الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي سورة الأعراف يقول: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا
…
} [الأعراف: 56]
وفي سورة القصص يقول: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ....} [القصص: 77]
عقوبات المفسدين
وما دام الفساد والإفساد في الحياة مُحَرَّماً ومنهياً عنه كان من الحكمة وضع عقوبات دنيوية عاجلة، على أنواع من الفساد تضر بحياة الأفراد والجماعات. وفي هذا ورد قوله تعالى في سورة المائدة:
في هذه الآية الحكيمة وضع الله أربع عقوبات لجرائم الإخلال بالأمن العام والخاص وانتهاك الحرمات. وهي الجرائم التي يصدق عليها وصف محاربة الله ورسوله، والإفساد في الأرض.
الزنى محاربة وإفساد:
والزني، من أبشع الجرائم الخلقية، المسقطة للمروءة والشرف. وقد أجمعت الرسالات السماوية على تأثيمه وزجر مقترفيه.
ونظرة خاطفة إلى سرد العقوبات الأربع التي وردت في آية "المائدة" تريك أن القرآن جعل الغقوبة الأولى هي "التقتيل" وهو مأخوذ من الفعل: "أن يُقَتَّلوُا".
فالزنى من أفحش أنواع الفساد والإفساد في الأرض.
والرجم الذي ورد في السنة الطاهرة عقوبة للزناة المحصنين نوع من "التقتيل" الذي ورد في آية "المائدة" عقوبة أولى على محاربة الله ورسوله والإفساد في الأرض.
فالقرآن والسنة في توافق تام في تحديد هذه العقوبة. فأين - يا ترى -
مخالفة السنة للقرآن في تحديد الرجم للزناة المحصنين، كما يزعم منركو السنة النبوية؟!
بل إننا نرى دقة متناهية بين معنى الرجم ومعنى التقتيل. فالرجم هو الرمي بالحجارة حتى الموت. فأسباب الموت فيه بطيئة ومتكررة.
وهذا المعنى هو الذي يفهم من "التقتيل" لأنه مصدر الفعل الثلاثي المضعف (قتَّل) على وزن "فعَّل" وهو يفيد معنى التكرار والتتابع المفهوم من لفظ "الرجم" لإن فيه تتابعاً بين القذف بالحجارة حتى الموت فأين دعاة مخالفة السنة للقرآن من هذه الدقائق والأسرار الملجمة لكل أفَّاك أثيم؟
لا وصية لوارث:
ومن الأحاديث التي عدوها مخالفة للقرآن، قوله صلى الله عليه وسلم "لا وصية لوارث" وهذا الحديث له منزلة عظمى في التشريع الإسلامي غابت عن منكري السنة، ثم قابلوا بين هذا الحديث وبين قوله تعالى:
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
…
} [البقرة: 180] .
وظهر لهم من خلال هذه المقابلة، أن الآية والحديث متعارضان:
الآية تحث على الوصية عند الموت للوالدين والأقربين، والوالدان من ورثة الميت بلا جدال، وكذلك الأقربون كالإخوة والأخوات والأبناء، وهم أقرب فروع الميتن أما الحديث فينفي صحة الوصية للوراث، سواء كان اصلاً للميت كالأب والجد، أو فرعاً كالابن زابن الأبن وهذا حملهم على القول بأن الحديث باطل لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه - عندهم - مخالف للقرآن.
لقد حفظوا شيئاً وعغابت عنهم اشياء. ولو أنهم كانوا بصراء بتاريخ التشريع لما وقعوا في هذه الورطة، أو هه الفضيحة الناشئة عن جهلهم بالقرآن والسنة معاً، لأن مخالفة التي خُدعوا بها مخالفة ظاهرية، أما عند التحقيق فلا مخالفة أبداً بين هذه الآية وبين هذا الحديث.
هذه الآية نزلت قبل آيات المواريث في سورة النساء والتي بدأت بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ....} [النساء: 11] .
وكان المتبوع عند الناس قبل نزل آيات التوريث أن المالك حر في توزيع تركته، غير ملزم بنظام معين وربما حرم الأبناء آباءهم وأمهاتهم من منحهم شيئاً من أموالهم وهم في ساعة الاحتضار، وهذا غبن للأباء والأمهات، فنزلت الآية تذكر الأبناء بما لوالديهم عليهم من حقوق، تستوجب الإحسان إليهم، وتخصيص مقدار من أموال التركة لهم، وللأقربين الأدنين ولما نزلت آيات التوريث، ووزع الله تركة الميت توزيعاً عادلاً بين أصوله وفروعه، وبين الأزواج، وحدد الله أنصباء الأباء والأمهات فيما بين الثلث والسدس وكذلك الأبناء والإخوة والأخوات.
