الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث:
معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع الخدم وصغار الموظفين
تشكو كثير من مجتمعاتنا اليوم من سوء معاملة الخدم من أصحاب البيت أو العمل، أو خادمة تضربها صاحبة المنزل، وتحولت هذه المعاملة السيئة إلى ظاهرة مقلقة في الكثير من بلاد العالم، ووصل - وللأسف - بعض شررها إلى المسلمين.
منهج النبي صلى الله عليه وسلم في المعاملة مع إساءات الخدم وأضرابهم
وإزاء هذه الظاهرة المقيتة نرصد هدي الرحمة المسداة صلى الله عليه وسلم وتعامله مع الخدم وأضرابهم، حال إساءتهم وخطئهم، ولن نتحدث عن حال إحسان العبد أو الخادم؛ إذ المفترض في هذه الحال الشكر ومقابلة الإحسان بالإحسان.
وبداية، فإنه يحسن بنا التأكيد على أن الضرب سوء وجفاء في معاملة هؤلاء وغيرهم، لذا نقلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً ولا امرأة قط)(1).
(1) أخرجه أبو داود ح (4786).
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن ذلك، فقد أتى رجلٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي خادماً يسيء ويظلم، أفأضربه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:«تعفو عنه كل يوم سبعين مرة» (1)، والمراد من السبعين الكثرة لا التحديد، فإن "العفو مندوب إليه مطلقاً دائماً لا حاجة فيه إلى تعيين عدد مخصوص .. والمراد بالسبعين الكثرة دون التحديد"(2).
فهل نصنع مثل هذا مع خدمنا؟! هل يصبر الواحد منا على سبعين خطأ في كل يوم؟! إن واحداً من خدمنا لا يخطئ في اليوم عُشر هذا، فما بالنا لا نعفو عن هفواتهم، ولم لا نتجاوز عنها، أما لنا قدوةٌ حسنةٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يأمر بالعفو عن سبعينَ خطأ في كل يوم.
وأما اللجوء إلى ضرب الخدم (3) ففعل موجب غضبَ الله تعالى لما فيه من الاضطهاد والتجبر على هؤلاء المستضعفين
(1) أخرجه أحمد ح (5603)، والترمذي ح (1949)، وأبو داود ح (5164).
(2)
تحفة الأحوذي (5/ 180).
(3)
بعض النصوص التي نذكرها في مسألة الخدم إنما تتعلق بالحقيقة بحق العبيد والإماء ومعاملتهم، ولكن ورودها في هؤلاء يجعلها تنطبق على الخدم من باب أولى، فهم أحرار كاملو الحرية في حين أن النصوص تتحدث عن الرقيق.
الذين لا يجدون سوى الله ناصراً لهم، وليصغ الذين يضربون خدمهم إلى ما يرويه لنا أبو مسعود البدري بقوله: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي:«اعلم أبا مسعود» فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني؛ إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقول:«اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» قال: فقلت لا أضرب مملوكاً بعده أبداً.
وفي رواية: فقلتُ: يا رسول الله، هو حر لوجه الله. فقال صلى الله عليه وسلم:«أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار» (1).
وإذا كان هذا الضرب حراماً للملوك المقيد حريته؛ فهو أشد حرمة وإثماً في الخادم والسائق وأمثالهما؛ لكمال الحرية وتمامها.
ويستنبط النووي بعض الفوائد من الحديث فيذكر منها: "الحث على الرفق بالمملوك، والوعظ والتنبيه على استعمالِ العفو وكظمِ الغيظ، والحكمِ [بالرحمة] كما يحكم الله على عباده"(2).
(1) أخرجه مسلم ح (1659).
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 59).
وللحد من ظلم العبيد والتطاول عليهم بالضرب جعل النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المملوك من موجبات عتقه، حتى يخلص ضاربه من إثم الضرب والتطاول عليه، وقد أعتق ابن عمر مملوكاً له، ثم أخذ من الأرض عوداً فقال: ما فيه من الأجر ما يسوى هذا [أي أن عتاقه لغلامه ليس فيه أجر]، إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه» (1) فابن عمر إنما يعتق مملوكه لأنه ضربه، وكل ما يرقبه من عِتاقه أن يتجاوز الله عنه، ولا يرى أنه مستحق من الأجر ما يستحقه المتبرع بذلك ابتداء.
