المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ أثر ليلى لم يختلف الرواة فيه - الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق - جـ ١

[ابن تيمية]

الفصل: ‌ أثر ليلى لم يختلف الرواة فيه

فصلٌ

وأما قوله:

(إنما يتم ترجيح الأثر الأول على هذا بجلالة رواته وشهرته لو سَلِمَ من الاختلاف، أما إذا لم يسلم فيصلح هذا ــ مع ثقة

(1)

رجاله ــ مرجِّحًا لأحد وجهي الاختلاف في الأثر الأول)

(2)

.

فالجواب:

بعد أَنْ يقال‌

‌ أَثَرُ ليلى لم يختلف الرواة فيه

، فلم ينف أحدهما العتق مع إثبات الآخر له، بل سكت عن ذكره، وليس هذا باختلاف، بل هذا باتفاق العلماء يُستدل به، إذ لو كان اختلافًا لكان اختلافًا في كل موضع، ولكن هذا قد يورث رِيْبَةً قد يظن أَنَّ ذاكر الزيادة غلط؛ كالشاهدين إذا شهد أحدهما بعشرة آلاف وشهد الآخر بعشرة آلاف وخمسمائة.

[68/ أ] ثم الريبة يُبحث عنها؛ فإنْ لم يظهر قدحها في

(3)

الدليل لم يلتفت إليها، وقد تبين أنها لا تقدح في الدليل من أوجه:

أحدها: أَنَّ أثر عثمان لم يُفَرَّق فيه بين العتق وغيره، بل سَوَّى بين الجميع في اللزوم؛ فهو لا يعارض رواية من ذكر العتق وحده، بل يعارض رواية الجميع الذين نقلوا عن ابن عمر وغيره من الصحابة أنهم أفتوا بكفارة يمين في صورة من الصور، وكذلك ابن عباس ثبت عنه أنه أفتى بكفارة يمين

(1)

في الأصل: (رفقة)، والتصويب من «التحقيق» .

(2)

«التحقيق» (36/ ب).

(3)

في الأصل: (من)، والصواب ما أثبتُّ.

ص: 250

في غير حديث ليلى بنت العجماء.

فقد ثبت بالطرق الراجحة على طريق عثمان باتفاق أهل العلم أَنَّ الصحابة أفتوا في الحلف بالتعليق الذي يقصد به اليمين بكفارة يمين، وفي حديث عثمان بن حاضر أفتوا باللزوم؛ وحينئذٍ فلا يختلف أحدٌ من أهل العلم في وجوب تقديم تلك الروايات الثابتة على رواية عثمان بن حاضر، فإنه لا يعارض أولئك.

ولكن لو كان في حديث عثمان أنهم فَرَّقُوا بين العتق وغيره= لكان هذا يعارض رواية من روى أنهم أفتوا في العتق وغيره بكفارة يمين، ولكن رواية عثمان خالفت جميع الروايات الثابتة عن الصحابة، ولهذا طعن فيها أكثر أصحاب الشافعي وأحمد؛ كالشيخ أبي حامد والقاضي أبي يعلى وغيرهما وقالوا: لم يثبت عن الصحابة في ذلك خلاف.

الوجه الثاني: أَنَّ حديث ابن حاضر قد اختلفت ألفاظه أكثر مما اختلفت ألفاظ حديث ليلى بنت العجماء؛ وسيأتي ذكر ذلك.

الوجه الثالث: أَنَّ حديث ليلى بنت العجماء تلقاه العلماء بالقبول والتصديق، لا يعرف أحد من العلماء طعن فيه وضعفه، بل جميع أهل العلم بالحديث والفقه الموافقين له والمخالفين له يصدقونه، وأما حديث عثمان بن حاضر فقد طعن فيه كثير من العلماء، لا سيما من أصحاب الشافعي وأحمد.

الوجه الرابع: أَنَّ هذا الأثر مما انعقد الإجماع على خلافه بعد ربيعة

(1)

،

(1)

الأوسط (12/ 112)، الاستذكار (15/ 107).

وقال في الأوسط: (وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول بمثل قول مالك ــ أي: يخرج ثلث ماله ويتصدق به ــ ثم صار إلى أنْ قال: زكاة ماله).

ص: 251

فلا يعرف في أهل العلم من يفتي بموجبه، بخلاف الأول فإنه لم يزل في الإسلام من يفتي بموجبه، والكتاب والسنة والقياس الجلي يدل على هذا، وذاك لا يدل على ما فيه دليل صحيح.

الوجه الخامس: أن هذا إذا ثبت إنما يصلح لمعارضة ما روي

(1)

[68/ ب] عن ابن عمر، أو ابن عمر وابن عباس، وأما ما روي عن حفصة وزينب وغيرهما من الصحابة فلم ينقل عن هؤلاء ما يناقض هذه الرواية.

وحينئذٍ؛ فلو قُدِّرَ أنَّ ابن عمر وابن عباس لم يَختلف قولهما بلزوم ما يحلف به لم يرفع ذلك خلاف غيرهما

(2)

.

والمقصود: إثباتُ النزاعِ في الحلف بالعتق، فإنَّا لم نَدَّعِ إجماعًا فيه، وإذا ثبت النزاع على كل تقدير= حصل المطلوب.

* * * *

(1)

لم يظهر من الكلمة إلا حرف الراء، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام.

(2)

قاعدة العقود (2/ 327 وما بعدها).

ص: 252

فصلٌ

قال المعترض:

(وقوله: (فإنْ صَحَّ كان في ذلك نزاع بين الصحابة)، إنما يثبت

(1)

النزاع بين الصحابة بِأَنْ يثبت كُلٌّ من الأثرين

(2)

ولا علة فيه، أما مع التعليل فيحتمل أنْ يكونا صحيحين أو الأول وحده أو الثاني وحده؛ وعلى هذين التقديرين= لا يثبت النزاع، ونحن يكفينا الاحتمال)

(3)

.

والجواب:

أنَّ هذا كلام فاسدٌ لفظًا ومعنىً، صورةً ومادةً، فلا مقدمات صحيحة ولا نظر صحيح!

أما فساده صورة ولفظًا؛ فيقال: إنَّ المجيب قال: (إنْ صحَّ كان في ذلك نزاعٌ بين الصحابة رضي الله عنهم) فلم يذكر النزاع إلا على تقدير صحة هذا، لأنه قد بَيَّنَ صحة الآخر؛ فالاعتراض على هذا أنْ يُقالَ: لا نُسلِّم أنه بتقدير صحته ثبت النزاع، لأنه إنما يثبت إذا صحَّ حديث ليلى بنت العجماء، وهو

(4)

لم يصح أو لا نسلم صحته.

وأما أَنْ يقال: على هذين التقديرين لا يثبت النزاع؛ فالمجيب لم يثبت النزاع إلا على تقدير صحة حديث ابن حاضر، لأنه تبيَّنَ صحة الآخر فلم

(1)

في الأصل: (ثبت)، والمثبت من «التحقيق» .

(2)

في الأصل: (الأمرين)، والمثبت من «التحقيق» .

(3)

«التحقيق» (36/ ب).

(4)

في الأصل: (وإن)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 253

يثبت النزاع إلا على تقدير صحتهما

(1)

، فلا حاجة إلى قوله: إنما يثبت النزاع عن الصحابة بأن يثبت كل من الأمرين ولا علةَ فيه.

ثم تناقض فقال: (أما مع التعليل فيحتمل أن يكونا صحيحين).

فيقال له: وإذا كانا صحيحين فقد ثبت النزاع وإن كان فيهما علة غير قادحة، لأنَّ العلة مع الصحة لا تكون قادحة فيه؛ فكيف في حديث فيه علة لا تقدح في صحته بل قد عُرِفَ ضعفها أو بطلانها؟ وإذا كان بتقدير صحتهما فقد ثبت النزاع بين الصحابة سواء كان فيهما علة أو لم يكن فقوله: لا يثبت النزاع بين الصحابة إلا إِنْ ثبت كل منهما ولا علة فيه = كلامٌ باطل.

[69/ أ] وأما قوله: (ونحن يكفينا الاحتمال).

فيقال له: الاحتمال المرجوح لا يقدح في الأدلة الشرعية، ولو جاز أن يكون مجرد هذا قادحًا = لم يُحَتَجَّ بالعموم ولا خبر الواحد ولا القياس. وإنما القادح هو: الاحتمال المقاوم، فإذا بَيَّنَ المعترض أن ما ذكر يحتمل أن يكون كما ذكره المستدل، ويحتمل أن يكون بخلاف ذلك؛ احتمالين متساويين= وُقِفَت دلالته، وإنْ بَيَّنَ أن احتمال الخلاف أظهر= بطلت دلالته.

ثم يقال: مثل هذا الكلام يقوله مَن يحتج بمن

(2)

نقل الإجماع مع العلم بأنه لا علم له بِنَفْي النزاع، وأنه قد نقل إجماعًا غير هذا وظهر فيه نزاعٌ

(3)

لم يطلع عليه، وأنه يحتمل أن يكون فيها نزاع لم يطلع عليه، وهذا احتمال لا

(1)

في الأصل: (صحتها)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(2)

تحتمل في الأصل: (لمن).

(3)

في الأصل: (نزاعًا)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 254

سبيل إلى العلم بنفيه؛ ومجرد الاحتمال كافٍ في منع الجزم بالإجماع، وإن ادَّعى أن ظن الإجماع كافٍ وهو حاصل قِبَل

(1)

أبي ثور وأمثاله.

قيل: وظن صحة خبر ليلى بنت العجماء وذكر العتق فيه كاف وهو حاصلُ بعضِ ما ذكرناه.

وأما فساده من جهة المعنى ومادة الدليل؛ فيقال له: خبر عثمان بن حاضر إنْ كان صحيحًا فهو مخالف قطعًا لما ثبت عن الصحابة من الكفارة في الحلف بالنذر والحلف بالعتق، والنزاع في ذلك ثابت عن الصحابة بخبر ليلى وخبر غير ليلى؛ فإنَّ خبر عثمان يُسَوِّي بين العتق وغيره لا يُفرق بينهما.

وأيضًا؛ فإنه ليس فيه خلاف عن كل مَن ذُكِرَ في خبر ليلى وإنما فيه خلاف عن ابن عمر؛ وأما حفصة وزينب فلم ينقل عنهما خلافُ ما في خبر ليلى.

وحينئذٍ؛ فلا يجوز دفع ما فيه نَقْلٌ عن حفصة وزينب بما نُقِلَ عن غيرهما، بل إذا صح ما نُقِلَ عن غيرهما كان في ذلك نزاع بينهما وبين ما نقل عنهما، ولم يكن ما نقل عن غيرهما مُضَعِّفًا لما نقل عنهما.

وحينئذٍ؛ فلا يجوز أَنْ يُعَارَضَ بأثرِ عثمان ما نُقِلَ عن حفصة وزينب، وقد عُرِفَ أَنَّ ذاك نَقَلَهُ الثقات ولم يعارضه

(2)

شيء؛ فإن كان أثر عثمان صحيحًا فغايته أَنْ يُثْبِتَ النزاعَ بين الصحابة رضي الله عنهم.

* * * *

(1)

كذا في الأصل، والإجماع أول من نقله أبو ثور، فالنقل من قِبَلِهِ. ويحتمل أنها تصحفت على الناسخ ويكون صوابها (بقول).

(2)

هكذا قرأتها، والكلمة غير واضحة.

ص: 255

فصلٌ

قال:

(وقوله: (ولم يثبت لنا [لفظه]

(1)

)؛ عجيبٌ لأمرين:

أحدهما: أنه إنما يحسن ذلك لو كان عنده في بعض

(2)

[69/ ب] ألفاظ الحلف يحكم بالوقوع، فكان ينزل

(3)

الأثر على ذلك اللفظ، كما ذلك عندنا وعند أرباب المذاهب المشهورة كما ستعرفه؛ أما إذا كان الحلف عنده بكل لفظ غير موقع، فلا فائدة في معرفته اللفظ الذي حكم فيه ابن عمر وابن عباس بالوقوع)

(4)

.

والجواب من وجوه:

أحدها: أَنَّ الأمر ليس كما ادعاه؛ فإنَّ صيغ التعليق التي تتضمن الحض والمنع منها ما هو إيقاع لم يقل أَحَدٌ أنه يمين مُكَفَّرَة، بل فيه نزاع هل يقع به الطلاق أو لا يقع؟ ولم يقل أحد أَنَّ فيه يمينًا.

ومنها ما هو يمين فيه الأقوال الثلاثة؛ وذلك لا يكون إلا إذا كان الجزاء مما يَكره المعلِّق وقوعه [فَعَبَّرَ به لفظة تفيد انتفاء دلالته]

(5)

من وجوه أخرى

(1)

هذه الزيادة من «التحقيق» ، وهي في الأصل غير واضحة.

(2)

كذا قرأتها، ويحتمل وجود كلمة بعدها لكنها غير ظاهرة، ولا يوجد كلمة هنا في «التحقيق» .

(3)

في «التحقيق» : (ترك).

(4)

«التحقيق» (36/ ب).

(5)

كذا قرأتها، وموضع الكلام فيه سواد شديد.

ص: 256

غير هذا؛ كما قد بينا ذلك لمَّا وَقَفْنَا بعد ذلك على لفظه، وبَيَّنَّا أنه ليس فيه حجة لمن فَرَّقَ بين العتق والطلاق وغيرهما؛ بل فيه ما يدل على أَنَّ قائل ذلك مخالفٌ لجميع ما نُقِلَ عن الصحابة في النفي والإثبات؛ فكان لفظه حجة للمجيب لا عليه.

والمجيب كتب هذا الجواب المختصر أولًا في قعدةٍ واحدة، ولم يكن بلغه حديث عثمان بن حاضر إلا كما ذكره أحمد ذكرًا مجملًا في جواب السائلين له، لم يروه أحد في جواب السائلين بإسناده ولفظه.

الثاني: أن لفظه حجة على المحتجِّ به المفرِّق بين العتق والنذر، وقد ذكره

(1)

المعترض عن مصنف عبد الرزاق، وقد ذكر أحمد أنه لم يسمعه إلا من عبد الرزاق.

فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن [أبي]

(2)

حاضر قال: جَلَسَت

(3)

امرأة من أهل ذي أصبح فقالت: مالي في سبيل الله وجاريتها حرة إن لم يَفعل كذا وكذا ــ لشيءٍ كرهه زوجها ــ فحلف زوجها ألا يفعله، فسئل عن ذلك ابن عمر وابن عباس، فقالا: أما الجارية

(1)

في الأصل: (ذكر)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(2)

الزيادة من الأوسط والسنن والمصنف.

تنبيه: وقع في بعض المواضع من الأصل (عثمان بن حاضر) وفي بعضها (عثمان بن أبي حاضر)، وهذا عائد إلى الاختلاف في ذلك؛ فقد غلَّط الإمام أحمد عبدالرزاق في قوله: عثمان بن أبي حاضر. وقال ابن حجر ــ أيضًا ــ: وهو وهمٌ.

انظر: التاريخ الكبير (3/ 200)، تهذيب الكمال (19/ 349)، تقريب التهذيب (4489).

(3)

في المصنف: (حَلَفَت).

ص: 257

فتعتق، وأما قولها في سبيل الله: فتتصدق بزكاة مالها

(1)

.

وقد رواه

(2)

البيهقي

(3)

من طريق عبد الرزاق ــ أيضًا ــ، وقال البيهقي: كذا في هذه الرواية؛ وقد روينا عن ابن عمر وابن عباس ما دَلَّ على جواز التكفير في الحلف بالصدقة

(4)

.

وذكره ابن عبد البر

(5)

من رواية أبي القاسم البغوي عبد الله [70/ أ] بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا داود بن عمرو، حدثنا مسلم بن خالد، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل يقال له: عثمان بن حاضر ــ قال إسماعيل: وكان رجلًا صالحًا قاصًّا

(6)

ــ أنَّ رجلًا قال لامرأته: اخرجي من ظهري

(7)

؛ فَأَبَتْ أن تخرج، فلم يزل الكلام بينهما حتى قالت:

(8)

هي تنحر نفسها، وكل مالها في سبيل الله إن خرجت، ثم بدا لها فخرجت. قال ابن حاضر: فأتتني فسألتني، فأخذت بيدها فذهبت بها إلى ابن عباس، فقصَّت عليه القصة. فقال ابن عباس: أما جاريتكِ فهي حرة، وأما قولك: تنحري نفسك؛ فانحري

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/ 485)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (12/ 112/ ح 8896)، والبيهقي في السنن الكبير (20/ 182/ ح 20081).

(2)

في الأصل زيادة: (من طريق)؛ والصواب حذفها ليستقيم الكلام.

(3)

في الأصل زيادة: (رواه)؛ والصواب حذفها ليستقيم الكلام.

(4)

قوله: (في الحلف بالصدقة) ليست في السنن الكبير (20/ 173/ ح 20066).

(5)

في الاستذكار (15/ 107).

(6)

كذا في الأصل، وفي الاستذكار:(فاضلًا). وانظر ما سيأتي (ص 270).

(7)

وفي الاستذكار: (اخرجي في ظهري).

(8)

في الاستذكار زيادة: (جاريتها حُرَّة، و)، وانظر ما سيأتي في المقطع التالي.

ص: 258

بدنة، ثم تصدقي بها على المساكين. وأما قولكِ: مالي في سبيل الله؛ فاجمعي مالك كله فَأَخْرِجِي منه مثلما يجب فيه من الصدقة. قال: ثم ذهبتُ بها إلى ابن عمر فقال لها مثل ذلك، ثم ذهبت بها إلى ابن الزبير فقال لها مثل ذلك ــ قال: وأحسب أنه قال ــ: ثم ذهبتُ بها إلى جابر بن عبد الله فقال مثل قولهم. قال: وأما الثلاثة فقد أثبتهم [عن الزهري في هذه المسألة]

(1)

.

هكذا في كتاب ابن عبد البر، وقد سقط فيه من السؤال: وجاريتها حرة

(2)

؛ فهذان طريقان، وقد زاد في هذا زيادة فتيا ابن الزبير وشك

(3)

في جابر، وفيه: أنهم أمروها في ذبح النفس: بنحر بدنة.

وقد رواه ابن حبيب

(4)

بطريق ثالثة بلفظ ثالث، رواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي

(5)

في كتابه (الواضحة)

(6)

فإنه روى أَنَّ عليًّا وابن عباس

(1)

الزيادة من الاستذكار.

(2)

وقد تقدم التنبيه على وجودها في المطبوع من الاستذكار؛ بل في جواب الصحابة ما يدلُّ على ذلك.

(3)

يوجد سواد شديد، وهكذا قرأتها.

(4)

يوجد سواد شديد، وهكذا قرأتها.

(5)

هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان الأندلسي القرطبي المالكي، فقيهٌ مشاركٌ في عِدَّةِ علوم، إلا أنه ضعيف في الرواية كما سيأتي، ولد سنة (174)، وتوفي سنة (238) وقيل (239).

انظر: سير أعلام النبلاء (12/ 102)، الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (3/ 548)، تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (ص 269).

(6)

الواضحة في عدة مجلدات كما وصفها الذهبي، وبعضهم يزيد في اسمها (الواضحة في السنن والفقه)، وأشار الزركلي إلى أنَّ نسخةً منها مخطوطة في خزانة الرباط، وأثنى عليها جماعةٌ من المالكية كابن الفرضي حيث قال:(الواضحة لم يُؤلَّف مثلها). وتكلَّم فيها بعضهم.

سير أعلام النبلاء (12/ 103)، تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (ص 270)، معجم المؤلفين (2/ 316)، الأعلام (4/ 157).

ص: 259

وابن عمر أفتوا فيمن نَذَرَ أنْ يهدي ابنه مائة من الإبل

(1)

.

قال ابن حبيب: وحدثني ابن المغيرة، عن الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن حاضر أنهم ثلاثتهم سئلوا عن ذلك بعد ذلك، فقالوا: ينحر بدنة، فإن لم يجد فكبشًا

(2)

.

ففي هذه الرواية ذُكِرَ عليٌّ بدل ابن الزبير، وأنهم أفتوا ببدنة، فإن لم تجد فكبشًا؛ وهذا مما يُبين وقوع الغلط في هذا الحديث قطعًا.

وهذا الأثر هو الذي اعتمد عليه أبو جعفر الهندواني وغيره من أصحاب أبي حنيفة حيث نقلوا عن العبادلة إيجاب ما عَلَّقَهُ من نذر اللجاج والغضب.

قال أبو جعفر الهندواني: ولزوم الوفاء به

(3)

قول العبادلة: ابن عمر

(1)

كلمة لم أستطع قراءتها، وفي المحلى (ص 996):(أن يهدي مائة من الإبل).

(2)

ساق إسناد ابن حبيب: ابن حزم في المحلى (ص 996) وقال: وروِّينا من طريقٍ ساقطةٍ فيها ابن حبيب الأندلسي وذكرها.

وتكلَّم في روايته غيرُ واحدٍ حتى اتهم بالكذب، إلا أَنَّ الذي يظهر في ذلك ما قالَهُ الذهبي في الميزان (2/ 653):(الرجل أَجَلُّ من ذلك، ولكنه يَغلط). وقال في السير (12/ 106) بعد أنْ ذكر تضعيف ابن حزم له: (ولا ريبَ أنَّ ابن حبيب كان صحفيًا، وأما التعمُّد (أي: تعمد الكذب) فكلا).

وانظر ما سيأتي (ص 446).

(3)

غير واضحة في الأصل، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام، وتقدم هذا النقل.

ص: 260

وابن عباس وابن الزبير

(1)

. وهذا مما نقله عنه أصحاب الشافعي وأحمد، وذكره أبو الحسين القدوري

(2)

في شرح مختصر الكرخي

(3)

.

[70/ ب] وقد أنكر نزاع الصحابة في ذلك مَنْ أنكره مِنْ أئمة أصحاب الشافعي وأحمد، وقالوا: إِنَّ هذا لا يُعرف في كتب الحديث؛ وفيه أنواع من العلل:

أحدها: أَنَّ ابن عمر عنه روايتان ثابتتان كل منهما تخالف ما روي عنه؛ إحداهما: قال ابن عبد البر: ذكر معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر في

(4)

رجل جعل ماله في المساكين إن لم يفعل كذا ثم حنث. قال: ماله في المساكين

(5)

. فهذا فيه أنه جعل جميع المال في المساكين خلاف رواية عثمان بن حاضر.

وروي عن ابن عمر في حديث ليلى بنت العجماء أنه أفتى بكفارة يمين،

(1)

انظر ما تقدم (ص 191).

(2)

هو أحمد بن محمد بن أحمد، المعروف بالقدوري، نسبةً إلى القدور جمع قِدْر، من فقهاء الحنفية، ولد سنة (362)، وتوفي سنة (428).

الجواهر المضية (1/ 247)، البداية والنهاية (15/ 662)، شذرات الذهب (5/ 132)، تاريخ بغداد (6/ 31).

(3)

لم يظهر منها إلا الأحرف الأولى (الكر).

