المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(مسألة) * وإن قال لأجنبية أنت علي كظهر أمي لم يطأها إن تزوجها حتى يكفر) - الشرح الكبير على المقنع - ط المنار - جـ ٨

[ابن أبي عمر]

فهرس الكتاب

- ‌(مسألة) * (وكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول كطلاقه وخلعه وإسلامه وردته أو من أجنبي كالرضاع ونحوه يتنصف بها المهر بينهما)

- ‌(مسألة) * (وإن مات أحدهما قبل الإصابة وقبل الفرض ورثه صاحبه ولها مهر نسائها)

- ‌(مسألة) * (أو دعاه فيما بعد اليوم الأول)

- ‌(مسألة) * (وإذا حضر وهو صائم صوماً واجباً لم يفطر وإن كان نفلاً أو مفطراً استحب له الأكل وإن أحب دعا وانصرف)

- ‌(فصل في آداب الاكل) *

- ‌(باب عشرة النساء) *

- ‌(مسألة) * (وإذا تم العقد وجب تسليم المرأة في بيت الزوج إذا طلبها وكانت حرة يمكن الاستمتاع بها)

- ‌(مسألة) * (وإن كانت أمة لم يجب تسليمها إلا بالليل)

- ‌(مسألة) * (ولا يقع بالعدة من الخلع طلاق ولو واجهها به)

- ‌(مسألة) * (وإن قال بألف فكذلك ويحتمل أن لا تطلق حتى تختار فيلزمها الألف)

- ‌(مسألة) * (ولا يطلق أكثر من واحدة إلا أن يجعل ذلك إليه)

- ‌(باب الاستثناء في الطلاق)

- ‌(مسألة) * (وإن قال أنت طالق اثنتين إلا واحدة فعلى وجهين ذكرناهما، وذلك مبني على صحة استثناء النصف)

- ‌(مسألة) * (وإن قال أنت طالق ثلاثا واستثنى بقلبه إلا واحدة وقعت الثلاث وإن قال نسائي طوالق واستثنى واحدة بقلبه لم تطلق)

- ‌(مسألة) * (ولو قال أولا إن قمت فانت طالق ثم قال إن طلقتك فأنت طالق فقامت طلقت بالقيام واحدة ولم تطلق بتعليق الطلاق لأنه لم يطلقها بعد ذلك)

- ‌(مسألة) * (إذا قالت انقضت عدتي فقال قد كنت راجعتك فالقول قولها)

- ‌(مسألة) * وإن طلق العبد زوجته اثنتين لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره سواء عتقا أو بقيا على الرق)

- ‌(مسألة) * (وإن قال والله لا وطئتك إن شئت فشاءت صار موليا)

- ‌(مسألة) * (فإن طلق واحدة فله رجعتها وعنه أنها تكون بائنة)

- ‌(مسألة) * وإن قال لأجنبية أنت علي كظهر أمي لم يطأها إن تزوجها حتى يكفر)

- ‌(مسألة) * (فإن أعتقه عن كفارته وهو موسر فسرى إلى نصيب شريكه عتق)

- ‌(مسألة) * ولو أعتق نصفي عبدين أو نصفي أمتين أو نصف عبد ونصف أمة أجزأ عنه)

الفصل: ‌(مسألة) * وإن قال لأجنبية أنت علي كظهر أمي لم يطأها إن تزوجها حتى يكفر)

* ‌

(مسألة) * وإن قال لأجنبية أنت علي كظهر أمي لم يطأها إن تزوجها حتى يكفر)

الظهار من الأجنبية صحيح سواء قال ذلك لامرأة بعينها أو قال كل النساء علي كظهر أمي وسواء أوقعه مطلقا أو علقه على التزويج فقال كل امرأة تزوجها فهي علي كظهر أمي ومتى تزوج التي ظاهر منها لم يطأها حتى يكفر يروى نحو ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبه قال سعيد بن المسيب

وعروة وعطاء والحسن ومالك واسحاق، ويحتمل أن لا يثبت حكم الظهار قبل التزويج وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي، وروي ذلك عن ابن عباس لقول الله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم) والاجنبية ليس من نسائه ولأن الظهار يمين ورد الشرع بحكمها مقيداً بنسائه فلم يثبت حكمها في الأجنبية كالإيلاء فإن الله تعالى قال (والذين يظاهرون من نسائهم - كما قال - للذين يؤلون من نسائهم) ولانها ليست بزوجة فلم يصح الظهار منها كأمته ولأنه حرم محرمة فلم يلزمه شئ كما لو قال أنت حرام ولأنه نوع تحريم فلم يتقدم النكاح كالطلاق ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله أنه قال في رجل قال إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي فتزوجها قال عليه كفارة الظهار ولأنها يمين مكفرة فصح انعقادها قبل النكاح كاليمين بالله تعالى وأما الآية فإن التخصيص خرج مخرج الغالب فإن الغالب أن الإنسان إنما يظاهر من نسائه فلا يوجب تخصيص الحكم بهن كما ان تخصيص الرببية التي في حجرة بالذكر لم يوجب اختصاصها بالتحريم وأما الإيلاء فإنما اختص حكمه بنسائه لكونه يقصد الإضرار بهن دون غيرهن والكفارة ههنا وجبت لقول المنكر والزور فلا يختص ذلك بنسائه ويفارق الظهار الطلاق من وجهين

ص: 570

(أحدهما) أن الطلاق حل قيد النكاح ولا يمكن حله قبل عقده والظهار تحريم للوطئ فيجوز تقديمه على العقد الحيض (الثاني) أن الطلاق يرفع العقد فلم يجز أن يسبقه وهذا لا يرفعه وإنما تعلق الإباحة علي شرط فجاز تقديمه وأما الظهار من الأمة فقد انعقد يميناً وجبت به الكفارة ولم تجب كفارة الظهار لأنها ليست امرأة له حال التكفير بخلاف مسئلتنا (فصل) إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي وقلنا بصحة الظهار من الأجنبية ثم تزوج نساء وأراد العود فعليه كفارة واحدة سواء تزوجهن في عقد أو في عقود متفرقة نص عليه أحمد وهو قول عروة وإسحاق لأنها يمين واحدة فكفارتها واحدة كما لو ظاهر من أربع نسائه بكلمة واحدة وعنه أن لكل عقد كفارة فلو تزوج اثنتين في عقد وأراد العود فعليه كفارة واحدة ثم إذا تزوج أخرى

وأراد العود فعليه كفارة أخرى وروي ذلك عن إسحاق لأن المرأة الثالثة وجد العقد عليها الذي يثبت به الظهار وأراد العود إليها بعد التفكير عن الأولتين فكانت لها عليه كفارة كما لو ظاهر منها ابتداء فإن قال لأجنبية أنت علي كظهر أي وقال أردت أنها مثلها في التحريم في الحال دين في ذلك وهل يقبل في الحكم؟ يحتمل وجهين (احدهما) لا يقبل لأنه صريح للظهار فلا يقبل صرفه إلى غيره (والثاني) يقبل لأنها حرام عليه كما أن أمه عليه حرام * (مسألة) * (وإن قال لأجنبية أنت علي حرام وأراد في تلك الحال لم يكن عليه شئ لأنه صادق وإن أراد في كل حال لم يطأها إن تزوجها حتى يكفر)

ص: 571

أما إذا أراد تحريهما في الحال أو أطلق فلا شئ عليه لذلك وإن أراد تحريمها في كل حال فهو ظهار لأن لفظة الحرام إذا أريد بها الظهار ظهار في الزوجة فكذلك في الاجنبية وصار كقوله أنت علي كظهر أمي * (مسالة) * (ويصح الظهار معجلاً ومعلقاً بشرط ومطلقاً وموقتاً نحو أن يقول أنت علي كظهر أمي في شهر رمضان وإن دخلت الدار فمتى انقضى الوقت زال الظهار وإن أصابها فيه وجبت الكفارة عليه) أما الظهار المطلق فهو أن يقول أنت علي كظهر أمي وقد سبق ذكره ويصح موقتا مثل أن يقول أنت علي كظهر أمي شهراً أو حتى ينسلخ شهر رمضان فإذا مضى الوقت زال الظهار وحلت بلا كفارة ولا يكون عائداً إلا بالوطئ في المدة وهذا قول ابن عباس وعطاء وقتادة والثوري وإسحاق وابي ثور وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يكون ظهاراً وبه قال ابن أبي ليلى والليث لأن الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقاً وهذا لم يطلق فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقت دون وقت وقال طاوس إذا ظاهر في وقت فعليه الكفارة وإن بر وقال مالك يسقط التأقيت ويكون مظاهراً مطلقاً لأن هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة فإذا وقته لم يتوقت ولنا حديث سلمة بن صخر وقوله تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصابها في الشهر فأمره بالكفارة ولم يغير عليه تقييده ولأنه منع نفسه منها بيمين لها كفارة فصح

