الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، وعلى سائر رسل الله وأنبيائه. اللهم منك العون، وعليك الاتكال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
…
وبعد، فإن من دأبي كلما ازدحمت عليّ المتاعب، وركبتني الهموم، وضياق صدري، وانقبض قلبي، أن أمشي حتى أجد مسجداً خالياً، فأدخله فأصلي ركعتين، وأقعد، أشعر بسكون المسجد من حولي، وبجلال الحق من فوقي، حتى أجد الطمأنينة والرضا، كأني نجوت من البحر الهائج إلى الجزيرة الآمنة، وتركت الصحراء المحرقة إلى الواحة الظليلة، وكأن ما كنت فيه من المشكلات، وما كان في صدري من الهموم، قد ذهب كله، لما دخلت حمى الله وصرت في بيته واعتصمت به من الناس وشرورهم، ومن نفسي وسوئها، ومن الشيطان ووسواسه. وإذا كان العرف الدولي على أن بيوت سفراء الدول الأجنبية قِطَع من بلادهم ولو كانت في بلاد الناس، فإن بيوت الله رياض من رياض الجنة، وإن كانت في هذه الدنيا، فمن دخلها كان ضيف الله، وكان جاره. فهي أبواب السماء المفتحة دائماً إن سُدّت في وجه البائسين اليائسين أبواب الأرض، وهي منار الهدى إن ضل بالسالكين الطريق، وإن كان في الدنيا الخير والشر، فهاهنا الخير الذي لا شر معه، وإن كان فيها الحق والباطل، فهاهنا الحق الذي لا باطل فيه.
ومن هنا تخرج الكلمة من حلوق المؤذنين، وأفواه الخطباء والمدرسّين فتمشي في الفضاء، من فوق رؤوس الملوك والكبراء، والأغنياء والأقوياء، كلٌّ يخضع لها ويصغي إليها، لأنها كلمة الخالق، وإن جاءت على ألسنة ناس من المخلوقين.
هذه قلاع الإيمان في وجه الإلحاد.
هذه حصون الفضيلة، أمام الرذائل والشهوات.
والمسجد هو المعبد في الإسلام، وهو البرلمان، وهو المدرسة، وهو النادي، وهو المحكمة.
هو (المعبد): يدع المسلمين أحقادهم ومطامعهم وشرورهم وفسادهم على الباب، ويدخلون إليه بقلوب متفّتحة للإيمان، متطلّعة إلى السماء، متحلّية بالخشوع، ثم يقومون صفّاً واحداً، يستوي فيه الكبير والصغير، والأمير والحقير، والغني والفقير، أقدامهم متراصّة، وأكتافهم متزاحمة، وجباههم جميعاً على الأرض، يستوون في شرف العبودية، وفي شرعة العبادة.
وهو (البرلمان): ما دهى المسلمين أمر، ولا عرض لهم عارض، إلا نودي:"الصلاة جامعة" فاجتمع الشباب في المسجد. ففي المسجد يكون انتخاب الخليفة، وفيه تكون البيعة، وفيه تُبحث القوانين، تستمدّ من الشرع ثم تعلن فيه على الناس.
وهو (النادي): إن قدم أمير بلداً كان أول ما يدخله من البلد المسجد، على منبره يعلن سياسته، ويذيع منهاجه، وإن كانت حرب، عُقدت الرايات في المسجد، وليس في الإسلام حروب هجومية لمجرد
الفتح والاستعمار والكسب، بل فيه الحرب الدفاعية فقط، حرب الدفاع عن العقيدة: أن يمنع أحد مسيرها، وعن أصحابها: أن يحول أحد بينهم وبين قيامهم بفرض الدعوة إليها. إنهم مكلّفون بحمل المصباح الذي أضيء من غار حراء، لينوّروا به الدنيا، ويبددوا به الظلام عن أهلها فإذا انبرى لهم من يحاول إطفاء المصباح، ومن يريد منع نور الله أن يصل إلى عباده، حاربوه حتى يفيء ويرجع، فإن فاء ورَجَع إلى الحق كان واحداً منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى إلا عناداً فحارب فغُلب على أمره لم يُكرهوه على الإسلام، ولم يكلفوه شططاً، ولم يحمّلوه إلا ضريبة محدودة، هي تكاليف الدفاع الذي يتولّونه هم وحدهم. ضريبة هي أشبه بـ (البدل العسكري)، يدفعه المغلوبون من أموالهم، ويدفع المسلمون الغالبون ضريبة الجهاد من أرواحهم.
والمسجد هو (المدرسة): وفي المساجد وُضعت أسس الثقافة الإسلامية، وفيها ارتفعت ذراها، وشُيّدت صروحها. وكان يدرّس في المسجد كل علم ينفع الناس: من علوم القرآن، وعلوم السنة، وعلوم الشريعة، وعلوم اللسان، وعلوم سنن الله في الأكوان. وكل علم تحتاج إليه الأمة الإسلامية يكون تعلمه فرض كفاية في نظر الإسلام، حتى الكيمياء والفيزياء والرياضيات. ونجد بعد ذلك مَنْ تبلغ به الجهالة أن يَصِم بالجمود ديناً يجعل تعلّم الكيمياء فرضاً كفرض العبادات.