وقد ذكر في ترجمة القدوري أنَّ له شرحًا على مختصر الكرخي؛ وصفه ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (5/ 28) وكحالة في معجم المؤلفين (1/ 242) بأنه في عِدَّةِ مجلدات.

(4)

في الأصل: (عن)، والمثبت من الاستذكار.

(5)

الاستذكار (15/ 106) وفيه أنه جعل ماله في سبيل الله.

ص: 261

وقد روي عنه أَنَّ هذه الرواية هي المتأخرة التي رجع إليها، كما روى

(1)

أن ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب أنَّ رجلًا جعلَ ماله في رتاج الكعبة. فقال ابن عمر: تَفِي بما قلتَ. قال: فذهب إلى عمر

(2)

. فقال: أطعم عشرة مساكين، فرجعت إلى

(3)

ابن عمر، فقلت له ما قاله أبوه، فقال:[هو أعلم]

(4)

.

وهذا الحديث معروف عن سعيد بن المسيب عن عمر؛ كما رواه أبو داود في سننه

(5)

من حديث يزيد بن زريع، حدثنا حبيب

(6)

المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب أنَّ أخوين من الأنصار كان

(7)

(1)

كذا في الأصل، والذي يظهر أنَّ ابن تيمية رحمه الله نقلها من الاستذكار لمَّا لم يجدها في مؤلفات ابن أبي شيبة؛ فلذا قال: روى ــ أي ابن عبد البر ــ.

(2)

غير واضحة، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(3)

كررت (إلى) مرتين.

(4)

في مطبوعة الاستذكار: «هذا عِلْمٌ» وهو تحريف.

والأثر لم أجده في مصنف ابن أبي شيبة ولا في بقية كتبه التي بين يدي، وإنما رأيتُ ابن عبد البر نقله في الاستذكار (15/ 108) وقال: وذكر ابن أبي شيبة ثم ساق الأثر.

(5)

برقم (3272).

وقد تقدم تخريجه في (ص 225).

(6)

في الأصل تحتمل: (حسين)؛ والمثبت من مصادر التخريج.

(7)

الكلام هنا غير واضح، والمثبت من السنن.

ص: 262

بينهما ميراث، فَسَأَلَ أحدُهما صاحبَه القسمة، فقال: إنْ عُدتَ تسألني القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إِنَّ الكعبة غنية عن مالك، كَفِّرْ عن يمينك وقاسم أخاك؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك» .

فقد يكون سعيد هو المفتي بقول عمر، فلما ذكر له فتيا ابن عمر أمسك عن الفتيا باللزوم وقال: هو أعلم، سواء كان ذلك في حياة عمر أو بعد موته؛ ففيه توقف عن ذلك، وتسليمٌ أَنَّ أباه أعلم بهذه المسألة منه، وأبوه أفتى بكفارة يمين.

والمقصود هنا: أن ابن عمر رضي الله عنهما قد ثبت عنه من عدة طرق ما يخالف حديث عثمان بن حاضر من رواية سالم عنه ورواية أبي رافع، وكل من هذين أحفظ بكثير وأفقه من عثمان بن حاضر، وقد انضم إليهما الرواية [71/ أ] الثالثة عن ابن عمر؛ فكيف يجزم عن ابن عمر بما خالفه فيه هؤلاء؟

والحلف بالعتق هو ــ أيضًا ــ في حديث ليلى الذي هو أصح باتفاق أهل العلم من حديث عثمان بن حاضر.

والعلة الثانية: أَنَّ ابن عباس قد ثبت عنه ضد ما في حديث عثمان بن حاضر؛ روي ذلك من بعض طرق حديث ليلى بنت العجماء.

وقال أبوبكر الأثرم: حدثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى: أَنَّ امرأةً سألت ابن عباس أَنَّ امرأة جعلت بردها عليها هديًا إِنْ لبسته. فقال ابن عباس: أفي غضبٍ أم رضا؟ قالوا: في غضب. قال:

ص: 263

إِنَّ الله لا يُتَقرب إليه بالغضب، لتكفر عن يمينها

(1)

.

قال: وحدثني ابن الطباع، حدثنا أبو بكر بن عياش

(2)

، عن العلاء بن المسيب، عن يعلى بن [نعمان]

(3)

، عن عكرمة، عن ابن عباس سئل عن رجل جعل ماله في المساكين. فقال: أمسك عليك مالك، وأَنْفِقْهُ على عيالك، واقْضِ دينك، وكَفِّرْ يمينك

(4)

.

وقال البخاري

(5)

: قال ابن عباس الطلاق عن وَطَر، والعِتقُ ما ابتغي به وجه الله.

فهذه أسانيد ثابتة عن ابن عباس بخلافِ ما في حديث عثمان بن حاضر، وأنه جعل في التعليق الذي يُقصد به اليمين كفارة يمين، ولم يُلزم المعلق ما عَلَّقَهُ كما في المعلق بالوفاء وجعله لازمًا؛ ومعلومٌ أَنَّ بعض هذه علة في حديث عثمان بن حاضر؛ فكيف بمجموعها؟

وهذا أثبت عن ابن عباس من ذاك. فَإِنِ المعترضُ يجعلها روايتين عن ابن عباس.

(1)

لم أجد هذا النص فيما بين يدي من كتب الأثرم، إلا أنَّ المصنف نقل هذا الأثر عن الأثرم في عدة مواضع من كتبه منها: مجموع الفتاوى (35/ 256، 340)، الفتاوى الكبرى (4/ 119)، القواعد الكلية (ص 465)، وسيذكره فيما بعد.

(2)

في الأصل: (عابس)، والمثبت من كتب ابن تيمية الأخرى.

(3)

بياض مقدار كلمة، والمثبت من القواعد الكلية (ص 466) وغيرها.

(4)

لم أجد هذا النص فيما بين يدي من كتب الأثرم، إلا أنَّ المصنف نقل هذا الأثر عن الأثرم في عدة كتب منها: مجموع الفتاوى (35/ 256، 340)، الفتاوى الكبرى (4/ 119)، القواعد الكلية (ص 466).

(5)

في باب الطلاق في الإغلاق والكره

إلخ.

ص: 264

قيل: حَصَلَ المقصود؛ فإنَّا نحن نكتفي بإثبات النزاع، لم نَدَّعِ في ذلك إجماعًا، وإنما اعتمدنا في مسائل النزاع على الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، وهذا الاعتبار والقياس الصحيح.

فإنْ قيل: ما ذكرتم عن ابن عمر وابن عباس من الإفتاء بالكفارة في التعليق الذي يقصد به اليمين يعارض حديث ابن حاضر في النقل عنهما، عن

(1)

ابن الزبير لا معارض له عنه، وكذلك في فتياه

(2)

إنْ كان قال ذلك.

قيل: فتيا ابن الزبير مذكورةٌ من طريق مسلم بن خالد وفيه نظر

(3)

، إذا ثبت ذلك عن ابن الزبير عارضه مَنْ لم يختلف النقل عنهم أنهم أفتوا في العتق بكفارة [71/ ب] مثل حفصة وزينب.

وإذا قيل: ذِكْرُ العتقِ انفردَ به سليمان التيمي.

قيل: لو انفرد به سليمان التيمي لكان الاحتجاج بانفراده عَمَّن سليمان أثبت منه

(4)

أولى من الاحتجاج بانفراد مسلم بن خالد عمن هو أوثق من مسلم بن خالد وهو معمر؛ وقد تابع سليمان التيمي أشعث بن عبد الملك وجسر بن الحسن.

فتبين أنه كيفما أدير الأمر؛ فالقول بأنَّ في الصحابة من أفتى في الحلف بالعتق بالكفارة أقوى من القول بأنَّ فيهم من أفتى بأنه لا كفارة فيه؛ فإنْ صَحَّا ثبت النزاع، وإنْ كان الصحيح أحدهما؛ فهو: إثبات التكفير دون نفيه ــ بلا

(1)

كتب الناسخ فوقها حرف (ظ)، ولعل الصواب:(وعن).

(2)

في الأصل: (فتيايه)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(3)

كما في (ص 258 - 259).

(4)

قاعدة العقود (2/ 327).

ص: 265

ريب ــ بعد معرفة الطرق وأحوال رواتها ومعرفة ما نقل في ذلك عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ.

العلة الثالثة: أَنَّ في رواية معمر أنها استفتت ابن عمر وابن عباس، وأَنَّ اليمين كانت جملتين (إِن فعلت فمالي في سبيل الله وجاريتها حرة). وفي رواية مسلم بن خالد: أنها حلفت بثلاثٍ هي: (تنحر نفسها، وكل مالها في سبيل الله، وجاريتها حرة) وأنه استفتى ابن الزبير ــ أيضًا ــ وشك

(1)

في جابر، وهذا اختلاف في الرواية.

فإنْ قيل: أحد الروايتين أثبتت ما سكت

(2)

الآخر عنه.

قيل له: وهكذا في حديث ليلى بنت العجماء، فَلِمَ جَعَلَ هذا علة في حديث ليلى، ولا يكون علة في حديث هذه؟!

ونحن إذا عللنا بهذه

(3)

لأنَّ هذه الرواية الثالثة رواها مسلم بن خالد، وليس هو بالحافظ المتقن مثل: سليمان التيمي ومن وافقه كأشعث وجسر ابن الحسن، ومعمر أحفظ من مسلم، ولهذا لم نجزم بحفظه للزيادة، وسليمان أحفظ من حميد وقد تابعه غيره، وليس التارك بأكثر من المثبت.

العلة الرابعة: أن في هذه أن هذين الصحابيين أفتياهما من المال بزكاته، وهذا القول لا يَعرفه أهل العلم عن أَحَدٍ قبل ربيعة، وهو من رَأْيِ ربيعة الذي أنكره الناس عليه، لم يُعْرف له فيه سلف ولا تَبِعَهُ فيه خلف؛ ولو كان هذا

(1)

هكذا قرأتها.

(2)

مقدار كلمة أو كلمتين لم أستطع قراءتها، ولعلها ما أثبتُّ.

(3)

كذا؛ أي: بهذه العلة.

ص: 266

ثابتًا عن ابن عمر وابن عباس لم يكن الأمر كذلك، ولم يجعل هذا مما شَذَّ به ربيعة

(1)

.

العلة الخامسة: أن فيه أن في

(2)

نحر نفسه بدنة؛ ومعروف عن ابن عباس أن في ذلك شاة أو كفارة يمين، [72/ أ] وهذا ثابت عن ابن عباس بالأسانيد الثابتة، وجمهور العلماء اتبعوا ابن عباس في ذلك؛ كأبي حنيفة وأحمد وغيرهما، ومنهم من لم يوافقه كالشافعي.

وعمدة الفقهاء في ذلك: اتباع الصحابة؛ فلو كان قد ثبت عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير أو جابر أنهم قالوا في ذلك ببدنة= لكان اتباع هذا أولى، وهذا حجة على من قال: إنَّ الإفتاء باللزوم في نذر اللجاج والغضب هو قول العبادلة، وهم لا يوافقون العبادلة لا في إيجاب بدنة ولا في إيجاب زكاة المال، بل ليس من الفقهاء مَنْ عُرِفَ عنه أنه أخذ بهذا القول المنقول عن العبادلة في هذا الجواب، فإنه لم ينقل

(3)

عن أحدٍ أنه أفتى بوجوب الزكاة إلا ربيعة، وهو لا يوافقهم على إيجاب البدنة، والذين وافقوا على لزوم العتق كالأربعة لم يقولوا بسائره في إيجاب البدنة والاجتزاء بزكاة المال، وإيجاب البدنة تغليظ والاجتزاء بزكاة المال تخفيف؛ وهذا غير مناسب.

وأيضًا؛ فعثمان بن حاضر هذا ليس من المعروفين بضبط العلم، ولا هو مشهورًا يُعرف ضبطه بكثرة روايته، ولا روى له أصحاب الصحيح شيئًا لا البخاري ولا مسلم، ولم يرو له من أهل السنن لا النسائي ولا الترمذي،

(1)

قاعدة العقود (2/ 330 وما بعدها)، وقد تقدم ذكر قول ربيعة (ص 251 - 252).

(2)

بياض مقدار كلمة، ولعل تقدير ذلك ما أثبتُّ.

(3)

في الأصل: (لو نقل).

ص: 267

وإنما روى له أبو داود وابن ماجه

(1)

.

وفي سنن ابن ماجه عدة أحاديث موضوعة نحو بضعة عشر حديثًا

(2)

؛ مثل الحديث الذي رواه في فضل قزوين

(3)

،

وفي رجال أبي داود مَنْ

(4)

لا يعتمد على ما انفرد به، بل ينفرد بما هو كذب؛ مثل الذي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كاتب اسمه السجل

(5)

رواه من طريق المراوزة

(6)

؛

وهذا مما يجزم

(1)

تهذيب الكمال (19/ 349).

(2)

مسألة المرابطة بالثغور (ص 60)، وجامع المسائل (5/ 364).

(3)

أخرجه تحت رقم (2780) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا.

وحَكَمَ عليه بالوضع: ابن الجوزي (2/ 316) وقد تعجب من إخراج ابن ماجه له، والذهبي في ميزان الاعتدال (2/ 20) وقال: فلقد شان ابن ماجه سننه بإدخاله هذا الحديث الموضوع فيها، وابن القيم في زاد المعاد (1/ 435)، وبرهان الدين ابن القيم في تحقيق القول في سنة الجمعة (ص 68)، والسيوطي في اللآليء المجموعة (1/ 423)، وابن عَرَّاقَ في تنزيه الشريعة المرفوعة (2/ 50)، والشوكاني في القواعد المجموعة (ص 432).

وانظر: جامع المسائل (5/ 364).

(4)

في الأصل: (فإنه)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(5)

في الأصل: (السجيل)، والمثبت من السنن وباقي المصادر.

(6)

أخرجه أبو داود (2935)، والنسائي في السنن الكبرى (11272)، والطبراني في المعجم الكبير (12/ 170/ ح 12790)، والعقيلي في الضعفاء (4/ 1529)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3/ 1454)، والبيهقي السنن الكبير (20/ 371/ ح 20428) وَ (20/ 372/ ح 20429) من حديث نوح بن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ورواه أبو نعيم (3/ 1453) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

قال الطبري في تفسير الآية (104) من سورة الأنبياء (16/ 425) بعد أَنْ أَخرجَ هذا الأثر وغيره: وأولى الأقوال عندنا بالصواب قول مَنْ قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة، لأنَّ ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا كاتب كان اسمه السجل، ولا في الملائكة مَلَكٌ ذلك اسمُهُ.

وقال ابن عدي في الكامل (7/ 205): وهو غير محفوظ.

وقال ابن كثير في تفسيره (5/ 383): وهذا منكرٌ جدًا من حديث نافع عن ابن عمر، لا يصحُّ أصلًا؛ وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لا يصحُّ أيضًا. وقد صرَّحَ جماعةٌ من الحفَّاظ بوضعه ــ وإنْ كان في سنن أبي داود ــ منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي ــ فَسَحَ الله في عمره ونسَأَ في أجله وختمَ له بصالح عمله ــ وقد أفردتُ لهذا الحديث جزءًا على حِدَةٍ، ولله الحمد، وقد تَصدَّى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث وردَّهُ أتمَّ رَدٍّ .... وأمَّا مَنْ ذكر في أسماء الصحابة هذا؛ فإنما اعتمد هذا الحديث لا على غيرِهِ، والله أعلم.

وقال ابن القيم في تهذيب السنن (3/ 1467 وما بعدها): سمعتُ شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يُعرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب اسمه (السجل) قط، وليس فيهم من اسمه (السجل)، وكُتَّاب النبي معروفون، لم يكن فيهم مَنْ يُقال له (السجل). قال: والآية مكية، ولم يكن لرسول الله كاتب بمكة، والسجل هو: الكتاب المكتوب.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 340): وقد عرضتُ هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدًّا، وأخبرته أنَّ شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديثٌ موضوعٌ وإِنْ كانَ في سنن أبي داود. فقال شيخنا المزي: وأنا أقولُهُ.

وانظر: السلسة الضعيفة (12/ 399/ ح 5676)، وضعيف أبي داود (الأم)(2/ 412)، والبداية والنهاية (8/ 339 وما بعدها)، والمصباح المضي في كُتَّاب النبي الأُمي (1/ 104).

ص: 268

بأنه كذب.

ص: 269

فقد تبين أن ألفاظ الحديث تقدح في صحته، وتدل على أنه غير محفوظ، وأنَّ الثقات الأثبات يخالفون هذا ابن حاضر فيما رواه لو كان من العلماء المعروفين بالضبط؛ فكيف ونحن لا نعلم أنه ضابط لما يرويه، كونُهُ قاصًّا

(1)

ورجلًا صالحًا

(2)

لا يوجب كونه ضابطًا، بل هو من أمارات عدم حفظه

(3)

؛ فإنَّ عامة القصاص الصالحين كصالح المُرِّي ومالك بن دينار وغيرهما ممن

(4)

[72/ ب] كان فيه صلاح وكان يقص، لا يضبطون ألفاظ الحديث، ولا يحتج بمجرد روايتهم في الأحكام، فضلًا عن أنْ يُعَارَضَ بروايتهم ما روته الثقات الضابطين الصالحين

(5)

.

* * * *

(1)

لم يظهر من الكلمة إلا حرف القاف والألف، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام إن شاء الله.

(2)

في الأصل زيادة: (كما)، وبحذفها يستقيم الكلام.

(3)

كذا قرأتها.

(4)

كذا قرأتها.

(5)

مجموع الفتاوى (18/ 375)، الفتاوى الكبرى (5/ 356)، مختصر الفتاوى المصرية (ص 40)، بيان تلبيس الجهمية (6/ 127 وما بعدها)، منهاج السنة (2/ 468)، المنتقى من منهاج الاعتدال (ص 95).

وانظر: تحذير الخواص من أكاذيب القُصاص للسيوطي.

ص: 270

فصلٌ

وأما قول المعترض:

(فكلامُ ابنِ عباس وابنِ عمر فيه نَصٌّ بالتفصيل لا يَحتمل التأويل، وهو يُبَيِّنُ لنا أنَّ مرادهما في أثر ليلى وفتيا ليلى بنت العجماء= أَنَّ مرادهما ما عدا العتق)

(1)

.

فيقال له:

بل كلام ابن عباس وابن عمر ــ إِنْ صحَّ ــ فهو نص في التسوية في الحلف بالعتق والصدقة، وفي الرواية الأخرى: ونحر نفسه؛ وأنَّ الواجب في جميع ذلك اللزوم لا الكفارة.

ورواية ليلى ــ أيضًا ــ صريحةٌ في التسوية بين العتق وغيره، والمنقول عن الصحابة نفيًا وإثباتًا لا يدل إلا على التسوية بين الحلف بالعتق وغيره لا على قول مَنْ فَرَّقَ؛ فمن فَرَّقَ فقد خالف جميع ما نُقِلَ عن الصحابة، وهذا هو المخالف لإجماع الصحابة إذ لم يُعرف عن الصحابة في ذلك نزاع.

فهذا الحديث نَصٌّ على خلاف من يوجب الوفاء بالنذر المحلوف به من الفقهاء، ولم يَقُلْ بهذا أحد من الفقهاء؛ فلا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد ولا أحد من العلماء المعروفين غيرهم يقول بما في هذا الحديث؛ فهو نص في خلاف قول جميع العلماء الذين تُعرف أقوالهم، فلم يقل أحد من العلماء الذين تعرف أقوالهم أَنَّ في الحلف بصدقة المال الزكاة وفي الحلف بنحر نفسها بدنة، بل ربيعة يعرف عنه بعض هذا.

(1)

«التحقيق» (37/ أ).

ص: 271

وأيضًا؛ فالروايات الثابتة عن ابن عمر وابن عباس توافق حديث ليلى بنت العجماء وتناقض هذا الخبر؛ وحينئذ، فلا بُدَّ من أحد أمرين:

إما أَنْ يقال: إِنَّ الصحابة أفتوا بهذا تارة وبهذا تارة؛ فيكون عن ابن عمر وابن عباس روايتان.

وإما أَنْ يقال: بل إحدى الروايتين هي الصحيحة دون الأخرى؛ وحينئذٍ لا يستريب عالم بالمنقولات في وجوب تقديم رواية من روى التكفير عنهم في هذه الأيمان على رواية من روى لزوم ما حلف به، ولم ينقل أحد منهم استثناء العتق.

فقول [73/ أ] القائل: إِنَّ مرادهما في حديث ليلى بنت العجماء ما عدا العتق؛ قولٌ لم ينقله

(1)

أحدٌ عنهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، واستدلالٌ بما لا يدل، بل يدل على نقيض ذلك من التسوية بين العتق وغيره من كلا الروايتين؛ فليتدبر اللبيب ما اعتمد عليه مَنْ يُقَوِّل الصحابة ما لم يقولوه من التفريق بين العتق وغيره، فإنه لا يدل ما يذكرونه إلا على نقيض مطلوبهم لا على مطلوبهم.

فصلٌ

وأما مَنْ ذكر في حديث ليلى من قوله: وأعتقي جاريتك؛ فهذا غلط محضٌ، لم ينقله أحد في حديث ليلى؛ كما قد بسط في موضعه

(2)

.

(1)

في الأصل: (يقله).

(2)

قال في المجموع (33/ 195): (وأما ما ذكره من الزيادة في حديث أبي رافع، وأنهم قالوا: (أعتقي جاريتك) فهذا غلطٌ؛ فإنَّ هذا الحديث لم يذكر فيه أحدٌ أنهم قالوا: (وأعتقي جاريتك). وقد رواه أحمد والجوزجاني والأثرم وابن أبي شيبة وحرب الكرماني وغير واحدٍ من المصنفين فلم يذكروا ذلك.

وكلام أحمد في عامة أجوبته يبيِّن أنه لم يذكر أحد عنهم ذلك، وإنما أجاب بكون الحلف بعتق المملوك إنما ذكره التيمي.

وأبو محمد نقلَ ذلك من جامع الخلال، والخلال ذكر ذلك ضمن مسألة أبي طالب ــ كما قد بيَّنَّاه ــ؛ وذلك غلطٌ على أحمد. وأبو طالب له ــ أحيانًا ــ غلطاتٌ في فهم ما يرويه؛ هذا منها).

وانظر: مجموع الفتاوى (33/ 190)، وقاعدة العقود (2/ 337 وما بعدها)، والفروع (9/ 99)، وما سيأتي (ص 859 وما بعدها).

ص: 272

فصلٌ

(قال المجيب:

قلت: فهذا الذي ذكره الإمام أحمد رضي الله عنه في أجوبته، ولكنَّ أصولَهُ [المنصوصة عنه في غير موضع] تقتضي أنه تجزئه كفارة يمين، فإنه قد نَصَّ في غير موضع: أَنَّ الاستثناء لا يكون إلا في اليمين المكفَّرة، ونَصَّ على أنه إذا حلف بالطلاق والعتاق كان له أن يستثني، بخلاف ما إذا أوقع الطلاق والعتاق فإنَّ مذهبَهُ أنه لا يَنفع الاستثناء قولًا واحدًا، كما نقل ذلك عن ابن عباس، وهو مذهب مالك وغيره.

