الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصعوبات بوصفها علأمة نمو في المجتمع العربي
محاضرة ألقيت في الاتحاد القومي في دمشق يوم الاثنين 29 أب (أغسطس) سنة 1960
سيداتي سادتي:
اسمحوا لي أولاً أن أوجه شكري إلى وزارة الثقافة التي أتاحت لي فرصة الحديث معكم، فأشكرها في شخص الاخ الكريم الدكتور يوسف شقرا الذي تفضل عليّ إذ جعلني بينكم متحدثاً وإذ هو قدمني إليكم.
وإني لاخشى أن يكون الدكتور قد قدمني في صورة ربما سوف يمحو لساني بعض معالمها. فقد وضعني أمامكم كمن يتناول الحديث العربي بكل سهولة، والواقع على خلاف هذه الصورة.
ثم إني أشكر إخواني المشرفين على هذا المركز الذين حققوا هذه الفرصة للحديث، وإني أشكركم أيضاً أنتم الذين شرفتموني بحضوركم تشجيعاً لإنسان لا يتكلم العربية بسهولة.
إنه حينما بلغتكم الدعوة التي شرفتموني بتلبيتها، بلغتكم بعنوان (من قضايانا العربية). ولا شك أنكم قد أدركتم بأن الموضوع- تحت عنوان كهذا- يتناول في مضمونه جوانب شتى من القضايا العربية. وهذا يجعلنا مضطرين إلى توضيح حدود الحديث تحت هذا العنوان العام، ولعلنا لا نخطئ إذا ما حددنا هذا الإطار الخاص حول نقطتين قد يتناولهما رجل الدولة في مناسبة الحديث إلى المثقفين فيقول: إننا نضع عليكم اليوم عبء المسؤولية، كما قد يقول في مناسبة أخرى حين يتوجه إلى الذين يهتمون بالصناعة: إنه يمكننا أن نستورد المصانع ولكن لا يمكننا أن نستورد البشر، فإذا أخذنا هذين الاعتبارين بالتحليل النفسي إذا سمح لي هذا التعبير، فإننا نقول إن رجل الدولة الذي يواجه ويوجه الاعمال من مرحلة إلى مرحلة من حضيض إلى عل، يعبر عن شعوره بثقل المسؤولية، وبصعوبات السير في الطريق الذي يخططه التاريخ، فإذن لابأس في
أن نضع أمامنا موضوعاً لهذا الحديث الصعوبات والشعور بالصعوبات، فعن أي شيء تعبر الصعوبات عندما تواجهنا أو نواجهها نحن؟
لو أننا راجعنا ذكرياتنا، أو أتيح لمن كان في سني أنا أن يراجع ذكريات طفولته، وعلى تقدير أنه قد اتصل بحياة جده وحياة أبيه، ليتذكر بعد خمسين سنة أن الحالة النفسية التي كان يعيش فيها مع جده ومع أبيه ومع جيله هو قد تغيرت حسب مراحل ثلاث.
إنني أتذكر حياة جدي وقد كان شيخاً، وديعاً كريماً شأنه شأن العرب والمسلمين، الذين كانوا يعيشون في زمانه، غير أني أشعر الآن أن جدي كان يعيش في طمأنينة واستقرار لا يشعر بأية مشكلة، سواء كان ذلك من الناحية المادية التي لم يكن معها يريد من العيش إلا الكفاف، أومن الناحية النفسية لأنه لم يكن يواجه المشكلات ولا يشعر بوجودها. ثم مرت هذه المرحلة وجاء الجيل الذي منه نبت والدي، فإذا بي أراه قد دخل في جو جديد خاصة إبان الحرب العالمية الأولى، فقد بدأ يشعر بوجود مشكلات، ويرى أمامه أموراً لا يستطيع إلا أن يضع عليها نقط استفهام، ولقد أذكر في هذه الفترة التي تميزت بالشعور بهذا القلق، أن والدي كان يعيش في جيل فقد الطمانينة من نفسه، غير أنه لم يكتسب بعد روح الكفاح والبروز إلى المشكلات وجهاً لوجه. وغالب الظن أنه لم يكن يحاول تصنيف المشكلات حتى يستطيع مواجهتها بصورة واضحة.
