المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع التاسع المرسل - النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي - جـ ١

[بدر الدين الزركشي]

الفصل: ‌النوع التاسع المرسل

‌النَّوْع التَّاسِع الْمُرْسل

127 -

(قَوْله) وَصورته الَّتِي لَا خلاف فِيهَا حَدِيث التَّابِعِيّ الْكَبِير الَّذِي لَقِي جمَاعَة من الصَّحَابَة وَجَالسهمْ كعبيد الله بن عدي بن الْخِيَار ثمَّ سعيد بن الْمسيب وأمثالهما إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم

اعْلَم أَن هَذَا الَّذِي ذكره أَخذه من كَلَام أبي عمر بن عبد الْبر فَإِنَّهُ قَالَ هَذَا الِاسْم وَاقع بِالْإِجْمَاع على حَدِيث التَّابِعِيّ الْكَبِير عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مثل أَن يَقُول عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار أَو أَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف أَو عبد الله بن

ص: 439

عَامر بن ربيعَة وَمن كَانَ مثلهم قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكَذَلِكَ من دون هَؤُلَاءِ كسعيد بن الْمسيب وَسَالم بن عبد الله وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَمن كَانَ مثلهم وَكَذَلِكَ عَلْقَمَة بن قيس ومسروق بن الأجدع وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَمن كَانَ مثلهم الَّذين صَحَّ لَهُم لِقَاء جمَاعَة من الصَّحَابَة ومجالستهم وَنَحْوه مُرْسل من هُوَ دونهم كَحَدِيث ابْن شهَاب وَقَتَادَة وَأبي حَازِم وَيحيى بن سعيد عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم يُسمى مُرْسلا كمرسل كبار التَّابِعين

وَقَالَ آخَرُونَ حَدِيث هَؤُلَاءِ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم يُسمى مُنْقَطِعًا لأَنهم لم يلْقوا من الصَّحَابَة إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَأكْثر روايتهم عَن التَّابِعين انْتهى

وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لِأَنِّي رَأَيْت كثيرا من النَّاس يتوهمون أَن ابْن الصّلاح أَبُو عذرة هَذَا القَوْل ويوجهون الْمُؤَاخَذَة عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك

ص: 440

إِذا علمت هَذَا فَفِيهِ أُمُور

أَحدهَا أَن تَعْرِيفه الْمُرْسل بِمَا يرويهِ التَّابِعِيّ منقوض بِمَا لَو سمع كَافِر من النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَدِيثا ثمَّ أسلم بعد وَفَاة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَرَوَاهُ بقوله قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ تَابِعِيّ لِأَنَّهُ لم يكن مُؤمنا عِنْد الرُّؤْيَة مَعَ أَن حَدِيثه مُسْند قطعا لَيْسَ بمرسل إِذْ حكمه حكم الْمسند لَا حكم الْمُرْسل وعَلى هَذَا يلغز فَيُقَال تَابِعِيّ يَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَذَا وَهُوَ مُسْند لَا مُرْسل

وَقد يُجَاب عَن هَذَا النَّقْض بالعناية بكلامهم وَأَن مُرَادهم بالتابعي من لم يلق النَّبِي صلى الله عليه وسلم أصلا وَهَذَا حكمه حكم التَّابِعِيّ لَا أَنه تَابِعِيّ حَقِيقَة لوُجُود الرِّوَايَة إِلَّا أَنه فَاتَ شَرطهَا وَنحن إِنَّمَا نرد الْمُرْسل لجَهَالَة الْوَاسِطَة وَهِي هَا هُنَا مفقودة

الثَّانِي تَمْثِيل أبي عمر أَولا بعبيد الله بن عدي وموافقة ابْن الصّلاح لَهُ قد رد بِأَن عبيد الله هَذَا ذكره جمَاعَة فِي الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن مَنْدَه وَابْن حبَان [و]

ص: 441

كَذَلِك أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب قَالَ إِنَّه ولد على عهد النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنه لم يذكر لَهُ سَمَاعا من النَّبِي صلى الله عليه وسلم

وَجَوَابه أَن المصنفين فِي الصَّحَابَة إِنَّمَا ذكرُوا ذَلِك فِيهِ وَفِي أقرانه بِاعْتِبَار وجوده فِي زمن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلم يُرِيدُوا أَنه صَحَابِيّ لِأَن حد الصَّحَابِيّ لَا ينطبق عَلَيْهِ وَلِهَذَا ذكره خلق فِي جملَة التَّابِعين مِنْهُم الْحَاكِم وَكَذَا المُصَنّف فِيمَا سَيَأْتِي أَن من ولد فِي زمن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلم يسمع مِنْهُ يعد فِي طَبَقَات التَّابِعين وَكَذَا تمثيله

ص: 442

بِأبي أُمَامَة بن سهل وَبِعَبْد الله بن عَامر مَعَ ذكره لَهما فِي كتب الصَّحَابَة إِلَّا أَن عبد الله بن عَامر مَاتَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (د 43) وَله أَربع سِنِين أَو خمس وَلِهَذَا لما أخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّمَا رويا لَهُ عَن أَبِيه عَامر وَعَن عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعَائِشَة وروى لَهُ أَبُو دَاوُد عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَبُو أُمَامَة ولد فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ سَمَّاهُ وَهُوَ صَحَابِيّ صَغِير وَكَذَا عبد الله بن عَامر ومحمود بن الرّبيع وَأَبُو الطُّفَيْل والسائب بن يزِيد وَغَيرهم

ص: 443

الثَّالِث لَيْسَ المُرَاد بقوله قَالَ رَسُول الله (أ 67) صلى الله عليه وسلم حصره فِيهِ بل لَو ذكر فعل النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ مُرْسلا

الرَّابِع أَن تَقْيِيده التَّابِعِيّ بالكبير لأجل مَحل الْإِجْمَاع وَإِلَّا فقد قَالَ بعد ذَلِك الْمَشْهُور التَّسْوِيَة بَين جَمِيع التَّابِعين أَي صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ ويقابل الْمَشْهُور أَن مُرْسل صغارهم لَا يعد مُرْسلا بل مُنْقَطِعًا كَمَا حَكَاهُ بعد عَن ابْن عبد الْبر

128 -

(قَوْله) إِذا انْقَطع الْإِسْنَاد قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ فَكَانَ فِيهِ رِوَايَة راو لم يسمع من الْمَذْكُور فَوْقه الَّذِي قطع بِهِ الْحَاكِم وَغَيره أَنه لَا يُسمى مُرْسلا إِلَى آخِره

وَمَا حَكَاهُ عَن الْحَاكِم هُوَ كَذَلِك فِي عُلُوم الحَدِيث لَهُ قَالَ إِن مُرْسل أَتبَاع التَّابِعين عندنَا معضل لكنه خَالف ذَلِك فِي كِتَابه الْمدْخل فَلم يخص الْمُرْسل بالتابعي فَقَالَ إِنَّه قَول التَّابِعِيّ أَو تَابع التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبَينه وَبَين الرَّسُول قرن أَو قرنان وَلَا يذكر سَمَاعه من الَّذِي سَمعه هَذَا لَفظه

وَكَذَا ذكره الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة

ص: 444

وَحَاصِله أَنه إِذا انْقَطع الْإِسْنَاد قبل الْوُصُول إِلَى الصَّحَابِيّ بِوَاحِد أَو أَكثر فَقَالَ الْحَاكِم وَغَيره من الْمُحدثين لَا يُسمى مُرْسلا بل إِن سقط قبل التَّابِعِيّ بِوَاحِد فمنقطع أَو بِأَكْثَرَ فمعضل ومنقطع أَيْضا ثمَّ نقل عَن غَيره أَن كل ذَلِك مُرْسل

وَمَا حَكَاهُ عَن الْحَاكِم ذكر الْحَافِظ أَبُو عَمْرو الْمُقْرِئ أَنه مَذْهَب عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَجَمَاعَة وَاخْتَارَهُ وَجرى عَلَيْهِ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور فَقَالَ الْمُرْسل مَا سقط من إِسْنَاده وَاحِد فَإِن سقط أَكثر من وَاحِد [فَهُوَ] معضل

وَحَكَاهُ ابْن السَّمْعَانِيّ عَن أَصْحَاب الحَدِيث وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان قد سمى الْأُسْتَاذ أَبُو بكر بن فورك قَول التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقَول تَابِعِيّ التَّابِعِيّ قَالَ الصَّحَابِيّ مُنْقَطِعًا وسمى ذَلِك الْوَاسِطَة على الْإِجْمَال مُرْسلا مثل أَن يَقُول التَّابِعِيّ سَمِعت رجلا يَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ وَفِي كَلَام الشَّافِعِي إِشَارَة إِلَيْهِ

وَمَا نَقله عَن الْأُصُولِيِّينَ حَكَاهُ أَبُو عَمْرو عَن عَامَّة الْكُوفِيّين وَجزم بِهِ

ص: 445

أَبُو الْحُسَيْن بن الْقطَّان من قدماء أَصْحَابنَا فِي أصُول الْفِقْه فَقَالَ الْمُرْسل هُوَ أَن يروي بعض التَّابِعين عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم خَبرا أَو يروي رجل عَمَّن لم يره وَلم يكن فِي زَمَانه هَذَا لَفظه

وَفِي نقل ذَلِك عَن الْأُصُولِيِّينَ مَا يُعْطي أَن جُمْهُور الْمُحدثين على خِلَافه وَقد يُقَال إِنَّه مَذْهَب إِمَام الصَّنْعَة البُخَارِيّ وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد فقد قَالَ فِي تَارِيخه الْكَبِير فِي حَدِيث عون بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الستبيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود هَذَا مُرْسل عون لم يدْرك ابْن مَسْعُود

قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا لَيْسَ بِمُتَّصِل وَهُوَ يُوَافق كَلَام الْحَاكِم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي حَدِيث قَتَادَة عَن سُلَيْمَان الْيَشْكُرِي عَن جَابر من كَانَ لَهُ شريك فِي

ص: 446

حَائِط ح هَذَا لَيْسَ بِمُتَّصِل

سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول سُلَيْمَان الْيَشْكُرِي يُقَال إِنَّه مَاتَ فِي حَيَاة جَابر وَلم يسمع مِنْهُ قَتَادَة

وَقَالَ أَبُو دَاوُد أَيْضا - فِي حَدِيث خَالِد بن دريك عَن عَائِشَة فِي الْعَوْرَة - هَذَا حَدِيث مُرْسل لم يسمع خَالِد مِنْهَا

ص: 447

وَكتاب الْمَرَاسِيل لأبي دَاوُد يفصح بِتَسْمِيَة هَذَا النَّوْع مُرْسلا

وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث مَكْحُول عَن عبَادَة بن الصَّامِت سَأَلنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هَل تقرؤون معي وَأَنا أُصَلِّي ح قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه هَذَا مُرْسل

وسمى أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي مستخرجه التَّعْلِيق والمنقطع مُرْسلا

وَاعْلَم أَن الْمَشْهُور عِنْد الْأُصُولِيِّينَ أَن الْمُرْسل هُوَ قَول من لم يلق النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَوَاء التَّابِعِيّ أم تَابِعِيّ التَّابِعِيّ فَمن بعده وَلِهَذَا قَالَ ابْن الْحَاجِب الْمُرْسل قَول غير الصَّحَابِيّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَحِينَئِذٍ فَهَذَا لَا يَشْمَل سُقُوط رجل قبل التَّابِعِيّ وَلَا سُقُوطه (أ 68) مَعَ التَّابِعِيّ إِذا ذكر الصَّحَابِيّ

وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَأما الْمُرْسل فَهُوَ عِنْد الْفُقَهَاء والأصوليين والخطيب الْبَغْدَادِيّ وَجَمَاعَة من الْمُحدثين مَا انْقَطع إِسْنَاده على أَي وَجه كَانَ انْقِطَاعه فَهُوَ عِنْدهم بِمَعْنى الْمُنْقَطع

