، فإن احتاج [178/أ] إلي شيء افتدى. وقال أيضاً: لا بأس أن يؤخر إلى الجحفة. اللخمي وغيره: والأول أقيس.

ابن بزيزة: والمشهور الثاني للضرورة.

وقال في الاستذكار: واختلف في مريد الحج والعمرة يجاوز ميقاته إلى ميقات أقرب منه- مثل أن يترك المدني الإحرام من ذي الحليفة ويحرم من الجحفة- فقال مالك: عليه دم. ومن أصحابه من أوجب عليه، ومنهم من أسقطه.

ص: 526

وَلَوْ مَرَّ الْعِرَاقِيُّ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ تَعَيَّنَتْ ذُو الْحُلَيْفَةِ

نحو العراقي اليمني. وتعينت ذو الحليفة؛ لأن ما عدا المصري لا يتعداه لميقات له، والظاهر أنه يستغني عن هذه المسألة بقوله: ومن مر من جميعهم بميقات إلى آخره. ولا يقال تلك المسألة لا تدل على من مر بميقات وليس بينه وبين مكة سواه، لأنا نقول: الأمر الأول أعم، والله أعلم.

وَأَوَّلَ الْمِيقَاتِ أفضل، وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُهُ، وَيَلْزَمُ

أما فضل أول الميقات، فلما فيه من المبادرة لفعل الخير، وأما كراهة تقديمه، فهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب من غير تفصيل، وهو ظاهر المدونة. وفي الموازية: ولا بأس أن يحرم من منزله إذا كان قبل الميقات، ما لمي كن منزله قريباً فيكره له ذلك.

الباجي: فوجه رواية العراقيين: أن توقِيْتَه عليه الصلاة والسلام هذه الأماكن للإحرام يمنع تقديمه عليه كميقات الزمان، ووجه ما في الموازية: أن التوقيت إنما هو لمنع مجاوزته لا لمنع تقديمه عليه.

ففرقا في هذه الرواية بني القرب والبعد؛ لأن من أحرم بقرب الميقات لا يقصد إلا مخالفة التوقيت؛ لأنه لم يستدم إحراماً. وأما من أحرم على البعد فإن له غرضا ًفي استدامة الإحرام. ونقل اللخمي عن مالك قولاً بجواز الإحرام قبل الميقات مطلقاً. قال: وحمل الحديث في الإحرام من الميقات أنه تخفيف، فمن فعل فقد زاد خيراً.

فائدة:

حكى شيخنا رحمه الله عن بعض شيوخه أن الإحرام من رابغ من الإحرام أول الميقات، وأنه من أعمال الجحفة ومتصل بها. قال: ودليله اتفاق الناس على ذلك. قال سيدي أبو عبد الله بن الحاج: إنه مكروه، وراءه قبل الجحفة.

ص: 527

وَمِيقَاتُ الْمُحَاذِي مَا يُحَاذِيهِ مِنْهَا بِالتَّحَرِّي

يعني: أن من لم يمر في طريقه بميقات، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات. والظاهر أنه إن كان يحاذي ميقاتين انه بمنزلة من يمر بميقاتين وقد تقدم. قال سند وصاحب الذخيرة: ومَنْ مَنزِله بين ميقاتين فميقاته منزله. قال مالك: وانظر هل معناه أنه محاذ لميقاتين، أو أنه بعد ميقات وقبل آخر، كأهل بدر؟ قال في النوادر: قال مالك: ومن حج من البحر من أهل مصر وشبههم، فليحرم إذا حاذى الجحفة. ومن كان منزله حذاء ميقات أحرم منه، وليس عليه أن يأتي الميقات. قال سند بعد هذا: وهذا حكم من سافر من أرض مصر في بحر القلزوم؛ لأنه يأتي على ساحل الجحفة ثم يجاوزه إلى جدة، ولم يكن السفر يومئذ من عذاب ولا عرفوه؛ لأنها كانت من أرض المجوس أما اليوم فمن سافر منها أحرم عند وصوله إلى البر ولا يلزمه أن يحرم في البحر محاذياً للجحفة لما فيه من التغرير وركوب الخطر بأن ترده الريح إلى البر فيبقى عمره محرماً حتى يتيسر له إقلاع سالم، وهذا من أعظم الحرج، وقد نفاه الله تعالى. وإذا ثبت الجواز فلا دم عليه؛ لعدم دليل يدل على ذلك، وإنما أوجبناه على من سافر من القلزوم؛ لأنه كان قادراً على البر والإحرام من نفس الجحفة، وواسع أن يؤخر إحرامه لما فيه من المضرة إن ترك البر وفارق رحله، أو أحرم في البحر على التغرير، فيؤخر هذا إحلاله حتى يأمن ويهدي، إلا انه لا يرتحل من جدة إلا محرماً؛ لأن جواز التأخير كان لضرورة وقد زالت، وهل يحرم إذا وصل البر لأنه مجاوز للميقات وهو حلال وقد زالت الضرورة، أو إذا ظعن من جدة؟ وهو الظاهر؛ لأن سنة من أحرم وقصد السير أن يتصل إحرامه بسيره، وروى ابن وهب في موطئه عن مالك: لا ينبغي لأحد يهل بحج أو عمرة ثم يقيم بأرض أهلَّ بها، ورواه ابن عبد الحكم أيضاً، ولان المحظور أن يقطع مسافة بعد الميقات وهو حلال من غير ضرورة، وهذا لا يكون إلا بالسير. انتهى باختصار.

ص: 528

ونقل ابن الحاج في مناسكه عن ابن نافع نحوه، فقال: وقال ابن نافع: لا يحرم في السفر، ورواه عن مالك.

وَمَنْ أَرَادَ مَكَّةَ أحرم عِنْدَ مِيقَاتِهِ فَإِنْ جَاوَزَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ قَاصِدٌ لِحَجٍّ أَوْ لِعُمَرَةٍ فَقَدْ أَسَاءَ ....

يعني: أن من وصل إلى الميقات ونيته أن يدخل إلى مكة بأحد النسكين، فلا يجوز له أن يجاوزه إلا محرماً، وإن جاوزه غير محرم فقد أساء، وإساءته متفق عليها.

فَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْبُعْدِ فَلا دَمَ – إِنْ كَانَ جَاهَلاً – وَقِيلَ: مُطْلِقاً وَإِلا فَدَمٌ

يعني: فإن عاد هذا الذي تعدى الميقات وهو قاصد لحج أو عمرة قبل البعد، فلا دم عليه إن كان جاهلاً لمنع المجاوزة، وهذا مقيد بما إذا رجع قبل أن يحرم، وأما إن أحرم فعليه الدم- ولو بقرب – خلافاً لابن حبيب، ولا يرجع، ولو رجع لم يسقط الدم عنه برجوعه على المعروف. [178/ب] وحكى بعضهم قولاً بالسقوط، ونظر ذلك بمن رجع بعد استقلاله قائماً، ففي سقوط السجود القبلي قولان. وبمن ركب بعض الطريق في المشي المنذور لمكة ثم مشى الطريق كلها ثانياً، هل يسقط عنه هدي تفريق المشي؟ قولان.

ومن أردف الحج بعد سعي العمرة وقلنا لا يحلق- وعليه دم لتأخيره ثم حلق- ففي سقوط الهدي قولان.

وبمن توجه ناسياً للتلبية حتى طال ثم رجع ولبى ففي سقوط الدم قولان.

وبمن تعدى الميقات ثم أحرم ثم فاته الحج ففي سقوط الهدي قولان.

