الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مواعظه مستحضراً لبعض ما سمعه منه، وكان يحكى عن جده كمال الدين يوسف. أنه كان مع صلاحه قاضياً حنفياً بمدينة جعبر، ثم انتقل إلى مدينة الباب بسبب منام رأى فيه أن الله تعالى تجلى على مدينة جعبر، فلما أخذ في الرحيل عنها قيل له: في ذلك فقال: إنها عن قريب ستخرب لما يشير إليه قوله تعالى: " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا " سورة الأعراف: الآية 143، فخربت بعد رحيله بقليل، توفي حفيده المذكور في رجب مبطوناً سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
محمد بن علي بن علوان الحموي
محمد بن علي بن عطية، الشيخ الإمام العالم العلامة، الأوحد المدقق المحقق الفهامة، شيخ المسلمين، وعلم العارفين، شمس الدين ابن الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، العارف بالله تعالى سيدي الشيخ علوان الحموي الشافعي الصوفي الواعظ أخذ العلوم الظاهرة، والباطنة عن أبيه وعن كثير من الواردين إليه، ولقنه والده الذكر وألبسه الخرقة، وكان قد ابتلي في صغره بسوء الفهم، والحفظ، حتى ناهز الاحتلام، وفهمه في الأدبار، فبينما هو في ليلة من الليالي عند السحر إذا هو بوالده سيدي الشيخ علوان - رضي الله تعالى عنه - وقد أخذت والده حالة، فأخذ في إنشاد شيء من كلام القوم، فلما سري عنه خرج من بيته وأخذ في الوضوء في إناء واسع من نحاس، فلما فرغ والده من وضوئه أخذ الشيخ شمس الدين ماء وضوء والده وشربه، فوجد بركته وتيسر عليه الفهم، والحفظ من يومئذ، ولم يتوقف عليه بعد ذلك شيء من المطالب القلبية كما ذكر ذلك صاحب الترجمة في رسالته التي ألفها في علم الحقيقة، وكملها في سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة وسماها تحفة الحبيب، وكان يعظ بحماة بعد أبيه، ويدرس في العلوم الشرعية والعقلية، وتشتكى إليه الخواطر ويجيب عنها، وكان في وعظه آية، وفي الفصاحة والبلاغة غاية، ولما رجع شيخ الإسلام الوالد من الروم في سنة سبع وثلاثين، فمر بحماة بعث الشيخ شمس الدين جماعته إلى لقاء الشيخ الوالد وأنزله عنده، وأضافه ثلاثة أيام كما ذكر الوالد رضي الله تعالى عنه في المطالع البحرية وأثنى فيها على صاحب الترجمة ثناءً بالغاً. وقال: لم يزل يقطع الليل ساهراً، ويهش للجميل مبادراً، ويجمع إلى شرف الجلال جلال الشرف، ويقيم سرفه في الخير الحجة على من قال: لا خير في السرف، ويعمر بالحسنى سواءه، ويتبع في القربات آباءه، بانياً كما بنوا، وبادئاً من حيث انتهوا، فهو حبر الأكارم، وبحر المكارم، وتاج المفاخر وحجة المفاخر، ودليل كم ترك الأول للآخر انتهى.
ثم انتسجت بينه وبين الوالد المحبة وتأكدت الصداقة والصحبة، وكان كل منهما يكاتب الآخر ويراسله، ويتحرى الإطناب في مدح الآخر ويحاوله، وقد أثبت من ذلك نبذة صالحة في كتابي المسمى بلغة الواجد، في ترجمة الإمام الوالد، وذكر ابن الحنبلي في تاريخه، أنه صحب صاحب الترجمة، وأخذ عنه وأنه قدم حلب مرتين نزل في الأولى بالمدرسة الأشرفية، وعمل فيها ميعاداً جليلاً على كرسي نصب له بإيوانها، فأتى فيه من سحر البلاغة والبراعة، في عين تلك العبارة، بالعجب العجاب، في مقام كان مقام أطناب، وكان ممن حضر هذا الميعاد الشهاب الأنطاكي، والشمس السفيري وابن الخناجر وآخرون من سوى العوام، ثم قدم في المرة الثانية في أوائل سنة أربع وخمسين، فأخذ في أربعين مجلساً بالجامع الكبير على قوله تعالى:" الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب " سورة الشورى: الآية 13، وأشار إلى أنه اقتصر على هذا العدد لموافقته عدد حروف حلب بحساب الجمل، وذكر ابن طولون في تاريخه، أن الشيخ شمس الدين حج هو وأخوه أبو الوفاء في سنة ثمان وثلاثين، فمر بدمشق ولما عاد في سنة تسع وثلاثين إلى دمشق عمل مجلساً يوم الجمة تاسع عشر صفر بجامع مسجد القصب، خارج دمشق في قوله تعالى:" ولله على الناس حج البيت " سورة آل عمران: الآية 97، بسؤال بعض الحاضرين، وحضره أفاضل دمشق، ومنهم القاضي زين الدين معروف البلاطنسي، ثم هرعت أعيان البلد للسلام عليهما حتى قاضي قضاة دمشق، ثم سافر من دمشق بعد خمسة عشرة يوماً من وصولهما لدمشق، ثم قال ابن الحنبلي: بعد أن ما من الله تعالى به على صاحب الترجمة من سرعة الإنشاء بحيث لو أخذ في وضوء صلاة الجمعة وطلب منه على البديهة أن يخطب لعمل في سره خطبة عجيبة غريبة، وخطب بها ولم يتوقف على رسمها ورقمها مآلا. قال: وكان دمث الأخلاق، جمالي المشرب، عنده طرف جذب. ثم قال: وبالجملة فقد كان من أخيار الأخيار، وآثاره من بدائع الآثار، ولله دره فيما أنشد فيه من شعره بالسماع منه الشهابي أحمد الشهير بابن المنلا الشافعي حيث قال:
تنفس قلب الصب في كل ساعة
…
لا كؤسهم فاء الزمان أدارها
إلى الله أشكو أن كل قبيلة
…
من الناس قد أفنى الحمام خيارها
قلت: وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والشيوخ عن التلامذة فإن ابن المنلا المذكور كان أحد تلاميذ ابن الحنبلي، وتأخرت وفاته عن رأس القرن الحادي عشر، قتله فلاحوه بقرية له بحلب، كان يتردد إليها، وكانت وفاة الشيخ محمد صاحب الترجمة بمدينة