وَقَالَ جماعات من الْمُحدثين أَو أَكْثَرهم لَا يُسمى مُرْسلا إِلَّا مَا أخبر فِيهِ

ص: 448

التَّابِعِيّ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم انْتهى

وَمَعْنَاهُ أَن الْأُصُولِيِّينَ وَمن مَعَهم لم يفرقُوا بَين المعضل والمرسل والمنقطع بل قَالُوا الثَّلَاثَة قَول من لم يلق النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقد تقدمهم الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأطلق الْمُنْقَطع على الْمُرْسل وَأكْثر الْمُحدثين فرق فَجعل الْمُرْسل قَول التَّابِعِيّ والمنقطع قَول تَابِعِيّ التَّابِعِيّ والمعضل قَول من بعد التَّابِعِيّ

وَقَالَ صَاحب الاقتراح الْمُرْسل الْمَشْهُور فِيهِ أَنه مَا سقط من منتهاه ذكر الصَّحَابِيّ بِأَن يَقُول التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَإِن سقط اثْنَان فَهُوَ المعضل قَالَ وَقد يُطلق القدماء الْمُرْسل على مَا سقط مِنْهُ رجل مُطلقًا انْتهى

فَاشْترط فِي الْمُرْسل سُقُوط الصَّحَابِيّ بِكُل تَقْدِير

وَمَا نَقله عَن الْخَطِيب أبي بكر فعبارة الْخَطِيب لَا خلاف بَين أهل الْعلم أَن إرْسَال الحَدِيث الَّذِي لَيْسَ بمدلس هُوَ رِوَايَة الرَّاوِي عَمَّن لم يعاصره أَو لم يلقه كَرِوَايَة ابْن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَقَتَادَة وَغَيرهم من التَّابِعين عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وبمثابته فِي

ص: 449

غير التَّابِعين كَمَا لَك عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَذَا من أرسل وحديثا عَن شيخ لقِيه وَلم يسمع ذَلِك الحَدِيث مِنْهُ وَسمع مِنْهُ مَا عداهُ انْتهى

وَرجح بَعضهم قَول الْحَاكِم على قَول الْخَطِيب بِوَجْهَيْنِ

أَحدهمَا أَن لفظ الْمُرْسل إِنَّمَا أَطْلقُوهُ حَقِيقَة على مَا رَوَاهُ التَّابِعِيّ دون ذكر الصَّحَابِيّ أما مَا رَوَاهُ من دون التَّابِعِيّ بمرتبة أَو مرتبتين فَإِنَّمَا هُوَ مجَاز

الثَّانِي أَن الْخلاف فِي قبُول الْمُرْسل إِنَّمَا يَأْتِي على قَول الْحَاكِم أما على قَول الْخَطِيب فَلَا يبْقى الْخلاف مِنْهُم لاندراج الْمُنْقَطع والمعضل فِي تَعْرِيف الْمُرْسل على قَوْله إِلَّا بعد الاستفسار عَن الْمُرْسل لِأَن الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة التَّابِعِيّ لَا فِي الْمُنْقَطع والمعضل فَيكون الْخلاف فِي بعض أَنْوَاع الْمُرْسل لَا مُطلقًا وَهُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقهم (د 44)

129 -

(قَوْله) الثَّانِيَة قَول الزُّهْرِيّ وَأبي حَازِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وأشباههم من أصاغر التَّابِعين قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى آخِره

ص: 450

فِيهِ أُمُور

أَحدهَا قد سبق أَن هَذَا كَلَام ابْن عبد الْبر وَكتب المُصَنّف بِخَطِّهِ على الْحَاشِيَة قَوْله الْوَاحِد والاثنين كالمثال فِي قلَّة ذَلِك وَإِلَّا فالزهري قد قيل إِنَّه رأى عشرَة من الصَّحَابَة وَسمع مِنْهُم أنسا وَسَهل بن سعد والسائب بن يزِيد ومحمود بن الرّبيع وسنينا أَبَا جميلَة وَغَيرهم وَمَعَ ذَلِك اكثر رِوَايَته عَن التَّابِعين انْتهى

قلت ذكر ابْن منجويه أَنه رأى عشرَة مِنْهُم وَمن الصَّحَابَة الَّذين سمع مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر وَرَبِيعَة بن عباد - بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة - وَعبد الله بن ثَعْلَبَة بن صعير - بِضَم الصَّاد وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ - وَأَبُو الطُّفَيْل وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة وَأَبُو أُمَامَة أسعد بن سهل بن حنيف - بِضَم الْحَاء - وَرجل من بلي - بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر اللَّام - وَكلهمْ صحابة

ص: 451

وَاخْتلفُوا فِي سَمَاعه من ابْن عمر فأثبته عَليّ بن الْمَدِينِيّ ونفاه الْجُمْهُور وَقيل روى عَنهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي الْعِلَل قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ سمع من ابْن عمر حديثين فِيمَا حَدثنَا بِهِ عبد الرَّزَّاق وَلم يحفظهما عبد الرَّزَّاق إِلَّا أَنه ذكر عَن الزُّهْرِيّ أَنه شهد ابْن عمر مَعَ الْحجَّاج (بِعَرَفَات)(أ 69) وَقَالَ إِنَّه رَآهُ وَلم يسمع مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن أبي حَاتِم قَالَ وَرَأى عبد الله بن جَعْفَر وَلم يسمع مِنْهُ وَقَالَ مُحَمَّد بن سيد النَّاس فِي كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَامَّة الْعلمَاء لَا يثبتون لَهُ سَمَاعا من ابْن عمر على تَأَخّر مُدَّة ابْن عمر وَكَونه مَعَه بِالْمَدِينَةِ

وَاخْتلفُوا فِي سَمَاعه من عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر فنفاه أَحْمد بن صَالح وَالنَّسَائِيّ فِيمَا حَكَاهُ ابْن دحْيَة وأثبته عبد الرَّزَّاق وَغَيره

قَالَ ابْن عبد الْبر وَهُوَ أروى النَّاس عَنهُ ذكره فِي تَرْجَمته من كتاب

ص: 452

الصَّحَابَة [و] قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كتاب الْعِلَل قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل مَا أرَاهُ سمع من عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر إِنَّمَا يَقُول الزُّهْرِيّ كَانَ عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر يحدث فَيَقُول معمر وَأُسَامَة سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر وَلم يصنعا عِنْدِي شَيْئا وَقد أَدخل بَينه وَبَينه طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف

[وَكَذَلِكَ اخْتلف فِي سَمَاعه من] أبان بن عُثْمَان فأثبته مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي وَأنْكرهُ الْجُمْهُور مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة الرازيان حَكَاهُ فِي علله وَذكر أَن أَحْمد بن حَنْبَل نقل الإتفاق عَلَيْهِ وَأَنه قد أَدخل بَينه وَبَينه عبد الله بن أبي بكر

ص: 453

وَيَقُول بَلغنِي أَن أبان سمع من الحكم ذكره ابْن أبي حَاتِم

وَعبد الله بن سَنَد ذكره أَبُو نعيم وعبد الله بن الزبير وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَأم عبد الله الدوسية وَأَبُو رهم ومروان بن الحكم وَتَمام بن الْعَبَّاس

قَالَ الْآجُرِيّ سَأَلت أَبَا دَاوُد يعد من لَقِي الزُّهْرِيّ من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم فعد ابْن عمر وَسَهل بن سعد وَأنس بن مَالك وسنينا أَبَا جميلَة والسائب بن يزِيد وَأَبا أُمَامَة بن سهل ومحمود بن الرّبيع ورجلا من بلي وَعَمْرو بن أبي سَلمَة إِلَّا أَن أَبَا ضَمرَة يدْخل بَينهمَا رجلا وثعلبة بن أبي صعير وَعبد الرَّحْمَن بن

ص: 454

الْأَزْهَر قلت لَهُ ابْن عبد الْقَارِي قَالَ لَا هَذَا أُتِي بِهِ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صَغِير قلت ثَعْلَبَة ابْن أبي مَالك قَالَ سَأَلت أَحْمد بن صَالح عَن ثَعْلَبَة بن أبي مَالك أَله صُحْبَة قَالَ لَا قلت فَابْن الزبير

قَالَ لَا قَالَ وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن أبي وَقاص انْتهى

وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه عوالي التَّابِعين أدْرك نَحوا من عشْرين نفسا من الصَّحَابَة وَادّعى الْحَاكِم أَن الزُّهْرِيّ من كبار التَّابِعين وَلَعَلَّ مُرَاده من كبارهم فِي الْعلم

وَفِي بعض مَا سبق نظر فَإِن مَرْوَان بن الحكم لَا يَصح لَهُ سَماع من النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَبا رهم إِن أُرِيد بِهِ الْغِفَارِيّ كُلْثُوم بن الْحصين فَلم يسمع الزُّهْرِيّ مِنْهُ وَإِنَّمَا روى عَن رجل عَنهُ وَفِي رِوَايَة عَن رجلَيْنِ عَنهُ وَذَلِكَ فِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير وَإِن

ص: 455

أُرِيد بِهِ الأرحبي فَلَا يعرف لِلزهْرِيِّ رِوَايَة عَنهُ وَفِي الْمَذْكُورين من ولد فِي عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

ص: 456

وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ مِمَّا حَكَاهُ عَنهُ ابْنه فِي الْعِلَل لَا يثبت لَهُ سَماع من الْمسور بن مخرمَة فَدخل بَينه وَبَينه سُلَيْمَان بن يسَار

وَقَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن سيد النَّاس فِي كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد لم يسمع مِنْهُ وَلَا يرى أَنه لقِيه لِأَن الْمسور خرج من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة وَقت مقتل عُثْمَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمَات سنة أَربع وَسِتِّينَ أَصَابَهُ وَهُوَ مقبل حجر المنجنيق وَابْن شهَاب إِذْ ذَاك ابْن عشر أَو اثْنَتَيْ عشرَة

وَالزهْرِيّ لم يكن إِذْ ذَاك يطْلب هَذَا الْعلم قَالَ وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا من يَقُول

ص: 457

إِنَّه رأى الْمسور فضلا عَن أَن يكون روى عَنهُ وَلَعَلَّ مُرَاد ابْن عبد الْبر بقوله لم يلْقوا من الصَّحَابَة أَي المكثرين

الثَّانِي أَن مُنَازعَة ابْن الصّلاح لَهُ فِي الزُّهْرِيّ خَاصَّة تَقْتَضِي مُوَافَقَته على التَّمْثِيل بِيَحْيَى وَأبي حَازِم وَفِيه مَا سبق فَإِن أَبَا حَازِم الْأَشْجَعِيّ سلمَان مولى عزة روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَذكر عبد الْغَنِيّ وَغَيره (أ 70) أَنه سمع من أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن الزبير وَالْحسن بن عَليّ وَأما يحيى بن سعيد فقد سمع أنسا والسائب بن يزِيد وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة وَأَبا أُمَامَة سهل بن

ص: 458

حنيف وَتقدم أَن ابْن عبد الْبر مثل بقتادة وَهُوَ قد سمع أنسا وَعبد الله بن سرجس وَأَبا الطُّفَيْل وهم صحابة فَلَا تصح دَعْوَى أَنه مِمَّن لم يلق مِنْهُم إِلَّا الْوَاحِد والاثنين

الثَّالِث قَوْله إِن هَذَا الْمَذْهَب فرع لمَذْهَب من لم يسم الْمُنْقَطع قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ مُرْسلا إِلَى آخِره فِيهِ نظر بل هُوَ أصل يتَفَرَّع عَلَيْهِ أَنه يُسمى الْمُنْقَطع قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ مُرْسلا