وقد نَقَلَ عنه الشيخ أبو حامد الإسفراييني ومن تبعه: التفريق في الاستثناء بين الطلاق والعتاق؛ وذلك غلطٌ عليه، وإنما هو قولُ القدرية، فإنهم يقولون: إنَّ المشيئةَ بمعنى الأمر، والعتق طاعة بخلاف الطلاق، فإذا قال: عبدُهُ حر إِنْ شاء الله وَقَعَ العتق، وإذا قال: امرأته طالق إن شاء الله لم يقع

ص: 273

الطلاق، ورووا في هذا حديثًا مسندًا)

(1)

.

والجواب:

أَنَّ هذا كلام مَنْ لم يفهم ما ذكره المجيب، ولا ما هو عادة أهل العلم من تخريج الجواب في إحدى المسألتين إلى الأخرى؛ فإنَّ المجيب لم يَدَّعِ أَنَّ أحمد سكت عن الجواب في العتق، ولا أَنَّ مذهبه المنصوص عنه هو الكفارة، حتى يقال: خاصُّ كلامِهِ يقضي على عامِّه.

بل المجيب قد ذكر أَنَّ قوله المنصوص عنه هو الفرق بين الحلف بالعتق وغيره، وهذا قول الشافعي وإسحاق وغيرهما، ومع التصريح بالفرق لا يقال إنهم صَرَّحُوا

(2)

بالتسوية، لكن يقال: هذا هو القول المنصوص، وقد نص أحمد في مواضعَ أُخَر على ما يناقض هذا؛ فيكون له قول آخر مخرَّج يناقض هذا القول المنصوص.

[73/ ب] كما جرت عادة أتباع الأئمة يفعلون ذلك في أجوبتهم إذا قضوا

(3)

في مسألتين متماثلتين على جوابين متناقضين؛ فإن لم يكن بينهما فرق يَذْهَبُ إليه مجتهد، فهم في مثل هذا متفقون على التخريج، لئلا يكون الإمام قال قولًا لا يجوز أن يذهب إليه مجتهد.

وإِنْ كان بينهما فَرْقٌ يذهب إليه مجتهد؛ فمنهم من يُخرِّج إذا رأى ذلك

(1)

«التحقيق» (37/ أ - ب)، وما بين المعقوفتين من «التحقيق» ومجموع الفتاوى (33/ 191).

(2)

يوجد سواد شديد، وهكذا قرأت الكلمة.

(3)

كذا في الأصل، ولعلها:(وقفوا).

ص: 274

الفرق ضعيفًا أو غير مناسب لأصول الإمام، ومنهم من يقر النص إذا رأى ذلك الفرق.

ثم إِنْ كان ذلك الفرق عنده قد دَلَّ الشرع عليه أبطل قول المُسَوِّي، وإن كان الفرق مما لا يمكنه الاستدلال عليه جعل قول الإمام وإن كان ضعيفًا في الشرع كما إذا صرَّحَ بالفرق؛ فإنْ كان صاحب المذهب قد نصَّ على تعليل أحد الحكمين بعلة عامة، فإنهم يقولون ــ إِنْ كان ممن يقول بتخصيص العلة ــ: لم يجز تخريج قول آخر له، وإِنْ كان ممن لا يقول بتخصيص العلة لزم التخريج طردًا لعلته؛ هكذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره

(1)

.

وقد اختلف أصحاب أحمد في تخصيص العلة؛ وذكروا فيه قولين؛ والذي يدلُّ عليه المشهور من كلامه وكلام سائر الأئمة: أَنَّ العلة يجوز تخصيصها لفوات شرطٍ أو وجود مانع، وأما التخصيص مع تماثل الصورتين في المعاني

(2)

الموجبة للحكم والمانعة منه فلا، وإذا قُدِّرَ أَنَّ بعض الأئمة يجوِّزُ تخصيص العلة لا لفوات شرط ولا لوجود مانع كما ذكر

(1)

العدة في أصول الفقه (4/ 1386 وما بعدها)، والمسائل الأصولية من كتاب الروايتين والوجهين (ص 71)، وتهذيب الأجوبة (2/ 867)، والمسودة (2/ 938)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص 138)، وتغير الاجتهاد (3/ 151)، والتمذهب (1/ 300، 514).

وانظر ما سيأتي (ص 288 - 290).

(2)

هكذا قرأتها.

ص: 275

عن القائلين بالاستحسان

(1)

لمجرد دليل، بلا فرق معنوي، وهو مما يستعمله كثير من الفقهاء؛ فهذا ضعيف

(2)

.

وحينئذٍ؛ فإذا خُرِّجَ قول آخر على قول ذلك الفقيه فمعناه: أنه يلزمه أن يقوله لا أنه موجب قوله، ونحن في هذا القول الذي خرجناه من كلام أحمد قد بَيَّنَّا أنه موجب قوله الذي نص عليه في مواضع أخر، لا أنه لازم قوله، بل إِنْ صحَّ قوله في تلك المواضع لزم إجزاء الكفارة في الحلف بالعتق، فلا بُدَّ من أحدِ أمرين:

إما أنْ يُصحح قوله الذي ذكره في أَنَّ الاستثناء لا يكون إلا في يمين مكفرة، وأنَّ الحلف بالطلاق والعتاق يكفر؛ فيكون في الحلف بهما استثناء.

وإما أنْ يُصَحَّحَ قولُهُ في أَنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا يكفران؛ فلا يكون فيهما استثناء.

[74/ أ] وأما القول بأنهما يكفران ولا استثناء فيهما؛ فهذا مناقض لقوله: إنه لا استثناء إلا فيما يكفر، فلا يمكن الجمع بين صحة هذا القول وصحة هذا القول؛ ومن اعتقد أنه يمكن الجمع بين صحة القولين فهو مسفسط.

وقوله: (لا استثناء إلا فيما يكفر)؛ لم يذكره مذهبًا له ليقال إنه لخصوصه، بل ذكره حجة له يحتج به على من يستثني في إيقاع الطلاق والعتاق.

(1)

في الأصل: (بالاستحباب)، ولعل الصواب ما أثبتُّ. انظر: قاعدة في الاستحسان - ضمن جامع المسائل (2/ 186) -، وما سيأتي (ص 378).

(2)

وفي هامش النسخة كتب الناسخ: حاشية من خطِّ الشيخ لفظه في أصول الفقه.

وانظر: تنبيه الرجل العاقل (2/ 369 وما بعدها)، ومباحث التخصيص عند الأصوليين (ص 85)، وأثر تخصيص العلة في الفروع الفقهية (ص 35 وما بعدها).

ص: 276

فقال أحمد: السنة إنما وردت بالاستثناء في الأيمان، وإيقاعُ الطلاق والعتاق ليس بيمين، لأنَّ اليمين لا تكون إلا مكفَّرة

(1)

، لأنَّ القرآن قد دَلَّ على أَنَّ كل يمين من أيمان المؤمنين مكفرة؛ فلو كان إيقاع الطلاق والعتاق يمينًا لكان فيه الكفارة؛ فإنها من لوازم اليمين، فإذا لم يكن فيها كفارة لم يكونا من الأيمان، فلا يدخلان في لفظ النص الوارد في الاستثناء ولا في معناه، لأنه إنما ورد في اليمين فلو كان ذلك يمينًا لكانَ مكفرًا، فلمَّا لم يكن مكفرًا لم يكن يمينًا، فلا يكون فيه استثناء، فإنَّ الاستثناء يستلزم التكفير، فكل ما فيه استثناء ففيه تكفير، والكفارة لازمة للاستثناء فإذا انتفت

(2)

الكفارة اللازمة للاستثناء انتفى الاستثناء الملزوم؛ فهذا صريح حقيقة كلام الإمام أحمد الذي استدل به على أن الطلاق والعتاق لا يكفران.

فإذا قال ــ مع هذا في إحدى الروايتين عنه ــ: إن الحلف بالطلاق والعتاق فيهما استثناء، وفرَّق بين إيقاعهما وبين الحلف بهما كما يفرق بين إيقاع النذر وبين الحلف به= فلم تختلف نصوصه، ومذهبه أن الحلف بالنذر فيه الكفارة، وفيه ــ أيضًا ــ الاستثناء= لزم من ذلك إذا جعل في الحلف بهما الاستثناء: أن يكون في الحلف بهما الكفارة كما في الحلف بالنذر، وإلا فالقول بأن فيهما الاستثناء دون التكفير يبطل قوله:(إنما يكون الاستثناء فيما يكفر)

(3)

حيث أثبت في الحلف بهما الاستثناء دون الكفارة.

(1)

مسائل الإمام أحمد للكوسج (4/ 1578 - 1579)(5/ 2447 - 2465)، زاد المسير (5/ 128).

(2)

في الأصل: (انتفى)، والصواب ما أثبتُّ.

(3)

نقله أبو طالبٍ عنه؛ كما ذكره ابن تيمية في الفتوى المعترض عليها (33/ 193). وانظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد (12/ 530 - 533)، وما سيأتي (ص 285، 860 - 862).

ص: 277

وإذا قيل: هذا تناقضٌ منه.

قيل: هكذا جميع الأقوال المخرَّجة للعلماء جميعهم؛ فإنَّ العالم الذي له في المسألة قولان أو ثلاثة معناه: أن له فيها قولين متناقضين، يناقض أحدهما الآخر، أو ثلاثة أقوال متناقضة، ليس المراد أنه يمكن الجمع بينهما، فإنه لو كان كذلك لم يكن

(1)

[74/ ب] له إلا قول واحد، ولكن العالم يتكلم باجتهاده وبحسب علمه، فيظهر له تارة رجحان أحد القولين فيفتي به، ويظهر له تارةً رجحان القول الآخر فيفتي به.

والأنبياء ــ صلوات الله عليهم ــ يدخل في شرعهم المنسوخ والناسخ، لكن الحكم المنسوخ الذي شرعه الله والناسخ كلاهما كان شرعًا لله باطنًا وظاهرًا في وقته؛ كاستقبال القبلة، فإنَّ الله ــ تعالى ــ لما أمر رسوله ابتداءً باستقبال الصخرة كان هذا شرع الله ودينه باطنًا وظاهرًا، ثم لما حَوَّل القبلة وأمر باستقبال القبلة كان هذا شرعَ الله ودينه باطنًا وظاهرًا، لا يقال: إنه كان لله في الباطن حُكْمٌ لم يعرفه النبي وقت الحكم المنسوخ، بخلاف العالم فإنه ليس بنبي يُوحَى إليه، وإنما يجتهد ليعرف الحكم الذي استقر عليه شرع الرسول، فقد يتبين له تارة قولًا وتارة قولًا يناقضه، ثم قد يكون القول الأول هو الصواب في نفس الأمر، وقد يكون الثاني هو الصواب

(2)

.

ولهذا اختلف الناس في الإمام إذا كان له قولان متقدم ومتأخر، بل كان له قول وصرَّحَ برجوعه عنه، هل يجوز أَنْ يحكى له قولان أو لا يُحكَى عنه إلا القول المتأخر، واختلف في ذلك أصحاب أحمد على قولين؛ منهم من

(1)

هنا سواد في الأصل، وما أثبته احتمال يستقيم به الكلام إن شاء الله.

(2)

مجموع الفتاوى (29/ 41)، الفتاوى الكبرى (4/ 27).

ص: 278

يقول: إنَّ القول القديم لا يجوز أن يجعل مذهبًا له مع رجوعه عنه لا سيما مع تصريحه بالرجوع عنه، ومنهم مَنْ يُفَرِّق بين ما صَرَّح برجوعه عنه وما لم يصرح بذلك، ومنهم من يَحكي له القولين مع تصريحه بالرجوع، ويقول: هو قال ذلك القول باجتهاده وهذا باجتهاده، وقد يكون القول المتقدم هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة

(1)

.

والعالم ليس كالنبي الذي إذا نسخ قولًا علم قطعًا أن المنسوخ ليس بشرعٍ لله، بل قد يكون القول المتقدم الذي رجع عنه العالم هو دين الله في نفس الأمر.

قالوا: ونحن نذكر أقوال العلماء لنستدل

(2)

بها على شرع الله ورسوله؛ فإنهم وسائل ووسائط بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا جاز أن يكون قوله الأول هو قول الرسول دون الثاني، وجاز أن يكون الثاني هو قول الرسول =لم يمكنا [75/ أ] أن نجزم بأن القول الأول باطل في نفس الأمر.

وإذا قال القائل: القول المتقدم ليس هو مذهبه.

قيل له: إِنْ أردت أنه لم يكن مذهبًا له؛ فهذا غلط، بل كان مذهبًا له في بعض الأوقات، وإن أردت أنه ليس هو مذهبه الذي مات عليه؛ فهذا صحيح، لكن هذا لا يفيدنا أن يكون هو شرع الرسول في نفس الأمر، بل نحن نذكر أنه كان يذهب إلى هذا ثم ذهب إلى نقيضه، فكان هذا قولُه أولًا ثم صار هذا قوله ثانيًا، وإذا رَجَّحَتِ الأدلةُ الشرعيةُ أحدَ القولين رَجَّحْنَاه،

(1)

التمذهب (3/ 1195)، تغير الاجتهاد (3/ 164) والمراجع التي أحالا عليها. وانظر ما سيأتي (ص 736، 746).

(2)

هكذا قرأتها.

ص: 279

وإذا كان أشبه بأصوله ونصوصه رَجَّحْنَاه في مذهبه.

ومن لم يكن مقصوده إلا تقليده المحض من غير تصرف لا في مذهبه ولا نظرٍ إلى ما قاله أصحابه وسائر العلماء فإنما يقلده في القول المتأخر، لكن هذا ينبني على جواز تقليد الميت، وفيه للناس قولان؛ والجمهور على جوازه، وليس هذا موضع بسط ذلك

(1)

.

وأما قول المعترض: (إنَّ الدليل الذي ركبَّهُ من هاتين المقدمتين يتوقف على عموم الأولى)

(2)

.

فيقال له: إن لم تكن تلك المقدمة عامة= بطل كلام أحمد واحتجاجه، فإنه حينئذٍ يقال له: ليس كل ما لا يكون مكفَّرًا لا يكون فيه استثناء، بل يكون الاستثناء فيما لا يكفر؛ وحينئذٍ فيمكن أن يكون الطلاق والعتاق مما فيه استثناء بدون التكفير، والتخريج من منصوص أحمد إنما هو بتقدير أن يكون كلامه صحيحًا، فإن كان كلامه صحيحًا فما ذكرناه لازم له لزومًا لا محيد عنه.

(1)

مجموع الفتاوى (20/ 585)(23/ 399)، الفتاوى الكبرى (2/ 329)، مختصر الفتاوى المصرية (ص 558)، المسوَّدة (2/ 934)، المستدرك على مجموع الفتاوى (2/ 121 - 124)، إعلام الموقعين (6/ 201).

وانظر ما سيأتي (ص 745 وما بعدها).

قال ابن القيم في إعلام الموقعين (6/ 129): (والثاني: الجواز؛ وعليه عمل جميع المقلِّدين في جميع أقطار الأرض، وخيار ما بأيديهم من التقليد: تقليدُ الأموات! ومَنْ مَنَعَ منهم تقليد الميت؛ فإنما هو شيءٌ يقولُه بلسانِهِ، وعملُهُ في فتاويه وأحكامه بخلافِهِ. والأقوال لا تموت بموت قائلها؛ كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها).

(2)

«التحقيق» (37/ ب).

ص: 280

وإِنْ قيل: بل كلامه هذا باطل.

قيل: ليس كلامه هذا بأولى من إبطال قوله: (إِنَّ الحلف بالعتاق والطلاق لا كفارة فيه)؛ وحينئذٍ فليس لقائل أن يقول: قوله هذا هو الصواب دون الأول بأولى من العكس، بل الدليل الشرعي يدل على أَنَّ هذا القول أولى بالصواب من ذاك لو تعارضا؛ فكيف إذا أمكن إقامة الدليل الشرعي على صحة كلٍّ منهما؟

وأما قوله: (إِنَّ أحمد تقدمت نصوصه الصريحة بأنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه)

(1)

.

فيقال له: قد يقال: إن أحمد قال هذا بناء على قوله: إنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا استثناء فيه، كما روى ذلك عنه الأثرم، وهو

(2)

[75/ ب] وغيره نقلوا عنه أَنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه.

وهكذا يقول مالك في رواية ابن القاسم إنَّ هذا كله لا استثناء فيه ولا كفارة

(3)

، وأما على رواية ابن الحَكَم فإنَّ

(4)

الحلف بالطلاق والعتاق ينفع فيه الاستثناء وإن لم ينفع في [إيقاع]

(5)

الطلاق والعتاق.

ومعلومٌ أَنَّ أحمد إذا قال هذا وعلل ذلك بأن الاستثناء إنما يكون في اليمين المكفرة، لو قال في هذه الحال: إن الطلاق والعتاق ينفع فيه

(1)

«التحقيق» (37/ ب).

(2)

يحتمل وجود كلمة لم أستطع قراءتها، ولعلها ما أثبتُّ.

(3)

المدونة (1/ 469)، الفواكه الدواني (2/ 910)، حاشية العدوي (3/ 40).

(4)

في الأصل: (أَنَّ)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(5)

إضافة يقتضيها السياق. انظر ما سيأتي (ص 285 - 287).

ص: 281

الاستثناء، وليس هو من الأيمان المكفرة= لكان هذا تناقضًا لا يخفى على أدنى الناس، فضلًا عمن هو مثل أحمد.

وقوله: إنَّ الطلاق والعتاق لا ينفع فيه الاستثناء، لأن الاستثناء إنما يكون فيما فيه كفارة، والطلاق والعتاق لا يكفران فلا استثناء فيهما؛ فإنه إذا قيل له: ما معنى قولك: الطلاق والعتاق لا يكفران ولا استثناء فيهما؟ أي: لا يكفر إيقاعهما ولا يستثنى في ذلك، والحلف بهما ــ أيضًا ــ لا يكفر ولا يستثنى فيه = كان قد طَرَدَ قوله. وأما إذا قال: الحلف بهما يستثنى فيه، وقال مع ذلك [لا]

(1)

يُكَفَّرَان = كان هذا مبطلًا لأصل كلامه، بل يجب أن يقول مع ذلك: إذا كان فيهما استثناء= ففيهما كفارة.

والعام الذي يُقَدَّمُ عليه الخاص إنما يكون في الصيغ العامة، فأما المعاني والعلل والأدلة التي يستدل بها المستدل= فلا يقبل منه أن ينقضها ويخصها من غير بيان فرق بين صورة النقض وصورة الاستدلال

(2)

، فإذا جعل عدم التكفير مستلزمًا لعدم الاستثناء، واستدل بذلك على أن ما لا كفارة فيه لا استثناء فيه، وكان من الصور ما فيه استثناء دون الكفارة = بطلت علته ودليله ومذهبه، ولا يقبل منه أن يقول: هذا خاص وهذا عام إن لم يبين ما يوجب الفرق، ولو جاز هذا ما بطلَ دليلُ أحدٍ ولا علته؛ فمن كان يقول: الاستثناء في الأيمان المكفرة دون ما لا كفارة فيه لأن ذلك هو اليمين؛ فاليمين عنده لها لازمان: الكفارة والاستثناء، فإذا قيل: من الأيمان ما يستثنى ولا يكفر= انتقض أصله ودليله وعلته.

(1)

إضافة يقتضيها السياق.

(2)

انظر ما سيأتي (ص 474 - 475).

ص: 282

وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ كان يتوقف في

(1)

الاستثناء في الطلاق والعتاق تارة، ويجيب فيه تارة بالوقوع؛ ولهذا [76/ أ] خَرَّجَ طائفة من أصحابه كالقاضي أبي الحسين وغيره له روايتين في ذلك، وهو وإن وافق مالكًا على ذلك فقوله أوسع من قول مالك، فإنَّ أحمد لم يختلف كلامه في أن الحالف بالنذر تجزئه الكفارة، وكذلك ينفع فيه الاستثناء عنده كما ذكر ذلك أصحابه، فإنه إذا أجزأ فيه الكفارة فالاستثناء بطريق الأولى، لكن قد يقال: النذر يُخيّر فيه بين الوفاء والكفارة.

فيقال: إنما يخير إذا فعل الشرط، وأما إذا وجد الشرط ولم يوجد الجزاء= تعينت الكفارة؛ ولهذا يجب أن يقال: إن أعاد الاستثناء إلى النذر لم ينفعه، كما لو أعاد الاستثناء في تعليق الشرط إلى الطلاق.

فإذا قال: أنتِ طالق إنْ دخلتِ الدار إن شاء الله، أو أنت طالق إن شاء الله إن دخلت الدار؛ ومراده: أنك تطلقين مع الدخول إن شاء الله طلاقك؛ فهذا استثناء في الطلاق فلا ينفعه إذا قيل: لا ينفع في الطلاق المنجَّز، وأما إذا أعاد الاستثناء إلى الفعل واليمين فأراد: منعتُك وحلفتُ عليك لا تدخلين الدار إن شاء الله ألا تدخلي؛ فهذا ينفعه الاستثناء.

ولهذا كان طائفة من أصحابه كأبي محمد وأبي البركات يقولون: إِنْ أعادَ الاستثناء إلى الفعل نفعه، وإن أعاده إلى الطلاق لم ينفعه، وَإِنْ طَلَّقَ ففيه روايتان، ويقولون في صيغة القَسَم إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ أو لا أفعل؛ نفعه الاستثناء قولًا واحدًا، وهذا جيد من جهة المعنى، لكن الصحيح

(1)

هنا يحتمل وجود كلمة، وتقديرها ما أثبتُّ.

ص: 283

أن النزاع عنه في الصيغتين، ولأصحابه في تحقيق النزاع فيما إذا قال: إن فعلت كذا فأنت طالق إن شاء الله طُرُقٌ ذكرت في غير هذا الموضع

(1)

.

* * * *

(1)

مجموع الفتاوى (33/ 193)(35/ 283 - 286)، الفتاوى الكبرى (4/ 137 - 139)، القواعد الكلية (ص 510 - 514).

ص: 284

فصلٌ

قال المعترض:

(وقوله: إنه قال في رواية أبي طالب

(1)

: وقد سئل عن الاستثناء. قال: الاستثناء فيما يكفر، قال الله تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89] فكل يمين فيها كفارة غير الطلاق والعتاق.

قلنا: هذا صريحٌ في استثناء الطلاق والعتاق؛ فلا يجوز بعد ذلك أن يُنْسَبَ

(2)

إلى أحمد، ولا أَنْ يُخَرَّج على قواعده، لأنه

(3)

إنما يخرج على قاعدة إمام

(4)

ما لم يُصَرِّح بِرَدِّهِ، وفي استثنائه تصريح

(5)

بنفي الحكم عنه)

(6)

.

فنقول:

لمَّا قال الاستثناء فيما يُكَفَّر، والطلاق والعتاق لا كفارة فيهما فلا استثناء فيهما [

]

(7)

[76/ ب] أَنَّ الاستثناء فيما يكفر، [و]

(8)

أن الاستثناء إنما هو

(1)

انظر ما تقدم قريبًا (ص 277).

