الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: الهدية
حرص النبي صلى الله عليه وسلم وهو المبعوث رحمة للعالمين على تشريع كل ما من شأنه أن يؤلف قلوب المسلمين، فقد أرسله الله بكل بر وخير، وامتن على عباده بما قذفه في قلوبهم من ألفة ومحبة {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
ومن هذه الشرائع التي تفتح مغاليق القلوب، وتبذر المحبة، وتفرش الورود والندى بين الناس؛ الهدية، وقد حثَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«تهادوا، فإن الهدية تذهب وغَر الصدر» ، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم:«تهادوا تحابُّوا» (1).
هدايا الناس بعضهُم لبعض
…
تولِّد في قلوبهم الوصال
وتزرع في الضمير هوى ووُداً
…
وتُلبسهم إذا حضروا جمالاً
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهدي ويقبل هدية الآخرين، يقول أبو هريرة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ولا يأكل
(1) أخرجه أحمد ح (7997).
الصدقة) (1)، وتفسيره كما يقول ابن عبد البر:"رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل الصدقة وكان يأكل الهدية، لما في الهدية من تآلف القلوب والدعاء إلى المحبة والألفة، وجائز عليها الثواب، فترتفع المِنَّة، ولا يجوز ذلك في الصدقة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها خيراً منها، فترتفع المنة "(2).
وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التهادي في القليل والكثير، وكان هو صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولو كانت زهيدة، وكان يقول:«لو دعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت؛ ولو أهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت» (3)، وفي هذا "حض منه لأمته على المهاداة، والصلةِ، والتأليفِ، والتَحابِ، وإنما أخبر أنه لا يحقِّر شيئاً مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المُهدى، وإنما أشار بالكُراع وفِرسِن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفِرسِن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك"(4).
(1) أخرجه أبو داود ح (4512).
(2)
الاستذكار لابن عبد البر (6/ 70).
(3)
أخرجه البخاري ح (2568).
(4)
شرح ابن بطال (7/ 88).
إن التهادي بالقليل الذي ليس فيه كلفة يدل على تمام المحبة وكمالِها، فقال:«يا نساء المسلمات لا تحقرنَّ جارة لجارتها؛ ولو فِرسِنَ شاة» (1)، وفي رواية:«تهادوا، فإن الهدية تذهب وحَر الصدر، ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فِرسِن شاة» (2)، والفرسن هو الحافر، وفي هذا الحديث "الحض على التهادي والمتاحفة؛ ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهابِ الشحناء، واصطفاءِ الجيرة، ولما فيه من التعاونِ على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهلُ على المُهدي لاطراح التكليف"(3).
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الهدية من خير العمل عند الله، وأنها تعدل في أجرها عِتق الرقبة، على عظم منزلة العتاق عند الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم:«من منح مَنيحة ورِق [أي فضة] أو منيحة لبن أو هدى زُقاقاً [يعني الدلالة على الطريق]؛ كان له كعدل رقبة - وقال مرة: - كعِتق رقبة» (4).
(1) أخرجه البخاري ح (2566)، ومسلم ح (1030).
(2)
أخرجه الترمذي ح (2130).
(3)
شرح ابن بطال (7/ 85).
(4)
أخرجه أحمد ح (18190).
وحين أعتقت ميمونة بنت الحارث جارية عندها؛ أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن إهداءها الجارية إلى بعض أقاربها خير لها من عتاقها، وهو من فاضل العمل عند الله، تقول أم المؤمنين: أشعرتَ يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: «أوفعلتِ؟ .. أما إنك لو أعطيتِها أخوالَك كان أعظمَ لأجرِك» (1).
قال ابن بطال: "وفي حديث ميمونة أن صلة الأقارب أفضلُ من العِتق، على أن العِتق قد جاء فيه أن الله يعتِق بكل عضو منه عضوًا منها من النار، وأن بالعتق تُجاز العقبةُ يوم القيامة". (2)
ولما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أربعين خصلة تُدخل صاحبَها الجنة، جعل أُولاها إهداء عنز إلى من يستفيد من لبنها ثم يردها إلى صاحبها، فقال صلى الله عليه وسلم:«أربعون خصلة؛ أعلاهن مَنيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابِها وتصديقَ موعودها؛ إلا أدخله الله بها الجنة» (3).
