المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفرق بين الاقتصاد والشح: - الروح - ابن القيم - ط عطاءات العلم - جـ ٢

[ابن القيم]

الفصل: ‌الفرق بين الاقتصاد والشح:

[156 أ] فصل

وأما الفرقُ بين الحزم والجبن: فالحازم هو الذي قد جمع عليه همَّه وإرادته وعقله، ووزن الأمورَ بعضها ببعض، فأعدَّ لكلٍّ منها قِرْنه

(1)

. ولفظةُ الحزم تدل على القوة والإجماع

(2)

، ومنه: حُزمة الحطب، فحازمُ الرأي هو الذي اجتمعت له شؤون رأيه، وعرَف منها خيرَ الخيرين وشرَّ الشرين، فأحجمَ في موضع الإحجام رأيًا وعقلًا، لا جُبنًا ولا ضَعفًا

(3)

.

كعاجزِ الرأيِ مِضياعٌ لِفرصتِه

حتى إذا فات أمرٌ عاتَبَ القدَرا

(4)

و‌

‌الفرق بين الاقتصاد والشُّحِّ:

أنَّ الاقتصاد خُلقٌ محمود يتولَّد من خلقين: عدل وحكمة. فبالعدل يعتدل في المنع والبذل، وبالحكمة يضعُ كل واحد منهما موضعَه الذي يليق به، فيتولَّد من بينهما الاقتصاد، وهو وسطٌ بين طرفين مذمومين كما قال تعالى:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، وقال:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وقال: {وَكُلُوا

(1)

(ز، ن): «قرينه» .

(2)

(ز، ن، غ): «الاجتماع» . وأصل المعنى عند ابن فارس: شدّ الشيء وجمعه. مقاييس اللغة (2/ 53).

(3)

بعده في (ب، ج) زيادة: «كما قال» .

(4)

رواية البيت: «وعاجزُ الرأي» ، ولكن المؤلف ضمَّنه كلامه، فغيَّر. وقد تمثَّل به في طريق الهجرتين (135) والفوائد (264). والبيت ليحيى بن زياد في معجم الشعراء للمرزباني (486)، وللخليل بن أحمد في المنتخل (1/ 463)، ولم ينسبه الجاحظ في البيان (2/ 350).

ص: 666

وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31].

وأما الشحُّ، فهو خُلقٌ ذميم يتولَّد من سوء الظن وضعف النفس، ويُمِدُّه وعدُ الشيطان حتى يصير هالعًا. والهلَعُ: شدَّة الحرص على الشيء والشَّره به

(1)

، فيتولَّد عنه المنعُ لبذله، والجزَعُ لفقده، كما قال تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 ــ 21].

فصل

والفرق بين الاحتراز وسوء الظنِّ: أنَّ المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرًا، فهو يحترز بجهده من كل قاطعٍ للطريق، وكلِّ مكانٍ يتوقع منه الشر. وكذلك يكون مع التأهُّب والاستعداد وأخذِ الأسباب التي بها ينجو من المكروه. فالمحترِزُ كالمتسلِّح المتدرِّع الذي قد تأهَّب للقاء عدوه، وأعدَّ له عُدَّته، فهمَّتُه

(2)

في تهيئة أسباب النجاة ومحاربة عدوِّه قد أشغلته عن [156 ب] سوء الظن به، وكلما أساء به الظنَّ أخذَ في أنواع

(3)

العدَّة والتأهب.

وأما سوء الظن فهو امتلاء قلبه بالظُّنون السيئة بالناس حتى يطفحَ على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدًا في الهمز واللَّمز والطعن والعيب

(4)

(1)

كذا في جميع النسخ ما عدا (ب، ج)، فقد حذفت فيها «به» . وقد نصَّت كتب اللغة على تعدية الشَّره بإلى (اللسان) وعلى (أساس البلاغة) لا غير.

(2)

في النسخ المطبوعة: «فهمُّه» . وكذا في (غ).

(3)

(ب، ج): «بأنواع» .

(4)

(ط، ن، ز): «العتب» .

ص: 667

والبُغض. يبغضهم ويبغضونه، ويَلعنهم ويلعنونه، ويَحْذَرهم ويَحذَرون منه.

فالأول يُخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنَّبهم ويَلحقه أذاهم. الأول داخلٌ فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارجٌ منهم مع الغِشِّ والدَّغَل والبغض.

فصل

والفرق بين الفراسة والظنِّ: أن الظن يخطئ ويصيب، وهو يكون مع ظلمة القلب ونوره وطهارته ونجاسته. ولهذا أمرَ تعالى باجتناب كثيرٍ منه

(1)

، وأخبر أن بعضه إثمٌ.

وأما الفراسة فأثنى على أهلها ومدَحهم في قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] قال ابن عباس وغيره: أي: المتفرِّسين

(2)

. وقال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273]، وقال تعالى:{وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30].

فالفراسةُ الصادقةُ لقلبٍ قد تطهَّر وتصفَّى، وتنزَّه من الأدناس، وقرُب

(1)

(ط): «من الظن» .

(2)

ما عدا (أ، ق، غ): «للمتفرسين» . وهذا تفسير مجاهد. انظر: تفسير الطبري (14/ 94)، (17/ 120). أما ابن عباس فقال:«للناظرين» كما أخرجه ابن أبي حاتم (13280)، والطبري (14/ 95)، (17/ 121).

ص: 668

من الله، فهو ينظر بنور الله الذي جعله في قلبه. وفي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقُوا فِراسةَ المؤمن، فإنه ينظرُ بنور الله»

(1)

.

وهذه الفِراسةُ نشأتْ له من قُربه من الله، فإن القلب إذا قَرُبَ من الله انقطعت عنه معارضاتُ السوء المانعةُ من معرفة الحقِّ وإدراكِه، وكان تَلقِّيه من مشكاةٍ قريبةٍ من الله بحسب قُربه منه، وأضاء له النور بقدر قُربه منه، فرأى في [157 أ] ذلك النور ما لم يَره البعيد المحجوب، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربِّه عز وجل أنه قال: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل

(2)

ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمعه به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطِش بها، ورجلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطِش، وبي يمشي»

(3)

.

(1)

أخرجه الترمذي (3127) من طريق عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد، وزاد في آخره:«ثم قرأ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} وضعَّفه بقوله: «هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه» . وسبب ضعفه هو عطية بن سعد العوفي.

ومن هذا الوجه أخرجه العقيلي في الضعفاء (4/ 129)، ثم أخرجه من وجه آخر عن عمرو بن قيس الملائي قال: كان يقال: «اتقوا فراسة المؤمن

»، ثم قال:«وهذا أولى» أي أنه حكمة وليس بحديث. ويروى عن صحابة آخرين ولم يصح منها شيء. راجع السلسلة الضعيفة (1821). (قالمي).

(2)

ما عدا (أ، ق، غ): «بمثل أداء» .

(3)

أخرجه البخاري (6502) إلا قوله: «فبي يسمع» إلى آخره. وقد عزاه المؤلف إلى البخاري مع هذه الزيادة في الداء والدواء (430) وروضة المحبين (554)، والمدارج (2/ 413) وقبله شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه. انظر مثلًا: الجواب الصحيح (5/ 109) وجامع الرسائل (2/ 95، 237) وجامع المسائل (1/ 68، 86، 98)، (2/ 61) ومجموع الفتاوى (2/ 340، 371، 463) وغيرها؛ غير أنه صرّح في بعض المواضع بأن هذه الرواية وردت في غير الصحيح. انظر: مجموع الفتاوى (2/ 390) والجواب الصحيح (3/ 334). وقد ذكر هذه الرواية الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (1/ 212) دون إسناد. وانظر: فتح الباري (11/ 344).

ص: 669

فأخبر سبحانه أنَّ تقرُّبَ عبِده منه يفيدهُ محبته له، فإذا أحبَّه قرُب من سمعه وبصره ويده ورجله، فسمع به، وأبصر به، وبطَش به، ومشى به. فصار قلبُه كالمرآة الصافية تتبدَّى

(1)

فيها صوَرُ الحقائق على ما هي عليه، فلا تكاد تُخطئ له فراسة. فإن العبد إذا أبصر بالله أبصرَ الأمرَ على ما هو عليه، وإذا

(2)

سمع بالله سمعه على ما هو عليه.

وليس هذا من علمِ الغيب، بل علَّامُ الغيوب قذَفَ الحقَّ في قلبٍ قريبٍ منه، مُستنيرٍ

(3)

بنوره، غيرِ مشغولٍ بنفوس

(4)

الأباطيل والخيالات والوساوس التي تمنعه من حصولِ صور

(5)

الحقائق فيه. وإذا

(6)

غلب على القلب النورُ فاضَ على الأركان، وبادرَ من القلب إلى العين، فيكشف بعين بصره بحسب ذلك النور.

(1)

هذا في الأصل. وفي غيره: «تبدو» .

(2)

(ق، غ): «فإذا» . ورسمها في الأصل محتمل.

(3)

في النسخ المطبوعة: «مستبشر» ، تصحيف.

(4)

(ب، ج): «بنقوش» .

(5)

(أ، غ): «صورة» .

(6)

(ب، ط، ج): «فإذا» .

ص: 670

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أصحابَه في الصلاة وهم خلفه كما يراهم أمامه

(1)

.

ورأى بيتَ المقدس عِيانًا وهو بمكة

(2)

.

ورأى قصورَ الشام، وأبوابَ صنعاء، ومدائنَ كسرى؛ وهو بالمدينة يحفِرُ الخندق

(3)

.

ورأى أمراءه بمؤتة وقد أُصيبوا وهو بالمدينة

(4)

.

ورأى النجاشيَّ بالحبشة لما مات، وهو بالمدينة، فخرج إلى المصلَّى، فصلَّى عليه

(5)

.

(1)

أخرجه البخاري (418، 419)، ومسلم (423 ــ 425) من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك.

(2)

أخرجه البخاري (3886) ومسلم (170) من حديث جابر بن عبد الله.

(3)

أخرجه الإمام أحمد (18694)، والنسائي في الكبرى (8807)، وابن أبي شيبة (36820)، وأبو يعلى (1685)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (430)، والبيهقي في دلائل النبوة (3/ 421) من طرق عن عوف (هو ابن أبي جميلة الأعرابي)، عن ميمون أبي عبد الله، عن البراء بن عازب.

وميمون ضعيف كما في التقريب فقول الحافظ في الفتح (7/ 397): «إسناده حسن» فيه نظر، ولكن له شواهد لعله يتحسَّن بها انظرها في دلائل البيهقي، ومجمع الزوائد (6/ 130) وما بعدها. (قالمي).

(4)

أخرج البخاري (3757) عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نعَى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرُهم، فقال:«أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» .

(5)

أخرج البخاري (1245) ومسلم (951) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعَى النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، الحديث.

ص: 671

ورأى عمرُ ساريةَ بنهاوند [157 ب] من أرض فارس هو وعساكر المسلمين، وهم يقاتلون عدوَّهم، فناداه: يا ساريةُ، الجبل

(1)

.

ودخل عليه نفرٌ من مَذحِج فيهم الأشتَر النخعي، فصعَّد فيه البصرَ وصوَّبه، وقال:«أيهم هذا؟» قالوا: مالك بن الحارث. فقال: «ما له، قاتلَه الله! إني لأرى للمسلمين منه يومًا عصيبًا»

(2)

.

ودخل عمرو بن عبيد على الحسن فقال: هذا سيدُ الفتيان إن لم يُحدِث

(3)

.

وقيل: إن الشافعيَّ ومحمد بن الحسن جلسا في المسجد الحرام، فدخل رجلٌ، فقال محمد: أتفرَّس أنه نجار، وقال

(4)

الشافعي: أتفرَّس أنه حداد. فسألاه، فقال: كنتُ حدَّادًا، وأنا اليوم أنجُر

(5)

.

ودخل أبو الحسن البُوشَنْجي والحسن الحدَّاد على أبي القاسم المنادي يعودانه، فاشتريا في طريقهما بنصفِ درهم تفاحًا نسيئةً، فلما دخلا عليه قال: ما هذه الظُّلمة؟ فخرجا، وقالا: ما عملنا

(6)

؟ لعل هذا من قِبَل ثمن

(1)

الرياض النضرة (2/ 11 ــ 12). وانظر: مناقب عمر لابن الجوزي (163 ــ 164) والإصابة (3/ 8 ــ 9).

(2)

الرياض النضرة (2/ 10) عن عبد الله بن مسلمة.

(3)

تاريخ بغداد (12/ 168) ولفظه: هذا سيد شباب أهل البصرة إن لم يحدث.

(4)

(ق، ط، ز): «فقال» .

(5)

(ط، ج): «نجار» . والخبر في الرسالة القشيرية (3/ 387). وهي مصدر المصنف في الأخبار التالية أيضًا.

(6)

هذا في (ق). وكذا كان في الأصل فغيَّره بعضهم إلى «علمنا» كما في النسخ الأخرى الخطية والمطبوعة. وفي الرسالة القشيرية: «ماذا فعلنا؟» .

ص: 672

التفاح، فأعطيا الثمنَ، ثم عادا

(1)

إليه. ووقع بصرُه عليهما فقال: يمكن الإنسان أن يخرجَ من الظُّلمة

(2)

بهذه السرعة؟ أخبراني عن شأنكما، فأخبراه بالقصة، فقال: نعم، كان كل واحدٍ منكما يعتمد على صاحبه في إعطاء الثمن

(3)

، والرجل مُستحٍ منكما في التقاضي

(4)

.

وكان بين أبي زكريا النَّخْشَبي وبين امرأةٍ سببٌ قبل توبته، فكان يومًا واقفًا على رأس أبي عثمان الحِيري، فتفكَّر في شأنها. فرفع أبو عثمان إليه رأسه، وقال: ألا تستحي

(5)

.

وكان شاه الكِرماني جيِّدَ الفِراسة لا تُخطئ فراسته. وكان يقول: من غضَّ بصره عن المحارم، وأمسكَ نفسَه عن الشهوات، وعمَرَ باطنَه بدوام المراقبة، وظاهِرَه باتباع السنة، وتعوَّد أكل الحلال= لم تُخطئ فراسته

(6)

.

وكان شابٌّ يصحب الجنيدَ، يتكلَّم على الخواطر. [158 أ] فذُكر للجنيد، فقال له: أيشٍ هذا الذي ذُكِر لي عنك؟ فقال له: اعتقِدْ شيئًا، فقال له الجنيد: اعتقدتُ. فقال الشابُّ: اعتقدتَ كذا وكذا. فقال الجنيدُ: لا. فقال: اعتقِد

(1)

كأن في الأصل و (ق): «عمدا» . والمثبت موافق لمصدر الخبر.

(2)

في الأصل: «هذه الظلمة» . ولعله سهو. وكذا في (غ).

(3)

(ط): «إعطاء الرجل ثمنه» .

(4)

الرسالة القشيرية (2/ 387 ــ 388).

(5)

المصدر السابق (2/ 388).

(6)

المصدر السابق (2/ 388 ــ 389). وانظر: إغاثة اللهفان (1/ 48) ومدارج السالكين (2/ 484).

ص: 673

ثانيًا. قال: اعتقدتُ

(1)

. فقال الشابُّ: اعتقدتَ كذا وكذا، فقال الجنيد: لا، قال: فاعتقِد ثالثًا. قال: اعتقدتُ. قال الشابُّ: هو كذا وكذا. قال: لا. فقال الشابُّ: هذا عجَب، أنت صدوقٌ وأنا أعرف قلبي! فقال الجنيد: صدقت في الأولى والثانية والثالثة، لكن أردتُ أن أمتحنك، هل يتغير قلبُك؟

(2)

.

وقال أبو سعيد الخرَّاز: دخلتُ المسجدَ الحرام، فدخل فقيرٌ عليه خِرقتان يسأل شيئًا. فقلت في نفسي: مثلُ هذا كَلٌّ على الناس. فنظر إليَّ، وقال:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235]. قال: فاستغفرتُ في سِرِّي، فناداني وقال:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25]

(3)

.

وقال إبراهيمُ الخوَّاص: كنت في الجامع

(4)

فأقبل شابٌّ طيب الرائحة، حسن الوجه، حسن الحرمة. فقلت لأصحابنا: يقع لي أنه يهوديٌّ! فكلُّهم كَرِه ذلك. فخرجت، وخرج الشابُّ، ثم رجَع إليهم، فقال: أيشٍ قال الشيخ فيَّ؟ فاحتشموه، فألحَّ عليهم، فقالوا: قال: إنك يهودي. فجاء، فأكبَّ على يدي، فأسلم. فقلت: ما السبب؟ فقال: نجد في كتبنا

(5)

أنَّ الصدِّيق لا تُخطئ فراسته، فقلتُ: أمتحِنُ المسلمين! فتأملتُهم، فقلت: إن كان فيهم صدِّيقٌ ففي هذه الطائفة. فلبَّستُ عليكم. فلما اطلع هذا الشيخ عليَّ

(1)

«قال: اعتقدت» ساقط من الأصل، وكذا من (ق، غ).

(2)

الرسالة القشيرية (2/ 392).

(3)

المصدر السابق (2/ 393).

(4)

يعني في بغداد.

(5)

(ج، ن، ز): «كتابنا» . والمثبت من غيرها موافق لمصدر الخبر.

ص: 674

وتفرَّسَني علمتُ أنه صِدِّيق

(1)

.

وهذا عثمانُ بن عفان، دخل عليه رجل من الصحابة، وقد رأى امرأةً في الطريق، فتأمَّل محاسنها، فقال له عثمان: يدخل عليَّ أحدُكم، وأثر الزنا ظاهر على عينيه! فقلت [158 ب]: أوحيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة

(2)

.

فهذا شأن الفراسة. وهي نور يقذفه الله في القلب، فيخطر له الشيء، فيكون كما خطَر له؛ وينفُذ إلى العين، فترى ما لا يراه غيرها.

فصل

والفرق بين النصيحة والغيبة: أنَّ النصيحة يكون القصدُ فيها تحذيرَ المسلم من مبتدع أو فتَّان أو غاشٍّ أو مفسد، فتذكُر ما فيه إذا استشارك في صحبته ومعاملته والتعلُّق به. كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس، وقد استشارته في نِكاح معاوية وأبي جَهْم، فقال:«أما معاوية فصُعلوك، وأما أبو جَهم فلا يضع عصاه عن عاتقه»

(3)

. وقال عن بعض أصحابه لمن سافر معه: «إذا هبطتَ بلادَ قومه فاحذَرْه

(4)

»

(5)

.

(1)

الرسالة القشيرية (2/ 393 ــ 394).

