الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّوْع الثَّانِي وَالْعشْرُونَ المقلوب
228 -
(قَوْله) هُوَ نَحْو حَدِيث مَشْهُور عَن سَالم جعل عَن نَافِع ليصير بذلك غَرِيبا مرغوبا فِيهِ انْتهى
وَهَذَا التَّعْرِيف غير واف بِحَقِيقَة المقلوب وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِير لنَوْع مِنْهُ وَحَقِيقَته جعل إِسْنَاد (أ 125) لمتن آخر وتغيير إِسْنَاد بِإِسْنَاد وَأطْلقهُ الْقشيرِي على مَا فسرنا بِهِ غَرِيب الْإِسْنَاد قَالَ وَهَذَا النَّوْع على طَريقَة الْفُقَهَاء يجوز أَن يكون بَينهمَا جَمِيعًا لَكِن تقوم عِنْد الْمُحدثين قَرَائِن وظنون يحكمون بهَا على الحَدِيث بِأَنَّهُ مقلوب وَقد يُطلق على رَاوِيه أَنه يسرق الحَدِيث وَقد يُطلق المقلوب على اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْنَاد والإسناد بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّفْظ
فالنسبة من اصطلاحهم إِطْلَاق المقلوب على شَيْئَيْنِ
أَحدهمَا مَا ذكره ابْن الصّلاح وَهُوَ أَن يكون الحَدِيث مَشْهُورا براو فَيجْعَل
مَكَانَهُ راو آخر فِي طبقته ليصير بذلك غَرِيبا مرغوبا فِيهِ كَحَدِيث مَشْهُور بسالم فَيجْعَل مَكَانَهُ نَافِعًا وَقد كَانَ يَفْعَله جمَاعَة من الوضاعين كحماد بن عَمْرو النصيبي وَإِبْرَاهِيم بن أبي حَيَّة
مِثَاله حَدِيث رَوَاهُ عَمْرو بن خَالِد الْحَرَّانِي عَن حَمَّاد بن عَمْرو النصيبي عَن
الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا إِذا لَقِيتُم الْمُشْركين فِي طَرِيق فَلَا تبدؤوهم بِالسَّلَامِ الحَدِيث فَهَذَا مقلوب قلبه حَمَّاد بن عَمْرو أحد الهالكين فَجعله عَن الْأَعْمَش وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف بسهيل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة هَكَذَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه
وَقد يَقع ذَلِك غَلطا من بعض الروَاة الثِّقَات (د 76) كَحَدِيث الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث بسر بن سعيد أَن زيد بن خَالِد
وَفِي سنَن ابْن مَاجَه قَالَ أرسلوني إِلَى زيد بن خَالِد
وَالصَّوَاب الأول قَالَ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة مقلوبا وَالْقَوْل عندنَا قَول مَالك وَرَبِيعَة
الثَّانِي أَن يُوجد إِسْنَاد متن فَيجْعَل على متن آخر أَو متن فَيجْعَل بِإِسْنَاد آخر وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الصّلاح فِي حِكَايَة البُخَارِيّ وَهَذَا قد يقْصد بِهِ أَيْضا الإغراب
فَيكون ذَلِك كالوضع وَقد يفعل اختبارا لحفظ الْمُحدث هَل يقبل التَّلْقِين أم لَا
وَمِمَّنْ فعل ذَلِك شُعْبَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَقد أنكر حرمي على شُعْبَة لما حَدثهُ (بهز أَن شُعْبَة) قلب أَحَادِيث على أبان بن أبي عَيَّاش فَقَالَ حرمي بئس مَا صنع
229 -
(قَوْله) وَكَذَلِكَ مَا روينَا أَن البُخَارِيّ قدم بَغْدَاد إِلَى آخِره
هَذِه الْحِكَايَة رَوَاهَا الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد فَقَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي الْحسن الساحلي أَنا أَحْمد بن الْحسن الرَّازِيّ سَمِعت أَبَا