130 -

(وَقَوله) الْمَشْهُور التَّسْوِيَة بَين التَّابِعين وَغَيرهم

هُوَ خلاف نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة أَنه لَا يقبل إِلَّا مُرْسل كبار التَّابِعين دون صغارهم

131 -

(قَوْله) الثَّالِثَة إِذا قيل فِي الْإِسْنَاد فلَان عَن رجل أَو عَن شيخ عَن فلَان إِلَى آخِره

فِيهِ أُمُور

أَحدهَا مَا نَقله عَن الْحَاكِم لم يَنْقُلهُ على وَجهه فَإِنَّهُ شَرط فِي كَونه مُنْقَطِعًا

ص: 459

أَن لَا يُسمى ذَلِك الشَّيْخ من طَرِيق آخر فَإِن سمي لم يكن مُنْقَطِعًا انْتهى

فأخل ابْن الصّلاح من كَلَامه بِهَذَا الْقَيْد وَحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُسَمِّيه مُرْسلا وَلَا يلْزم من تَسْمِيَته مُنْقَطِعًا أَن لَا يكون مُرْسلا إِلَّا أَنه صرح فِي مَوضِع آخر بالمغايرة بَين الْمُرْسل والمنقطع

وَأما إِذا سمي الْمَجْهُول من طَرِيق آخر فمجموع الطَّرِيقَيْنِ لَا يُسمى مُنْقَطِعًا وَفِي هَذَا جَوَاب عَن إخلال المُصَنّف بِهَذَا الْقَيْد

الثَّانِي مَا نسبه لبَعض المصنفات فِي أصُول الْفِقْه أَرَادَ بِهِ كتاب الْبُرْهَان لإِمَام الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ / د 45 / وَقَول الرَّاوِي أَخْبرنِي رجل أَو عدل موثوق بِهِ من الْمُرْسل أَيْضا قَالَ وَكَذَلِكَ كتب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الَّذِي لم يسم حاملها وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب الْمَحْصُول فَقَالَ إِذا سمى الرَّاوِي الأَصْل باسم لَا يعرف بِهِ فَهُوَ كالمرسل

ونازعه الأبياري فِي شرح الْبُرْهَان وَقَالَ هَذَا مَرْدُود بِلَا خلاف وَلَا يَأْتِي

ص: 460

فِيهِ الْخلاف فِي قبُول الْمُرْسل إِلَّا أَن يكون قابله لَا يروي إِلَّا عَن عدل فَلَا فرق حِينَئِذٍ بَين أَن يَقُول حَدثنِي رجل وحَدثني عدل موثوق بِهِ ونفيه الْخلاف فِيهِ مَرْدُود وَقد ذكر أَبُو عَليّ الغساني - من أَئِمَّة الحَدِيث - أَنه نوع من الْمُرْسل [وَهُوَ] قَضِيَّة صَنِيع أبي دَاوُد فِي كتاب الْمَرَاسِيل

الثَّالِث حَاصِل مَا حَكَاهُ فِي الْمَسْأَلَة مذهبان وأهمل ثَالِثا وَهُوَ أَنه مُتَّصِل لِأَنَّهُ لم يَنْقَطِع لَهُ سَنَد وَلَكِن فِي إِسْنَاده مَجْهُول كَمَا لَو سمي ذَلِك الرَّاوِي وَجَهل حَاله وَحَكَاهُ الْحَافِظ رشيد الدّين الْقرشِي فِي كتاب الْغرَر الْمَجْمُوعَة عَن الْأَكْثَر من عُلَمَاء الرِّوَايَة وأرباب النَّقْل

وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ صَلَاح الدّين العلائي فِي كتاب جَامع التَّحْصِيل

الرَّابِع إِن صُورَة الْمَسْأَلَة أَن يَقع ذَلِك من غير التَّابِعِيّ أما لَو قَالَ التَّابِعِيّ عَن

ص: 461

رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَيقبل لِأَن الصَّحَابَة عدُول كلهم فَلَا يضر الْجَهْل بأعيانهم نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْأَثْرَم عَنهُ وَبِه جزم أَئِمَّة الحَدِيث وَالْأُصُول وَلَا يتَّجه فِيهِ خلاف

وَأما مَا وَقع فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ فِي إِلْحَاقه بالمرسل فَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن مُرَاده بِهِ فِي التَّسْمِيَة لَا فِي نفي الِاحْتِجَاج وَقد صرح بذلك فِي الْمعرفَة فِي الْكَلَام على الْقِرَاءَة خلف الإِمَام وَبِه يعرف بطلَان اعْتِرَاض صَاحب الدّرّ النقي عَلَيْهِ

ص: 462

فِي ذَلِك

نعم شَرط الصَّيْرَفِي فِي قبُوله تحقق سَمَاعه مِنْهُ بِأَن يَقُول سَمِعت رجلا فَأَما لَو قَالَ عَن رجل من الصَّحَابَة فَلَا يقبل (أ / 71) لِأَنِّي لَا أعلم سمع التَّابِعِيّ من ذَلِك الرجل أم لَا إِذْ التَّابِعِيّ قد يحدث عَن رجل أَو رجلَيْنِ عَن الصَّحَابِيّ وَلَا أَدْرِي هَل أمكن لِقَاء ذَلِك الرجل أم لَا قَالَ فَلَو علمت إِمْكَانه لجعلته كمدرك الْعَصْر وَقَالَ فِي مدرك الْعَصْر إِنَّه على عدم السماع حَتَّى يتَحَقَّق سَمَاعه مِنْهُ

قلت وَيَنْبَغِي مَجِيء الْخلاف بَين البُخَارِيّ وَمُسلم فِي هَذِه الصُّورَة

132 -

(قَوْله) ثمَّ اعْلَم أَن حكم الْمُرْسل حكم الضَّعِيف إِلَّا أَن يَصح مخرجه بمجيئه من وَجه آخر كَمَا سبق بَيَانه فِي نوع الْحسن

ص: 463

فِيهِ أُمُور

أَحدهَا أَن مَا ذكره هُنَا من أَن حكم الْمُرْسل حكم الضَّعِيف قد يُعَارضهُ قَوْله فِي الْفَائِدَة السَّادِسَة من النَّوْع الأول وَيَنْبَغِي أَن نقُول مَا كَانَ من ذَلِك وَنَحْوه بِلَفْظ فِيهِ جزم وَحكم إِلَى قَوْله فَلَنْ يستجيز إِطْلَاق ذَلِك إِلَّا إِذا صَحَّ عِنْده ذَلِك عَنهُ لِأَن ذَلِك الدَّلِيل يتَحَقَّق فِي إرْسَال كل عدل من التَّابِعين وَمن يحذو حذوهم فَإِن قيل إِنَّمَا قَالَ المُصَنّف ذَلِك فِي حق البُخَارِيّ بِنَاء على مَا نقل عَنهُ أَنه قَالَ لَا يُورد فِي كِتَابه إِلَّا الصَّحِيح وَمَا كل أحد الْتزم ذَلِك فَلَا يرد ذَلِك الدَّلِيل مِنْهُ فأجبت عَنهُ بِوُجُوه

أَحدهَا أَن الْقَيْد لَيْسَ فِي كَلَام المُصَنّف فِي تَقْرِير ذَلِك الدَّلِيل

الثَّانِي أَن صِحَة ذَلِك الدَّلِيل دعامة لَا يتَوَقَّف على كَون الْجَازِم مِمَّن صرح بِاللَّفْظِ بِالْتِزَام أَفْرَاد الصَّحِيح فِي كِتَابه عَن أحد فِي عدُول الْمُسلمين وَلم يُصَرح بِالْتِزَام ذَلِك

الثَّالِث أَن حكم المُصَنّف على البُخَارِيّ بِعَدَمِ استجازته الْجَزْم الْمَذْكُور إِن كَانَ بِاعْتِبَار تصريحه بِالْتِزَام الصَّحِيح فِي كِتَابه لَا ينْقض حكمه بقوله فِي تِلْكَ الْفَائِدَة أَيْضا وَأما مَا لم يكن فِي لَفظه جزم وَحكم مثل رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى آخر

ص: 465

كَلَامه لِأَنَّهُ إِذا كَانَ حكم المُصَنّف بعد استجازة البُخَارِيّ ذَلِك الْإِطْلَاق بِنَاء على الْتِزَام البُخَارِيّ إِيرَاد الصَّحِيح فِي كِتَابه بِهَذِهِ الْعبارَة وَهِي روى وَغَيرهَا أَيْضا لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْتِزَامه إِيرَاد الصَّحِيح فِي كِتَابه مُوجبا لعدم استجازته إِيرَاد غير الصَّحِيح لزم أَن لَا يستجيز أَن يَقُول رُوِيَ عَن فلَان كَذَا إِلَّا إِذا ثَبت عِنْده أَن تِلْكَ الرِّوَايَة صَحِيحَة والمروي بهَا صَحِيح وَإِلَّا كَانَ مُخَالفا لما الْتَزمهُ

الثَّانِي أَن قَوْله إِلَّا أَن يَصح مخرجه بمجيئه من وَجه أطلق ذَلِك الْوَجْه الآخر وَقَالَ صَاحب الْمَحْصُول يتقوى بِهِ وَإِن كَانَ ضَعِيفا لَكِن ظَاهر نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة يَقْتَضِي اشْتِرَاط صِحَة ذَلِك السَّنَد فَإِنَّهُ قَالَ ينظر إِلَى مَا أرسل من الحَدِيث فَإِن شركه فِيهِ حفاظ مأمونون فاسندوه إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِمثل معنى مَا روى كَانَت هَذِه دلَالَة على صِحَة من قبل عَنهُ وَحفظه انْتهى

الثَّالِث أَن الَّذِي سبق فِي الْمَوْضُوع الْمَذْكُور حِكَايَة نَص الشَّافِعِي فِي مَرَاسِيل

ص: 466

التَّابِعين أَنه يقبل مِنْهَا الْمُرْسل الَّذِي جَاءَ نَحوه مُسْند وَكَذَلِكَ لَو وَافقه مُرْسل آخر أرْسلهُ من أَخذ الْعلم عَن غير رجال التَّابِعِيّ الأول وَقَضيته أَن الشَّافِعِي يقبل مُطلق الْمُرْسل إِذا تَأَكد بِمَا ذكره وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا يقبل مَرَاسِيل كبار التَّابِعين إِذا تأكدت بالشرطين الْمَذْكُورين فِي كَلَامه هَكَذَا نَص عَلَيْهِ فِي الرسَالَة وَنَقله الْبَيْهَقِيّ فِي مدخله والخطيب فِي كِفَايَته وسنذكره

الرَّابِع أَن كَلَامه صَرِيح فِي أَنه لَا يحْتَج بالمرسل إِلَّا فِي حَالَة وَاحِدَة وَهُوَ أَن يَصح مخرجه لمجيئه من وَجه آخر وَلَيْسَ كَذَلِك بل يحْتَج بِهِ فِي مَوَاضِع ذكرهَا الشَّافِعِي فِي الرسَالَة مرتبَة فَقَالَ رضي الله عنه الْمُنْقَطع (أ / 72) يخْتَلف فَمن شَاهد أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فروى حَدِيثا مُنْقَطِعًا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم اعْتبر عَلَيْهِ بِأُمُور مِنْهَا أَن ينظر إِلَى مَا أرسل من الحَدِيث فَإِن شركه الْحفاظ المأمونون فَأَسْنَدُوهُ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِمثل معنى مَا روى كَانَت هَذِه دلَالَة [وَاضِحَة] على صِحَة من قبل عَنهُ وَحفظه

وَإِن انْفَرد بِهِ مُرْسلا لم يشركهُ فِيهِ من بعده قبل مَا ينْفَرد بِهِ من ذَلِك وَيعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن ينظر هَل يُوَافقهُ مُرْسل آخر فَإِن وجد ذَلِك قوي وَهِي أَضْعَف من الأولى وَإِن لم يُوجد ذَلِك نظر إِلَى بعض مَا روى عَن بعض الصَّحَابَة قولا لَهُ فَإِن وجدنَا مَا يُوَافق مَا روى عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَت شاهدة دلَالَة على أَنه لم يَأْخُذ