وبعد هذا التحديد الإلزامي لانصباء الوالدين والأقربين صار من الظلم أن يجمع الوالدان والأقربون بين نصيب كل منهم من تركه المتوفي، وبين مال يستحقونه عن طريق الوصية.
لذلك اذن الله لرسوله الكريم أن يقول "لا وصية لوارث" تحقيقاً للعدل والإنصاف. فالوصية شرعت في ظل حرمان الوالدين والأقربين من تركة المتوفي، وبعد توزيع التركة إلزامياً على الوالدين والأقربين، لم يعد للوصية لهم سبب وجيه.
هذا هو فقه هذه المسألة، وبه يزول توهم مخالفة السنة للقرآن، ومحال أن يكون بين السنة والقرآن مخالفة ظاهرة أو خفية.
لكن منكري السنة يتخذون من جهلهم المركب بالقرآن والسنة، وقيم الإسلام ومبادئه السامية، يتخذون من هذا الجهل قاضياً على حقائق الإسلام.
ومع هذا الجهل يتباكون بدموع "الثعالب" على حاضر الأمة ومستقبلها، ويجعلون سنة خاتم النبين هي السبب في تخلف الأمة وضياعها {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5] .
من بدل دينه فاقتلوه:
من الأحاديث التي قضى هؤلاء الجهلة، بأنها مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث:"من بدَّل دينه فاقتلوه" وهو حديث صحيح، مروي عن رسول الله من ثلاث طرق:
فقد أخرجه البخاري في كتاب الجهاد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه الطبراني المعجم الكبير من حديث معاوية بن حيدة كما أخرجه في الأوسط من حديث عائشة مرفوعاً رضي الله عنها.
وكلهم رواه عن رسول الله بهذه الصياغة "من بدَّل دينه فاقتلوه".
ومع هذا لم يتورع منكرو السنة من الحكم عليه بالبطلان لأنه - عندهم - مخالف للقرآن، ولهم في توهم هذه المخالفة مقولات منكرة، نكتفي بذكر اثنتين منها، الأولى: أنه مخالف لقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
…
} [البقرة: 256] .
الثانية: فهمهم المغلوط لقوله تعالى في سورة النساء:
فقد فهموا هذه الآية على غير المراد منها، وقالوا إن المرتدين في هذه الآية كانوا يخرجون من الإيمان إلى الكفر، ثم من الكفر إلى الإيمان، ثم إلى الإزدياد من الكفر، ولو كانت عقوبة المرتد هي القتل، كما ورد في الحديث، لقُتِل هؤلاء المرتدون من أول مرة خرجوا فيها من الإيمان إلى الكفر، أما بقاؤهم يترددون بين الإيمان والكفر ثلاث مرات، فهذا دليل على أن المرتد لا يقتل على ردته؟!
وخلاصة القول عندهم أن القرآن لم يحدد عقوبة دنيوية للمريد عن دينه. والقرآن هو الأصل، إذن فلا يقام أي وزن لهذا الحديث المخالف للقرآن؟!
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
قاتل الله الجهل، فإنه سبب كل بلية، وقاتل الله العناد، فإنه مطية الهلاك. هذه الشبهة سواء كان الباعث عليها الجهل أو العناد، فهي شبهة واهية، لا تثبت أمام الحق. والحديث الذي قضوا فيه بمخالفته للقرآن متفق مع القرآن تمام الأتفاق، وإليك البيان:
أولاً: قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لم يرد في مقام الحديث عن الدرة والمرتدين، وإنما ورد في مقام الدعوة إلى الإيمان بوجه عام، فهو نظير قوله تعالى:{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} [الكهف: 29] .
والمعنى أن الرسول، والدعاة معه أو من بعده، ليس من الواجب عليهم حمل الناس بالإكراه على الدخول في الدين، بل عليهم البلاغ الواضح، فمن آمن فقد اهتدى، ومن ظل على كفره فحسابه على الله.
هذا هو معنى هذه الآيات. والحديث بيان لعقوبة من كان مؤمناً فكفر.