(2)

المصدر السابق (2/ 393). وانظر: مدارج السالكين (2/ 486).

(3)

أخرجه مسلم (1480).

(4)

في الأصل: «فاحذروه» . وكذا في (غ). والمثبت من غيرهما، وهو موافق لمصادر التخريج.

(5)

أخرجه أحمد (22492)، وأبو داود (4861)، والبيهقي في الكبرى (10/ 129) وغيرهم من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنيه ابن إسحاق، عن عيسى بن معمر، عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء الخزاعي عن أبيه

في قصة.

وفي سنده عبد الله بن عمرو بن الفغواء، قال الذهبي:«لا يعرف» ، وقال الحافظ:«مستور» . وذكره ابن حبان في «الثقات» .

وفيه عيسى بن معمر، ذكره ابن حبان في الثقات وليّنه الحافظ. (العمران).

ص: 675

فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين، فهي قُربة إلى الله، من جملة الحسنات. وإذا وقعت على وجه ذمِّ أخيك، وتمزيق عِرضه، والتفكُّهِ بلحمه، والغضِّ منه

(1)

؛ لتضع منزلته من قلوب الناس= فهي الداءُ العُضال، ونارُ الحسنات التي تأكلها كما تأكل النارُ الحطب.

فصل

والفرق بين الهدية والرِّشوة وإن اشتبها في الصورة: القصد، فإنَّ الراشي قصدُه بالرشوة التوصُّلُ إلى إبطال حقٍّ أو تحقيق باطل، فهذا الراشي الملعونُ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

. فإن رشا لدفعِ الظلم عن نفسه اختصَّ المرتشي وحدَه باللعنة.

وأما المُهدي، فقصدُه استجلابُ المودَّة والمعرفة والإحسان. فإن قصَد المكافأة فهو مُعاوِض، وإن قصد الربحَ فهو مُستكثِر.

فصل

والفرق بين الصبر والقسوة: أنَّ الصبرَ خلقٌ كَسبي يتخلَّق به العبد، وهو

(1)

ساقط من (أ، غ).

(2)

انظر حديث عبد الله بن عمرو في السنن. أخرجه أبو داود (3580)، والترمذي (1337) وابن ماجه (2313). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

ص: 676

حبسُ النفس عن الجزَع والهلَع [159 أ] والتشكِّي، فيحبس النفسَ عن التسخُّط، واللسانَ عن الشكوى، والجوارحَ عما لا ينبغي له

(1)

فعله. وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية.

وأما القسوةُ، فيُبْسٌ في القلب يمنعه من الانفعال، وغِلظةٌ تمنعه من التأثر بالنوازل. فلا يتأثَّر بها

(2)

لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله.

وتحقيقُ هذا أن القلوب ثلاثة

(3)

: قلب قاسٍ غليظ بمنزلة اليد اليابسة، وقلب مائع رقيق جدًّا. فالأول لا ينفعل لخيرٍ بمنزلة الحجر، والثاني بمنزلة الماء، وكلاهما ناقصٌ.

وأصحُّ القلوب: القلبُ الرقيق الصافي الصلب. فهو يرى الحقَّ من الباطل بصفائه، ويقبله ويؤثره برِقَّته، ويحفظه ويحارب عدوَّه بصلابته. وفي أثرٍ: القلوبُ آنيةُ الله في أرضه، فأحبُّها إليه أرقُّها وأصلَبها وأصفاها

(4)

. وهذا القلبُ الزجاجي، فإن الزجاجة جمعت الأوصافَ الثلاثة.

وأبغضُ القلوب إلى الله: القلب القاسي. قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]. وقال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74].

(1)

«له» من الأصل وحده.

(2)

في الأصل: «به» . وكذا في (غ). والمثبت من (ب، ط، ج). وهو ساقط من غيرها.

(3)

قارن بشفاء العليل (105، 192)، والوابل الصيب (121 ــ 122).

(4)

أخرجه الإمام أحمد في الزهد (2101) عن خالد بن معدان، والخرائطي في اعتلال القلوب (9) عن ثور بن يزيد. وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (840) من حديث أبي عنبة الخولاني مرفوعًا.

ص: 677

وقال: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 53] فذكر القلبين المنحرفين عن الاعتدال. هذا بمرضه، وهذا بقسوته. وجعل إلقاءَ الشيطان فتنةً لأصحاب هذين القلبين، ورحمةً لأصحاب القلب الثالث. وهو القلبُ الصافي الذي ميَّز بين إلقاء الشيطان

(1)

وإلقاء الملك بصفائه، وقبِلَ الحقَّ بإخباته ورقَّته، وحارب النفوسَ المبطلةَ بصلابته وقوته. فقال تعالى عقبَ ذلك:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 54].

فصل

والفرق بين العفو والذلِّ: أنَّ العفوَ إسقاطُ حقِّك جُودًا وكرمًا وإحسانًا، مع قُدرتك على الانتقام، فتؤثر التركَ رغبةً في الإحسان ومكارم الأخلاق. بخلاف الذُّلِّ، فإن صاحبَه يترك الانتقامَ عجزًا وخوفًا ومهانةَ نفس، فهذا مذموم غير محمود. ولعل المنتقمَ بالحق أحسنُ حالًا منه.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39]، فمدَحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك، حتى إذا قدروا على من بَغَى عليهم، وتمكَّنوا من استيفاء ما لهم عليه، ندَبهم إلى الخلُق الشريف من العفو والصَّفح، فقال:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40]. فذكر المقامات الثلاثة: العدل

(1)

في الأصل زيادة «فيه» . وكذا في (غ).

ص: 678

وأباحه

(1)

، والفضل وندبَ إليه، والظلمَ وحرَّمه.

فإن قيل: فكيف مدَحهم على الانتصار والعفو، وهما متنافيان؟

قيل: لم يمدَحْهم على الاستيفاء والانتقام، وإنما مدحهم على الانتصار، وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فهذا هو الانتصار، فلما قدروا ندَبهم إلى العفو.

قال بعض السلف في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يُستذَلُّوا، فإذا قدروا عفوا

(2)

. فمدَحهم على عفو بعد قدرة، لا على عفو ذلٍّ وعجز ومهانة. وهذا هو الكمالُ الذي مدَح سبحانه به نفسَه في قوله:{فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149]، وقوله:{وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(3)

[الممتحنة: 7].

وفي أثر معروف: «حملة العرش أربعة: اثنان يقولان: سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، لك الحمدُ على حِلْمك بعد علمك. واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد

(4)

على عفوك بعد قدرتك»

(5)

.

ولهذا قال المسيح صلوات الله وسلامه عليه: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ

(1)

في الأصل: «إباحته» . وكذا في (ق)، وهو تحريف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (18486) عن إبراهيم النخعي.

(3)

قوله: «والله قدير» ساقط من الأصل وكذا من (ق، غ).

(4)

«على حلمك

الحمد» ساقط من الأصل، وكذا من (ط).

(5)

ذكره المؤلف في مدارج السالكين (1/ 36)، (2/ 379)، وبدائع الفوائد (140) وعدة الصابرين (533) أيضًا، وكذا قال: «حملة العرش أربعة

» والرواية: «حملة العرش ثمانية. أربعة يقولون

وأربعة يقولون

». وروي الأثر عن شهر بن حوشب وغيره. انظر تخريجه في كتاب العرش لابن أبي شيبة (368).

ص: 679

وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]. أي: إن غفرتَ لهم غفرتَ عن عزَّةٍ [160 أ] وهي كمالُ القدرة، وحكمةٍ وهي كمالُ العلم. فغفرتَ بعد أن علمتَ ما عملوا وأحاطت بهم قدرتك، إذ المخلوق قد يغفر

(1)

لعجزِه عن الانتقام، وجهلهِ بحقيقة ما صدَر من المسيء، والعفوُ من المخلوق ظاهرُه ضيمٌ وذلٌّ، وباطنه عزٌّ ومهابة. والانتقامُ ظاهرُه عزٌّ، وباطنُه ذلٌّ، فما زاد الله عبدًا

(2)

بعفوٍ إلا عزًّا، ولا انتقم أحد لنفسه إلا ذلَّ، ولو لم يكن إلا بفوات عزِّ العفو. ولهذا ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط

(3)

.

وتأمل قوله سبحانه: {هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39] كيف يُفهم منه أنَّ فيهم من القوة ما يكونون هم بها المنتصرين لأنفسهم، لا أن غيرهم هو الذي ينصرهم؟ ولما كان الانتصار لا تقف النفوس فيه على حدِّ العدل غالبًا بل لابد من المجاوزة، شرَع فيه سبحانه المماثلة والمساواة، وحرَّم الزيادة، وندَب إلى العفو. والمقصودُ أن العفو من أخلاق النفس المطمئنة، والذلَّ من أخلاق الأمَّارة.

ونكتة المسألة

(4)

أن الانتقامَ شيء، والانتصارَ شيء. فالانتصار أن ينتصر لحقِّ الله ومن أجله. ولا يقوَى على ذلك إلا مَن تخلَّص من ذلِّ حظّه ورِقِّ هواه، فإنه حينئذٍ ينال حظًّا من العزِّ الذي قَسَم الله للمؤمنين، فإذا بُغيَ عليه

(1)

(ب، ط، ج): «يعفو» .

(2)

لم يرد «عبدًا» في (أ، ق، غ).

(3)

أخرجه البخاري (6786) ومسلم (2327) من حديث عائشة. وانظر كلام المؤلف على الآية الكريمة في مدارج السالكين (1/ 36)، (2/ 379).

(4)

(ج): «وسرّ المسألة» .

ص: 680

انتصر من الباغي، من أجل عزِّ الله الذي أعزَّه به، غيرةً على ذلك العزِّ أن يُستضامَ ويُقهَر، وحميَّةً للعبد المنسوب إلى العزيز الحميد أن يُستذَلَّ، فهو يقول للباغي عليه: أنا مملوكُ مَن لا يُذِلُّ مملوكَه، ولا يحبُّ أن يُذِلَّه أحد.

وإن كانت نفسُه الأمَّارةُ قائمةً على أصولها، لم تُجْتَثَّ بعدُ، طلبتْ الانتقامَ

(1)

والانتصارَ لحظّها وظَفَرها بالباغي، تشفِّيًا فيه وإذلالًا له. وأمَّا النفس المطمئنة التي خرجت من ذُلِّ حظِّها ورِقِّ هواها إلى عزِّ توحيدها وإنابتها إلى ربها، فإذا نالَها البغيُ قامت بالانتصار حميّةً ونصرةً للعزِّ الذي [160 ب] أعزَّها الله به ونالته منه، وهو في الحقيقة حميَّةٌ لربِّها ومولاها.

وقد ضُربَ لذلك مثلٌ بعبدَين من عبيد الغَلَّة حرَّاثَين، ضرب أحدُهما صاحبَه، فعفا المضروب عن الضَّارب، نُصحًا منه لسيِّده، وشفقةً على الضَّارب أن يعاقبه السيِّد، فلم يجشِّم سيّدَه كُلفةَ

(2)

عقوبتِه وإفسادِه بالضرب، فشكرَ العافي على عفوه، ووقع منه بموقع.

وعبدٌ آخرُ قد أقامه بين يديه، وجمَّلَه، وألبسه ثيابًا يقف بها بين يديه. فعمَد بعضُ سُوَّاس الدوابِّ وأضرابهم، ولطَّخ تلك الثيابَ بالعَذِرة، أو مزَّقها، فلو عفا عمَّن فعل به ذلك لم يوافق عفوُه رأيَ سيده ولا محبتَه، وكان

(1)

انفردت (ج) بهذا الصواب. وقد وردت «طلبت» في غيرها جميعًا بالتاء المربوطة. و «تجتث» غير منقوطة في الأصل، فرسمها النسَّاخ كما وجدوها. وحذفها بعضهم كما في (ن)، ولم تقرأ صحيحةً إلا في (ج، غ). وفي النسخ المطبوعة: «لم تحب بعد طلبه إلا الانتقام» فزيدت كلمة «إلا» مع التصحيف.

(2)

في النسخ المطبوعة: «خلقه» . وكذا في (غ، ق). والأصل غير منقوط. وفي غيرها بالفاء أو بالحاء والفاء. والصواب ما أثبت من (ب، ج).

ص: 681

الانتصارُ أحبَّ إليه وأوفق لمرضاته؛ كأنه يقول: إنما فُعِل هذا بك جراءةً عليَّ واستخفافًا بسلطاني. فإذا مكَّنه من عقوبته، فأذلَّه وقهَره، ولم يبق إلا أن يبطش به، فذلَّ وانكسر قلبه؛ فإنَّ سيِّده يحبُّ منه أن لا يعاقبه لحظِّه، وأن يأخذ منه حقَّ السيِّد، فيكون انتصارُه حينئذٍ لمحضِ حق سيِّدِه لا لنفسه.

كما رويَ عن علي رضي الله عنه أنه مرَّ برجل، فاستغاث به، وقال: هذا منعني حقِّي، ولم يعطني إياه. فقال: أعطِه حقَّه. فلما جاوزهما لجَّ الظالم، ولطم صاحب الحقِّ، فاستغاث بعليٍّ، فرجع، وقال: أتاك الغوث. فقال له: استعِدْ لطمتَك

(1)

، فقال: قد عفوتُ يا أمير المؤمنين. فضربَه عليٌّ تسع دُرَر، وقال: قد عفا عنك مَن لطمتَه، وهذا حقُّ السلطان. فعاقبه عليٌّ لما اجترأ على سلطان الله، ولم يدعه

(2)

.

ويشبه هذا قصة الرجل الذي جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال: احمِلْني، فوالله لأنا أفرَسُ منك ومن أبيك! وعنده المغيرة بن شعبة، فحسَر عن ذراعه، وصكَّ بها أنفَ الرجل، فسال الدم. فجاء قومه إلى أبي بكر فقالوا: أقِدْنا من المغيرة. فقال: أنا أقيدكم من وَزَعة الله

(3)

؟ لا أقيدكم منه

(4)

. فرأى أبو بكر أن ذلك انتصارٌ [161 أ] من المغيرة وحميةٌ لله وللعزِّ الذي أعَزَّ به خليفةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليتمكن بذلك العزِّ من حسن خلافته

(1)

(ب): «استقد

» وفي بعض النسخ المطبوعة: «استقد منه» ، غيّر في المتن.

(2)

القصة أخرجها الطبري في تاريخه (5/ 156).

(3)

وزَعة جمع وازِع. أراد الذين يكفُّون الناس عن الإقدام على الشر. النهاية لابن الأثير (5/ 180).

(4)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (17340) عن المغيرة بن شعبة.

ص: 682

وإقامة دينه، فترك قودَه لاجترائه على عزِّ الله وسلطانه الذي أعزَّ به رسولَه ودينَه وخليفتَه.

فهذا لون، والضربُ حميَّةً للنفس الأمَّارة لون.

فصل

والفرق بين سلامة القلب والبلَه والتغفُّل: أن سلامةَ القلب تكون من إرادة الشرِّ

(1)

بعد معرفتِه، فيسلَم قلبُه من إرادته وقصدِه، لا من معرفته والعلمِ به. وهذا بخلاف البلَه والغفلة، فإنها جهلٌ وقلّة معرفة. وهذا لا يُحمَد إذ هو نقص، وإنما يحمد الناسُ من هو كذلك لسلامتهم منه.

والكمالُ أن يكون القلب عارفًا بتفاصيل الشرِّ، سليمًا من إرادته. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:«لستُ بخَبٍّ ولا يخدعني الخَبُّ»

(2)

، وكان عمر أعقلَ من أن يُخدَع، وأورعَ من أن يَخدع

(3)

.

وقال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}

(1)

يعني كون القلب سليمًا من إرادة الشر. وكذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «من عدم إرادة الشر» . زادوا كلمة «عدم» دون تنبيه.

(2)

انظر: العقد (2/ 241) وأدب الدنيا والدين (14). وقد نسب في البيان للجاحظ (1/ 101) والحيوان (2/ 279)، والعقد (3/ 11) إلى إياس بن معاوية. وتكملة قوله:«ولا يخدع ابن سيرين، وهو يخدع أبي ويخدع الحسن» . وفي تهذيب اللغة (8/ 17) نسب إلى ابن سيرين.

(3)

هذا قول المغيرة عن عمر. انظر: العقد (2/ 241)، (3/ 11) وأدب الدنيا والدين (14). وفيهما «أفضل» مكان «أورع» .

ص: 683

[الشعراء: 88 ــ 89]. فهذا هو السليم

(1)

من الآفات التي تعتري القلوب المريضة، من مرضِ الشبهة التي تُوجب اتباعَ الظن، ومرضِ الشهوة التي توجب اتباعَ ما تهوى الأنفس. فالقلب السليم: الذي سَلِم من هذا وهذا.

فصل

والفرق بين الثقة والغِرَّة: أنَّ الثقة سكونٌ يستند إلى أدلَّة وأمارات يسكنُ القلب إليها، فكلما قويَت تلك الأمارات قويت الثقة واستحكمت، ولا سيَّما على كثرة التجارب وصدقِ الفراسة.

واللفظة كأنها ــ والله أعلم ــ من الوَثاق، وهو الرِّباط. فالقلب قد ارتبط بمَن وثق به توكُّلًا عليه وحسنَ ظنٍّ به، فصار في وثاق محبته ومعاملته والاستناد إليه والاعتماد عليه، فهو في وثاقه بقلبه وروحه وبدنه. فإذا سار القلبُ إلى الله وانقطع إليه تقيَّد بحبه وصار في وثاق العبودية، فلم يبقَ له مَفزعٌ في النوائب ولا ملجأ غيره. ويصير عدَّته في شدَّته، وذخيرتَه في نوائبه، وملجأه في نوازله، ومستعانَه في حوائجه وضروراته.

وأما الغِرَّة، فهي حال المغترِّ الذي غرَّتْه نفسُه وشيطانُه وهواه وأملُه الخائب الكاذب بربِّه، حتى أتبعَ نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني. والغرورُ ثقتُك بمَن لا يوثق به، وسكونُك إلى مَن لا يُسكَن إليه، ورجاؤك النفعَ من المحلِّ الذي لا يأتي بخير كحالِ المغترِّ بالسراب. قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39].

(1)

(ب، ج): «القلب السليم» .

ص: 684

وقال تعالى في وصف المغترِّين: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104]. فهؤلاء إذا انكشف الغطاء وثبتتْ حقائقُ الأمور علموا أنهم لم يكونوا على شيء، {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47].