وقوله: (وَقِيلَ: مُطْلَقاً)؛ أي أن المشهور أن الراجع من القرب إنما يسقط عنه الدم إذا كان جاهلاً، وإن كان عالماً فعليه دم. وقيل: لا دم عليه مطلقاً، سواء كان عالماً أو جاهلاً. وهكذا مشى ابن راشد هذا المحل وهو ظاهر كلامه، والقول الذي صدر به

ص: 529

مفهوم المدونة، ففيها: ومن جاوز الميقات ممن يريد الحج جاهلاً ولم يحرم، فليرجع ويحرم ولا دم عليه، إلا أن يخاف فوات الحج فليحرم من موضعه ويتمادى وعليه دم. انتهى. لكن فسرها أبو الحسن الصغير بالقول الثاني، فال: قوله: (جَاهِلاً) يريد أو عامداً، وإنما خرج كلامه مخرج الغالب أن الشخص لا يفعل ذلك إلا جهلاً.

وفسر ابن عبد السلام القول الثاني بوجوب الدم مطلقاً، وجعل العالم يجب عليه الدم، وفي الجاهل قولان، وفيه نظر. فإن قيل: لم لا يحمل قوله: (وَقِيلَ) أنه عائد إلى قوله: (قَبْلَ الْبُعْدِ) ويكون المشهور عنده إنما يسقط عنه الدم إذا عاد قبل البعد، والشاذ أنه إذا عاد مطلقاً لا دم عليه. قيل: هذا غير صحيح؛ لأن المذهب أنه إذا عاد مطلقاً لا دم عليه كما سيأتي. وحمله بعضهم على أنه يريد بقوله: (وَقِيلَ: مُطْلَقاً) ما حكاه ابن يونس عن ابن المواز أنه يرجع ما لم يشارف مكة، فإن شارفها أحرم وأهدى. وهذا فيه بُعْدٌ من أوجه:

أولها: أن هذا القول مقيد والمصنف جعله مطلقاً.

ثانياً: ليس في كلامه ما يدل على الرجوع أصلاً.

ثالثها: لو حملناه على هذا لزم مخالفة النقل؛ لأن كلامه حينئذ يدل على أن المذهب لا يرجع مطلقاً وليس كذلك، بل المذهب أنه يرجع مطلقاً كما ذكرناه عن المدونة. واعلم أن قوله:(فَإِنْ عَادَ) لا يقتضي أنه مطلوب بالعود ولا بعدمه، وقد تقدم من كلام المدونة أنه يرجع.

وقوله: (وَإِلا فَدَمْ) يدخل إذا عاد بعد البعد.

خليل: وتبع المصنف في هذه الأخيرة ابن شاس، فإنه صرح أنه إذا عاد بعد البعد فلا يسقط الدم عنه، وفي كلامهما نظر؛ لمخالفته لما حكيناه عن المدونة أناه إذا عاد لا دم عليه مطلقاً إلا أن يحرم، وكذلك قال في الإكمال ولفظه: ومن جاوز الميقات ونيته النسك بحج

ص: 530

أو عمرة رجع ما لم يحرم عند مالك ولا دم عليه. وقيل: يرجع ما لم يشارف مكة. انتهى. وكذلك هو ظاهر كلام اللخمي وغيره أنه لا دم عليه مع الرجوع.

وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ إِنْ أَحْرَمَ وَكَانَ صَرُورَةً مُسْتَطِيعٌ فدم، ورابعها: إِنْ كَانَ صَرورَةً، وَخَامِسُهَا: إِنْ أَحْرَمَ ....

أي: وإن لم يقصد هذا الذي أراد دخول مكة حجاً ولا عمرة، فهل يلزمه دم أم لا؟ خمسة أقوال. وتصورها من كلامه لا يخفي عليك.

والقول ينفي الدم مطلقاً هو الذي صدر به اللخمي وهو مذهب المدونة، ففيها: ومن جاوز الميقات وهو غير مريد الحج، فلا دم عليه وقد أساء فيما فعل حين دخل الحرم حلالاً. وهو لازم لمذهب أبي مصعب؛ لأنه أجاز دخول مكة حلالاً لمن لا يقصد أحد النسكين، قال: لقوله عليه الصلاة والسلام: "ممن أراد الحج والعمرة"؛ فعلق ذلك على الإرادة.

اللخمي: وقال في الموازية: عليه الدم. قال أيضاً: فمن تعدى الميقات وهو صرورة ثم أحرم فعله الدم. ولم يفرق بين أن يريد دخول مكة أو لا. انتهى.

ويؤخذ القول الرابع من كلام المصنف بلزوم الدم للصرورة مطلقاً سواء أحرم أم لا. فمن تأول ابن شبلون مسألة المدونة الآتية: فإن قيل: إنما تأويل ابن شبلون فيمن يريد دخول مكة. قيل: إذا لزم الصرورة الدم مع كونه لم يرد مكة، فأحرى أن يلزمه ذلك مع إرادة مكة.

والقول الخامس: بوجوب الدم إذا أحرم، ذكره ابن الجلاب، فقال: ومن جاوز الميقات يريد دخول مكة حلالاً ثم أحرم بعد أن جاوزها، ففيها روايتان: أحدهما: أن عليه دماً، والأخرى: أنه لا دم عليه. انتهى. وحكاه صاحب تهذيب الطالب والله أعلم.

ص: 531

فَإِنْ لَمْ يُرِدْ مَكَةَ وَهَو صَرُورَةٌ مُسْتَطِيعٌ فَقَوْلانِ

يعني: فإن لم يرد مكة عند ميقاته بل أراد ما دونها، سواء أراد بعد ذلك مكة أم لا؛ فإن الخلاف جار بشرط أن يكون صرورة مستطيعاً، فإن اختل أحد هذين القيدين فلا دم، ويلزم على كلام المصنف أنه لم يرد حجاً ولا عمرة؛ لأن من لازم عدم إرادة مكة عدم [179/أ] إرادة الحج والعمرة.

ابن شاس وابن راشد وابن هارون: ومنشأ الخلاف هل الحج على الفور أو على التراخي؟ وفي المدونة: ومن تعدى الميقات وهو صرورة فعليه دم. ابن راشد وغيره: يعني: إذا تعداه ثم احرم. واختلف في معناه: فحمله ابن شبلون على ظاهره من أنه لا دم على غير الصرورة، وأن الدم يلزم الصرورة، سواء تعداه مريداً لحج أو غير مريد؛ لأنه إذا كان صرورة فالحكم في حقه وجوب الحج، فصار كمن تعداه مريداً للحج. وقال أبو محمد: معناه أنه تعداه مريداً للحج، فصار كمن تعداه مريداً للحج. وقال أبو محمد: معناه أنه تعداه مريداً للحج، قال: والصرورة وغيره سواء لا دم عليه، إلا أن يجاوز مريداً للحج.

ابن يونس: وقول أبي محمد هو الصواب. وقال في التنبيهات: وزعم ابن شبلون أن ما قاله ظاهر الكتاب من قوله في الذي يتعدى الميقات وهو صرورة ثم يحرم: "عليه الدم" فأيهم، ولم يقل مريداً للحج أو غيره، ثم قال:"أرأيت من تعدى الميقات ثم أحرم بعد تجاوزه وليس بصرورة أعليه الدم؟ قال: نعم إذا كان جاوزه حلالاً وهو يريد الحج فأحرم فعليه الدم". قال: فترفقته في السؤالين بين الصرورة وغيره يبين ذلك. قال: وذهب بعض الشيوخ إلى أنه خلاف من قوله في الصرورة. وتأويل ابن شبلون إنما يصح على القول بأن الحج على الفور، وإلا فلا وجه له.