أَحْمد بن عدي يَقُول سَمِعت عدَّة مَشَايِخ يحكون أَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ قدم بَغْدَاد فَسمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث فَاجْتمعُوا وعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر ودفعوها إِلَى عشرَة أنفس إِلَى كل رجل عشرَة أَحَادِيث وَأمرُوهُمْ إِذا حَضَرُوا الْمجْلس يلقون ذَلِك على البُخَارِيّ وَأخذُوا الْموعد للمجلس فَحَضَرَ الْمجْلس جمَاعَة أَصْحَاب الحَدِيث من الغرباء من أهل خُرَاسَان وَغَيرهم وَمن البغداديين فَلَمَّا اطْمَأَن الْمجْلس بأَهْله انتدب إِلَيْهِ رجل من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث فَقَالَ البُخَارِيّ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ فَمَا زَالَ يلقِي إِلَيْهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى فرغ من عشرته وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ فَكَانَ الْفُقَهَاء مِمَّن حضر الْمجْلس يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ فهم الرجل وَمن كَانَ مِنْهُم غير ذَلِك يقْضِي على البُخَارِيّ بِالْعَجزِ وَقلة الْفَهم ثمَّ انتدب رجل آخر من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث المقلوبة فَقَالَ البُخَارِيّ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ فَلم يزل يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد آخر حَتَّى فرغ من عشرته (أ 126) وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ ثمَّ انتدب إِلَيْهِ الثَّالِث وَالرَّابِع إِلَى تَمام الْعشْرَة حَتَّى فرغوا كلهم من الْأَحَادِيث المقلوبة وَالْبُخَارِيّ لَا يزيدهم على لَا أعرفهُ
فَلَمَّا علم البُخَارِيّ انهم قد فرغوا الْتفت إِلَى الأول مِنْهُم فَقَالَ أما حَدِيثك الأول فَهُوَ كَذَا وَصَوَابه كَذَا وحديثك الثَّانِي فَهُوَ كَذَا وَصَوَابه كَذَا وحديثك الثَّالِث وَالرَّابِع على الْوَلَاء حَتَّى أَتَى على تَمام الْعشْرَة فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وكل إِسْنَاد إِلَى مَتنه وَفعل بالآخرين مثل ذَلِك ورد متون الْأَحَادِيث كلهَا إِلَى
أسانيدها وأسانيدها إِلَى متونها فأقروا لَهُ بِالْحِفْظِ وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ
230 -
(قَوْله) وَمن أمثلته وَيصْلح مِثَالا للمعلل إِلَى آخِره
هَذَا مِثَال للقلب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْنَاد وَلم يتَعَرَّض للقلب فِي الْمَتْن ومثاله من حَدِيث جرير بن حَازِم هَذَا مَا أخرجه الْأَرْبَعَة من جِهَة جرير عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس رَأَيْت النَّبِي صلى الله عليه وسلم ينزل من الْمِنْبَر فيتعرض لَهُ الرجل فِي الْحَاجة الحَدِيث قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث جرير وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول [وهم جرير بن حَازِم فِي هَذَا الحَدِيث وَالصَّحِيح مَا رُوِيَ عَن ثَابت عَن أنس قَالَ أُقِيمَت الصَّلَاة فَأخذ رجل بيد النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَمَا زَالَ يكلمهُ حَتَّى نعس
بعض الْقَوْم قَالَ مُحَمَّد والْحَدِيث هُوَ هَذَا وَجَرِير رُبمَا يهم فِي الشَّيْء وَهُوَ صَدُوق]
