المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . قِيلَ: رُدَّ إِلَى الْكِبَرِ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر - جـ ٩

[محمد الأمين الشنقيطي]

الفصل: قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . قِيلَ: رُدَّ إِلَى الْكِبَرِ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ

. قِيلَ: رُدَّ إِلَى الْكِبَرِ وَالْهَرَمِ وَضَعْفِ الْجِسْمِ وَالْعَقْلِ.

إِنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلِّغْتُهَا قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تُرْجُمَان

كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [36 \ 68] .

وَذَكَرَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ، وَسَاقَ مَعَهُ قَوْلَهُ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [30 \‌

‌ 5

4] ، وَسَاقَ آيَةَ التِّينِ هَذِهِ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، وَقَالَ: عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، وَقَوْلَهُ: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [22 \ 5] ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقِيلَ: رُدَّ إِلَى النَّارِ بِسَبَبِ كُفْرِهِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ.

وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَهُوَ كَمَا تَرَى، مَا يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ فِي النُّصُوصِ الَّتِي قَدَّمْنَا، وَاسْتَدَلَّ لِهَذَا الْوَجْهِ مِنْ نَفْسِ السُّورَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي آخِرِهَا: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [95 \ 7]، أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ، وَهِيَ بَدْءُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَتَطَوُّرُهُ إِلَى أَحْسَنِ أَمْرِهِ، ثُمَّ رَدُّهُ إِلَى أَحَطِّ دَرَجَاتِ الْعَجْزِ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، وَهَذَا هُوَ الْمُشَاهَدُ لَهُمْ، يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ.

أَمَّا رَدُّهُ إِلَى النَّارِ فَأَمْرٌ لَمْ يَشْهَدْهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا يُقِيمُهُ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الدَّلِيلِ أَنْ يُنْقَلَ مِنَ الْمَعْلُومِ إِلَى الْمَجْهُولِ، وَالْبَعْثُ هُوَ مَوْضِعُ إِنْكَارِهِمْ، فَلَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ لِإِثْبَاتِ مَا يُنْكِرُونَهُ بِمَا يُنْكِرُونَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ وَاضِحٌ.

وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ حَالَةَ الْإِنْسَانِ هَذِهِ فِي نَشْأَتِهِ مِنْ نُطْفَةٍ، فَعَلَقَةٍ، فَطِفْلٍ، فَغُلَامٍ، فَشَيْخٍ، فَهَرَمٍ، وَعَجْزٍ. جَاءَ مَثَلُهَا فِي النَّبَاتِ وَكِلَاهُمَا مِنْ دَلَائِلِ الْبَعْثِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ إِلَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [57 \ 20]

ص: 7

وَقَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [39 \ 21] .

فَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ ; لِأَنَّهُ كَالنَّبَاتِ سَوَاءٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [71 \ 17 - 18] .

وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى حَالَةِ الْخَوْفِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مَهْمَا طَالَ عُمُرُهُ، فَهُوَ فِي طَاعَةٍ، وَفِي ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ كَامِلُ الْعَقْلِ، وَقَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ أَنَّ حَافِظَ كِتَابِ اللَّهِ الْمُدَاوِمَ عَلَى تِلَاوَتِهِ، لَا يُصَابُ بِالْخَرَفِ وَلَا الْهَذَيَانِ.

وَقَدْ شَاهَدْنَا شَيْخَ الْقُرَّاءِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الشَّيْخَ حَسَنَ الشَّاعِرَ، لَا زَالَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ عِنْدَ كِتَابَةِ هَذِهِ الْأَسْطُرِ تَجَاوَزَ الْمِائَةَ بِكَثِيرٍ، وَهُوَ لَا يَزَالُ يُقْرِئُ تَلَامِيذَهُ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرَ، وَقَدْ يَسْمَعُ لِأَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ يَقْرَءُونَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ وَهُوَ يَضْبُطُ عَلَى الْجَمِيعِ.

وَقَدْ رَوَى الشَّوْكَانِيُّ مِثْلَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.

أَيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أَوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ.

وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَالْأَجْرُ هُوَ الثَّوَابُ، إِمَّا بِدَوَامِ أَعْمَالِهِمْ لِكَمَالِ عُقُولِهِمْ، وَإِمَّا بِأَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ تَكْتُبَ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ فِي حَالِ قُوَّتِهِمْ مِنْ صِيَامٍ وَقِيَامٍ، وَتَصَدُّقٍ مِنْ كَسْبِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِلْأَحَادِيثِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، فَيَظَلُّ ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ.