وَأَمَّا الْمُتَرَدِّدُونَ بِالْحَطَبِ وَالْفَاكِهَةِ فَلا وُجُوبَ إِحْرَامٍ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ

يعني: سواء كانوا من مكة أو قراها، كأهل جدة وقديد وعسفان ومر الظهران. وقوله:(بالْحَطَبِ وَالْفَاكِهَةِ) تمثيل. اللخمي وغيره: ويلحق بذلك الدخول للقتال الجائز، قاله ابن القصار.

ص: 532

وقوله: (فَلا وُجُوبَ إِحْرَامِ) قال اللخمي: ويستحب أن يدخلها أولاً محرماً ويسقط عنه فيما بعد ذلك. ابن هارون: وهذا مثل ما قيل في سجود التلاوة للمعلم والمتعلم أنه يسجد أولاً يسجد فيما بعد ذلك.

وَكَذَلِكَ مِثْلُ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ ضي الله عنه؛ خَرَجَ إِلَى قُدَيْدٍ فَبَلَغَتْهُ فِتْنَةُ بِالْمَدِينَةِ فَرَجَعَ

(وَكذَلِكَ) أي: في عدم وجوب الإحرام. وهذه القصة في الموطأ وهي لمالك عن نافع: "أن ابن عمر أقبل من مكة حتى كان بقديد جاءه خبر من المدينة فرجع فدخل مكة بغير إحرام".

ابن عبد السلام: فالموجب لرجوع ابن عمر، إما خوفاً أو بعض ما يريد إيصاله إلى المدينة رجع إلى مكة بسببه، قاله بعض شراح الموطأ. وظاهر كلام المؤلف: أن الموجب لرجوعه إنما هو الهروب من الفتنة، وهو الذي سر به الشافعي، وجعله أصلاً فيمن دخل مكة بحرب أو سلطان، أو من لا يقدر على دفعه.

فرع:

قال سحنون فيمن دخل مكة معتمراً فحل من عمرته ثم خرج لحاجة عرضت له في مثل جدة والطائف وهو ينوي الرجوع إلى مكة ليحج من عامه- ليس عليه أن يدخل بإحرام مثل ما قال مالك في المترددين بالحطب والفاكهة.

قال: ولو خرج مسافراً لا ينوي العودة ثم بدا له فعليه الإحرام؛ لأن من خرج ينوي العودة صار حكمه حكم أهله.

بِخِلافِ غَيْرَهِمْ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الأَشْهَرِ، وَإِنْ سَقَطَ الدَمُ عَلَى الأَشْهَرِ

أي: بخلاف المترددين أو من رجع لفتنة كالتجار فالأشهر وجوب الإحرام عليهم إذا أرادوا دخولها، وروي عن مالك أنه غير واجب وهو مذهب أبو مصعب؛ لقوله صلى الله

ص: 533

عليه وسلم: "ممن أراد الحج والعمرة" فعلق ذلك بالإرادة، وإذا فرعنا على الأشهر، فهل يجب عليهم الدم؟ الأشهر سقوطه، وهو مذهب المدونة؛ لأن الدم إنما يجب لنقص في أحد النسكين. وفهم اللخمي من سقوط الدم عدم الوجوب، فإنه قال: وذكر أبو الحسن بن القصار عن مالك انه استحب أن يدخل حراماً، وإلى هذا يرجع قوله في المدونة؛ لأنه قال: إن فعل فلا هدي عليه. وذكر عبد الوهاب عنه أنه قال: عليه الدم. انتهى.

وقال ابن بشير: بل مذهب المدونه على الوجوب، وسقط الدم مراعاة للخلاف، وتبع المصنف هنا ابن بشير، فلذلك قال: إنه يجب على الأشهر.

وَلَوْ تَجَاوَزَ فَأَحْرَمَ فَفَسَدَ لَمْ يَسْقُطْ، وَفِي سُقُوطِهِ بِالْفَوَاتِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ

يعني: إذا تجاوز الميقات مُرِيدَ الحج ثم أحرم وأفسده لزمه الدم؛ لأنه يلزم التمادي في فاسده. واختلف إذا فاته الحج وآل عمله إلى عمرة فقال ابن القاسم: الدم ساقط عنه؛ لأن الحج لم يتم والعمرة لم يردها، وإنما آل عله إليها بالسنة، فصار بمنزلة من تعدى الميقات غير قاصد لحج أو عمرة، وألزمه أشهب، لأن بإحرامه لزم الدم.

فرع:

قال في الجلاب: ومن جاوز الميقات لحاجة له دون مكة ثم عزم على الإحرام فليحرم من مكانه ولا شيء عليه.

ولو تَجَاوَزَ الْعَبْدُ أَوِ الصَّبِيُّ فَأُعْتِقَ أَوْ بَلَغَ أَحْرَمَ عَنْ فَرِيضَتِهِ، وَلَوْ بِعَرَفَاتٍ لَيْلَتَهَا وَلا دَمَ، كَمَا لَوْ أسْلَمَ نَصْرَانِيٌّ

يعني: أن من لا يخاطب بالحج من صبي أو عبد أو غير مسلم إذا مروا بالميقات فجاوزوه، ثم من بعد ذلك صاروا من أهل الوجوب فأحرموا بالحج، فلا دم عليهم لتعدي الميقات، وهو ظاهر.

ص: 534

أَمَّا لَوْ كَانَ أَحْرَمَ قَبْلَهُمَا بِإِذْنٍ مُعْتَبَرٍ فَلا

الضمير في (كَانَ) عائد على أحد المتقدمين لا بعينه، وهما: العبد، والصبي. قوله:(قَبْلَهُمَا)[179/ب] أ]: قبل البلوغ والعتق. وقوله: (بِإِذْنٍ مُعْتَبَرٍ) أي: بإذن الولي وإذن السيد، واحترز به من إذن من لا ولاية له. وقوله:(فَلا) أي: فلا يأتي ما ذكرناه؛ لأنهما إذا أحرما بإذن معتبر لزمهما التمادي على ما أحرما به وبقي فرض الإسلام عليهما، وقد تقدم له هذا، وهو قوله:(ولو بلغ في أثنائه لم يجزئه) إلا أنه ذكره هنا لينبه على سقوط الدم. ووقع في نسخة ابن هارون: (أما لو أحرم قبلها) وفسرها فقال: (أَحْرَمَ) أي: العبد أو الصبي. (قبل). أي: قبل ليلة النحر.

وَمَنْ مَرَّ مُغْمىً عَلَيْهِ أَحْرَمَ مَتَى أَفَاقَ وَلَوْ بِعرفَاتٍ لَيْلَتَهَا وَلا دَمَ وَإِنْ لَمْ يُفِقْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَاتَ وَلَوْ وَقَفَ بِهِ

أي: لو أحرم به أصحابه فإحرامهم غير معتبر، بخلاف المجنون فإنه كالصبي. أما لو أحرم ثم طرأ له الإغماء ووقف به أجزأه عند ابن القاسم، خلافاً لأشهب.

وَمِيقَاتُ الْعُمَرَةِ لِمَنْ بِغَيْرِ مَكَّةَ كَالْْحَجِّ، وَلِمَنْ بِمَكَّةَ مُطْلِقاً طَرَفُ الْحِلِّ وَلَوْ بِخَطْوَةٍ، وَإلا لَمْ تَصِحَّ .....

يعني: أن ميقات العمرة في حق الخارج منمكة كما تقدم في الحج، ولا فرق بينهما في جواز تقديم الإحرام ووجوب الدم بتعدي الميقات. وأما من هو بمكة مطلقاً، أي: سواء كان من أهلها أو من الوافدين فميقاته طرف الحل، ولو تجاوز بخطوة، وإلا لم تصح؛ أي: وإن لم يفعل ذلك بأن أحرم من الحرم لم تصح أفعال العمرة، وأما الإحرام بها فمنعقد.