ص: 467

مرسله إِلَّا عَن أصل يَصح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ إِن وجد عوام من أهل الْعلم يفتون بِمثل [معنى] مَا روى ثمَّ يعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن يكون إِذا سمى من روى عَنهُ لم يسم مَجْهُولا وَلَا واهيا فيستدل بذلك على صِحَّته وَيكون (د / 46) إِذا شرك أحدا من الْحفاظ فِي حَدِيث لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه وَوجد حَدِيثه أنقص كَانَ فِي هَذِه دَلَائِل على صِحَة مخرج حَدِيثه وَمن خَالف مَا وصفت أضرّ بحَديثه حَتَّى لَا يسع أحدا قبُول مرسله قَالَ وَإِذا وجدت الدَّلَائِل بِصِحَّة حَدِيثه بِمَا وصفت أحببنا أَن نقبل مرسله وَلَا نستطيع أَن نزعم أَن الْحجَّة تثبت بِهِ ثُبُوتهَا بالمتصل وَذَلِكَ أَن بعض المنقطعات وَإِن وَافقه مُرْسل مثله فقد يحْتَمل أَن يكون مخرجها وَاحِدًا من حَيْثُ لَو سمي لم يقبل وَأَن [قَول] بعض الصَّحَابَة إِذا قَالَ بِرَأْيهِ لَو وَافقه (لم يدل على صِحَة) مخرج الحَدِيث دلَالَة قَوِيَّة إِذا نظر فِيهَا وَيُمكن أَن يكون إِنَّمَا غلط بِهِ حِين سمع قَول بعض الصَّحَابَة يُوَافقهُ

ص: 468

قَالَ فَأَما من بعد كبار التَّابِعين فَلَا أعلم أحدا يقبل مرسله لأمور

أَحدهَا أَنهم أَشد تجوزا فِيمَن يروون عَنهُ

وَالْآخر أَنه تُوجد عَلَيْهِم الدَّلَائِل فِيمَا أرْسلُوا لضعف مخرجه

وَالْآخر كَثْرَة الإحالة فِي الْأَخْبَار فَإِذا كثرت الإحالة فِي الْأَخْبَار كَانَ أمكن للوهم وَضعف من يقبل عَنهُ انْتهى كَلَامه بنصه من الرسَالَة

وَقد حَكَاهُ كَذَلِك الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَنهُ فِي كتاب الْمدْخل وَقد تضمن الِاحْتِجَاج بالمرسل فِي مَوَاضِع

أَحدهَا مَجِيئه مُسْندًا من وَجه آخر وَأَنه لَا بُد أَن يكون الطَّرِيق إِلَيْهِ صَحِيحا خلافًا لما وَقع فِي الْمَحْصُول

وَثَانِيها أَن يُوَافقهُ مُرْسل آخر أرْسلهُ من أَخذ الْعلم عَن غير رجال التَّابِعِيّ الأول

وَهَذَانِ الموضعان اقْتصر ابْن الصّلاح على حكايتهما عَن نَص الشَّافِعِي فِي التَّنْبِيه الأول من الْكَلَام [على] الْحسن فَاقْتضى كَلَامه ثمَّ أَن الشَّافِعِي يُسَوِّي بَينهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمَنْصُوص فِي الرسَالَة كَمَا سقناه أَن الْمُرْسل الَّذِي يُوَافقهُ

ص: 469

مُرْسل آخر أَضْعَف من الَّذِي وَافقه مُسْند وَهُوَ وَاضح

ثَالِثهَا أَن يعضده قَول بعض الصَّحَابَة وَصرح الشَّافِعِي بِأَن هَذَا أَضْعَف من الَّذِي قبله وَأَنه يدل على أَنه لم يَأْخُذ مرسله إِلَّا عَن أصل يَصح

رَابِعهَا أَن يعضده قَول جمع من أهل الْعلم وَلم يفصل بَين أَن يتَبَيَّن أَن يكون مستندهم أم لَا وَلَو قيل بالتفصيل لم يبعد

خَامِسهَا أَن يكون مرسله لَو سمى من روى عَنهُ لَا يُسَمِّي مَجْهُولا وَلَا ضَعِيفا فيستدل بذلك على صِحَة مَا روى مُرْسلا وَهَذَا من أحسن مَا يُقَال فِي الْمُرْسل وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن رِوَايَة الثِّقَة عَن غَيره تَعْدِيل لَهُ إِذا كَانَ من عَادَته لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة وَهُوَ أصح الْأَقْوَال

سادسها أَن يكون إِذا شَارك أحدا من الْحفاظ فِي حَدِيث لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه وَوجد حَدِيثه أنقص كَانَ دَلِيلا على صِحَة مخرج حَدِيثه وَأَن لَهُ أصلا فَإِن هَذَا يدل على حفظه وتحريه بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت مُخَالفَته بِزِيَادَة فَإِنَّهُ يُوجب التَّوَقُّف فِيهِ وَالِاعْتِبَار

وَمن هُنَا (أ / 73) يُؤْخَذ أَن كَلَام الشَّافِعِي يرى أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة لَيست مَقْبُولَة مُطلقًا كَمَا ظَنّه بَعضهم فَإِنَّهُ اعْتبر أَن يكون حَدِيث هَذَا الْمُخَالف أنقص من حَدِيث من خَالفه وَلم يعْتَبر التخالف بِالزِّيَادَةِ وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من

ص: 470

الحَدِيث دَلِيلا على [صِحَة مخرج حَدِيثه] وَأخْبر أَنه مَتى خَالف مَا وصف أضرّ ذَلِك بحَديثه وَلَو كَانَت الزِّيَادَة غير مَقْبُولَة مُطلقًا لم تكن مُخَالفَته بِالزِّيَادَةِ مضرَّة بحَديثه

وَزَاد الْمَاوَرْدِيّ سابعا وَهُوَ أَن الْمُرْسل يحْتَج بِهِ إِذا لم يُوجد دلَالَة سواهُ وَنسبه لقَوْل الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد ذكره فِي بَاب بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وَنَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان أَيْضا عَن الشَّافِعِي وَشرط فِيهِ الْإِقْرَار بالتعديل على الْإِجْمَال إِذا علمت ذَلِك فَفِي كَلَام الشَّافِعِي فَوَائِد

إِحْدَاهَا أَن الْمُرْسل إِذا حصلت فِيهِ هَذِه الشواهد أَو بَعْضهَا [لزم] نوع الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا يلْزم لُزُوم الْحجَّة بالمتصل وَكَأَنَّهُ - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - أَرَادَ بِهِ أَن لَهُ مدخلًا فِي التَّرْجِيح لإِثْبَات الحكم بِهِ لِأَنَّهُ سوغ الِاحْتِجَاج بِهِ فِي الْجُمْلَة وَلم يُنكر على من خَالفه

قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة لم نجد حَدِيثا (ثَابتا مُتَّصِلا) خَالفه جَمِيع أهل الْعلم إِلَّا أَن يكون مَنْسُوخا وَقد وجدنَا مَرَاسِيل أجمع أهل الْعلم على خلَافهَا وَذكر

ص: 471

مِنْهَا حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر الْآتِي قَرِيبا وَلم يقف الْجُمْهُور على هَذَا النَّص فأطلقوا النَّقْل عَن الشَّافِعِي أَنه يحْتَج بالمرسل عِنْد اجْتِمَاع هَذِه الشُّرُوط مِنْهُم القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ قَالُوا وَلِهَذَا احْتج بمرسل سعيد فِي اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وَقد تيقظ لهَذَا النَّص القَاضِي أَبُو بكر فَقَالَ فِي كِتَابه التَّقْرِيب قَالَ الشَّافِعِي فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يقبلهَا من الْمَرَاسِيل أستحب قبُولهَا وَلَا أَسْتَطِيع أَن اقول إِن الْحجَّة تثبت بهَا ثُبُوتهَا بالمتصل قَالَ القَاضِي فقد نَص بذلك على أَن الْقبُول عِنْد تِلْكَ الشُّرُوط مُسْتَحبّ لَا وَاجِب انْتهى

وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الشَّافِعِي لم يرد الِاسْتِحْبَاب قسيم الْوُجُوب بل مُرَاده أَن الْحجَّة فِيهَا ضَعِيفَة لَيست كحجة الْمُتَّصِل إِذا انتهضت الْحجَّة وَجب الْأَخْذ لَا محَالة لَكِن الْحجَج مُتَفَاوِتَة فَإِذا عَارضه مُتَّصِل كَانَ الْمُتَّصِل مقدما عَلَيْهِ

وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ مُرَاد الشَّافِعِي بقوله أحببنا أَي اخترنا وَهَذَا النَّص يرفع اعْتِرَاض القَاضِي على الشَّافِعِي فِي الْعَمَل بالمرسل إِذا رُوِيَ من وَجه آخر

ص: 472

مُسْندًا إِذْ الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ على الْمسند (و) إِذا علمت مُرَاد الشَّافِعِي زَالَ الِاعْتِرَاض

الثَّانِيَة أَن الْمُرْسل العاري عَن هَذِه الاعتبارات والشواهد الَّتِي ذكرهَا لَيْسَ بِحجَّة عِنْده وَلِهَذَا قَالَ أَنا ابْن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن لي مَالا وعيالا وَلأبي مَالا عيالا فيريد أَن يَأْخُذ مَالِي فيطعم عِيَاله فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنْت وَمَالك لأَبِيك قَالَ

ص: 473

الشَّافِعِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر غَايَة فِي الْفِقْه وَالْفضل وَالدّين والورع وَلَكِن لَا نَدْرِي عَمَّن قبل هَذَا الحَدِيث انْتهى

وَلَا نسلم خلو هَذَا الْمُرْسل عَن بعض هَذِه الاعتبارات فقد رُوِيَ من وُجُوه (مُسْندًا)

الثَّالِثَة أَن مَأْخَذ رد الْمُرْسل عِنْده إِنَّمَا هُوَ احْتِمَال ضعف الْوَاسِطَة وَأَن الْمُرْسل لَو سَمَّاهُ لبان أَنه لَا يحْتَج بِهِ وعَلى هَذَا المأخذ فَإِذا كَانَ الْمَعْلُوم من عَادَة الْمُرْسل أَنه لم يسم إِلَّا ثِقَة وَلم يسم مَجْهُولا كَانَ مرسله حجَّة وَإِن كَانَ يروي عَن الثِّقَة وَغَيره فَلَيْسَ بِحجَّة وَلِهَذَا رد الشَّافِعِي مُرْسل الزُّهْرِيّ فِي الضحك فِي الصَّلَاة

وَقَالَ يَقُولُونَ يحابي وَلَو حابينا لحابينا الزُّهْرِيّ وإرسال الزُّهْرِيّ لَيْسَ بِشَيْء وَذَلِكَ أَنا نجده يروي عَن سُلَيْمَان بن أَرقم

ص: 474

وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة وَهُوَ مَبْنِيّ على أصل وَهُوَ أَن رِوَايَة الثِّقَة عَن غَيره هَل هِيَ تَعْدِيل لَهُ أم لَا وَالصَّحِيح التَّفْصِيل (أ / 74) بَين أَن يكون من عَادَته أَنه لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة فَيكون تعديلا [لَهُ] وَإِلَّا فَلَا

ولهذه (د / 47) الْعلَّة قبل الشَّافِعِي مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب [لَا] لِأَنَّهُ اعتبرها فَوَجَدَهَا مسانيد كَمَا ظن الْحَاكِم وَغَيره وَإِلَّا كَانَ الِاحْتِجَاج حِينَئِذٍ بالمسند مِنْهَا وَيَجِيء اعْتِرَاض القَاضِي السَّابِق وَلِهَذَا تقبل مَرَاسِيل الصَّحَابَة وَإِن احتملت روايتهم عَن التَّابِعين لِأَن الْغَالِب أَنهم لَا يروون إِلَّا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَا سِيمَا حَالَة الْإِطْلَاق فَحمل على الْغَالِب