وقال صلى الله عليه وسلم: «نِعم المنيحةُ اللِّقْحةُ، الصَفِي منحة [أي الكريمة الغزيرة اللبن]، والشاة الصفيُّ تغدو بإناء، وتروح بإناء» ، وفي
(1) أخرجه البخاري ح (2592)، ومسلم ح (999).
(2)
شرح ابن بطال (7/ 111).
(3)
أخرجه البخاري ح (2631).
رواية: «من منح مَنيحة غدت بصدقة، وراحت بصدقة، صَبوحِها وغَبوقِها» (1)، والمنيحة تدور حول معنيين"أحدهما أن يعطي الرجل صاحبَه صلة فتكونَ له، والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفعُ بحلْبها ووَبرِها زمناً ثم يردُها"(2).
كما حث النبي صلى الله عليه وسلم على إهداء منفعة الفضول التي تزيد عن حاجة صاحبها، ولو كانت أرضاً، يقول جابر رضي الله عنه: كانت لرجال منا فضول أرضين فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحْها أخاه؛ فإن أبى فليمسك أرضه» (3).
قال الملا علي القاري في شرحه: "ينبغي أن يحصُل للإنسان نفعٌ من ماله، فمن كانت له أرض فليزرعها حتى يحصُل له نفع منها، أو ليعطها أخاه ليحصُل له ثواب، فإن لم يفعل هذين الشيئين فليمسك أرضه، فهذا توبيخ لمن له مال ولم يحصُل له منه نفع"(4).
(1) أخرجه البخاري ح (2629)، ومسلم ح (1020).
(2)
فتح الباري، ابن حجر (5/ 243).
(3)
أخرجه البخاري ح (2341)، ومسلم ح (1536).
(4)
مرقاة المفاتيح (9/ 433).
ولما خرج صلى الله عليه وسلم إلى أرض تهتز زرعاً فقال: «لمن هذه؟» فقالوا: اكتراها فلان. فقال: «أما إنه لو منحها إياه كان خيراً له من أن يأخذ عليها أجراً معلوماً» (1).
إهداء الطعام
ومما شرع النبي صلى الله عليه وسلم إهداءه؛ الطعام، وهذا يشمل الغني والفقير، والإطعام أوسع من الصدقة التي هي مخصوصة بالفقير وذي الحاجة، بينما الإطعام يكون للغني والفقير، أي هو نوع عام من الصلة والبر، وهو من أفضل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، فهو باب من أبواب الجنة:«أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، واضربوا الهام؛ تورثوا الجنان» ، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم:«إن في الجنة غرفاً، ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها» ، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام» (2).
ولما أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ المنورة أتاه حَبْرُ اليهود عبدُ الله بن سلام يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُ وجه
(1) أخرجه البخاري ح (2634).
(2)
أخرجه الترمذي ح (1984)، وأحمد ح (1340).
رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به صلى الله عليه وسلم أن قال:«أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام» (1).
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله عمرو بن عبسة: ما الإسلام؟ أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بذكر خصلتين عظيمتين، إحداهما إطعام الطعام، فقد قال صلى الله عليه وسلم:«لين الكلام وإطعام الطعام» (2).
وأتاه صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله وتصديق وجهاد في سبيل الله وحج مبرور» ، فقال الرجل: أكثرتَ يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «فلين الكلام وبذل الطعام وسَماح وحُسن خلق» (3).
ولما جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: علمني عملاً يدخلني الجنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت أقصرتَ الخطبة لقد أعرضتَ المسألة، أعتق النسمة، وفك الرقبة .. والمنحة: الوكوف،
(1) أخرجه الترمذي ح (2485)، ابن ماجه ح (1234)، وأحمد في المسند ح (23272)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (1097).
(2)
أخرجه أحمد ح (18942)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (551).
(3)
أخرجه أحمد ح (17385)، قال الهيثمي:"أخرجه أحمد، وفي إسناده رشدين وهو ضعيف ". مجمع الزوائد (1/ 68).
والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأْمُر بالمعروف، وانهَ عن المنكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير» (1).
وفي مرة أخرى سأل رجل النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ فذكر النبي صلى الله عليه وسلم له هذه الخصلة الفاضلة من خصال الخير وقال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (2)، وفي هذا "الحض على المواساة، واستجلاب قلوب الناس بإطعام الطعام وبذل السلام، لأنه ليس شىء أجلب للمحبة وأثبت للمودة منهما، وقد مدح الله المطعم للطعام، فقال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} (الإنسان: 8)، ثم ذكر الله جزيل ما أثابهم عليه، فقال: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} (الإنسان: 11 - 12) "(3).
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (3384).
(2)
أخرجه البخاري ح (12)، ومسلم ح (39).
(3)
شرح ابن بطال (1/ 63).
لقد تشرب الصحابة رضي الله عنهم معنى الإطعام الجميل، فسبقوا إليه وأكثروا منه حتى لام بعضهم بعضاً من الإكثار منه، فذات يوم لقي عمر بن الخطاب صهيباً الرومي، فقال له: أي رجل أنت؛ لولا خصال ثلاث فيك! فقال صهيب: وما هن؟
فقال: اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم، وفيك سرف في الطعام.
فقال صهيب: أما قولك: اكتنيت ولم يولد لك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني أبا يحيى.
وأما قولك: انتميتَ إلى العرب ولست منهم، وأنت رجل من الروم؛ فإني رجل من النمر بن قاسط، فسبَتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام عرفتُ نسبي.
وأما قولك: فيكَ سرف في الطعام؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خياركم من أطعم الطعام» ، فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام (1).
(1) أخرجه أحمد ح (23411)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (44).
ويزداد فضل هذه العبادة حين يكون الإطعام للفقراء والمساكين، فهم أحوج إلى الطعمة من غيرهم، ومن أول ذلك إطعام السائقين والخدم في البيوت، فقد قال صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء:«إن إخوانَكم خَولُكم [أي خدمُكم]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» (1).
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو قسوة قلبه فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (2).
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في إهداء الكافر:
وإذا كانت الهدية مفتاحاً من مفاتيح القلوب، فإن لها كبير أثر في استلال الشحناء والعداوة، فقد قال صلى الله عليه وسلم:«تصافحوا يَذهبُ الغِل، وتهادوا تحابوا، وتَذهبُ الشحناء» (3)، وقد "ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة، ومن فضل
(1) أخرجه البخاري ح (2545).
(2)
أخرجه أحمد ح (7891).
(3)
أخرجه مالك في الموطأ ح (1685).
الهدية - مع اتباع السنة - أنها تزيل حزازاتِ النفوس، وتُكسب المهدي والمهدى إليه رنَّة في اللقاء والجلوس" (1).
ولأجل ذلك فإن الهدية تسن للبر والفاجر، بل والكافر، سواء أكان محارباً أم مسالماً، فقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم وقبل هدايا المشركين، ومن ذلك قول علي رضي الله عنه أن كسرى أهدى له صلى الله عليه وسلم فقبِل، وأن الملوك أهدوا إليه فقبل منهم (2).
كما قبِل صلى الله عليه وسلم هديةَ أُكيدر ملكِ أيْلة، فقد أهداه بغلة بيضاء وكساه برداً (3).
وأهدى إليه المقوقس بغلة، وقيل قدحاً من زجاج، فقِبل صلى الله عليه وسلم هديته (4).
قال ابن قدامة: "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبِل هدية المقوقس صاحب مصر"(5).
(1) الجامع لأحكام القرآن (13/ 199).
(2)
أخرجه الترمذي ح (1576)، وأحمد ح (749).
(3)
أخرجه البخاري ح (1482).
(4)
انظر البخاري ح (1482)، وأحمد ح (749).
(5)
المغني (9/ 262) وانظر: كتاب الأموال، ابن زنجويه (2/ 590).
وكذلك أهدى ذي يزن ملك حِميَر في اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حُلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيراً، فقبلها صلى الله عليه وسلم (1) وفي مقابلها كافأه النبي صلى الله عليه وسلم على هديته، فاشترى حُلة ببضعةٍ وعشرين قَلوصاً، فأهداها إلى ذي يزن في اليمن (2).