ص: 535

فَلَوْ أَحْرَمَ وَطَافَ وَسَعَى خَرَجَ وَأَعَادَ، فَلَوْ حَلَقَ وَخَرَجَ أَعَادَ وَعَلَيْهِ دَمٌ عَلَى الأَصَحِّ

هذا مما يدل على أن الإحرام بها من الحرم صحيح، يعني: فلو أحرم بالعمرة من الحرم صح هذا الإحرام، ولكن شرط صحة فعلها أن يتقدمه الخروج إلى الحل، فلذلك لو طاف وسعى قبل خروجه خرج ثم أتى بالطواف والسعي؛ لكونهما وقعا بدون شرطهما، وإن حلق أعادهما أيضاً وعليه دم؛ لكونه حلق وهو محرم. ومقابل الأصح لأشهب في الموازية، والأصح له أيضاً في غيرها.

ابن بشير: ورأى بعضهم اللزوم، وهو الأصح. والذي في كتاب محمد: غلط؛ لأنه حلق قبل التحلل. انتهى. وقد يقال: إن هذا القائل يرى أن من شرط صحة انعقادها الخروج إلى الحل، وكذلك قال ابن راشد، وفيه نظر؛ لأن ظاهر كلام المصنف وغيره أنه مأمور بالخروج بالاتفاق، ولو كان إحرامه غير منعقد لم يلزم بالخروج.

وَعَرَفَةُ حِلٌّ، وَالأَفْضَلُ الْجِعْرَانَةُ أَوْ التَّنْعِيمُ

هذا يحتمل معنيين: أحدهما – وهو المتبادر -: أنه يكفي المعتمر في تصحيح عمرته أن يخرج إلى عرفة. والثاني: أن يكون جواباً ن سؤال مقدر، كأن قائلاً قال: ما الفرق بين جواز إنشاء الحج من مكة والعمرة؟ فأجاب بأنه لابد في كل من النسكين من الجمع بين الحل والحرم، وذلك حاصل في الحج بخروجه إلى عرفة، ولا كذلك العمرة، والاحتمال الأول أولى؛ لأن قوله:(وَالأَفْضَلُ الْجِعْرَانةُ أَوِ التَّنْعِيمُ) لا يناسب الثاني، وإنما كان الأفضل لموافقة فعله عليه الصلاة والسلام في إحرامه من الجعرانة، وأمره لعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أن يخرج بعائشة رضي الله عنها إلى التنعيم.

ص: 536

وَتَنْقَضِي الْعُمْرَةُ بِالطّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ

اعلم أن العمرة هي: إحرام وطواف وسعي وحلق. والثلاثة الأوَل أركان، والرابع ينجبر بالدم. فقوله:(تَنْقَضِي الْعُمْرَةُ) أي: كمال العمرة، وإلا فالعمرة تصح بدون الحلاق.

وَأَدَاؤُهُمَا عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ الإِفْرَادُ بِالْحَجِّ وَهُوَ أُفْضَلُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، ثُمَّ الْقِرَانُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ فِيهِمَا

الضمير في (أَدَاؤُهُمَا) عائد على الحج والعمرة، والإفراد وإن لم يكن مستلزماً للعمرة، لكنه إذا أتى بالعمرة بعد الحج فقد أتى بهما، وإن كان حجه إفراداً. والمذهب أن الإفراد أفضل. ومقابل المنصوص للخمي: أن التمتع أفضل منهما. وقال أشهب وصاحب التلقين بتقديم الثالث على الثاني خاصة، وإليه أشار بقوله:(وَقِيلَ: بالْعَكْسِ فِيهِمَا). وعن أشهب: القران أحب إليّ من التمتع، قال: وإن قدم وبينه وبين الحج طول زمان يشتد عليه فيه الإحرام ويخاف على أصحابه قلة الصبر فالتمتع أحب إلي. نقله التونسي. وظاهره أنه قول ثالث؛ لأنه جعله يختلف باختلاف الأحوال. واستدلت الأشياخ بما رواه مالك والبخاري وغيرهما: أنه عليه الصلاة والسلام أفرد الحج. واتصل عمل الخلفاء والأئمة بذلك. ولولا الإطالة لذكرت لك طرفاً مما ذكروه. وفي الاستدلال على أفضلية القران على التمتع من السنة عسر، وإنما رعوا فيه كون التمتع فيه ترخص بالخروج عن الإحرام.

وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مَعاً، أَوْ يَدْخُلُ الْحَجَّ قَبْلَ الطَّوَافِ فَتَنْدَرِجُ الْعُمَرَةُ فِي الْحَجِّ

يعني: أن القران على وجهين: أحدهما: أن يحرم بالحج والعمرة معاً. قال علماؤنا: ويقدم العمرة في نيته؛ رادفاً الحج على العمرة دون العكس، فإن قدم الحج على العمرة فقال الأبهري: يجزئه. الباجي: ومعنى ذلك أنه نواهما جميعاً. والوجه الثاني: أن يحرم أولاً

ص: 537

بالعمرة ثم يردف الحج، لا يبقى للعمرة فعل ظاهر، وهو معنى قوله:(فَتَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ في الْحَجِ).

فَإِنَّ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ كُرِهَ وَكَانَ [180/ أ] قَارِناً بِذَلِكَ خِلافا لأَشْهَبَ، وَقِيلَ: وَلَوْ رَكَعَ، وَقيِلَ: وفي السَّعْي ....

حاصله إن لم يشرع في الطواف كان له الإرداف من غير كراهة، واختلف إن شرع، ففي المدونة: إذا طاف بالنية ولم يركع كره له أن يردف وإن فعل صار قارئاً. ومقتضى كلام المصنف أن بمجرد الشروع في الطواف يكره الإرداف عند ابن القاسم، وليس كذلك، بل هو جائز عنده وإن أتم الطواف ما لم يركع، قاله ابن يونس. وقوله:(خِلافاً لأَشْهَبَ) هكذا نقل الباجي عن أشهب وابن عبد الحكم أن بالشروع يفوت الإرداف. وفي الجلاب قال أشهب: إذا طاف من عمرته شوطاً واحداً ثم أحرم بالحج لم يلزمه إحرامه ولم يكن به قارناً، ومضى على عمرته حتى يتمها. واعلم أن أشهب إنما يقول بفوات الإرداف إذا طاف شوطاً بشرط أن يتمادى على كمال الطواف، وأما لو قطعه لصح عنده الإرداف، نقله اللخمي وعياض وغيرهما.

واختلف قول مالك وابن القاسم إذا أتم الطواف ولم يركع، هل يردف أم لا؟ فإن أتمه وركع لم يردف. وعن مالك أنه يردف وإن كان في السعي ما لم يتم ويفرغ منه، أما لو أكمل سعيه فإن لا يكون مردفاً اتفاقاً.