(2)

في الأصل: (وينسبه)، والمثبت من «التحقيق» .

(3)

في الأصل: (و)، والمثبت من «التحقيق» .

(4)

هنا كلمة غير واضحة في الأصل، والمثبت من «التحقيق» .

(5)

في الأصل: (صريح)، والمثبت من «التحقيق» .

(6)

«التحقيق» (38/ أ).

(7)

يحتمل وجود كلمة لم أستطع قراءتها، ولعلها (تبيَّن) أو (دلَّ على) أو نحوهما.

(8)

إضافة يقتضيها السياق.

ص: 285

في الأيمان، والأيمان فيها الكفارة، لقوله تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] فأثبت سبحانه لتعقيد الأيمان كفارة دون اللغو، والطلاق والعتاق لا كفارة فيهما ولا لغو في إيقاعهما فلا يكونان من الأيمان فلا يكفران؛ هذا معنى كلامه.

فإذا قال مع هذا: إن الحلف بالطلاق والعتاق لا استثناء فيهما ولا كفارة= اِطَّرَدَ قوله هذا، ونازعه مَنْ ينازعه في أن ذلك يمين أم لا، وإن قال مع ذلك: إنَّ الحلف بهما يجوز فيه الاستثناء ولا يجوز في إيقاعهما= صحَّ مع هذا أن يقول: إنَّ الطلاق والعتاق لا استثناء في إيقاعهما، كما أنه لا كفارة في إيقاعهما باتفاق المسلمين، فإن هذا مما لا ينازع فيه مسلم، ولزم إذا قال في الحلف بهما استثناء أن يكون في الحلف بهما تكفير، وأن يفرق في التكفير بين الحلف بهما والإيقاع لهما، كما فرق في الاستثناء بين الحلف بهما وبين الإيقاع بهما، وإلا انتقض علته ومذهبه ودليله حيث قال: الاستثناء فيما يكفر، وقيل له: الاستثناء عندك ينفع فيما يكفَّر وما لا يكفَّر، ولم يمكنه مع هذا أن يقول كل يمين فيها كفارة إلا ألزمهما مع قوله إن في اليمين بهما الاستثناء دون الكفارة.

ومما يوضح ذلك: أن أصحابه ــ كأبي محمد وغيره ــ احتجوا على جواز الاستثناء في تعليقهما على وجه اليمين، بأنَّ هذا يمين فتدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ حَلَفَ فقال: إن شاء الله؛ فلا حنث عليه»

(1)

فيجب على هذا: أن

(1)

جاء هذا الحديث عن جماعةٍ من الصحابة؛ فأخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/ 516) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/ 516) ــ ومن طريقه الترمذي في جامعه 1532) ــ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال الترمذي: سألتُ محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث. فقال: هذا حديث خطأ، أخطأ فيه عبد الرزاق اختصره من حديث معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إنَّ سليمان بن داود قال: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة تلد كل امرأة غلامًا، فطاف عليهم فلم تلد امرأة منهن إلا امرأة نصف غلام» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قال: إن شاء الله؛ لكان كما قال» . هكذا روي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه هذا الحديث بطوله. وقال: سبعين امرأة. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة.

وأخرجه البزار (12/ 169) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقال: وهذا الحديث لا نعلم أسنده إلا أيوب عن نافع عن ابن عمر، ورواه عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفًا إلا رجل سمعته يحدث عن أبي معاوية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فأنكرته عليه، وهو عباس البحراني.

والحديث صححه ابن حبان (10/ 183).

انظر: علل الترمذي الكبير (برقم 455)، العلل للدارقطني (13/ 103)، نصب الراية (3/ 234، 301)، البدر المنير (9/ 453)، إرواء الغليل (8/ 196).

ص: 286

يدخل تعليقهما على وجه اليمين في قوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه»

(1)

.

قال الشيخ أبو محمد المقدسي

(2)

.

(1)

أخرجه مسلم، وتقدم في (ص 26).

(2)

كتبها الناسخ في الهامش، وقد وضع علامة اللحق بعد نهاية الحديث، ولم ينقل كلام ابن قدامة؛ فانظره في المغني (13/ 488).

ص: 287

فصلٌ

وأما قوله: (إنما يخرج على قاعدة [إمام] ما لم يصرح بِرَدِّهِ، وفي استثنائه تصريح

(1)

بنفي هذا الحكم عنه [بخصوصه])

(2)

.

فيقال له: التخريج على قواعد العلماء وأصولهم ومقتضى نصوصهم وتعليلهم على وجهين:

أحدهما: تخريجٌ يُجعل

(3)

مذهبًا له ولا

(4)

يجعل قولًا في مذهبه؛ فهذا يسوغ فيما لم يُصَرِّح بِرَدِّهِ، وأصحاب [77/ أ] أحمد متنازعون: هل يجعل ما يخرج على قوله مذهبًا له؟ على طريقين:

أحدهما: يجعل مذهبًا له؛ وهي طريقة الأثرم والخرقي وأبي عبد الله بن حامد والقاضي وأكثر أصحابه.

والطريقة الثانية: لا يجعل مذهبًا له؛ وَذُكِرَ ذلك عن الخلال وصاحبه.

وقد ذَكَرَ النزاعَ في ذلك: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى فيما قرراه من أصول المذهب

(5)

، وذكر القاضي أن هذا ينبني على مسألة تخصيص العلة.

(1)

في الأصل: (صريح)، والمثبت من «التحقيق» .

(2)

«التحقيق» (38/ أ)، وما بين المعقوفتين من «التحقيق» .

(3)

في الأصل: (يجعله)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(4)

غير واضحة في الأصل.

(5)

تهذيب الأجوبة (1/ 522 - 533).

ص: 288

وقال أبو الخطاب

(1)

.

النوع الثاني من التخريج: أَنْ يُخرَّج له قولٌ يُخالفُ القولَ المنصوصَ عنه؛ كما يَفعل ذلك من يفعله من أصحاب أحمد والشافعي وغيرهما، حيث يقولون: قد نَصَّ في المسألة الفلانية على كذا وفي نظيرها على خلاف ذلك؛ فيُخَرَّجَ

(2)

له قولان، وربما قالوا: نَصَّ على كذا وقياس مذهبه كذا خلاف ما نص عليه، فإنهم يجعلون مذهبه هو القول المخرَّج دون المنصوص، ويجعلون المنصوص أفتى فيه بخلاف أصله، وهو بمنزلة غلط المحدث [و] بمنزلة الغلط في الرواية، وهذا إذا لم يكن القول

(3)

المنصوص يجري على أصوله الصحيحة، فإنْ أمكن تصحيحه جعلوها على قولين.

ثم إذا كانت المسألتان متماثلتين لا يجوز أن يكون بينهما فَرْقٌ يَذهب إليه مجتهد، لم يختلفوا في المسألة على روايتين

(4)

؛ كما إذا نصَّ على أنَّ مَنْ قال: إِنْ فعلتُ فعليَّ صدقة أنه يجزئه كفارة يمين، وإنْ قال: فعليَّ هديٌ أنه يلزمه إخراج ماله.

(1)

كتبها الناسخ في الهامش بعد علامة اللحق، ولم يذكر ما قاله، وإتمامًا للفائدة سأنقل ما قاله أبو الخطاب في التمهيد.

قال في التمهيد (4/ 366): (إذا نصَّ في مسألةٍ على حكمٍ وعلَّلَ بعلةٍ توجد في مسائل أُخَر؛ فإنَّ مذهبه في تلك المسائل مذهبه في المسألة المعللة، سواء قلنا بتخصيص العلة أو لم نقل).

(2)

هكذا قرأتها.

(3)

في الأصل: (للقول)، ولعل ما أثبتُّ هو الصواب.

(4)

انظر ما سيأتي (ص 274 - 275).

ص: 289

وأما إذا كان بينهما ما قد يُظَنُّ أنه فَرْقٌ= تنازعوا في الصريح؛ ومثل هذا: إذا نَصَّ في الماء المستعمل في الوضوء على أنه طهور أو طاهر، وفي الماء المستعمل في الجنابة على خلاف ذلك؛ كان له في المسألتين قولان إذ لا فرق بينهما.

* * * *

ص: 290

فصلٌ

قال المعترض:

(قال المجيب

(1)

: وأما كون سليمان التيمي هو الذي ذكر كل مملوك له حر؛ فجوابه من وجهين:

أحدهما: أنَّ سليمان التيمي ثقة ثبت، وهو أَجَلُّ من الذين لم يذكروا الزيادة، ويشبه ــ والله أعلم ــ أَنْ يكون الذين لم يذكروا العتق هابوه

(2)

[لِمَا]

(3)

فيه من النزاع؛ يُبَيِّنُ ذلك: أَنَّ مِنَ الناس مَنْ لم يذكر [العتق في]

(4)

ذلك عن التيمي [أيضًا، مع]

(5)

أن التيمي كان يذكر العتق بلا نزاع.

قال الميموني: قال أحمد: وابن

(6)

[77/ ب] أبي عدي لم يذكر في حديث أبي رافع عتقًا

(7)

.

قلتُ

(8)

: ومحمد بن أبي عدي هو أحد

(9)

من رواه عن التيمي، فَعُلِمَ أَنَّ

(1)

مجموع الفتاوى (33/ 193).

(2)

سواد في الأصل، والمثبت مما سيأتي في رَدِّ ابن تيمية على هذا الكلام (ص 293)، وهو كذلك في «التحقيق» والفتوى المعترض عليها.

(3)

ما بين المعقوفتين من «التحقيق» والفتوى المعترض عليها.

(4)

ما بين المعقوفتين من الفتوى المعترض عليها.

(5)

سواد في الأصل، والمثبت موافق لما في «التحقيق» والفتوى المعترض عليها.

(6)

لم يظهر في الأصل إلا بعض الأحرف، والمثبت موافقٌ لما في الفتوى المعترض عليها، وفي «التحقيق» بدون (واو) قبل ابن أبي عدي.

(7)

في الأصل: (عتق)؛ والمثبت موافقٌ لما في الفتوى المعترض عليها. وقارن بما في زاد المسافر (4/ 471).

(8)

القائل هو: ابن تيمية.

(9)

في الفتوى المعترض عليها: (أجل).

ص: 291

من الرواة من كان يترك

(1)

ذكر هذه الزيادة مع أنها ثابتة في الحديث، ولهذا لَمَّا ثبتت

(2)

عند أبي ثور أخذ بها.

قلتُ

(3)

: أما هذا الجواب الأول، وهو: أَنَّ سليمان التيمي ثقة ثبت أجل من الذين لم يذكروا الزيادة؛ فقد تقدم)

(4)

.

والجواب أَنْ يقال:

قوله: (أما هذا الجواب الأول، وهو: أَنَّ سليمان التيمي [ثقة] ثبت أَجَلُّ من الذين لم يذكروا الزيادة فقد تقدم التعرض له، وأَنَّ ذلك يُعارض بكثرة من ذكرها، ومعارضة الأثر [الآخر] لها، وأَنَّ المدعى هو المعارضة من غير ترجيح، وأَنَّ الواجب ترجيح أقوى الظنين)

(5)

.

فيقال: قد تقدم

(6)

أنه لم يترك الزيادة من يقاوم سليمان التيمي لو انفرد بها

(7)

، فإنما عُرِفَ أنه تركها حميد وآخر، وقد أثبتها ثلاثة أجل وأكثر ممن تركها،

(1)

في الأصل: (ترك)، والمثبت من «التحقيق» والفتوى المعترض عليها.

(2)

في الأصل: (ثبت)، والمثبت من الفتوى المعترض عليها.

(3)

القائل هنا هو: السبكي.

(4)

«التحقيق» (38/ أ).

(5)

«التحقيق» (38/أ) وما بين المعقوفين منه.

ومن قوله: (وأن المدعى هو المعارضة) إلى آخره بالمعنى. والذي في «التحقيق» : (أعني أثر عثمان بن حاضر، لست أدعي الآن أن جانب الإسقاط أرجح، ولكن أردت التنبيه على وجه الاحتمال، وطريق الترجيح ما تقدم من موازنة الظنين ومعرفة تقاومهما وتفاوتهما).

(6)

في الأصل زيادة: (أنَّ سليمان التيمي)، وبحذفها يستقيم الكلام، ولعل هذا بسبب انتقال بصر الناسخ.

(7)

انظر (ص 239 وما بعدها).

ص: 292

وأثر عثمان بن حاضر قد عرف أن الروايات الثابتة عن ابن عمر وعن ابن عباس تناقضه، وأن هذا الحديث يخالفه في غير العتق كما يخالفه في العتق، فلم يخالفه في العتق وحده، وأن هذا يوجب القطع إما بغلط راويه وإما بأنَّ الصحابة عنهم نزاع في هذا الباب، وأنه لا يمكن أحدًا أَنْ يُرَجِّح روايةَ من روى أن من الصحابة من أفتى بأن الحلف بالعتق يلزم على رواية من روى أن فيه كفارة، بل هذا مردود بعد معرفة الطرق والنظر فيها بلا نزاع بين أهل العلم بذلك.

وأحمد لم تُجْمَعْ

(1)

عنده طرق حديث ليلى الدالة على صحة ذكر العتق، ولا اجتمعت عنده طرق حديث عثمان بن حاضر الذي يدل على اضطرابه؛ فالكلام في صحة الحديث وضعفه

(2)

قد يكون من مسائل الاجتهاد التي يبحث فيها أهل العلم بذلك.

وقد عُرِفَ أن جميع العلماء الذين بلغهم طرق حديث ليلى بنت العجماء مثل: أبي ثور ومحمد بن نصر وابن المنذر وأبي جعفر محمد بن جرير وابن عبد البر وابن حزم وغير هؤلاء ممن نقل النزاع = كلهم قطعوا بأن ابن عمر وحفصة وغيرهما أفتوا في الحلف بالعتق بكفارة يمين، لم أعلم أحدًا من الناس بلغته هذه الطرق طعن فيها، وأحمد لم يعلله إلا [78/ أ] بانفراد سليمان به وقد عُرِفَ أنه لم ينفرد به.

فصلٌ

قال: (وأما قول المجيب: يشبه أن يكون الذين لم يذكروا العتق هابوه لما فيه من النزاع)؛ فإنَّ المجيب لم يجزم بهذا، بل جَوَّزَ هذا.

(1)

كذا في الأصل، ولعلها:(تجتمع).

(2)

في الأصل زيادة: (كما)، وبحذفها تستقيم العبارة.

ص: 293

وقول المعترض: (ليس هذا عادة الرواة؛ فكم من حديث أطبق الرواة على روايته مع تنازع الفقهاء في حكمه؟ وكم من راوٍ روى ما يخالفه فيه الجم الغفير، ولم يسمع عن أحدٍ يُوثَقُ به أنه كان عنده حديث فيه حكم امتنع عن روايته هيبةً من أحد، بل إذا كان النزاعُ تَقِلُّ الهيبة، وإنما تكون الهيبة لو كانت [فيما] يخالفُ الإجماع والسواد الأعظم)

(1)

.

فيقال له: بل من الرواة من يترك ما هو عنده إذا كان العمل المشهور بخلافه، وهذا معروفٌ مِنْ حال مالك وغيره؛ ربما روى الحديث ثم يمتنع مِنْ روايته إذا كان العمل عنده بخلافه، كما امتنع من تحديثه بحديث أم سلمة:«إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فلا يأخذ من شعره ولا بَشَرِهِ شيئًا»

(2)

حَدَّثَ به لشعبة

(3)

، ثم تركه لكون العمل عنده بخلافه، وكان إذا سئل عنه لم يحدث

(4)

.

(1)

«التحقيق» (38/ أ)، وما بين المعقوفتين زيادة من «التحقيق» .

(2)

أخرجه مسلم (1977).

(3)

في الأصل: (لسبعة)، ولعل الصواب ما أثبت، كما سيأتي في التعليق التالي من تحديث شعبة به عنه.

(4)

قال ابن عبد البر في التمهيد (17/ 237): (وقد ذكر عمران بن أنس أنه سأل مالكًا عن حديث أمِّ سلمة هذا، فقال: ليس من حديثي! قال: فقلتُ لجلسائِهِ: قد رواه شعبة وحدَّث به عنه، وهو يقول: ليس من حديثي! فقالوا لي: إنه إذا لم يأخذ بالحديث قال: ليس من حديثي) اهـ.

وانظر: الاستذكار (11/ 185)، والبيان والتحصيل (17/ 315).

ص: 294

وكذلك حديثٌ أَنَّ في المِلْطَاة

(1)

نصف الموضحة

(2)

، ثم ترك روايته لَمَّا رأى العمل بخلافه

(3)

،

وكثير من أهل الحديث يكون عنده حديث عَمِلَ الناس بخلافه فلا يحدث به.

وأما قوله: (إذا كان الصحابة ــ كما قال المُصَنِّف ــ على وفق هذه الرواية؛ فمن أين تحصل الهيبة؟! والرواية كانت في إثر عصرهم، لأن المسقطين لها حميد وغيره من التابعين قبل حدوث المتأخرين المخالفين لها بزعمه)

(4)

.

فيقال له: حميد لم يكن من المشهورين بالفتيا والفقه كسليمان التيمي، بل كان شيخًا مُعَمَّرًا عاش بعد سليمان التيمي [إلى]

(5)

سنة بضع وأربعين ومائة، وكان المشهورون بالرأي بالعراق وبالمدينة مثل: ربيعة الرأي وعثمان البَتِّي

(1)

الملطاة بالهاء، وبالمد دون هاء، وبالهمز؛ وهي الشَّجَّةُ التي تُسمَّى: السِّمحاق.

انظر: الغريب المصنف (1/ 238) وغريب الحديث (3/ 75) كلاهما لأبي عبيد القاسم بن سلَاّم، مقاييس اللغة (5/ 251)، المخصص لابن سيده (1/ 490).

(2)

لم أجده مرفوعًا، وإنما روى عبد الرزاق في المصنف (9/ 313/ ح 17345)، وابن أبي شيبة (27356)، والبيهقي في السنن الكبير (16/ 334/ ح 6293 - 6295) أنَّ عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف دية الموضحة.

وذكرت بعض كتب الغريب أنَّ في الحديث: «يقضى في الملطاة بدمها» . وانظر: الجامع في العلل والفوائد (2/ 450).

(3)

كان مالك يحدث به ثم ترك التحديث به؛ فسئل عن ذلك فقال: (إنَّ العمل عندنا على غيره، وليس الرجل عندنا هنالك؛ يعني: يزيد بن قسيط).

انظر: المصنف لعبد الرزاق (9/ 313/ ح 17345)، ما رواه الأكابر عن مالك لابن مخلد العطار (ص 43)، وغرائب حديث مالك لابن المظفر (ص 73).

(4)

«التحقيق» (38/ أ).

(5)

إضافة يقتضيها السياق.

ص: 295

وأبي حنيفة وغيرهم يفتون بأنَّ فيه كفارة يمين

(1)

، وكان من الملوك من يكره أَنْ يُفْتَى في مثل هذا بكفارة يمين، كما هو الواقع في كثيرٍ من الأزمنة.

حتى إِنَّ مالكًا لما أفتى بأن يمين المكره لا تلزم، جَعَلَ من أراد

(2)

الانتقام منه هذا حجة في ضربه، وحتى شهروه وضربوه ثلاثين سوطًا

(3)

، وقد

(4)

[78/ ب] روي عن الشافعي أنه قال: إنما حقد أمير المدينة عليه لتفضيله عثمان على علي، وسئل عن ذلك. فقال: لا أجعل من خاض في الدماء كمن لم يخض فيها

(5)

، ولكن الهاشمي لم يمكنه إظهار العقوبة على هذا، فجعل ذلك حجة ليقال إنه عاقبه غضبًا للمنصور، وأنه حَلَّ أيمان البيعة، واتفق هو وقاضي المدينة على هذا.

وكذلك الشافعي؛ رُوِيَ

(6)

أنه لمَّا قدم بغداد في زمن الرشيد نُهِيَ أن يتكلم في الحلف بالطلاق المعلق على النكاح، لكراهة الرشيد لذلك

(7)

. وقد رأينا من ذلك في زماننا وغيره ما فيه عبرة؛ فكيف لا يقال مع ذلك: إنَّ حميدًا هاب ذكر العتق خوفًا من هؤلاء العلماء المُفَتِّنِيْنَ ومن الولاة المسلَّطين؟!

وكان الإفتاء بلزوم العتق مشهورًا بالعراق، وهذا لما اشتهر تحليف

(1)

كذا في الأصل، ولعل الصواب:(بأن ليس فيه كفارة يمين)، حيث سيذكر المجيب أن الإفتاء بلزوم العتق كان مشهورًا في العراق.

(2)

هكذا قرأتها.

(3)

انظر ما تقدم (ص 46).

(4)

هكذا قرأتها، ويحتمل غير ذلك.

(5)

منهاج السنة (8/ 225).

(6)

في الأصل: (روى الشافعي) وقد وضع الناسخ علامة التقديم والتأخير.

(7)

انظر ما تقدم (ص 46 - 47).

ص: 296

الناس بالطلاق والعتاق وإن لم يكن ذلك مشهورًا على عهد الصحابة، حتى إنه قد اِدَّعَى الإجماع على لزوم العتق المحلوف به من ادعاه من العلماء، كما ذكر ذلك ابن جرير عمن ذكره وأنكره عليه

(1)

، وكما ذكر إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الإجماع على أَنَّ العتق المحلوف به والطلاق المحلوف به لا كفارة فيهما

(2)

؛ فلولا ظهور العمل بأن الحالف بذلك يلزمه ولا تنفعه الكفارة ما ادعى الإجماع مَنْ هو مِنْ أهل العلم.

وإذا ظهر العمل بقول في بلد أو بلاد هاب مَنْ يهاب ذكر ما يخالف ذلك، لاسيما إذا اقترن بذلك غَرَضُ بعض الولاة وعقوبتهم لمن يخالفهم، حتى إنَّ البلاد التي تظهر فيها بدعة من البدع لا يمكن أهل الحديث أن يظهروا من الأحاديث ما يخالف تلك البدعة.

ولما أظهرت محنة الجهمية امتحنوا الناس عليها، حتى كتب ابن أبي دؤاد على أستار الكعبة (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) ولم يكتب {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]؛ حتى كانوا إذا افْتَكُّوا الأسير امتحنوه، فإنْ قال: القرآن

(3)

مخلوق؛ جعلوه مسلمًا فافتكوه وإلا لم يفتكوه، وقطعوا أرزاق

(4)

من لم يوافقهم وعزلوه، وكان في تلك المدة لا يُظهر أحد في [

]

(5)

الأحاديث المخالفة لقول الجهمية.

(1)

انظر ما تقدم في (ص 12).

(2)

انظر: القواعد الكلية (ص 472 وما بعدها).

(3)

هكذا قرأتها.

(4)

هكذا قرأتها، حيث ظهر في الأصل حرف الألف والقاف.

(5)

بياض في الأصل مقدار كلمة، ويحتمل أنه موضع بلد.