وفي أثر معروف: «إذا رأيتَ الله سبحانه يزيدُك من نِعَمه، وأنت مقيمٌ على معصيته، فاحذره؛ فإنما هو استدراج يستدرجك به»

(1)

. وشاهد هذا في القرآن في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]. فهذا من أعظم الغِرَّة أن تراه يتابع عليك نعمَه، وأنت مقيم على ما يكره.

فالشيطان موكَّل بالغرور، وطبعُ الأنفس الأمَّارة: الاغترارُ. فإذا اجتمع الزاني والبغيُّ، والمرابي والمحتاجُ

(2)

، والشيطانُ الغَرورُ والنفسُ المغتَّرة= لم يقع هناك خلاف! فالشياطين غرُّوا المغترِّين بالله، وأطمعوهم ــ مع إقامتهم على ما يُسخِطُ الله ويُغضِبه ــ في عفوه وتجاوزه، وحدَّثوهم بالتوبة لتسكن قلوبهم، ثم دافعوهم بالتسويف حتى هجم الأجلُ، فأُخِذوا على أسوأ أحوالهم.

(1)

أخرجه الإمام أحمد في المسند (28/ 547) والزهد (12) عن عقبة بن عامر الجهني مرفوعًا، وحسَّنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء. وقد أورده المصنف من المسند في عدة الصابرين (386) والداء والدواء (77)، وهنا سمَّاه أثرًا. والآية التي استشهد بها جزء من متن الحديث.

(2)

الأصل غير منقوط. وهذه القراءة الصحيحة من (ب، ط، ن). وفي غيرها: «الرأي» موضع «الزاني» و «المرابي» كليهما، وهو تصحيف. وفي النسخ المطبوعة:«الرأي والبغي والرأي المحتاج» .

ص: 685

قال

(1)

تعالى: {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14]. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}

(2)

[فاطر: 5].

وأعظمُ الناسِ [162 أ] غرورًا بربِّه مَن إذا مسَّه الله برحمة منه وفضل قال: «هذا لي» . أي: أنا أهله، وجدير به، ومستحق له. ثم قال:{وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف: 36] فظنَّ أنه أهلٌ لما أُولِيَه

(3)

من النعم مع كفره بالله. ثم زاد في غروره، فقال:{وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50] يعني: الجنة والكرامة. فهكذا تكون الغِرَّة بالله، فالمغترُّ بالشيطان مغترٌّ بوعوده وأمانيه، وقد ساعده اغترارُه بدنياه ونفسِه، فلا يزال كذلك حتى يتردَّى في آبار الهلاك.

فصل

والفرق بين الرجاء والتمني: أنَّ الرجاء يكون مع بذلِ الجهد واستفراغِ الطاقة في الإتيان بأسباب الظَّفر والفوز. والتمني: حديثُ النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة: 218] فطوى سبحانه بساطَ الرجاء إلا عن هؤلاء.

(1)

(أ، ق، غ): «وقال» .

(2)

«وقال

الغرور» ساقط من الأصل.

(3)

(ب): «أوتيه» . وفي النسخ المطبوعة: أولاه.

ص: 686

وقال المغترُّون: إنَّ الذين ضيَّعوا أوامره، وارتكبوا نواهيَه، فاتبعوا

(1)

ما أسخطه، وتجنَّبوا ما يرضيه= أولئك يرجون رحمته؛ وليس هذا ببِدع من غرور النفس والشيطان لهم. فالرجاءُ لعبدٍ قد امتلأ قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر، فمَثَّل

(2)

بين عينيه ما وعَده الله من كرامته وجنته، فامتدَّ القلبُ مائلًا إلى ذلك شوقًا إليه وحِرصًا عليه. فهو شبيهٌ بالمادِّ عنقَه إلى مطلوبٍ قد صار نُصْبَ عينيه.

وعلامة الرجاء الصحيح أنَّ الراجي ــ لخوفِ

(3)

فَوتِ الجنة وذهابِ حظِّه منها ــ يترك

(4)

ما يخاف أن يحول بينه وبين دخولها. فمَثَلُه مَثلُ رجلٍ خطَب امرأةً كريمةً في منصبٍ وشرفٍ إلى أهلها، فلما آن وقتُ العقد واجتماعِ الأشراف والأكابر وإتيانِ

(5)

الرجل إلى الحضور= أُعلِمَ عَشيَّةَ ذلك اليوم ليتأهبَ للحضور، فيراه أهل

(6)

المرأة وأكابرُ الناس، فأخذ في

(1)

ما عدا الأصل: «واتبعوا» .

(2)

الضبط من (غ، ن).

(3)

صحَّفه بعض النسَّاخ إلى «نخوف» (ن، غ) و «بخوف» (ق). وكتب بعض من قرأ «ن» على طرتها: «بيان: يخاف» ، وكذا «يخاف» في النسخ المطبوعة.

(4)

(ن، غ): «بترك» . وكذا في النسخ المطبوعة نتيجة لإثبات «يخاف» في السطر السابق.

(5)

في الأصل: «وأتى» دون نقط. وفي (ن، ز) كذا بالتاء. وقراءة (غ، ق): «وافى» . وفي (ب): «وأذعن» ، و (ج):«ودُعِي» ، و (ط):«وأبى الرجال إلا الحضور» . وهذه القراءات الثلاث حاولت إصلاح النص. وفي (ن، ز): «فلما أن وقع العقد، واجتمع

وأتى» أخطأ في قراءة «آن» فغيَّر في المتن. وكلمة «أتى» قلقة، ولعل المصنف كتب الفعل سهوًا وأراد المصدر كما أثبتنا من النسخ المطبوعة.

(6)

لم ترد كلمة «أهل» في الأصل، ولا في (ق، غ).

ص: 687

التأهُّب والتزيين والتجمُّل، فأخذ من فضولِ شعره، وتنظَّف وتطيَّب، ولبس أجمل ثيابه، وأتى إلى تلك الدار متَّقِيًا في طريقه كلَّ وسخ ودنس وأثر يصيبه أشدَّ تقوى، حتى الغبار والدخان وما هو دون ذلك. فلما وصل إلى الباب رحَّب به ربُّها، ومَكَّن له في صدر الدار على الفرُش والوسائد، ورمقته العيون، وقُصِد بالكرامة من كل ناحية.

فلو أنه ذهب بعد أخذ هذه الزينة، فجلس في المزابل، وتمرَّغ عليها، وتمعَّك بها، وتلطَّخ في بدنه وثيابه بما عليها من عَذِرة وقذَر، ودخل ذلك في شَعْره وبَشَره وثيابه، فجاء على تلك الحال إلى تلك الدار، وقصدَ دخولَها للوعد الذي سبق له= لقامَ

(1)

إليه البوَّابُ بالضرب والطرد، والصياح عليه، والإبعاد له من بابها وطريقها، فرجع متحيِّرًا خاسئًا

(2)

.

فالأول حالُ الرَّاجي، وهذا حال المتمنِّي.

وإن شئت مثَّلتَ حالَ الرجلين بملِكٍ هو من أغنى

(3)

الناس وأعظمهم أمانةً، وأحسنهم معاملة، لا يضيع لديه حقُّ أحد، وهو يعامل الناس من وراء سِترٍ لا يراه أحد، وبضائعُه وأمواله وتجاراته وعبيده وإماؤه ظاهرٌ بارز في داره للمعاملين. فدخل عليه رجلان، فكان أحدهما يعامله بالصدق والأمانة والنصيحة، لم يجرِّب عليه غِشًّا ولا خيانة ولا مَكرًا، فباعه بضائعه كلَّها، واعتمد مع مماليكه وجواريه ما يحب أن يعتمد معهم. فكان إذا دخل إليه ببضاعة تخيَّر له أحسنَ البضائع وأحبَّها إليه، وإن صنعها بيده بذل جهدَه في

(1)

في الأصل: «فقام» ، وهو سهو. وكذا في (ق، غ).

(2)

(ن، ز): «خاسرا» .

(3)

في (ق، غ، ط): «أغير» . ورسمها في الأصل يشبه هذا. وهو تصحيف.

ص: 688

تحسينها وتنميقها، وجعل ما خفِي منها أحسنَ مما ظهر، وتسلَّم المؤنةَ ممن أمره أن يتسلَّمها

(1)

منه، وامتثل ما أمره به السفير بينه وبينه في مقدار ما يعمله وصفته وهيئته وشكله ووقته

(2)

وسائر شؤونه.

وكان الآخرُ إذا دخل دخل

(3)

بأخسِّ بضاعة يجدُها، لم يخلِّصْها من الغش ولا نصحَ فيها، ولا اعتمد في أمرها ما قاله المترجِمُ عن الملك والسفيرُ بينه وبين الصناع والتجار، بل كان يعملها على ما يهواه هو. ومع ذلك فكان [163 أ] يخون الملك في داره إذ

(4)

هو غائب عن عينه، فلا يلوح له طمعٌ إلا خانه، ولا حرمةٌ للملك إلا مدَّ بصره إليها وحرَص على إفسادها، ولا شيء

(5)

يُسخِط الملك إلا ارتكبه إذا قدَر عليه.

فمضَيا على ذلك مدَّةً، ثم قيل: إنَّ الملك يبرُز اليوم لمعامليه، حتى يحاسبهم، ويعطيهم حقوقَهم. فوقف الرجلان بين يديه، فعاملَ كلَّ واحد منهما بما يستحقُّه.

فتأمل هذين المثلين، فإنَّ الواقع مطابق لهما. فالرَّاجي على الحقيقة لمَّا صارت الجنةُ نُصْبَ عينيه ورجاءَه وأملَه امتدَّ إليها قلبه، وسعى لها سعيَها ــ فإنَّ الرجاءَ هو: امتدادُ القلب وميلُه ــ وحقَّق رجاءَه كمالُ التأهُّب، وخوفُ

(1)

في النسخ المطبوعة: «ويستلم المؤنة

يستلمها» صحفوها على لغتهم الدارجة.

(2)

في النسخ المطبوعة: «ورقّته» ، تصحيف.

(3)

ساقط من الأصل.

(4)

في (أ، ق): «أو» ، صوابه ما أثبتنا من (ب). وفي (ج):«إذا هو غاب» .

(5)

من (غ، ج) وحاشية (ن)، وفي غيرهما:«شيئًا» .

ص: 689

الفوت، والأخذُ بالحذر. وأصلُه من التنحِّي

(1)

. ورَجَا البئرِ: ناحيتُه. وأرجاءُ السماء: نواحيها. وامتدادُ القلب إلى المحبوب منقطعًا عما يقطعه عنه هو: تنحٍّ عن النفس الأمَّارة وأسبابها وما تدعو إليه.

وهذا الامتداد والميل والخوف من شأن النفس المطمئنة، فإنَّ القلب إذا انفسحت بصيرتُه

(2)

، فرأى الآخرة وما أعدَّ اللهُ فيها لأهل طاعته وأهل معصيته؛ خافَ وخفَّ مرتحلًا إلى الله والدارِ الآخرة. وكان قبل ذلك مطمئنًّا إلى النفس، والنفسُ إلى الشهوات والدنيا. فلما انكشفَ عنه غطاءُ النفس خفَّ وارتحل عن جوارها طالبًا جوارَ العزيز الرحيم في جنَّات النعيم.

ومن هاهنا صار كلُّ خائف راجيًا، وكلُّ راجٍ خائفًا، فأُطلق اسم أحدهما على الآخر؛ فإنَّ الراجي قلبُه قريبُ الصفةِ من قلب الخائف: هذا الراجي قد نحَّى قلبَه عن مجاورة النفس والشيطان مرتحلًا إلى الله، قد رُفِع له من الجنة علَمٌ فشمَّر إليه وأمَّه

(3)

مادًّا إليه قلبَه كلَّه. وهذا الخائف فارٌّ من جوارهما، ملتجئٌ إلى الله من حبسهما له

(4)

في سجنهما في الدنيا، فيُحبسَ معهما بعد الموت ويوم القيامة؛ فإنَّ المرءَ مع قرينه في الدنيا والآخرة. فلما سمع الوعيد ارتحل من مجاورة السوء في الدارين، فأُعطِيَ اسم الخائف، ولما

(1)

الراء والجيم والحرف المعتل عند ابن فارس أصلان متباينان، يدل أحدهما على الأمل والآخر على ناحية الشيء. مقاييس اللغة (2/ 494).

(2)

كذا في الأصل و (ق، ز). أي: امتَدت وتوسَّعت. من انفسح الطرف: امتدَّ دون عائق (المعجم الوسيط) وانظر اللسان (فسح). وفي غيرها: «انفتحت» .

(3)

أي قصده. وفي النسخ المطبوعة: «وله» !

(4)

«له» ساقط من (أ، ق، غ).

ص: 690

سمع الوعدَ امتدَّ واستطال

(1)

شوقًا إليه وفرحًا بالظفر به، فأُعطيَ اسم الراجي. وحالاه متلازمان لا ينفكُّ عنهما، فكلُّ راجٍ خائفٌ من فوات ما يرجوه، كما أنَّ كلَّ خائفٍ راجٍ أمنه مما يخاف. فلذلك تداول الاسمان عليه. قال تعالى:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13]. قالوا في تفسيرها: لا تخافون لله عظَمة

(2)

.

وقد تقدَّم أنه سبحانه طوى الرجاءَ إلا عن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا. وقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بأنه ذو شُعَب وأعمال ظاهرة وباطنة

(3)

، وفسَّر الهجرة بأنها هجرةُ ما نهى الله عنه، والجهادَ بأنه جهادُ النفس في ذات الله، فقال:«المهاجرُ من هَجَر ما نهى الله عنه، والمجاهدُ من جاهد نفسه في ذات الله»

(4)

. والمقصودُ أن الله سبحانه جعل أهل الرجاء مَنْ

(1)

في النسخ المطبوعة: «استطار» خلافًا لما في جميع النسخ دون تنبيه.

(2)

رواه أبو صالح عن ابن عباس. زاد المسير (2/ 96). وانظر: الدر المنثور (14/ 705). ولكن لم يوجد الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي. انظر: تفسير الطبري (7/ 456).

(3)

يشير إلى نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» . أخرجه البخاري (9) وهذا لفظه، ومسلم (35) عن أبي هريرة.

(4)

أخرجه الإمام أحمد (23958)، وابن حبان (4862)، والحاكم (1/ 10) من حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه في حجة الوداع، وفيه:«والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» .

وأخرج الترمذي (1621) الشطر الثاني منه، وابن ماجه (3934) الشطر الأول.

وإسناده جيد وصحّحه الترمذي والحاكم.

وقوله: «المهاجر من هجر ما الله عنه» ورد في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عند البخاري (10، 6484) وغيره. (قالمي).

ص: 691

آمنَ وهاجر وجاهد، وأخرجَ مَنْ سواهم من هذه الأمم.

وأما الأماني، فإنها «رؤوس أموال المفاليس»

(1)

،

أخرجوها في قالب الرجاء، و {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111]. وهي تصدر من قلبٍ تزاحمت

(2)

عليه وساوِسُ النفس، فأظلم من دخانها، فهو يستعمل قلبَه في شهواتها. وكلَّما فعَل ذلك منَّتْه حسنَ العاقبة والنجاةَ، وأحالته على العفو والمغفرة والفضل، وأنَّ الكريمَ لا يستوفي حقَّه، ولا تضرُّه الذنوب، ولا تنقصُه المغفرة. ويسمِّي ذلك رجاءً، وإنما هو وسواسٌ

(3)

وأمانيُّ باطلةٌ تَقذِف بها النفس إلى القلب الجاهل، فيستَرْوِح

(4)

إليها. قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123].

فإذا ترك العبدُ ولايةَ الحق ونصرتَه ترك اللهُ ولايتَه ونصرتَه، ولم يجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا. وإذا ترك ولايته ونصرته

(5)

تولَّتْه نفسُه والشيطان

(1)

اقتبسه من قول أبي بكر الخالدي:

لا تكن عبد المنى، فالمنى

رؤوسُ أموالِ المفاليس

التمثيل والمحاضرة (113).

وأنشد ابن قتيبة في عيون الأخبار (1/ 261) لشاعر:

إذا تمنَّيتُ بتُّ الليلَ مغتبطًا

إن المنى رأس أموال المفاليس

وانظر: الحيوان (5/ 191).

(2)

(ب، ج): «تراكمت» ، تصحيف.

(3)

(ب، ط، ج): «وساوس» .

(4)

غيره الناشرون إلى «فيستريح» .

(5)

«ولم يجد له

نصرته» ساقط من (ب، ط، ج).

ص: 692

فصارا وليَّين له، ووُكِل إلى نفسه فصار انتصاره لها بدلًا من نصرة الله ورسوله، فاستَبدلَ بولاية الله ولايةَ نفسه وشيطانه، وبنصرته نصرةَ نفسه وهواه، فلم يدَعْ للرجاء موضعًا.

فإذا قالت لك النفس: أنا في [164 أ] مقام الرجاء، فطالِبْها بالبرهان، وقل: هذه أمنيةٌ، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

فالكيِّسُ يعمل أعمال البرِّ على الطمع والرجاء، والأحمقُ العاجزُ

(1)

يعطِّل أعمال البرِّ، ويتَّكل على الأماني التي يسمِّيها رجاءً. والله الموفِّق للصواب.

فصل

والفرقُ بين التحدُّث بنعم الله، والفخر بها: أن المتحدث بالنعمة مخبِرٌ عن صفات وليِّها

(2)

ومحضِ جودهِ وإحسانه، فهو مُثْنٍ عليه بإظهارها والتحدُّث بها، شاكر له، ناشر لجميع

(3)

ما أوْلاه. مقصودُه بذلك إظهارُ صفاتِ الله ومدحُه والثناءُ عليه، وبعثُ النفوسِ على الطلب منه دون غيره، وعلى محبته ورجائه، فيكون داعيًا

(4)

إلى الله بإظهار نعمِه ونشرِها والتحدُّثِ بها.

(1)

(ب، ج): «الفاجر» ، تصحيف. وهو ساقط من (ز). وزاد فيها بعد «أعمال البر»: بل ويعمل أعمال الفجرة.

(2)

(ن، ز): «مُوليها» .

(3)

(ب، ج، ز، ن): «لجميل» .

(4)

(ق): «راغبًا» ، تصحيف.

ص: 693

وأما الفخر بالنعم، فهو أن يستطيل بها على الناس، ويُريهم أنه أعزُّ منهم وأكبر، فيركبُ أعناقهم، ويستعبدُ قلوبهم ويستميلُها إليه بالتعظيم والخدمة. قال النعمان بن بشير: إنَّ للشيطان مصاليَ

(1)

وفخوخًا. وإنَّ من مصاليه وفخوخهِ البطشَ بنعم الله، والكبرَ على عباد الله، والفخرَ بعطيَّةِ الله، والهونَ

(2)

في غير ذات الله

(3)

.