فرع: ومن النوادر في الموازية: ومن تمتع ثم ذكر بعد أن حل من حجه أنه نسي شوطاً لا يدري أمن عمرته أو من حجه. فإن لم يكن أصاب النساء رجع فطاف وسعى وأهدى لمتعته، وإن كان من العمرة صار قارئاً، قاله ابن القاسم وعبد الملك، وأشهب يوافقهما في هذه المسألة؛ لأنه وإن كان يرى أن المعتمر إذا طاف شوطاً لا يرتدف حجه،

ص: 538

لكنه إنما قال ذلك في الطواف الكامل، وهذا الطواف الذي نسي منه الشوط – وإن كان من العمرة –فقد فسد للتباعد، فيصير إرداف الحج قبل الطواف، ولو وطئ النساء، فإنه يرجع فيطوف ويسعى ويهدي لقراته ولتمتعه وعليه فدية واحدة ثم يعتمر ويهدي. وبقي من كلام محمد في هذه المسألة شيء ذكر فيه أنه إن كان الشوط من العمرة صار قارناً وأفسد قرانه وفعله في قولهم أجمعين، وهذا قول محمد: لا أعلم معناه إلا على قول عبد الملك الذي يرى أن يردف الحج على العمرة الفاسدة، فأما في قول ابن القاسم لا، إلا أ، يطأ بعد الإحرام بالحج وقبل رمي جمرة العقبة والإفاضة في يوم النحر. انتهى بمعناه.

وَعَلَى الصِّحَّةِ يَكُونُ كَمُحْرِمِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَيَرْكَعُ إِنْ كَانَ كَمَّلَ الطَّوَافَ وَلا يَسْعَى وَعَلَى نَفْيِهَا فَكَالْعَدَمِ ....

يعني: إذا فرعنا على صحة الإرداف على القول بالصحة، ويحتمل على الحكم بالصحة، ليندرج في كلامه حكم ما إذا أردف قبل الشروع في الطواف ويدل على هذا الثاني تشبيه بالمحرم من مكة. أي: فإن لم يكن طاف لم يطف ولم يسع ويؤخره ليأتي به مع طواف الإفاضة، وإن كنا طاف ولم يركع ركع تكميلاً له ولم يسع؛ لأن حكم من أنشأ الحج من مكة أن لا يسعى إلا بعد طواف الإفاضة، إذ لا طواف قدوم عليه. فإن طاف أشوطاً ولم يكمله فقال في المدونة: وإن أردف الحج قبل طواف العمرة فليتمه ولا يسعى، وقال ابن عبد السلام: لا يلزمه إتمامه وهو خلاف ظاهر المدونة.

وقوله: (وَعَلَى نَفْيهَا فَكَالْعَدَمِ) أي: وإذا فرعنا على نفي صحة الإرداف، فيكون إحرامه الثاني كالعدم، فلا يلزمه قضاؤه ولا دم عليه. اللخمي: وحكى عبد الوهاب في هذا الأصل- أعني: إذا لم يصح إرداف الحج على العمرة، أو العمرة على الحج- قولين بوجوب القضاء وسقوطه.

ص: 539

وَشَرْطُ وُجُوبِ دَمِ الْقِرَانِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ

يعني: ولوجوب دم القران شرطان: أولهما أن يحج من عامه، واحترز بهذا مما لوفاته الحج، فإنه يتحلل بعمرة ولا دم عليه، وإن ترك الأولى في حقه- وهو التحلل – واستمر على إحرامه، لم يسقط عنه، والله أعلم.

وَأَلَاّ يَكُونَ مِنَ الْحَاضِرِينَ، خِلافاً لِعَبْدِ الْمَلِكِ

هذا هو الشرط الثاني، وهو ألا يكون من الحاضرين فإن كان حاضراً فلا دم عليه على المشهور قياساً على التمتع، وأوجبه ابن الماجشون، واختاره اللخمي؛ بناءً على أالدم لإسقاط أحد السفرين كالتمتع، فلا يجب؛ لأنه لا سفر عليه، أو لإسقاط أحد العملين، وذلك مشترك بين الحاضر وغيره، ويشترط أيضاً في القران صحة العمرة، فلا يرتدف الحج على العمرة الفاسدة على المشهور كما سيقوله المصنف عند كلامه على فساد العمرة.

لَكِنْ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلَهُمْ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ حَاضِرٌ بِعُمَرَةٍ ثُمَّ أَضَافَ الْحَجَّ، ثُمَّ أُحْصِرَ بِمَرَضِ تَحَلَّلَ بِعُمَرَةٍ وَقَضَى قَارِناً

يعني: أن القارن الحاضر وإن خالف القارن غير الحاضر في الدم، فهما متساويان، ومن أجل أنه يفعل فعل الحاضر لو احرم بعمرة وأردف عليها الحج، ثم أحصر بمرض، تحلل بعمرة وقضى قارناً، وهو ظاهر.

وَلا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِخِلافِ دَمِ التَّمَتُّعِ

أي: ولا يشترط [180/ب] في دم القران الإحرام به في أشهر الحج، بل لو أحرم به قبلها كان قارناً بخلاف التمتع. وفي المدونة: ومن دخل قارناً فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في غير أشهر الحج ثم حج من عامه- فعليه دم القران، ولا يكون طوافه حين دخل مكة لعمرة، بل لهما جميعاً، ولا يحل من واحدة منهما دون الأخرى؛ لأنه لو

ص: 540

جامع فيهما قضى قارناً. التونسي: فإن قيل: كيف أجزأ هذا الطواف عن الحج وهو في غير أشهر الحج؟ فكأنه وضعه في غير موضعه، إذ الحج محصور بأشهره، وقد قال ابن القاسم فيمن فاته الحج فبقي على إحرامه، فقال: أنا أطوف وأسعى للحجة المقبلة. فقال: لا يفعل، وأخاف ألا يكون ذلك مجزئاً عنه. قيل: الذي فاته الحج قادر على فسخ ما هو فيه، فلا يأتي بالسعي والطواف في غير أِهره، بخلاف مسألتنا، فإنه غير قادر على فسخ الإحرام. وقد يقال: هما سواء، وأن ابن القاسم يكره هذا كما كره ذلك. انتهى.

وَلا يُدْخِلُ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ، فَلَوْ أَدْخَلَ عَلَى الْحَجِّ عُمْرَةً أَوْ حَجّاً كَانَ لَغْواً

فالأقسام أربعة: حج على حج، عمرة على عمرة، حج على عمرة وعكسه، فإدخال المتماثل لغو؛ لعدم الفائدة، إذ المقصود من الإحرام بالثاني حاصل بالأول. وكذا أيضاً إدخال العمرة على الحج؛ لأن الأضعف لا يرتدف على الأقوى. ومعنى (لَغَو) أي: لا ينعقد إحرامه، ولا يجب عليه القضاء.

أَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِعُمَرَةٍ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ أَضَافَ الْحَجَّ كَانَ قَارِناً، وَلَزِمَهُ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ وَلا دَمَ إِنْ كَانَ حَاضِراً ......

يعني: أن من أحرم بعمرة من مكة ثم أضاف الحج، فإنه يرتدف حجه على عمرته، كما لو أحرم بها من الحل، لكن لابد للذي أحرم بها من مكة من الخروج إلى الحل كما تقدم، ثم إن كان حاضراً فلا دم عليه، وإن لم يكن حاضراً فعليه دم. وزاد في المدونة: فإن أحرم بحجة بعدما سعى بين الصفا والمروة لعمرته وقد كان خرج إلى الحل – فليس بقارن؛ لأنه أردف الحج بعد تمام العمرة، وعليه دم تأخير الحلاق، والمكي وغيره في هذا سواء.

أبو محمد: قوله: (وقد كان خرج إلى الحل). معناه: أنه خرج إليه بعدما أحرم بالعمرة وقبل أن يطوف لها ويسعى. وأما إن لم يخرج حتى فرغ من سعيه واحرم بالحج، فههنا يلزمه الحج ويصير قارناً ويخرج إلى الحل.