الرَّابِعَة أَن مُرْسل من بعد التَّابِعين لَا يقبل وَلم يحك عَن أحد قبُوله لتَعَدد الوسائط (وَلِأَنَّهُ لَو قبله يقبل مُرْسل الْمُحدث الْيَوْم) وَبَينه وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مفاوز وَلم يقل بِهِ أحد

الْخَامِسَة أَن ظَاهره قبُول مُرْسل [كبار] التَّابِعين دون صغارهم وَلِهَذَا قَالَ فِي الرسَالَة بعد النَّص الْمُتَقَدّم بِكَلَام وَمن نظر فِي الْعلم بخبرة وَقلة غَفلَة استوحش من مُرْسل كل من دون كبار التَّابِعين بدلائل ظَاهِرَة فِيهَا قَالَ لَهُ قَائِل فَلم فرقت

ص: 475

بَين كبار التَّابِعين الْمُتَقَدِّمين الَّذين شاهدوا أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَمن شَاهد بَعضهم دون غَيرهم قَالَ الشَّافِعِي - رَحمَه الله تَعَالَى - فَقلت لبعد إِحَالَة من لم يشْهد أَكْثَرهم قَالَ (فَلم لَا تقبل الْمُرْسل) مِنْهُم وَمن كل ثِقَة دونهم فَقلت لما وصفت انْتهى

وَمُرَاد الشَّافِعِي بالذين شاهدوا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَي شاهدوا [كثيرا مِنْهُم وبالذين شاهدوا بَعضهم دون بعض أَي شاهدوا] قَلِيلا كَمَا تقدم فِي أبي حَازِم وَيحيى بن سعيد

السَّادِسَة أَن هَذَا الحكم لَا يخْتَص عِنْده بإرسال سعيد بن الْمسيب كَمَا ظن بَعضهم وَسَيَأْتِي مُسْتَنده فِي ذَلِك

إِذا علمت ذَلِك ظهر مِنْهُ أَن الشَّافِعِي يقبل الْمُرْسل فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة على التَّرْتِيب السَّابِق وَأَن الْحجَّة بالمتصل وَأَن ذَلِك كُله مُقَيّد بمرسل كبار التَّابِعين لَا مُطلق الْمُرْسل وَظهر بِهِ قُصُور المُصَنّف وَغَيره فِي اقتصارهم على بعض المرجحات وَبطلَان دَعْوَى خلق من الْأَصْحَاب أَن الشَّافِعِي يرى أَنه حجَّة مُسْتَقلَّة عِنْد وجود أحد هَذِه الْأَوْصَاف والموجب لذَلِك عدم اطلاعهم على هَذَا النَّص الْكَبِير الْقَوَاعِد والمذاهب إِنَّمَا تعلم من كَلَام أَرْبَابهَا فاشدد يَديك بِهَذِهِ الْفَائِدَة فَإِنَّهَا تَسَاوِي رحْلَة

ص: 476

الْأَمر الْخَامِس دَعْوَاهُ احتجاج الشَّافِعِي بمرسلات سعيد بن الْمسيب لوجودها مُسندَة من وُجُوه أخر تبع فِيهِ الْحَاكِم غَيره وَقد سبق أَن مأخذه غير ذَلِك نعم أخذُوا ذَلِك من قَول الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي كتاب الرَّهْن الصَّغِير حِين قيل لَهُ كَيفَ قبلتم عَن سعيد مُنْقَطِعًا وَلم تقبلوه عَن غَيره

قُلْنَا لَا نَحْفَظ لسَعِيد مُنْقَطِعًا إِلَّا وجدنَا مَا يدل على تسديده وَلَا يُؤثر أحد فِيمَا عَرفْنَاهُ عَنهُ إِلَّا عَن ثِقَة عَن مَعْرُوف وَمن كَانَ مثل حَاله قبلنَا منقطعه

ورأينا غَيره يُسَمِّي الْمَجْهُول ويسمي من يرغب عَن الرِّوَايَة عَنهُ وَيُرْسل عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَعَن بعض من لم يلْحق من أَصْحَابه الْمُنكر الَّذِي لَا يُوجد لَهُ شَيْء يسدده ففرقنا بَينهم لافتراق أَحَادِيثهم وَلم نحاب أحدا وَلَكنَّا قُلْنَا فِي ذَلِك بِالدّلَالَةِ الْبَيِّنَة على مَا وَصفنَا من صِحَة رِوَايَته

وَفِي الْكَامِل لِابْنِ عدي بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ وَلَيْسَ الْمُنْقَطع بِشَيْء مَا عدا مُنْقَطع ابْن الْمسيب انْتهى

ص: 477

لَكِن الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي الْكِفَايَة حكى هَذِه الْعلَّة عَن بعض أَصْحَابنَا ثمَّ ردهَا بِأَن [فِي] مُرْسل سعيد مَا لم يُوجد [مُسْندًا] بِحَال من وَجه يَصح قَالَ وَالصَّحِيح أَنه لَا فرق بَين مُرْسل (أ / 75) سعيد وَغَيره من التَّابِعين وَإِنَّمَا رجح بِهِ الشَّافِعِي [و] التَّرْجِيح بالمرسل صَحِيح وَإِن لم يكن حجَّة بمفرده

وَزعم الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي فِي بَاب بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ أَن الشَّافِعِي اخْتلف قَوْله فِي مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب فَكَانَ فِي الْقَدِيم يحْتَج بهَا بانفرادها لِأَنَّهُ لَا يُرْسل حَدِيثا إِلَّا يُوجد مُسْندًا وَلِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا مَا سَمعه من جمَاعَة أَو عضده قَول الصَّحَابَة أَو رَآهُ منتشرا عِنْد الكافة أَو وَافقه فعل أهل الْعَصْر وَلِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا عَن أكَابِر الصَّحَابَة وَأَيْضًا فَإِن مراسيله سبرت فَكَانَت مَأْخُوذَة عَن أبي هُرَيْرَة لما بَينهمَا من الوصلة والصهارة فَصَارَ إرْسَاله كإسناده عَنهُ قَالَ وَمذهب الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد أَن مُرْسل سعيد وَغَيره لَيْسَ بِحجَّة وَإِنَّمَا قَالَ مُرْسل سعيد عندنَا حسن لهَذِهِ الْأُمُور الَّتِي وَصفنَا استئناسا بإرساله ثمَّ اعْتِمَادًا على مَا قارنه من الدَّلِيل فَيصير الْمُرْسل حِينَئِذٍ [مَعَ مَا قارنه] حجَّة انْتهى

ص: 478

وَسَيَأْتِي من كَلَام الْبَيْهَقِيّ وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق والخطيب وَغَيرهم أَن الْأَصَح من قولي الشَّافِعِي أَن مُرْسل سعيد عِنْده لَيْسَ بِحجَّة إِنَّمَا يرجح بِهِ لَكِن فِي نِسْبَة ذَلِك إِلَى الْجَدِيد نظر فقد ذكر الشَّافِعِي فِي الْأُم وَهُوَ من الْكتب الجليلة على الْمَشْهُور فِي الرَّهْن الصَّغِير أَن مُرْسل سعيد حجَّة وَكَذَلِكَ من كَانَ مثله فِيمَا ذكر وَهُوَ يُؤَيّد قَول ابْن الصّلاح أَن الشَّافِعِي يقبل مُرْسل سعيد وَغَيره وَلَا يخْتَص عِنْده بإرسال سعيد

قلت وَلَا بإرسال كل تَابِعِيّ بل بالتابعي الْكَبِير كَمَا سبق نَصه فِي الرسَالَة وَيرد أَيْضا دَعْوَى ابْن الصّلاح أَن الْعلَّة فِي قبُول مُرْسل سعيد كَونه وجد مُسْندًا فَقَط بل علته غير ذَلِك مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي

وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره اشْتهر عِنْد فُقَهَاء أَصْحَابنَا أَن مُرْسل سعيد بن الْمسيب حجَّة عِنْد الشَّافِعِي حَتَّى إِن كثيرا مِنْهُم لَا يعْرفُونَ غير ذَلِك وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ [وإرسال سعيد بن الْمسيب عندنَا حسن فَذكر صَاحب الْمُهَذّب وَغَيره من أَصْحَابنَا فِي أصُول الْفِقْه فِي معنى كَلَامه وَجْهَيْن لأَصْحَابه] مِنْهُم من قَالَ مراسيله حجَّة لِأَنَّهَا فتشت فَوجدت مسانيد

ص: 479

وَمِنْهُم من قَالَ لَيست بِحجَّة عِنْده بل هِيَ كَغَيْرِهَا على مَا نذكرهُ وَإِنَّمَا رجح الشَّافِعِي بِهِ وَالتَّرْجِيح بالمرسل صَحِيح

وَحكى الْخَطِيب أَبُو بكر هذَيْن المذهبين لأَصْحَاب الشَّافِعِي ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح مِنْهُمَا عندنَا الثَّانِي لِأَن من مَرَاسِيل سعيد مَا لم يُوجد مُسْندًا بِحَال من وَجه صَحِيح وَقد جعل الشَّافِعِي لمراسيل كبار التَّابِعين مزية على غَيرهم كَمَا اسْتحْسنَ مُرْسل سعيد

وروى الْبَيْهَقِيّ فِي مناقبه بِإِسْنَادِهِ عَن الشَّافِعِي أَنه يقبل مُرْسل التَّابِعِيّ إِذا أسْندهُ حَافظ وَغير ذَلِك من الْوُجُوه السالفة ثمَّ قَالَ فالشافعي يقبل مَرَاسِيل كبار التَّابِعين إِذا انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا يؤكدها وَإِلَّا لم يقبلهَا سَوَاء مُرْسل ابْن الْمسيب أَو غَيره

قَالَ وَقد ذكرنَا مَرَاسِيل لِابْنِ الْمسيب لم يقل بهَا الشَّافِعِي حِين لم ينصم إِلَيْهَا مَا يؤكدها ومراسيل لغيره قَالَ بهَا حِين انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا أكدها قَالَ وَزِيَادَة ابْن الْمسيب على غَيره (فِي هَذَا) أَنه أصح (د / 48) التَّابِعين إرْسَالًا فِيمَا زعم الْحفاظ

ص: 480

قَالَ فَهَذَا كَلَام الْخَطِيب وَالْبَيْهَقِيّ وَلَهُمَا الْمُنْتَهى فِي التَّحْقِيق ومحلهما من الْعلم مُطلقًا ثمَّ مَنْصُوص الشَّافِعِي ومذهبه مَعْرُوف

وَأما قَول الْقفال فِي أول شرح التَّلْخِيص قَالَ الشَّافِعِي فِي الرَّهْن الْأَصْغَر مُرْسل ابْن الْمسيب عندنَا حجَّة فَهُوَ مَحْمُول على مَا ذكره الْخَطِيب وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ وَهَذَا النَّوْع وَقع فِي ابْن الصّلاح مُخْتَصرا مَعَ أَنه من أجل الْأَنْوَاع انْتهى

وَمَا حَكَاهُ عَن الْخَطِيب وَغَيره من تَصْحِيح أَنه لَيْسَ بِحجَّة مُسْتَقلَّة ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا قَالَ فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ وإرسال سعيد عندنَا حسن

ص: 481

فِي بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ (أ / 76) عقب أثر الصّديق فِيهِ وَقَول ثَلَاثَة من التَّابِعين وَظَاهره أَنه رجح بِهِ

وَأما تَأْوِيل كَلَامه فِي الرَّهْن الصَّغِير بِمَا سبق فَيدل لَهُ كَلَام الشَّافِعِي فِي الرسَالَة وَلَو جعل على ظَاهره لَكَانَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ فَحصل فِي كَلَام ابْن الصّلاح أُمُور