وَعَلَى الثَّانِي: فَيَكُونُ الْأَجْرُ هُوَ النَّعِيمُ فِي الْجَنَّةِ يُعْطُونَهُ وَلَا يُمَنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُقْطَعُ عَنْهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [13 \ 35] .

تَنْبِيهٌ

وَهُنَا وِجْهَةُ نَظَرٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: وَجْهٌ خَاصٌّ وَآخَرُ عَامٌّ.

ص: 8

أَمَّا الْخَاصُّ: فَإِنَّ كَلِمَةَ رَدَدْنَاهُ، فَالرَّدُّ يُشْعِرُ إِلَى رَدٍّ لِأَمْرٍ سَابِقٍ، وَالْأَمْرُ السَّابِقُ هُوَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَحْسَنُ تَقْوِيمٍ شَامِلٌ لِشَكْلِهِ وَمَعْنَاهُ، أَيْ جِسْمِهِ وَإِنْسَانِيَّتِهِ، فَرَدُّهُ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ، يَكُونُ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ كَالْحَيَوَانِ بَلْ هُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَسْفَلُ دَرْكًا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَأَشْرَسُ نَفْسًا مِنَ الْوَحْشِ، فَلَا إِيمَانَ يَحْكُمُهُ وَلَا إِنْسَانِيَّةَ تُهَذِّبُهُ، فَيَكُونُ طَاغِيَةً جَبَّارًا يَعِيثُ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَعَلَيْهِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَبِإِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمُ الصَّالِحَاتِ يَتَرَفَّعُونَ عَنِ السَّفَالَةِ، وَيَرْتَفِعُونَ إِلَى الْأَعْلَى فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.

وَالْوِجْهَةُ الْعَامَّةُ وَهِيَ الشَّامِلَةُ لِمَوْضُوعِ السُّورَةِ مِنْ أَوَّلِهَا ابْتِدَاءً مِنَ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَمَا مَعَهُ فِي الْقَسَمِ إِلَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ [95 \ 4 - 6] .

فَإِنَّهُ إِنْ صَحَّ مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ آدَمَ فِي قَوْلِهِ: فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [20 \ 121] . رَوَى الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ آدَمَ لَمَّا بَدَتْ لَهُ سَوْأَتُهُ ذَهَبَ إِلَى أَشْجَارِ الْجَنَّةِ لِيَأْخُذَ مِنَ الْوَرَقِ لِيَسْتُرَ نَفْسَهُ، وَكُلَّمَا جَاءَ شَجَرَةً زَجَرَتْهُ وَلَمْ تُعْطِهِ، حَتَّى مَرَّ بِشَجَرَةِ التِّينِ فَأَعْطَتْهُ، فَأَخْلَفَهَا اللَّهُ الثَّمَرَةَ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ، وَكَافَأَهَا بِجَعْلِ ثَمَرَتِهَا بَاطِنِهَا كَظَاهِرِهَا لَا قِشْرَ لَهَا وَلَا عَجَمَ.

وَقَدْ رَوَى الشَّوْكَانِيُّ فِي أَنَّهَا شَجَرَةُ التِّينِ الَّتِي أَخَذَ مِنْهَا الْوَرَقَ. فَقَالَ: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا أَسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ الْجَنَّةَ كَسَاهُ سِرْبَالًا مِنَ الظُّفْرِ، فَلَمَّا أَصَابَ الْخَطِيئَةَ سَلَبَهُ السِّرْبَالَ فَبَقِيَ فِي أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ» .

قَالَ: وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ لِبَاسُ آدَمَ وَحَوَّاءَ كَالظُّفْرِ - وَذَكَرَ الْأَثَرَ - وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» قَالَ: يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا.

وَبِهَذَا النَّقْلِ يَكُونُ ذِكْرُ التِّينِ هُنَا مَعَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدُّهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا سِرٌّ لَطِيفٌ جِدًّا، وَهُوَ إِشْعَارُ الْإِنْسَانِ الْآنَ، أَنَّ جِنْسَ الْإِنْسَانِ كُلَّهُ بِالْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ أَبِي الْبَشَرِ، وَقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي أَحْسَنِ حَالَةٍ حِسًّا وَمَعْنًى، حَتَّى رَفَعَهُ إِلَى

ص: 9