ص: 572

مؤقتاً كالإيلاء وفارق الطلاق فإنه يزيل الملك وهذا يقع تحريماً يرفعه التكفير فجاز تأقيته ولا يصح قول من أوجب الكفارة وإن بر لأن الله تعالى إنما أوجب الكفارة على الذين يعودون لما قالوا ومن بر وترك العود في الوقت الذي ظاهر فيه فلم يعد لما قال فلا تجب عليه كفارة وفارق التشبيه بمن لا تحرم عليه على التأبيد لأن تحريمها غير كامل وهذه حرمها في هذه المدة تحريما مشبهاً بتحريم ظهر أمه على أنا نمنع الحكم فيها إذا ثبت هذا فإنه لا يكون عائدا إلا بالوطئ في المدة وهذا المنصوص عن الشافعي وقال بعض أصحابه أن لم يطلقها عقيب الظهار فهو عائد عليه الكفارة وقال أبو عبيد إذا أجمع علي غشيانها في الوقت لزمته الكفارة وإلا فلا لأن العود العزم على الوطئ ولنا حديث سلمة بن صخر وأنه لم يوجب عليه الكفارة إلا بالوطئ ولأنها يمين لم يحنث فيها فلا يلزمه كفارتها كاليمين بالله تعالى ولأن المظاهر في وقت عازم على إمساك زوجته في ذلك الوقت فمن أوجب عليه الكفارة كان قوله كقول طاوس فلا معنى لقوله يصح الظهار مؤقتا لعدم تأثير التأقيت (فصل) ويصح تعليق الظهار بالشروط نحو أن يقول الرجل إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي أو إن شاء زيد فأنت علي كظهر أمي فمتى شاء زيد أو دخلت الدار صار مظاهراً وإلا فلا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي لأنه يمين فجاز تعليقه على شرط كالإيلاء ولأن أصل الظهار أنه كان طلاقاً والطلاق يصح تعليقه بالشرط فكذلك الظهار ولأنه قول تحرم به الزوجة فصح تعليقه على شرط كالطلاق ولو قال لامرأته إن تظاهرت من امرأتي الأخرى فأنت علي كظهر أمي ثم تظاهر من الأخرى صار مظاهراً منهما جميعاً وإن قال إن تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي ثم قال للأجنبية

ص: 573

أنت علي كظهر أمي صار مظاهراً من امرأته عند من يرى الظهار من الأجنبية ومن لا فلا وقد ذكرنا ذلك (فصل) وإن قال أنت علي كظهر أمي إن شاء الله لم ينعقد ظهاره نص عليه أحمد فقال إذا قال لامرأته عليه كظهر أمه إن شاء الله فليس عليه شئ هي يمين وقال ابن عقيل هو مظاهر ذكره في المحرر وإذا قال ما أحل الله علي حرام إن شاء الله وله أهل هي يمين ليس عليه شئ وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب

الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم وذلك لأنها يمين مكفرة فصح الاستثناء فيها كاليمين بالله تعالى أو كتحريم ماله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه " رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وفي لفظ " من حلف فاستثنى فإن شاء فعل وإن شاء رجع غير حنث " رواه أبو داود والنسائي وإن قال أنت علي حرام والله لا أكلمك إن شاء الله عاد الاستثناء إليهما في أحد الوجهين لأن الاستثناء إذا تعقب جملاً عاد إلى جميعها إلا أن ينوي الاستثناء في بعضها فيعود إليه وحده وإن قال أنت علي حرام إذا شاء الله أو إلا ما شاء الله أو إلى أن يشاء الله أو ما شاء الله فكله استثناء يرفع حكم الظهار ولأن الشرط إذا تقدم يجاب بالفاء وإن قال إن شاء الله أنت حرام فهو استثناء لأن الفاء مقدرة وإن قال إن شاء الله فأنت حرام صح أيضاً والفاء زائدة وإن قال أنت حرام إن شاء الله وشاء زيد فشاء زيد لم يكن مظاهراً إلا أنه علقه علي مشيئتين فلا يحصل باحديهما قال رضي الله عنه (فصل) في حكم الظهار، يحرم وطئ المظاهر منها قبل التكفير إذا كان التكفير بالعتق أو بالصيام وليس في ذلك اختلاف لقول الله تعالى (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) قوله سبحانه (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا) وأكثر أهل العلم على ان التكفير بالإطعام مثل ذلك منهم

ص: 574

عطاء والزهري والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد اباحة الوطئ قبل التكفير بالإطعام لأن الله تعالى لم يمنع المسيس قبله كما في المعتق والصيام اختاره أبو بكر وهو قول أبي ثور لما ذكرنا ولنا ما روى عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني تظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر " فقال ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " قال رأيت خلخالها في ضوء القمر فقال " لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن فحرم عليه جماعها كما لو كانت كفارته العتق والصيام وترك النص عليها لا يمنع قياسها علي المنصوص الذي في معناها * (مسألة) * (وهل يحرم الاستمتاع منها بما دون الفرج؟ على روايتين)(إحداهما) يحرم وهو قول أبي بكر وبه قال الزهري ومالك والاوزاعي وابو عبيد وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي لأن ما حرم الوطئ من القول حرم دواعيه كالطلاق والإحرام (والثانية)

لا يحرم قال أحمد أرجو ألا يكون به بأس وهو قول الثوري وإسحاق وابي حنيفة وحكي عن مالك أيضاً وهو القول الثاني للشافعي لانه وطئ يتعلق بتحريمه مال فلم يتجاوزه التحريم كوطئ الحائض * (مسألة) * (وتجب الكفارة بالعود وهو الوطئ نص عليه أحمد وأنكر قول مالك أنه العزم على الوطئ) العود هو الوطئ عند أحمد رحمه الله وهو اختيار الخرقي فمتى وطئ لزمته الكفارة ولا تجب قبل ذلك إلا أنها شرط لحل الوطئ فيأمر بها من أراده ليستحله بها كما يأمر بعقد النكاح من أراد حال المرأة.

وحكي نحو ذلك عن الحسن والزهري، وهو قول أبي حنيفة إلا أنه لا يوجب الكفارة على من وطئ وهي عنده في حق من وطئ كمن لم يطأ.

وقال القاضي وأصحابه العود العزم على الوطئ إلا أنهم لم يوجبوا الكفارة على العازم إذا مات

ص: 575

أحدهما أو طلق قبل الوطئ إلا أبا الخطاب فإنه قال: إذا مات بعد العزم أو طلق فعليه الكفارة، وهذا قول مالك وأبي عبيد، وقد أنكر أحمد هذا وقال مالك يقول إذا أجمع لزمته الكفارة، فكيف يكون هذا لو طلقها بعدما يجمع كان عليه كفارة؟ إلا أن يكون يذهب إلى قول طاوس إذا تكلم لزمه مثل الطلاق ولم يعجب أحمد قول طاوس.

وقال أحمد في قو تعالى (ثم يعودون لما قالوا) قال العود الغشيان إذا أراد أن يغشى كفر واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى (ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) فأوجب الكفارة بعد العود قبل التماس وما يحرم قبل الكفارة لا يجوز كونه متقدماً عليها ولأنه قصد بالظهار تحريمها فالعزم علي وطئها عود فيما قصده ولأن الظهار تحريم فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التحريم فكان عائداً.

وقال الشافعي العود إمساكها بعد ظهاره زمناً يمكنه طلاقها فيه لأن ظهاره منها يقتضي إبانتها فإمساكها عود فيما قال.

وقال داود: العود تكرار الظهار مرة ثانية لأن العود في الشئ إعادته.