فصل

والفرق بين فرح القلب وفرح النفس ظاهر، فإنَّ الفرح بالله ومعرفته ومحبته وكلامه من القلب. قال تعالى:{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [الرعد: 36]. فإذا كان أهل الكتاب يفرحون بالوحي، فأولياء الله وأتباعُ رسوله أحقُّ بالفرح به.

وقال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].

وقال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].

(1)

جمع مِصْلاة. قال أبو عبيد في غريب الحديث (3/ 396): هي شبيه بالشرَك ينصب للطير وغيرها.

(2)

كذا في جميع النسخ. وفي مصادر التخريج: «واتباع الهوى» .

(3)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (553)، والخرائطي في اعتلال القلوب (69). وانظر: السلسلة الضعيفة (2463).

ص: 694

قال أبو سعيد الخُدريُّ: فضلُ الله: القرآن. ورحمتُه: أن جعلكم من أهله

(1)

.

وقال هلال بن يَسَاف: فضلُ الله ورحمته: الإسلامُ الذي هداكم إليه، والقرآنُ الذي علَّمكم، وهو خيرٌ من الذهب والفضة الذي تجمعون

(2)

.

وقال ابن عباس والحسن وقتادة [164 ب] وجمهور المفسرين: فضل الله الإسلام. ورحمته القرآن

(3)

.

فهذا فرحُ القلب، وهو من الإيمان ويثابُ عليه العبد، فإن فرحَه به يدل على رضاه به، بل هو فوق الرِّضا. فالفرحُ بذلك على قدر محبته، فإنَّ الفرح إنما يكون بالظفر بالمحبوب، وعلى قدر محبته يفرح بحصوله له. فالفرحُ بالله وأسمائه وصفاته ورسوله وسنَّته وكلامه: محضُ الإيمان وصَفوُه ولبُّه، وله عبودية عجيبة وأثر في القلب لا يعبَّر عنه.

فابتهاجُ القلب وسرورُه وفرحُه بالله وأسمائه وصفاته وكلامه ورسوله ولقائه أفضلُ ما يُعطاه، بل هو أجلُّ عطاياه. والفرحُ في الآخرة بالله ولقائه بحسَب الفرح به ومحبته في الدنيا. فالفرحُ بالوصول إلى المحبوب يكون على حَسَب قوة المحبة وضعفها. فهذا شأن فرح القلب.

وله فرحٌ آخر، وهو فرحُه بما منَّ الله به عليه من معاملته والإخلاص له والتوكُّل عليه والثقة به وخوفه ورجائه. وكلما تمكَّن في ذلك قوِيَ فرحُه وابتهاجُه.

(1)

أخرجه الطبري في تفسيره (15/ 106).

(2)

أخرجه الطبري (15/ 106).

(3)

المصدر السابق (15/ 107).

ص: 695

وله فرحةٌ أخرى عظيمةُ الوقع عجيبةُ الشأن. وهي الفرحة التي تحصل له بالتوبة، فإنَّ لها فرحةً عجيبة لا نسبةَ لفرحةِ المعصية إليها البتة. فلو علم العاصي أنَّ لذةَ التوبة وفرحتَها تزيد على لذةِ المعصية وفرحتِها أضعافًا مضاعفةً لَبادرَ إليها أعظم من مبادرته إلى لذة المعصية.

وسرُّ هذا الفرح إنما يعلَمُه مَن عَلِمَ سرَّ فرح الربِّ تعالى بتوبة عبده أشدَّ فرح يقدَّر. ولقد ضرَب له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا ليس في أنواع الفرح في الدنيا أعظم منه، وهو فرحُ رجلٍ قد خرج براحلته التي عليها طعامه وشرابه في سفر، ففقدها في أرض دَوِّيَّة

(1)

مَهْلَكة، فاجتهد في طلبها فلم يجدها، فيئس منها، فجلس ينتظر الموت، حتى إذا طَلَع البدرُ رأى في ضوئه راحلَته وقد تعلَّق زمامُها بشجرة، فقال من شدة فرحه: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك. أخطأ من شدَّة الفرح، فالله أفرَحُ بتوبة عبده [165 أ] من هذا براحلته

(2)

.

فلا ينكَر أن يحصل للتائب نصيب وافرٌ من الفرح بالتوبة، ولكن هاهنا أمرٌ يجب التنبيه عليه، وهو أنه لا يصل إلى ذلك إلا بعد تَرحاتٍ ومضَضٍ ومِحَن لا تثبتُ لها الجبال، فإن صبَر لها ظفِر بلذة الفرح، وإن ضعُف عن حملها ولم يصبر لها لم يظفر بشيء. وآخرُ أمره فواتُ ما آثره من فرحة المعصية ولذتها، فيفوته الأمران، ويحصلُ على ضدِّ اللذة من الألم المركَّب من وجود المؤذي وفوت المحبوب، فالحكم لله العلي الكبير.

(1)

(ن): «داوية» ، وكلاهما بمعنى الفلاة.

(2)

أخرجه البخاري عن ابن مسعود (6308) وعن أنس (6309)، ومسلم عن ابن مسعود (2744) والبراء (2746) وأنس (2747) وغيرهم.

ص: 696

فصل

وهاهنا فرحةٌ أعظمُ من هذا كلِّه. وهي فرحته عند مفارقته الدنيا إلى الله، إذا أرسَلَ إليه الملائكةَ، فبشَّروه بلقائه، وقال له ملك الموت: اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، أبشِري برَوح وريحان وربٍّ غير غضبان، اخرجي راضية مرضيًّا عنك {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 ــ 30].

فلو لم يكن بين يدي التائب إلا هذه الفرحة وحدها لكان العقل يأمره بإيثارها، فكيف ومِن بعدها أنواعٌ من الفرح! منها صلاةُ الملائكة الذين بين السماء والأرض على روحِه. ومنها فتحُ أبواب السماء لها، وصلاةُ ملائكة السماء عليها، وتشييعُ مقرَّبيها لها إلى السماء الثانية فتُفتَح لها، ويصلِّي عليها أهلُها، ويشيِّعُها مقرَّبوها هكذا إلى السماء السابعة. فكيف يقدَّر فرحُها وقد استؤذن لها على ربِّها ووليِّها وحبيبها، فوقفتْ بين يديه، وأذِنَ لها بالسجود فسجدَتْ، ثم سمعَتْه سبحانه يقول: اكتبوا كتابه في علِّيين. ثم يُذهب به، فيرى الجنةَ ومقعدَه فيها وما أعدَّ الله له، ويلقَى أصحابه وأهله فيستبشرون به ويفرحون به، ويفرح بهم فرحَ الغائب يقدَم على أهله، فيجدهم على أحسن حال، ويقدَم عليهم بخيرِ ما قدم به مسافر.

هذا كلُّه قبل الفرح الأكبر يومَ حشرِ الأجساد، بجلوسه في ظل العرش، وشُربِه من الحوض، وأخذِه كتابَه بيمينه، وثقَلِ ميزانه، وبياضِ وجهه، وإعطائه النورَ التامَّ، والناسُ في الظلمة؛ وقطعِه جسرَ جهنم بلا تعويق، وانتهائه إلى باب الجنَّة وقد أُزلفت له في الموقف، وتلقِّي خَزَنتها له بالترحيب والسلام والبشارة، وقدومه على منازله وقصوره وأزواجه وسراريِّه.

ص: 697

وبعد ذلك فرحٌ آخر لا يُقدَّر ولا يُعبَّر عنه، تتلاشى هذه الأفراح كلُّها عنده، وإنما يكون لأهل السنَّة المصَدِّقين برؤية وجه ربهم تبارك وتعالى من فوقهم، وسلامه عليهم، وتكليمه إياهم ومحاضرته لهم

(1)

:

وليست هذه الفرَحاتُ إلَّا

لذي التَّرَحاتِ في دار الرزايا

فشمِّر ما استطعت الساقَ واجهَدْ

لعلَّكَ أن تفوزَ بذي العطايا

وصُمْ عن لذَّة حُشِيَتْ بلاءً

لِلذَّاتٍ خلَصْن من البلايا

ودَعْ أمنيَّةً إن لم تَنَلْها

تعذَّبْ أو تُنَلْ كانت منايا

(2)

ولا تَستَبْطِ وعدًا من رسولٍ

أتى بالحقِّ من ربِّ البرايا

فهذا الوعدُ أدنى من نعيمٍ

مضى بالأمس لو وُفِّقْتَ رَايا

فصل

والفرق بين رِقَّة القلب والجزَع: أنَّ الجزَع ضعفٌ في النفس وخوفٌ

(3)

(1)

في (ز، ن): «محاضرتهم له» ، وهو غلط. والمصنف يشير إلى الحديث الذي أخرجه الترمذي (2549) وابن ماجه (4336) عن أبي هريرة. وفيه:«ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرةً حتى يقول: يا فلان بن فلان، أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟» . انظر الحديث وكلام المصنف عليه في حادي الأرواح (571 ــ 573) وتخريج محققه له (177). وانظر: الكافية الشافية (1021).

وفي (غ) زيادة بعده: «وبهذا قال الشاعر» . وفي (ب) مكانه: «كما قال» . ولم أقف على الأبيات، ولعلها للمصنف رحمه الله.

(2)

في الأصل: «تعدت» مكان «تعذَّب» . وكذا في (غ). وفي (ق) لم ينقط. والمثبت من غيرها.

(3)

(ب، ج): «خور» .

ص: 698

في القلب، يمدُّه شدة الطمع والحرص، ويتولَّد من ضعف الإيمان بالقدر؛ وإلا فمتى عُلِم أن المقدَّر

(1)

كائنٌ ولابدَّ كان الجزع عناءً محضًا ومصيبة ثانية. قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 22، 23]. فمتى آمن العبدُ بالقدر، وعلم أنَّ المصيبة مقدَّرةٌ في الحاصل والغائب؛ لم يجزع، ولم يفرح.

ولا ينافي هذا رقَّةَ القلب، فإنها ناشئةٌ من صفة الرحمة التي هي كمال. والله إنما يرحم من عباده الرحماءَ

(2)

. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقَّ الناس قلبًا، وأبعدَهم من [166 أ] الجزع. فرقَّةُ القلب رحمة ورأفة، وجزَعُه مرض وضعف.

فالجزع حال قلبٍ مريضٍ بالدنيا، قد غشِيَه دخانُ النفس الأمَّارة، فأخذ بأنفاسه، وضيَّق عليه مسالكَ الآخرة، وصار في سجن الهوى والنفس، وهو سجنٌ ضيِّق الأرجاء مظلمُ المسالك؛ فلانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله. فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة الله وإجلالِه= رَقَّ، وصارت فيه الرأفةُ والرحمة. فتراه رحيمًا رقيق القلب بكلِّ ذي قُربى ومسلمٍ، يرحم النملةَ في جُحرها، والطيرَ في وكرها، فضلًا عن بني جنسه. فهذا أقربُ القلوب من الله تعالى.

(1)

(ز، ن): «المقدور» . (ب، ج، ط): «القدر» .

(2)

أخرجه البخاري (1284) من حديث أسامة بن زيد.

ص: 699

قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحمَ الناسِ بالعيال

(1)

.

والله سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدًا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة، وإذا أراد أن يعذِّبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة، وأبدله بهما الغلظة والقسوة.

وفي الحديث الثابت: «لا تُنزَع الرحمة إلا من شقي»

(2)

.

وفيه: «من لا يرحم لا يُرحم»

(3)

.

وفيه: «ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم مَن في السماء»

(4)

.

(1)

أخرجه مسلم (2316).

(2)

أخرجه أبو داود (4942)، والترمذي (1924)، والإمام أحمد (8001، 9702، 10951)، والبخاري في الأدب المفرد (374)، وأبو يعلى (6141)، وابن حبان (462، 466)، والحاكم (4/ 248) من طريق منصور بن المعتمر، عن أبي عثمان مولى المغيرة بن شعبة، عن أبي هريرة. وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم. (قالمي)

(3)

أخرجه البخاري (5997، 6013) ومسلم (2318، 2319) عن أبي هريرة، وعن جابر بن عبد الله.

(4)

أخرجه أبو داود (4941)، والترمذي (1924)، والإمام أحمد (6494)، وابن المبارك في المسند (270)، وابن أبي شيبة (25355)، والحميدي (591)، والحاكم (4/ 159) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو.

وصحَّحه الترمذي والحاكم، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (ص 16). وفيه أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو، قال الذهبي في الميزان (4/ 563):«لا يعرف، تفرد عنه عمرو بن دينار» . وقال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة (88) بعد نقل تصحيح الترمذي والحاكم له: «وكان ذلك باعتبار ما له من المتابعات والشواهد وإلا فأبو قابوس لم يرو عنه سوى ابن دينار، ولم يوثقه سوى ابن حبان ــ يعني في ثقاته (5/ 588) ــ على قاعدته في توثيق من لم يجرح» اهـ. (قالمي)

ص: 700

وفيه: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقِسط متصدِّق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفِّف ذو عيال»

(1)

.

والصدِّيقُ إنما فَضَلَ الأمَّةَ

(2)

بما كان في قلبه من الرحمة العامة زيادةً على الصدِّيقيَّة، ولهذا ظهر

(3)

أثرُها في جميع مقاماته، حتى في الأسارى يوم بدر، واستقرَّ الأمر على ما أشار به

(4)

. وضرَب له النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بعيسى وإبراهيم

(5)

.

(1)

جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (2865) عن عياض بن حمار المجاشعي.

(2)

(ط): «هذه الأمة» .

(3)

في الأصل: «اظهر» ، ولعله سهو. وكذا في (ق).

(4)

انظر حديث عمر في صحيح مسلم (1763).

(5)

أخرجه الإمام أحمد (3632)، وابن أبي شيبة (37845)، وابن جرير الطبري في تفسيره (11/ 273 ــ 274) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى» الحديث. وفيه: «إنَّ مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام، قال: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]» .

وأخرجه أبو يعلى (5187)، والطبراني في الكبير (10258، 10259)، والحاكم (3/ 21 - 22) من طرق أخرى عن الأعمش به، بنحوه.

وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» . كذا قال! وفيه نظر؛ لأن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه مرسلة على الصحيح.

ولما أخرج الترمذي (1714) الحديث من طريق أبي معاوية به، مقتصرًا على طرفه الأول، قال:«وهذا حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه» . وإنما حسَّنه لما له من الشواهد التي أشار إليها بقوله: «وفي الباب عن عمر، وأبي أيوب، وأنس، وأبي هريرة» .

ثم وجدت لبعضه شاهدًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1424)، وابن عدي في الكامل (3/ 171)، وأبو الشيخ في الأمثال (310)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (2513)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 304). وفيه سعيد بن عجلان ذكره ابن حبان في الثقات (6/ 360) وقال:«يخطئ ويخالف» . ورباح بن أبي معروف مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب. (انظر: تهذيب التهذيب 3/ 204) على أن ابن عدي أورد له جملة أحاديث منها حديثه هذا ثم ختم ترجمته بقوله: «ولرباح أحاديث غير ما ذكرت وما أرى برواياته بأسًا ولم أجد له حديثًا منكرًا» .

وله شاهد آخر عن أمّ سلمة رضي الله عنها، أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (715) ج (23) وفي سنده ضعف.

وبالجملة فالحديث بهذه الشواهد يرتقي إلى الحسن والله أعلم. (قالمي).

ص: 701

والربُّ سبحانه هو الرؤوف الرحيم، وأقربُ الخلق إليه أعظمُهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه من اتَّصف بضدِّ صفاته. وهذا باب لا يلِجُه إلا أفرادٌ في العالم.

فصل

والفرق بين الموجِدة والحقد: أنَّ الوَجْد الإحساسُ بالمؤلم، والعلمُ به، وتحرُّك النفس في دفعه؛ فهو كمال. وأما الحقد فهو إضمارُ الشرِّ، وتوقُّعه كلَّ وقت فيمن وجَدْتَ عليه، فلا يزايلُ القلبَ أثرُه.

وفرق آخر، وهو أنَّ الموجدةَ لما ينالك منه، [166 ب] والحقدَ لما يناله

ص: 702

منك. فالموجدةُ وجودُ ما نالك من أذاه، والحقدُ توقُّعُ وجودِ ما يناله من المقابلة. فالموجدة سريعة الزوال، والحقد بطيء الزوال. والحقد يجيء مع ضيقِ القلب واستيلاءِ ظلمةِ النفس ودخانِها عليه، بخلاف الموجدة فإنها تكون مع قوته وصلابته وقوة نوره وإحساسه.

فصل

والفرق بين المنافسة والحسد: أنَّ المنافسةَ المبادرةُ إلى الكمال الذي تشاهدُه من غيرك، فتنافسُه فيه، حتى تلحقَه أو تجاوزَه. فهي من شرف النفس وعلوِّ الهمة وكبر القَدْر. قال تعالى:{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].

وأصلها من الشيء النفيس الذي تتعلَّقُ به النفوس طلبًا ورغبةً، فتنافسُ فيه كلٌّ من النَفْسين الأخرى، وربما فرحت إذا شاركتها فيه، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنافسون في الخير، ويفرحُ بعضُهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحضُّ بعضُهم بعضًا عليه مع تنافسهم فيه. وهي نوع من المسابقة، وقد قال تعالى:{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، وقال تعالى:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: 21].

وكان عمر بن الخطاب يُسابق أبا بكر فلم يظفَرْ بسَبْقهِ أبدًا. فلما علم أنه قد استولى على الأمَد

(1)

قال: والله لا أسابقُك إلى شيء أبدًا

(2)

! وقال: والله

(1)

في الأصل: «الأمة» ، وكذا في (ق، ط). والصواب ما أثبتنا من غيرها. وفي النسخ المطبوعة: «الإمامة» ، أرادوا الإصلاح فأفسدوا.

(2)

أخرجه أبو داود (1680) من حديث عمر.

ص: 703

ما سابقتُه إلى خيرٍ إلا وجدتُه قد سبقني إليه

(1)

.

والمتنافسان كعبدين بين يدي سيِّدهما يتباريان ويتنافسان في مَرْضاته، ويتسابقان إلى محابِّه، فسيِّدُهما يُعجبه ذلك منهما ويُحثُّهما عليه، وكلٌّ منهما يحبُّ الآخر ويحرِّضُه على مرضاة سيده.

والحسدُ خلُقُ نفسٍ ذميمةٍ وضيعةٍ ساقطةٍ، ليس فيها حرصٌ على الخير. فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخيرَ والمحامدَ ويفوز بها دونها، وتتمنى أن لو فاته كسبُها حتى يساويها في العُدْم، كما قال تعالى:{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89]. وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109].

