الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثامن: موقف العلماء من السنن التي ظاهرها التعارض
الباحث في موضوع الاحتجاج بالسنة النبوية وكونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي لا يمكنه بحال إغفال النظر في موضوع الأحاديث التي ظاهرها التعارض حيث ذهب جمهور العلماء إلى ما يلي:
1-
ينظر في الحديث المعارِض، فإن كان ضعيفًا فلا أثر له في المعارضة، لأن القوي لا تؤثر فيه مخالفة الضعيف.
2-
إذا كان الحديث المعارض صحيحًا مقبولاً مثل الأول، فينظر هل يمكن أن يجمع بينهما؟ فإن أمكن: جمع بينهما وعمل بهما معًا، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
والخلاف الظاهر بين العلماء هنا أن منهم من يقدم الجمع على الترجيح، ومنهم من يقدم الترجيح على الجمع. ويعتبر هذا الأمر من أهم أسباب اختلافهم رحمهم الله تعالى. ويوضح ذلك المثال التالي:
- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرّبوا
…
" (1) .
- وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته
…
)) (2) .
(1) متفق عليه، انظر: صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق:(380) 1/135.
(2)
رواه الجماعة، انظر: صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب من تبرز على لبنتين. (142) 1/135.
- فمن العلماء من رجح الحديث الأول فقال: لا يجوز استقبال واستدبار القبلة بالبول والغائط لا في الصحاري ولا في البنيان.
- ومنهم من رجح الحديث الثاني فقال: بمطلق الإباحة وأنه يجوز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط في الصحاري والبنيان.
- ومنهم من جمع بين الحديثين فقال: لا يجوز في الصحاري، ويجوز في البنيان (1)
1-
إن لم يمكن الجمع بينهما فلا يخلو أن يعرف التأريخ أولا؟ فإن عرف وثبت المتأخر فهو الناسخ والآخر منسوخ. مثال ذلك حديث "نهيتكم عن زيارة القبور فزروها"(2) . بين الحديث أن الأمر بزيارة القبور نسخ النهي عن زيارتها.
2-
إن لم يعرف التأريخ للمتأخر فلا يخلو إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن أو السند، أو لا يمكن ذلك بحسب ما يفتح به الله من كثرة العلم أو عمق الفهم (3)
فإن لم يمكن الجمع بينهما، ولا معرفة الناسخ والمنسوخ، ولا الترجيح لأحدهما على الآخر فيكون التوقف عن العمل بالحديثين (4) . يقول الإمام ابن حجر:" التعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط، لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه والله أعلم"(5) .
(1) الشوكاني/ نيل الأوطار: 1/98.
(2)
أخرجه مسلم، انظر صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ربه عز وجل في زيارة قبر أمه: 2/977.
(3)
الشافعي/ الرسالة: ص 282.
(4)
محمد عوامة/ أثر الحديث الشريف قي اختلاف الفقهاء: ص 101.
(5)
نزهة النظر: ص 83.