ولنا أن العود فعل ضد قوله ومنه العائد في هبته هو الراجع في الموهوب والعائد في عدته التارك للوفاء بما وعد والعائد فيما نهي عنه فاعل المنهي عنه قال الله تعالى (ثم يعودون لما نهوا عنه) فالمظاهر

محرم للوطئ على نفسه ومانع لها منه فالعود فعله، وقولهم إن العود يتقدم التكفير والوطئ يتأخر عنه، قلنا المراد بقوله (ثم يعودون) أي يريدون العود كقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة) أي أردتم ذلك وقوله (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) فإن قيل هذا تأويل وهو رجوع إلى وجوب الكفارة

ص: 576

بالعزم المجرد قلنا دليل التأويل ما ذكرنا، وأما الأمر بالكفارة عند العزم فإنما أمر بها شرطاً للحل كالأمر بالطهارة لمن أراد النافلة والأمر بالنية لمن أراد الصيام، فأما الإمساك فليس بعود لأنه ليس بعود في الظهار المؤقت فكذلك في المطلق ولأن العود فعل ضد ما قاله والإمساك ليس بضد له، وقولهم إن الظهار يقتضي إبانتها ممنوع وإنما يقتضي تحريمها واجتنابها ولذلك صح توقيته ولأنه قال (ثم يعودون) وثم للتراخي والإمساك غير متراخ وأما قول داود فلا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أوساً وسلمة بن صخر بالكفارة من غير إعادة للفظ ولأن العود إنما هو في مقولة دون قوله كالعود في العدة والهبة والعود فيما نهي عنه، ويدل على إبطال هذه الأقوال كلها أن الظهار يمين مكفرة فلا تجب الكفارة إلا بالحنث فيها وهو فعل ما حلف على تركه كسائر الايمان وتجب الكفارة به كسائر الأيمان ولأنها يمين تقتضي ترك الوطئ فلا تجب كفارتها إلا به كالإيلاء * (مسألة) * (فإن مات أحدهما أو طلقها قبل الوطئ فلا كفارة عليه فإن عاد فتزوجها لم يطأها حتى يكفر) وجملة ذلك أن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار فلو مات أحدهما أو فارقها قبل العود فلا كفارة عليه وهو قول عطاء والنخعي والحسن والاوزاعي والثوري ومالك وأبي عبيد وأصحاب الرأي، وقال طاوس ومجاهد والشعبى والزهري وقتادة: عليه الكفارة بمجرد الظهار لأنه سبب الكفارة وقد وجد، ولأن الكفارة وجبت لقول المنكر والزور، وهذا يحصل بمجرد الظهار.

وقال الشافعي متى أمسكها بعد ظهاره زمناً يمكنه طلاقها فيه فلم يطلقها فعليه الكفارة لأن ذلك هو العود عنده.

ص: 577

ولنا قول الله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) فأوجب الكفارة بأمرين ظهار وعود فلا يثبت بأحدهما ولأن الكفارة في الظهار كفارة يمين فلا تجب بغير

الحنث كسائر الأيمان والحنث فيها هو العود وذلك فعل ما حلف على تركه وهو الجماع وقد ذكرنا ذلك في المسألة التي قبلها.

إذا ثبت هذا فإنه لا كفارة عليه إذا مات قبل وطئها وكذلك إن فارقها سواء كان ذلك متراخياً عن يمينه أو عقيبه وأيهما مات ورثه صاحبه في قول الجمهور وقال قتادة إن ماتت لم يرثها حتى يكفر ولنا أن من ورثها إذا كفر ورثها وإن لم يكفر كالمولي منها ومتى طلق من ظاهر منها ثم تزوجها لم يحل له وطؤها حتى يكفر سواء كان الطلاق ثلاثاً أو أقل منه وسواء رجعت إليه بعد زوج آخر أو قبله نص عليه أحمد وهو قول الحسن وعطاء والزهري والنخعي ومالك وأبي عبيد.

وقال قتادة إذا بانت سقط الظهار فإذا عاد فنكحها فلا كفارة عليه.

وللشافعي قولان كالمذهبين وقول ثالث ان كانت البينونة بالثلاث لم يعد الظهار وإلا عادو بناه على الأقاويل في عود صفة الطلاق في النكاح الثاني.

ولنا عموم قوله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) وهذا قد ظاهر من امرأته فلا يحل أن يتماسا حتى يكفر ولأنه ظاهر من امرأته فلا يحل له مسها قبل التكفير كالتي لم يطلقها ولأن الظهار يمين مكفرة فلم يبطل حكمها بالطلاق كالإيلاء * (مسألة) * (وإن وطئ قبل التكفير أثم واستقرت عليه الكفارة)

ص: 578

قد ذكرنا أن المظاهر يحرم عليه وطئ زوجته قبل التكفير لقول الله تعالى في العتق والصيام (من قبل أن يتماسا) فإن وطئ عصى ربه وتستقر الكفارة في ذمته فلا تسقط بعد ذلك بموت ولا طلاق ولا غيره وتحريم زوجته عليه باق حتى يكفر هذا قول أكثر أهل العلم.

روي ذلك عن سعيد بن المسيب وعطا وطاوس وجابر بن زيد ومورق العجلي والنخعي وعبد الله ابن أذينة ومالك والثوري والاوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وتلزمه الكفارة إذا وطئها وهو مجنون نص عليه في المجرد * (مسألة) * (وتجزئه كفارة واحدة) وهو قول الحسن وابن سيرين وبكر المزني ومورق وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وقتادة وحكي عن عمرو بن العاص أن عليه كفارتين، وروي ذلك عن قبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة

لان الوطئ يوجب كفارة والظهار يوجب أخرى، وقال أبو حنيفة لا تثبت الكفارة في ذمته وإنما هي شرط للاباحة بعد الوطئ كما كانت قبله، وحكي عن بعض العلماء أن الكفارة تسقط لأنه قد فات وقتها لكونها وجبت قبل المسيس ولنا حديث سلمة بن صخر حين ظاهر ثم وطئ قبل التكفير فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة واحدة ولأنه وجد الظهار والعود فيدخل في عموم قوله (ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) فأما قولهم فات وقتها فيبطل بما ذكرناه وبالصلاة وسائر العبادات يجب قضاؤها بعد فوات وقتها

ص: 579

* (مسألة) * (وإن ظاهر من امرأته الأمة ثم اشتراها لم تحل له حتى يكفر، وقال أبو بكر يبطل الظهار وتحل له فإن وطئها فعليه كفارة يمين) وجملة ذلك أن الظهار يصح من كل زوجة أمة كانت أو حرة لعموم الآية فإذا ظاهر من زوجته الامة ثم ملكها انفسخ النكاح، واختلف أصحابنا في بقاء حكم الظهار فذكر الخرقي أنه باق ولا يحل له الوطئ حتى يكفر وبه يقول مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي ونص عليه الشافعي، قال القاضي المذهب ما ذكر الخرقي وهو قول أبي عبد الله بن حامد لقول الله تعالى [والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا] وهذا قد ظاهر من امرأته فلم يحل له مسها حتى يكفر، ولأن الظهار قد صح فيها وحكمه لا يسقط بالطلاق المزيل للملك والحل فبملك اليمين أولى ولأنها يمين انعقدت موجبة للكفارة فوجبت دون غيرها كسائر الأيمان، وقال أبو بكر عبد العزيز وابو الخطاب يسقط الظهار بملكه لها، وإن وطئها حنث وعليه كفارة يمين كما لو تظاهر منها وهي أمته ويقتضي قول أبي بكر وأبي الخطاب ههنا أن تباح قبل التكفير لأنه اسقط الظهار وجعله يمينا كتحريم أمته، فإن أعتقها عن كفارته صح على القولين جميعا فإن تزوجها بعد ذلك حلت له بغير كفارة لأنه كفر عن ظهاره باعتاقها ولا يمتنع إجزاؤها عن الكفارة التي وجبت بسببها كما لو قال إن ملكت أمة فلله علي عتق رقبة فملك أمة فأعتقها، وإن أعتقها عن غير الكفارة ثم تزوجها لم تحل له حتى يكفر * (مسألة) * [وإن كرر الظهار قبل التكفير فكفارة واحدة]