فالحَسودُ عدوُّ النعمة، متمَنٍّ

(2)

زوالَها عن المحسود كما زالت عنه هو. والمنافسُ سابقُ

(3)

النعمة، متمنٍّ تمامَها عليه وعلى من ينافسه. فهو ينافس غيرَه أن يعلو

(4)

عليه، ويحبُّ لحاقَه به أو مجاوزته له في الفضل. والحسود يحبُّ انحطاطَ غيره حتى يساويَه في النقصان. وأكثرُ النفوس الفاضلة الخيِّرة تنتفع بالمنافسة، فمَن جعل نُصْبَ عينيه شخصًا من أهل الفضل والسبق فنافسه انتفع به كثيرًا، فإنه يتشبَّه به، ويطلب اللحاق به والتقدُّمَ عليه. وهذا لا

(1)

أخرجه أحمد في المسند (175) عن عمر.

(2)

في (ب، ج، غ): «يتمنى» هنا وفيما يأتي.

(3)

كذا في الأصل وغيره. وفي (ن): «سائق» . وفي النسخ المطبوعة: «مسابق» .

(4)

(ط): «ليعلو» . وفي (ب، ج): «ويعلو» .

ص: 704

نذمُّه

(1)

.

وقد يطلق اسم الحسد على المنافسة المحمودة، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:«لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناءَ الليل وأطرافَ النهار. ورجل آتاه الله مالًا، فسلَّطه على هَلَكتِه في الحقِّ»

(2)

. فهذا حسدُ منافسة وغبطة يدل على علوِّ همة صاحبه، وكبرِ نفسِه، وطلِبها للتشبُّه بأهل الفضل.

فصل

والفرق بين حبِّ الرياسة، وحبِّ الإمامة

(3)

للدعوة إلى الله، هو الفرق بين تعظيم أمرِ الله والنصحِ له، وتعظيم النفس والسعي في حظها.

فإنَّ الناصحَ لله المعظِّمَ له المحبَّ له يحِبُّ أن يطاع ربُّه فلا يُعصَى، وأن تكون كلمتُه

(4)

العليا، وأن يكونَ الدين كلُّه لله، وأن يكون العبادُ ممتثلين أوامرَه مجتنبين نواهيَه. فقد

(5)

ناصحَ اللهَ في عبوديته، وناصحَ خلقَه في الدعوة إلى الله، فهو يحبُّ الإمامة في الدِّين

(6)

، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين. فإذا أحبَّ هذا

(1)

ما عدا (أ، ق، غ): «لا يذم» .

(2)

سبق تخريجه.

(3)

في (ق، ن): «الأمانة» . وفي النسخ المطبوعة: «الإمارة» . وكلاهما تحريف.

(4)

زاد الناشرون بعدها: «هي» .

(5)

كذا في جميع النسخ. ولا يبعد أن يكون صوابه: «فهو» ، ويكون «ناصح» اسمًا مرفوعًا مضافًا إلى لفظ الجلالة.

(6)

في (ق، ن): «الأمانة» كالسابق. وفي (ب، ج): «الإمامة في الهدى» .

ص: 705

العبدُ الداعي إلى الله أن يكون في أعين الناس جليلًا، وفي قلوبهم مَهيبًا، وإليهم حبيبًا؛ وأن يكون فيهم مطاعًا، لكي يأتمُّوا به، ويقتفوا أثر الرسول على يده= لم يضرَّه ذلك، بل يُحمَد عليه؛ لأنه داعٍ إلى الله يُحِبُّ أن يطاع

(1)

ويعبَد ويوحَّد؛ فهو يحب ما يكون عونًا على ذلك موصلًا [167 ب] إليه.

ولهذا ذكر سبحانه عبادَه الذين اختصَّهم لنفسه، وأثنى عليهم في تنزيله، وأحسن جزاءهم يوم لقائه= فذكرهم بأحسنِ أعمالهم وأوصافهم، ثم قال:{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]. فسألوه أن يُقِرَّ أعينَهم بطاعة أزواجهم وذرِّياتهم له سبحانه، وأن يَسُرَّ قلوبَهم باتباع المتقين له على طاعته وعبوديته. فإنَّ الإمامَ والمؤتمَّ متعاونان على الطاعة، فإنما سألوه ما يعاونون به المتقين على مرضاته وطاعته، وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين التي أساسُها الصبر واليقين، كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].

فسؤالهم أن يجعلهم أئمةً للمتقين هو سؤالُ أن يهديَهم ويوفِّقهم، ويمنَّ عليهم بالعلوم النافعة، والأعمالِ الصالحة ظاهرًا وباطنًا التي لا تتم الإمامة إلا بها.

وتأمَّلْ كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جل جلاله

(2)

، ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضلِ رحمته ومحضِ جُوده ومنَّته! وتأمَّلْ

(1)

زاد في (ط) بعده: «ويحمد» .

(2)

يعني قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} .

ص: 706

كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغُرَف، وهي المنازلُ العالية في الجنة! لمَّا كانت الإمامة في الدين من الرُّتَب العالية، بل من أعلى مرتبة يعطاها العبدُ في الدنيا، كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة.

وهذا بخلاف طلب الرياسة، فإنَّ طلَّابها يسعَون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلوِّ في الأرض، وتعبُّدِ القلوب لهم، وميلِها إليهم، ومساعدتِهم لهم على جميع أغراضهم؛ مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم. فترتَّب على هذا الطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة، والحميَّةِ للنفس [168 أ] دون حقِّ الله، وتعظيمِ مَن حقّره الله، واحتقارِ مَن أكرمه الله. ولا تتمُّ الرياسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تُنال إلا به وبأضعافه من المفاسد.

والرؤساءُ في عمًى عن هذا، فإذا كُشِف الغطاء تبيَّن لهم فسادُ ما كانوا عليه، ولاسيَّما إذا حُشروا في صور الذرِّ يطؤهم أهلُ الموقف

(1)

بأرجلهم إهانةً لهم وتحقيرًا وتصغيرًا، كما صغَّروا أمر الله وحقَّروا عباده.

فصل

والفرقُ بين الحبِّ في الله والحبِّ مع الله. وهذا من أهمِّ الفروق، وكلُّ أحد محتاج بل مضطرٌّ إلى الفرق بين هذا وهذا. فالحبُّ في الله هو من كمالِ

(1)

يشير إلى ما رواه البزَّار (كشف الأستار ــ 4/ 155) عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يبعث الله يوم القيامة ناسًا في صور الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا» . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 604): وفيه القاسم بن عبد الله العمري، وهو متروك.

ص: 707

الإيمان، والحبُّ مع الله هو عين الشرك

(1)

.

والفرقُ بينهما: أن الحبَّ في الله تابع لمحبة الله، فإذا تمكنت محبتُه من قلب العبد أوجبَت تلك المحبةُ أن يحبَّ ما يحبُّه الله، فإذا أحبَّ ما أحبَّه ربُّه ووليُّه كان ذلك الحبُّ له وفيه، كما يحبُّ رسلَه وأنبياءه وملائكته وأولياءه لكونه تعالى يحبهم، ويُبغض من يُبغضه لكونه تعالى يبغضه.

وعلامة هذا الحبِّ والبغض في الله: أنه لا ينقلب بغضُه لبغيضِ الله حبًّا لإحسانه إليه، وخدمته له، وقضاءِ حوائجه. ولا ينقلب حبُّه لحبيب الله بغضًا إذا وصل إليه من جهته ما يكرههُ ويُؤلمه، إما خطَأً وإما عمدًا، مطيعًا لله فيه، أو متأوِّلًا ومجتهدًا

(2)

، أو باغيًا نازعًا تائبًا.

والدين كلُّه يدور على أربع قواعد: حبٌّ وبغضٌ، ويترتب عليهما فعلٌ وتركٌ. فمن كان حبُّه وبغضُه، وفعلُه وتركُه لله فقد استكمل الإيمان، بحيث إذا أحبَّ أحبَّ لله، وإذا أبغضَ أبغضَ لله، وإذا فعَل فعَل لله، وإذا ترَك ترَك لله. وما نقَص من إضافة هذه الأربعة إلى الله نقَص من إيمانه ودينه بحسَبه

(3)

.

وهذا بخلاف الحبِّ مع الله، فهو نوعان: نوع يقدح في أصل التوحيد، وهو شرك. ونوع يقدح في كمال الإخلاص [168 ب] ومحبة الله، ولا يُخرِج

(1)

وانظر: الداء والدواء (443).

(2)

ما عدا (أ، ق، غ): «متأولًا مجتهدًا» ، بحذف الواو. وفي النسخ المطبوعة:«أو» موضع الواو.

(3)

وانظر: إغاثة اللهفان (2/ 124)، وشفاء العليل (169). ومبنى كلامه على ما رواه أبو داود (4683) وغيره عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» . وتخريجه في الداء والدواء (442).

ص: 708

من الإسلام.

فالأول كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]. فهؤلاء المشركون يحبون أوثانَهم وأصنامَهم وآلهتهم مع الله كما يحبون الله تعالى، فهذه محبةُ تألُّهٍ وموالاةٍ، يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء. وهذه المحبة هي محضُ الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتمُّ الإيمانُ إلا بمعاداة هذه الأنداد وشِدَّة بغضِها وبغضِ أهلها ومعاداتِهم ومحاربتهم.

وبذلك أرسَلَ الله جميعَ رسله، وأنزل جميع كتبه، وخلق النارَ لأهل هذه المحبة الشِّركية، وخلق الجنةَ لمن حارب أهلَها وعاداهم فيه وفي مرضاته. فكلُّ مَن عبد شيئًا من لدن عرشه إلى قرار أرضه، فقد اتخذ من دونه

(1)

إلاهًا ووليًّا، وأشرك به ــ كائنًا ذلك المعبود ما كان ــ ولا بدَّ أن يتبرَّأ منه أحوجَ ما كان إليه.

والنوع الثاني: محبةُ ما زيَّنه الله سبحانه للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث، فيحبها محبةَ شهوة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء. فهذه

(2)

المحبة ثلاثة أنواع:

فإن أحبَّها لله توصُّلًا بها إليه، واستعانةً على مرضاته وطاعته؛ أُثيب عليها وكانت من قِسْم الحبِّ لله، فيثاب عليها، ويلتذُّ بالتمتع بها. وهذا حال

(1)

في النسخ المطبوعة: «من دون الله» .

(2)

كذا بالفاء في جميع النسخ. ومقتضى السياق: «وهذه» .

ص: 709

أكمل الخلق الذي حُبِّب إليه من الدنيا: النساءُ والطيب

(1)

، وكانت محبتُه لهما عونًا له على محبة الله وتبليغِ رسالاته والقيام بأمره.

وإن أحبَّها لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولم يؤثِرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم الميل الطبيعي، كانت من قسم المباحات، ولم يعاقَبْ على ذلك، ولكن ينقصُ من كمال محبته لله والمحبة فيه.

وإن كانت هي مقصودَه ومرادَه، وسعيُه في تحصيلها والظفر بها، وقدَّمها على ما يحبُّه الله ويرضاه منه= كان ظالمًا لنفسه، [169 أ] متَّبعًا لهواه.

فالأولى: محبة السابقين.

والثانية: محبة المقتصدين.

والثالثة: محبة الظالمين.

فتأمَّلْ هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق، فإنه معترَك النفس الأمَّارة والمطمئنة، والمهديُّ من هداه الله.

فصل

والفرق بين التوكُّل والعجز: أن التوكل عملُ القلب وعبوديتُه اعتمادًا على الله، وثقةً به، والتجاءً إليه، وتفويضًا إليه، ورضًا بما يقضيه له؛ لعلمه

(1)

أخرجه النسائي (3949، 3950)، والإمام أحمد (12293، 12294)، وأبو عوانة (4020، 4021)، وأبو يعلى (3530)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (322)، والحاكم (2/ 160) من حديث أنس رضي الله عنه، وزاد:«وجُعل قرة عيني في الصلاة» . وصححه الحاكم على شرط مسلم، وقال العراقي في المغني:«إسناده جيد» . وقال الحافظ في التلخيص (3/ 116): «إسناده حسن» . (قالمي).

ص: 710

بكفايته سبحانه وحسنِ اختياره لعبده إذا فوَّض إليه مع قيامه بالأسباب المأمورِ بها واجتهادِه في تحصيلها. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمَ المتوكلين على الله، وكان يلبس لأمتَه ودرعَه، بل ظاهَرَ يوم أحُد بين درعين

(1)

. واختفى في الغار ثلاثًا

(2)

. فكان متوكلًا في السبب، لا على السبب.

وأما العجز، فهو تعطيل الأمرين أو أحدِهما. فإما أن يعطِّل السبب عجزًا عنه، ويزعمَ أن ذلك توكلٌّ. ولعمرُ الله، إنه لَعجز وتفريط. وإما أن يقوم بالسبب ناظرًا إليه معتمِدًا عليه، غافلًا عن المسبِّب معرِضًا عنه. وإن خطر بباله لم يثبُت معه ذلك الخاطر، ولم يعلَقْ

(3)

قلبُه به تعلُّقًا تامًّا بحيث يكون قلبه مع الله، وبدنُه مع السبب. فهذا توكُّلُه عجز، وعجزُه توكُّل.

وهذا موضع انقسم الناس فيه طرفَين ووسَطًا: فأحدُ الطرفين عطَّل الأسباب محافظةً على التوكل، والثاني عطل التوكُّل محافظةً على السبب، والوسطُ عَلِم أن حقيقة التوكُّل لا تتم إلا بالقيام بالسبب، فتوكَّلَ على الله في نفس السبب.

وأما من عطَّل السبب وزعم أنه متوكلٌ، فهو مغرور مخدوع مُتمَنٍّ، كمن عطَّل النكاحَ والتسرِّي وتوكَّل في حصول الولد، وعطَّل الحرثَ والبَذْر وتوكَّل في حصول الزرع، وعطَّل الأكلَ والشربَ وتوكَّل في حصول الشِّبَع

(1)

أخرجه الإمام أحمد (15722)، وابن ماجه (2806)، والترمذي في الشمائل (104)، والنسائي في الكبرى (8583) من حديث السائب بن يزيد. وإسناده صحيح. (قالمي).

(2)

انظر حديث الهجرة الذي أخرجه البخاري (3905) عن عائشة رضي الله عنها.

(3)

كذا في جميع النسخ، وهو جائز، ولكني أخشى أن يكون الأصل:«ولم يتعلَّقْ» .

ص: 711

والري. فالتوكلُ نظير الرجاء، والعجزُ نظير التمنِّي.

فحقيقة [169 ب] التوكل أن يتخذ العبد ربَّه وكيلًا له، قد فوَّض إليه كما يفوِّضُ الموكِّلُ

(1)

إلى وكيله العالمِ بكفايته ونهضته، ونصحه وأمانته، وخِبرته وحسن اختياره. والربُّ سبحانه قد أمَر عبدَه بالاحتيال، وتوكَّلَ له بأن يستخرجَ له من حيلته ما يُصلِحه، فأمَره أن يحرث ويبذُر ويسعى، ويطلب رزقَه في ضمن ذلك، كما قدَّره سبحانه ودبَّره واقتضته حكمته. وأمَره أن لا يُعلِّق قلبه بغيره، بل يجعلَ رجاءه له، وخوفه منه، وثقته به، وتوكُّله عليه. وأخبره سبحانه أنه الملِيُّ

(2)

بالوكالة، الوفيِّ بالكفالة.

فالعاجزُ من رمى هذا كلَّه وراء ظهره، وقعد كسلانَ طالبًا للراحة مُؤثرًا للدَّعة. يقول: الرزقُ يطلب صاحبَه كما يطلبه أجلُه، وسيأتيني ما قُدِّر لي على ضعفي، ولن أنال ما لم يقدَّر لي مع قوتي. ولو أني هربت من رزقي كما أهربُ من الموت للحقني. فيقال له: نعم، هذا كلُّه حقٌّ. وقد علمتَ أن الرزقَ مقدَّر، فما يدريك كيف قدِّر لك: بسعيك أم بسعي غيرك؟ وإذا كان بسعيك؟ فبأيِّ سبب، ومن أي جهة؟ وإذا خفيَ عليك هذا كلُّه، فمِن أين علمتَ أنه يقدَّر لك إتيانه عفوًا بلا سعي ولا كدٍّ؟ فكم من شيء سعيتَ فيه، فقُدِّر لغيرك رزقًا! وكم من شيء سعَى فيه غيرُك، فقُدِّر لك رزقًا، فإذا رأيت هذا عيانًا، فكيف علمت أنَّ رزقك كلَّه بسعي غيرك؟

وأيضًا فهذا الذي أوردَتْه عليك النفسُ يُوجِب عليك طردَه في جميع الأسباب مع مسبباتها، حتى في أسباب دخول الجنة والنجاة من النار. فهل

(1)

(أ، ق، غ): «الوكيل» .

(2)

(ب، ج): «المانّ» ، تحريف.

ص: 712

تُعطِّلها اعتمادًا على التوكُّل، أم تقوم بها مع التوكل؟

بلى

(1)

! لن تخلوَ الأرضُ من متوكِّل صَبَر نفسَه لله، وملأ قلبَه من الثقة به ورجائه وحسن الظن به، فضاق قلبُه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب، فسكَنَ قلبه إلى الله، واطمأنَّ إليه، ووثِق به؛ فكان هذا من أقوى أسباب حصول رزقه. فلم يعطِّل السبب، وإنما رغِبَ عن سبب إلى سبب أقوى منه، فكان توكُّله [170 أ] أوثقَ الأسباب عنده، فكان اشتغالُ قلبه بالله وسكونُه إليه وتضرُّعُه إليه أحبَّ إليه من اشتغاله

(2)

بسبب يمنعه من ذلك أو من كماله. فلم يتَّسع قلبه للأمرين، فأعرضَ عن أحدهما إلى الآخر. ولا ريب أنَّ هذا أكملُ حالًا ممن امتلأ قلبه بالسبب واشتغل به عن ربه

(3)

.

وأكملُ منهما من جمع الأمرين، وهي حالُ الرسل والصحابة. فقد كان زكريَّا نجارًا، وقد أمر الله نوحًا أن يصنع السفينة، ولم يكن في الصحابة من يعطِّل السبب اعتمادًا على التوكل، بل كانوا أقومَ الناس بالأمرين. ألا ترى أنهم بذلوا جهدَهَم في محاربة أعداء الدين بأيديهم وألسنتهم، وقاموا في ذلك بحقيقةِ التوكل، وعمروا أموالهم وأصلحوها، وأعدُّوا لأهلهم كفايتَهم من القوت اقتداءً بسيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه.