وبهذا يتبسن أن للآية {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} مقاماً غير مقام الحديث "من بدَّل يدنه فاقتلوه" إذن فالجهة - كما يقول الأزهريون - منفكة، وهذا معناه أنه لا تعارض بين الآية والحديث، ولا مخالفة في الحديث للقرآن.
ثانياً: أما آية النساء، التي حكت قصة آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم أزدادو كفراً، فلا تعارض بينها وبين الحديث كذلك.
لأن هذه الآية تصف أحوال المنافقن "السرية" أو النفسية، والمنافقون - كما هو معروف - كانوا يحرصون دائماً على إظهار الإيمان. سواء كان إيماناً مصطنعاً أو شعروا بإيمان حقيقي في لحظات عابرة. إذن فإن تنقلهم بين الكفر والإيمان كان أحوالاً نفسية، لم يظهروها لغيرهم. والإسلام - في الدنيا - يجرى أحكامه على ظاهر الحال، أما السرائر فأمرها موكول إلى الله قطعاً.
وصفوة القول مما تقدم أننا أزلنا شبهة مخالفة هذا الحديث للقرآن بأقطع البراهين. وبقى علينا أن تثبت موافقته للقرآن رغم أنوف آباء ذر.
موافقة الحديث للقرآن:
هذا الحديث الذي عده هؤلاء الحمقى مخالفاً للقرآن هو في الواقع الذي لا يُدفع موافق للقرآن، ودليلنا من القرلآن هو الآتي:
أولاً: أن قوله صلى الله عليه وسلم "من بدَّل دينه فاقتلوه" هو - بلا نزاع - قضاء قضى به رسول الله، وقضاء رسول الله واجب الطاعة كقضاء الله نفسه عز وجل. بل هو قضاء الله نفسه، لأنه هو الذي قرر هذا في قوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]
أليس هذا هو كلام الله عز وجل؟
ثانياً: أن هذا القضاء النبوي "من بدَّل دينه فاقتلوه" حكم أتانا به الرسول، الذي لا ينطق عن الهوى، ولم يقل إلا حقاً.
ونحن بصريح القرآن مأمورون بطاعة هذا الرسول في كل ما أمر به، أو نهى عنه:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا....} [الحشر: 7]
ومن قبل هاتين الآيتين كان قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]
وقد بينت هذه الآية أن للرسول طاعة كطاعة الله. والطاعة الخاصة له صلى الله عليه وسلم تكون في سنته المضافة إلى القرآن وسنة الرسول هي بالإجماع:
* أحاديثه التي صح صدورها عنه.
* أفعاله في مقام التشريع والتبليغ عن الله.
* تقريراته وموافقاته لأعمال تقع أمامه من غيره، فلم ينه عنها.
هذا هو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال.
خطأهم في فهم المخالفة:
منكرو السنة النبوية، ليس لهم في هذه السوق بضاعة رائجة، ولا سلاح يحققون به انتصاراً، لذلك تكبو كل خطوة يخطونها في هذه المسالك الوعرة. وعلى كثرة ما يكتبون لا تجد لهم صواباً واحداً يعتد به، وهذا أمر بدهي لأن العود الأعوج لا يستقيم له ظل. ولو شاب الغراب.
ففي هذه الشبهة، شبهة مخالفة السنة للقرآن، تراهم يسيئون فهم هذه المخالفة المدعاة، ويوسعون - جهلاً - من مفهومها على خلاف ما يرى علماء الأمة، وأئمة الهدى منذ عصر الإسلام الأول وإلى الأن. وهذا الفهم المعوج لمفهوم المخالفة، أوقعهم في الوحل، أو في خندق ضيق خانق للأنفاس.
فموافقة، السنة للقرآن - عندهم - تكون يترديد السنة معاني القرآن بألفاظها، أو ما هو قريب من ألفاظها.
فمثلاً قوله صلى الله عليه وسلم "أدَّ الأمانة إلى من أئتمنك" موافق للقرآن، لأن الله يقول:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]
وكل ما عدا هذا فهو من قبيل المخالفة للقرآن لا الموافقة فقد ضيقوا مفهوم الموافقة ووسعوا مفهوم المخالفة فوقعوا في نحاذير لا نهاية لها، لأن موافقة، الأحاديث للقرآن في اللفظ والمعنى معاً أمر نادر الوقوع، والتمسك به يحدث فجوات واسعة بين القرآن والسنة، وهذا ما جعل منكري السنة أضحوكة الأضاحيك عند العقلاء وأهل العناد منهم يقصدون ذلك قصداً، لأنه أعون لهم على تحقيق مآربهم ومآرب أعداء الإسلام من الإسلام نفسه.