وهكذا ولّى هذا الجيل لا يعرف الاستقرار، ولكنه أيضاً لا يعرف الحركة والأندفاع، ثم أتى الجيل الذي نحن منه، الذي تفضل الاخ الدكتور يوسف شقرا فقدمني على أنني ممن واجهوا قضاياه، والحق أنني لم أكن في هذا الطريق وحدي بل كان جمع من الشباب كثير، والذي ذكره الدكتور من الحادثة التي جعلتني في قريتنا في مطلع الشباب، أقوم بتأييد ثورة الريف لم أكن فيها وحيداً، بل كنا
ثلة من الشباب أثارنا أن يستخدم الإستعمار مساجدنا وأئمتنا للدعاية ضد الثورة الريفية، فقمنا لصد هذه الدعاية بصورة صبيانية، وربما فيها كثير من المخاطر، بل لعلها لم تكن هي الطريقة المثلى التي كان علينا أن نتبعها، غير أنه مع ذلك فقد شعرنا بوجود مشكلة، وإن هذا الشعور ليعبر دون شك عن حالة نفسية جديدة، وهو القيام بالواجب، أعني الخروج من الركود أو الحيرة: ذلك الركود الذي كان فيه جدي وتلك الحيرة التي عاشها والدي.
إذن فإنه يمكن لنا أن نعد الصعوبات (من ناحية نفسية) أوضح دليل على النهضة واليقظة للأمة العربية في هذا الجيل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فليس علينا من بأس في أن نستفيد من دراسة من سبقنا في هذا المضمار لنقول مع توينبي ((إن الصعوبات هي تحدّ خلاق لأنه يستحث الرد عليه)). ولا شك أن الرد لا يمكن أن يكون بغير الكد والتفكير.
ثم إنه بصفة عأمة يمكننا عَدّ هذه الصعوبات أزمة نمو تعيشها الأمة العربية، وطبيعي أنه ككل نمو لابد له من تعب وقلق وألم، ذلك أنه يقع في المجتمع وفي الفرد نفسه أيضاً شيء من التطاحن، بين قوات سلبية تدعوه إلى السكون، وهي دعوة تجد في طبيعة الإنسان عأمة قبولاً بسبب ميله الفطري إلى السهولة، وبين قوات إيجابية تدعوه إلى الكد والعمل، تحثه صعداً إلى الرقي، الذي هو رسالة الأمة، وإلى الدفاع عن كيان المجتمع؛ وبصورة عأمة إنها تدعوه إلى القيام بالواجبات .. وهكذا نرى أن الصعوبات هي أكبر مبشر بالحياة الاجتماعية الصحيحة.
لذلك كان طبيعياً أن رجل الدولة الاستاذ والوزير والنائب الذي يمثل الأمة العربية، في الاتحاد القومي يشعرون جميعاً بالصعوبات لأنها علأمة دخولهم ودخول أمتهم حلبة الكفاح.
ولكن هل تقنعنا هذه النظرة الوصفية للصعوبات؟.
إنه إذا كان مفيداً أن ننظر إلى الصعوبات بوصفها علامات تشير إلى مشكلاتنا، فإن هذه الفائدة لن تكتمل ما لم نجعل من هذه العلامات دليلا أيضا على أمراضنا الاجتماعية، التي لا مناص من مواجهتها. وليس من شك في أن سيادة الرئيس حينما توجه إلى الطلبة مرة وإلى حشود العمال مرة أخرى، شعر ببعض نقاط الضعف، فعبر عنها في المناسبتين كلتيهما بما ينبغي أن يعبر عنه رجل الدولة.
فإذا ما قدرنا أن هذه الصعوبات تعبر عن أزمة نمو، أي عن حالات شبيهة بالحالات المرضية، أو هي مرضية فعلاً، فإنه ينبغي علينا أن نسلك إزاءها مسلك الطبيب أمام الأمراض، إذ يحدد مكان المرض أو مصدره.
فما هو مصدر الصعوبات عأمة؟!
إننا إذا أجبنا على هذا السؤال إجابة عأمة مجردة، بمعنى أنها تكون صالحة لجميع أنواع المجتمعات الراقية، سواء فيها الاتحاد السوفيتي أو الأمريكي أو الاوربي فإننا نجدها تنشأ من جهات أربع:
فإما أنها تنشأ من خلل في عالم الأشخاص، وإما أنها تنشأ من خلل في عالم الأفكار، وإما أنها تنشأ من خلل في عالم الأشياء، وإما أنها تنشأ من خلل في علاقات هذه العوالم بعضها ببعض.