كما أهدى النبي صلى الله عليه وسلم تمر عجوة إلى أبي سفيان، وهو بمكة قبل أن يسلم، وكتب إليه يستهديه أُدماً، فأهدى إليه أبو سفيان (3).
وأهدى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حُلّةً ثمينة، فأهداها عمر رضي الله عنه إلى أخيه بمكة كان يومئذ مشركاً (4)، وفي هذا "دليل لجواز صلة الأقارب الكفار، والإحسان إليهم، وجواز الهدية إلى الكفار"(5).
ولما قدمت قتيلةُ ابنةُ عبد العزى، وهي مشركة على ابنتها أسماءَ ابنةِ أبي بكر بهدايا ضِبابٍ وأقطٍ وسمن، أبت أسماء أن تقبل هدية أمها وأن تدخلها بيتها، فسألت عائشةُ النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي
(1) أخرجه أبو داود ح (4034).
(2)
أخرجه أبو داود ح (4035).
(3)
أخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال (2/ 589).
(4)
أخرجه البخاري ح (886)، ومسلم ح (2086).
(5)
شرح النووي على صحيح مسلم (14/ 39).
الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8)، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها (1).
ولأجل هذا المعنى قال عبد الله بن عمرو لأهله لما ذبحوا له شاة: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (2).
وكما قبِل النبيُّ صلى الله عليه وسلم هدايا بعض المشركين من أهل الكتاب؛ فإنه رد هدايا غيرهم؛ حين رأى ما يستوجب ردها، يقول: عِياض بنُ حمار: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة فقال: «أسلمتَ» فقلتُ: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني نُهيت عن زبْد المشركين» (3) أي هداياهم وعطاياهم.
قال النووي: "قبِل النبيُّ صلى الله عليه وسلم ممن طمع في إسلامه وتأليفه لمصلحةٍ يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم، وردَّ هديةَ من لم
(1) أخرجه أحمد ح (15679).
(2)
أخرجه البخاري ح (6015)، ومسلم ح (2624).
(3)
أخرجه أبو داود ح (3057).
يطمعْ في إسلامه ولم يكن في قَبولها مصلحة، لأن الهدية توجب المحبة والمودة ..
قال الطبري: إنما رد النبي صلى الله عليه وسلم مِن هدايا المشركين ما علم أنه أُهدي له في خاصة نفسه ..
قال القاضي: .. إنما قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا كفار أهل الكتاب ممن كان على النصرانية، كالمقوقس وملوك الشام، فلا معارضة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم:«لا يقبلُ زبْد المشركين» ، وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم بخلاف المشركين عبدة الأوثان» (1).
الهدايا المنهي عنها:
بقي أن ننبه على نوع آخر من الهدايا، وهي الهدايا التي حرمها الأسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم أو نهى عنها لما فيها من التعدي على حقوق الآخرين أو الإضرار بهم.
وأول أنواع الهدايا المنهي عنها هديةُ بعض الأبناء دون بعض، وإيثارُهم بشيء من المال دون إخوانهم، فهذا وإن كان نوعاً من التحبب للابن المهدى إليه؛ إلا أن فيه تجافياً عن
(1) شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 114).
إخوانه وإضراراً بهم، لذا فمثل هذه الهدية نهى عنها صلى الله عليه وسلم في قصة النعمان بن بشير رضي الله عنهما، وفيها أن أباه أعطاه عَطية، فقالت أمه عَمرة بنتُ رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى بشير رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرةَ بنتِ رواحة عطية، فأمرَتني أن أُشهدك يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم:«أعطيتَ سائر ولدِك مثلَ هذا؟» قال: لا. قال: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم» ، قال النعمان: فرجع فردَّ عطيته.
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «فلا تشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جَور» .
وفي رواية قال: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى. فقال صلى الله عليه وسلم: «فلا إذاً» (1) أي لا تفعل.
وقد حفظ النعمان بن بشير هذا الدرس النبوي الجميل في العدل بين الأبناء في الهدايا، فكان يخطب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم» (2)، وفي الحديث من الفوائد "الندب إلى التأليفِ بين
(1) أخرجه البخاري ح (2578، 2650)، ومسلم ح (1623).