ص: 297

وكذلك مذهب الرافضة [79/ أ] إذا ظهر في بلد لم يُمَكِّنُوا أحدًا من رواية ما يخالف مذهبهم، حتى إنه في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لما ظهر فيها قول الرافضة مع كثرة من يوجد فيها من أهل السنة ــ أيضًا ــ طلبوا قراءة البخاري فما أمكنهم قراءته إلا بين الحجر والحائط الشرقي في ذلك الموضع المستور، ثم لما ظهر عليهم الرافضة منعوهم حتى أظهر الله السنة بعد ذلك، حتى إنَّ بني عُبيد لما استولوا على مصر لم يمكن أحدًا من أهل الحديث أن يروي شيئًا من الحديث، حتى جرت مع إبراهيم بن سعيد الحبال صاحب عبد الغني بن سعيد قصة مع الصدفي

(1)

.

ولما حَدَّثَ الشعبي في الكوفة بحديث فاطمة بنت قيس، وأَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها:«لا سكنى لكِ ولا نفقة»

(2)

قام بعض أكابر فقهاء الكوفة [

]

(3)

حضره، وقالوا: تُحَدِّثُ بحديثٍ أنكره عمر؟!

(4)

وهذا حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه.

وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل في ظاهر مذهبه وغيره يعملون به، وقد جعل بعض الحنفية هذا عِلَّة، فقالوا: إذا رَدَّ السلف الحديث لم يُعمل به؛ ومثلوه بهذا

(5)

.

(1)

انظر: تاريخ الإسلام (11/ 218). ومنهاج السنة (6/ 179).

وقد حصل للخطيب البغدادي موقفٌ قريبٌ من هذا، ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (16/ 28).

(2)

أخرجه مسلم (1480).

(3)

بياض مقدار ثلاث أو أربع كلمات.

(4)

انظر هذه الحادثة في: شرح معاني الآثار (3/ 67)، والسنن الكبير للبيهقي (15/ 541).

(5)

انظر في المطاعن التي طعن بها في حديث فاطمة بنت قيس والجواب عنها: زاد المعاد (5/ 528 مهم)، أصول السرخسي (1/ 365)، كشف الأسرار (2/ 567 وما بعدها)، شرح معاني الآثار (3/ 69).

ص: 298

وقد كان أبو هريرة يحدِّث بأحاديث يقول: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين؛ أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم مني البلعوم

(1)

(2)

، وذلك الجراب وإن لم يكن فيه شيء من الأحكام وأصول الدين، وإنما فيه ذكر الملاحم والفتن.

فالمقصود: أَنَّ المحدث قد يترك التحديث بأشياء خوفًا من أذًى يلحقه، ولم نَقُلْ أَنَّ كل مسألة فيها نزاع تَرَكَ كُلُّ الناس ما روي فيها، بل يَرْوِي ما فيها مَنْ لم يخف لظهور القول بذلك، أو لكونه لا يُؤذى إذا خالف ذلك، أو لا يُنكر عليه إذا حَدَّث به ونحو ذلك.

وفي الجملة؛ فنحن لا نجزم بأنَّ الترك كان لهذه العلة، بل هذا أمر محتمل، وقد رأينا لهذا نظائر متعددة، يكون في الحديث لفظ يمنع منه بعض الناس، فيترك الراوي ذكره؛ إما مطلقًا وإما في بعض الأحوال.

وبكر بن عبد الله قد حَدَّثَ بهذا الحديث مرات؛ فلعله تارة كان يستوفيه وتارة يختصره، فإنَّ هذا يقع كثيرًا ــ أيضًا ــ؛ وإنما

(3)

كان يستوفيه لبعض الناس ويختصره لبعضهم.

(1)

أخرجه البخاري (120) بلفظ: (حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين؛ فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم).

(2)

كتب الناسخ في الهامش: (حاشية: قال البخاري: البلعوم: مجرى الطعام).

ولم أجد في المطبوع من الصحيح هذه العبارة، وإنما نقلها الحميدي في الجمع بين الصحيحين (3/ 148).

(3)

كلمة غير واضحة تحتمل ما أثبتُّ.

ص: 299

فصلٌ

قال المعترض:

(قال المجيب

(1)

: يبيِّن ذلك أن من الناس من لم يذكر ذلك عن التيمي إلى [آخره]

(2)

[79/ ب] عجيبٌ، ومن أين له أَنَّ ابن أبي عدي معترفٌ بثبوتها مع عدم روايته لها؟!

وليس مراد أحمد بقوله: (وابن أبي عدي لم يذكر في حديث أبي رافع عتقًا) إلا أن الخلاف حاصل على

(3)

التيمي [بين ابن أبي عدي] وغيره، [كما أنَّ الخلاف حاصل على بكر بين التيمي وغيره]؛ فيزداد الخلاف قوة والزيادة وهنًا)

(4)

.

والجواب:

أنَّ ابن أبي عدي لم يَنقل عنه أحدٌ إنكاره لها، بل ولا نقل عن أحد من الرواة لها عن بكر أنه أنكرها، ولا عن أبي رافع أنه أنكرها، وقد أثبتها من يعرف ابن أبي عدي بأنه أحفظ منه وأتقن، كيحيى بن سعيد القطان الذي قال أحمد: ما رأيت يعني مثله

(5)

. وهو إمام هذا الفن على الإطلاق لا يُشَبَّهُ به ابن أبي عدي ولا أمثاله، وأثبتها معتمر بن سليمان التيمي وهو ــ أيضًا ــ

(1)

مجموع الفتاوى (33/ 193).

(2)

كلمة مطموسة تحتمل ما أثبتُّ.

(3)

في الأصل زيادة: (مرمى)! وليست في «التحقيق» .

(4)

«التحقيق» (38/ أ) وما أثبت بين معقوفتين منه.

(5)

انظر كلام الإمام أحمد وثناءه على يحيى بن سعيد في موسوعة أقوال الإمام أحمد في رجال الحديث وعلله (4/ 114 وما بعدها).

ص: 300

أثبت في حديث أبيه بل وفي غيره من محمد بن أبي عدي

(1)

.

وحينئذٍ؛ فلا ريب أَنَّ التيمي ذكرها، وابن أبي عدي لَمَّا لم يذكرها؛ فأحد الأمرين لازم: إما أن التيمي لم يذكرها حين حَدَّثَهُ بل اختصر الحديث لسبب من الأسباب، وإما لأنه لم يُحدِّث بها إما نسيانًا لها وإما لسببٍ آخر.

وأما قوله: (يرجح إسقاطها عن بكر لكثرة الذين لم يرووها)

(2)

.

فيقال له: لا كثرة فيهم؛ بل الذين أثبتوها أجل وأكثر من الذين لم يثبتوها، وإن كان أحمد لم تبلغه الطرق المتعددة، وإنما بلغه طريق التيمي فقط.

وقوله: (إنا لا نجزم بثبوتها عن التيمي، وإسقاط ابن أبي عدي لها، وأنَّ هذا الجزم لا تقتضيه صناعة الحديث، ولا يدل عليه علم الفقه والنظر)

(3)

.

فيقال له: لم نجزم بأنَّ ابن أبي عدي هو الذي أسقطها، بل المجزوم به أن التيمي ذكرها ثم تركها؛ إما لكونه هو لم يحدث بها لبعض الناس، وإما لأن الراوي أسقطها أو نسيها، ولم نجزم قط بأنه تعمد تركها لغرضٍ، بل هذا مما يجوز، وأهل صناعة الحديث وأهل صناعة الفقه والنظر كلهم متفقون على ما ذكرناه من الجزم بأنَّ التيمي ذكرها.

(1)

انظر ترجمة معتمر بن سليمان في تهذيب الكمال (28/ 250)، وترجمة ابن أبي عدي في تهذيب الكمال (24/ 321).

(2)

«التحقيق» (38/ أ).

(3)

نصُّ عبارة السبكي في «التحقيق» (38/ أ): (وأما أنَّا نجزم بثبوتها عن التيمي، ونقول: إنَّ ابن عدي أسقطها لغرضٍ من الأغراض؛ فهذا ما لا تقتضيه صناعة الحديث، ولا يدلُّ عليه علم الفقه والنظر؛ والله أعلم).

ص: 301

فأحمد ــ مع أنه لم يعمل بها ــ جَزَمَ بأنَّ التيمي ذكرها، وجَزَمَ بثبوتها عن الصحابة فضلًا عن ثبوتها عن التيمي: أبو ثور ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن جرير الطبري وأبو بكر بن المنذر وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد ابن حزم، ومن شاء الله من أئمة أهل الحديث وأئمة أهل الفقه والنظر.

وهذه [80/ أ] كتب الناس مملوءة بحكاية الكفارة في الحلف بالعتق عن ابن عمر وحفصة وزينب، لا يُحصى عدد مَنْ نقل هذا ممن ينقل أقوال الصحابة ويرويها، ولا يُعرف أحدٌ

(1)

من الناس طعن في رواية هذا

(2)

عن التيمي، لا من أهل صناعة الحديث، ولا من أهل الفقه والنظر، ولا يعرف أحد ممن روى طريق التيمي وأشعث طعن في هذا، بل ذَكَرَ الحلف بالعتق فيه ولا علل ذلك، بل جميع أهل العلم الذين بلغنا ذكرهم لهذا ذكروا هذه الزيادة وثَبَّتُوها ونقلوها عن الصحابة.

ثم يقال له: إذا روى اثنان ثبتان كبيران حديثًا ذكرا فيه زيادة، وترك ذكرها من هو دونهما في الحفظ والإتقان؛ فالمثبتون للزيادة أكثر عددًا وأحفظ وأتقن، والتارك لها لم ينفها بل لم يذكرها، وهذا مما يصحح ذكر الزيادة فيه أهل صناعة الحديث وأهل صناعة الفقه والنظر، وإنما يختلفون إذا كَثُرَ المسقطون أو كانوا أحفظ، وأما إذا كانوا أكثر وأحفظ فما علمتهم تنازعوا في هذا.

وقد تقدم ذكر هذه الزيادة من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه، ورواها عن معتمر عبد الرزاق وعارم بن الفضل ــ كما ذكره الأثرم عنه ــ وغيرهما،

(1)

في الأصل: (أحدًا)؛ والصواب ما أثبتُّ.

(2)

في الأصل: (هذه)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 302

والظاهر أنَّ أحمد ــ أيضًا ــ سمعه إما من عبد الرزاق وإما من معتمر، إذ لا بُدَّ له من إسناد في حديث التيمي.

وأما طريق يحيى بن سعيد القطان عنه؛ فذكرها أبو بكر بن زياد النيسابوري الحافظ ــ وكان له عناية بالأحاديث الفقهية وصَنَّفَ في ذلك ــ، رواها عنه: زاهر بن أحمد السرخسي، وعن زاهر: أبو حامد الإسفراييني.

ورواه البيهقي عنه

(1)

: قال أبو بكر بن زياد، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان التيمي، حدثنا بكر بن عبد الله، عن أبي رافع: أَنَّ ليلى بنت العجماء مولاته قالت: هي يهودية وهي نصرانية وكل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي إِنْ لم يطلق امرأته إِنْ لم تفرق بينكما، فأتى زينب فانطلقت معه. فقالت: ههنا هاروت وماروت؟ قالت: قد علم الله ما قلتُ؛ كُلُّ مالٍ لي هدي وكل مملوك لي محرر وهي يهودية وهي نصرانية. قالت: خَلِّي بين الرجل وامرأته. قالت: فأتيت حفصة فأرسلت إليها كما قالت زينب قالت: خَلِّي

(2)

[80/ ب] بين الرجل وبين امرأته، فأتيت ابن عمر، فجاء معي فقام على الباب، فلما سَلَّمَ. قالت: بأبي أنت وأبوك. قال: أَمِنْ حجارةٍ أنتِ أم من حديد أنتِ؟ أفتتك زينب وأرسلت إليك حفصة. قالت: قد حلفت بكذا وكذا. قال: كَفِّرِي عن يمينك وخَلِّي بين الرجل وامرأته.

فلو فُرِضَ أَنَّ ابن أبي عدي نفاها، وأثبتها يحيى بن سعيد، لم يختلف

(1)

السنن الكبير (20/ 176/ ح 20072).

(2)

لم تظهر في الأصل، والمثبت من السنن.

ص: 303

أهل الحديث أَنَّ يحيى بن سعيد أثبت فيه؛ فكيف وقد أثبتها معه: معتمر بن سليمان عن أبيه؟!

وابن أبي عدي لم ينف ذلك بل لم يذكره؛ فهل يقول عالم من علماء أهل الحديث أو من أهل الفقه والنظر أَنَّ ذلك يمنع جَزْمَنَا برواية التيمي لها؟!

* * * *

ص: 304

فصلٌ

قال المعترض:

(قال المجيب

(1)

: الوجه الثاني: أن أبا عبد الله ــ رحمه الله ــ قال: بحسب ما بلغه من طرق هذا الأثر، وقد روي من وجهٍ آخر: رواه أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي في كتابه المسمى بالمترجم الذي شرح فيه مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي عن أحمد وغيره، وقال فيه: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، حدثني جسر بن الحسن، حدثني بكر بن عبد الله المزني، حدثني رفيع

(2)

. قال: كنت أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من الأنصار، فَحَلَفَتْ بالهدي والعتاق أَنْ تفرق بيننا، فأتيتُ امرأةً من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتُ لها ذلك، فأرسلت إليها: أَنْ كفري يمينك؛ فأبت [، ثم أتيت ابنةَ أمِّ سلمة فذكرتُ ذلك لها، فأرسلت إليها: أَنْ كَفِّرِي يمينك فَأَبَت]، فأتيت ابن عمر فذكرت ذلك له)

(3)

(4)

.

والجواب:

أَنَّ جسر بن الحسن لم نجعل روايته عمدة يحتج بها، وإنما جعلناها متابعة وشاهدًا لرواية التيمي، ولو كان الرجل فيه ضعف وهو مجروح كابن

(1)

لم أجد هذا الكلام في الفتوى المعترض عليها المطبوعة ضمن مجموع الفتاوى.

(2)

في الأصل: (نُفيع)، وقد تقدَّم (ص 205) أنه رفيع، وهو كذلك في قاعدة العقود (1/ 296)، وإعلام الموقعين (4/ 437).

(3)

وضع الناسخ علامة اللحق، وكتب في الهامش:(يتلوه الوريقة) كذا قرأتها، ولم أجد ما أشار إليه.

(4)

«التحقيق» (38/ أ - ب)، وما بين المعقوفتين منه.

ص: 305

لهيعة وأمثاله لجاز أَنْ يعتضد بروايته ويعتبر بها عند أهل العلم بالحديث وغيرهم، وهذا مما لا ينبغي لعاقل أن يُنازع فيه، فإنه لا يشك عاقل أن الظن يَقْوَى

(1)

بمتابعة شخص آخر، إذا لم يُعْرَف غلط هذا الثاني ولا كذبه.

ولهذا كان التواتر يحصل عند كثرة المخبرين وإن كانوا كفارًا وفساقًا

(2)

؛ ولهذا تعتبر

(3)

شهادة الفساق والصبيان والنساء لوثًا عند أكثر الفقهاء

(4)

، والبخاري ــ صاحب

(5)

الصحيح ــ يذكر في صحيحه متابعة من لا يحتج به في

(6)

الصحيح، فإنَّ ذلك يُقَوِّي [81/ أ] الحديث ويؤيده

(7)

.

فإذا كان جسر بن الحسن شيخًا من شيوخ البصرة لم نَعلم أحدًا جَرَحَهُ= كان الاعتضاد بروايته ومتابعته لسليمان التيمي أولى من أَنْ نعتمد في معارضة التيمي على مثل عثمان بن

(8)

حاضر، ولعله إما مثل جسر وإما دونه وإما قريب منه؛ فالاعتضاد بمثل هؤلاء أولى من أَنْ تُعارض بهم رواية الثقات الحفاظ.

(1)

الكلمة غير واضحة، وتحتمل ما أثبتُّ أو نحوها.

(2)

مجموع الفتاوى (6/ 403)، (10/ 680 - 681)، (13/ 353)، (18/ 26)، المسوَّدة (1/ 468)، شرح الأصبهانية (ص 567 وما بعدها، 678).

(3)

الكلمة غير واضحة، وتحتمل ما أثبتُّ.

(4)

مجموع الفتاوى (15/ 299، 306)، جامع المسائل (2/ 227)، المستدرك على مجموع الفتاوى (2/ 166 من مجموع مخطوط، 5/ 201 - 206).

(5)

الكلمة غير واضحة، وتحتمل ما أثبتُّ.

(6)

. في الأصل: (من)، والصواب ما أثبت.

(7)

الفتاوى الكبرى (5/ 81)، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها من خلال الجامع الصحيح (ص 135 وما بعدها).

(8)

كتب الناسخ في الهامش (أبي) وفوقها حرف (ظ). وانظر ما تقدم (ص 257).

ص: 306

وأيضًا؛ فأشعث بن عبد الملك الحمراني قد تابع سليمان التيمي، وأشعث هذا جليل القدر، وهو أحد المجتهدين بالبصرة، وهو من أوثق الناس، لكن غالب ما يرويه هو الفقه، فلذلك قَلَّت

(1)

روايته في المسندات.

قال البخاري في تاريخه

(2)

: كان يحيى بن سعيد وبشر بن المفضَّل

(3)

يثبتون الأشعث. قال يحيى بن سعيد: هو عندي ثقة مأمون

(4)

. وقال ابن معين: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لم أدرك أحدًا من أصحابنا هو أثبت عندي منه، ولا أدركت بعد ابن عون من أصحاب ابن سيرين أثبت منه

(5)

. وقال يحيى بن معين: أشعث الحمراني ثقة

(6)

. وقال محمد بن سعد

(7)

: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا أبو حُرَّةَ قال: كان الحسن إذا رأى الأشعث قال: هات ما عندك، هات هات ما عندك.

وقد رواه عن أشعث: محمد بن عبد الله الأنصاري وروح والنضر.

وأما قوله: (لفظه متردد بين أن يقول: العتق يلزمني، وبين أن يقول: عبدي حر؛ وجعله الأول من باب النذر الذي فيه الكفارة دون الثاني)

(8)

.

فيقال: هذا غلط من أوجه:

(1)

. في الأصل رسمت الكلمة هكذا: (بلت) بدون نقط، ولعل الصواب ما أثبت.

(2)

(1/ 432).

(3)

في الأصل: (وبسر بن الفضل)، والمثبت من التاريخ الكبير. وفيه زيادة: معاذ بن معاذ.

(4)

الجرح والتعديل (2/ 275).

(5)

الجرح والتعديل (2/ 275).

(6)

تاريخ ابن معين (4/ 81 برواية الدوري).

(7)

الطبقات (9/ 276).

(8)

«التحقيق» (38/ ب) وما هنا مختصر بمعنى كلامه هناك.

ص: 307

أحدها: أنَّ القصة قصة واحدة ليست قصتين، فإذا كان سليمان وأشعث جزما بأنها قالت: كل مملوك لي حر، وقال جسر: حلفت بالهدي والعتاقة؛ وجب حمل رواية هذا بالمعنى على اللفظ الذي ذكره أولئك، لأنَّ الأصل اتفاق الروايات وتصادقها لا اختلافها وتناقضها.

الثاني: أنه إذا قال: فلان حلف بالعتق والهدي؛ فالمفهوم منه: أنه حلف بلزوم العتق، كقوله: إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر أو مملوك فلان حر ونحو هذا، وأما إذا قال: إن فعلت كذا فعليَّ أَنْ أُعتق، فهذا حالف بالنذر، بنذر العتق، لم يحلف بنفس العتق.

الثالث: أن الحلف

(1)

[81/ ب] بالعتق الذي اعتاده الناس هو الحلف بإيقاعه لا بنذره.

الرابع: أن حمله لذلك على قوله: (العتق يلزمني) حجةٌ عليه؛ فإنه قد قال في قوله: (الطلاق يلزمني)؛ أن هذا يراد به في العرف الحلفُ بوقوعِ الطلاق لا أنه يحلف بالالتزام لإيقاعه، فكذلك إذا قال:(العتق يلزمني) إنما يراد به في العرف الحلف بوقوع العتق لا الحلف بالتزام إيقاعه، لا فرق بين قول القائل: الطلاق يلزمني والعتق يلزمني.

والمعروف عند الناس إذا قال القائل: العتق يلزمني والحرام يلزمني والطلاق يلزمني وأيمان المسلمين تلزمني؛ فإن هذا كله حلف بلزوم هذه الأمور له لا نذرٌ لهذه الأمور، ولكن هذا اللفظ قد يراد به: أنه يلزمني أن أعتق، كما قد يراد به: يلزمني أَنْ أُطَلِّقَ فهذا نذر، ولكن المعنى المعروف منه

(1)

هكذا قرأتها.

ص: 308

عند الإطلاق إنما هو: يلزمني وقوع العتق ووقوع الطلاق، وهو بمنزلة يقع بي العتق إن فعلت كذا، أو يقع بي الطلاق إن فعلت كذا، أو وقوع الطلاق قد يلزمني إن فعلت كذا، أو وقوع العتق قد لزمني إن فعلت كذا.

الخامس: أنه لو سلم أنَّ لفظ الحالف: (إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُعْتِقَ عبدي)؛ فسنبين ــ إن شاء الله ــ أنه ليس بين قوله

(1)

: (فعليَّ أن أعتق)، وبين قوله:(فعبدي حر) فَرْقٌ معنوي في باب الأيمان، ولا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة أنه فَرَّقَ بينهما، وقد ثبت النزاع في قوله: وكل مملوك لي حر، والروايةُ بالكفارة في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم أَثبتُ من الرواية بلزوم ذلك، وحينئذٍ؛ فهو حجة لنا على كل تقدير.

ونحن إنما ذكرنا أَنَّ الأوزاعي إمامٌ يَعرف معاني الحديث لنبيِّن أَنَّ ضبطه ذكر العتاقة في الحديث مع علمه بما فيه من النزاع، ومع أَنَّ قوله يخالفه= لِيُعْلَمَ؛ فيكون هذا مما يقوي ذكر العتق في الحديث.

وأما قوله: (فتمسك

(2)

باللفظ الذي رواه)

(3)

.

فيقال: لا يقول عاقل إنَّ اللفظ الذي رواه ظاهره أنه يحلف بنذر العتق [كـ]

(4)

قوله: إن فعلت [فَعَلَيَّ]

(5)

أن أعتق؛ فإنَّ عاقلًا لا يقول: إنَّ هذا ظاهر روايته، بل لا يُفْهَم هذا مِنْ هذا اللفظ.

(1)

في الأصل: (قولها)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(2)

في الأصل: (فمسك)، والصواب ما أثبتُّ.

(3)

«التحقيق» (38/ ب).

(4)

طمس في الأصل، ويحتمل ما أثبتُّ.

(5)

إضافة يقتضيها السياق.