ص: 541

وَالتَّمَتُّعُ أَنْ يُفْرِدَ الْعُمَرَةَ ثُمَّ الْحَجَّ

ظاهره: ثم يفر الحج، وفيه نظر؛ لأنه لو أتى بعمرة في أشهر الحج ثم احرم بحجة وعمرة معاً، كان متمتعاً قارناً اتفاقاً ووجب عليه دمان، دم لمتعته ودم لقرانه. وقال بعض القرويين: يحتمل أن لا يكون عليه إلا هدي واحد؛ لما ثبت في الشرع من قاعدة التداخل، فينبغي على هذا أن يكون تقديره، ثم ينشئ الحج.

وَلِوُجُوبِ الدَّمِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: الأَوَّلُ: أَلا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِيِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، لأَنَّ الْحَاضِرَ لا يُرْبَحُ مِيقَاتاً لَكِنَّهُ يُفَعَلُ فِعْلَهُمْ ....

الأصل في هذا الشرط قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ثم قال: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فقوله: (ذَلِك) عائد على ما استيسر من الهدي عند مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه الهدي. والإشارة إلى جواز التمتع الذي دل عليه قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} . وعلل المصنف سقوط الدم عن الحاضر بكونه لم يربح ميقاتاً، بل أتى بالحج والعمرة من ميقاتهما، بخلاف الآفاقي، فإنه أسقط احد السفرين.

وقوله: (لم يريح ميقاتاً) تبع فيها ابن شاس. وصوابه أن يقول: لم يربح سفراً، إذ لو رجع إلى الميقات لم يسقط عنه الدم عندنا، وإنما يسقط بالعود إلى بلده أو مثله، على أن بعض القرويين قال: لا يصح التعليل بإسقاط أحد السفرين؛ لأنه لو حل من عمرته في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى حج من عامه لم يكن متتعاً بإجماع. وهو قد أسقط أحد السفرين. قال: وإنما سمي متمتعاً لإحلاله الذي أحدثه فيما بين حجه وعمرته. والحاضر وإن سقط عنه الدم، فهو يفعل فعل الآفاقيين. ولمَّا علل سقوط الدم بالحضور بينه بقوله:

ص: 542

وَالْحاضِرُ مَنْ كَانَ وَقْتَ فِعْلِ النُّسُكَيْنِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ ذِي طُوىً عَلَى الأَشْهَرِ، وَلِذَلِكَ لا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مِنْ مَكَّةَ، إِلا بَعْدَهَا، وَقِيلَ: وَمَنْ دُونَ الْقَصَرِ، وَالشَّاذٌّ: وَمَنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ، فَلِذَلِكَ لَوْ قدِمَ مُعْتَمِراً بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ لَمْ يَكُنْ كَالْْحَاضِرِ عَلَى الأَصَحّ

لا خلاف أن أهل مكة وذي طوى حاضرون، قاله ابن بشير. واستدل القاضي إسماعيل على كون أهل ذي طوى من الحاضرين لِمَا ذكره المصنف من أن المكي لا يقصر حتى يجاوزه، واختلف فيمن عداهم، فنقل ابن حبيب عن مالك وأصحابه أن الحاضر من كان على مسافة دون مسافة القصر. ابن بشير: وأما الثالث فحاكه اللخمي ولم يذكر قائله، والظاهر أنه ليس في المذهب. ولعل المصنف لهذا عبر عنه بالشاذ.

قوله: (وَلِذَلِكَ

إلخ) أي: ولأجل أن الحاضر نم كان وقت فعل النسكين من أهل مكة لو قدم آفاقي في أشهر الحج معتمراً بنية الإقامة ثم حج من عامه – أنه متمتع يجب عليه الدم؛ لأنه لم يكن وقت فعل العمرة من الحاضرين. قال في المدونة: وقد يبدو له، أي: في عدم الإقامة. اللخمي: والصواب أنه غير متمتع اعتباراً بنيته. ولو أحدث نية السفر بعد ذلك؛ لأنها نية حدثت بعد النية الأولى. وهذا هو مقابل الأصح. وإذا فرعنا على المذهب. فقال الباجي: إنما لا يكون متمتعاً من كمل استيطانه قبل أن يحرم بعمرة مثل أن يدخل معتمراً في رمضان [181/أ]، ثم يحل في رمضان من عمرته، ثم يستوطن مكة، ثم يعتمر في أشهر الحج، فإنه لا يكون متمتعاً، وهو بمنزلة أهل مكة، قاله أشهب ومحمد، وهو معنى قول مالك.

وَالْخَارِجُ لِرِبَاطٍ أَوْ تِجَارَةً - وَلَوْ تَوَطّنَ غَيْرَهَا - ثُمَّ يَرْجِعُ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ فَيُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَلَوْ مِنَ الْمَوَاقِيتِ كَأَهْلِهَا كَانَ لَهُ أَهْلٌ أَمْ لا

يعني: أن من كان بمكة وخرج بنية تجارة أو غزو أو غيرهما- يريد ولم يرفض سكناها كما سيأتي- فإن خروجه لا يؤثر في حضوره، وقوله:(وَلَوْ تَوَطّنَ غَيْرَهَا) مبالغة،

ص: 543

وعلى هذا فإطلاق المصنف التوطن على طول الإقامة مجاز لأن حقيقة التوطن الإقامة بنية عدم الانتقال. ويَبِينُ لك أن مراده بالتوطن ما قلناه ما وقع في بعض النسخ، وعليها تكلم ابن هارون عوض قوله:(وَلَوْ تَوَطِّنَ غَيْرَهَا)، (ولم يوطن غيرها) وشمل قوله:(الْخَارِجُ): الخارج من أهلها وغيرهم وهو صحيح. فقد قال مالك في العتبية والموازية: إنه ليس على من ترك أهله بمكة من أهل الآفاق وخرج لغزو أو تجارة إذا قدم في أشهر الحج متعة، كما ليس على أهل مكة متعة. قال محمد: معناه: أنه دخل للسكنى قبل أن يحرم للعمرة، وكذلك قال في البيان: معناه: أنه قدم قبل أشهر الحج، فترك أهله بها على نية الاستيطان بها، ثم خرج لتجارة أو غزو فقدم معتمراً في أِهر الحج، وكذلك لو سكنها بغير أهْلِ قبل أن يتمتع. قاله ابن المواز انتهى. وإلى هذا أشار بقوله:(كَانَ لَهُ أَهْلَ أَمْ لا؟).

وَالْمُنْقَطِعُ إِلَيْهَا كَأَهْلِهَا، كَمَا أَنَّ الْمُنْقَطِعَ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهَا وَالدَّاخِلَ لا بِنِيَّةِ إِقَامَةٍ بِخِلَافِهِمْ .....

أي: المنقطع إليها كالمجاور في سقوط الدم كأهلها. وقوله: (كَمَا أَنْ الْمُنْقَطِعَ

إلخ) ابن هارون: أي كما أن أهل مكة إذا انقطعوا لغيرها والداخل إليها لا بنية الإقامة كغيرهم وحكمهم في وجوب الدم كسائر الآفاقين.

وَذُو أَهْلَيْنِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا. قَالَ مَالِكٌ: مِنْ مُشْتَبِهَاتِ الأُمُورِ، وَالاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِزِيادَةِ الإِقَامَةِ

يعني: أن من كان له أهل بمكة وأهل بغيرها وكان يقيم مرة هنا ومرة هنا، فقدم مكة معتمراً في أشهر الحج – فقال مالك في المدونة: هاذ من مشتبهات الأمور والأحوط له أن يهدي. وقوله: (وَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بزِيَادَةِ الإِقَامَةِ) هو من كلام أشهب. ومعناه أنه إن كان

ص: 544

يسكن في أحدهما أكثر كان الحكم له. اللخمي وغيره: وهو صحيح ولم يتكلم مالك على مثل هذا وإنما تكلم على من تساوت إقامته فيهما وحمل التونسي قول أشهب على الخلاف.