ص: 580

هذا ظاهر المذهب سواء كان في مجلس او مجالس ينوي به التأكيد أو الاستئناف أو أطلق نقله عن أحمد جماعة اختاره أبو بكر وابن حامد والقاضي وبه قال مالك واسحاق وأبو عبيد والشافعي في القديم ونقل عن أحمد من حلف أيمانا كثيرة فأراد التأكيد فكفارة واحدة فمفهومه أنه إن نوى الاستئناف فكفارتان وهو قول الثوري والشافعي في الجديد، وقال أصحاب الرأي إن كان في مجلس فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات وعن أحمد مثل ذلك، وروي ذلك عن علي وعمرو بن دينار لأنه قول يوجب تحريم الزوجة فإذا نوى الاستئناف تعلق بكل مرة حكم كالطلاق ولنا أنه قول لم يؤثر تحريماً في الزوجة فلم تجب به كفارة الظهار كاليمين بالله تعالى ولا يخفى أنه لم يؤثر تحريماً فانها حرمت بالقول الأول ولأنه لفظ يتعلق به كفارة فإذا تكرر كفاه كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى، وأما الطلاق فإن ما زاد منه على الثلاث لا يثبت له حكم بالاجماع وبهذا ينتقض ما ذكروه، وأما الثالثة فإنها تثبت تحريماً زائداً وهو التحريم قبل زوج واصابة بخلاف الظهار الثاني فإنه لا يثبت به تحريم فنظير الظهار الطلقة الثالثة لا يثبت بما زاد عليها تحريم ولا يثبت له حكم كذلك الظهار، فأما إن كفر عن الأول ثم ظاهر لزمه للثاني كفارة بلا خلاف لأن الظهار الثاني مثل الأول فإنه حرم الزوجة المحللة فأوجب الكفارة كالأول بخلاف ما قبل التكفير * (مسألة) * (وإن ظاهر من نسائه بكلمة واحدة فكفارة واحدة، وإن كان بكلمات فلكل واحدة كفارة) إذا ظاهر من نسائه بلفظ واحد فقال أنتن علي كظهر أمي فليس عليه أكثر من كفارة بغير خلاف في المذهب وهو قول عمر وعلي وعروة وطاوس وعطاء وربيعة ومالك والاوزاعي وإسحاق

ص: 581

وأبي ثور والشافعي في القديم، وقال الحسن والنخعي والزهري ويحيى الانصاري والحكم والثوري وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد عليه لكل امرأة كفارة، وعن أحمد مثل ذلك من المحرر لأنه وجد الظهار والعود في حق كل امرأة منهن فوجب عليه لكل واحدة كفارة كما لو أفردها ولنا قول عمر وعلي رضي الله عنهما رواه عنهما الأثرم ولا نعرف لهما في الصاحبة مخالفا فكان

إجماعا ولأن الظهار كلمة تجب بمخالفتها الكفارة فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى، وفارق ما إذا ظاهر بكلمات فإن كل كلمة تقتضي كفارة ترفعها وتكفر اثمها وههنا الكلمة واحدة فالكفارة الواحدة ترفع حكمها وتمحوا إثمها فلا يبقى لها حكم.

فأما إن كرره بكلمات فقال لكل واحدة أنت علي كظهر أمي فإن لكل يمين كفارة وهذا قول عروة وعطاء قال أبو عبد الله بن حامد المذهب رواية واحدة في هذا قال القاضي المذهب عندي ما ذكره الشيخ أبو عبد الله وقال أبو بكر فيه رواية أخرى انه يجزئه كفارة واحدة، واختار ذلك وقال هذا الذي قلناه اتباعا لعمر بن الخطاب والحسن وعطاء وابراهيم وربيعة وقبيصة وإسحاق لأن كفارة الظهار حق الله تعالى فلم تكرر بتكرر سببها كالحدود وعليه يخرج الطلاق ولنا أنها ايمان متكررة على أعيان متفرقة فكان لكل واحدة كفارة كما لو كفر ثم ظاهر ولأنها أيمان لا يحنث في إحداها بالحنث في الأخرى فلا يكفرها كفارة واحدة كالأصل ولأن الظهار معنى يوجب الكفارة فتتعدد الكفارة بتعدده في المجال المختلفة كالقتل، ويفارق الحد فإنه عقوبة تدرأ بالشبهات (فصل) فإن قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي ثم تزوج نساء في عقد واحد فكفارة

ص: 582

واحدة وإن تزوجهن في عقود فكذلك في إحدى الروايتين لأنها يمين واحدة، والاخرى لكل عقد كفارة فعل هذا لو تزوج امرأتين في عقد وأخرى في عقد لزمته كفارتان لأن لكل عقد حكم نفسه فتعلق بالثاني كفارة كالأول * (فصل في كفارة الظهار وما في معناها) * * (مسألة) * (كفارة الظهار على الترتيب فيجب عليه تحرير رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) والأصل في ذلك قول الله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) الآيتين.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم لخولة حين ظاهر منها زوجها " يعتق رقبة " قلت لا يجد قال " فيصوم شهرين متتابعين " قلت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به صيام قال " فيطعم ستين مسكيناً " وهذا الترتيب

لا خلاف فيه إذا كان المظاهر حراً فأما العبد فنذكر حكمه إن شاء الله، تعالى وكفارة الوطئ في نهار رمضان مثلها في ظاهر المذهب لما روى أبو هريرة أن رجلاً قال يا رسول الله وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تجد رقبة تعتقها؟ قال لا قال " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال لا قال " فهل تستطيع إطعام ستين مسكيناً؟ " وذكر الحديث وهو صحيح متفق عليه وفي كفارة الوطئ في رمضان رواية أنها علي التخيير وقد ذكرنا ذلك في الصوم * (مسالة) * (وكفارة القتل مثلها)

ص: 583

لأن التحرير والصيام منصوص عليهما في كتاب الله تعالى إلا الاطعام ففي وجوبه روايتان (إحداهما) لا يجب لأن الله تعالى لم يذكره في الكفارة (والثانية) يجب قياسا على كفارة الظهار والجماع في نهار شهر رمضان * (مسألة) * (والاعتبار في الكفارة بحال الوجوب في إحدى الروايتين) وهي ظاهر كلام الخرقي لأنه قال إذا حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق فعليه الصوم لا يجزئه غيره وكذلك قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن عبد حلف على يمين فحنث فيها وهو عبد فلم يكفر حتى عتق أيكفر كفارة حر أو كفارة عبد؟ قال يكفر كفارة عبد لأنه إنما يكفر ما وجب عليه يوم حنث لا يوم حلف قلت له حلف وهو عبد وحنث وهو حر قال يوم حنث واحتج فقال افترى وهو عبد أي ثم أعتق فإنما يجلد جلد العبد وهذا أحد أقوال الشافعي، فعلى هذه الرواية يعتبر يساره واعساره حال وجوبها عليه فإن كان موسراً حال الوجوب استقر وجوب الرقبة عليه فلم تسقط بإعساره بعد ذلك وإن كان معسراً ففرضه الصوم فإذا أسر بعد ذلك لم يلزمه الانتقال إلى الرقبة (والرواية الثانية) الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير فمتى وجد رقبة فيما بين الوجوب إلى حين التكفير لم يجزئه إلا الاعتاق وهو قول ثان للشافعي لأنه حق يجب في الذمة بوجود مال فاعتبر فيه أغلظ الأحوال كالحج، وله قول ثالث أن الاعتبار بحالة الاداء وهو قول أبي حنيفة ومالك لأنه حق له بدل من غير جنسه فكان الاعتبار فيه بحالة الاداء كالوضوء

ولنا أن الكفارة تجب علي وجه الطهرة فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب كالحد أو نقول من وجب عليه الصيام في الكفارة لم يلزمه غيره كالعبد إذا عتق، ويفارق الوضوء فإنه لو تيمم ثم وجد الماء لما بطل تيممه وههنا لو صام ثم قدر على الرقبة لم يبطل صومه وليس الاعتبار في الوضوء بحالة الاداء