(1)

(أ، غ): «بل» .

(2)

ما عدا (ب، ج): «اشتغال» .

(3)

ولكن هل هذا هو التوكل المشروع؟

وانظر كلام المصنف على التوكل في: مدارج السالكين (2/ 112)، ونقده لكلام ابن العريف في طريق الهجرتين (572).

ص: 713

فصل

والفرق بين الاحتياط والوسوسة: أن الاحتياطَ الاستقصاءُ والمبالغةُ في اتباع السنة وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، من غير غلوٍّ ومجاوزة، ولا تقصير ولا تفريط. فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله.

وأما الوسوسة، فهي ابتداعُ ما لم تأتِ به السنة ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدٌ من أصحابه، زاعمًا أنه يصلُ بذلك إلى تحصيل المشروعِ وضبطه، كمن يحتاطُ ــ بزعمه ــ ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق ثلاث، فيُسْرِف في صبِّ الماء في وضوئه وغَسْله؛ ويصرِّح بالتلفظ بنية الصلاة مرارًا أو مرة واحدة، ويغسل ثيابه مما لا يتيقَّن نجاسته احتياطًا، ويرغبُ عن الصلاة في نعله احتياطًا، إلى أضعاف أضعاف هذا [170 ب] مما اتخذه الموسوِسون دينًا، وزعموا أنه احتياط. وقد كان اتباع

(1)

هديِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أولى بهم، فإنه الاحتياطُ الذي مَن خرج عنه فقد فارق الاحتياط، وعدل عن سواء الصراط. فالاحتياطُ كلُّ الاحتياط: الخروجُ عن خلاف السنة، ولو خالفت أكثرَ أهل الأرض بل كلَّهم.

فصل

والفرق بين إلهام الملَك وإلقاء الشيطان من وجوه:

منها: أن ما كان لله موافقًا لمرضاته وما جاء به رسولُه، فهو من الملَك. وما كان لغيره غيرَ موافق لمرضاته، فهو من إلقاء الشيطان.

(1)

في الأصل: «الاحتياط اتباع» . وكذا في (غ). وفي غيرهما: «الاحتياط في اتباع» . وفي النسخ المطبوعة: «الاحتياط باتباع» . ويظهر لي أن كلمة الاحتياط وقعت سهوًا.

ص: 714

ومنها: أنَّ ما أثمرَ إقبالًا على الله، وإنابةً إليه، وذكرًا له، وهمَّة صاعدةً إليه= فهو من إلقاء الملك. وما أثمر ضدَّ ذلك فهو من الشيطان.

ومنها: أنَّ ما أورث أنسًا ونورًا في القلب وانشراحًا في الصدر فهو من الملك. وما أورَث ضدَّ ذلك فهو من الشيطان.

ومنها: أنَّ ما أورث سكينةً وطمأنينةً فهو من الملك. وما أورث قلقًا وانزعاجًا واضطرابًا فهو من الشيطان.

فالإلهام الملَكيُّ يكثُر في القلوب الطاهرة النقيَّة التي قد استنارت بنور الله، فللملَك بها اتصال، وبينه وبينها مناسبة، فإنه طيِّب طاهر لا يجاور إلا قلبًا يناسبُه، فتكون لمَّة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان. وأما القلب المظلم الذي قد اسودَّ بدخان الشهوات والشبهات فإلقاءُ الشيطان ولمتُه به أكثرُ من لمة الملَك.

فصل

والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضِدَّان له: تقصير، ومجاوزة.

فالمقتصد قد أخذ بالوسط، وعدَلَ عن الطرفين. قال تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وقال تعالى:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29]، وقال تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31]. والدين كله بين هذين الطرفين، بل الإسلام قَصْدٌ بين المِلَل، والسُّنَّة قصدٌ بين البدع، ودينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه.

ص: 715

وكذلك الاجتهادُ هو بذلُ الجهد في موافقة الأمر، والغلوُّ مجاوزته وتعدِّيه

(1)

. وما أمَرَ الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلوٍّ ومجاوزةٍ، وإما إلى تفريطِ وتقصير. وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك أقوال الناس وآراءَهم لِما جاء به، لا مَن ترَك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم.

وهذان المرضان المُخْطِران

(2)

قد استوليا على أكثر بني آدم. ولهذا حذَّر السلفُ منهما أشدَّ التحذير، وخوَّفوا من بُلي بأحدهما بالهلاك. وقد يجتمعان في الشخص الواحد، كما هو حالُ أكثرِ الخلق: يكون مقصِّرًا مفرِّطًا في بعض دينه، غاليًا متجاوزًا في بعضه. والمهديُّ من هداه الله.

فصل

والفرق بين النَّصيحة والتأنيب: أنَّ النصيحة إحسانٌ إلى من تنصحه بصورة الرحمةِ له، والشفقةِ عليه، والغَيْرةِ له. وعليه فهو إحسانٌ محضٌ يصدر عن رحمةٍ ورقِّةٍ ومُرادُ الناصحِ بها وجهُ الله ورضاه، والإحسانُ إلى خلقه، فيتلطَّفُ في بذلها غايةَ التلطُّف، ويحتمل أذى المنصوح ولائمته، ويعامله معاملةَ الطبيبِ العالمِ المشفقِ للمريض

(3)

المُشبَعِ مرضًا، فهو

(1)

في الأصل: «بمجاوزه وتعديه» . وكذا في (ق، غ، ط). وفي (ب، ج، ز): «مجاوزة وتعدية» . والمثبت من (ن). وكذا في النسخ المطبوعة.

(2)

في (ط، ز) والنسخ المطبوعة: «الخطِران» . وما ورد في الأصل وغيره صواب محض، وكذا في الطبعة الهندية. وهو من أخطَر المرضُ فلانًا: جعله بين السلامة والتلف (المعجم الوسيط).

(3)

(أ، غ): «المريض» . (ق): «بالمريض» .

ص: 716

يحتمل سوء خلُقه وشراسته ونفرته، ويتلطَّف في وصول الدواء إليه بكلِّ ممكنٍ. فهذا شأن الناصح.

وأما المؤنِّبُ، فهو رجلٌ قصدُه التعييرُ والإهانةُ، وذمُّ مَن يؤنِّبه، وشتمُه في صورة النُّصح. فهو يقول له: يا فاعل كذا وكذا، يا مستحقًّا للذمِّ والإهانة، في صورة ناصحٍ مُشفقٍ. وعلامة هذا أنه لو رأى مَن يحبُّه ويحسن إليه على مثل عمل هذا أو شرٍّ منه لم يعرض له، ولم يقل له شيئًا. ويطلبُ له وجوهَ المعاذير، فإن غُلِبَ قال: وأيُّنا

(1)

ضُمِنتْ له العصمة؟ والإنسان عُرضة [171 ب] للخطأ، ومحاسنه أكثر من مساويه، والله غفورٌ رحيم، ونحو ذلك. فيا عجبًا كيف كان هذا لمن يحبُّه دون من يبغضه؟ وكيف كان حظُّ ذلك منك التأنيبَ في صورة النُّصح، وحظُّ هذا منك رجاءَ العفو والمغفرة، وطلبَ وجوه المعاذير؟

ومن الفروق بين الناصح والمؤنِّب: أنَّ الناصح لا يُعاديك إذا لم تقبل نصيحتَه، وقال: قد وقع أجري على الله، قبلتَ أو لم تقبل. ويدعو لكَ بظهر الغيب، ولا يذكر عيوبَكَ ويبثُّها في الناس. والمؤنِّبُ بضدِّ ذلك.

فصل

والفرق بين المبادرة والعجلة: أنَّ المبادرةَ انتهازُ الفرصة في وقتها، ولا يتركها حتى إذا فاتت طلَبَها. فهو لا يطلب الأمورَ في أدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتُها بادر إليها، ووثب عليها وثوبَ الأسد على فريسته. فهو بمنزلة مَن يبادر إلى أخذ الثمرة وقتَ كمال نُضجها وإدراكها. والعجلة:

(1)

في النسخ المطبوعة: «وأنَّى» خلافًا لما في النسخ الخطية.

ص: 717

طلب أخذ الشيء قبل وقته، فهو لشدَّة حرصه عليه بمنزلة مَن أخَذَ

(1)

الثمرة قبل أوان إدراكها. فالمبادرةُ وسطٌ بين خلُقين مذمومين: أحدهما التفريط والإضاعة، والثاني الاستعجال قبل الوقت.

ولهذا كانت العجلة من الشيطان، فإنها خِفَّة وطيش وحدَّة في العبد تمنعه من التثبُّت والوقار والحلم، وتوجب له وضعَ الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشرور، وتمنعه أنواعًا من الخير. وهي قرينُ الندامة، فقلَّ مَن استعجل إلا ندم، كما أنَّ الكسل قرينُ الفوت والإضاعة.

فصل

والفرق بين الإخبار بالحال وبين الشكوى وإن اشتبهت صورتُهما: أنَّ الإخبار بالحال يقصد المخبِر به قصدًا صحيحًا من علمِ سببِ إزالته، أو الاعتذار لأخيه من أمرٍ طلبه منه، أو يحذِّره من الوقوع في مثل ما وقع فيه، فيكون ناصحًا بإخباره له، أو حمله على الصبر بالتأسِّي به. كما يُذكَر عن الأحنف أنه شكا إليه رجلٌ شكوى، فقال: يا ابن أخي، لقد ذهب ضوء عيني من كذا وكذا سنة، فما أعلمتُ به أحدًا

(2)

. ففي ضمن هذا الإخبار مِن حمل الشاكي على التأسِّي والصبر ما يُثاب عليه المخبِرُ. وصورتُه صورةُ الشكوى. ولكنَّ القصد ميَّز بينهما.

(1)

ما عدا (أ، غ): «يأخذ» .

(2)

أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه (1291). وانظر: صفة الصفوة (3/ 199). وفي عدة الصابرين (529): «شكا الأحنف إلى عمه

». وكذا في إحياء العلوم (4/ 133). والظاهر أنه مقلوب.

ص: 718

ولعلَّ من هذا قولَ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا قالت عائشةُ: وارأساه! فقال: «بل أنا وارأساه!»

(1)

. أي: الوجعُ القويُّ بي أنا دونكِ، فتأسَّي بي، ولا تشتكي.

ويلوح لي فيه معنًى آخر، وهو أنها كانت حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانت أحبَّ النساء إليه على الإطلاق، فلما شكت إليه رأسَها أخبرها أنَّ بمُحِبِّها من الألم مثلَ الذي بها. وهذا غاية الموافقة بين

(2)

المُحِبِّ ومحبوبِه. يتألَّم بتألُّمه، ويُسَرُّ بسروره، حتى إذا آلمه عضوٌ من أعضائه آلم المُحِبَّ ذلك العضوُ بعينه. وهذا من صدق المحبة وصفاء المودة.

فالمعنى الأول يُفهِم أنكِ لا تشتكي واصبري، فبي من الوجع مثلُ ما بكِ، فتأسَّي بي في الصبر وعدم الشكوى.

والمعنى الثاني يُفهِم إعلامَها بصدق محبته لها، أي: انظري قوة محبتي لكِ، كيف واسيتُكِ في ألمكِ ووجعِ رأسكِ، فلم تكوني متوجعةً وأنا سليمٌ من الوجع، بل يؤلمني ما يؤلمكِ، كما يسرُّني ما يسرُّكِ؟ كما قيل:

وإنَّ أولَى البرايا أن تواسيَه

عند السرور الذي واساك في الحزَنِ

(3)

وأما الشكوى، فالإخبار العاري عن القصد الصحيح، بل يكون مصدره

(1)

أخرجه البخاري (5666) عن عائشة.

(2)

هذا في (ج، ن، ز). وفي غيرها: «من» ، وهي تقتضي أن يكون السياق: من المحب لمحبوبه.

(3)

البيت لإبراهيم بن العباس الصولي في ديوانه ضمن الطرائف الأدبية (177). وينسب إلى دعبل وأبي تمام. انظر تخريجه في ديوان دعبل (461 ــ 461)، والحماسة البصرية (789).

ص: 719

السخط، وشِكايةُ المُبتلي إلى غيره. فإن شكا إليه

(1)

لم يكن ذلك شكوى، بل استعطاف وتملُّق واسترحام له، كقول أيوب:{أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 82]، وقول يعقوب:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86].

وقول موسى: «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعانُ، وبكَ المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك»

(2)

.

وقول سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم: «اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي وقلةَ حيلتي وهَواني على الناس. أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربِّي. إلى من تكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمني، أو إلى عدوٍّ ملَّكتَه أمري؟ إن لم يكن بكَ غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غيرَ أن عافيتك [172 أ] أوسَعُ لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له

(1)

زاد الناشرون بعده: «سبحانه وتعالى» .

(2)

أخرجه البيهقي في الدعوات الكبير (264) من طريق عبد الله بن نافع بن يزيد بن أبي نافع، عن عيسى بن يونس السبيعي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى عليه السلام حين انفلق البحر؟» . قلت: بلى، قال:«قل .. » (فذكره). ثم قال: «تفرد به عبد الله بن نافع هذا وليس بالقوي» .

قلت: ولكن توبع عليه، فأخرجه الطبراني في الأوسط (3418)، والصغير (339) من طريق زكريا بن فروخ، عن وكيع، عن الأعمش، به. وزكريا بن فروخ التمار الواسطي لم أجد له ذكرًا في كتب الرجال المتوفرة وبقية رجاله ثقات. ولعلَّ الحافظ المنذري عرفه حينما عزاه للطبراني في الصغير وقال:«إسناده جيِّد» . الترغيب والترهيب (2748). (قالمي).

ص: 720

الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحِلَّ عليَّ غضبُك، أو ينزل بي سخطُك. لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك»

(1)

.

فالشكوى إلى الله سبحانه لا تنافي الصبر بوجه

(2)

، فإن الله تعالى قال عن أيوب:{إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] مع إخباره عنه بالشكوى إليه في قوله: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} . وأخبر عن نبيه يعقوب أنه وعد من نفسه بالصبر الجميل ــ والنبيُّ إذا قال وفَى ــ مع قوله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] ولم يجعل ذلك نقصًا لصبره.

(1)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (14764)، وفي الدعاء (1036) ومن طريقه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (9/ 180 ــ 181) من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 35):«رواه الطبراني وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات» . وابن إسحاق لم يصرح بالتحديث. ورواه عنه زياد البكائي. كما في سيرة ابن هشام (1/ 420) ــ قال: «فلمَّا اطمأن رسول الله قال فيما ذُكر لي: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي

» الحديث.

وروي عنه من وجه آخر، ذكره ابن كثير في تفسيره (7/ 290) قال: «وذكر محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن محمد بن كعب القرظي قصه خروج رسول الله إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله عز وجل وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها، وأورد ذلك الدعاء الحسن

» فذكر طرفًا منه. ورجاله ثقات لكنه مرسل، محمد بن كعب القرظي من ثقات تابعي أهل المدينة وفقهائهم. فتعدد مخارجه يدل على أن له أصلًا، والله أعلم. (قالمي).

(2)

انظر: عدة الصابرين (24، 63)، ومدارج السالكين (2/ 161)، وجامع المسائل (4/ 73).

ص: 721

ولا يُلتفَت إلى غير هذا من تُرَّهات القوم

(1)

، كما قال بعضهم: لمَّا قال: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} ، ولم يقل: صبورًا؛ حيث قال: مسَّني الضر

(2)

.

وقال بعضهم: لم يقل: ارحمني، وإنما قال:{وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} فلم يزِدْ على الإخبار بحاله ووصْفِ ربِّه

(3)

.

وقال بعضهم: إنما شكا مسَّ الضُّرِّ حين ضعُفَ لسانُه عن الذكر، فشكا مسَّ ضُرِّ

(4)

ضعفِ الذِّكر، لا ضُرِّ المرض والألم.

وقال بعضهم: استخرج منه هذا القول، ليكون قدوةً للضعفاء من هذه

(1)

يعني الصوفية.

(2)

الرسالة القشيرية (1/ 328). ونص قوله: «

ولم يقل: صبورًا؛ لأنه لم يكن جميع أحواله الصبر، بل كان في بعض أحواله يستلذُّ البلاء ويستعذبه، فلم يكن في حال الاستلذاذ صابرًا، فلذلك لم يقل: صبورًا».

(3)

رواه القشيري في موضعين من رسالته (1/ 328)، (2/ 449) عن الأستاذ أبي علي الدقاق. ولفظه في الموضع الأول:«حقيقة الصبر: الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه، مثل أيوب عليه السلام فإنه قال في آخر بلائه: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، فحفظ أدب الخطاب؛ حيث عرَّض بقوله: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ولم يصرح بقوله: «ارحمني» . وأما الموضع الثاني فلم يذكر فيه أول المقولة «حقيقة الصبر

»، وإنما استدلّ به على حفظ آداب الخطاب. والمصنف نفسه أورد قول أيوب عليه السلام هذا ضمن الشواهد على الأدب مع الله في مدارج السالكين (2/ 380). واستحسنه شيخ الإسلام فقال في مجموع الفتاوى (22/ 382):«فقوله هذا أحسن من قوله: ارحمني» . وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى (10/ 245).

(4)

(ط): «من).

ص: 722

الأمة

(1)

.

وكأنَّ هذا القائل رأى أن الشكوى إلى الله تنافي الصبر، وغلِط أقبحَ الغلط، فالمنافي للصبر شكواه، لا الشكوى إليه. فالله يبتلي عبدَه ليسمع تضرُّعه ودعاءه والشكوى إليه، ولا يحبُّ التجلُّدَ عليه. وأحَبُّ ما إليه انكسارُ قلبِ عبده بين يديه، وتذلُّلُه له، وإظهارُ ضعفِه وفاقتِه وعجزهِ وقلةِ صبره. فاحذر كلَّ الحذر من إظهار التجلُّدِ عليه، وعليك بالتضرُّعِ والتمسكن، وإبداء العجز والفاقة والذُّلِّ والضعف؛ فرحمتُه أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم.

فصل

وهذا بابٌ من الفروق يطول

(2)

، ولعلَّ إن ساعد القدَرُ أن نُفرِد

(3)

فيه كتابًا كبيرًا، وإنما نبَّهنا بما ذكرنا على أصوله، واللبيبُ يكتفي ببعض ذلك.