وَمثله حَدِيث ابْن عمر إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تسمعوا أَذَان ابْن أم مَكْتُوم هَكَذَا فِي الصَّحِيح وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث خبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن عمته أنيسَة قَالَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أذن ابْن أم مَكْتُوم فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذا أذن بِلَال فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تشْربُوا فَإِن كَانَت الْمَرْأَة منا ليبقى عَلَيْهَا من سحورها فَتَقول لِبلَال أمْهل حَتَّى أفرغ [من] سحوري قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع
المسانيد كَأَن هَذَا مقلوب إِنَّمَا هُوَ إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل وَاحْتج عبد الْغَنِيّ ابْن سعيد بِهِ على جَوَاز السماع من وَرَاء حجاب اعْتِمَادًا على الصَّوْت وَقَالَ [إِن] ابْن أم مَكْتُوم أَو بِلَالًا يُنَادي بلَيْل وروى ابْن خُزَيْمَة مثله من حَدِيث عَائِشَة وَهُوَ خلاف الْمَشْهُور عَنْهَا لكنه لم يَجعله من المقلوب بل قَالَ لَا تضَاد بَين الْخَبَرَيْنِ لجَوَاز أَن يكون النَّبِي صلى الله عليه وسلم جعل الْأَذَان بِاللَّيْلِ نوبا بَين بِلَال وَابْن أم مَكْتُوم فحين تكون نوبَة أَحدهمَا لِئَلَّا تكون نوبَة الآخر عِنْد طُلُوع الْفجْر فجَاء الخبران على حسب الْحَالين وَذكر ابْن حبَان فِي صَحِيحه نَحوه
231 -
(قَوْله) فَإِن أطلق وَلم يُفَسر فَفِيهِ كَلَام يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَي فِي النَّوْع الثَّالِث وَالْعِشْرين
232 -
(قَوْله) الثَّانِي يجوز عِنْد أهل الحَدِيث وَغَيرهم التساهل فِي الْأَسَانِيد إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا حَاصله أَن الضَّعِيف لَا يحْتَج بِهِ فِي العقائد وَالْأَحْكَام وَيجوز رِوَايَته وَالْعَمَل بِهِ فِي غير ذَلِك كالقصص وفضائل الْأَعْمَال وَالتَّرْغِيب والترهيب وَنقل ذَلِك عَن ابْن مهْدي وَأحمد بن حَنْبَل وروى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل عَن عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي أَنه قَالَ إِذا روينَا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَحْكَام شددنا فِي الْأَسَانِيد وانتقدنا فِي الرِّجَال وَإِذا روينَا فِي فَضَائِل الْأَعْمَال وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب سهلنا فِي الْأَسَانِيد وتسامحنا فِي الرِّجَال
وَقَالَ الْعَبَّاس بن مُحَمَّد سُئِلَ أَحْمد بن حَنْبَل - وَهُوَ على بَاب أبي النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم - فَقيل لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا تَقول فِي مُوسَى بن عُبَيْدَة وَمُحَمّد بن إِسْحَاق فَقَالَ أما مُوسَى بن عُبَيْدَة فَلم يكن بِهِ (أ 127) بَأْس وَلَكِن
حدث بِأَحَادِيث مَنَاكِير عَن عبد الله بن دِينَار عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأما مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَرجل يكْتب عَنهُ هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي الْمَغَازِي وَنَحْوهَا فَأَما إِذا جَاءَ الْحَلَال وَالْحرَام أردنَا قوما وَقبض أَصَابِع يَدَيْهِ الْأَرْبَع