ص: 584

إنما الاعتبار باداء الصلاة فأما الحج فهو عبادة العمر وجميعه وقت لها فمتى قدر عليه في جزء من وقته وجب بخلاف مسئلتنا ثم يبطل ما ذكروه فإن قيل العبد كان ممن لا تجب عليه الرقبة ولا تجزئه في حال رقه فلما لم تجزئه لم تلزمه بتغير الحال بخلاف مسألتنا قلنا هذا مما لا أثر له (فصل) وإذا قلنا أن الاعتبار بحالة الوجوب وكان معسراً ثم أيسر فله الانتقال إلى العتق إن شاء وهو قول الشافعي على القول الذي يوافقنا فيه بأن الاعتبار بحالة الوجوب لأن العتق هو الأصل فوجب أن يجزئه كسائر الاصول وعن أحمد في العبد إذا اعتق لا يجزئه غير الصوم وهذا على قولنا أن الاعتبار بحالة الوجوب وهي حين حنث اختاره الخرقي لأنه حنث وهو عبد فلم يكن يجزئه غير الصوم فكذلك بعد وقد نص أحمد على أنه يكفر كفارة عبد قال القاضي وفي ذلك نظر ومعناه أنه لا يلزمه التكفير بالمال فإن كفر به أجزأه وهذا منصوص الشافعي ومن أصحابه من قال كقول الخرقي ووجه ذلك أنه حكم تعلق بالعبد في رقه فلم يتغير بحريته كالحد وهذا على القول الذي لا يجوز للعبد التكفير بالمال بأذن سيده فأما على القول الآخر فله التكفير ههنا بطريق الأولى لأنه إذا جاز له في حال رقه ففي حال حريته قد زال ذلك فلا حاجة الى إذنه فأما إن قلنا الاعتبار في التكفير بأغلظ الأحوال لم يكن له أن يكفر إلا بالمال إن كان له مال فأما إن حلف وهو عبد وحنث وهو حر فحكمه حكم الأحرار لأن الكفارة لا تجب قبل الحنث وإنما وجبت وهو حر والله أعلم * (مسألة) * (فإن شرع في الصوم ثم قدر على العتق لم يلزمه الانتقال إليه) وبه قال الشعبي وقتادة ومالك والاوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وهو أحد قولي الحسن ويحتمل أن يلزمه وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء والنخعي والحكم وحماد والثوري وأبو عبيد

ص: 585

وأصحاب الرأي لأنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل فلزمه العود إليه كالمتيمم يجد الماء قبل الصلاة أو في أثنائها ولنا أنه لم يقدر على العتق قبل تلبسه بالصيام فأشبه ما لو استمر العجز إلى ما بعد الفراغ ولأنه وجد المبدل بعد الشروع في صوم البدل فلم يلزمه الانتقال إليه كالمستمتع يجد الهدي بعد الشروع في الأيام السبعة ويفارق ما إذا وجد الماء في الصلاة قضاؤها يسير والمشقة في هذا أكبر (فصل) وإذا قلنا الاعتبار بحال الوجوب فوقته في الظهار من حين العود لا وقت المظاهرة لأن الكفارة لا تجب حتى يعود ووقته في اليمين من الحنث لا وقت اليمين وفي القتل زمن الزهوق لا زمن الجرح وتقديم الكفارة قبل الوجوب تعجيل لها قبل وجوبها لوجود سببها كتعجيل الزكاة قبل الحول بعد كمال النصاب (فصل) إذا كان المظاهر ذمياً فتكفيره بالعتق أو بالاطعام لأنه يصح منه في غير الكفارة فصح منه فيها وليس له الصيام لأنها عبادة محضة والكافر ليس من أهلها ولأنه لا يصح منه في غير الكفارة فلا يصح منه فيها ولا يجزئه في العتق إلا عتق رقبة مؤمنة فإن كانت في ملكه أو ورثها أجزأت عنه وإن لم يكن كذلك فلا سبيل له إلى شراء رقبة مؤمنة لأن الكافر لا يصح منه شراء المسلم ويتعين تكفيره بالاطعام إلا أن يقوم لمسلم أعتق عن كفارتي وعلي تمنه فيصح في إحدى الروايتين وإن أسلم الذمي قبل التكفير بالاطعام فحكمه حكم العبد يعتق قبل التكفير بالصيام على ما مضى لأنه في معناه وإن ظاهر وهو مسلم ثم ارتد وصام في ردته عن كفارته لم يصح وإن كفر بعتق أو اطعام فقد أطلق أحمد القول

ص: 586

أنه لا يجزئه وقال القاضي المذهب أن ذلك موقوف فإن أسلم تبينا أنه أجزأه وإن مات أو قتل تبينا أنه لم يصح منه كسائر تصرفاته (فصل) قال الشيخ رحمه الله فمن ملك رقبة أو أمكنه تحصيلها فاضلاً عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام وغيرها من حوائجه الأصلية بثمن مثلها لزمه العتق أجمع أهل العلم على ذلك وأنه ليس له الانتقال إلى الصيام إذا كان مسلماً حراً

* (مسألة) * (فإن كانت له رقبة يحتاج إلى خدمتها لكبر أو مرض أو زمن أو عظم خلق ونحوه مما يعجز عن خدمة نفسه أو يكون ممن لا يخدم نفسه في العادة ولا يجد رقبة فاضلة عن خدمته فليس عليه الإعتاق) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك والاوزاعي متى وجد رقبة لزمه اعتاقها ولم يجز له الانتقال إلى الصيام سواء كان محتاجاً إليه أو لم يكن لأن الله تعالى شرط في الانتقال إلى الصيام أن لا يجد رقبة بقوله (فمن لم يجد) وهذا واجد وإن وجد ثمنها وهو محتاج إليه لم يلزمه شراؤها وبه قال أبو حنيفة وقال مالك يلزمه لأن وجدان ثمنها كوجدانها ولنا أن ما استغرقته حاجة الانسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم فإن كان له خادم وهو ممن يخدم نفسه عادة لزمه اعتاقها لأنه فاضل عن حاجته بخلاف من لم تجر عادته بخدمة نفسه فإن عليه مشقة في اعتاق خادمه وتضبيعا لكثير من حوائجه وإن كان له خادم يخدم امرأته وهو ممن عليه خدمتها أو كان له رقيق يتقوت بخراجهم لم يلزمه العتق لما ذكرنا

ص: 587

* (مسألة) * (فإن كان له دار يسكنها أو عقار يحتاج إلى غلته لمؤنته أو عرض للتجارة لا يستغني عن ريحه في مؤنته لم يلزمه العتق) وإن استغنى عن شئ من ذلك مما يمكنه أن يشتري به رقبة لزمه لأنه واجد للرقبة وإن كانت له رقبة تخدمه يمكنه بيعها وشراء رقبتين بثمنها يستغني بخدمة إحداهما ويعتق الاخرى لزمه لأنه لا ضرر في ذلك وهكذا لو كانت له ثياب فاخرة تزيد على ملابس مثله يمكنه بيعها وشراء ما يكفيه في لباسه ورقبة يعتقها لزمه ذلك وكذلك إن كانت له دار يمكنه بيعها وشراء ما يكفيه لسكنى مثله ورقبة أو ضيعة يفضل منها عن كفايته ما يمكنه به شراء رقبة ومراعي في ذلك الكفاية التى يحرم معها أخذ الزكاة فإذا فضل عن ذلك شئ يمكنه شراء رقبة به لزمته الكفارة وإن كان له دابة يحتاج إلى ركوبها أو كتب يحتاج إليها لم يلزمه العتق ومذهب الشافعي في هذا الفصل على نحو ما ذكرنا وإن كانت له سرية لم يلزمه

اعتاقها لأنه محتاج إليها وإن أمكنه بيعها وشراء سرية اخرى ورقبة يعتقها لم يلزمه ذلك لأن الغرض قد يتعلق بعينها فلا يقوم غيرها مقامها سيما إذا كان بدون مثلها * (مسألة وإن وجد رقبة بثمن مثلها لزمه شراؤها وإن كانت بزيادة تجحف بماله لم يلزمه شراؤها لأن عليه ضرراً في ذلك وإن كانت الزيادة لا تجحف بما له ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه لأنه قدر على الرقبة بثمن يقدر عليه لا تجحف به فأشبه ما لو بيعت بثمن مثلها (والثاني) لا يلزمه لأنه لم يجد رقبة بثمن مثلها فأشبه العادم واصل الوجهين العادم للماء إذا وجده بزيادة على ثمن مثله فإن وجد رقبة بثمن مثلها إلا أنها رقبة رفيعة يمكن أن يشتري بثمنها رقابا من غير جنسها لزمه

