الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقول المعترض: (اليمين مكفرة لترك العتق لا لحصول الفعل).
فيقال: لكن لا بُدَّ من الأمرين: العتق اللازم مع عدم الفعل الملزوم، كما في قوله: والله إِنْ فعلتُ لأعتقنك؛ فإنما يكون حانثًا إذا فعل ولم يعتق، وكذلك إذا قال: إِنْ فعلت لأطلقنك؛ بخلاف ما لو قال: والله لأعتقنك أو لأطلقنك فهنا يكون حانثًا بعدم الفعل المحلوف عليه.
وقوله هنا: (والله) تعليقٌ؛ كما لو قال: (لله عليَّ أَنْ أفعلَ) وهو كقوله هناك: لله عليَّ إِنْ فعلت أَنْ أُطَلِّق أو أُعتق، وإذا قال: إن فعلت كذا فأنت طالق وهو حر وهذا هديٌ وأُضحية ووقفٌ كقوله: إِنْ فعلت كذا لَتَكُونَنَّ فلانةُ طالقًا أوليكونَنَّ فلانٌ
(1)
حرًّا وليكونَنَّ هذا هديًا وهذا أُضحيةً وهذا وقفًا.
فإنَّ قوله: لله عليَّ أن يكون كذا؛ بمنزلةِ قولِهِ: والله ليكونن كذا؛ لكن هنا إذا التزم قربة لقصد التقرب كان نذرًا يلزمه الوفاء به، وإن لم يقصد إلا الحض والمنع فهو حالف، وإذا لم يكن ما التزمه قربة مع قصدِ الحضِّ والمنع فهو أَدخلُ في معنى اليمين.
فإنَّ
النذر لا يكون نذرًا لازمًا إلا بشرطين
(2)
: أَنْ يلتزم قربةً، وأَنْ يقصد به الالتزام لله لا لمجرد الحض والمنع؛ فإذا التزم
(3)
[37/ ب] لله ولم يكن قربةً فهو يمين محضةٌ، كقوله: لله عليَّ أنْ أقتل فلانًا، وكذلك لو كان قربة ولم يلتزمه لله بل للحض والمنع، كما لو قال: والله لأُسافرنَّ
(4)
إلى مكة أو لأمشينَّ إلى
(1)
في الأصل: (فلانًا)، والجادة ما أثبتُّ.
(2)
مجموع الفتاوى (33/ 199).
(3)
في الأصل: (لم يلتزم)؛ والصواب ما أثبتُّ.
(4)
في الأصل: (لا سافرتُ)، والصواب ما أثبتُّ.
مكة لطلب غريمٍ له هناك أو للتجارة، فإذا قال: إنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ المشي إلى مكة؛ فهنا الفعل وإِنْ كان قربة فهو لم يقصد أن يلتزمه لله وإنما قصد الحض والمنع بلزومه، وكذلك إذا قال: لله عليَّ أنْ أُعتق عبدي أو فعبيدي أحرار، وإنْ كان الفعل ليس قربة ولكن التزمه لله يَظُنُّهُ قربة كقوله: إنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أنحر نفسي أو ولدي لله أو لأدعنَّ اللحم لله والنكاح لله ونحو ذلك، فهذا لا يلزمه لكن في الكفارة قولان مشهوران؛ وظاهر مذهبِ أحمد لزوم الكفارة، وظاهر مذهب الشافعي أن لا كفارة عليه، وأما أبو حنيفة ومالك فاستثنيا بعض المعاصي كذبح الولد لِمَا نُقِلَ عن ابن عباسٍ وغيره
(1)
.
وأما إذا لم يكن الفعل قربة ولا قصد التقرب به إلى الله بل الحض أو المنع كقوله: إِنْ فعلت كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي أو فهي طالق أو فهي عليَّ كظهر أمي أو فعليَّ أَنْ أتظاهر منها أو فهي عليَّ حرام أو فعليَّ أن أُحَرِّمَهَا = فهذا لا يلزم إذا كان نذرًا في الذمة بلا نزاع، وأما إذا كان إيقاعًا في العين فهو محل النزاع، ومعلومٌ أَنَّ هذا أولى أن يكون يمينًا.
(1)
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 610)، وعبد الرزاق في المصنف (15903)، وابن أبي شيبة (12654) وغيرهم أنَّ امرأة سألت ابن عباس رضي الله عنهما فقالت: إني نذرت أن أنحر ابني. فقال: لا تنحري ابنك، وكفري عن يمينك. فقال رجل: كيف يكون في طاعة الشيطان كفارة يمين؟ فقال ابن عباس: أليس قد قال الله في الظهار: {إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} ؟ فيه من الكفارة ما قد سمعت.
قال البيهقي في السنن الكبير (20/ 195): إسناده صحيح.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف (12655) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وجاء عن جماعةٍ من التابعين: أخرج مروياتهم ابن أبي شيبة في مصنفه (12656 - 12660).