الثَّانِي: أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْعُمَرَةِ وَلَوْ أَخَّرَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ فِي رَمَضَانَ، وَأَكْمَلَ سَعْيَهُ بِدُخُولِ شَوَّالٍ وَإِلا لَمْ يَجِبُ إِلا أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْحِلِّ بِأُخْرَى بِشَرْطِهَا

الشرط الثاني: أن يحصل بعض العمرة في أشهر الحج، ولا يشترط إيقاع جميعها بل لو أحرم بها في رمضان وأكملها في ليلة شوال لكان متمتعاً. وقوله:(وَإِلا لَمْ يَجبُ) أي وإن لم يقع بعض العمرة في أِهر الحج لم يجب الدم. وقوله: (إِلا أَنْ يُحْرِمَ) استثناء منقطع وتصوره ظاهر.

وَالْمُعْتَبَرُ السَّعْيُ وَلَوْ بَعْضُهُ لا الْحَلْقُ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْحَلِقِ بِالْحَجِّ - لَزِمَهُ الْحَجُّ، وَحَرُمَ الْحَلْقُ وَوَجَبَ دَمَانِ لِلْمُتْعَةِ وَتَاخِيرِ الْحَلْقِ، وَهُوَ هَدْيٌ لا نُسُكٌ بِخِلافِ الْحَلَقِ ....

أي: المعتبر في البعض الذي إذا أوقعه في أشهر الحج يكون متمتعاً أن يكون ركناً، فلذلك لو لم يبق عليه إلا الحلق وأوقعه في أِهر الحج لا يكون متمتعاً. وقوله:(وَلِذَلِك لَوْ أَحْرَمَ) أي: لأجل أن المعتبر بعض السعي لا الحلق، لو احرم بالحج قبل حلقه لزمه الإحرام بالحج، لأنه لو كان الحلق هو المعتبر لزم ألا ينعقد الإحرام بالحج. وإذا لزمه الإحرام بالحج في المسألة المذكورة حرم الحلق ووجب عليه دمان: دمٌ لمتعته، ودمٌ لتأخير حلاقه في عمرته. وقوله:(وَهُوَ هَدْيٌ) أي: لأنه عن قص في العمرة؛ إذ الهدي: ما كان عن نقص في حج أو عمرة أو جزاء صيد. والنسك: لما تحصل به الرفاهية كالحلق.

ص: 545

فَلَوْ تَعَدَّى فَحَلَقَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَلا يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ التَّاخِيرِ عَلَى الأَصَحِّ

أي: إذا حرم الحلق، ووجب عليه دم لتأخير الحلق فلو بادر فحلق لزمته فدية لأجل حلقه في حجه وهل يسقط عنه دم تأخير الحلق؟ ابن يونس: قال بعض أصحابنا: لا يسقط عنه دم التأخير لأنه نقص لزمه كمن تعدى ميقاته ثم أحرم بالحج فلزمه دم التعدي، فلا يسقط عنه برجوعه إلى الميقات. وقال بعض أصحابنا: يتخرج هذا على روايتين كقولهم فيمن قام من صلاته من اثنتين فلما استوى قائماً رجع فجلس، قال ابن القاسم يسجد بعد السلام. وقال أشهب: قبل السلام. فعلى قول أشهب الذي رأى أن النقص مرتب عليه يجب ألا يسقط عنه دم تأخير الحلاق انتهى. ورأى بعض القرويين أن الموجب لإسقاط دم تأخير الحلاق إنما هو دخوله في دم الحلاق. ورده عبد الحق بأن الواجب في دم الحلاق نسك فلا يدخل في الهدي.

الثَّالِثُ: أَلا يَعُودَ إِلَى أُفُقِهِ أَوْ مِثْلِهِ بِخِلافِ مَا لَوْ عَادَ نَحْوَ الْمِصْرِيِّ إِلَى نَحْوِ الْمَدِينَةِ

المراد بالأفق: البلد، هكذا يؤخذ من كلام اللخمي. وإنما يسقط عنه الدم بالعودة إلى بلده لأنا إنما أوجبنا عليه الدم لإسقاط أحد السفرين، وإذا عاد لم يسقط شيء، وأطلق المتقدمون في هذا الشرط، وقيده أبو محمد بما إذا كان أفقه يدركه إن ذهب إليه ويعود فيدرك الحج من عامه، وأما مَنْ أُفُقُهً إفريقية ورجع إلى مصر فهذا عندي يسقط التمتع لأن موضعه لا يدرك أن يذهب إليه ثم يعود من عامه. ولا إشكال أنه إذا [181/ب] عاد إلى بلده أو ما قاربه في سقوط الدم عنه.

وحكى الباجي الاتفاق على ذلك. والمشهور أنه لا يسقط عنه الدم بدون ذلك. وأسقطه ابن كنانة بعود الشامي والمصري والعراقي إلى نحو المدينة. وأسقطه المغيرة بمسافة القصر. والمشهور أنه لا فرق بين قطر الحجاز وغيره. وأشار ابن المواز على ما

ص: 546

فهمه ابن يونس وغيره إلى أنه إنما يسقط عنه الدم بالعود إلى مثل أفقه إذا كان أفقه غير أفق الحجاز وأما أفق الحجاز فلا يسقط عنه الدم إلا بعوده إلى نفس أفقه أو بالخروج عن أرض الحجاز بالكلية. ابن يونس: وكأن ابن المواز رأى أن الحجاز كله قريب، فلا يسقط عنه إلا بعوده إلى نفس أفقه. والقياس أنه إذا رجع إلى مثل أفقه أنه يسقط عنه الدم وإن كان بالحجاز انتهى بمعناه. وكذلك استشكله اللخمي فقال: ولا أعلم له وجهاً.

الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَا عَنْ وَاحِدٍ عَلَى الأَشْهَرِ

أي: تكون العمرة والحج إما عن نفسه وإما عن من استنابه. أما إن كان أحدهما عن نفسه والآخر عن غيره فالأشهر سقوط الدم؛ لأنه لم يحصل لأحدهما مجموع الحج والعمرة الذي هو حقيقة التمتع. وتبع المصنف ابن شاس، فإنه حكى القولين ولم يعزهما، ولم يعين المشهور منهما، ولم يحك صاحب النوادر وابن يونس إلا ما وقع في الموازية أنه تمتع؛ نظراً إلى تعدد ما أتى به، وهو مقتضى ما في المدونة؛ لأن فيها في الحج الثالث فيمن استؤجر على أن يحج فقرن ينوي العمرة عن نفسه والحج عن غيره، أنه لا يجزئه وعليه دم القران. ولا فرق بين القران والمتعة؛ لأن كل واحد منهما يجب به الدم على الآفاقي ويسقط عن المكي.

الْخَامِسُ أَنْ يَكُوَنا فِي عَامٍ

هو ظاهر لأنهما إذا لم يكونا في عام لم يحصل التمتع. ولا يقال: إن الشرط الثاني يغني عنه، لأن الخروج من العمرة في أِهر الحج يوجب أن يكونا في عام؛ لأنا لا نسلم أنه يغني عنه لاحتمال أن لا يحج من ذلك العام أو يحج عن غيره كما تقدم.