(2)
أخرجه النسائي ح (2687)، وأبو داود ح (3544)، وأحمد ح (17954).
الإخوة وتركِ ما يوقع بينهم الشحناء، ويورثُ العقوق للآباء
…
وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض، لأن هذا أمر قلبي، وليس باختياري" (1).
وعلى هذا الهدي النبوي في التسوية بين الأبناء في العطية سار الصديق رضي الله عنه، فقد أهدى ابنتَه عائشةَ زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم بستاناً له، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية، ما من الناس أحد أحب إلي غنىً بعدي منكِ، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وإني كنت نحَلْتُك جادَ عِشرين وسْقاً، فلو كنت جَددْتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليومَ مالُ وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله.
قالت عائشة الصديقة الزاهدة مطيبة لخاطر أبيها: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته (2).
ومن الهدايا المحرمة أيضاً ما يناله الموظفون من هدايا بعضِ المتعاملين معهم أو المراجعين لهم، فهذه الهدايا ليست أجراً على عملهم، وإنما هي في حقهم بمثابة الرشوة التي
(1) أخرجه مالك في الموطأ (1438)، والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 170).
(2)
أخرجه مالك في الموطأ ح (1474).
يأكلها صاحبها سُحتاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«هدايا العمال غلول» (1).
ونقل الطبراني عن ابن عباس أن رجلاً أهدى إلى عمر رضي الله عنه فخذَ جَزور، ثم أتاه بعد مدة ومعه خصم له، فقال الرجل وهو يريد تذكير الخليفة بهديته: يا أمير المؤمنين، اقض لي قضاء فصلاً؛ كما يُفصل الفخِذ من الجَزور.
فضرب عمر رضي الله عنه بيده على فخذه، وقال:(الله أكبر، اكتبوا إلى الآفاق: هدايا العمال غلول)(2).
وحين استعمل النبي صلى الله عليه وسلم ابن الأُتَبيَّة الأزدي على الصدقة قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي.
فكره النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، وقال:«فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يُهدى له أم لا. والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوار، أو شاةَ تيعَر» ، ثم رفع صلى الله عليه وسلم بيده حتى رأينا عُفرة إبطيه:«اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟» (3).
(1) أخرجه أحمد ح (23090)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (12977).
(2)
أخرجه الطبراني، وضعفه الحافظ العراقي. فيض القدير (6/ 462).
(3)
أخرجه البخاري ح (2597)، ومسلم ح (1832).
قال ابن بطال: "يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين، ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه، وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ ".
وأما ابن المنير فنبه على أنه "يؤخذ من قوله «هلا جلس في بيت أبيه وأمه» جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، كذا قال، ولا يخفى أن محل ذلك - إذا لم يزد - على العادة"(1).
ولما بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذَ بنَ جبل أرسل إليه بعد خروجه، فرجع إليه، فقال:«أتدري لم بعثتُ إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني؛ فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك، فامض لعملك» (2).
وكان إمام العدل عمر بن عبد العزيز يرفض هدايا العمال ويقول: "كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، وهي اليوم رشوة".
ومن الهدايا المحرمة أيضاً أن يأخذ المرء هدية ممن قضى له بعض أموره وحوائجه، كمن شفع بشفاعة أو توسط بأمر من
(1) فتح الباري (13/ 167).
(2)
أخرجه الترمذي ح (1335).
الخير، فمثل هذا من المعروف، وينبغي أن يكون قربة وعملاً خالصاً لوجه الله مجرداً من طمع الدنيا؛ لذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحذر الشافع وصاحب المعروف من أخذ شيء من الأجرة عليه في الدنيا، فيقول:«من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها؛ فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا» (1)، وذلك "لأن الشفاعة الحسنة مندوب إليها، وقد تكون واجبة، فأخذ الهدية عليها يضيع أجرها، كما أن الربا يضيع الحلال "(2).