وفي موقف آخر عالج النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الدواء تطاول البعض على مستخدميهم، فيقول معاوية بن سويد: كنا بني مقرن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا إلا خادم واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«أعتقوها» قالوا: ليس لهم خادم غيرُها. فقال: «فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها» (2).
(1) أخرجه مسلم ح (1657).
(2)
أخرجه مسلم ح (1658).
وحتى لا يقع المرء في ضرب خادمه أو الإساءة إليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخلص من المملوك الذي لا يلائم مالكه، حتى لا يكون خلاف الطباع بينهما سبباً في ظلمه واضطهاده، فقد قال صلى الله عليه وسلم:«من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تلبسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله» (1)، وقياساً عليه يمكن القول بأن الخادم أو السائق أو المستخدم الذي لا يلائم صاحب العمل في طباعه؛ فالأفضل مفارقته؛ والبحث عن غيره، حتى لا يقع رب العمل في ظلمه والإضرار به.
وهذا الأدب في التعامل مع الخدم المسيئين نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قعد ذات يوم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يُكذِّبونَني ويخونونَني ويعصونَني؛ وأشتمُهم وأضربُهم، فكيف أنا منهم؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم ناصحاً وواعظاً:«يحسب ما خانوك وعصوك وكَذّبوك، وعقابُك إياهم، فإن كان عقابُك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابُك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل» .
(1) أخرجه أبو داود ح (5161)، وأحمد ح (20972).
فتنحى الرجل، فجعل يبكي ويشهق لما يعلم من حاله مع مملوكيه وما ينتظره بين يدي الله الديان يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أما تقرأ كتاب الله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الأنبياء: 47)» ، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدكم أنهم أحرار كلهُم (1).
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر من سوء المعاملة أبلغ تحذير وأشده حين قال: «لا يدخل الجنة سيئ الملَكة» (2)، والمراد سيء المعاملة مع العبيد والخدم، ويقاس عليه الخدم وغيرهم.
وفي رواية لابن ماجه زاد فيها: «فأكرموهم ككرامة أولادكم، وأطعموهم مما تأكلون» (3).
وهكذا فالله يحسِب لنا وعلينا معاملتنا مع أولئك المساكين الذين يقومون بخدمتنا، والعاقل يضِنُّ بآخرته أن يفسدها معاملتُه لمثل هؤلاء الذين لا تلائمه طباعهُم، فالأفضل
(1) أخرجه أحمد ح (25865)، والترمذي ح (3165).
(2)
أخرجه أحمد ح (32).
(3)
أخرجه ابن ماجه ح (3691)، وفيه ضعف.
مفارقتُهم والسلامة من ظلمهم ومن الوقوف بين يدي الله يوم الحساب للقصاص لهم.
وما فتئ النبي صلى الله عليه وسلم يزجر الذين يقسون على خدمهم، ومن ذلك أن عميراً مولى آبي اللحم قال: أمرني مولاي أن أجفف لحماً، فجاءني مسكين، فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي فضربني، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فدعاه فقال:«لم ضربتَه؟» فقال: يعطي طعامي بغير أن آمرَه. فقال صلى الله عليه وسلم: «الأجر بينكما» (1) فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخير الذي ساقه إليه غلامُه، فحق هذا الغلام عليه الشكر؛ لا الزجر والضرب.
وحتى اليوم الأخير من حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل من وصاته صلى الله عليه وسلم بالمستضعفين والمساكين؛ رغم ضعف جسده ووهنه وألام النزع، يقول أنس بن مالك: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه (2)، فهل ترانا نقدر على تصور حال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في النزع الشديد، فلا يمنعه ذلك من الوصاة بكل ضعيف مستضعف،
(1) أخرجه مسلم ح (1025).
(2)
أخرجه ابن ماجه ح (2697)، وأحمد ح (11759)، واللفظ له.
فهل ترانا نعمل بوصية نبينا صلى الله عليه وسلم الأخيرة ونتأسى به في الامتناع عن إيذاء من يعملون في خدمتنا؟
والوصاة بهؤلاء لا تتوقف عند منع الإساءة إليهم، بل ترتفع إلى المطالبة بحسن معاملتهم وعدم إرهاقهم بتكالف العمل، بل وبالاهتمام بهم ومشاركتهم في الملبس والمطعم، فقد قال صلى الله عليه وسلم:«إخوانكم خولُكم [أي خدمكم وعطية الله لكم] جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده؛ فليُطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (1).