ولكن كيف ينشأ الخلل في عالم الأشخاص فينتج عنه صعوبات في مستوى السياسة أو في مستوى الثقافة؟
إنه من الطبيعي أننا نتصور الخلل في عالم الأشخاص بكل سهولة، إذا
ما كان في عشيرة فئة تدعو إلى الشر بمعنى أنهم مخربون. إذا كان جانب من الأمة يبني وآخر منها يخرب فهذا خلل كبير في عالم الأشخاص؛ فالسارق وشارب الخمر والذي يستغل إخوانه هو حجر عثرة في طريق المجتمع بل هو ذاته مرض متجسم.
أما الخلل في عالم الأفكار فنراه مثلاً في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث وجدنا كثيراً من الصعوبات بسبب الخلل في عالم الأفكار، فلو أمكن- وأظن ذلك صعباً- أن نقوم بإحصائية للافكار التي أدت إلى الكوارث الاجتماعية فإن العد لا يحصيها.
وليس التاريخ إلا نسيجاً من عمل الأشخاص وأفكارهم ومن عالم الأشياء. والخلل في عالم الأفكار، إما أنه ينشأ من الخطأ في تحديد المفاهيم أو في عدم ربط الأفكار بالطرق الصحيحة. فإذا ما اختلت المناهج المنطقية لدينا فأصبحنا نقول 2+ 2= 45، فإن هذا يعني أن ثمة خللا قد طرأ على عالم أفكارنا، وهذا ما حدث في تاريخنا. فمثلاً نعلم أن البوصلة هي التي أتاحت لكريستوف كولومبس اكتشاف أميركا، مع أنها لم تتح للعرب أن يقوموا بمثل هذا الاكتشاف، على الرغم من أنهم هم الذين اخترعوا ذلك الجهاز، لأن بعض المفسرين في ذلك الحين كانوا يؤمنون بأن الأرض قائمة على رأس ثور؛ فمثل هذه الأفكار تكبل المبادرات والجهود، وهي ليست خاصة بمجتمع، وكم كان بعض الأفكار المميتة مستولياً على كثير من المجتمعات حتى عاقها عن كثير من التقدم. ولنا أن نذكر منها في المستوى العلمي فكرة من الأفكار سادت مرحلة من التطور العلمي تلك هي: أن الطبيعة تأبى الفراغ، فقد كان علماء الفيزياء يقولون بها ويدينون، مع أنها فكرة مزيفة غير صحيحة، لأنها تؤدي إلى القول: إنه كلما وجد فراغ امتصته الطبيعة حتى يمتلئ. وهذا يعني بالتالي لو سرنا على قواعدهم المفاهيمية، أنه يمكننا نحن هنا في الأرض أن نتصل بالمريخ عن طريق الفراغ. ذلك أنه بفرض صحة هذه الفكرة، فإن الفراغ الكوني يمتلئ أولاً على حسابنا نحن إذ يمتص الهواء الذي حول الأرض. وهذا خطأ وقع فيه ضعف تصور الإنسان في مرحلة معينة. ولم ينقذه غير (ماريوت) حينما حقق الفكرة على قاعدة جديدة، فقال: إذا صعد الماء في فراغ قناة مفرغة، فذلك لا يعني أن الطبيعة تأبى الفراغ، وإنما شيء آخر هو التعادل بين ضغط الماء من ناحية وضغط الهواء في العلو المناسب من ناحية أخرى، لأن الضغط على سطح الماء 76 سنتيمتر من الزئبق.
أو يكون الخلل في عالم الأشياء فتنشأ ثَمَّ صعوبات أخرى. وهذه نراها ببساطة حينها تفقد الأشياء التجانس فيما بينها، فلا تؤدي أغراضها، وربما أحدثت الكوارث. فلو أننا أردنا تنوير مدينة بجهاز مولد للكهرباء تحت ضغط 220 فولت، ثم أخذنا مصابيح لهذا الغرض ذات 120 فولت فربما أحدث هذا التباين كارثة؛ وقس على هذا كثيراً من الامثلة التي نصادفها في حياتنا اليومية.
