المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمَحْذُوفَ الْوَاقِعَ عَلَيْهِ الْخُسْرَانُ هُوَ أَنْفُسُهُمْ، كَقَوْلِهِ فِي - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر - جـ ٢

[محمد الأمين الشنقيطي]

الفصل: أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمَحْذُوفَ الْوَاقِعَ عَلَيْهِ الْخُسْرَانُ هُوَ أَنْفُسُهُمْ، كَقَوْلِهِ فِي

أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمَحْذُوفَ الْوَاقِعَ عَلَيْهِ الْخُسْرَانُ هُوَ أَنْفُسُهُمْ، كَقَوْلِهِ فِي «الْأَعْرَافِ» : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [9]، وَقَوْلِهِ فِي «الْمُؤْمِنُونَ» : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [103]، وَقَوْلِهِ فِي «هُودٍ» : أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [45] .

وَزَادَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ خُسْرَانَ الْأَهْلِ مَعَ النَّفْسِ، كَقَوْلِهِ فِي «الزُّمَرِ» : قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [15]، وَقَوْلِهِ فِي «الشُّورَى» : وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ [45] .

وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ خُسْرَانَ الْخَاسِرِينَ قَدْ يَشْمَلُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [22 \ 11] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ الْآيَةَ.

بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُرِيَهُ فِي حَيَاتِهِ بَعْضَ مَا يَعِدُ الْكُفَّارَ مِنَ النَّكَالِ وَالِانْتِقَامِ، أَوْ يَتَوَفَّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَرْجِعُهُمْ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهِمْ لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ جَلَّ وَعَلَا فِيهِمْ، وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «الْمُؤْمِنِ» : فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [77]، وَقَوْلِهِ فِي «الزُّخْرُفِ» : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ [41، 42] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

تَنْبِيهٌ

لَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِعْلُ الْمُضَارِعِ بَعْدَ «إِنْ» الشَّرْطِيَّةِ الْمُدْغَمَةِ فِي «مَا» الْمَزِيدَةِ لِتَوْكِيدِ الشَّرْطِ، إِلَّا مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، كَقَوْلِهِ هُنَا: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ الْآيَةَ [10 \‌

‌ 46]

، فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ الْآيَةَ [43 \ 41] ، فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ الْآيَةَ [8 \ 57] ، وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ الْآيَةَ [8 \ 58] .

وَلِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةَ وُجُوبَ اقْتِرَانِ الْمُضَارِعِ بِالنُّونِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَالِ

ص: 159

الْمَذْكُورَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّ عَدَمَ اقْتِرَانِهِ بِهَا جَائِزٌ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:[الْمُتَقَارِبِ]

فَإِمَّا تَرَيِنِّي وَلِي لَمَّةٌ

فَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَوْدَى بِهَا

وَقَوْلِ الْآخَرِ: [الْكَامِلِ]

زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ

يُسَدِّدُ أُبَيْنُوهَا الْأَصَاغِرُ خَلَّتِي

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ.

صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا، وَبَيَّنَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا الْآيَةَ [16 \ 36]، وَقَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [35 \ 24]، وَقَوْلِهِ: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [13 \ 7] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَدْ بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عَدَدَ الْأُمَمِ سَبْعُونَ أُمَّةً فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ، رضي الله عنه «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي كِتَابِنَا «دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ» وَوَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ الْآيَةَ [6]، فِي سُورَةِ «الرَّعْدِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.

أَوْضَحَ اللَّهُ تَعَالَى مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي سُورَةِ «الزُّمَرِ» بِقَوْلِهِ: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى:

لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ.

صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلًا، وَأَنَّهُ لَا يَسْبِقُ أَحَدٌ أَجَلَهُ الْمُحَدَّدَ لَهُ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ.

وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [15 \ 5 - 23 \ 43]، وَقَوْلِهِ: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [71 \ 4]، وَقَوْلِهِ: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا الْآيَةَ [63 \ 11] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ.

بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَطْلُبُونَ فِي الدُّنْيَا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ كُفْرًا وَعِنَادًا، فَإِذَا عَايَنُوا الْعَذَابَ آمَنُوا، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ وَحُضُورِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ

ص: 160

تَعَالَى عَلَيْهِمْ هُنَا بِقَوْلِهِ: أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [10 \ 51]، وَنَفَى أَيْضًا قَبُولَ إِيمَانِهِمْ فِي ذَلِكَ الْحِينِ بِقَوْلِهِ: آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ.

وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [40 \ 84، 85]، وَقَوْلِهِ: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [10 \ 90، 91]، وَقَوْلِهِ: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ الْآيَةَ [4 \ 18] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَاسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى قَوْمَ يُونُسَ دُونَ غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [10 \ 98] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ الْآيَةَ.

ذَكَرَ تَعَالَى عَنْ مُوسَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُ سِحْرَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ.

وَصَرَّحَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي قَالَ مُوسَى إِنَّهُ سَيَقَعُ مِنْ إِبْطَالِ اللَّهِ لِسِحْرِهِمْ، أَنَّهُ وَقَعَ بِالْفِعْلِ، كَقَوْلِهِ: فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [7 \ 118، 119] وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ:

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ الْآيَةَ.

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ بَوَّأَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ.

وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا الْآيَةَ [7 \ 137]، وَقَوْلِهِ: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [62 \ 57، 58] إِلَى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [26 \ 59] وَقَوْلِهِ: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [44 \ 25، 26] إِلَى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [44 \ 28]، وَمَعْنَى بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ: أَنْزَلْنَاهُمْ مَنْزِلًا مَرْضِيًّا حَسَنًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.

صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ

ص: 161

الْعَذَابِ، وَسَبَقَتْ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ الشَّقَاوَةُ لَا يَنْفَعُهُ وُضُوحُ أَدِلَّةِ الْحَقِّ، وَذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [10 \ 101]، وَقَوْلِهِ: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا [54 \ 2]، وَقَوْلِهِ: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [6 \ 4]، وَقَوْلِهِ: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [12 \ 105]، وَقَوْلِهِ: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2 \ 6] .

وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ.

ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ إِيمَانَ قَوْمِ يُونُسَ مَا نَفَعَهُمْ إِلَّا فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

وَيُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِهِ: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى أَطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الْإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ فِي سُورَةِ «الصَّافَّاتِ» ، وَالْإِيمَانُ مُنْقِذٌ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّهُ بَيَّنَ فِي «الصَّافَّاتِ» أَيْضًا كَثْرَةَ عَدَدِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [147، 148] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا الْآيَةَ.

صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ إِيمَانَ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَآمَنُوا كُلُّهُمْ جَمِيعًا، وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ كُفْرَهُمْ وَاقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا الْآيَةَ [6 \ 107]، وَقَوْلِهِ: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [32 \ 13]، وَقَوْلِهِ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى [6 \ 107] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.

بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَقْهَرَ قَلْبَهُ عَلَى الِانْشِرَاحِ إِلَى الْإِيمَانِ إِلَّا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ.

وَأَوْضَحَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [5 \ 41]، وَقَوْلِهِ: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ الْآيَةَ

ص: 162

[16 \ 37]، وَقَوْلِهِ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ الْآيَةَ [28 \ 56]، وَقَوْلِهِ: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ [7 \ 186] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَمَا تَقَدَّمَ فِي «النِّسَاءِ» .

وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهُ لَا يَهْدِي الْقُلُوبَ وَيُوَجِّهُهَا إِلَى الْخَيْرِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَظْهَرُ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ الْآيَةَ [10 \ 100] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ.

أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا جَمِيعَ عِبَادِهِ أَنْ يَنْظُرُوا مَاذَا خَلَقَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عِظَمِ خَالِقِهَا، وَكَمَالِهِ، وَجَلَالِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِأَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا.

وَأَشَارَ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ الْآيَةَ [41 \ 53] ، وَوَبَّخَ فِي سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» مَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ هَذَا الْأَمْرَ، وَهَدَّدَهُ بِأَنَّهُ قَدْ يُعَاجِلُهُ الْمَوْتُ فَيَنْقَضِي أَجَلُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ ; لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ فِي امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ الْآيَةَ [185] .

تَنْبِيهٌ

آيَةُ «الْأَعْرَافِ» هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ، خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ.

أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ.

أَوْضَحَ مَعْنَاهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.

لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ نَبِيِّهِ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ حَكَمَ بِنَصْرِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِظْهَارِ دِينِهِ عَلَى كُلِّ

ص: 163

دِينٍ، كَقَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [110 \ 1] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَوْلِهِ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [48 \ 1] إِلَى آخِرِهَا، وَقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ الْآيَةَ [13 \ 41] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

ص: 164