ص: 588

شراؤها لأنها بثمن مثلها ولا يعد شراؤها بذلك ضررا وإنما الضرر في اعتاقها وذلك لا يمنع الوجوب كما لو كان مالكا لها * (مسألة) * (وإن وهب له رقبة لم يلزمه قبولها) لان عليه منة في قبولها وذلك ضرر في حقه * (مسألة) * (وإن كان ماله غائباً وأمكنه شراؤها بنسيئة فقد ذكر شيخنا فيما إذا عدم الماء فبذل له بثمن في الذمة يقدر على ادائه في بلده وجهين أحدهما يلزمه شراؤه قاله القاضي لأنه قادر على أخذه بما لا مضرة فيه وقال أبو الحسن التميمي لا يلزمه لأن عليه ضرراً في بقاء الدين في ذمته وربما تلف ماله قبل ادائه فيخرج ههنا على وجهين والأولى إن شاء الله أنه لا يلزمه لذلك وإن كان ماله غائباً ولم يمكنه شراؤها نسيئة فإن كان مرجو الحضور قريباً لم يجز الانتقال إلى الصيام لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة وإن كان بعيداً لم يجز الانتقال إلى الصيام في غير كفارة الظهار لأنه لا ضرر في الانتظار وهل يجوز في كفارة الظهارة؟ على وجهين (أحدهما) لا يجوز لوجود الأصل في ماله لوجود الكفارات (والثاني) يجوز لأنه يحرم عليه المسيس فجاز له الانتقال للحاجة فإن قيل فلو عدم الماء وثمنه جاز له الانتقال إلى التيمم وإن كان قادراً عليهما في بلده قلنا الطهارة تجب لأجل الصلاة وليس له تأخيرها عن وقتها فدعت الحاجة إلى الانتقال بخلاف

مسئلتنا ولأننا لو منعناه من التيمم لوجود العذر للقدرة على الماء في بلده بطلت رخصة التيمم فإن كل أحد يقدر على ذلك * (مسألة) * (ولا يجزئ في كفارة القتل إلا رقبة مؤمنة) لقول الله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) وكذلك في سائر الكفارات في ظاهر

ص: 589

المذهب وهو قول الحسن وبه قال مالك والشافعي واسحاق وأبو عبيد وعن أحمد رواية ثانية أنه يجزئ فيما عدا كفارة القتل من الظهار وغيره عتق رقبة ذمية وهو قول عطاء والثوري والنخعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لأن الله تعالى أطلق الرقبة في كفارة الظهار فوجب أن يجزئ ما تناوله الاطلاق ولنا ما روى معاوية بن الحكم قال كانت لي جارية فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت علي رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين الله؟ - قالت في السماء - قال - من أنا؟ قالت أنت رسول الله فقال رسول صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة " أخرجه مسلم فعلل جواز اعتاقها عن الرقبة التي عليها بانها مؤمنة فدل على أنه لا يجزئ عن الرقبة التي عليها إلا مؤمنة ولأنه عتق في كفارة فلا يجزئ فيه الكفارة ككفارة القتل والجامع بينهما إن الاعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده ومعونة المسلمين فناسب ذلك شرع اعتاقه في الكفارة تحصيلا لهذا المصالح والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الايمان فيها فيعلل بها ويتعدى ذلك إلى كل عتق في كفارة مختص بالمؤمنة لاختصاصها بهذه الحكمة فأما المطلق الذي احتجوا به فانه يحمل على المقيد في كفارة القتل كما حمل مطلق قوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) على المقيد في قوله (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة حمل عليه من جهة القياس * (مسألة) * (ولا يجزئ إلا رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضررا بينا) لأن المقصود تمليك العبد منافعه وتمكينه من التصرف لنفسه ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررا

ص: 590

بينا فلا يجزئ الاعمى لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع ولا المقعد وكذلك مقطوع اليدين والرجلين

أو اشلهما لأن اليدين آلة البطش والرجلين آلة المشي فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما ولا يجزئ المجنون جنونا مطبقا لأنه وجد فيه المعنيان ذهاب منفعة الجنس وحصول الضرر بالعمل وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن داود أنه جوز كل رقبة يقع عليها الاسم أخذا بإطلاق اللفظ ولنا أن هذا نوع كفارة فلم يجزئ مطلق ما يقع عليه الاسم كالاطعام فإنه لا يجزئ إن يطعم مسوسا ولا عفنا وإن كان سمى طعاما والآية مقيدة بما ذكرناه * (مسألة) * (لا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل ولا أشلهما ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى) لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة لأن نفع اليد يزول أكثره بذلك وإن قطعت كل واحدة منهما من يد جاز لأن نفع الكفين باق وقطع أنملة الإبهام كقطعها لأن نفعها يذهب بذلك لكونها انملتين وإن كان من غير الابهام لم يمنع لأن منفعتها لا تذهب فانها تصير كالاصابع القصار حتى لو كانت أصابعه كلها غير الابهام قد قطعت من كل واحدة منهما أنملة لم يمنع وإن قطع من الاصبع انملتان فهو كقطعها لأنه يذهب بمنفعتها وهذا كله مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة يجزئ مقطوع احدى اليدين واحدى الرجلين ولو قطعت يده ورجله جميعاً من خلاف أجزأ لأن منفعة الجنس باقية فاجزأ في الكفارة كالأعور وأما إن قطعتا من وفاق أي من جانب واحد لم يجزئ لان منفعة الشئ تذهب ولنا أن هذا يؤثر في العلم ويضر ضرراً بينا فيمنع كما لو قطعتا من وفاق ويخالف العور فإنه لا يضر ضرراً بينا

ص: 591

ولنا فيه منع وإن سلم فالاعتبار بالضرر أولى بالاعتبار بمنفعة الجنس فإنه لو ذهب شمه أو قطعت أذناه معا أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس * (مسالة) * (ولا يجزئ المريض المأيوس من برئه كمرض السل) لأن برأه يندر ولان يتمكن من العمل مع بقائه وإن كان المرض يرجى زواله كالحمى ونحوها لم يمنع الاجزاء في الكفارة ولا يجزئ النحيف العاجز عن العمل لأنه كالمريض المأيوس من برئه وإن

كان يتمكن من العمل أجزأ * (مسألة) * (ولا يجزئ غائب) لا يعلم خبره لأنه مشكوك في حياته والأصل بقاء شغل الذمة فلا تبرأ بالشك وهو مشكوك في وجوده فيشك في اعتاقه فإن قيل الأصل حياته قلنا إن الموت قد علم أنه لابد منه وقد وجدت دلالة عليه وهو انقطاع اخباره فإن تبين بعد هذا كونه حيا صح اعتاقه وتبينا براءة ذمته من الكفارة وإلا فلا وإن لم ينقطع خبره أجزأ عتقه لأنه عتق صحيح: * (مسألة) * (ولا يجزئ مجنون مطبق لأنه لا يقدر على العمل) * (مسألة) * (ولا يجزئ الأخرس) وهو قول القاضي وبعض الشافعية قال شيخنا والأولى أنه متى فهمت اشارته وفهم اشارة غيره أنه يجزئ لأن الاشارة تقوم مقام الكلام في الافهام وأحكامه كلها تثبت اشارته فكذلك عتقه وكذلك الأخرس الذي تفهم إشارته، وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وعن أحمد أنه لا يجزئ وبه قال

ص: 592

أصحاب الرأي لأن منفعة الجنس ذاهبة فأشبه زائل العقل ولأن الخرس نقص كبير يمنع كثيراً من الأحكام مثل القضا والشهادة وكثير من الناس لا تفهم اشارته فيتضرر بترك استعماله، والأول أولى إن شاء الله لما ذكرنا، وذهاب منفعة الجنس لا يمنع الإجزاء كذهاب الشم وذهاب الشم لا يمنع الاجزاء لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره ويجزئ مقطوع الاذنين وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك وزفر لا يجزئ ولنا أن قطعهما لا يضر بالعمل ضرراً بيناً فلم يمنع كنقص السمع بخلاف قطع اليدين ويجزئ مقطوع الأنف لذلك.

* (مسألة) * (ولا يجزئ عتق من علق عتقه بصفة عند وجودها) فأما إن علق عتقه للكفارة وأعتقه عند وجود الصفة أجزأه لأنه أعتق عبده الذي يملكه عن كفارته ولا يجزئ عتق المدبر لأن عتقه مستحق في غير الكفارة فلم يجزئه كالذي استحق عليه

الاطعام في النفقة فدفعه في الكفارة.

