المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌دور المال في اختزان العمل - المسلم في عالم الإقتصاد

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌دور المال في اختزان العمل

‌دور المال في اختزان العمل

إننا منذ الخطوة الأولى نقرن، في أذهاننا أو في مشروعاتنا، قضية العمل بقضية المال، فقد أصبح العمل مقيداً بشروط مالية لا ينطلق بدونها حتى في البلاد الشيوعية الكلاسيكية، حيث لم تتغير هذه الشروط إلا في ملكية المال لا في دوره أساساً.

تحولت فعلاً ملكية المال في هذه البلاد الشيوعية من الأيدي الخاصة أو المصرف إلى يد واحدة يد الدولة، ومن المصرف إلى الخزينة.

ويكفي الزائر لموسكو، على سبيل المثال، أن يرى تلك الدكاكين الخاصة، فيستطيع شراء ما يريد بأثمان محددة ولكن بالعملة الصعبة، ولا يستطيع المواطن ذلك بالعملة المحلية.

إننا لا نرى أن العمل تخلص، على هذه الصورة من القيود المالية، ولا تخلصت منها الأذهان أيضاً. فلا يزال المال مهيهناً على تسخير العمل، مع بعض التخفيف في درجة القيود عندما ننتقل من البلاد الرأسمالية الصريحة، إلى بلد شيوعي كلاسيكي، حيث يصبح المال وكأنه يخفي دوره أو لا يخفيه كما هي الحال في يوغوسلافيا ورومانيا.

ربما كان ينتظر من هذه البلاد أن تقوم هي بتصفية أخطر مسلمة، في الاقتصاد تصفية كاملة، فقد تخلص العمل من كل الشروط الثانوية.

ولكن هذه التصفية لم تقع إلى الآن، لا في المجال الثقافي ولا في المجال الاقتصادي البحت.

ص: 67

فقضية المال بالنسبة للعمل لا زالت قائمة حتى في البلاد الشيوعية، لأن المال له روابط وعلاقات قرابة عالية، كأخطبوط مدّ أذرعه على الكرة الأرضية، فلا يكفي أن تقطع له ذراعاً قبل أن تقطع رأسه.

وهذه القضية نشأت منذ نشأ في العالم، أي منذ زمن بعيد جداً، اقتصاد التبادل بمقتضى التطورات التي حدثت في غرّة العهد التاريخي وقضت على الاقتصاد المنزلي، فقد كان الناس يكونون وحدات إنتاجية صغيرة autarcies domestiques مستقلة مكتفية في كل بيت، لأن الاستهلاك لم يكن يشمل إلا الحاجات الضرورية لكل أسرة من قوت وملبس.

وعندما تنوعت الحاجات وتكاثرت بمقدار التطور وتكاثف السكان في أماكن معينة من قرى ومدن، أصبح من الضروري توزيع العمل على أيد مختصة تعمل خارج البيوت، في ورشات مجهزة تجهيزاً خاصاً لإنتاجها.

هكذا ظهر اقتصاد التبادل الذي أصبح يضمّ عمليتي الإنتاج والتوزيع على نطاق أوسع من البيت، ثم أوسع من القرية، ثم أوسع من المدينة والوطن.

وبقدر ما اتسعت رقعة التبادل هكذا، أصبح التفكير في إيجاد عامل تيسير للتبادل أمراً طبيعياً.

وهكذا تقرر اختيار الذهب والفضة (العملة الصعبة في ذلك الوقت) ليقوما بدور تيسير المعاملات، وفي الحقيقة نشأ (المال) ليقوم بدورين:

فالدور الأول لم يتفرع عن عملية التوزيع، بل عن عملية الإنتاج؛ فالمنتج الذي كان يكتفي بجزء من عمله لسد حاجاته اليومية، وهو يعمل كل يومه، كان من الضروري بالنسبة له أن يفكر في وسيلة اختزان (توفير كما نقول اليوم) للجزء الباقي من عمله، حتى يستطيع رده على حاجات أخرى، أو على أيامه الأخرى إن كان توقف عمله بسبب مرض مثلاً.