فالصعوبات إذن في عمومها تنشأ من هذه النواحي الثلاث: من عالم الأشخاص ومن عالم الأفكار ومن عالم الأشياء، فإذا أدركنا هذه الحقيقة علمنا أن الصعوبات التي يشعر بها الرئيس، أو نشعر بها نحن، لابد وأن تكون صادرة من هذه الجهات الثلاث. غير أننا بعد هذا التحديد العام للصعوبات ينبغي لنا أن نحددها تحديداً خاصاً بتكويننا الاجتماعي، وبفطرتنا الاجتماعية.
فلو أننا رجعنا على ضوء هذه الاعتبارات في حديثنا هذا، في المناسبتين اللتين افترضناهما آنفاً، لرأينا أن هذه الصعوبات التي نشعر بها، مردها إلى الفرد الذي له صلة خاصة بعالم الأفكار، وذلك حينما نتحدث إلى المثقفين؛ ومن ناحية أخرى ننسبه إلى الفرد الذي له صلة خاصة بعالم الأشياء، وذلك في حديثنا إلى العمال ورجال المصانع، وهكذا نجد أن صعوبتنا على ضوء التجربة التي نباشرها في مجتمعنا تنتج من عالم الأشخاص. ولكن على أنواع مختلفة: فمنهم الفرد الذي يتصل بعالم الأفكار، والآخر الذي يتصل بعالم الأشياء سواء كان صانعها أو مستهلكها. فإذا ما تساءلنا عما نستنتجه من هذا كله بوصفه نتيجة مؤقتة، فإننا لا نخطئ التقدير إذا قلنا في فقرة أولى: إن القضية منوطة أولاً بالثقافة التي تكون عالم الأفكار وتحدد علاقتنا به، وبالسياسة التي تكون عالم الأشياء وتحدد علاقتنا به.
غير أننا حينما نقف عند هذه النتيجة المستعجلة، فسوف نجد أنفسنا أمام مناقضة صورية. ذلك أننا نحمل جميعا في أذهاننا صورة تربط الثقافة بأهداف
السياسة ارتباطاً تحدد معه الثقافة أهداف السياسة، وترتبط السياسة بالثقافة لأنها هي التي تمد الثقافة بالوسائل؛ فنتساءل: ترى أين الثور وأين المحراث؟
هل الثقافة هي المحراث أو الثور! .. وهنا نقف أمام هذا اللغز في حيرة ولكنها صعوبة شكلية فقط.
إنه ينبغي لنا أولاً أن نحدد كلا من المفهومين (الثقافة والسياسة) تحديداً علمياً مستقلاً في ذاته وليس بنسبة أحدهما للآخر. وأن يكون هذا التحديد، فوق ما نريد له من الضبط العلمي والتدقيق، تحديداً تطبيقياً Pédagogique حتى يصبح صورة ذهنية واضحة في أفهامنا، وتستطيع أن تدركه أيدينا.
ولابد لي هنا أن أدعو شبابنا المثقف لأن تكون كل محاولة في أذهانهم تهدف إلى تطبيق عملي.
الأمر إذن هو أن نحدد الثقافة تحديداً كالذي أشرت إليه، وعلى هذا فلا بد
لنا من أن نعرف الثقافة على أنها توجيه الطاقات الفردية، لتحقيق بناء الفرد في الداخل بالنسبة إلى مصلحته، ولتحقيق مكانه في المجتمع بانسجام تلك المصلحة مع مصلحة المجتمع. والتحديد هذا فيه ما يدخل في نطاق الأخلاق، وفيه ما يخرج من هذا النطاق ليدخل في نطاق العلم. والذي يدخل من تحديدنا في هذا النطاق الاخير قولنا: إن الثقافة هي توجيه الطاقات الفردية، وليست الثقافة في غنى عن هذا الشطر من التحديد مطلقاً.
أما السياسة، فإننا نحددها على أنها توجيه الطاقات الاجتماعية، لتحقيق
بناء المجتمع في الداخل وتحقيق مكانه في الخارج. على أننا حينما نحلل الطاقات الاجتماعية عأمة، نرى أنها تتضمن أولاً وقبل كل شيء الفرد أداةً وهدفاً، فالطاقات الاجتماعية تنبع من الفرد وتعود إليه. فالفرد الصالح حينما يشارك في بناء المجتمع، فإن عمله هنا يعود إليه في صورة ضمانات اجتماعية تكفل له توجيه طاقاته الفردية. إذن هناك تضامن بين الثقافة والسياسة وليس ترتيب وأسبقية.
فالبناء هنا كالبناء الطبيعي للكائن الحي. فالطبيعة لا تبني في الإنسان إصبعه أولاً ثم شعره ثانياً.