* (مسألة) * (ولا يجزئ من يعتق عليه بالقرابة) وجملة ذلك أنه إذا اشترى من يعتق عليه إذا ملكه ينوي بشرائه عتقه عن الكفارة عتق ولم يجزئه وبهذا قال مالك والشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي يجزئه استحسانا لأنه يجزئ عن كفارة البائع فأجزأ عن كفارة المشتري كغيره ولنا قوله تعالى (فتحرير رقبة) والتحرير فعل العتق ولم يحصل العتق ههنا بتحرير منه ولا

ص: 593

اعتاق فلم يكن ممتثلا للأمر ولأن عتقه مستحق بسبب آخر فلم يجزئه كما لو ورثه ينوي به العتق عن كفارته أو كام الولد ويخالف المشتري البائع من وجهين (أحدهما) أن البائع يعتقه والمشتري لم يعتقه وإنما يعتق بإعتاق الشرع عن غير اختيار منه (الثاني) أن البائع لا يستحق عليه اعتاقه والمشتري بخلاف ذلك (فصل) إذا اشترى عبداً ينوي اعتاقه عن كفارته فوجد به عيبا لا يمنع من الاجزاء في الكفارة وأخذ أرشه ثم أعتق العبد عن كفارته أجزأه وكان الأرش له لأن العتق إنما وقع على العبد المعيب دون الأرش فانه أعتقه قبل العلم بالعيب ثم ظهر على العيب فأخذ أرشه فهو له كما لو أخذ قبل اعتاقه وعنه أنه يصرف الأرش في الرقاب لأنه أعتقه معتقداً أنه سليم فكان بمنزلة العوض عن حق الله تعالى فكان الأرش مصروفا في حق الله تعالى كما لو باعه كان الأرش للمشتري فإن علم العيب ولم يأخذ أرشه حتى اعتقه كان الأرش للمعتق لأنه أعتقه معيباً عالما بعيبه فلم يلزمه أرش كما لو باعه لمن يعلم عيبه.

* (مسألة) * (ولا يجزئ من اشتراه بشرط العتق) في ظاهر المذهب وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقد روي عن معقل بن يسار ما يدل عليه وذلك لأنه إذا اشتراه بشرط العتق فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا الشرط فكأنه أخذ عن العتق عوضا فلم يجزئه عن الكفارة.

قال أحمد إن كانت رقبة واجبة لم تجزئه لأنها ليست رقبة

سليمة ولأن عتقها مستحق بسبب آخر وهو الشرط فلم يجزئه كما لو اشترى قريبه فنوى بشرائه

ص: 594

العتق عن الكفارة أو قال إن دخلت الدار فأنت حر ثم نوى عند دخوله أنه عن كفارته (فصل) ولو قال رجل له أعتق عبدك عن كفارتك ولك عشرة دنانير ففعل لم يجزئه عن الكفارة لأن الرقبة لم تقع خالصة عن الكفارة، وذكر القاضي أن العتق كله يقع عن باذل العوض وله ولاؤه وهذا فيه نظر فإن المعتق لم يعتقه عن باذل العوض ولا رضي باعتاقه عنه وباذل العوض لم يطلب ذلك، والصحيح أن اعتاقه عن المعتق والولاء له فإن رد العشرة على باذلها ليكون العتق عن الكفارة لم يجز عنها لأن العتق إذا وقع على صفة لم ينتقل عنها وإن قصد العتق عن الكفارة وحدها وعزم على رد العشرة أو رد العشرة قبل العتق وأعتقه عن كفارته أجزأه * (مسالة) * (ولا أم ولده في الصحيح عنه) هذا ظاهر المذهب وبه قال الأوزاعي ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى أنها تجزئ يروي ذلك عن الحسن وطاوس والنخعي وعثمان البتي لقول الله تعالى (فتحرير رقبة) ومعتقها قد حررها ولنا أن عتقها مستحق بسبب آخر فلم تجز عنه كما لو اشترى قريبه أو عبداً بشرط العتق فأعتقه وكما لو قال لعبده أنت حر إن دخلت الدار ونوى عتقه عن كفارته عند دخوله والآية مخصوصة بما ذكرنا فنقيس عليه ما اختلفنا فيه وولد أم الولد الذي ولدته بعد كونها أم ولد حكمه حكمها فيما ذكرناه لأن حكمه حكمها في العتق بموت سيدها * (مسألة) * ولا يجزئ مكاتب قد أدى من كتابته شيئاً في اختيار شيوخنا وعنه يجزئ وعنه لا يجزئ مكاتب بحال)

ص: 595

روي عن أحمد رحمه الله في المكاتب ثلاث روايات: (إحداهن) يجزئ مطلقا اختاره أبو بكر وهو مذهب أبي ثور لأن المكاتب عبد يجوز بيعه

فأجزأ عتقه كالمدبر ولأنه رقبة فيدخل في عموم مطلق قوله سبحانه (فتحرير رقبة)(والثانية) لا يجزئ مطلقاً وهو قول مالك والشافعي وأبو عبيد لأن عتقه مستحق بسبب آخر ولهذا لا يملك إبطال كتابته فأشبه أم الولد (والثالثة) إن كان أدى شيئاً من كتابته لم يجزئه ولا أجزأه وبه قال الليث والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي قال القاضي هو الصحيح لأنه إذا أدى شيئا فقد حصل العوض عن بعضه فلم يجز كما لو اعتق بعض رقبة وإذا لم يؤد فقد أعتق رقبة كاملة مؤمنة سالمة الخلق تامة الملك لم يحصل عن شئ منها عوض فأجزأ عتقها كالمدبر ولو أعتق عبدًا عن مال يأخذه من العبد لم يجز عن كفارته في قولهم جميعاً.

(فصل) ولا يجزئ اعتاق الجنين في قول أكثر أهل العلم، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وقال أبو ثور يجزئ لأنه آدمي مملوك يصح اعتاق فصح عن الرقبة كالمولود ولنا أنه لم يثبت له أحكام الدنيا بعد فإنه لا يملك إلا بالإرث والوصية ولا يشترط لهما كونه آدميا لكونه يثبت له ذلك وهو نطفة أو علقة وليس بآدمي في تلك الحال (فصل) فإن أعتق غيره عنه عبدا بغير إذنه لم يقع عن المعتق عنه اذا كان حيا وولاؤه للمعتق ولا

ص: 596

يجزئ من كفارته وإن نوى ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أنه يجزئ إذا أعتق عن واجب على غيره بغير إذنه لأنه قضى عنه واجبا فصح كما لو قضى عنه دينا ولنا أنه عبادة من شرطها النية فلم يصح أداؤها عمن وجب عليه بغير أمره مع كونه من أهل الأمر كالحج ولأنه أحد خصال الكفارة فلم يصح عن المكفر بغير أمره كالصيام، وهكذا الخلاف فيمن كفر عنه بالاطعام، فأما الصيام فلا يجوز أن ينوب عنه أذنه ولا بغير اذنه لأنه عبادة بدنية فلا تدخلها النيابة فأما إن أعتق عنه بأمره نظرت فإن جعل له عوضاً صح العتق عن المعتق عنه وله ولاؤه وأجزأ عن كفارته بغير خلاف علمناه وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وغيرهما لأنه حصل العتق عنه بماله فأشبه ما لو اشتراه ووكل البائع في إعتاقه عنه وإن لم يشترط عوضا ففيه روايتان.

(إحداهما) يقع العتق عن المعتق عنه ويجزئ عن كفارته وهو قول مالك والشافعي لأنه أعتق عنه بأمره فصح كما لو شرط عوضاً.