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» (2)، وفي هذا الحديث "النهي عن سب الرقيق وتعييرهم بمن ولدهم، والحث على الإحسان إليهم والرفق بهم، ويلتحق بالرقيق من في معناهم من أجير وغيره، وفيه عدم الترفع على المسلم والاحتقار له .. وإطلاق الأخ على الرقيق، فإن أريد القرابة فهو على سبيل المجاز لنسبة الكل إلى آدم"(3).
(1) أخرجه البخاري ح (30)، ومسلم ح (1661).
(2)
أخرجه مسلم ح (1662).
(3)
فتح الباري ح (5/ 175).
من حقوق الخدم والمستخدمين:
ومما يوصي به النبي صلى الله عليه وسلم في حق الخادم أن يطعمه صاحب العمل من طعامه، لا بل يوصيه صلى الله عليه وسلم أن يأكل معه، لا أن ينفرد عنه في الطعام كبراً وترفعاً، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي علاجه [أي طبخه]) (1).
وقد سبق النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الخلة الجميلة، إطعام الخادم، فقد أهدى الصحابي الجليل أنس بن مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة طوائر، فأطعم خادمَه طائراً (2).
أما حين يقصر صاحب العمل بمسؤوليته فلا يؤدي حقوق خدمه عليه، فإن شرع الله يجعله محلاً للعقوبة والزجر، فحين أساء حاطب بن أبي بلتعة إلى رقيقه، فقصر في إطعامهم سرقوا، فرفع الأمر إلى عمر، فغرمه بذنبهم، وعفا عنهم.
وتفصيل القصة يحكيه لنا يحيى بنُ عبد الرحمن بن حاطب، فيذكر أن رقيقاً لجده حاطب سرقوا ناقة لرجل من
(1) أخرجه البخاري ح (2557)، ومسلم ح (1663).
(2)
أخرجه أحمد في المسند ح (12631)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب ح (545).
مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر أن تقطع أيديهم.
ثم استدرك عمر، فقال لحاطب:(أراك تجيعهم، والله لأغرمنّك غُرماً يشق عليك)، فأمره أن يدفع للمزني ضعف ثمن الناقة التي سرقها رقيقه، وعفا عنهم بعد أن رأى في جوعهم شبهة تدرأ الحد.
ومما ينبغي للخادم من الحق زيارته في مرضه وتفقد أحواله؛ ولو كان هذا الخادم غير مسلم، كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم مع غلام يهودي كان يخدمه، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» (1).
وهذه العيادة للأجير غير المسلم هي بعض البر الذي أوصى به الله في القرآن بقوله: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ
(1) أخرجه البخاري ح (1356).
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8)، والبر المأمور به شامل لكل أنواع الخير وحسن الخلق.
ومما يوصي به صلى الله عليه وسلم من حقوق الخدم المسارعة إلى توفيتهم أجورهم وحقوقهم من غير بخس ولا مطل، فقد قال صلى الله عليه وسلم:«أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (1).
وأما الذين يأكلون حقوق الأجراء فيحذرهم صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون خصمهم يوم القيامة، فقال:«ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمتُه يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً، فاستوفى منه ولم يوفه أجره» (2)، وهو عليه الصلاة والسلام خصم لجميع الظالمين؛ إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح (3)، فهم متوعدون بالظلمات يوم القيامة:«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (4).
(1) أخرجه البخاري ح (2227).
(2)
أخرجه ابن ماجه ح (2442)، وأحمد ح (8477)،
(3)
انظر: فتح الباري (4/ 418).
(4)
أخرجه البخاري ح (2447)، ومسلم ح (2578)، واللفظ له.
وهكذا، فإن ما سقناه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع العبيد والموالي، يحثنا على حسن معاملة خدمنا وسائقينا وغيرهم من أُجرائنا؛ إذ هم مشتركون معهم في الضعف وقلة الحيلة، فهؤلاء ظلمهم من أشد الظلم وأقساه، وهذا هو ميزان محبة النبي صلى الله عليه وسلم الذي ندعيه جميعاً.
لو كان حبك صادقاً لأطعته
…
إن المحب لمن يحب مطيع