والدِّينُ كله فَرقٌ، وكتابُ الله فُرقانٌ، «ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم فَرقٌ بين الناس»

(4)

. ومن اتقى اللهَ جعل له فرقانًا {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29]. وسمَّى يومَ بدرٍ يومَ الفرقان

(5)

لأنه فرَق بين أولياء

(1)

حكاه القشيري في الرسالة (1/ 328) عن الأستاذ أبي علي الدقاق.

(2)

هذا في (غ، ن، ز). وفي غيرها: «مطوَّل» .

(3)

(ط): «أجمع» .

(4)

من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه البخاري (7281). في نسخة أبي ذر:«فرَّق» . وفي غيرها كما أثبتنا من (ن). ولم تضبط في النسخ الأخرى. والفرق هنا بمعنى الفارق، وصف بالمصدر. يعني: يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه. انظر: النهاية لابن الأثير (3/ 439)، وفتح الباري (13/ 256).

(5)

في قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41].

ص: 723

الله وأعدائه. فالهدى كله فرقان

(1)

.

والضلال أصله الجمع، كما جمع المشركون بين عبادة الله وعبادة الأوثان، ومحبته ومحبة الأوثان، وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدَّره وقضاه، فجعلوا الأمر واحدًا، واستدلوا بقضائه وقدره على محبته ورضاه.

وجمعوا بين الربا والبيع، فقالوا:{إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275]. وجمعوا بين المُذكَّى والميتة فقالوا: كيف نأكل ما قَتَلْنا

(2)

ولا نأكل ما قتَلَ اللهُ.

وجمع المنسلخون عن الشرائع بين الحلال والحرام فقالوا: هذه المرأةُ خلقَها الله، وهذه خلَقَها؛ وهذا الحيوان خلقه وهذا خلقه، فكيف يُحَلُّ هذا ويُحرَّم هذا؟ وجمعوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

(3)

!

وجاءت طائفة الاتحادية، فطَمُّوا الواديَ على القَري

(4)

، وجمعوا الكلَّ

(1)

وانظر: مدارج السالكين (1/ 162) وطريق الهجرتين (2/ 710).

(2)

(ق): «قتلناه» .

(3)

«وجمعوا

الشيطان» ساقط من (ب، ج).

(4)

المثل: «جرى الوادي فطمَّ على القَريِّ» . قال الميداني: «أي جرى سيل الوادي، فطمَّ، أي دفَن. يقال: طمَّ السيلُ الركيَّة، أي دفنها. والقريُّ: مجرى الماء في الروضة. و «على» من صلة المعنى. أي أتى على القريِّ، يعني أهلكه بأن دفنه. يضرب عند تجاوز الشرِّ حدَّه». مجمع الأمثال (1/ 282). وقال أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال (1/ 322):«يضرب مثلًا للأمر العظيم يجيء فيعم الصغير والكبير» .

فيقال: طمَّ السيل كلَّ شيء، أي علاه، وطمَّ عليه، أي أتى عليه. ولا يقال: طممتُه على الشيء. ولكن كذا ورد المثل هنا: «فطَمُّوا الوادي على القري» . ونحوه في إعلام الموقعين (4/ 250): «طردَتْ الباب، وطمَّتْ الواديَ على القريِّ» . ويبدو لي ــ والله أعلم ــ أن المصنف رحمه الله قرأ المثل في كلام شيخه في درء التعارض (6/ 222): «ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القريِّ» ــ وقد نقله في الصواعق المرسلة (2/ 417) ــ فتوهم أن «الوادي» مفعول به، وفاعل «طمَّ» هو الضمير العائد على أبي حامد!

ص: 724

في ذاتٍ واحدةٍ، وقالوا: هي الله الذي لا إله إلا هو. وقال صاحب فصوصهم وواضع نصوصهم: «واعلم أنَّ الأمر قرآن، لا فرقان»

(1)

.

ما الأمرُ إلا نسقٌ واحد

ما فيه من مدحٍ ولا ذمِّ

وإنَّما العادةُ قد خصَّصتْ

والطبعُ والشارعُ بالحكمِ

(2)

والمقصود أن أرباب البصائر هم أصحاب الفرقان، فأعظم الناس فرقانًا بين المشتبهات أعظم الناس بصيرةً. والتشابه يقع في الأقوال والأعمال والأحوال والأموال والرجال، وإنما أُتي أكثرُ أهل العلم من المتشابهات في ذلك كلِّه. ولا يحصل الفرقان إلا بنورٍ يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، يرى في ضوئه حقائق الأمور، ويمِّيز بين حقها وباطلها، وصحيحها وسقيمها {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40].

ولا تستطِلْ هذا الفصل، فلعلَّه من أنفع فصول الكتاب، والحاجةُ إليه شديدةٌ، فإن رزقك الله فيه بصيرةً خرجتَ منه إلى فرقانٍ أعظم منه. وهو: الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد [173 ب] المعطِّلين، والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه أهل التعطيل، والفرق بين إثبات الصفات والعلوِّ والتكلم

(1)

فصوص الحكم (1/ 70). [يكنون بالقرآن عن رؤية التفرقة بعين الجمع، وهي أكمل مقامات العارفين عندهم. انظر: «لطائف الإعلام» للقاشاني (2/ 561، 581)]. قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين من التعليق ليس في المطبوع، وهو ثابت في الأصل الوارد من «عطاءات العلم» ، جزاهم الله خيرا.

(2)

أنشدهما المصنف في طريق الهجرتين (566) أيضًا. وقد نسبهما شيخ الإسلام في الفتاوى (2/ 99) إلى القاضي تلميذ صاحب الفصوص.

ص: 725

والتكليم حقيقةً وبين التشبيه والتمثيل، والفرق بين تجريد التوحيد العملي الإرادي وبين هضم أربابِ المراتب مراتبَهم التي أنزلهم الله إياها، والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وبين إهدار أقوال العلماء وإلغائها وعدم الالتفات إليها، والفرق بين تقليد العالم وبين الاستضاءة بنور علمه والاستعانة بفهمه، والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والفرق بين الحال الإيماني الرحماني والحال الشيطاني الكفري والحال النفساني، والفرق بين الحكم المنزَّل الواجب الاتباع على كلِّ أحدٍ

(1)

والحكم المؤوَّل الذي نهايته أن يكون جائز الاتباع عند الضرورة ولا دَرْكَ على مخالفه.

فصل

ونحن نختم الكتاب بإشارةٍ لطيفةٍ إلى الفروق بين هذه الأمور، إذ كلُّ فرقٍ منها يستدعي بسطُه كتابًا كبيرًا.

فالفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين: أنَّ توحيدَ الرسل إثباتُ صفات الكمال لله على وجه التفصيل، وعبادتُه وحده لا شريك له، فلا يُجعل له ندٌّ

(2)

في قصدٍ ولا حبٍّ، ولا خوفٍ ولا رجاءٍ، ولا لفظٍ ولا حَلِفٍ ولا نذرٍ، بل يرفع العبدُ الأندادَ له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته، كما أنها معدومةٌ في نفس الأمر، لا وجود لها البتة؛ فلا يجعل لها وجودًا في قلبه ولا لسانه.

(1)

في (ز، غ): «على كل حال» . وقد سقط «على كل

جائز الاتباع» من الأصل.

(2)

(ط، ز، ن): «ندًّا» .

ص: 726

وأما توحيد المعطلين، فنفيُ حقائق أسمائه وصفاته وتعطيلُها. ومن أمكنه منهم تعطيلُها من لسانه عطَّلها فلا يذكرها، ولا يذكر آيةً تتضمنها، ولا حديثًا يصرِّح بشيءٍ منها. ومن لم يُمكنه تعطيلُ ذكرِها سطا عليها بالتحريف، ونفى حقيقتها، وجعلها اسمًا فارغًا لا معنى له، أو معناه من جنس الألغاز والأحاجي. على أنَّ مَن طرَدَ تعطيلَه منهم علِمَ أنه يلزمه

(1)

في ما حرَّفَ إليه النصَّ من المعنى نظيرُ ما فرَّ منه سواء، فإن لزم تمثيلٌ أو تشبيهٌ أو حدوثٌ في الحقيقة لزم في المعنى الذي حمل عليه النص، وإن لم يلزم في هذا فهو أولى أن لا يلزم في الحقيقة. [174 أ] فلمَّا علِمَ هذا لم يمكنه إلا تعطيلُ الجميع، فهذا طردٌ لأصل التعطيل. والفرقُ أقربُ منه، ولكنه متناقضٌ يتحكَّم

(2)

بالباطل حيث أثبت لله بعضَ ما أثبتَه لنفسه، ونفى عنه البعض الآخر. واللازم الباطل فيهما واحدٌ، واللازم الحقُّ لا يفرِّق بينهما.

والمقصود أنهم سمَّوا هذا التعطيل توحيدًا، وإنما هو إلحادٌ في أسماء الربِّ وصفاته، وتعطيلٌ لحقائقها.

فصل

والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المُعطِّلة: أنَّ الرسلَ نزَّهوه سبحانه عن النقائص والعيوب التي نزَّه نفسَه عنها، وهي المنافيةُ لكماله وكمال ربوبيته وعظمته، كالسِّنة والنوم والغفلة والموت واللُّغوب، والظلم وإرادته والتسمِّي به، والشريك والصاحبة والظهير والولد والشفيع بدون إذنه، وأن

(1)

(أ، ط، ق): «يلتزمه» .

(2)

(ز): «متحكم» . وفي (ب، ج، ط): «فيحكم» .

ص: 727

يترك عباده سدًى هملًا، وأن يكون خلقهم عبثًا، وأن يكون خلقُ السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، لا لثوابٍ ولا عقاب، ولا أمرٍ ولا نهي؛ وأن يُسوِّي بين أوليائه وأعدائه، وبين الأبرار والفجار، وبين الكفار والمؤمنين، وأن يكون في ملكه ما لا يشاء، وأن يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، وأن يكون لغيره معه من الأمر شيء، وأن يعرض له غفلة أو سهو أو نسيان، وأن يُخلِفَ وعدَه، أو تُبدَّلَ كلماتُه، أو يُضافَ الشر إليه اسمًا أو وصفًا أو فعلًا، بل أسماؤه كلُّها حسنى، وصفاتُه كلُّها كمال، وأفعالُه كلُّها خير وحكمة ومصلحة. فهذا تنزيه الرسل لربِّهم.

وأما المعطِّلون

(1)

، فنزَّهوه عما وصف به نفسَه من الكمال. فنزَّهوه عن أن يتكلَّم أو يُكلِّم أحدًا. ونزَّهوه عن استوائه على عرشه، وأن تُرفع إليه الأيدي، وأن يصعد إليه الكلمُ الطيِّبُ، وأن ينزل من عنده شيءٌ، أو تعرج إليه الملائكة والرُّوح، وأن يكون فوق عباده وفوق جميع مخلوقاته عاليًا عليها.

ونزَّهوه أن يقبض السماوات بيده، والأرض باليد الأخرى، وأن يُمسك السماوات على إصبَعٍ، والأرض على إصبع، والجبال على إصبَع، والشجر على [174 ب] إصبَع.

ونزَّهوه أن يكون له وجهٌ، وأن يراه المؤمنون بأبصارهم في الجنة، وأن يكلِّمَهم ويسلِّمَ عليهم، ويتجلى لهم ضاحكًا، وأن ينزل كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا فيقول: من يستغفرني فأغفِرَ له؟ من يسألني فأعطيَه

(2)

؟ فلا نزول

(1)

(ب، ج): «المعطلة» .

(2)

كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري (1145)، وصحيح مسلم (758).

ص: 728

عندهم ولا قول.

ونزَّهوه أن يفعل شيئًا لشيءٍ، بل أفعالهُ لا لحكمةٍ ولا لغرضٍ مقصود.

ونزَّهوه أن يكون تامَّ المشيئة، نافذَ الإرادة، بل يشاء الشيءَ ويشاء عبادُه خلافَه، فيكون ما شاء العبدُ دون ما شاء

(1)

الربُّ، ولا يشاء الشيءَ فيكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، وسمَّوا هذا عدلًا كما سمَّوا ذلك التنزيه توحيدًا.

ونزَّهوه عن أن يُحِبَّ أو يُحَبَّ. ونزَّهوه عن الرأفة والرحمة والغضب والرضا. ونزَّهه آخرون عن السمع والبصر، وآخرون عن العلم.

ونزَّهه آخرون عن الوجود فقالوا: الذي فرَّ إليه هؤلاء المنزِّهون من التشبيه والتمثيل يلزمنا في الوجود، فيجب علينا أن ننزِّهه عنه.

فهذا تنزيه الملحدين. والأول تنزيه المرسلين.

فصل

والفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل ما قاله الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الهدى: أنَّ التشبيه والتمثيل أن تقول: يدٌ كيدي، أو سمعٌ كسمعي، أو بصرٌ كبصري، ونحو ذلك

(2)

. وأما إذا قلتَ: سمعٌ وبصرٌ ويدٌ ووجهٌ واستواءٌ لا يماثل شيئًا من صفات المخلوقين، بل بين

(1)

(ب، ج، غ، ط): «شاء العبد دون ما يشاء» . وفي (ن): «يشاء» في الموضعين.

(2)

ذكره المصنف في اجتماع الجيوش الإسلامية (243) عن إسحاق بن راهويه. وحكى نحوه عن الإمام أحمد في مدارج السالكين (3/ 359). وانظر قوله في إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى (1/ 43، 45).

ص: 729

الصفة والصفة من الفرق كما بين الموصوف والموصوف

(1)

= فأيُّ تمثيلٍ هاهنا وأيُّ تشبيهٍ، لولا تلبيسُ الملحدين؟

فمدارُ الحقِّ الذي اتفقت عليه الرسل على أن يوصفَ اللهُ بما وصَف به نفسَه، وبما وصفه به رسلُه، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل: إثباتُ الصفات ونفيُ مشابهة المخلوقات. فمن شبَّهَ اللهَ بخلقه فقد كفر، ومن جحد حقائق ما وصف الله به نفسَه فقد كفر. ومن أثبتَ له حقائق الأسماء والصفات ونفَى عنه مشابهةَ المخلوقات، فقد هُدِيَ [175 أ] إلى صراطٍ مستقيم.

فصل

والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب: أنَّ تجريد التوحيد أن لا يُعطى المخلوقُ شيئًا من حقِّ الخالق وخصائصه، فلا يُعبد، ولا يُصلَّى له ويُسجَد، ولا يُحلَف باسمه، ولا يُنذَر له، ولا يُتوكل عليه، ولا يُؤلَّه، ولا يُقسَم به على الله، ولا يُعبَد ليقرِّب إلى الله زلفى. ولا يُساوَى بربِّ العالمين في قول القائل: ما شاء الله وشئت، وهذا منك ومن الله، وأنا بالله وبك، وأنا متوكِّل على الله وعليك، واللهُ لي في السماء وأنت في الأرض، وهذا من صدقاتك وصدقات الله، وأنا تائب إلى الله وإليك، وأنا في حسبِ الله وحسبِك؛ فيسجدَ للمخلوق كما يسجد المشركون لشيوخهم، يحلقَ رأسه له، ويحلفَ باسمه، وينذَر له، ويسجدَ لقبره بعد موته، ويستغيثَ به في حوائجه ومهمَّاته، ويُرضيَه بسخط الله، ولا يُسخطَه في رضا الله، ويتقرَّبَ إليه أعظم مما يتقرَّب إلى الله، ويحبَّه ويخافَه ويرجوه أكثرَ مما يُحبُّ اللهَ

(1)

(ق): «والواصف» ، وهو خطأ.

ص: 730

ويخافه ويرجوه، أو يساويه به

(1)

.

فإذا هُضِم المخلوقُ خصائصَ الربوبية وأُنزِلَ

(2)

منزلةَ العبد المحض الذي لا يملك لنفسه ــ فضلًا عن غيره ــ ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقُّصًا له، ولا حطًّا من مرتبته، ولو زعم المشركون.

وقد صحَّ عن سيِّد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «لا تُطروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبد الله

(3)

، فقولوا: عبد الله ورسوله»

(4)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، ما أُحِبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي»

(5)

.

وقال: «لا تتَّخِذوا قبري عيدًا»

(6)

.

وقال: «اللهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»

(7)

.

(1)

ساقط من (ط)، وكذا من أكثر النسخ المطبوعة.

(2)

في (ن) غيَّره بعضهم إلى «وأنزله» . وكذا في النسخ المطبوعة.

(3)

(ب، ج، غ): «عبد» .

(4)

أخرجه البخاري (3445) من حديث عمر.

(5)

أخرجه الإمام أحمد (12551). ومن طريقه الضياء في المختارة (1627)، والنسائي في الكبرى (10077، 10078) من حديث أنس رضي الله عنه. وإسناده صحيح. (قالمي).

(6)

أخرجه أبو داود (2042)، والإمام أحمد (8804) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وحسَّنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار. كما في الفتوحات الربانية (3/ 313). (قالمي).

(7)

أخرجه الإمام مالك في الموطأ (1/ 172) ــ ومن طريقه ابن سعد في الطبقات (2/ 240 ــ 241) ــ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلًا، وزاد:«اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ورجاله ثقات ..

وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه الإمام أحمد (7358)، والحميدي (1025)، والبزار (9087)، وأبو يعلى (6681) بمثله دون قوله:«يعبد» وإسناده حسن.

وأمَّا الشطر الثاني من الحديث فهو ثابت في الصحيحين وغيرهما. (قالمي).

ص: 731

وقال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد»

(1)

.

وقال له رجلٌ: ما شاء الله وشئتَ، فقال:«أجعلتني لله نِدًّا؟»

(2)

.

وقال له رجلٌ قد أذنب: اللهمَّ إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد. فقال:«عرف الحقَّ لأهله»

(3)

.

(1)

طرف من حديث أخرجه الإمام أحمد (20694)، وابن ماجه (2118)، والدارمي (2699)، والطبراني في الكبير (8214، 8215)، وأبو يعلى (4655)، والحاكم (3/ 462، 463) من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن طُفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها. وفيه قصة. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (2/ 152):«هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم» . (قالمي).

(2)

أخرجه الإمام أحمد (1839)، والنسائي في الكبرى (10825) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولفظه عند أحمد:«أجعلتني والله عِدْلًا» ، وعند النسائي:«لله عدلًا» .

وإسناده حسن؛ لأجل الأجلح بن عبد الله الكنديّ وهو صدوق كما في التقريب. (قالمي).

(3)

أخرجه أحمد (15587)، والطبراني في المعجم الكبير (839)، والحاكم (4/ 255) من طريق محمد بن مصعب القرقساني، حدثنا سلام بن مسكين والمبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أتى بأسير، فقال (فذكره).