ص: 309

وحينئذٍ؛ فإما أن يكون الحديث عامًّا في الصورتين: [82/ أ] صورة الحلف بنذر العتق وصورة الحلف بالعتق، كما يدل عليه كلام المعترض حيث قال:(ولا نحمله على ما هو أخص منه)

(1)

، وإما أن يكون مختصًّا بإحداهما؛ فيكون اللفظ مشتركًا أو حقيقة ومجازًا.

فإنْ كان اللفظ عامًّا لهما حصل المقصود، وَدَلَّ على أنهم أفتوا بالكفارة في كليهما

(2)

، وذلك مثل أن تقول المستفتية للصحابة: حلفت بالهدي وبالعتاقة، وقولها: حلفتُ بالعتاقة؛ يتناول قولها: إن فعلت فمملوكي حر. وقولها

(3)

: فعلي أن أعتق مملوكي والعتق يلزمني ونحو ذلك.

فإذا كان لفظ المستفتية يَعُمُّ هذا كله، وقد أجابها الصحابة بالكفارة في هذا= حصل مقصود المجيب، وأنهم أفتوها بالكفارة في صورة النزاع؛ إذ هي أحد أفراد اللفظ العام التي تتناولها الفتيا.

فإنْ قيل: اللفظ إنما يدل على صورة واحدة دون أخرى؛ إما بطريق الاشتراك اللفظي وإما بطريق الحقيقة والمجاز، فمعلوم أَنَّ المجاز والاشتراك على خلاف الأصل

(4)

؛ فَحَمْلُ اللفظ على ما ينفيهما أولى من

(1)

«التحقيق» (38/ ب).

(2)

في الأصل: (كلاهما)، والصواب ما أثبتُّ.

(3)

في الأصل: (وقوله)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(4)

مجموع الفتاوى (7/ 108)(31/ 167)، الفتاوى الكبرى (4/ 333)، بيان تلبيس الجهمية (1/ 525)(4/ 423)، الجواب الصحيح (3/ 198 وما بعدها)، الإيمان (ص 90).

وانظر ما سيأتي (ص 877 - 878، 885).

ص: 310

حمله على ما يثبتهما.

وإن قيل: بل لفظ الحلف بالعتاقة يَعُمُّ، والسائلة إنما سألت بلفظٍ يدل على الخاص، ولم ينقل إلينا ذاك.

قيل: إطلاق الناقل لهذا اللفظ والجواب دليلٌ على أَنَّ مناط الحكم هو القدر المشترك العام الموجود في الصورتين لا ما يختص به إحداهما. وحينئذٍ؛ فيكون الراوي لهذا الحديث فَهِمَ ممن حَدَّثَهُ أن الصحابة الذين أجابوا يسوون بين الصورتين، فتكون هذه الرواية موافقة لتلك لا مخالفةً لها.

ولو قُدِّرَ أَنَّ هذا اللفظ محتمل، وتلك الرواية من طريقين قد بين أن السؤال كان عن قولها:(كل مملوك لي حر)، وهذا قال في روايته:(إنه حَلَفَ بالعتاقة) = كان حمل هذه الرواية على ما يوافق تلك أولى؛ فإنَّ الأصل اتفاق الرواة لا اختلافهم.

فإنَّا لو

(1)

حملناه على أنها حلفت بالنذر لَزِمَ تغليطُ إحدى الروايتين، مع أنه لا دليل على غلطه بوجهٍ من الوجوه، وحمله على الموافقة يتضمن [نفي الغلط، والنافي]

(2)

للغلط مُقَدَّمٌ على مثبته، لا سيما في حق مَنْ لم يُعْرَف غلطه، وأن الغلط في الرواية نادر جدًّا بالنسبة إلى عدمه حتى في حق المعروفين [بكثرة الغلط؛ فما]

(3)

[82/ ب] لا يغلطون فيه من الألفاظ أضعاف أضعاف ما يغلطون فيه. وحينئذٍ؛ فيلحق النادر بالغالب لا سيما من

(1)

غير واضحة في الأصل تحتمل ما أثبتُّ.

(2)

غير واضحة في الأصل، وزيادة (نفي) ليست في الأصل، ولكن يقتضيها السياق.

(3)

ما بين المعقوفتين غير واضح في الأصل، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 311

محدث لم يعرف غلطه، وما يَحْمِل كلام المحدثين على الغلط بلا دليل أصلًا ولا شبهةِ دليلٍ إلا مَنْ هو أبعد الناس في العلم والدين

(1)

.

ثم بتقدير غلط أحدهما؛ تغليط جسر بن الحسن أولى من تغليط التيمي وأشعث الذين رويا أنها قالت: كل مملوك لي حر؛ وجسر يحتج بمتابعته على ذكر العتق، لا على لفظه الذي خالف فيه من هو أوثق منه وأكثر منه عددًا، هذا لو صرح بما يخالف لفظهما؛ فكيف والأمر بخلاف ذلك؟

وأيضًا؛ فقد بيَّنَّا أن الحلف بالعتاقة إنما يفهم منه عند الإطلاق: الحلف بوقوعه لا بنذره [

]

(2)

، فقول المعترض:(لفظ الحلف بالعتاقة متردد بين كذا وكذا) إنْ أراد أنه بطريق أن اللفظ لا يدل إلا على أحدهما، لأن دلالته على الآخر بطريق الاشتراك أو المجاز= كان هذا مناقضًا لقوله:(لا يحمله على ما هو أخص منه)، فإنَّ هذا يدل على أنَّ اللفظ الذي رواه الأوزاعي مشترك

(3)

لا حقيقة ومجاز.

وإن أراد أنَّ اللفظ عام؛ فالعام لا تردد فيه، وإن أراد أنه لا يعلم ماذا وقعَ في لفظ الراوي إذا كان عامًّا= كان دليلًا على أنه فهم أنَّ المعنيين سواء عند السائل للصحابة الذين أفتوه، وأن السائل فهم عن الصحابة التسوية، وتكفي الرواية بالمعنى لا سيما ومن هو أكثر عددًا وأفضل منه حفظًا وفهمًا ذكروا لفظ الحالِفَة:(كل مملوك لي حر إِنْ فعلت كذا).

(1)

مجموع الفتاوى (13/ 349، 353)(18/ 26)، منهاج السنة (6/ 301).

(2)

مقدار كلمة لم أستطع قراءتها، ولعلها:(وإيقاعه). ويكون صواب العبارة كاملة: (الحلف بلزومه لا بنذره وإيقاعه). وانظر (ص 308 - 309).

(3)

في الأصل زيادة (و)، والصواب حذفها.

ص: 312

وأما قوله: (وقد علمنا أَنَّ مذهب الأوزاعي وقوع العتق إذا حلف به)

(1)

.

فيقال: هذا حجة لنا؛ فإنه لمَّا رواه مع مخالفته لمذهبه دَلَّ على أَنَّ العتق محفوظ فيه مذكور في الحديث، وأما مخالفته له؛ فمعلومٌ أَنَّ المسألة فيها نزاع بين التابعين ومن بعدهم، وقد نُقِلَ النزاع فيها عن الصحابة أيضًا، وفقهاء الحديث الذين هم أعلم بالآثار وأتبع لها من الأوزاعي ــ كأحمد وإسحاق ومحمد بن نصر وغيرهم ــ رووا هذه الزيادة [من]

(2)

طرقٍ أثبتُ من الطريق التي رواها الأوزاعي، ثم خالفوها لمعارضة [الأثر]

(3)

بما عندهم؛ فالأوزاعي يخرج عن ذلك؟!

(4)

.

وهذا مالك يروي أحاديث

(5)

.

[83/ أ] بعض الرواة عما ذكره بعضهم، ولو نفى حميد

(6)

ما أثبته سليمان التيمي وأشعث لقضي لهذين على ذينك؛ فكيف إذا أثبتا ما لم يتعرض ذانك لا لنفيه ولا لإثباته؟

والمجيب لم يصحح رواية سليمان بهذه كما ادعاه المعترض

(7)

،

بل

(1)

«التحقيق» (38/ ب).

(2)

طمس بالأصل، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام.

(3)

طمس بالأصل، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام.

(4)

كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة:(فالأوزاعي لا يخرج عن ذلك).

(5)

هنا سقطت لوحة من المخطوط حسب الترقيم الموجود في أعلى الأصل.

(6)

وضع الناسخ هنا علامة اللحق، وفوقها حرف (ظ)، ولم يثبت شيئًا.

(7)

في الأصل: (المجيب)، وعلَّقَ عليها الناسخ بقوله:(أظنه: المعترض)، وما ظنه هو الأقرب لسياق الكلام.

تنبيهٌ: في الأصل بعد قوله (المجيب) هذه العبارة: (بل بيَّن أنَّ سليمان لم ينفرد بهذه كما ادعاه المجيب)؛ والظاهر أنَّ هذا خطأٌ بسبب انتقال بصر الناسخ.

ص: 313

بيَّن أنَّ سليمان لم ينفرد بهذه الرواية، فلا يجوز تعليل روايته بالانفراد؛ ولو قُدِّرَ أنَّ الانفراد علة فإنه لو تابعه عليه مَنْ فيه جرح لم

(1)

يكن منفردًا عند أهل العلم بالحديث؛ فكيف إذا تابعه أشعث بن عبد الملك الحمراني

(2)

وهو إمام كبير، وجسر بن الحسن وهو شيخٌ لا نَعرف أحدًا جرحه

(3)

بمعلوم

(4)

؛ والرواية عن هذين ثابتة باتفاق أهل المعرفة بالحديث.

ورواه عن الأشعث مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري القاضي، وروح بن عبادة.

ورواه عن جسر مثل: الأوزاعي؛ هذا مما يوجب القطع بأن سليمان التيمي لم ينفرد بذكر العتق = فبطل تعليل ذكر العتق بانفراد سليمان التيمي.

وسليمان التيمي في نفسه ثقةٌ إمامٌ فقيهٌ، هو أَجَلُّ قدرًا في العلم والفقه والحفظ والدين مِن كل مَن روى هذا الحديث عن بكر بن عبد الله المزني.

فإذا قيل: قد انفرد بذكر العتق؛ فعرفنا أنه قد تابعه هذا وهذا، علمنا قطعًا أنه لم ينفرد به؛ فبطل التعليل بهذا لو كان علة. وإذا عرفت أنه لم ينفرد، وقد

(1)

في الأصل: (ولم).

(2)

في الأصل: (أشعث بن الحسن)، وصوابه ما أثبتُّ، وتقدم على الصواب مرارًا.

(3)

انظر ترجمته في: تاريخ دمشق (72/ 96)، الكامل في ضعفاء الرجال (2/ 170)، تهذيب الكمال (4/ 556).

(4)

في الأصل: (فمعلوم)، ولعل الصواب ما أثبت؛ والمراد أي: بجرحٍ مفسَّر.

وقد قرر المجيب في مجموع الفتاوى (24/ 351) أنه إذا كان الجارح والمعدِّل من الأئمة لم يُقبل قول الجارح إلا إذا كان مفسَّرًا.

ص: 314

روى ذكر العتق، وفي لفظ الحالفة أنها قالت: وكل مملوك لي حر. وقال هذا: حلفت بالعتاقة؛ فهل ينازع عاقل أن حمل الروايتين على الائتلاف أولى من حملهما على الاختلاف؟! ولو كان لفظ الحلف بالعتاقة قد تساوى فيه الحلف بالعتق والحلف بنذر العتق، وإنْ قيل: إنه يَعُمُّ النوعين؛ فهو حجة لنا.

وأما تخصيص هذا اللفظ بالحلف بالنذر؛ فهذا لا يقوله من

(1)

يدري ما يقول، فكيف يجوز حمله عليه؟!

وهذا الشيخ المتابِع للتيمي [

]

(2)

يكفينا منه أنه يذكر العتاقة، فيصير متابعًا لمن ذكر العتق [

]

(3)

وحده يكفينا في لفظه حلفها؛ فكيف إذا تابعه أشعث؟

فإنْ ثبتَ

(4)

ذكر الحلف بالعتاقة ثبت أَنَّ هؤلاء الثلاثة ذكروا الحلف بالعتق فوجب

(5)

[83/ ب] قطعًا تقديم روايتهم على رواية حميد وآخر دونه لم يذكر العتق، بل لو نفى هذان

(6)

ذكر العتق وقالا: لم يذكر العتق، وقال أولئك الثلاثة: بل ذكر العتق = لوجب ترجيح روايتهم.

وإذا ثبت أن فيه ذكر العتق؛ فقد عيَّن التيمي وأشعث أن لفظ الحالفة:

(1)

في الأصل: (حين) وفوقها ما أثبتُّ، ولعله هو الصواب.

(2)

طمس في الأصل مقدار كلمتين، والكلام متصل.

(3)

مقدار كلمة أو كلمتين لم أستطع قراءتها.

(4)

مقدار كلمة لم أستطع قراءتها، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(5)

مقدار كلمة لم أستطع قراءتها، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(6)

في الأصل: (هذا)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 315

(وكل مملوك لي حر)؛ وجسر لم يخالفهما في ذلك، ولو خالفهما جسر وقال: بل لفظها

(1)

: (وعليَّ أَنْ أعتق كل مملوك لي)

(2)

لوجب تقديم رواية واحد منهما على رواية جسر فكيف بروايتهما جميعًا؟! فكيف وجسر لم يخالفهما البتة بل وافقهم؟! والله أعلم.

* * * *

(1)

في الأصل: (لفظهما)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(2)

هنا زيادة قوله: (حر) ثم كتب الناسخ فوقها (كذا).

ص: 316

فصلٌ

وأما قول المعترض: (ليس في لفظ ابن عمر في هذه الرواية الأمر بالتكفير، بل في لفظ حفصة وزينب خاصة)

(1)

.

فيقال له: هذه غفلةٌ ظاهرةٌ؛ ففي لفظ الرواية المذكورة أنَّ الزوج قال: فأتيت ابن عمر فذكرت له ذلك، فأرسل إليها أن كفري يمينك، فقام ابن عمر فأتاها، فقال: أرسلت فلانة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وزينب أَنْ تكفري يمينك فأبيتِ؟! قالت: يا أبا عبد الرحمن حَلَفتُ بالهدي والعتاقة. قال: وإنْ كنتِ حلفتِ

(2)

.

فكأنَّ هذا المعترض نظر إلى قول ابن عمر حين أتاها، فقال: وإن كنتِ حلفت، فلم يقل: وكَفِّرِي، ولم ينظر إلى قوله في أثناء الحديث: أتيتُ فذكرت ذلك له، فأرسل إليها أنْ كفِّرِي يمينك فأبت؛ ففيه أن ابن عمر أرسل إليها ثم أتاها، وفيه أنَّ ابن عمر أرسل إليها بالتكفير، وذكر عن حفصة وزينب أنهما أمرتاها بالتكفير.

وقد تقدم نقل هذا من طرق متعددة ثابتة تُبَيِّنُ غَلَطَ من قال: إنهما لم يأمراها بالتكفير؛ محتجين بعدم ذكر ذلك في بعض الروايات

(3)

.

وأيضًا؛ فيقال: لو قُدِّرَ أنه لم يذكر في ذلك أمر ابن عمر بالتكفير، فقد اتفقت الروايات كلها على أَنَّ ابن عمر أمرها بالتكفير؛ كما ذكر ذلك حميد

(1)

«التحقيق» (39/ أ).

(2)

تقدم تخريجه في (ص 205 - 206).

(3)

(ص 201 - 209).

ص: 317

والتيمي وأشعث وغالب وغيرهم؛ فالروايات كلها متفقةٌ

(1)

على أَنَّ ابن عمر أمرها بالكفارة، فلو قُدِّرَ أنَّ جَسرًا لم يذكر ذلك لم يكن هذا تعارضًا

(2)

؛ فكيف وقد ذكره؟!

* * * *

(1)

مقدار كلمة غير مقروءة، وتحتمل ما أثبتُّ أو كلمة نحوها.

(2)

مقدار كلمة غير مقروءة، وتحتمل ما أثبتُّ أو كلمة نحوها.

ص: 318

فصلٌ

وأما قوله: (وبين الطريقين اختلاف أيضًا؛ يقرر هذا: أَنَّ في الأول أَنَّ حفصة وزينب جاءتا إليها، وفي [84/ أ] هذا أنهما أرسلتا إليها)

(1)

.

فالجواب عنه أيضًا: أنَّ هذه غفلة ظاهرة؛ فليس في حديث سليمان التيمي أن حفصة جاءت إليها، وإنما فيه أن زينب جاءت إليها، وفيه أَنَّ حفصة رضي الله عنها أرسلت، وهكذا ذكره المجيب

(2)

في الطريق الذي رواه من رواية الأثرم: حدثنا عارم، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا أبي فذكره. وفيه قال: فأتيت حفصة أم المؤمنين، فأرسلت إليها فأتتها. فقالت يا أم المؤمنين: جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر. وكذلك رواية يحيى بن سعيد عن التيمي، وكذلك في سائر الروايات، وإنما أتاها زينب وابن عمر، وأما أم المؤمنين ــ رضوان الله عليها ــ فلم تأتِ إليها.

وهذا هو المناسب؛ فإنَّ أمهات المؤمنين قد أُمِرْنَ أنْ يَقَرْنَ في بيوتهن، فلم يَكُنَّ ليخرجنَ بخلاف غيرهنَّ، وأما زينب رضي الله عنها ففيه أنها جاءت إليها. فقالت: في البيت هاروت وماروت؟! قالت: يا زينب إنها قالت: كل مملوك لها حر.

فقد فصل

(3)

في الحديث بين زينب وحفصة، وأنَّ زينب أَتتها وحفصة لم تأتِ إليها، بخلاف ما زعم هذا الذي يظن من يظنه من كلامه أنه يضبط ما

(1)

«التحقيق» (39/ أ).

(2)

في الفتوى المعترض عليها؛ انظر: مجموع الفتاوى (33/ 188).

(3)

أي: التيمي.

ص: 319

ينقله، فإذا تثبت فيما نقله وجد فيه تخليطًا كثيرًا، لا عذر لأحدٍ في الغلط فيه.

فيغلط على لفظ الحديث ويجعله مضطربًا، وليس فيه اضطراب، ولم تختلف الروايات فيما ذكره، ولكن من حديث جسر أنَّ زينب أرسلت إليها، وفي رواية سليمان التيمي: أنها أتتها، وليس هذا اختلاف؛ بل ابن عمر أرسل إليها أولًا، ثم أتاها ثانيًا؛ فيمكن أن زينب فعلت كما فعل ابن عمر أرسلت إليها ثم أتتها.

وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ هذا اختلافٌ؛ فمثل هذا لا يقدح في الرواية باتفاق أهل العلم بالحديث، بل الأحاديث التي في الصحيحين التي اتفق المسلمون على صحتها يقع فيها مثل هذا

(1)

، بل غزوة بدر وأحد والخندق وغيرها من الأمور المتواترة يقع فيها مثل هذا، بل [وفي أحاديث]

(2)

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع فيها مثل هذا الاختلاف الذي لا يضر؛ كاختلاف الرواة في مقدار ثمن بعير جابر، وحديثه مما اتفق

(3)

[84/ ب] العلماء على صحته، واختلفوا في قَدْرِ ثمنه

(4)

.

* * * *

(1)

انظر ما سيأتي في (ص 325 - 326، 332 - 333).

(2)

طمس يحتمل ما أثبتُّ.

(3)

كلمة لم أستطع قراءتها، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام.

(4)

أخرجه البخاري (2309)، ومسلم (715) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقد ساق المهلب بن أبي صفرة في المختصر النصيح (3/ 72) أسانيد الحديث وألفاظه سياقًا حسنًا.

ص: 320

فصلٌ

قال المعترض:

(ثم إني نظرت في هذا الأثر وجمع طرقه من كتب عبد الرزاق وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر وأبي محمد بن حزم لتبيين الحق في ذلك؛ وهاأنا أُلَخِّصُهَا ههنا:

قال البيهقي

(1)

: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الأصفهاني، حدثنا أبو أحمد ابن فارس

(2)

، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري

(3)

، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إياس بن أبي تميمة أبو مخلد صاحب البصري، حدثنا عبد الرحمن بن أبي رافع، عن أبيه أنه كان مملوكًا لابنة عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحلفت أنَّ مالها في المساكين صدقة. فقال ابن عمر: كَفِّرِي يمينك)

(4)

.

والجواب:

أما قوله: (فانظر هذا الاختلاف العظيم الذي وَقَعَ في هذا الأثر في سنده وفي متنه)

(5)

.

فيقال: ليس فيه ــ ولله الحمد ــ اختلافٌ عظيمٌ؛ بل وأكثر ما سَمَّاهُ

(1)

في السنن الكبير (20/ 173/ ح 20065).

(2)

في الأصل: (أبو الحرث فارس)؛ والمثبت من السنن.

(3)

التاريخ الكبير (1/ 435)، (5/ 281).

(4)

«التحقيق» (38/ أ).

(5)

«التحقيق» (39/ أ).

ص: 321

اختلافًا ليس هو باختلافٍ أصلًا، والاختلاف اليسير الذي انفرد به بعض الرواة ليس بمؤثِّر، بل القدح بمثل هذا خلاف إجماع العلماء المتقدمين والمتأخرين، فإنهم كلهم تلقوا هذا الأثر بالتصديق والقبول وصححوه؛ فعامة علماء أهل الحديث عملوا به، والذين لم يعملوا به لم يطعنوا في صحته ولا قدحوا في ذلك، بل سَلَّمُوا صِحَّتَهُ، بل عارضوه؛ فالقادح فيه مخالف لإجماع علماء أهل الحديث العارفين بالمنقولات

(1)

.

الثاني: إنَّ رواة هذا الحديث من أَجَلِّ علماءِ المسلمين وثقاتهم

(2)

؛ فقد رواه غير واحد عن أبي رافع مثل: ثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني وهما هما، فإنهما من أجل ثقات المسلمين باتفاق العلماء، ومن أجل رجال الصحيحين، وقد تابعهما عبد الرحمن [بن أبي]

(3)

رافع وعلي بن زيد بن جدعان.

ورواه عن بكر غير واحد [من الثقات]

(4)

: سليمان التيمي وحميد الطويل وأشعث بن عبد الملك [الحمراني]

(5)

وغالب القطان وجسر بن الحسن، وبعض هؤلاء يكفي لكونه [من رجال]

(6)

الصحيحين الثقات.

ورواه عن سليمان التيمي غير واحد من العلماء [85/ أ] مثل: يحيى بن

(1)

مجموع الفتاوى (13/ 351 - 352)، (20/ 257 - 258).

(2)

في الأصل: (واتفاقهم)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(3)

طمس في هذا الموضع، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(4)

طمس في هذا الموضع، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(5)

لم يظهر من الكلمة إلا آخر ثلاثة أحرف منها، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(6)

طمس في هذا الموضع، ولعله ما أثبتُّ.

ص: 322

سعيد القطان وابنه معتمر بن سليمان.

وعن أشعث مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري وروح بن عبادة والنضر.

وعن حميد الطويل يحيى بن أيوب وغيره إلى غير ذلك من الطرق التي لم يذكرها؛ وبمثل هذه الطرق لو كان مرفوعًا= لكان من أَجَلِّ ما يرويه البخاري ومسلم، لكنهما إنما وضعا كتابيهما للمرفوعات لا للآثار، وإلا فبدون هذه الطرق يكون الحديث من أحاديث الصحيحين.