ص: 68

فـ (المال) مهما كان نوعه ذهباً أو فضة، كان الوسيلة لاختزان العمل حتى يعود لصاحبه في حاجات أخرى أو في أيام صعبة، تماماً كما تخزن الكهرباء فيما يسمى (المدخرات).

وهو بذلك يمثل فائض العمل عن حاجات البيت، أو عن مقتضيات إنتاج الورشات ( Artisans)، الفائض الذي يخزن بطبيعة الحال في خزان يرده لصاحبه أو أصحابه إذا اقتضى الحال؛ فكان الذهب يتعين عليه أن يقوم بهذا الدور.

ولكن التطورات في المجال الاقتصادي لم تقف عند هذا الحد، بل تبين في ظروف معينة مثل الحروب، أن هذا الفائض للعمل المختزن في الذهب، قد يتعرض للضياع.

فنشأت فكرة تجميع هذه الكميات من الذهب، في خزانات أو خزائن من نوع جديد هي المصرف، تتخذ لها الاحتياطات الضرورية للحفاظ على الودائع التي توضع تحت ضمانها، من بينها توزيع هذه الودائع بين الأيدي المختلفة لتستعملها في جو من الإنتاج، في المكان نفسه أو في أماكن غيره.

وبقدر ما تراكمت وتجمعت الأموال، في منشآت المصرف، تحول أولاً طابعها الاجتماعي، وأصبحت تمثل شيئًا جديداً هو (الرأسمال)، ثم تحولت طبيعة الصلة بين المال والعمل، فبعد أن كان مجرد خزان للعمل أصبح سجّاناً له، السجان الذي لا يعترف لسجينه بحق سوى العمل في مصلحته.

واليوم بعد أن تنوسي دور المال بوصفه مجرد خزينة يودع فيها فائض العمل، لتعيده لصاحبه عند الحاجة، أصبحت أذهاننا لا تستطيع أن تفكر في مشروع اقتصادي، دون أن تقعّده على شروط مالية، كأن العمل أصبح فعلاً سجيناً لا يتحرك إلا بإذن صاحب السجن أي الرأسمال.

وربما لا يضير هذا الوضع البلاد المتقدمة، لأنها صاحبة الرأسمال العالمي، فلا

ص: 69

يضرها أن تضع خططها الاقتصادية طبقاً لشروط مالية، لا تخالف مصلحتها، ولا سياستها ولا مبادئها في شيء.

كما لا يضيرها أيضاً أن تكون بلدان العالم الثالث تحذو حذوها في وضع خططها بالأسلوب نفسه، وهي تعلم أن هذه الخطط لا تنفذ إلا على شروط الرأسمال أي على شروط الدول الرأسمالية، ولن تخلو هذه الشروط من بعض الرواسب الاستعمارية، حتى في المشروعات التي تقدم تحت إشراف هيئة الأمم، مثل النقطة الرابعة التي قدمت بزعم النهوض بالبلاد المتخلفة اقتصادياً، ففشلت فشلاً ذريعاً، لأنها كانت تحتوي منذ البداية كل بذور الفشل.

أما أن تختار البلاد المتخلفة نفسها أسلوب التنمية الرأسمالي، فهو أمر أغرب، لأنها تكون كما لو قررت مبدئياً أن تضع عملها من أجل النهوض الاقتصادي، تحت رحمة الآخرين، في سجن المؤسسات المالية العالمية.