والمسجد هو (المحكمة): وعلى بُسُط المساجد وأمام أعمدتها وأساطينها أُصدرت أعدل الأحكام وأجرؤها، وفيها سُطرت أروع صفحات القضاء البشري، ولطالما أقام القضاة فا الجَمّال والحَمّال
مع أمير المؤمنين (1)، والأجير والفقير مع الأمير الكبير (2)، ثم حكموا له عليه، لا يبالون مع الحق صغيراً ولا كبيراً.
وقد تشرّفتُ فزرتُ آلافاً من المساجد، في الداني من بلاد الإسلام، عامرها ودائرها، فرأيت المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، والأزهر المعمور، ومسجد أبي حنيفة والجيلاني في بغداد، وابن طولون والمتوكل في القاهرة، سرّ مَنْ رأى، وآثار مسجدّي الكوفة والبصرة، والمسجدين العظيمين: المسجد الجامع في دهلي، وآثار مسجد قوة الإسلام في دهلي القديمة، ومساجد الملايا وجاوه، فما رأيت فيها كلّها بعد المساجد الثلاثة التي ميزّها الله وجعل الصلاة فيها أفضل بدرجات، مسجداً هو أقدم قدماً، وأفخم مظهراً، وأجمل عمارة، وأحلى في العين منظراً، من الجامع الأموي في دمشق.
كان مدرسة دمشق، في الحلقات يدرّس فيها فيها كل علم، وكان النادي يجتمع فيه الناس كلما دهم البلدَ خطب، وكان الأموي في عهد نشأتنا الأولى لبّ دمشق، فكانت الدار القريبة هي القريبة من الأموي، والبعيدة هي البعيدة عن الأموي، وكانت الأرض الغالية هي التي جاورت الأموي، وكان الأموي ملعبنا ونحن أطفال، ثم كان مدرستنا الثانية ونحن طلاب، ندخله إذا انصرفنا من المدرسة فنصلي فيه، ونقف على حلقاته، وما كان يخلو وقت فيه من حلقتين أو أكثر، وكنا نتبوأ مقاعدنا
(1) منها دعوى الجمّال على أمير المؤمنين المنصور أمام قاضي مكة.
(2)
ومنها دعوى المرأة على عيسى بن موسى أكبر أمراء البيت العباسي ووالي العراق أمام القاضي شَريك.
من بعضها، نأخذ الفقه والحديث واللغة والنحو، وكنا نؤمُّه في عشايا الصيف مع آبائنا، نتخذ من صحنه متنزّهاً وأُنساً، وكنا نؤمّه في ليالي الشتاء نتخذ من حرمه ملجأ وأمناً، وكان الأموي مثابة النضال الوطني على عهد الانتداب، فيه تُلقى الخطب، وفيه تُعدّ المظاهرات، ومنه تسري روح النضال في الناس، فكان للدين والدنيا، وللعبادة والعلم، ولكل ما فيه رضا الله ونفع الناس، وكذلك يكون المسجد في الإسلام.
وأكثر ما كثر عليه تَردادي، واتصل به حبلي، لما كنت في المدرسة الجَقمَقية، ثم لما صرت من بعد في مكتب عنبر، وأُولعت من أيام الجقمقية (سنة 1919 م) بأن أنقل كل خبر أجده عن الأموي، واستمرذلك أكثر من أربعين سنة، من تلك الأيام إلى الآن (1)، فاجتمع لي من الأوراق والجذاذات والمذكرات ما يملأ درجاً كبيراً. وكنت كلما عزمت على تصفيته، وإخراجه في كتاب، تعاظمني الأمر فتهيّبته، وقد جمعتُ كل ما وجدته عنه في ابن عساكر، و"الدارس"، و "محاسن الشام"، و "مسالك الأبصار"، و"البداية والنهاية"، و"الروضتين" وذيله، و "شذرات الذهب"، و"معجم البلدان"، و"النجوم الزاهرة"، وتاريخ ابن القلانسي، و"السلوك" للمقريزي، وكتب ابن طولون، وما كتبه القاسمي وبدران. ورأيت بعض الرسائل المخطوطة، وكتباً أخرى لا أريد الآن إحصاءها.
وكنت كلما تقادم العهد، ازدادت هذه الأوراق كثرة، وازددت لها تهيباً، حتى إذا صح مني العزم قليلاً، استخرجت سلسلة الأحاديث التي كنت حدّثت بها من إذاعة دمشق عن الأموي من سنين ثم تركتُها، فلما طلبتْ مني المديرية العامة للأوقاف أن أكتب شيئاً عن الأموي، يكون
(1) أي إلى وقت كتابة هذه الفصول.
كالدليل للسائح، استخرجتُ منها هذه الخلاصة التي أقدمها اليوم، ولم أغزّ كلَّ خبر فيه اعتماداً على أني سأُخرج إن شاء الله الكتاب الكبير عن الأموي وكلَّ خبر فيه معزوّ إلى مصدره، ولأني جربت في كتابي عن أبي بكر وعمر أن أذكر كل مصدر، وأعيّن الطبعة من الكتاب والجزء والصفحة، فأخذ ناسٌ من (أكبر) كُتّابنا ومؤلفينا ما فيهما ولم يُشيرا إليهما، وادّعيا أنهما أخذا من الأصول التي نقلت منها.
وأنا أسأل الله التوفيق، وأن يجعلنا من المخلصين.
دمشق: 4 رمضان 1379 هـ
1 آذار 1960 م
علي الطنطاوي