فهل يطعن فيما يروى بمثل هذه الأسانيد إلا مَن هو مِن أبعد الناس عن طريقة أهل العلم والدين؟ إما لنقص علمه وإما لفساد قصده؛ وإلا فصاحب علم ودين لا يتصور أن يقدح في مثل هذا الحديث المروي بمثل هذه الطرق.

وأبو رافع هو الصائغ، وهو من المخضرمين، من أكابر التابعين الثقات، من أجل رجال الصحيحين، وإنْ قُدِّرَ أنَّه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الصحابة، وهو أرفع قدرًا من الصائغ؛ فعلى كل تقدير قد اتفق العلماء على أنه من الثقات.

الوجه الثالث: أنَّ قوله: (بعضهم قال في الحالفة: إنها الأنصارية، وبعضهم قال: إنها بنت عم عمر)

(1)

.

فيقال له: الرواية بأنها ابنة عمة

(2)

لعمر أثبت من كونها بنت عمه، ولا منافاة بين كونها أنصارية وكونها بنت عمة عمر؛ هكذا في حديث ابن وهب:

(1)

«التحقيق» (40/أ).

(2)

في الأصل: (عمر)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 323

عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن ثابت البناني. وبكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع.

وكان أبو رافع عبدًا لليلى بنت العجماء ابنة عمة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي رافع عن أبيه أنه كان مملوكًا لابنة عم عمر بن الخطاب.

وأما قوله: لامرأة من الأنصار، فهو من رواية جسر بن الحسن، وسائر الروايات قالوا: ليلى بنت العجماء، ولم يذكروا أنها أنصارية، ولا أنها ابنة عمه؛ وبكل حال: فالمرأة معروفة باسمها واسم أمها، ليلى بنت العجماء، وهو اسم غريبٌ لا يُعرف فيه اشتراك، مع كثرة الاشتراك في أسماء الأعلام، فهي متميزة بهذا الاسم معروفة عند العلماء لم تشتبه بغيرها

(1)

.

وأما كونها أنصارية [أو قرشية]

(2)

وبنت عمة لعمر أو بنت عم له؛ فهذا لا يضر جهله والاختلاف [فيه وإنْ لم]

(3)

نعرفها ونميزها عن غيرها، ولا يَجعل مثل هذا قدحًا في الحديث [إلا جاهل]

(4)

أو معاند، فإنَّ كثيرًا

(5)

من الناس المشهورين يختلف في بعض [أنسابهم]

(6)

[85/ ب] ولا يقدح ذلك

(1)

انظر كلامًا للمجيب حول الاشتراك في أسماء الأعلام في درء تعارض العقل والنقل (7/ 68 - 69).

(2)

طمس مقدار كلمة أو كلمتين، والمثبت مقدَّر من كلام المجيب الآتي (ص 334).

(3)

طمس في هذا الموضع، وما أثبتُّ تقديرًا، وبه يستقيم الكلام.

(4)

طمس في هذا الموضع، وما أثبتُّ تقديرًا، وبه يستقيم الكلام.

(5)

في الأصل: (كثير)، والصواب ما أثبتُّ.

(6)

طمس مقدار كلمة، وبما أثبت يستقيم الكلام.

ص: 324

في معرفتهم.

كما يقال في أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: مولى العباس؛ فهل يقدح ذلك في معرفته التي يحتاج إليها في العلم؟

الرابع: أن هذه ليست هي الراوية

(1)

للحديث حتى يحتاج إلى معرفتها، بل هي المستفتية، وإنما الراوي مولاها أبو رافع، وهو معروف نفسه باتفاق أهل العلم، ولو لم يُسَمِّ هذه المرأة لم يَقدح ذلك في العلم بجواب الصحابة، ولهذا لا تُسَمَّى في بعض الروايات، فَذِكْرُ اسمها لا يُحتاج إليه ولا إلى معرفته.

وحينئذٍ؛ فإذا قدر الاختلاف في ذلك كان اختلافًا عن أمر خارج عن المقصود، لا يقدح في العلم بالمقصود، وهذا كما أن الثلاثة الذين خُلِّفُوا المذكورين في قوله تعالى:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118] لا نحتاج [في]

(2)

معرفة ما أخبر الله به من توبتهم إلى معرفة أسمائهم، ثم إذا عرفت أسماؤهم وأنهم: هلال بن أمية وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع، والزهري قد ذكر في روايته أنَّ مرارة بن الربيع وهلال بن أمية

(3)

شهدا بدرًا، وخالف الزهري غيره، وبعضهم يقول: مرارة بن ربيعة= فالاختلاف في مثل هذا لا يقدح في العلم بأسمائهم؛ فضلًا أن يقدح في العلم المقصود من قصتهم

(4)

.

(1)

في الأصل: (الرواية)؛ والصواب ما أثبتُّ.

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

(3)

في الأصل: (هلال وأمية)، والصواب ما أثبتُّ.

(4)

أخرج حديث الثلاثة الذين خُلِّفُوا: البخاري (4418)، ومسلم (2769).

وانظر: مرويات الإمام الزهري في المغازي للعواجي (2/ 807).

ص: 325

وكذلك روي في الصحيح: أنَّ أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عمَّا فرض الله عليه، فذكر الصلاة والزكاة والصيام، وهو لا يُسَمَّى في كثيرٍ من الروايات، وفي بعضها سُمِّيَ

(1)

.

فصلٌ

وأما الراوي عنها؛ فهو أبو رافع الصائغ مولى ليلى بنت العجماء، من قدماء التابعين من رجال الصحيحين، كما ثبت ذلك في الروايات الثابتة، وكما ذكر ذلك عامة العلماء، وروى عنه: بكر وثابت وعلي بن زيد وغيرهم.

وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو مولى ليلى بنت العجماء بلا ريب، فإنَّ ذاك مات قديمًا بُعَيْدَ قتل عثمان رضي الله عنه سنة خمس

(2)

وثلاثين، لم يدركه أحد من هؤلاء مثل: بكر وثابت وأمثالهما، وهذا [مجزومٌ به]

(3)

قطعًا.

قال الحافظ عبد الغني

(4)

: نفيع أبو رافع الصائغ [

]

(5)

أدرك الجاهلية

(1)

أخرجه البخاري (46)، ومسلم (11) من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وليس في روايته التصريح باسمه.

وأخرجه البخاري (63)، ومسلم (12) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي رواية البخاري التصريح باسم السائل، وأنه: ضمام بن ثعلبة.

وقد تعقب المجيب في شرح العمدة (2/ 185 الحج) ابن عبد البر في زعمه أن الرجلين في الحديثين واحد؛ فانظره هناك.

(2)

كلمة لم أستطع قراءتها، ولعلها ما أثبت.

(3)

كلمة غير مقروءة، وما أثبتُّ تقديرًا، وبه يستقيم الكلام.

(4)

في الكمال في أسماء الرجال، والكتاب ما زال مخطوطًا.

(5)

كلمة لم أستطع قراءتها، وفي تهذيب الكمال (30/ 14): المدني، نزيل البصرة، مولى ابنة عمر بن الخطاب. وقيل: مولى ليلى بنت العجماء.

ص: 326

ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، انتقل إلى البصرة.

روى عن: [86/ أ] أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي موسى، وأبي هريرة، وحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

روى عنه: الحسن البصري، وبكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني، وعلي بن زيد بن جُدْعان، ومروان الأصفر، وخلاس بن عمرو؛ وسمَّى آخرين.

وقال أبو عبد الله بن منده في كتاب الكنى

(1)

: أبو رافع الصائغ، بصري أدرك الجاهلية، روى عن: عمر بن الخطاب، روى بإسناده عن ثابت عن أبي رافع قال:[إنَّ أطيبَ شيءٍ أكلتُهُ]

(2)

في الجاهلية نَبِيْشَةُ

(3)

سَبُع، روى عنه: الحسن وقتادة.

ثم قال

(4)

: أبو رافع مولى عمر بن الخطاب حَدَّثَ عن عمر

(5)

، ويقال: مولى ليلى بنت العجماء.

(1)

فتح الباب في الكنى والألقاب (ص 320).

(2)

في الأصل بياض مقدار كلمة أو كلمتين، وفي آخره كلمة تحتمل:(عليه)؛ والمثبت من كتاب ابن منده.

(3)

في الأصل: (سنة)، والمثبت من كتاب ابن منده.

(4)

في (ص 321).

(5)

في المطبوع من الكنى: (عمرو)؛ ولعل الصواب ما في الأصل.

ص: 327

أخبرنا خيثمة، أخبرنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه، عن بكر بن عبد الله المزني، حدثني أبو رافع مولى ليلى بنت العجماء.

أخبرنا محمد بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قال: سألته عن أبي رافع مولى عمر.

فقال روى عنه: الحسن، وبكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني، وخلاس بن عمرو، ومروان الأصفر وعلي بن زيد.

قلت لأبي: روى بكر أنه مولى ليلى أراه أبو رافع

(1)

مولى عمر. فقال: أحسب [أنَّ]

(2)

ليلى اشترته من عمر، وهما عندي واحد

(3)

.

وكذلك سائر العلماء المصنفين لم يذكروا أبا رافع الذي يروي عنه بكر بن عبد الله وعلي بن زيد و

(4)

ثابت البناني ونحوهم من البصريين إلا أبا رافع الصائغ واسمه نفيع. وقالوا: إنه انتقل من المدينة إلى البصرة، ولهذا كان المفتون له عن هذه القصة هم من أهل المدينة، والرواة عنه من أهل البصرة.

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه

(5)

: نفيع أبو رافع الصائغ؛ روى عن: أبي بكر وابن مسعود. روى عنه: الحسن وثابت البناني وعلي بن زيد.

(1)

كرر الناسخ قوله: (مولى ليلى أراه أبو رافع).

(2)

زيادة من الكنى.

(3)

قال ابن منده بعد ذلك: (ففي هذه الحكاية ما يدل على أنَّ من تقدم هو هذا).

(4)

في الأصل: (بن)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(5)

الجرح والتعديل (8/ 489).

ص: 328

سمعت أبي يقول ذلك، [و]

(1)

سألته عنه. فقال: ليس به بأس.

وقال النسائي في كتاب الكنى: أبو رافع نفيع الصايغ؛ روى عنه: ثابت.

وقال أبو القاسم اللالكائي

(2)

في رجال البخاري: نفيع أبو [رافع]

(3)

الصايغ البصري روى

(4)

عن أبي بكر وابن مسعود. روى عنه: الحسن وثابت [86/ ب] البناني، تحول إليها من المدينة. يقال: إنه أدرك الجاهلية سمع أبا هريرة، روى عنه: الحسن وبكر بن عبد الله المزني وثابت البناني وقتادة.

وقال أبو بكر ابن منجويه في رجال مسلم

(5)

: نفيع الصائغ أبو رافع البصري. [روى]

(6)

عن أبي هريرة. روى عنه: الحسن البصري وبكر بن عبد الله المزني وثابت البناني وخلاس بن عمرو وحميد بن هلال وذكر آخرين.

والرواية التي في تاريخ البخاري

(7)

عن عبد الرحمن بن أبي رافع أنه

(1)

زيادة من الجرح والتعديل.

(2)

في الأصل: (الألكاني)، والصواب ما أثبتُّ.

وهو: هبةُ الله بن الحسن الطبري، الحافظ الفقيه الشافعي، صنَّف كتابًا في شرح السنة، وكتابًا في رجال الصحيحين، توفي سنة (418).

انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (16/ 108)، العبر (2/ 236)، شذرات الذهب (5/ 92).

(3)

لم يظهر من الكلمة إلا حرف الراء والألف.

(4)

كتبها الناسخ في الهامش، وفوقها:(ظ) ثم (لا).

(5)

رجال صحيح مسلم (2/ 292).

(6)

زيادة من المطبوع.

(7)

(1/ 435)(5/ 281).

ص: 329

كان مملوكًا لابنة عم عمر بن الخطاب. قال ابن عمر: كَفِّرِي يمينك. تُبيِّن

(1)

أنه ليس هو أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنَّ ذاك لم يكن مملوكًا لليلى بنت العجماء التي يقال: إنها ابنة عم عمر باتفاق العلماء.

وإذا قال قائل: يحتمل أن يكون هو أبا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قيل له: هذا إن كان حقًا لا يقدح في الحديث بل يزيده قوة، فإنَّ أبا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة، فهو أجل من أبي رافع الصائغ، وإن كان مَنْ جعله أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قد غلط في ذلك، فغلط هذا الظان لا يقدح في صحة الحديث.

فتبيَّن أَنَّ الحديث صحيحٌ ثابتٌ على كل تقدير؛ وليس لنا حاجة [في]

(2)

الكلام على ما ذكره البخاري في تاريخه؛ فإنه ــ أولًا ــ لم يصرِّح بأنَّ هذا المذكور في حديث العتق: عبد الرحمن بن أبي رافع صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكر الروايات في هذا الباب؛ ليعرف ما روى، ويميَّزَ بينَ ذلك؛ ولهذا ذكر ابن أبي رافع عن أبيه مولى لحفصة، ومعلوم أنَّ هذا ليس أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، بل يمكن أن يقال: إنه الصائغ، وأنه نسبه

(3)

إلى حفصة كما نسبه إلى أبيها، ولو قُدِّرَ أَنَّ بعض الناس ظن أنه ذاك؛ فهذا الظن خطأٌ

(4)

قطعًا، ولو قُدِّرَ أنه صواب لم يقدح في صحة الحديث.

وأما قول القائل: (إِنَّ أبا رافع الصائغ لا يكون مملوكًا لها ومولى النبي

(1)

في الأصل: (بين)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(2)

إضافة يقتضيها السياق.

(3)

في الأصل: (نسب)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(4)

كلمة غير مقروءة، وتحتمل ما أثبتُّ.

ص: 330

- صلى الله عليه وسلم)

(1)

؛ [فكلامٌ صحيحٌ]

(2)

، وهو يدل على خطأ من جعله الصاحب، وعامة العلماء على أنه [التابعي]

(3)

كما تقدم كلامهم، وما علمت أحدًا صرَّحَ بنقيض هذا، وَإِنْ قُدِّرَ أنه قال ذلك فقد غلط.

وأما قوله: (إنَّ أبا رافع الصائغ لا يُعرف في ولده من اسمه [87/ أ] عبد الرحمن)

(4)

؛ فهذا نفي ما لم يعلمه الرجل، فقد يكون له ولد اسمه عبد الرحمن ولم يعرفه، وإنْ قُدِّرَ أنه لم يكن له ولد؛ فغايته أن تكون رواية إياس بن أبي تميمة عن عبد الرحمن غلطًا، فيكون وجودها كعدمها، وهذا لا يقدح في رواية الثقات الأثبات الذين ذكروا أنه كان مولى لليلى بنت العجماء وأنَّ مولاته حلفت، ومثل هذه القصة يحفظها صاحبها، لأنه هو كان المبتلى بها، وهو الذي أرادت سيدته أَنْ تفرق بينه وبين امرأته، وهو الذي ذهب إلى من ذهب إليه من الصحابة وأمهات المؤمنين لِيَنْهَيْنَهَا عن ذلك، ويأمرنها بما يخرجها من يمينها؛ فمثل هذه القصة يضبطها العامي إذا وقعت له؛ فكيف لا يضبطها مَنْ هو معروف بحمل العلم ونقله؟! وقد أخرجا له في الصحيح ما أخرجوه، مثل حديثه عن أبي هريرة رضي الله عنه

(5)

.

(1)

«التحقيق» (40/ أ).

(2)

لم تظهر إلا بعض الحروف، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام.

(3)

لم تظهر إلا بعض الحروف، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام.

(4)

«التحقيق» (40/ أ).

(5)

أخرج البخاري (291)، ومسلم (348) من حديث أبي رافع، عن أبي هريرة مرفوعًا:«إذا جلسَ بين شُعبها الأربع، ثم جهدها؛ فقد وجب الغسل» وأحاديثَ أُخَر. انظر: البخاري (283، 458، 766، 6192، 7553)، ومسلم (371، 439، 550، 578، 956، 2141) وغيرها.

ص: 331

فصلٌ

وأما قوله: (إنهم اختلفوا في صيغة اليمين)

(1)

فهذا غلط؛ فلم يختلفوا في صيغة اليمين، فإنَّ قول بكر وأشعث إنها قالت: كل مملوك لها حر إن لم تفرق، لا ينافي رواية جسر أنها حلفت بالعتاقة؛ فإنَّ هذا يسمى حلفًا بالعتاقة بلا ريب، وإذا كان الثقات ذكروا زيادة لم يذكرها غيرهم لم يُعَدَّ هذا من الاختلاف القادح في الحديث عند أهل العلم، بل كثير من أحاديث الصحيحين وغيرهما بهذه المثابة

(2)

.

وكذلك الأمر بالتكفير لم ينفه أحد من الرواة

(3)

، بل كلهم ذكروه، لكن بعضهم يختصر الحديث فيذكره عن ابن عمر لكونه راجعها أكثر من غيره، وبعضهم يستوفيه فيذكره عن الثلاثة.

وقد تقدم أنَّ عامة العلماء بينوا ذكر التكفير فيه عن الصحابة كلهم، ولو قُدِّرَ أنه أسقط عن بعضهم، فلا خلاف أَنَّ بعض الصحابة أَمَرَ بالتكفير، وبذلك يحصل المقصود، ومثل هذا يقع كثيرًا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يقع في الأحاديث المتفق على صحتها من تنوع الألفاظ أكثر من هذا، كما في حديث ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على كل صغير وكبير، ذكر وأنثى [وحُرٍّ وعبد]

(4)

. زاد مالك وغيره: من المسلمين

(5)

، ولم يُجعل

(1)

«التحقيق» (40/ أ).

(2)

مجموع الفتاوى (18/ 47).

(3)

«التحقيق» (40/ أ).

(4)

ما بين المعقوفتين غير مقروء في الأصل، والمثبت من لفظ الحديث.

(5)

ذكر هذه الزيادة جماعةٌ منهم: مالك بن أنس؛ أخرجه البخاري (1504)، ومسلم (12/ 984). وعمر بن نافع؛ أخرجه البخاري (1503). والضحاك؛ أخرجه مسلم (16/ 984) وغيرهم.

انظر: نصب الراية (2/ 410 وما بعدها)، البدر المنير (5/ 614).

ص: 332

ذلك علة في أصل الحديث [مع زيادة]

(1)

[87/ ب] مالك

(2)

.

فصلٌ

وقوله: (إنَّ هذا الاختلاف والاضطراب يوجب التوقف في هذا الأثر)

(3)

؛ عنه أجوبة:

أحدها: أَنَّ هذا باطل قطعًا باتفاق أهل العلم؛ فكلهم متفقون على تلقي هذا الأثر بالقبول، كما يتلقى أمثاله من الأخبار الثابتة، وكلهم يَحكي ما فيه عن هؤلاء الصحابة، لم يتنازعوا في شيء من ذلك إلا في ذكر العتق، لكون الإمام أحمد لم يبلغه إلا طريق التيمي، وأما الذين بلغهم طريق أشعث بن عبد الملك مع التيمي فلم يطعن أحد منهم في ذكر العتق، بل جزموا بنقل الإفتاء بالعتق عمن ذكر فيه من الصحابة؛ حتى صرح بصحة ذلك من لا يقول به: كابن حزم، وثبتَّه من لا يقول به: كابن جرير الطبري.

الثاني: أنه إذا رُويَ الأثر بهذه الأسانيد الثابتة التي هي من أجلِّ شروط البخاري ومسلم، مع تعدد الطرق وشهرة الرجال بالصدق والدين، بل والعلم والفقه؛ فيكف يجوز أن يتوقف فيه لمجرد كون المرأة المستفتية لم تُعلم قبيلتها؟! أو لكون أبا رافع لم يعلم مولاه إِنْ قُدِّرَ ذلك؟! أو لكون بعض

(1)

كلمة غير مقروءة، ولعلها ما أثبتُّ.

(2)

شرح العلل لابن رجب (1/ 418).

(3)

«التحقيق» (40/ أ).

ص: 333

الرواة ظنها أنصارية وبعضهم ظنها قرشية؟!

فإنَّ مثل هذا لا يضر لا جهله ولا الاختلاف فيه في الرواية، ثم جمهور الثقات الأثبات لم يذكروا قبيلتها البتة، فلم يذكروا أنها أنصارية ولا أنها قرابة لعمر، بل ذكروا اسمها ليلى بنت العجماء، وفيهم من لم يُسَمِّهَا.

فلو قُدِّرَ طرح رواية أولئك لم يكن هذا قادحًا في رواية هؤلاء الثقات الأثبات، حتى إنه لا يجوز القدح بمثل ذلك في الشهادة، فلو شهد عدد من الشهود وقُدِّرَ أنَّ بعضهم اختلفوا اختلافًا يقدح في شهادتهم، لم يقدح ذلك في شهادة من لم يختلفوا ولم يذكروا ما يقدح في شهادتهم؛ مع العلم بأنَّ باب الرواية أوسع من باب الشهادة

(1)

.

الثالث: أنه إِنْ كان هذا الاختلاف موجبًا للتوقف في حديث ليلى بنت العجماء؛ فالتوقف في حديث عثمان بن

(2)

حاضر بالاختلاف الكثير الذي فيه، وبمخالفته ما رواه الثقات الأثبات عن الصحابة = أولى وأحرى، بل لا يَستريب عالم أنَّ القوادح في حديث عثمان بن حاضر أعظمُ بكثيرٍ من القوادح في حديث ليلى [88/ أ] بنت العجماء.

وحينئذٍ؛ فقول القائل: (إِنَّ الأئمة لم يعتنوا بالآثار كما اعتنوا بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر عللها والاختلاف فيها وتحقيق الصواب فيه، لأنهم رأوا أَنَّ

(1)

منهاج السنة (4/ 198).

ولابن القيم رحمه الله في الطرق الحكمية (1/ 445) اعتراض على إطلاق هذه العبارة.

(2)

ألحق الناسخ (أبي) في الهامش، وقد تقدم نقل الخلاف في اسمه (ص 257).

ص: 334

الخطب في نقل مذاهب العلماء يسير)

(1)

= هو حجةٌ عليه في احتجاجه بحديث عثمان بن

(2)

حاضر على مذاهب الصحابة، مع كثرة اضطرابه وعدم معرفة شهرة رواته بالعلم والضبط، ومخالفته لما هو الثابت المعروف عن الصحابة، واتفاق أهل العلم على عدم اتباعه؛ فما ذكره بكونه طعنًا في حديث عثمان بن حاضر أولى من كونه طعنًا في حديث ليلى، وغاية ما يقال: إنه لم يَثبت لا هذا ولا هذا، فلا يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم في الحلف بالعتق شيء، لا إلزام ولا القول بالتكفير، كما لم يثبت ذلك عنهم في الحلف بالطلاق.