وَقَالَ ابْن عدي فِي الْكَامِل فِي تَرْجَمَة إِدْرِيس بن سِنَان الصَّنْعَانِيّ ثَنَا عَليّ ابْن أَحْمد بن سُلَيْمَان ثَنَا أَحْمد بن سعد بن أبي مَرْيَم سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول إِدْرِيس بن سِنَان يكْتب من حَدِيثه الرقَاق وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم ثَنَا أبي ثَنَا عَبدة قَالَ قيل لِابْنِ الْمُبَارك - وروى عَن رجل حَدِيثا - فَقيل هَذَا رجل ضَعِيف قَالَ يحْتَمل أَن يرْوى عَنهُ هَذَا الْقدر أَو مثل هَذِه الْأَشْيَاء قلت لعبدة مثل أَي شَيْء قَالَ فِي أدب فِي موعظة فِي زهد
وَحَكَاهُ الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وَأبي زَكَرِيَّا الْفراء الْمصْرِيّ وَغَيرهم وَنقل النَّوَوِيّ فِي الْجُزْء الَّذِي جمعه فِي إِبَاحَة الْقيام فِيهِ الِاتِّفَاق فَقَالَ (د 77) أجمع أهل الحَدِيث وَغَيرهم على الْعَمَل فِي الْفَضَائِل وَنَحْوهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حكم وَلَا شَيْء من العقائد وصفات الله تَعَالَى بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فِي فَضَائِل الْأَعْمَال إِذا علمت هَذَا فقد نَازع بعض الْمُتَأَخِّرين وَقَالَ جَوَازه مُشكل فَإِنَّهُ لم يثبت عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فإسناد الْعَمَل إِلَيْهِ يُوهم ثُبُوته وَيُؤَدِّي إِلَى ظن من لَا معرفَة لَهُ بِالْحَدِيثِ الصِّحَّة فينقلونه ويحتجون بِهِ وَفِي ذَلِك تلبيس قَالَ وَقد نقل بعض الْأَثْبَات عَن بعض تصانيف الْحَافِظ أبي بكر بن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي أَنه قَالَ إِن الحَدِيث الضَّعِيف لَا يعْمل بِهِ مُطلقًا
الثَّانِي حَيْثُ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فِي الْفَضَائِل شَرط الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فِي شرح الْإِلْمَام أَن يكون لَهُ اصل شَاهد لذَلِك كاندراجه فِي عُمُوم أَو قَاعِدَة كُلية فَأَما فِي غير
ذَلِك فَلَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ فِي شرح الْعُمْدَة حَيْثُ قُلْنَا يعْمل بالضعيف لدُخُوله تَحت العمومات مِثَاله الصَّلَاة الْمَذْكُورَة فِي أول جُمُعَة من رَجَب فَإِن الحَدِيث
فِيهَا ضَعِيف فَمن أَرَادَ فعلهَا وإدراجها تَحت العمومات الدَّالَّة على فضل الصَّلَاة والتسبيحات لم يستقم لِأَنَّهُ صَحَّ [أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم نهى أَن تخص لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام وَهَذَا أخص من العمومات الدَّالَّة] على فَضِيلَة مُطلق الْعِبَادَة قَالَ
وَهَذَا الِاحْتِمَال الَّذِي قُلْنَاهُ من جَوَاز إدراجه تَحت العمومات نُرِيد بِهِ فِي الْفِعْل لَا فِي الحكم باستحباب ذَلِك الشَّيْء الْمَخْصُوص بهيئته الْخَاصَّة لِأَن الحكم باستحبابه على هَيئته الْخَاصَّة يحْتَاج إِلَى دَلِيل عَلَيْهِ وَلَا بُد بِخِلَاف مَا إِذا بني على أَنه من جملَة الْخيرَات الَّتِي لَا تخْتَص بذلك الْوَقْت وَلَا بِتِلْكَ الْهَيْئَة وَهَذَا [هُوَ] الَّذِي قُلْنَا باحتماله وَجَوَاز الْعَمَل بِهِ