فالقضية إذن في صورتها النهائية ليست في ترتيب القيم الاجتماعية، ولكن
في بنائها متضامنة متكاملة كبناء الكائن الحي، الذي ينمو في جميع جوانبه في وقت واحد، حتى لا يكون له مثلاً رأس رجل وأعضاء جني.
والتوفيق هذا بين الثقافة والسياسة يتحقق عن طريق الفرد، لأنه هو العنصر الواعي الموجه للطاقات الاجتماعية.
وبهذا فإننا نرى أن مصدر الصعوبات كلها في تكوين الفرد أعني في عالم الأشخاص. فإذا ما أردنا دراسة هذا العالم لنستقصي أهم الصعوبات في مجتمع ما، فإن علينا أن نسلك مسلك المحلل الكيمائي الذي يأخذ عينة من المادة التي ينبغي دراستها، لأن ثمة استحالة في تحليل المادة كلها. وهكذا فإننا حينما نتحدث عن عالم الأشخاص في مجتمع ما، فإننا نتحدث عن فرد منه. فإذا ما أدركنا حقيقة هذا الفرد ومشاكله والصعوبات التي تنتج منه، أدركنا المشاكل التي تنتج من عالم الأشخاص، والصعوبات التي تقوم فيه.
ونحن في بناء الفرد ينبغي أن نلاحظ أمراً لعله من تحصيل الحاصل، فإن الإنسان لا يتغير بوصفه كائناً حياً في حدود التاريخ؛ وإنما يتغير بوصفه كائناً اجتماعياً تغيره الظروف، فإن التاريخ يعجز عن أن يغير شعرة واحدة في الإنسان، ولكنه يستطيع أن يزيد أو ينقص من ميزاته الاجتماعية. وفعاليته من ناحية المنطق العملي. وفي رأيى أنه ينبغي للقرن العشرين أن ينظر إلى الأشياء هذه النظرة، ينبغي أن ينظر إلى المشاكل الاجتماعية من زاوية (الفعالية)؛ وليس معنى هذا أننا نغفل في الإنسان جوانبه الأخرى، بدعوى أنه قبل كل شيء آلة إنتاج وجهاز إنتاج. فإن معنى كلمة فعالية تجنح إلى التضييق
من معنى إنسانية الإنسان إلى حدٍ ما. وكثيراً ما نرى في منطق الغربيين حينما يتوجهون إلى خصومهم بالنقد مثل هذه الملاحظات، إذ نجدهم يقولون لهم إنكم تريدون أن تجعلوا من الفرد آلة إنتاج.
إننا لا نعني بالطبع هذا المعنى ما دام لنا نحن العرب والمسلمين من أرصدتنا الروحية، ما يحول دون نزوعنا إلى هذه المبالغة. خاصةً أننا نجد القرآن الكريم يعلي من شأن الإنسان حينما يقول:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70/ 17] فالإنسان فوق كل هذا في تحديد مهمته في المجتمع، لأنه أولاً وقبل كل شيء الكائن المكرم من الله.
إذن فنحن إذا ما توجهنا للفرد كي نعالجه على أنه هو مصدر الصعوبات ومصدر المشكلات، التي تنشأ في المجتمع ويعود تأثيرها عليه وعلى أسرته وأولاده، فإنه ينبغي لنا أن نلاحظ أن قيمته تتضمن معادلتين: معادلته بصفته إنساناً، أي معادلته كائناً طبيعياً خلقه الله ووضع فيه تكريمه، وهذه المعادلة لا تمسها يد التاريخ بتغيير، ومعادلته كائناً اجتماعياً، وهي هي التي تكون ميزة الفعالية فيه وتعلي من قيمته الاجتماعية في ظروف معينة. وهذه المعادلة الاخيرة تعترضها طوارئ التاريخ ونوائب الزمن: فلو أنه أتيح للفرد أن يعيش حياة سيدنا نوح أي ألف سنة إلا خمسين عاماً، لشاهد الاطوار التي تمر على معادلة الفرد بوصفه كائناً اجتماعياً كلها ولرآها تتغير تبعاً لمراحل مختلفة.