وأما التابعون: فقد ثبت عنهم النزاع في الحلف بالعتق من وجوهٍ ثابتة ــ كما تقدم ــ، وحينئذٍ؛ فثبت النزاع في العتق وهو المطلوب؛ إذ

(3)

المقصود أنَّ الأمة لم تتفق على أن العتق المحلوف به يلزم؛ فمتى ثبت النزاع عن الصحابة أو عن التابعين إذا لم يكن عن الصحابة في ذلك شيءٌ= حصل المقصود.

وإذا لم يكن إجماعٌ؛ فما تنازع فيه المسلمون وَجَبَ رَدُّهُ إلى الله والرسول.

وأيضًا؛ فما ذكره من عدم الاعتناء بنقل الآثار لأنهم رأوا أن الخطب في نقل مذاهب العلماء يسير، يَسُدُّ عليه طريق المعرفة بإجماع العلماء، فإنه إذا كان قول الواحد والاثنين والثلاثة من الصحابة لم يثبت عنده مع نقله بهذه الطرق المشهورة المتصلة؛ فكيف يَثبت عنده قول كل واحد من علماء الصحابة أو علماء التابعين أو تابعي التابعين مع أنه ليس معه نقل بسند عن جمهورهم؛ بل غاية ما عنده نقل عن بعضهم، وأكثر النقل هو دون هذا النقل في الصحة، وما

(1)

«التحقيق» (40/ أ).

(2)

في الأصل زيادة: (أبي)، وقد تقدم التنبيه على ذلك في (ص 257).

(3)

في الأصل: (إذًا)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 335

كان أقوى من هذا فغايته أنْ يثبت النقل فيه عن عدد من أهل العلم، ليس معه نقل عن كل واحدٍ واحد، والعلماء عنده لم يعتنوا بنقل مذاهب السلف.

فإذا كان معرفة أقوال بعضهم مما يتوقف فيه عنده [فلماذا]

(1)

لا يتوقف في نقل مذاهبهم كلهم مع انتفاء النقل المسند في ذلك، بل [والنقل]

(2)

المرسل؟! فإنه ليس أحدٌ ممن ينقل الإجماع يسمي كلَّ واحدٍ من علماء الصحابة والتابعين [88/ ب] [

]

(3)

فأما أن يجعل قوله ما رواه عثمان بن حاضر فوق ما رواه [مَنْ هو أوثقُ]

(4)

منه = فهذا لا يقوله عالم.

فتبين أنَّ ما قاله العلماء قاطبة [موافق للذي]

(5)

تضمنه ذكر الحلف بالعتق في حديث ليلى بنت العجماء هو إفتاؤها

(6)

بالكفارة في قولها

(7)

: إنْ فعلت كذا فكل مملوك لي حر، وأَنَّ من أثبت هذه

(8)

الرواية وزعم أنهم لم يفتوها بالكفارة إلا في غير العتق، فهو مع مخالفته

(9)

لعلماء المسلمين المتفقين على خلاف هذا = قولُهُ ظاهرُ الخطأ.

(1)

طمس مقدار كلمة تقريبًا، قدرته بما أثبتُّ.

(2)

طمس مقدار كلمة تقريبًا، ولعلها ما أثبتُّ.

(3)

طمس مقدار كلمة تقريبًا، ولم يظهر منها إلا حرفان هما (ان).

(4)

لم يظهر من العبارة المثبتة بين معقوفتين إلا آخر حرفين من الكلمة الأخيرة، وبما أثبتُّ تستقيم العبارة.

(5)

العبارة غير واضحة، وما أثبته تقديرًا.

(6)

العبارة غير واضحة، وبما أثبت يستقيم الكلام.

(7)

في الأصل: (قوله)، ولعل الصواب ما أثبت.

(8)

غير واضحة، وكذا قرأتها.

(9)

لم تظهر إلا الأحرف الأخيرة من الكلمة.

ص: 336

وهذا ــ أيضًا ــ مما يُظهر خطأ التأويل الآخر، وهو قوله:(يحتمل أنه لم يكن لها مملوك حين الحلف)

(1)

، فإنَّ هذا مع مخالفته لمدلول الحديث، هو خلاف ما اتفق العلماء على فهمه من هذا الحديث، وخلاف ما نقلوه عن هؤلاء الصحابة.

الجواب الرابع

(2)

: أنَّ المستفتية خاطبها واحد بعد واحد من الصحابة، وهي تخبر كل واحد منهم بيمينها، وتقول: قلتُ: إنْ لم أفعل كذا فكل مملوك لي حر، ولم يسألها أحد منهم: هل لك مملوك أم ليس لك مملوك؟ ولا قال لها: كَفِّرِي يمينك إلا العتق، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزَّلُ منزلة العموم في المقال

(3)

.

(1)

«التحقيق» (40/ ب).

(2)

في الأصل: (الثالث) وهو خطأ؛ فالجواب الثالث تقدم في (ص 334)؛ وأكتفي بالتنبيه هنا على تعديل الأجوبة التالية.

(3)

مجموع الفتاوى (21/ 496، 515، 527، 572)، الفتاوى الكبرى (1/ 248، 395، 443)(6/ 301)، مختصر الفتاوى المصرية (ص 16)، شرح عمدة الفقه (2/ 292).

وهذه القاعدة نسبها ابن تيمية وغيره إلى الشافعي رحمه الله وليست في شيءٍ من كتبه؛ ولذا قال السبكي في الأشباه والنظائر (2/ 139): وهذا وإنْ لم أجده مسطورًا في نصوصه، فقد نقله عنه لسان مذهبه؛ بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي رضي الله عنه. اهـ وهو أقدم من نقلها عنه على ما وقفتُ عليه.

انظر: البرهان (1/ 237)، القواطع في أصول الفقه (1/ 348)، دلالات الألفاظ عند شيخ الإسلام (2/ 603).

وهذه القاعدة لم يختص بها الشافعية بل عمل بها الحنابلة أيضًا؛ فقد قال المجد في المسوَّدة (1/ 263): وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله؛ لأنه احتجَّ في مواضع كثيرة بمثل ذلك، وكذلك أصحابنا؛ وأمثلة ذلك كثيرة.

ص: 337

وهذا لا يناقض قولنا: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال

(1)

، بل كلاهما حق كما قاله العلماء

(2)

؛ فالأول إذا سأل سائل بكلمة مطلقًا فأطلق له الجواب كان السؤال كالمعاد في الجواب، فيعم صوره إذا لم يكن هناك ما يدل على أنه عرف اختصاص السؤال ببعض الوقائع؛ كالذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنِّي أحرمت بعمرة، وعليَّ جُبَّة، وأنا متضمخ بخلوق. فقال:«انزع عنك الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حجك»

(3)

.

فقوله: أحرمتُ بالعمرة؛ مطلق لا يخص الإحرام دون الميقات وقبله، وقوله: وعليَّ جُبَّةٌ؛ مطلق لا يخصُّ جبة بيضاء من صفراء، فكان ترك استفصال النبي صلى الله عليه وسلم له في حكاية حاله حين سأله مع قيام الاحتمال يتنزل منزلة قوله: مَنْ أحرم بعمرة وعليه جبة فلينزعها، سواء أحرم قبل الميقات أو بعده، وعلى أيِّ لونٍ كانت الجبة

(4)

.

[89/ أ] وكذلك الأعرابي لما سأله فقال: إني وقعت على أهلي في

(1)

لم أجد ابن تيمية رحمه الله ذكر هذه القاعدة في كتبه الأخرى، إلا أنَّ هذه القاعدة منسوبة للشافعي رحمه الله أيضًا؛ كما في مراجع الحاشية السابقة.

(2)

الفروق للقرافي مع حاشية ابن الشاط (2/ 159)، الأشباه والنظائر للسبكي (2/ 145)، نهاية السول (2/ 74)، البحر المحيط في أصول الفقه (3/ 152)، التحبير شرح التحرير (5/ 2387)، شرح الكوكب المنير (3/ 172)، حاشية العطار على جمع الجوامع (2/ 25).

(3)

أخرجه البخاري (1697)، ومسلم (1180) من حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه.

(4)

مجموع الفتاوى (19/ 15، 286)(21/ 204)(22/ 328)، الفتاوى الكبرى (1/ 156، 333)(2/ 159)، درء التعارض (7/ 338 وما بعدها).

ص: 338

رمضان [فأمره]

(1)

بالكفارة

(2)

، ولم يسأله هل أنزلت أم لم تنزل= دَلَّ على عموم الجواب

(3)

.

[وكذلك لمَّا]

(4)

سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال:«ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم»

(5)

، [ولم]

(6)

يسأل هل كان جامدًا أو مائعًا = دَلَّ على عموم الجواب

(7)

، لا سيما مع أن الغالب بالمدينة أنه يكون مائعًا، ورواية من روى: «إنْ كان جامدًا

وإنْ كان مائعًا

»

(8)

؛

ضعيفة ــ كما قد

(1)

بياض مقدار كلمة تقريبًا تقديرها ما أثبتُّ.

(2)

أخرجه البخاري (1936)، ومسلم (1111) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

مجموع الفتاوى (19/ 15)(22/ 328)، الفتاوى الكبرى (2/ 159)، درء التعارض (7/ 338 وما بعدها)، الصارم المسلول (2/ 337).

(4)

كلمة مطموسة تقديرها ما أثبتُّ.

(5)

أخرجه البخاري (235) من حديث ميمونة رضي الله عنها.

(6)

بياض مقدار كلمة، وتقديرها ما أثبتُّ.

(7)

مجموع الفتاوى (19/ 16، 285 وما بعدها)(21/ 515، 517، 527)(22/ 327، 330)، الفتاوى الكبرى (1/ 156)(2/ 158 - 161)، مختصر الفتاوى المصرية (ص 16)، درء التعارض (7/ 338 وما بعدها)، نقد مراتب الإجماع (ص 299).

(8)

أخرجها أبو داود (3842)، والنسائي (4260) من حديث ميمونة رضي الله عنها. ولفظه:«إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه» .

وجاء من حديث أبي هريرة، وابن عمر رضي الله عنهم.

وقال الترمذي: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: وحديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه أنه سئل عنه فقال: «إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإنْ كان مائعًا فلا تقربوه» هذا خطأ؛ أخطأ فيه معمر. قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة.

انظر: العلل لابن أبي حاتم (4/ 392)، العلل للدارقطني (7/ 285)، الضعفاء للعقيلي (2/ 840)، البدر المنير (5/ 23)(6/ 444)، السلسلة الضعيفة (4/ 40).

ص: 339

بُيِّنَ في موضع آخر ــ

(1)

.

وأما تطريق الاحتمال إلى حكاية الأحوال فهي ما يحكى من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل فعلًا يحتمل وجهين، مثلما روى بلال أنه صلى في البيت ركعتين

(2)

، والمصلي تارة يصلي فرضًا وتارة يصلي نفلًا، والصلاة الواحدة لا تكون نفلًا وفرضًا، فإنَّ الفعل لا يعم كما يعم القول، فلا يمكن أن يقال: كانت الركعتان فرضًا وكانتا نفلًا.

فهؤلاء الصحابة لما ذكرت يمينها وأنها قالت: إنْ لم أُفَرِّق بينك وبين امرأتك فمالي هدي وكل مملوك لي حر وأنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية؛ وأمرها كل واحد بكفارة يمينها مطلقًا، وهي يمين واحدة حلفت بها على فعل واحد بهذه اللوازم، ولم يسألها أحد منهم هل لك مملوك أم لا؟ = كان هذا مما يدل دلالة من أقوى الدلالات؛ بل دلالة قطعية على أنهم أفتوها بالكفارة في الجميع، وسواء كان لها مملوك أم لم يكن.

(1)

مجموع الفتاوى (20/ 490 - 494، 515، 519)، الفتاوى الكبرى (1/ 244 وما بعدها، 441 وما بعدها)، مختصر الفتاوى المصرية (ص 15)، جامع المسائل (3/ 339).

(2)

أخرجه البخاري (1114) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو في مسلم (1329) دون ذكر الركعتين.

ص: 340

الجواب [الخامس]: أن هذه مولاة أبي رافع، وأبو رافع كان مملوكها، وليس في الحديث أنها كانت قد أعتقته.

[الجواب السادس]: أن من ليس له مملوك لا يقول في يمينه: وكل مملوك لي حر؛ ولا جرت في عادة الناس بذلك، كما أن من ليس له امرأة لا يقول في يمينه: كل امرأة لي طالق. ومن ليس له ماشية لا يقول: وكل بعير لي هدي. ومن ليس له دار لا يقول: كل دار لي وقف.

ومعلومٌ أَنَّ المرجع في دلالة الألفاظ واللغات إلى عادة الناس التي اعتقدوها في خطابهم فإذا حملنا كلام المتكلم على ما لم تجر عادة مثله بإرادته = فسد الاستدلال باللغات

(1)

، وانسدَّ باب البيان الذي امتن الله ــ عزو جل ــ به على عباده حيث

(2)

[95/ ب][يقول]

(3)

: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ}

(4)

[الرحمن: 1 - 3].

فصلٌ

وأما

(5)

قول القائل: (أو يكون المُفْتُون تركوا ذكر العتق لها لعلمها به، وذكروا لها حكم اليمين المقرونة

(6)

به وهو التكفير)

(7)

.

(1)

الفتاوى الكبرى (6/ 521)، منهاج السنة (2/ 551).

(2)

من هنا يبدأ الخلل في ترتيب بعض الورقات في الأصل.

(3)

طمس مقدار كلمة، يحتمل ما أثبتُّ.

(4)

كذا في الأصل، والشاهد هو الآية التالية:{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} .

(5)

غير واضحة في الأصل، وتحتمل ما أثبتُّ.

(6)

في الأصل: (المعروفة)، والمثبت من «التحقيق» .

(7)

«التحقيق» (40/ ب).

ص: 341

فمثل هذا الكلام وأمثاله لولا أن المعترض سطَّره لم يكن بنا حاجة إلى أن نذكره ونجيب عنه، فإنه وأمثاله من كلامه مما يظهر فيه أنه من جنس كلام القرامطة، الذين يحرفون كلام المتكلم عن مواضعه، ويحملونه على ما لم يخطر ببال أحد من المستمعين أنه أراده!

فإنَّ هذه المرأة كانت تعتقد أنه يلزمها ما حلفت به من الهدي والعتق والكفر، ولهذا جعلت ذلك عذرًا لها في الإصرار على اليمين، وصارت تقول لكل واحد من أولئك السادة: حلفتُ بالهدي والعتاق، فيقولون: وإنْ كنتِ حلفت بالهدي والعتاق، وتستعظم أن تحنث في يمينها لِظَنِّهَا لزوم تلك الأمور التي عَلَّقَتْهَا بالشرط؛ وتقول لابن عمر: بأبي أنت وبأبي أبوك! قلت: كذا وكذا، تُظْهِرُ له عظيم ما جعلته لازمًا لها من الهدي والعتق والكفر وغير ذلك، ثم مع هذا يقولون لها: كَفِّرِي يمينك، لا يأمرونها بغير هذا.

أفتظنُّ أنَّ هذه كانت تُفَرِّق بين الحلف بالعتق وغيره، وترى العتق يلزم والهدي والكفر لا يلزم؟! أم كان الجميع عندها سواء في اللزوم، لأنَّ ذلك موجب عقدها؟ وهي لم تكن تَعرف أَنَّ الله جعل لهذا العقد تحلة، فأفتاها الصحابة بالكفارة وحدها ولم يأمروها بشيء غير ذلك، ولا قالوا لها إنه يعتق كل ما في ملكك من الرقيق مع الكفارة.

فلو قال بعض الناس: كان الأمر بالكفارة في الحلف بالكفر وحده، والباقي لازم ــ كما يقوله بعض أصحاب أبي حنيفة ــ كان قوله من جنس قول من قال: بل الكفارة في النذرِ، والعتقُ لازم؛ وكلاهما باطل قطعًا، وبطلانه أظهر من بطلان قول من يقول: بل الكفارة كانت في العتق والهدي، وأما الكفر؛ فلا كفارة فيه.

ص: 342

وأما من قال: الكفارة عن النذر، وأما العتق فلازم، والكفر لا شيء فيه ــ كما يقوله من يقوله من نحو المعترض ــ [96/ أ] فمعلومٌ أنَّ قول هؤلاء من أبعد الأقوال عن أقوال هؤلاء [الصحابة]

(1)

؛ فإنهم ــ رضوان الله عليهم ــ أفتوا بالكفارة في الحلف بهذه [الأيمان]

(2)

الثلاثة أو برابع معها وخامس، فأفتاها الصحابة في الحلف بذلك بكفارة يمين، وقالوا: كَفِّرِي يمينك.

فقول القائل: إِنَّ الكفارة عن بعض ما حلفت به، وبعض ذلك يلزمها ولا يؤثر فيه التكفير، وبعض ذلك لا يلزم ولا حاجة فيه إلى تكفير = مما يُعلم يقينًا أن أولئك الصحابة لم يفتوا به، بل ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه أفتى به، بل هذا القول وأمثاله مخالف لكل ما نقل عن الصحابة في التعليق الذي يقصد به اليمين، مع مخالفته لدلالة الكتاب والسنة والقياس الجلي.

* * * *

(1)

بياض في المخطوط، وتقديره ما أثبتُّ.

(2)

طمس مقدار كلمة، وما أثبته تقديرًا.

ص: 343

فصلٌ

قال المعترض:

(ثم على تقدير ألا يكون شيء من الاحتمالات المذكورة، وأنهم كانوا يعتقدون التكفير في العتق، لا يلزم منه اعتقادهم ذلك في الطلاق، لأنَّ العتق قربة

(1)

والحالف لم يقصد التقرب بعتقه، بخلاف الطلاق فإنه ليس بقربة فلا يشترط فيه ذلك). قال:(وهذا الفرق وإن كنا لا نعتقده إلا أنه لا يمتنع أَنَّ بعض الصحابة يعتقده؛ فلا يجوز أنْ نلزمهم قياس ما يحتمل أنهم يُفَرِّقُونَ فيه)

(2)

.

والجواب من وجوه:

أحدها: إنا نحن في الجواب الذي اعترض عليه لم نَذكر عن الصحابة في الطلاق نقلًا؛ فهذا الكلام لا يستحق الجواب.

الثاني: أن يقال: لا يجوز لأحد أن يحكي عن الصحابة قولًا يَحكم فيه بخطئهم من غير أن يكون في كلامهم ما يدل على ذلك.

وحينئذٍ؛ فإذا جعل قول هؤلاء الصحابة هو الفرق بين الطلاق والعتاق، مع الحكم بأن ذلك خطأ = كان هذا القائل قد قَوَّلَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخطأ الباطل عنده ما لم يقولوه، ولا نقله أحد عنهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.

(1)

من قوله: «لا يلزم منه اعتقادهم

» إلى هنا ليس في «التحقيق» .

(2)

«التحقيق» (40/ ب).

ص: 344

ومعلومٌ أَنَّ مثل هذا لو [93/ ب] فَعَلَهُ

(1)

الإنسان بمن هو دون الصحابة = لكان فيه من القول بلا علم وتقويل الأكابر من الخطأ ما لم يقولوه

(2)

ما فيه من حَقِّ الله وحقهم، وما يتصل بذلك من الكلام في الدين بالباطل ما يكون أقل أحواله: أن يكون مردودًا على قائله.

الوجه الثالث: أن هذا القول لم يُعرف عن أحدٍ من المسلمين قبل أبي ثور، ولا نقله أَحَدٌ عن أَحَدٍ قبل أبي ثور، ولولا أَنَّ أبا ثور قاله لم يعرف به قائل في الإسلام، فلا يعرف في الإسلام من جعل في الحلف بالنذر والعتق: الكفارة، وألزم الحالف بالطلاقِ الطلاقَ إلا أبا ثور، ولو كان هذا مما يعرف عن أحد من الصحابة أو يفهم من كلامهم = لكان هذا مما يتوفر نقل العلماء له عنهم، ولكان نقل ذلك عنهم أولى من نقله عن أبي ثور.

وإذا قيل: هذا النقل تركب من نقل الإجماع على الطلاق والنزاع في العتاق.

قيل: أول من حكى هذا الإجماع من العلماء هو أبو ثور، وأبو ثور قد صَرَّحَ عن نفسه بأنَّ مرادي في الإجماع الذي أحكيه: عدمُ العلمِ بالمنازع؛ فليس معه عن هؤلاء الصحابة إلا عَدَمُ علمِهِ بقولهم في الطلاق

(3)

.

وإذا لم أعلم قول قائل في مسألة وقد أفتى في نظيرها = لم يجز أنْ أجزم عنه بأنَّ فتياه في نظيرها مخالف فتياه فيها، بل إما أنْ أجعل قوله في

(1)

كلمة غير واضحة، وبما أثبتُّ يستقيم الكلام.

(2)

في الأصل: (يقولونه)، والجادة ما أثبتُّ.

(3)

انظر ما تقدم (ص 10، 136 وما بعدها)، وما سيأتي (ص 417).

ص: 345

نظيرها كقوله فيها، أو أسكت عن التخريج، فأما أَنْ أجعل قوله في نظيرها مخالفًا لقوله فيها، ثم أحكم بخطئه = فهذا لا يفعله أحد من العلماء بأحد ممن هو دون الصحابة فضلًا عن الصحابة، ولا يُجَوِّزُ مثلَ هذا مَنْ يدري ما يقول، وما علمتُ عالمًا فعل هذا بالصحابة.

فإنَّ أبا ثور وإن ظن الإجماع، فهو يقول بالفرق بين الطلاق والعتق؛ فعلى قول أبي ثور: يكون هؤلاء الصحابة فَرَّقُوا بين الطلاق والعتق، والفرق صحيح، [و]

(1)

هو حكم الله ــ عز وجل ــ ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا يقول أبو ثور: إنهم فرقوا وأخطأوا في الفرق.

ومن جعل هذا الفرق باطلًا وسَوَّى بين العتق والطلاق إما في اللزوم وإما في عدمه كسائر العلماء من الأئمة كأبي حنيفة ومالك [94/ أ] والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل، بل داود [بن علي]

(2)

وغيره=لم يحك أَحَدٌ من هؤلاء إجماعًا لا على وقوع الطلاق ولا [العتاق]

(3)

.

والذين جاؤوا بعد أبي ثور مثل: محمد بن نصر وابن عبد البر نقلوا الإجماع الذي ظَنَّهُ أبو ثور مع تسويتهم بين الطلاق والعتاق، ومع نقلهم لأقوال الصحابة الذين أفتوا في الحلف بالعتق بكفارة يمين؛ فهؤلاء يلزمهم أَنْ يُخَطِّئُوا الصحابة، وأَنْ يُقَوِّلُوهم ما لم يقولوه، ويقولوا مع ذلك إنهم أخطأوا فيه، ولا علم عندهم بذلك إلا تقليد أبي ثور في إجماعٍ ليس عنده فيه إلا عدم العلم.

(1)

إضافة يقتضيها السياق.

(2)

كلمة غير واضحة لم أستطع قراءتها، ولعلها ما أثبتُّ.

(3)

الكلمة غير واضحة، ولعل ما أثبتُّ هو الصواب.

ص: 346