(والأخرى) لا يجزئ والولاء للمعتق وهو قول أبي حنيفة لأن العتق بعوض كالبيع وبغير عوض كالهبة ومن شرط الهبة القبض ولم يحصل فلم يقع عن الموهوب له، ويفارق البيع لأنه لا يشترط فيه القبض، فإن كان المعتق عنه ميتا وكان قد وصى بالعتق عنه صح لانه بأمره وإن لم يوص فأعتق عنه أجنبي لم يصح لأنه ليس بنائب عنه، وإن أعتق عنه وارثه فإن لم يكن عليه واجب لم يصح العتق عنه ووقع عن المعتق، وان كان عليه عتق واجب صح العتق عنه لأنه نائب عنه في ماله وأداء واجباته فإن كنت عليه كفارة يمين فأطعم عنه جاز، وإن أعتق عنه ففيه وجهان

ص: 597

(أحدهما) ليس له ذلك لأنه غير متعين فجرى مجرى التطوع (والثاني) يجزئ لان العتق يقع واجباً لأن الوجوب يتعين فيه بالفعل فأشبه المعين ولأنه أحد خصال كفارة اليمين فجاز أن يفعله عنه كالإطعام والكسوة، ولو قال من عليه الكفارة أطعم عن كفارتي أو اكس صح إذا فعل رواية واحدة سواء ضمن له عوضاً أو لا * (مسألة) * (ويجزئ الأعرج يسيرا) لأنه قليل الضرر بالعمل فإن كان فاحشاً كثيراً لم يجز لأنه يضر بالعمل فهو كقطع الرجل ويجزئ المجدع الأنف والاذن، وفي مجدع الاذنين خلاف ذكرناه، ويجزئ المجبوب والخصي ومن يخنق في الاحيان والاصم لأن هذا لا يضر بالعمل، وتجزئ الرتقاء والكبيرة التي تقدر على العمل لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد منافعه وتكميل أحكامه فحصل الاجزاء به كالسالم من العيوب.

(فصل) ويجزئ عتق الجاني وإن قتل قصاصاً والمرهون وعتق المفلس عبده إذا قلنا بصحة عتقه (فصل) ويجزي الأعور في قولهم جميعاً، وقال أبو بكر فيه قول آخر لا يجزئ لأنه نقص يمنع التضحية والاجزاء في الهدي فأشبه العمى، والصحيح ما ذكرناه فإن المقصود تمليك العبد المنافع وتكميل الأحكام والعور لا يمنع ذلك، ولأنه لا يضر بالعمل أشبه قطع إحدى الاذنين، ويفارق العمى فإنه يضر

بالعمل ضررا بينا ويمنع كثيراً من الصنائع ويذهب بمنفعة الجنس، ويفارق قطع إحدى اليدين أو الرجلين فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما والأعور يدرك بإحدى العينين ما يدرك بهما وأما الاضحية

ص: 598

والهدي فإنه لا يمنع منهما مجرد العور وإنما يمنع انخساف العين لأنها عضو مستطاب ولان الاضحية يمنع فيها قطع الاذن والقرن والعتق لا يمنع فيه إلا ما يضر بالعمل * (مسألة) * (ويجزئ عتق المدبر) وهذا قول طاوس والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وقال مالك والاوزاعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي: لا يجزئ لأن عتقه مستحق بسبب آخر فأشبه أم الولد ولأن بيعه عندهم غير جائز فهو كأم الولد ولنا قوله تعالى (فتحرير رقبة) وقد حرر رقبة ولأنه عبد كامل المنفعة لم يحصل عن شئ منه عوض فجاز عتقه كالقن ولأنه يجوز بيعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبراً، وقد ذكرنا ذلك، ولأن التدبير إما أن يكون وصية أو عتقاً بصفة وأيهما كان فلا يمنع التكفير باعتاقه قبل وجود الصفة والصفة ههنا الموت ولم توجد، ويجزئ المعلق عتقه بصفة قبل وجودها لأن ملكه فيه تام ويجوز بيعه * (مسألة) * (ويجوز عتق ولد الزنا) وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن فضالة بن عبيد وأبي هريرة وبه قال ابن المسيب والحسن وطاوس والشافعي واسحاق وأبو عبيد وابن المنذر وروي عن عطاء والشعبى والنخعي والاوزاعي وحماد أنه لا يجزئ لأن أبا هريرة رضي الله عنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ولد الزنا شر الثلاثة " قال أبو هريرة ولأن امتع بسوط في سبيل الله أحب إلي منه رواه أبو داود ولنا دخوله في مطلق قوله (فتحرير رقبة) ولأنه مملوك مسلم كامل العمل لم يعتق عن شئ ولا استحق عتقه بسبب آخر فاجزأ عتقه كولد الرشدة، فأما الأحاديث الواردة في ذمة فاختلف

ص: 599

أهل العلم في تفسيرها فقال الطحاوي ولد الزنا هو الملازم للزنا كما يقال ابن السبيل الملازم لها وولد الليل الذي لا يهاب السير فيه.

وقال الخطابي عن بعض أهل العلم قال هو الثلاثة أصلا وعنصراً ونسباً

لأنه خلق من ماء الزنا وهو خبيث وأنكر قوم هذا التفسير وقالوا ليس عليه من وزر والدية شئ.

قال الله تعالى (ولا تزرر وازرة وزر أخرى) وقد جاء في بعض الأحاديث " هو شر الثلاثة إذا عمل عملهم " فإن صح ذلك اندفع الإشكال.

وفي الجملة هذا يرجع إلى أحكام الآخرة أما أحكام الدنيا فهو كغيره في صحة امامته وبيعه وعتقه وقبول شهادته فكذلك في اجزاء عتقه عن الكفارة لأنه من أحكام الدنيا * (مسألة) * (ويجزئ الصغير) وقال الخرقي لا يجزئ حتى يصلي ويصوم.

قال القاضي لا يجوز اعتاق من له دون سبع سنين لأنه لا تصح منه العبادات في ظاهر كلام أحمد، ظاهر كلام الخرقي أن المعتبر العقل دون السن فمن صلى وصام ممن له عتق يعرف الصلاة والصيام ويتحقق من الإتيان به بنيته واركانه فانه يجزئ في الكفارة وان لم يبلغ السبع، وإن لم يوجد منه لم يجز في الكفارة وإن كان كبيراً وقال أبو بكر وغيره من اصحابنا يجوز اعتاق الطفل في الكفارة وهو قول الحسن وعطاء والزهري والشافعي وابن المنذر لأن المراد بالإيمان ههنا الاسلام بدليل اعناق الفاسق قال الثوري المسلمون مؤمنون كلهم عندنا في الأحكام وما ندري ما هم عند الله وبهذا تعلق حكم القتل بكل مسلم بقوله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ) والصبي محكوم بإسلامه يرثه المسلمون ويرثهم ويدفن في مقابر المسلمين ويغسل ويصلى عليه وإن سبي

ص: 600

منفرداً عن أبويه أجزأ عنه عتقه لأنه محكوم بإسلامه وكذلك إن سبي مع أحد أبويه ولو كان أحد أبوي الطفل كافراً والآخر مسلما أجزأ اعتاقه لأنه محكوم بإسلامه قال القاضي في موضع يجزئ اعتاق الصغير في جميع الكفارات إلا كفارة القتل فإنها على روايتين وقال إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزئ إلا من صام وصلى وما كان في القرآن رقبة ليست بمؤمنة فالصبي يجزئ ونحو هذا قول الحسن ووجه قول الخرقي إن الواجب رقبة مؤمنة والإيمان قول وعمل فما لم يحصل الصلاة والصيام لا يحصل العمل قال مجاهد وعطاء في قوله (فتحرير رقبة مؤمنة) قد صلت ونحو هذا قول الحسن وابراهيم وقال مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة فإذا انقلب ظهراً لبطن فهو رقبة فإذا صلى فهو مؤمنة ولأن الطفل لا يصح منه عبادة لأنه لا نية له فلم يجز في الكفارة كالمجنون ولان الصبى نقص

يستحق به النفقة على القرابة فأشبه الزمانة قال شيخنا والقول الآخر أقرب الى الصواب والصحة إن شاء الله لأن الايمان الاسلام وهو حاصل في حق الصبي الصغير ويدل على هذا أن معاوية بن الحكم السلمي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين الله؟ " فأشارت برأسها إلى السماء قال " من أنا؟ " فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء أي أنت رسول الله قال " أعتقها فإنها مؤمنة " فحكم لها بالايمان بهذا القول * (مسألة) * (ولو ملك نصف عبد فأعتقه عن كفارته ثم اشترى باقيه فأعتقه أجزأه) لأنه أعتق رقبة كاملة في وقتين فأجزأ كما لو أطعم المساكين في وقتين إلا على رواية وجوب الاستسعاء والصحيح في المذهب خلافها

ص: 601