فما هي هذه المراحل التي تغير من قيمة الإنسان الاجتماعي، فترفعه أحياناً إلى
أعلى أو تلقي به في الحضيض أحياناً أخرى؟
لابد لي قبل الجواب على هذا السؤال أن أقص عليكم حادثة شاهدتها منذ زمن بعيد. ولعلها كانت سبباً في اتجاهي الفكري. فقد كان لي صديق جزائري أعرف فيه الصدق والإستقأمة والأخلاق النبيلة، وأعرف فيه العلم الواسع فقد كان من علماء الجزائر التقليديين، وكان إلى جانب هذا رقيق الحال لا يكاد كسبه يفي
بمطلوباته أباً. وحتى أعطيكم صورة عن مدى إخلاصه وقوة خلقه، فإني أذكر أنني زرته يوماً في مستشفى كان يعالج مرضاً ألم به، فوجدته متألماً ويبدو عليه التجهم، فلما سألته عما به قال لي: واحسرتاه إنني لم أعد أصلح للجهاد.
وذات يوم كنت جالساً مع أخي الجزائري على سطح مقهى في مرسيليا، يحدثني عن نوائب الزمان التي ألمت به، والضيق المادي الذي هو محدق برزقه، فلما انتهى من حديثه ودعني وانصرف لبعض أعماله، وبقيت وحدي على سطح المقهى أفكر في أمر أخي، وبينما أنا كذلك إذا بامرأة عجوز شمطاء دخلت المقهى، وعلى وجهها أمارات حياة قذرة، قد يخيل من ملامح وجهها أن رائحة الخمر تنبعث من فمها، فوقفت وسط المقهى وغنت بأقبح الصوت وهي ترقص على رجل واحدة، فما إن انتهت من الذي هي فيه حتى مدت يدها إلى الجالسين، فجمعت من طيبة الفرنسيين ما يكفي أخي الذي كان معي وأهله أسبوعاً.
وهكذا دار في ذهني هذا السؤال: لماذا هذا الرجل الفاضل المخلص يحرم من سعة العيش، وهذه المرأة المحرومة من كل ميزة خلقية يأتيها رزقها رغداً؟ ففهمت حينئذٍ أن حياة الفرد قبل أن تكون منوطة بذاته الخاصة وبموهبته الشخصية، هي منوطة أولاً وقبل كل شيء بصلته بمجتمع معين، فإذا كان المجتمع يقدم الضمانات للفرد، فإن كل فرد ولو كانت هذه المرأة الشمطاء لا يُحرم من الحياة، ولقد رأينا فعلاً نماذج كثيرة من هذا النوع في أوربا، تتمتع بالحياة ولا تحرم منها، بينما الرجل الفاضل الجزائري يُحرم من وسائل الحياة ولا يقدر على شيء منها.
إن القضية قضية مجتمع وليست قضية فرد، وحتى يكون كلامنا أكثر وضوحاً، فإنني أرى أن المتاعب التي تهاجم الفرد والمصاعب التي تعترضه في الطريق، ليس مصدرها تكوينه الخاص ولكن صلته بمجتمع معين، فالمجتمع
المتحضر يكفل الضمانات للفرد مهما كانت قيمته، والمجتمع المتأخر لا يقدم الضمانات ولا يمكنه تقديمها، لأن الحياة تتكامل بوصفها كُلاًّ ولا يمكن للمجتمع أن يتحمل مسؤولية هنا ووسائله في مجال آخر قصيرة.
إذن فحينما نقول إن كيان الفرد مرتبط بصلته بالحضارة، فإنه ينبغي لنا
أن نلاحظ بأن صلة الفرد بالحضارة أو مكانه منها هي في ثلاث مراحل: فالإنسان إما أن يكون قبل الحضارة، وإما أن يكون في نعيم الحضارة، وإما أن يكون قد خرج من الحضارة. والمراحل الثلاث هذه تختلف تمام الاختلاف. فمن المفهوم أن الإنسان المتحضر يختلف إذا اقتصرنا على هذا التحديد عن الإنسان غير المتحضر. ولكن ينبغي أيضاً أن نقيم نسبة أخرى بين الذي خرج من الحضارة والذي لم يدخلها بعد، فالإنسان الخارج من الحضارة يحتوي على بعض الرواسب، ويكون أكثر مصدراً للمصاعب في المجتمع من ذلك الذي لم يدخل بعد إلى هذه الحضارة.