الموازنة على ثلاث درجات
علماء الحق رضي الله عنهم، جعلوا الموازنة بين السنة والقرآن على ثلاث درجات، بالنظر إلى جميع ما أطلق عليه أنه حديث، أي ما يشمل الأنواع الأربعة، وهي:
* الحديث الصحيح.
* الحديث الحسن.
* الحديث الضعيف.
* الحديث الموضوع.
والدرجات الثلاث هي:
الأولى: ما وافق القرآن من الأحاديث.
الثانية: ما لم يوافق القرآن منها.
الثالثة: ما لم يوافق القرآن ولم يخالفه.
وأحاديث الدرجة الأولى، وهي ما وافق القرآن هي من السنة إذا صح سندها، وسلم متنها.
أما ما يندرج تحت مفهوم الدرجة الثانية، وهي ما ثبت مخالفته للقرآن، فهذه ليست من السنة، ومحال أن تكون نسبتها إلى الرسول صحيحة، فهي أحاديث مكذوبة قطعاً. ثم اصطلحوا على تسميتها بالأحاديث "الموضوعى" أما أحاديث الدرجة الثالثة، وعي ما لا مخالفة فيها للقرآن ولا موافقة، فهي مثل أحاديث الدرجة الأولى إذا صح سندها، وسلم متنها، فهي من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وهي أكثر أحاديث السنة في الواقع ونفس الأمر.
وليس في قولهم: "ما لم يوافق القرآن ولم يخالفه" جمع بين النقيضين كما يبدو من ظاهر العبارة، لأن مرادهم منها ما سكت عنه القرآن ولم يذكره، أو هو "المسكوت عنه في القرآن" وهذا النوع لا ترى فيه موافقة، للقرآن ولا ترى فيه مخالفة له في الوقت نفسه.
فمثلاً قوله صلى الله عليه وسلم "إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول" لا موافقة فيه للقرآن؛ لأن القرآن لم يذكر هذا القول.
وليس فيه مخالفة للقرآن، لأن القرآن لم يرد فيه ما ينهى المسلم عن هذا الترديد لقول المؤذن.
ومثلاً آخر، قوله صلى الله عليه وسلم:"الخيل معقود في نواصيها الخير" لا مخالفة فيه ولا موافقة للقرآن، لأن القرآن سكت عنه، ولم يرد فيه نص يخالف ما قرره النبي في فضل الخيل.
هذا هو الحق الأبلج الذي عليه العلماء البررة الورعون فقد أجمعوا على أن الحديث النبوي لا يمكن أن تقع بينه وبين القرآن مخالفة لأن السنة بيان أمين صادق للقرآن، ولن يخالف البيان الأمين الصادق مقاصد المبَّين قال عز وجل:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]
وأحاديث الدرجة الثالثة من درجات الموازنة بين السنة والقرآن لا تكاد تحصى، لأنها دارت مع مقاصد الكتاب العزيز في كل شئون الحياة.
ومنكرو السنة لما وسعوا من دائرة المخالفة، بين السنة والقرآن قضوا على أحاديث الثالثة، وهي الأحاديث التي نطقت حيث سكت القرآن، قضوا عليها بالبطلان جميعاً لأنها عندهم مخالفة للقرآن، أو أن البطلان هو لازم مذهبهم ومن يتتيع ما يكتبونه - الآن - في الصحف والمجلات، أو الكتب التي يصدرونها، يجدهم يتهافتون حول الإسراف في رفض الأحاديث، ورفض ما بني عليه من تشريعات وأحكام فقية تتعلق بالعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك وربما العقائد والأصول.
نوعا الموافقة:
علماء الأمة - سلفاً وخلفاً - مجمعون على موافقة كل ما صح صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن، سواء في ذلك أقواله وأفعاله وتقريراته، ولم يشذ منهم أحد، ولكن لا على طريقة منكري السنة، الت ي تقدم بيانها.
وقالوا: إنة موافقة السنة للقرآن على نوعين:
أحدهما: موافقة جلية واضحة لا تحتاج إلى طول نظر وفكر وذلك
مثل الأحاديث في تاثيم الربا، وبر الوالدين، والتمسك بالكتاب والسنة فهذه تجد الموافقة بينهما وبين آيات القرآن جلية واضحة كالشمس في صافية النهار.