مِنْهَا دَعْوَاهُ أَن الشَّافِعِي يرى الِاحْتِجَاج بالمرسل لسَعِيد وَقد عرفت مُرَاد الشَّافِعِي فِي التَّرْجِيح بِهِ

وَمِنْهَا دَعْوَاهُ أَن الْعلَّة عِنْده فِي قبُول مرسله كَونه رُوِيَ مُسْندًا وَقد سبق من كَلَام الشَّافِعِي أَعم من ذَلِك وَقيل إِنَّمَا رجح بِهِ الشَّافِعِي لكَونه من كبار التَّابِعين وَلم يتفرد بِهِ الشَّافِعِي وَقد قَالَ يحيى بن معِين أصح الْمَرَاسِيل عندنَا مُرْسل سعيد وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل

وَمِنْهَا إِطْلَاقه أَن هَذَا الحكم لَا يخْتَص عِنْده بمرسل سعيد وَقد عرفت أَن الشَّافِعِي خصّه بمراسيل كبار التَّابِعين

ص: 482

وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي رسَالَته إِلَى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ أَن الشَّافِعِي لم يخص مُرْسل ابْن الْمسيب بِالْقبُولِ بل يقبل مرسله ومرسل غَيره من كبار التَّابِعين كالحسن وَابْن سِيرِين وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسليمَان بن يسَار إِذا اقْترن بهَا مَا يؤكدها من الْأَسْبَاب قَالَ وَإِنَّمَا ترك الشَّافِعِي مَرَاسِيل من بعد كبار التَّابِعين كالزهري وَمَكْحُول وَالنَّخَعِيّ وَمن فِي طبقتهم وَرجح بِهِ بعض قَول الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا وَترك مَرَاسِيل كبار التَّابِعين مَا لم يقْتَرن بِهِ مَا يشده من الْأَسْبَاب الَّتِي ذكرهَا فِي الرسَالَة أَو وجد من الْحجَج مَا هُوَ أقوى مِنْهَا قَالَ وَقد احْتج الشَّافِعِي فِي أَحْكَام الْقُرْآن بمرسل الْحسن الْبَصْرِيّ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل

ص: 483

وَقَالَ فَهَذَا وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا دون النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَإِن أَكثر أهل الْعلم يَقُولُونَ بِهِ وَهُوَ ثَابت عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من الصَّحَابَة فأكد مرسله بقول صَحَابِيّ وقوى الْأَكْثَر كَمَا أكد مُرْسل سعيد فِي النَّهْي عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ بقول الصّديق وَبِأَنَّهُ رُوِيَ من وَجه آخر مُرْسلا وَقَالَ بمرسل الْحسن فِي كتاب الصّرْف فِي النَّهْي عَن بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ وَقَالَ بمرسل طَاوس فِي كتاب الزَّكَاة وَالْحج وَالْهِبَة وَغير

ص: 484

ذَلِك وبمرسل عُرْوَة بن الزبير وَأبي أُمَامَة [أسعد بن] سهل بن حنيف وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَعَطَاء بن يسَار وَسليمَان بن يسَار وَابْن سِيرِين وَغَيرهم من كبار التَّابِعين فِي مَوَاضِع من كتبه حِين اقْترن بهَا مَا يؤكدها وَلم يجد مَا هُوَ أقوى [مِنْهَا] وَترك مَا لم يجد فِيهِ ذَلِك كَمَا ترك ذَلِك فِي مُرْسل سعيد كمرسله أَنه عليه الصلاة والسلام فرض زَكَاة الْفطر مَدين من حِنْطَة وَأَنه عليه الصلاة والسلام [قَالَ] لَا بَأْس بالتولية فِي الطَّعَام قبل أَن يسْتَوْفى وَأَنه عليه الصلاة والسلام قَالَ دِيَة كل ذِي عهد فِي عَهده ألف دِينَار

وَأَنه عليه الصلاة والسلام قَالَ من ضرب أَبَاهُ فَاقْتُلُوهُ

ص: 485

قَالَ وعَلى هَذَا فتخصيص مُرْسل ابْن الْمسيب بِالْقبُولِ دون من عداهُ من كبار التَّابِعين على أصل الشَّافِعِي وَإِن قَالَه صَاحب التَّلْخِيص انْتهى يَعْنِي ابْن الْقَاص

وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الشَّافِعِي أَن مَرَاسِيل الْحسن الْبَصْرِيّ عِنْده مستحسنة حَكَاهُ [عَنهُ] ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب فِي الْكَلَام على قبض الْمَبِيع قَالَ وَلِهَذَا احْتج بِهِ فِي الْأُم

ص: 486

وَقَالَ ابْن حزم ادّعى بَعضهم أَن الْحسن الْبَصْرِيّ كَانَ إِذا حَدثهُ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَة من الصَّحَابَة أرْسلهُ قَالَ فَهُوَ أقوى من الْمسند

وَمِنْهَا دَعْوَاهُ أَن [من] مَرَاسِيل سعيد مَا لم يُوجد مُسْندًا بِحَال وَقد سبق كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي ترك الشَّافِعِي بعض مَرَاسِيل سعيد

وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي شرح العنوان هَذَا التتبع لم تظهر صِحَّته لوجدان غير حَدِيث مُرْسل من رِوَايَة سعيد لم يُوجد من جِهَة غَيره كَمَا تتبعه الْحفاظ وَإِن وجد فَمن وَجه لَا يَصح

[وَقَالَ أَيْضا] ذَلِك الْوَجْه الآخر إِمَّا أَن يكون مُعْتَمدًا أَولا فَإِن كَانَ مُعْتَمدًا فَهُوَ الْحجَّة وَإِلَّا فَلَا أثر لَهُ (أ / 77)

وَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين الْفَزارِيّ قد اشْتهر اسْتثِْنَاء مَرَاسِيل سعيد لِأَنَّهَا وجدت مسانيد فعلى هَذَا لَا معنى للاستثناء لِأَن الِاحْتِجَاج إِنَّمَا وَقع بالمسند لِأَنَّهَا

ص: 487

وجدت مسانيد قَالَ وَلم يقل الشَّافِعِي إِنَّه يحْتَج بمرسل سعيد كَيفَ كَانَ وَإِنَّمَا أثنى على مراسيله لِأَنَّهُ يُرْسل عَن أبي هُرَيْرَة وَغَيره يُرْسل عَمَّن لَا يعرف

وَقَالَ الكيا الطَّبَرِيّ لما قَالَ الشَّافِعِي إِن مُرْسل سعيد حجَّة رُوجِعَ فِي الْفرق بَينه وَبَين غَيره فَقَالَ لِأَنِّي تتبعت مراسيله فَوَجَدتهَا مسانيد [فَقيل لَهُ وجدت مجموعها أَو أَكْثَرهَا فَإِن قَالَ وجدت مجموعها مسانيد] فَلَا أثر للمرسل [إِذا] إِذْ الِاعْتِمَاد على الْمسند وَإِن قَالَ وجدت أَكْثَرهَا فَهَذَا مقَام لَا يقنع فِيهِ بالمعظم فَإِن كل حَدِيث يطْلب إِسْنَاده فِي عينه من غير إغفال شَرط لوُجُود الشَّرْط فِي غَيره وَسَيَأْتِي جَوَاب هَذَا

133 -

(قَوْله) وَمن أنكر هَذَا زاعما أَن الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ يَقع على الْمسند دون الْمُرْسل فَيَقَع لَغوا فَجَوَابه أَن بالمسند يتَبَيَّن صِحَة الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَال حَتَّى يحكم لَهُ مَعَ إرْسَاله بِأَنَّهُ [إِسْنَاد] صَحِيح

قلت يُشِير إِلَى اعْتِرَاض القَاضِي أبي بكر على احتجاج الشَّافِعِي بالمرسل إِذا رُوِيَ مُسْندًا من وَجه آخر بِأَن الْعَمَل حِينَئِذٍ على الْمسند وَأجَاب المُصَنّف بِأَنا لَا نسلم أَن الْعَمَل بالمسند فَقَط بل بالمسند يتَبَيَّن صِحَة إِسْنَاد الْإِرْسَال حَتَّى يحكم لَهُ

ص: 488

مَعَ إرْسَاله بِأَنَّهُ صَحِيح الْإِسْنَاد

قَالَ المُصَنّف فِي حَاشِيَته وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي الْإِرْشَاد وَقسم مِنْهُ أَن الحَدِيث الَّذِي يَقع عَلَيْهِ ذَلِك فِي إِسْنَاده يكون لَهُ إسنادان صَحِيحَانِ أَحدهمَا الْمُرْسل فيكتسب بذلك قُوَّة لَا وجود لَهَا على تَقْدِير الْمصير إِلَى أَنه لم يَصح إِلَّا ذَلِك الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل الَّذِي زعم الْمُخَالف أَنه [بِهِ] ثَبت الحَدِيث لَا غير وَزَاد النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره من الْفَوَائِد أَنه لَو كَانَ فِي الْمَسْأَلَة حديثان صَحِيحَانِ لَو عارضهما حَدِيث صَحِيح [جَاءَ من طَرِيق وَاحِد وَتعذر الْجمع رجحناهما عَلَيْهِ وعملناهما دونه

وَقد اعْترض على هَذَا الْجَواب بِأَن الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ إرْسَال يحْتَمل أَن يكون هُوَ الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل الَّذِي هُوَ صَحِيح] وَيحْتَمل أَن يكون إِسْنَادًا آخر غير صَحِيح احْتِمَالا على السوَاء وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَال لَا يتَبَيَّن بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِل كَون الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَال صَحِيحا إِذا بِالشَّكِّ فِي كَونه هُوَ الْإِسْنَاد الصَّحِيح أَو غَيره لَا يرْتَفع عَنهُ الِاحْتِمَال الَّذِي هُوَ قَادِح فِي صِحَّته وَمُوجب لضَعْفه عِنْد من يَقُول

ص: 489

بضعفه فَلَا يتَبَيَّن بِهِ صِحَّته بِوَجْه وَهَذَا ظَاهر عِنْد من لَهُ مذاق بِمَا يصلح أَن يتَبَيَّن بِهِ (د 49) الْأَمر وَمَا لَا يصلح

وَقَول النَّوَوِيّ فَيكون فِي الْمَسْأَلَة حديثان صَحِيحَانِ حَتَّى يقدم على مَا صَحَّ من طَرِيق وَاحِدَة عَجِيب فَإِنَّهُ سَيَأْتِي فِي النَّوْع الْحَادِي عشر أَن الحَدِيث إِذا رُوِيَ مُسْندًا ومرسلا أَن القَوْل بِأَن ذَلِك لَيْسَ بقادح وَفِي التَّرْجِيح أَيْضا بالرواية من طَرِيقين على مَا رُوِيَ من طَرِيق بعد صحتهما نظر تكَاد تخَالفه استعمالات الْفُقَهَاء واستدلالاتهم فقد أَخذ الشَّافِعِي بِحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي التَّشَهُّد وَحَدِيث ابْن مَسْعُود أَكثر طرقا وَنَحْوه

وَمِنْهُم من أجَاب عَن الْإِشْكَال السَّابِق بِأَن الِاحْتِجَاج بالمسند إِنَّمَا ينْهض إِذا كَانَ فِي نَفسه حجَّة وَلَعَلَّ الشَّافِعِي أَرَادَ بالمسند هُنَا مَا لَا ينْهض بِنَفسِهِ فَإِذا ضم إِلَى الْمُرْسل قَامَ بِهِ الْمُرْسل وَصَارَ حجَّة وَهَذَا لَيْسَ عملا بالمسند بل بالمرسل إِذا زَالَت التُّهْمَة عَنهُ وَسكت المُصَنّف عَن اعتراضهم فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ إِذا جَاءَ من وَجه آخر مُرْسلا فَإِن ضم الضَّعِيف إِلَى مثله لَا يُفِيد كَمَا فِي شَهَادَة الْفَاسِق مثله