وإن بدأت بعض المجهودات، في المجال الفكري على الأقل، في البلاد المتقدمة من أجل تقديم (مشروع مرشال) جديد للبلاد المتخلفة (1)، فبعد ما نرحب بهاته الفكرة كخطوة تقدم في مجال التعاون الأولي، يجب أن نلاحظ أن نجاح مشروع كهذا ليس مشروطاً فقط بحجم المال الذي سيبذل من طرف الدول التي ستقدمه، بقدر ما سيكون مشروطاً بتحويله إلى وسيلة عمل بين الأيدي التي تحركها إرادة بقاء، كالتي حركت الشعب الألماني أيام أتاه مثل هذا المدد من أمريكا، بعد الحرب العالمية الثانية.

لم يكن هذا المدد السبب الرئيسي في نهضة ألمانيا، وإنما كان أحد المنشطات لعملها الجبار، في تلك التجربة الرائدة المعبرة عن إرادة حضارة، استطاع

(1) يبدو هذا من خلال بعض الدراسات مثل التي نشرت بجريدة لوموند Le monde تحت عنوان (مشروع مرشال للعالم الثالث) لموريس جرنييه، عدد 2 أذار (مارس) 1972م.

ص: 70

بفضلها الشعب الألماني استعادة مكانه الذي يفرض وجوده في عالم الاقتصاد، بصورة تجعل المراقبين ينعتون هذه التجربة بـ (معجزة).

ويجدر بنا القول إن هذه التجربة ليست خاصة بـ (الدم الألماني) أي العرق كما كان يعتنقه (روزنبرج)، صاحب كتاب (الدم والذهب) في العهد الهتلري، بل هي معجزة تتكرر كلما تحرك النشاط البشري على أساس إرادة حضارية، كما تكررت فعلاً في أقصى البلاد الشرقية، تجربة اليابان الرائعة التي لم تعد هذه الدولة إلى مركزها الدولي قبل الحرب، بل أصبحت تحتل اليوم رتبة (الدولة الاقتصادية الثالثة) في العالم.

فـ (المعجزة) إذن لا تتوقف على حقنة مالية لأن اليابان لم يتلق أي حقنة من نوع (مشروع مرشال)، ولا تتوقف أيضاً المعجزة على العرق، لأننا ما نعلم أن الشعب الياباني من عرق آري.

فالقضية إذن، بالنسبة للعالم الإسلامي، ليست قضية إمكان مالي، ولكنها قضية تعبئة الطاقات الاجتماعية، أي الإنسان والتراب والوقت، في مشروع. تحركها إرادة حضارية لا تحجم أمام الصعوبات، ولا يأخذها الغرور في شبه تعالي على الوسائل البسيطة التي في حوزتنا منذ الآن، ولا ينتظر العمل بها حقنة من العملة الصعبة، ولا أي مشروع من نوع مرشال.

إن الصين الحديثة، صاحبة المعجزة الكبرى في هذا القرن، خرجت من العدم فتحوّلت معالمها، كما حولت، من أجل بناء سدودها وطرقها، المليارات من الأمتار المكعبة من التراب، لا بالآلات الحافرة والناقلة، المفقودة في بلد ينشأ، ولكن بفضل سواعد أبنائها وعلى أكتافهم. تحدوهم الأسطورة المعبرة عن طاقة الإنسان عندما تحركه إرادة حضارية، فتذكروا أو ذكروا أن جدهم (يوكنج) حوّل الجبال.

ص: 71

وإذا دلت هذه الأسطورة على شيء، فإنما تدل على استقلال العمل، استقلالاً مبدئياً بالنسبة إلى المال، الذي كثيراً ما يتحول من مجرد (مدخرة) لتخزين العمل، يتمرد عليه ويصبح سجانه فلا تعود فائدته على صاحبه، بل على صاحب السجن.

فإن كان هذا ما يعني ماركس بما يسميه (اغتراب العمل)( Aliénation du Travail) فنحن نشاطره رأيه، بقدر ما يتفق مع التحليل الذي قدمناه عن الأزمة التي اغترب فيها الإنتاج عندما نشأ اقتصاد التبادل.

***

ص: 72