والثاني: موافقة دقيقة فيها نوع خفاء، تحتاج إلى طول نظر وفكر.
وقد ظفرنا - نحن - بقبس منها حين أثبتنا الموافقة بين رجم الزناة المحصنين، الذي ثبت بطريق السنة، وبين مبادئ القرآن الكلية في تحديد العقوبات الأربع على جرائم محاربة الله ورسوله، والسعي في الأرض فساداً في قوله عز وجل:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا....} [المائدة: 33] حيث ظخر لنا توافق الرجم مع "التقتيل".
أصلان كليان:
فإذا لم يسعفنا النظر في كتاب الله بوجه للموافقة بين حديث صح صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين القرآن فإن في القرآن أصولاً كلية عامة تضفى على الحديث صفة الموافقة، وتنفي عنه وصمة المخالفة. ويكفينا هنا أن نذكر منها اصلين، وإن كانت الإشارة إليهما قد تقدمت:
أولهما: قوله تعالى في سزرة الأحزاب:
والثاني: في سورة الحشر:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]
أن هذين الأصلين كافيان لمواجهة الشغب الذي يثيره زنادقة العصر من منكري السنة، وادعائهم أنها، أو كثير منها مخالف للقرآن.
ورحم الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد قال في هؤلاء المارقين وأمثالهم:
"ستأتي أقوام يجادلونكم بمتشابه القرآن، فخذوهم بالأحاديث، لأن أهل السنن أعلم بكتاب الله".
متى تجب موافقة السنة للقرآن؟
لا خلاف بين علماء الأمة سلفاً وخلفاً حول موافقة السنة للقرآن، وأن في القرآن أصولاً لا تحمل عليها السنة في كل ما ورد فيها، وأن ما ثبت خلافه للقرآن - يقيناً - مما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو صحيح النسبة إليه، وقد عرفنا أن طريقة علماء الأمة من موافقة السنة للقرآن تختلف عن تصورات منكري السنة وأوهامهم الباطلة في هذا المجال.
وبقى فرع مهم ينبغي الإشارة إليه، وهو أن موافقة السنة للقرآن واجبة وجوباً قطعياً في الأحاديث والأفعال والتقريرات المتعلقة بأفعال المكلفين في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق. هذا موضع إجماع بين العلماء على اخالاف تخصصاتهم في علوم الإسلام:
مفسرون، ومحدثون، وأصوليون، وفقهاء، ومتكلمون قال الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات [4/57] ما يلي "والثاني: أن لا يقع - يعني الحديث النبوي - موقع التفسير ولا فيه معنى تكليف اعتقادي أو عملي، فلا يلزم أن يكون له أصل في القرآن، لأنه امر زائد على موقع التكليف
…
فالسنة إذا خرجي عن ذلك فلا حرج، وقد جاء من ذلك في الصحيح، كحديث أبرص وأقرع وأعمى، وحديث جريح العابد، ووفاة موسى، وجمل من قصص الأنبياء عليهم السلام، والأمم قبلنا، مما لا ينينى عليه عمل، ولكن في ذلك من الاعتبار على نحو ما في قصص القرآن
…
"
وصفوة القول: أن موافقة السنة للقرآن إنما تجب في شئون التكليف الاعتقادي والعملي، أما فيما عذا هذا فالموافقة ليست واجبة، فقد تنفرد السنة بأمور ليس لها وجود في القرآن، وقد يكون لها وجود في القرآن والسنة معاً، لكن التوافق ليس مطلوباً، وقد أشار الإمام الشاطبي - كما تقدم - إلى بعض ما انفردت
به السنة، ونحن نضيف إلى ما قاله قصة الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم سأل هل له من توبة، فأفتى المسئول بأنه لا توبة له فقتله وأكمل به المائة، ثم سأل آخر: هل له من توبة، فأفتاه بأن له توبة فتاب.
هذه القصة لم ترد في القرآن، ومع هذا لا يعتبر الحديث الذي قصها مخالفاً للقرآن.
وقصة اصحاب الأخدود وردت في القرآن في سورة "البروج" كما وردت في أحاديث القصص النبوي، ولو كانت السنة قد انفردت بذكرها لما كانت مخالفة للقرآن مخالفة ينسحب اثرها على الحديث بالبطلان.
* * *