ص: 490

وَقد (أ / 78) يُجَاب بِمَا سبق فِي الحَدِيث الضَّعِيف إِذا تعدّدت طرقه أَنه يرتقي إِلَى رُتْبَة الِاحْتِجَاج بِهِ وغرض الشَّافِعِي من هَذِه الْأَشْيَاء حرف وَاحِد وَهُوَ أَنا إِذا جهلنا عَدَالَة الرَّاوِي للْأَصْل لم يحصل عَلَيْهِ الظَّن بِصدق الْخَبَر فَإِذا انضمت هَذِه الْقَرَائِن إِلَيْهِ قوي بعض الْقُوَّة فَيجب الْعَمَل بِهِ دفعا للضَّرَر المظنون

134 -

(قَوْله) فِي رد الْمُرْسل وَهُوَ قَول جَمَاهِير حفاظ الحَدِيث ونقاد الْأَثر

هَكَذَا قَالَه الْخَطِيب وَفِي كَلَام ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد مَا يَقْتَضِي أَن كلهم مجمعون [عَلَيْهِ] لَكِن قَالَ القَاضِي أَبُو بكر فِي التَّقْرِيب الْجُمْهُور على قبُول الْمُرْسل وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ إِذا كَانَ الْمُرْسل ثِقَة عدلا وَهُوَ قَول مَالك وَأهل الْمَدِينَة وَأبي حنيفَة وَأهل الْعرَاق وَكَذَلِكَ نَقله الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُول عَن الْأَكْثَرين وَيَنْبَغِي أَن يكون مُرَادهم أَكثر أهل الْأُصُول وَمُرَاد ابْن الصّلاح كَذَا قيل وَفِيه نظر فَإِن الْمُرْسل حجَّة عِنْد مَالك كَمَا نَقله ابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي أَبُو بكر وَغَيرهمَا وَكَذَلِكَ عِنْد أَحْمد كَمَا نَقله ابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي [أَبُو بكر] وروى

ص: 491

الْخَطِيب فِي الْجَامِع عَن أَحْمد أَنه قَالَ رُبمَا كَانَ الْمُرْسل أقوى من الْمسند وَنقل ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره إِجْمَاع التَّابِعين على قبُول الْمُرْسل لكنه مَرْدُود وغايته أَنهم كَانُوا يرسلون وَلَكِن من قَالَ إِنَّهُم أَجمعُوا على قبُوله

فَإِن قلت يُؤَيّد دَعْوَى ابْن الْحَاجِب قَول الإِمَام مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ إِنْكَار الْمُرْسل بِدعَة حدثت بعد الْمِائَتَيْنِ

قلت إِن ثَبت عَنهُ فمراده حدث القَوْل بِهِ لما احْتِيجَ إِلَيْهِ لِأَن أحدا قبل ذَلِك لم يكن يعْمل بِهِ فَلَمَّا تطاول الزَّمن احْتِيجَ إِلَى إِنْكَاره فَكَانَت بِدعَة وَاجِبَة وَلَوْلَا هَذَا التَّأْوِيل لعارضناه بِكَلَام مُسلم بن الْحجَّاج الَّذِي نَقله ابْن الصّلاح

ص: 492

وَاعْلَم أَن بعض الْخُصُوم نسب الشَّافِعِي للتفرد برد الْمُرْسل وَقَالَ ابْن عبد الْبر إِن ابْن جرير أَشَارَ بِكَلَامِهِ السَّابِق إِلَيْهِ وَقد حكى أَبُو دَاوُد السجسْتانِي قَرِيبا من ذَلِك فِي رسَالَته الَّتِي كتبهَا إِلَى أهل الْأَمْصَار فِي سَبَب كِتَابَة السّنَن فَقَالَ وَأما الْمَرَاسِيل فقد كَانَ يحْتَج بهَا الْعلمَاء فِيمَا مضى مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس وَالْأَوْزَاعِيّ حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فَتكلم فِيهِ وَتَابعه على ذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره انْتهى

وَهَذَا مَرْدُود فقد قَالَ سعيد بن الْمسيب وَهُوَ إِمَام التَّابِعين إِنَّه لَيْسَ بِحجَّة كَذَا نَقله عَنهُ [الْحَافِظ أَبُو عبد الله] الْحَاكِم وَنَقله ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول عَن الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ [و] صَحَّ ذَلِك عَن عبد الله بن الْمُبَارك وَغَيره

وَفِي مُقَدّمَة صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنه لم يقبل مُرْسل بعض التَّابِعين وَكَانَ من الثِّقَات المحتج بهم فِي الصَّحِيحَيْنِ وَصَحَّ

ص: 493

فِيهِ أَيْضا عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ كَانُوا لَا يسْأَلُون عَن الْإِسْنَاد فَلَمَّا وَقعت الْفِتْنَة قَالُوا سموا لنا رجالكم فَينْظر إِلَى أهل السّنة فَيُؤْخَذ عَنْهُم وَإِلَى أهل الْبدع فَلَا يُؤْخَذ عَنْهُم وَكَانَ يحيى بن سعيد الْقطَّان - ووفاته قبل الشَّافِعِي - شَدِيد الْإِنْكَار للمرسل فروى ابْن أبي حَاتِم عَن أَحْمد بن سِنَان عَنهُ أَنه كَانَ لَا يرى إرْسَال الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة شَيْئا وَيَقُول هُوَ بِمَنْزِلَة الرّيح وَيَقُول هَؤُلَاءِ قوم حفاظ كَانُوا إِذا سمعُوا الشَّيْء علقوه وَقَالَ سعيد بن الْمسيب عَن أبي بكر ذَاك شبه الرّيح

وَقَالَ مَالك عَن سعيد بن الْمسيب أحب إِلَيّ من سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم وكل ضَعِيف وَقَالَ سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم لَا شَيْء وَقَالَ مرسلات أبي

ص: 494

إِسْحَاق الْهَمدَانِي عِنْدِي لَا شَيْء وَالْأَعْمَش والتيمي وَيحيى بن أبي كثير يَعْنِي مثله وَقَالَ مرسلات أبن أبي خَالِد يَعْنِي إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ مرسلات ابْن عُيَيْنَة شبه الرّيح

ثمَّ قَالَ (إِي وَالله) وسُفْيَان بن سعيد وَقَالَ كَانَ شُعْبَة يضعف إِبْرَاهِيم عَن عَليّ هَذِه أَقْوَال يحيى بن سعيد وناهيك بِهِ

وَفِي هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه عَن شُعْبَة من تَضْعِيفه (أ / 79) إِبْرَاهِيم عَن عَليّ تعقب على أبي عَمْرو فَإِنَّهُ روى أثرا عَن إِبْرَاهِيم عَن عَليّ فِي الَّذِي يُرَاجع وَلم

ص: 495

تعلم الْبَرَاءَة فَتزوّجت فَإِن الأول أَحَق بهَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَأَجْمعُوا أَن مَرَاسِيل إِبْرَاهِيم صِحَاح وَمرَاده بالمرسل الْمُنْقَطع لما تقدم

وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم سَمِعت أبي وَأَبا زرْعَة يَقُولَانِ لَا يحْتَج بالمراسيل وَإِنَّمَا تقوم الْحجَّة بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح الْمُتَّصِلَة وبقولهما أَقُول

وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله والْحَدِيث إِذا كَانَ مُرْسلا فَلَا يَصح عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث قد ضعفه غير وَاحِد مِنْهُم قَالَ وَمن ضعفه فَإِنَّمَا ضعفه من قبل أَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قد حدثوا عَن الثِّقَات وَغير الثِّقَات فَإِذا روى أحدهم حَدِيثا وأرسله لَعَلَّه أَخذه عَن غير ثِقَة قَالَ وَقد احْتج بَعضهم بالمراسيل وَحَكَاهُ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ

135 -

(قَوْله) وَفِي صدر صَحِيح مُسلم [الْمُرْسل] فِي أصل قَوْلنَا وَقَول أهل الْعلم بالأخبار لَيْسَ بِحجَّة

اعْترض عَلَيْهِ فِيمَا نَقله فَإِن مُسلما إِنَّمَا ذكره فِي اثناء كَلَام خَصمه الَّذِي رد

ص: 496

عَلَيْهِ اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء فِي الْإِسْنَاد المعنعن فَقَالَ فَإِن قَالَ قبلته لِأَنِّي وجدت رُوَاة الْأَخْبَار قَدِيما وحديثا يروي أحدهم عَن الآخر الحَدِيث وَلما يعاينه وَمَا سمع مِنْهُ شَيْئا قطّ فَلَمَّا رَأَيْتهمْ استجازوا رِوَايَة الحَدِيث بَينهم هَكَذَا على الْإِرْسَال من غير سَماع والمرسل من الرِّوَايَات فِي أصل قَوْلنَا وَأهل الْعلم بالأخبار لَيْسَ بِحجَّة أحتجت لما وصفت من الْعلَّة إِلَى الْبَحْث عَن سَماع رَاوِي كل خبر عَن رَاوِيه إِلَى آخر كَلَامه

وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن حَكَاهُ عَن لِسَان خَصمه لَكِن لما لم يعْتَرض عَلَيْهِ بِشَيْء فَكَأَنَّهُ ارْتَضَاهُ فَلهَذَا سَاغَ لِابْنِ الصّلاح عزوه إِلَيْهِ وَيُؤَيِّدهُ قَول التِّرْمِذِيّ الحَدِيث إِذا كَانَ مُرْسلا فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث

136 -

(قَوْله) وَابْن عبد الْبر حَافظ الْمغرب مِمَّن حكى ذَلِك عَن (جمَاعَة) أَصْحَاب الحَدِيث

أَي فِي كل الْأَمْصَار وَنَقله عَن سَائِر أهل الْفِقْه أَيْضا قَالَ الْإِجْمَاع على

ص: 497

الْحَاجة إِلَى عَدَالَة (د 50) الْمخبر وَأَنه لَا بُد من علم ذَلِك

وَقَالَ ابْن خلفون فِي الْمُنْتَقى وَلَا اخْتِلَاف أعلمهُ بَينهم أَنه لَا يجوز الْعَمَل بالمرسل إِذا كَانَ مرسله غير متحرز يُرْسل عَن غير الثِّقَات

137 -

(قَوْله) والاحتجاج بِهِ - أَي مُطلقًا - مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وأصحابهما فِي طَائِفَة وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد

فِيهِ أُمُور

أَحدهَا هَذَا الْكَلَام يحْتَمل ثَلَاثَة أَشْيَاء

أَحدهَا وَهُوَ الظَّاهِر أَنه هُوَ والمسند سَوَاء

وَثَانِيها أَنه يحْتَج بِهِ مَعَ احْتِمَال كَونه أولى من الْمسند وَنَقله ابْن عبد الْبر عَن [ابْن] خويز منداد الْمَالِكِي الْبَصْرِيّ وَلَكِن المُرَاد هُوَ الأول

ص: 498

الْأَمر الثَّانِي أَن ابْن الصّلاح أطلقهُ وَشَرطه عِنْدهم أَن يكون مرسله ثِقَة يُرْسل عَن الثِّقَات وَغَيرهم فَلَا خلاف أَنه لَا يجوز الْعَمَل بالمرسل قَالَه ابْن عبد الْبر وَغَيره من الْمَالِكِيَّة وَأَبُو بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة وعَلى هَذَا (فصل النزاع) فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من حَيْثُ الْمَعْنى فَإِن الشَّافِعِي يقبله حِينَئِذٍ كَمَا سبق ثمَّ الْخلاف فِي الْمُرْسل الَّذِي لَا عيب فِيهِ سوى الْإِرْسَال فَأَما إِذا انْضَمَّ إِلَى كَونه مُرْسلا ضعف راو من رُوَاته فَهُوَ حِينَئِذٍ أَسْوَأ حَالا من الْمسند الضَّعِيف لِأَنَّهُ يزِيد عَلَيْهِ بالانقطاع وَلَا خلاف فِي رده وَعدم الِاحْتِجَاج بِهِ قَالَه أَبُو الْحسن بن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام وَكَذَا أَبُو الْحُسَيْن فِي الْمُعْتَمد وخلائق من الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة مِنْهُم القَاضِي عبد الْوَهَّاب والمازري والباجي وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ

ص: 499

الثَّالِث مَا نَقله عَن مَالك هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ فِيمَا نَقله أَبُو دَاوُد وَابْن عبد الْبر وَابْن حزم وَغَيرهم وَلَكِن نقل أَبُو عبد لله الْحَاكِم عَنهُ أَنه لَيْسَ بِحجَّة

138 -

(قَوْله) ثمَّ (إِنَّا لم) نعد فِي أَنْوَاع الْمُرْسل إِلَى آخِره

فِيهِ أُمُور

أَحدهَا حَاصله تَخْصِيص (أ 80) الْخلاف السَّابِق بمرسل التَّابِعين فَمن دونهم أما مُرْسل الصَّحَابَة فمقبول أَي بِالْإِجْمَاع كَمَا صرح بِهِ بَعضهم لَكِن حكى الْخَطِيب وَغَيره عَن بعض الْعلمَاء أَنه لَا يحْتَج بِهِ كمرسل غَيرهم إِلَّا أَن يَقُول لَا أروي إِلَّا مَا سمعته عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَو عَن صَحَابِيّ لِأَنَّهُ قد يروي عَن غير صَحَابِيّ

قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا مَذْهَب الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإسفرائني وَالصَّوَاب

ص: 500

الْمَشْهُور أَنه يحْتَج بِهِ مُطلقًا لِأَن روايتهم عَن غير الصَّحَابِيّ نادرة وَإِذا رووها بينوها

قلت وَأغْرب ابْن برهَان فِي الْأَوْسَط فَقَالَ عَن مقَالَة الْأُسْتَاذ إِنَّهَا الصَّحِيح وَأغْرب ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ فحكاه عَن الشَّافِعِي وَاخْتِيَار القَاضِي أبي بكر كَذَا ذكره فِي بَاب التناوب فِي الْعلم قَالَ لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يسمع مِمَّن لَا يضْبط كواحد أَو أَعْرَابِي لَا حجَّة لَهُ وَلَا تعرف عَدَالَته

وَقَالَ الكيا الهراسي وَأما مَرَاسِيل الصَّحَابَة فعلى قسمَيْنِ

أَحدهمَا أَن يَقُول الْوَاحِد مِنْهُم قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من غير أَن يَقُول سمعته

وَالثَّانِي أَن يَقُول حَدثنِي رجل عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وفيهَا خلاف عِنْد من يرد الْمَرَاسِيل وَمن قبله يَقُول الِاعْتِمَاد على الظَّاهِر فَإِن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَالظَّاهِر أَنه سَمعه لوُجُود دَلِيل السماع وَهُوَ الصُّحْبَة

فَإِن قيل ظهر من حَال ابْن عَبَّاس إرْسَال الْأَحَادِيث فَإِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم توفّي

ص: 501

وَهُوَ صبي لم يبلغ فَكَانَ أَكثر مَا رَوَاهُ مُرْسلا وَأطْلقهُ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وروى عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَفعَال الْحَج وَلم يكن شَاهدهَا فَإِنَّهُ عليه الصلاة والسلام بَعثه مَعَ أغيلمة بني عبد الْمطلب لَيْلَة الْمزْدَلِفَة وَأَنه سمع ذَلِك من أَخِيه الْفضل بن عَبَّاس وروى أَبُو هُرَيْرَة أَنه عليه الصلاة والسلام قَالَ من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك سمعته من الْفضل

وَقَالَ الْبَراء بن عَازِب مَا كل مَا نحدثكم بِهِ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه بل سمع بَعْضنَا من بعض وَلَكنَّا لَا نكذب

قيل هَب أَن الْأَمر كَذَلِك فَظَاهر ذَاك الصَّحَابِيّ لَا يَخْلُو من أَن يكون سمع الرَّسُول أَو سمع مِنْهُم وهم معدلون فَلَا تضر الْجَهَالَة بهم انْتهى

ص: 502

الثَّانِي أَن هَذَا لَا يخْتَص بأحداث الصَّحَابَة كَمَا عبر بِهِ بل مُرْسل الْكل كَذَلِك وَكَأَنَّهُ ذكره ليعلم كبارهم من بَاب أولى

قَالَ الْحَافِظ أَبُو عَليّ الغساني لَيْسَ يعد مُرْسل الصَّحَابِيّ مُرْسلا فقد كَانَ يَأْخُذ بَعضهم عَن بعض ويروي بَعضهم عَن بعض وَقَالَ كَانَ لعمر بن الْخطاب جَار من الْأَنْصَار يتناوب مَعَه النُّزُول إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينزل هُوَ يَوْمًا وَالْآخر يَوْمًا قَالَ فَإِذا نزلت جِئْته بِخَبَر ذَلِك الْيَوْم من الْوَحْي وَغَيره وَقَالَ الْبَراء مَا كل مَا نحدثكم بِهِ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَكِن سمعناه وَحدثنَا أَصْحَابنَا وَكُنَّا لَا نكذب

وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كتاب اليواقيت كَانَ من مَذْهَب الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم [أَنه] إِذا صَحَّ عِنْدهم أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذكر حَدِيثا رَوَوْهُ عَنهُ من غير أَن

ص: 503

تذكر الْوَاسِطَة بَينهم فقد روى أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس قصَّة {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين} وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت بِمَكَّة فِي بَدْء الْإِسْلَام لم يحضرها أَبُو هُرَيْرَة ويصغر عَنْهَا سنّ ابْن عَبَّاس وروى ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وقُوف النَّبِي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر وَابْن عمر لم يحضر بَدْرًا

وروى الْمسور بن مخرمَة ومروان بن الحكم قصَّة الْحُدَيْبِيَة وسنهما لَا يحْتَمل

ص: 504

ذَلِك لِأَنَّهُمَا ولدا بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وروى أنس بن مَالك حَدِيث انْشِقَاق الْقَمَر وَذَلِكَ كَانَ قبل الْهِجْرَة وَقد أخرج الْأَئِمَّة هَذِه الْأَحَادِيث وأمثالها فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَأَجْمعُوا على الِاحْتِجَاج بهَا

قلت وَلم أر من خَالف فِي ذَلِك سوى ابْن الْقطَّان فَإِنَّهُ علل حَدِيث جَابر فِي صَلَاة النَّبِي صلى الله عليه وسلم عِنْد الْكَعْبَة بِأَن جَابِرا لم (أ / 81) يدْرك من حَدثهُ بذلك وَهُوَ لم يشْهد صَبِيحَة الْإِسْرَاء لما علم أَنه أَنْصَارِي إِنَّمَا صَحبه بِالْمَدِينَةِ وَلَا يلْزم مثل [ذَلِك] فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس فَإِنَّهُمَا رويا إِمَامَة جِبْرِيل من قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم ونازعه تِلْمِيذه ابْن الْمواق فِي كِتَابه بغية النقاد فَقَالَ وَقد تكَرر من

ص: 505

ابْن الْقطَّان مثل هَذَا فِي تَعْلِيل أَحَادِيث كَثِيرَة كَحَدِيث أُسَامَة بن زيد فِي الانتضاح وَحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْوضُوء بِفضل مَيْمُونَة وَحَدِيث زَيْنَب

ص: 506

الثقفية وَغير ذَلِك والبحث فِيهِ قَلِيل الجدوى فَإِنَّهُم كلهم عدُول وكيفما كَانَ فالحجة فِيهِ لَازِمَة

الثَّالِث ظَاهره أَن مَرَاسِيل الصَّحَابَة إِنَّمَا تعرف بطرِيق وَاحِد وَهُوَ أَن يكون الرَّاوِي مِنْهُم صَغِير السن أَي بِحَيْثُ يغلب على الظَّن أَنهم أخذُوا (د 51) مَا رَوَوْهُ عَن غَيرهم من الأكابر فَأَما مُرْسل أكَابِر الصَّحَابَة فَإِنَّهُ يعرف بتبيينهم لَهُ وَإِلَّا فَمَا رَوَوْهُ مَحْمُول على السماع وَإِن لم يصرحوا بِهِ

الرَّابِع أَشَارَ إِلَى الْعلَّة الْمُقْتَضِيَة لقبُول رِوَايَته بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ إِنَّمَا رددنا الْمُرْسل لاحْتِمَال عدم عَدَالَة الْوَاسِطَة وَهَذَا الْمَانِع مَفْقُود فِي الصَّحَابَة لعدالتهم فَلَا فرق بَين ذكر الْوَاسِطَة وحذفها لَكِن هَذَا ينْتَقض بِأَنَّهُم قد يروون عَن التَّابِعين وَقد صنف الْخَطِيب كتابا فِي الصَّحَابَة عَن التَّابِعين فَبلغ عَددهمْ نَحْو

ص: 507

الْعشْرين وَهَذَا يقْدَح فِي الْعلَّة الْمَذْكُورَة

قَالَ السرُوجِي فِي الْغَايَة من لم يَجْعَل الْمُرْسل حجَّة لم يَجْعَل مُرْسل الصَّحَابِيّ حجَّة إِلَّا لِأَنَّهُ يحمل على السماع من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَإِذا لم يعلم أَنه سَمعه لَا يُمكن حمله عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون سَمعه من صَحَابِيّ فَيكون حجَّة أَو من تَابِعِيّ مَجْهُول أَو ضَعِيف فَلَا يكون حجَّة وَلَا يَجْعَل حجَّة للشَّكّ والإحتمال قَائِم على أصلهم

قلت لَكِن قَول الصَّحَابِيّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَعَ احْتِمَال سَمَاعه من غَيره أَو من غير صَحَابِيّ احْتِمَال بعيد فَلَا يُؤثر فِي الظَّاهِر وَأما روايتهم عَن [التَّابِعين] فنادرة جدا وَحَيْثُ رووا عَنْهُم بينوهم فَبَان ضعف هَذَا الإحتمال

وَقد قيل أَيْضا وَإِن كَانَت روايتهم عَن الصَّحَابَة لَكِن الِامْتِنَاع من جِهَة أَنه يجوز أَن يرويهِ عَن صَحَابِيّ قَامَ بِهِ مَانع كماعز وسارق رِدَاء صَفْوَان

ص: 508

وَذكره الْقَرَافِيّ وَهُوَ ضَعِيف

فَإِن قيل كَيفَ يتَبَيَّن لنا إرْسَال الصَّحَابِيّ قلت قَالَ فِي كِتَابه فِي الْأُصُول إِن ظَاهر السماع لَا يثبت إرْسَاله إِلَّا بِقَرِينَة وَذَلِكَ كَقَوْلِه حَدثنَا الثِّقَة أَو حَدثنِي رجل من الصَّحَابَة وَبَلغنِي عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين [بن][دَقِيق الْعِيد] فِي شرح العنوان وَمن هَذَا الْقَبِيل أَن يَقُول التَّابِعِيّ حَدثنِي رجل من الصَّحَابَة أَو قوم من الصَّحَابَة فَهَذَا من وَجه إِبْهَام اسْمه كالمرسل إِذْ لَا فرق بَين ذكره وَعدم ذكره قَالَ وَمن دَقِيق هَذَا أَن يَقُول الرَّاوِي حَدثنِي من سمع فلَانا فَهَل يكون ذَلِك تعديلا لجزمه بِأَنَّهُ سمع إِذْ لَا يجْزم بذلك حَتَّى يكون عدلا عِنْده أَو يكون مُنْقَطِعًا لإبهامه فِيهِ نظر

ص: 509