وأيضاً فإن من الهدايا التي ترد ولا تقبل، الهدايا التي يحرم الانتفاع بها، كأن تهدى لرجل ساعةً ذهبية أو ثوبَ حرير أو كأسَ خمر وأمثال ذلك، وقد صنعه النبي صلى الله عليه وسلم حين كان محرماً، فصاد له الصعب بن جَثامة رضي الله عنه حماراً وحشياً، وأهداه إليه، فرده عليه صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ما في وجهه [أي من الحزن لرد هديته] قال صلى الله عليه وسلم:«أما إنا لم نرده عليك، إلا أنا حُرُم» .
قال ابن حجر: "وأما حديث الصعب فإن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن العلة في عدم قبوله هديته لكونه كان محرِماً، والمحرم لا يأكل ما
(1) أخرجه أبو داود ح (3541).
(2)
عون المعبود (9/ 331).
صِيد لأجله؛ واستنبط منه المهلَب ردَّ هدية من كان ماله حراماً أو عُرف بالظلم" (1).
مكافأة المُهدي على هديته:
وكما يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم قبول الهدية؛ فإنه يرشدنا إلى مكافأة مُسديها بهدية مثلِها، وخاصة في الهدايا التي جرى العرف بين الناس على مكافأتها وتبادلها في المناسبات الاجتماعية، كهدايا التهنئة بالزواج والولادة وأمثالِهما، فقد تعارف الناس على أن مثل هذه الهدايا تُكافئ في مناسباتٍ مشابِهة، تقول عائشة رضي الله عنها:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها)(2).
قال المهلَب: "الهدية على ضربين: فهدية للمكافأة، وهدية للصلة والجِوار، فما كان للمكافأة؛ كان على سبيلِ البيعِ وطريقِه، ففيه العِوَض، ويجبر المُهدى إليه على سبيل العوض، وما كان لله أو للصلة؛ فلا يلزم عليه مكافأة، وإن فعل فقد أحسن"(3).
(1) فتح الباري (5/ 221).
(2)
أخرجه البخاري ح (2585).
(3)
شرح ابن بطال (7/ 95).
ومن هذا النوع من الهدايا ما جاء في قصة أعرابي وهب للنبي صلى الله عليه وسلم هدية رجاء المكآفأة، فأثابه عليها صلى الله عليه وسلم، ثم سأله:«رضيتَ؟» قال: لا. فما زال صلى الله عليه وسلم يزيده في مكافأة هديته حتى رضي، فقال صلى الله عليه وسلم وقد استثقل هديته:«لقد هممتُ أن لا أتَّهِب هِبة إلا من قُرشي أو أنصاري أو ثقفي» (1)، وقد استدل بعض المالكية بهذا الحديث على "وجوب الثواب على الهدية إذا أَطلق الواهب، وكان ممن يطلُب مثلُه الثواب، كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته صلى الله عليه وسلم، ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يُعطى أكثرَ مما أهدى، فلا أقلَ أن يعوض بنظير هديته"(2).
وقد أكد صلى الله عليه وسلم على مبدأ مكافأة الهدية بقوله: «من سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أهدى لكم فكافئوه؛ فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له» (3).
ولا ريب أن الهدية المبرورة هي الهدية التي يدفعها المهدي، لا ليقابَل من الناس بمثلِها، بل الهدية التي يرجو ثوابها
(1) أخرجه أحمد ح (2682).
(2)
تحفة الأحوذي (6/ 73).
(3)
أخرجه أحمد ح (5342).
من الله فحسب، أي مِن مثل ما كان يهديه صلى الله عليه وسلم، يقول جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فاشترى مني بعيراً، فجعل لي ظهره حتى أقدُم المدينة، فلما قدمت أتيته بالبعير، فدفعته إليه، وأمر لي بالثمن.
ثم انصرفت؛ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لحقني فقلت: قد بدا له [أي غير رأيه في مسألة شراء البعير]،قال فلما أتيته دفع إلي البعير وقال:«هو لك» .
قال جابر: فمررت برجل من اليهود فأخبرتُه، فجعل يعجب، ويقول: اشترى منك البعير ودفع إليك الثمن ووهبه لك؟! فقلت: نعم (1).
لكن أي عجب، إنها أخلاق نبي أدبه ربه فأحسن تأديبه.
(1) أخرجه أحمد ح (13839).