قال الحاكم: «صحيح الإسناد» فتعقبه الذهبي بقوله: «ابن مصعب ضعيف» .

وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 199) لأحمد والطبراني وقال: «وفيه محمد بن مصعب؛ وثقه أحمد وضعّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح» .

قلت: وثّمة علّة أخرى وهي الانقطاع؛ فإن الحسن وهو البصري لم يسمع من الأسود بن سريع، صرَّح بذلك يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو داود، والبزار وغيرهم. انظر: التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة للدكتور مبارك الهاجري (1/ 194) وما بعدها. والله تعالى أعلم. (قالمي).

ص: 732

وقد قال الله له: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128].

وقال: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154].

وقال: {قُلْ لَا أَمْلِكُ [175 ب] لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [يونس: 49].

وقال: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الجن: 21 - 22] أي: لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه.

وقال لابنته فاطمة وعمِّه العباس وعمَّته صفية: «لا أملك لكم من الله شيئًا»

(1)

. وفي لفظ في الصحيح: «لا أغني عنكم من الله شيئًا»

(2)

.

فعظُم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم، وأبوا ذلك كلَّه وادَّعوا لشيوخهم ومعبوديهم

(3)

خلافَ هذا كلِّه، وزعموا أنَّ من سلبهم ذلك فقد هضَمهم مراتبَهم وتنقَّصَهم. وقد هضموا جانبَ الإلهية غايةَ الهضم،

(1)

أخرجه مسلم (205) عن عائشة.

(2)

أخرجه البخاري (2753) ومسلم (206) من حديث أبي هريرة.

(3)

(أ، غ، ق، ن): «معبودهم» .

ص: 733

وتنقَّصوه، فلهم نصيبٌ وافر من قوله تعالى:{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45].

فصل

والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أنَّ تجريد المتابعة أن لا تُقدِّم على ما جاء به قولَ أحدٍ ولا رأيَه كائنًا من كان، بل تنظر في صحة الحديث أولًا، فإذا صحَّ لك نظرتَ في معناه ثانيًا، فإذا تبيَّن لكَ لم تعدِلْ عنه، ولو خالفك مَن بين المشرق والمغرب.

ومعاذَ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيُّها، بل لابدَّ أن يكون في الأمة من قال به، ولو لم تعلمه. فلا تجعل جهلَك بالقائل به حجةً على الله ورسوله، بل اذهب إلى النصِّ ولا تضعُفْ، واعلم أنه قد قال به قائلٌ قطعًا ولكن لم يصِلْ إليك. هذا مع حفظ مراتب العلماء، وموالاتهم، واعتقاد حرمتهم وأمانتهم

(1)

واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرَين والمغفرة. ولكن لا يُوجب هذا إهدارَ النصوص وتقديمَ قول الواحد منهم عليها لشبهة أنه أعلم بها منكَ. فإن كان كذلك فمَن ذهب إلى النصِّ أعلمُ به منك أيضًا، فهلَّا وافقتَه إن كنت صادقًا!

فمن عرض أقوال العلماء على النصوص، ووزنها بها، وخالف منها ما خالف النصَّ= لم يُهدِر أقوالهم، ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمَروا بذلك. فمتَّبعُهم حقًّا مَن امتثل ما [176 أ] أوصَوا به، لا مَن

(1)

(ب، ج، غ): «إمامتهم» .

ص: 734

خالفهم. فخلافُهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهلُ من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمَروا ودعَوا إليها من تقديم النصِّ على أقوالهم.

ومن هنا يتبيَّن الفرق بين تقليد العالم في كلِّ ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه. فالأول يأخذ قولَه من غير نظرٍ فيه ولا طلبٍ لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلِّده به، ولذلك سُمِّي تقليدًا

(1)

؛ بخلاف مَن استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره. فمن استدلَّ بالنجم على القبلة، فإنه إذا شاهدها لم يبقَ لاستدلاله بالنجم معنى!

قال الشافعي: أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدَعَها لقول أحد

(2)

.

فصل

والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: أنَّ أولياء الرحمن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هم الذين آمنوا وكانوا يتقون. وهم المذكورون في

(1)

«ومن هنا يتبين

تقليدًا» ساقط من (ط). وفي (ن) بعد «تقليدًا» زيادة: كما قال:

وما الفرق في التقليد بين بهيمة

متى ما تُقَدْ تنقَدْ وبين المقلِّد

(2)

بهذا اللفظ ذكره المصنف في إعلام الموقعين (2/ 282) ومدارج السالكين (2/ 335) والرسالة التبوكية (40). وكذا نقله الفلاني في إيقاظ الهمم (58) ولعل مصدره كتب ابن القيم. وقال الشافعي في الأم (7/ 259): «ولا يجوز لعالمٍ أن يدع قول النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحدٍ سواه» . ونحوه في (1/ 151). وانظر رسالته (330).

ص: 735

أول سورة البقرة إلى قوله: {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [2 ــ 5]، وفي وسطها في قوله:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [177]، وفي أول الأنفال إلى قوله:{لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [1 - 4]، وفي أول سورة المؤمنين إلى قوله:{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [1 ــ 11]، وفي آخر سورة الفرقان، وفي قوله:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إلى آخر الآية [الأحزاب: 35]، وفي قوله:{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63]، وفي قوله:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]، وفي قوله:{إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} إلى قوله: {فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج: 22 ــ 35]، وفي قوله:{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} إلى آخر الآية [التوبة: 112].

فأولياء الرحمن هم: المخلصون لربِّهم، المحكِّمون لرسوله في الدِّقِّ والجِلِّ

(1)

، الذين يخالفون غيرَه لسنَّته، ولا يخالفون سنَّتَه لغيرها. فلا يبتدعون، ولا يدعون إلى بدعة، ولا يتحيَّزون إلى فئةٍ غير الله ورسوله وأصحابه، ولا يتخذون دينهم لهوًا ولعبًا، ولا يستحبُّون سماع الشيطان على

(1)

يعني: الدقيق والجليل. وفي الأصل: «الفرق والحل» . وكذا في (ق، غ، ط). وفيه تحريف وتصحيف. وحاول النسَّاخ والناشرون تصحيحه، فأثبت ناسخ (ن):«الفرق والدين» ، ولا معنى له. وفي (ز):«الحل والعقد» . وفي النسخ المطبوعة: «الحرَم والحِلّ» . والصواب ما أثبتنا من (ب، ج).

ص: 736

سماع القرآن، ولا يؤثرون صحبة الأنْتَان

(1)

على مرضاة الرحمن، ولا المعازف والمثاني على السبع المثاني

(2)

.

برئنا إلى الله مِن معشَرٍ

بهم مرَضٌ مُورِدٌ لِلضَّنَى

وكم قلتُ يا قومُ أنتم على

شَفا جُرُفٍ من سماع الغِنا

فلما استهانوا بتنبيهنا

تركنا غويًّا وما قد جَنى

وهل يستجيبُ لداعي الهدَى

غويٌّ أصارَ الغنا دَيدَنا

(3)

فعِشنا على مِلَّة المصطفَى

وماتوا على تاننا تنتنا

(4)

(1)

الكلمة مهملة في الأصل وكذا في (ق). وفي (غ، ط، ز): «الإنسان» ، وفي (ج):«الاتيان» . وفي النسخ المطبوعة: «الأفتان» . وفي بعض النسخ الخطية: «الأشرار» كما ذكر الأستاذ العموش وأثبته الأستاذ بديوي. وهو تصحيح بعيد. وفي (ن): «الصبيان» ، وهو صحيح في المعنى، ولكن الصواب ما أثبتناه من (ب) وحدها. والمراد: صحبة الأحداث والمردان. قال الذهبي في الكبائر (55): «وأقاويل السلف في التنفير منهم ــ يعني المردان ــ والتحذير من رؤيتهم أكثر من أن تُحصر، وسمَّوهم «الأنتان» لأنهم مستقذَرون شرعًا». ومنه قول أبي بكر الواسطي: «إذا أراد الله هوانَ عبد ألقاه إلى الأنتان والجيَف» . قال القشيري: يريد به صحبة الأحداث. الرسالة القشيرية (1/ 108).

(2)

في (ن): «القرآن والسبع المثاني» . وفي (ز) زاد بعد كلمة «المعازف» : «والمثالث» .

(3)

(ط، ج): «أصاب الغنا» ، تصحيف.

(4)

(ط، ج، ز، ن): «سنة المصطفى» . وفي الشطر الثاني في (ن): «على تاتنا» . وفي (ط): «على تنتنا» .

وهي ستة أبيات في إغاثة اللهفان (410) نسبها إلى آخر، وأظنه قصد نفسه. وهي أربعة في مسألة السماع له (66)، وهنا خمسة كما ترى، فهي مختلفة في عددها وألفاظها أيضًا. وقد أنشد أبو نصر القشيري أربعة أبيات في ذمِّ الفلسفة هي:

برئنا إلى الله من معشر

بهم مرض من كتاب الشِّفا

وكم قلت يا قوم أنتم على

شَفا جُرُفٍ من كتاب الشِّفا

فلما استهانوا بتنبيهنا

رجعنا إلى الله حتى كفَى

فماتوا على دين رسطالسٍ

وعشنا على ملّة المصطفى

انظر: النبوات (392) ومجموع الفتاوى (9/ 253)، والرد على المنطقيين (511) وقائلها فيه:«ابن العربي» وهو تحريف. وقد تصرَّف ابن القيم في هذه الأبيات وصرفها إلى الرد على أصحاب السماع.

ص: 737

ولا يشتبه أولياء الرحمن بأولياء الشيطان إلا على فاقد البصيرة والإيمان. وأنَّى

(1)

يكون المُعرِضون عن كتابه وهدي رسوله وسُنَّته المخالفون له إلى غيره أولياءَه، وقد ضربوا لمخالفته

(2)

جأشًا، وعدلوا عن هدي نبيه وطريقته؟ {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34]. فأولياء الرحمن: المتلبِّسون بما يُحبُّه وليُّهم، الداعون إليه، المحاربون لمن خرج عنه. وأولياء الشيطان: المتلبِّسون بما يُحبُّه وليُّهم قولًا وعملًا، يدعون إليه، ويحاربون من نهاهم عنه.

فإذا رأيت الرجل يحب السماعَ الشيطاني ومؤذنَ الشيطان وإخوانَ الشياطين، ويدعو إلى ما يحبه الشيطان من الشرك والبدع والفجور= علمتَ أنه من أوليائه. فإن اشتبه عليك، فاكشِفْه في ثلاثة مواطن: في صلاته،

(1)

في الأصل وغيره: «وأن» ، فزاد ناسخ (ز):«وحاشى الله أن» . والصواب ما أثبتنا من النسخ المطبوعة.

(2)

في الأصل: «لمخالفيه» .

ص: 738

ومحبته للسنة وأهلها وتقرُّبه منهم

(1)

، ودعوته إلى الله ورسوله وتجريدِ التوحيد والمتابعة وتحكيمِ السنَّة. فزِنْه بذلك، لا تزِنْه بحالٍ ولا كشفٍ ولا خارقٍ [177 أ]، ولو مشى على الماء وطار في الهواء!

فصل

وبهذا يُعلَم الفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني. فإنَّ الحال الإيماني ثمرة المتابعة للرسول، والإخلاص في العمل، وتجريدِ

(2)

التوحيد. ونتيجتُه

(3)

منفعةُ المسلمين في دينهم ودنياهم. وهو إنما يصح بالاستقامة على السُّنَّة والوقوف مع الأمر والنهي.

والحال الشيطاني يسبِّبه

(4)

إما شرك أو فجور. وهو ينشأ من قرب الشياطين والاتصال بهم ومشابهتهم. وهذا الحال يكون لِعُبَّاد الأصنام والصُّلبان والنِّيران والشيطان. فإنَّ صاحبه لمَّا عبد الشيطان خلع عليه حالًا يصطاد به ضعفاءَ العقول والإيمان. ولا إله إلا الله، كم هلك بهؤلاء من الخلق {لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 137]! فكلُّ حالٍ خرج صاحبُه عن حكم الكتاب وما جاء به الرسول، فهو

(1)

في الأصل: «عنهم» ، ومن ثم قرأ النسَّاخ والناشرون:«ونفرته عنهم» . والصواب ما أثبتنا من (ط) وحدها.

(2)

(ق): «وتجريده» .

(3)

(أ، ق): «ونتيجة» . وفي (ط): «ونتيجة شفقته للمسلمين» .

(4)

الكلمة في الأصل مهملة وأولها حرف اللام. وفي (ق) والنسخ المطبوعة: «نسبته» . وفي (غ): «بسببه» . وفي (ب): «سنته» . وفي حاشية (ج) بخط متأخر: «سببه» ، وهي ساقطة منها.

ص: 739

شيطاني، كائنًا ما كان.

وقد سمعتُ بأحوال السحرة وعُبَّاد النار وعُبَّاد الصليب وكثيرٍ ممن ينتسب إلى الإسلام ظاهرًا، وهو بريء منه في الباطن، له نصيبٌ من هذا الحال بحسب موالاته للشيطان ومعاداته للرحمن.

وقد يكون الرجل صادقًا، ولكن يكون ملبوسًا عليه بجهله

(1)

، فيكون حاله شيطانيًّا، مع زهدٍ وعبادةٍ وإخلاص، لكن لُبسَ عليه الأمرُ لقلة علمه بأمور الشياطين والملائكة وجهله بحقائق الإيمان.

وقد حكى هؤلاء وهؤلاء

(2)

مَن ليس منهم، بل هو متشبِّهٌ صاحب مِحال

(3)

ومخاريق. ووقع الناس في البلاء بسبب عدم التمييز بين هؤلاء وهؤلاء، فحسبوا كلَّ سوداء تمرةً، وكل بيضاءَ شحمةً. والفرقان أعزُّ ما في هذا العالَم، وهو نورٌ يقذفه الله في القلب يفرِّق به بين الحق والباطل، ويزِنُ به حقائق الأمور، خيرَها وشرَّها، وصالحَها وفاسدَها، فمَن عدِمَ الفرقانَ وقع ولابدَّ في أشراك الشيطان، فالله المستعان وعليه التكلان.

فصل

والفرق بين الحكم المنزَّل الواجب الاتباع، والحكم المؤوَّل الذي غايته أن يكون جائز الاتباع: أنَّ الحكم المنزَّل: الذي

(4)

أنزله الله على رسوله

(1)

(ب، ط، ز): «لجهله» .

(2)

«وهؤلاء» ساقط من (ب).

(3)

في النسخ المطبوعة: «مخاييل» ، تحريف. والمحال: المكر والحيلة.

(4)

ما عدا الأصل: «هو الذي» .

ص: 740

وحكم به بين عباده، وهو حكمه الذي لا حكم له سواه.

وأما الحكم المؤوَّل، فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها ولا يكفر ولا يفسق مَن خالفها، فإنَّ أصحابها لم يقولوا: هذا حكم الله ورسوله، بل قالوا: اجتهدنا برأينا، فمن شاء قَبِله، ومن شاء لم يقبله؛ ولم يُلزِموا به الأمة. بل قال أبو حنيفة: هذا رأيي، فمن جاءنا بخيرٍ منه قَبِلناه

(1)

. ولو كان هو عين حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه.

وكذلك مالكٌ استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطأ، فمنعه من ذلك، وقال: قد تفرَّق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد، وصار عند كلِّ قومٍ علمٌ غيرُ ما عند الآخرين

(2)

.

وهذا الشافعيُّ ينهى أصحابه عن تقليده، ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه

(3)

.

وهذا الإمام أحمد يُنكر على مَنْ كتب فتاويه ودوَّنها، ويقول: لا تُقلِّدني ولا تُقلِّد فلانًا ولا فلانًا، وخُذْ من حيث أخذوا

(4)

.

(1)

ذكر المصنف في إعلام الموقعين (1/ 75) أن أبا يوسف والحسن بن زياد كليهما رواه عن أبي حنيفة. وانظر: مجموع الفتاوى (20/ 211).

(2)

وكذا في إعلام الموقعين (2/ 382) ومجموع الفتاوى (30/ 79). والمشهور أن الذي أراد أن يحمل الناس على الموطأ وقال ذلك لمالك هو أبو جعفر المنصور. انظر: ترتيب المدارك (2/ 71 ــ 73).

(3)

انظر أول مختصر المزني، وقد نقل منه المصنف في إعلام الموقعين (2/ 200). وانظر: معرفة السنن للبيهقي (2/ 454).

(4)

إعلام الموقعين (2/ 201). وانظر: مجموع الفتاوى (6/ 215).

ص: 741

ولو علموا رضي الله عنهم أنَّ أقوالهم وحيٌ يجب اتباعه لحرَّموا على أصحابهم مخالفتَهم، ولمَا ساغ لأصحابهم أن يُفتوا بخلافهم في شيء، ولمَا كان أحدُهم يقول القول ثم يفتي بخلافه، فيُروى عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك. فالرأيُ والاجتهادُ أحسنُ أحواله أن يسوغ اتباعُه. والحكم المنزَّل لا يحِلُّ لمسلمٍ أن يُخالفه ولا يخرج عنه.

وأما الحكم المبدَّلُ، وهو الحكم بغير ما أنزل الله، فلا يحِلُّ تنفيذُه، ولا العملُ به، ولا يسوغ اتِّباعُه، وصاحبُه بين الكفر والفسوق والظلم.

* * * *

والمقصود: التنبيه على بعض أحوال النفس المطمئنة واللوَّامة والأمَّارة، وما تشترك فيه النفوس الثلاثة، وما يتميَّز به بعضُها من بعضٍ؛ وأفعالِ كلِّ واحدةٍ منها واختلافها ومقاصدها ونياتها. وفي ذلك تنبيهٌ [178 أ] على ما وراءَه.

وهي نفسٌ واحدةٌ تكون أمَّارةً تارةً، ولوَّامةً أخرى، ومطمئنةً أخرى. وأكثر الناس الغالب عليهم الأمَّارة. وأما المطمئنة فهي أقلُّ النفوس البشرية عددًا، وأعظمُها عند الله قدْرًا. وهي التي يقال لها:{ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 28 ــ 30].

والله سبحانه المسؤول المرجوُّ الإجابة، أن يجعل نفوسَنا مطمئنةً إليه، عاكفةً بهِمَّتها عليه، راهبةً

(1)

منه، راغبةً فيما لديه، وأن يُعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن لا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره، واتَّبع هواه،

(1)

(ب، ج): «راضية» .

ص: 742

وكان أمره فُرطًا؛ ولا يجعلنا من الأخسرين {أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104]. إنه سميعُ الدعاء، وأهلُ الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ص: 743