فإن قلت: قال الباجي في شروط التمتع أن يقدم العمرة على الحج وأن يحل من عمرته قبل الإحرام بالحج وهو ظاهر؛ لأن من أتى بالعمرة بعد الحج ليس متمتعاً مع

ص: 547

صدق كلام المصنف عليه. ولو لم يحل من عمرته كان قارناً لا متمتعاً، والمصنف قد أخل بهما. فالجواب أن هاتين الصورتين خرجتا بقوله أولاً: والتمتع أن يفرد العمرة ثم الحج. فإن ثم تقتضي تأخير الحج. وإفراد العمرة تقتضي أنه لا يحرم بالحج إلا بعد فراغها. وأيضاً فلا يصدق على ما إذا أوقع العمرة بعد الحج أنه تمتع، على أن الباجي كان يمكنه أن يستغني بقوله: أن لا يحرم بالحج إلا بعد فراغها عن اشتراط تقديم العمرة. ولا يشترط في التمتع صحة العمرة لأن في الموازية: من افسد عمرته في الحج؛ يعني: في أشهر الحج ثم حل منها ثم حج من عامه قبل قضاء عمرته فهو متمتع، وعليه قضاء عمرته بعد أن يحل من حجه، وحجه تام، ذكره ابن يونس. وفي توجيه الباجي: أن التمتع لا يكون إلا بعمرة صحيحة مقصودة.

فرع:

قال مالك فيمن قدم قارناً فيغير أشهر الحج فطاف وسعى قبل أن يَهِل شوال: إنه متمتع. اللخمي: والقياس أنه ليس بمتمتع؛ لأن العمرة قد انقضت، ولم يبق عليه إلا أفعال الحج. ولا شركة للعمرة فيها إلا الحلاق. وقال مالك أيضاً: من قدم مراهقاً وهو قارن يحلق إذا رمى جمرة العقبة وإن لم يكن طاف.

ابن راشد: قال ابن الجهم: يؤخر الحلاق حتى يطوف ويسعى؛ لأنه لم يطف للعمرة، فلم يبح له أن يحلق قبل طواف العمرة، اللخمي: وهو القياس.

خليل: وفي إطلاق التمتع في هذه المسألة نظر لما تقدم من لفظ المدونة، ولعله أراد به القران والله أعلم.

وَيَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ جَوَازَ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ عَلَى خِلافِ الْكَفَّارَةِ ....

يعني: أن المتمتع لا يجب عليه دم التمتع بإحرامه بالعمرة وإنما يجب عليه إذا أحرم بالحج، إذ التمتع إنما يتحقق حينئذ.

ص: 548

قال في الجلاب: والاختيار تقديمه في أول الإحرام ولم يراعوا احتمال الفوت لأن الأصل عدمه. اللخمي: واختلف إذا قلد وأشعر قبل الإحرام بالحج، فقال أشهب وعبد الملك في الموازية: لا يجزئه. وقال ابن القاسم: يجزئه. فلم يجزئه في القول الأول؛ لأن دم التمتع إنما يجب إذا أحرم بالحج، وإذا قلد قبل ذلك كان تطوعاً، والتطوع لا يجزئ عن الواجب. وأجزأ في القول الآخر قياساً على تقديم الكفارة قبل الحنث والزكاة إذا قرب الحول، والذي تقتضيه السنة التوسعة في جميع ذلك انتهى. وكذلك ذكر في النوادر هذين القولين. فقول المصنف (وَخَرَّجَ اللّخْمِيّ) ليس بظاهر.

وَإذاً أَحْرَمَ مُطْلَقاً جَازَ وَخُيِّرَ فِي التَّعْيِينَ

يعني: أنه يجوز الدخول في النسك على سبيل الإبهام.

ابن عبد السلام: لكنه لا يفعل شيئاً من الأركان إلا بعد التعيين انتهى. وفي الذخيرة: لو احرم مطلقاً ولم يعين حتى طاف فالصواب أن يجعله حجاً. ويكون هذا طواف القدوم؛ لأن طواف القدوم ليس ركناً في الحج، والطواف ركن في العمرة، وقد وقع قبل تعيينها انتهى.

وإذا أحرم مطلقاً فقال مالك في الموازية: أحب إلي أن يفرد، والقياس أن يقرن وقاله [182/أ] أشهب، وقال: القياس أن يصرفه إلى عمرة. ورأى اللخمي أن التخيير إنما هو في حق المدني ونحوه، وأما أهل المغرب وغيرهم ممن لا يقصد إلا الحج فلا يلزمهم غيره.

ابن عبد السلام: وما نقله المؤلف هو المذهب بلا شك ونقله غير واحد، وإن كان بعض شيوخ الحديث ممن تكلم على الحديث نقل عن المذهب خلافه.

فرع:

ولو أحرم بما أحرم به فلان وهو لا يعلمه جاز عند أشهب والشافعية؛ لقضية علي رضي الله عنه، قاله سند وصاحب الذخيرة. ونقل في المفهم عن مالك منع الإحرام بما أحرم به الغير خلافاً للشافعي.

ص: 549

ابن عبد السلام: وقال غير واحد من الشيوخ: إنه الأمر في الصلاة، فيجوز لمن دخل المسجد والناس في الصلاة ولا يدري بما هي أن يحرم بما أحرم به الإمام.

وَلَوِ اخْتَلَفَ عَقَدُهُ وَنُطْقُهُ فَالْعَقْدُ عَلَى الأَصَحِّ

كما لو نوى الإفراد فتلفظ بالقران أو بالعكس فالأصح اعتبار نيته، وليس في المذهب من صرح بالعمل على ما تلفظ به كما يعطيه كلام المصنف. وفي الجواهر ما يشير إلى اعتبار اللفظ، فروى ابن القاسم فيمن أراد أن يفرد فأخطأ أو تكلم بعمرة- فليس ذلك بشيء، وهو على حجه. قال في العتبية: ثم رجع مالك وقال: عليه دم، وقال ابن القاسم: ولعل الدم للخلل الواقع في الإحرام لعدم مطابقة لفظه لنيته أو لمراعاة خلاف عطاء؛ لأنه لا يجزئ الإحرام إلا بعد التسمية.

وَلَوْ نَسِىَ مَا أَحْرَمَ بِهِ عَمِلَ عَلَى الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ، كَمَا لَوْ شَكَّ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ فَإِنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِجَوَازِ الْعُمَرَةِ، وَلا يَحْلِقُ لِجَوَازِ الْحَجِّ وَيَنْوِي الْحَجَّ لِجَوَازِ التَّمَتُّعِ فِيهِمَا، وَقَالَ أَشْهَبُ: يَكُونُ قَارِناً .....

يعني: إذا أحرم بمعين ثم نسي ما أحرم به أهو عمرة أو إفراد أو قران؟ فإنه يعمل على الحج والقران. أي: يحتاط لهما بأن ينوي الحج إذ ذاك ويطوف وسعى بناءً على أنه قارن، ويهدي في القران ويأتي بعمرة لاحتمال أن يكون إنما أحرم أولاً بإفراد. وأصل هذه المسألة ما في الموازية: أنه لو نوى شيئاً ونسيه أنه يكون قارناً، وقاله أشهب في المجموعة. قال ابن ميسر والتونسي: وهو الصحيح، لكن بعد أن يلبي بالحج حتى يتم القران - إذا كان الواقع في نفس الأمر هو العمرة - فمن الشيوخ من يعده خلافاً، وليس يبين بل الظاهر أنه وفاق، وكلام المصنف يدل عليه؛ لقوله في آخر المسألة:(وَيَنْوِي الْحَجِّ فيهِمَا) وكذلك قال ابن بشير: إن قول ابن ميسر راجع في المعنى إلى قول أِهب. وقوله: (كَمَا لَوْ شَكَّ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ) تنظير؛ أي: إذا شك هل أحرم بإفرادِ أو تمتع؟ أي: بعمرة، وكان

ص: 550