الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث
في الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وفيه ثلاثة فصول:
1-
الحال الأولى:- عدم القبول والانتفاع به
.
2-
الحال الثانية:- أن يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصول مفسدة أعظم من ذلك المنكر.
3-
الحال الثالثة:- عدم القدرة أو خوف الضرر.
يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأحوال التالية:-
الحال الأولى: عدم القبول والانتفاع به
يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مظنة النفع به فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما إذا وجدت هذه الصفات: الشحّ المطاع، والهوى المتبع، وإيثار الدنيا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذه الأمور تكون عند فساد الزمان، ومروج الأديان، وكثرة الفتن والحروب، وظهور التغيير والتبديل في الدين، وانتشار شرّ المنافقين، وفقد المعين والمناصر.
فإذا عدمت فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط وجوبه، ومن الأدلة على ذلك:
1-
ظاهر قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} (1) .
(1) سورة الأعلى آية: 9.
2-
ما في سنن أبي داود وابن ماجه والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له: كيف تقولون في هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (1) ؟ قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ» (2) .
(1) سورة المائدة آية: 105.
(2)
الترمذي: تفسير القرآن (3058)، وابن ماجه: الفتن (4014) .
3-
4-
ما روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (2) قالوا: لم يأت تأويلها بعد، إنما تأويلها في آخر الزمان.
من ذلك:
أ- عن ابن مسعود قال: "إذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية ".
ب- عن ابن عمر قال: "هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم".
(1) أبو داود: الملاحم (4343) .
(2)
سورة المائدة آية: 105.
ج- قال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة قالوا: "إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت". ومما سبق يتبين أن من علم أنه لا يقبل منه، لم يجب عليه الأمر والنهي، وحكي هذا رواية عن الإمام أحمد
وقال الأوزاعي "أأمر من ترى أن يقبل منك".
وفي آخر حديث أبي ثعلبة الخشني السابق: «فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّابِرُ فِيهِنَّ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا (يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ) » (1) وفي لفظ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» (2) وأخرج الحديث أيضًا الحاكم وصححه، وابن جرير والبغوي في معجمه.
وفي بعض ألفاظه: «وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ» وفي لفظ: «لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ» (3)(4) .
(1) الترمذي: تفسير القرآن (3058)، وابن ماجه: الفتن (4014) .
(2)
الترمذي: تفسير القرآن (3058)، وابن ماجه: الفتن (4014) .
(3)
ابن ماجه: الفتن (4014) .
(4)
انظر تفسير ابن كثير جـ3 ص 257 - 259، وتفسير البغوي جـ3 ص 257 - 259، وانظر أضواء البيان جـ2 ص 175 - 176، وانظر الدرر السنية جـ7 ص 42 - 43، وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 283 - 284، وانظر تنبيه الغافلين لابن النحاس ص 106.