إننا حينما ندرس قضية الفرد على هذه الطريقة، فإننا نرى أنه مهما تكن مرحلتنا نحن الأمة العربية من الحضارة اليوم، سواء كنا قبل الحضارة أم بعدها، لا بد لنا من تشييد حضارة، لأن التخطيطات التي دخلت فيها الأمة هي في نهاية التحليل تهدف إلى شيء واحد، سواء عبرنا عنه أو لم نعبر، هو تكوين حضارة، فحينما نقول إننا نريد أن نكون مجتمعاً يقدم الضمانات الاجتماعية للفرد ويؤيد الامن في العالم، أو أننا نريد أن ندرس قضايا مجتمعنا، إقتصادية كانت أم اجتماعية فإن شروط وصولنا إلى تحقيق هذا كله هي شروط الحضارة. بل إنه لا يمكن أن تنبع هذه الشروط إلا من الحضارة، ولا يمكن أن تتحقق إلا في إطارها. فحينما نفكر في مشكلة المصاعب التي تصدر عن الفرد وتواجهه فلا بد لنا أن نفكر في عودة الفرد إلى الحضارة أو دخوله إليها. وهنا نعلم لماذا نحن الآن نواجه صعوبات خاصة. ذلك لأننا في نقطة انتقال الفرد إلى الحضارة أو رجوعه
إليها. ولا شك فإن هذا الإنسان بين قوتين: قوى سلبية تريد إرجاعه إلى الوراء باستغلالها طبيعة الاستقرار في الإنسان، وقوى إيجابية تدفعه إلى الامام وإلى تحقيق مستقبله، فينبغي ألا تضعف القوى الإيجابية فينا عن الوصول إلى الحضارة.
ولكن ما هي الطرق التي ندخل بها إلى الحضارة؟ أو نعود بها إليها؟
إن أول الابواب إلى الحضارة أن نواجه المشكلات مستبشرين لا متشائمين،
فإذا ما واجهنا الامور متشائمين فقد أصبحت في حكم استحالة، ومن العبث أن نفكر بأننا نستطيع التغلب على المستحيل. وهذا ذهان مَرّ بنا نحن، فقد أصبحنا نقول مسبقاً إذا ما سئلنا لماذا لا تفعلون هذا الأمر؟ إنه مستحيل.
ويقابل هذا في الخطورة نفسية التساهل، إذا ما نظرنا إلى الأشياء على أنها
أمر تافه لا قيمة له. فقد نظرنا إلى اليهود ونحن في الجزائر نظرة احتقار، فلم نقدر قوتهم بينما هي واضحة وخاصة في المجال السياسي والإقتصادي، فقد نعلم أن دول أميركا وإنجلترا وفرنسا تؤيد اليهود. ومع ذلك فقد قلنا حثالة حقيرة، حينما ننفخ عليهم نفخة واحدة يطيرون، ولكنهم للاسف لم يطيروا.
فينبغي علينا أن نتخلص من نفسية المستحيل ونفسية التساهل، فليس هناك شيء سهل وليس هناك شيء مستحيل.
ثم إن الباب الثاني الذي ينبغي أن نعود منه للحضارة هو باب الواجب،
وأن نركز منطقنا الاجتماعي والسياسي والثقافي على القيام بالواجب، أكثر من تركيزنا على الرغبة في نيل الحقوق، لأن كل فرد بطبيعته توّاق إلى نيل الحق، ونفور من القيام بالواجب، إذن لسنا نريد من الفرد أن يطالب بحقوقه، فالطبيعة بحقوقه كفيل. بل ينبغي على متثقفينا وسياسيينا ومن يمثل كل سلطة أن يوجهوا الهمم إلى الواجب ..
فالمجتمع الذي يرتفع وينمو فإن ذلك يعني أن لديه رصيداً من الواجب فائضاً
على الحقوق. وحتى تشعروا بقيمة هذا الفائض يجب أن نتصور قضية قائمة اليوم: فالهند مثلاً لديها فائض من الإنتاج تستطيع أن تمول به المشاريع الجديدة بنسبة 2% من دخلها السنوي، بينما الصين تمول مشاريعها بنسبة 16%، مع أن غاندي هو الذي دعا للواجب قبل أن يدعو إليه شخص آخر. والقرآن الكريم قد دعا العباد من قبل إلى الطريق الواجب إذ أن الحقوق ستأتي هي بطبيعتها.
هذه هي الملاحظات التي أردت أن أقدمها لكم عن مشكلة الصعوبات والسلام عليكم
***