الثَّالِث مَا ذكره من عدم الْعَمَل بالضعيف فِي الْأَحْكَام يَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى مِنْهُ صور [أَحدهَا] أَلا يُوجد سواهُ وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ أَن الشَّافِعِي احْتج بالمرسل إِذا لم يُوجد دلَالَة سواهُ وَقِيَاسه فِي غَيره وَمن الضَّعِيف كَذَلِك وَقد نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه يعْمل بالضعيف إِذا لم يُوجد فِي الْبَاب غَيره وَلم يكن ثمَّ مَا يُعَارضهُ قَالَ الْأَثْرَم رَأَيْت أَبَا عبد الله إِذا (أ 128) كَانَ الحَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي
إِسْنَاده شَيْء يَأْخُذ بِهِ (إِذا لم يَجِيء أثبت مِنْهُ) مثل حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب وَإِبْرَاهِيم الهجري وَرُبمَا أَخذ بالمرسل إِذا لم يجد خِلَافه وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى قد أطلق أَحْمد القَوْل فِي الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فَقَالَ مهنا قَالَ أَحْمد النَّاس كلهم أكفاء إِلَّا الحائك والحجام والكساح فَقيل لَهُ تَأْخُذ بِحَدِيث كل النَّاس أكفاء وَأَنت تضعفه فَقَالَ إِنَّمَا يضعف إِسْنَاده وَلَكِن الْعَمَل
عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَة ابْن مشيش - وَقد سَأَلَهُ عَمَّن تحل لَهُ الصَّدَقَة - إِلَى أَي شَيْء تذْهب فِي هَذَا فَقَالَ إِلَى حَدِيث حَكِيم بن جُبَير قلت حَكِيم ثَبت عنْدك
فِي الحَدِيث قَالَ لَيْسَ هُوَ عِنْدِي ثبتا فِي الحَدِيث قَالَ القَاضِي قَول أَحْمد ضَعِيف أَي على طَريقَة أَصْحَاب الحَدِيث لأَنهم يضعفون بِمَا لَا يُوجب تَضْعِيفه عِنْد الْفُقَهَاء كالإرسال والتدليس والتفرد بِزِيَادَة فِي حَدِيث وَقَوله وَالْعَمَل عَلَيْهِ مَعْنَاهُ طَريقَة الْفُقَهَاء وَقَالَ مهنا سَأَلت أَحْمد عَن حَدِيث معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن غيلَان أسلم وَعِنْده عشر نسْوَة فَقَالَ
لَيْسَ بِصَحِيح وَالْعَمَل عَلَيْهِ كَانَ عبد الرَّزَّاق يَقُول عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ مُرْسلا
قلت وَهَذَا مُتَعَيّن فقد سبق عَن الإِمَام أَحْمد أَنه لَا يعْمل بالضعيف فِي الْحَلَال وَالْحرَام فَدلَّ على أَن مُرَاده بالضعيف هُنَا غير الضَّعِيف هُنَاكَ وَلَا شكّ أَن الضَّعِيف تَتَفَاوَت مراتبه وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة بنى أَبُو دَاوُد كِتَابه السّنَن وَحكى الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة فِي كتاب الْجَهْر بالبسملة عَن القَاضِي ابْن الْعَرَبِيّ أَنه سمع ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ فِي رحلته إِلَى الْعرَاق يَقُول مَذْهَب أَحْمد أَن ضَعِيف
الْأَثر خير من قوي النّظر
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ هَذِه وهلة من أَحْمد لَا تلِيق بمنصبه فَإِن ضَعِيف الْأَثر لَا يحْتَج بِهِ مُطلقًا قَالَ شَيخنَا شرف الدّين بن قَاضِي الْجَبَل من أَصْحَابنَا من قَالَ هَذَا من تصرف ابْن عقيل فِي الْمَذْهَب على الْقَوَاعِد وَلَيْسَ كَذَلِك فقد نَص عَلَيْهِ أَحْمد فِي رِوَايَة ابْنه عبد الله ذكره فِي مسَائِله وَرَوَاهُ عَنهُ شيخ الْإِسْلَام الْأنْصَارِيّ فِي كِتَابه وَنَصه قَالَ عبد الله قَالَ أبي ضَعِيف الحَدِيث خير من قوي الراي
قَالَ شَيخنَا القَاضِي شرف الدّين وَإِنَّمَا أُتِي من أنكر هَذِه اللَّفْظَة على أَحْمد لعدم مَعْرفَته بمراده فَإِن الضَّعِيف عِنْد أَحْمد غير الضَّعِيف فِي عرف الْمُتَأَخِّرين فَعنده الحَدِيث يَنْقَسِم إِلَى صَحِيح وَضَعِيف لِأَنَّهُ ضعف عَن دَرَجَة الصَّحِيح وَأما
الضَّعِيف بالاصطلاح الْمَشْهُور فَإِن أَحْمد لَا يعرج عَلَيْهِ أصلا انْتهى
وَقَرِيب من هَذَا قَول ابْن حزم إِن الْحَنَفِيَّة متفقون على أَن مَذْهَب أبي حنيفَة أَن ضَعِيف الحَدِيث عِنْده أولى من الرَّأْي وَالظَّاهِر أَن مُرَادهم بالضعيف مَا سبق
الثَّانِيَة إِذا وجد لَهُ شَاهد مقو مُؤَكد ثمَّ الشَّاهِد إِمَّا من الْكتاب أَو السّنة وَالَّذِي من الْكتاب إِمَّا بِلَفْظِهِ كَحَدِيث وَلَا تجسسوا وَلَا يغتب بَعْضكُم بَعْضًا فَهَذِهِ الصِّيغَة بِعَينهَا فِي الْقُرْآن وَأما بِمَعْنَاهُ كَحَدِيث نهى عَن الْغَيْبَة
والتجسس فَهُوَ بِمَعْنى الَّذِي فِي الْقُرْآن وَالْحَاصِل أَنه يتَبَيَّن للْحَدِيث أصل
وَالَّذِي من السّنة إِمَّا بِلَفْظِهِ مثل أَن يرْوى من وَجْهَيْن صَحِيح وَضَعِيف كل مَعْرُوف صَدَقَة وَنَحْوه فَيعلم بِالصَّحِيحِ أَن للضعيف أصلا فِي السّنة وَإِمَّا بِمَعْنَاهُ نَحْو (أ 129) من صنع مَعْرُوفا أثيب عَلَيْهِ إِذْ لَا يذهب الْمَعْرُوف عِنْد الله هدرا وَهَذَا بِمَثَابَة مَا إِذا أخبرنَا بِخَبَر وَاحِد وَأَحَدهمَا غير موثوق بِهِ فَإِنَّهُ إِذا أخبرنَا بِهِ الآخر الثِّقَة ظهر لنا أَن الأول صَادِق وَإِن كُنَّا لَا نعتد [بِهِ]
وَفَائِدَة هَذَا جَوَاز الْعَمَل بخبرين لَا يسْتَقلّ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْحجَّةِ ويستقلان جَمِيعًا باعتضاد كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ وَذكر النَّوَوِيّ فِي شرح الْمَذْهَب من كتاب الْحَج أَنه يعْمل بالضعيف إِذا رُوِيَ من طرق مفرداتها ضَعِيفَة فَإِنَّهُ يُقَوي بَعْضهَا
بَعْضًا وَيصير حسنا ويحتج بِهِ وَقد سبق تَحْرِير هَذَا فِي الْكَلَام على الْحسن
بَقِي مَا لَو ورد الحَدِيث على رفع الْوَاقِع فَلَا يكون هَذَا شَاهدا لَهُ لِأَن الْكذَّاب لَا يضع حَدِيثا إِلَّا على وفْق وَاقع أَو مُمكن وَالْوَاقِع بِمُجَرَّدِهِ لَا يدل على الحكم شرعا فَإِن قيل (د 78) لم جوزتم الْعَمَل بالضعيف مَعَ الشَّاهِد المقوي وَلم تجوزوه بالموضوع مَعَ الشَّاهِد قُلْنَا لِأَن الضَّعِيف لَهُ أصل فِي السّنة وَهُوَ غير مَقْطُوع بكذبه وَلَا أصل للموضوع أصلا فشاهده كالبناء على المَاء أَو على جرف هار ثمَّ الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ بذلك الشَّاهِد إِن صلح لاستقلاله
الثَّالِثَة أَن يكون (الْمَوْضُوع مَوضِع) احْتِيَاط فَيجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ظَاهرا قَالَ النَّوَوِيّ فِي كتاب الْقَضَاء من الرَّوْضَة قَالَ الصَّيْمَرِيّ لَو سَأَلَ سَائل فَقَالَ إِن قتلت عَبدِي هَل عَليّ قصاص فواسع إِن قتلته قتلناك فَعَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم من