المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌التضامن الإفريقي الآسيوي - تأملات

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌التضامن الإفريقي الآسيوي

‌التضامن الإفريقي الآسيوي

محاضرة ألقيت بمدينة حلب يوم 29/ 12/ 1960

ص: 95

تعليق على هذا الفصل

إنني لم أفكر- عندما أعددت هذا الكتاب للطبع- أن أضع شبه مقدمة خاصة بهذا الفصل، إذ كان من الأولى لو بدت لي هذه الفكرة أن أسجلها في المقدمة العأمة، ولكن بعد أن أخذ الكتاب طريقه إلى الطبع، تغيرت بعض الظروف بالنسبة إلى هذا الفصل، وكثيراً ما يغير الطريق ظروف الصراع الفكري ويكشف عن ضروراته الجديدة.

إنني أدركت هذه الحقيقة خاصة في اليوم الذي كنت أعد للطبع كتاباً آخر

هو (فكرة الإفريقية الآسيوية) الذي نشرته منذ بضع سنين، فأدركت الصراع الفكري العنيف الذي سينشأ حول هذه الفكرة التي ولدت، كما يعلم كل أحد، في مؤتمر باندونج.

فرأيت من مصلحة الفكرة التي خصصت لها كتابي المذكور أن أضع في صدره

هذا التنبيه:

((لجأ المؤلف أثناء هذا التأليف إلى تصريحات لبعض المسؤولين وإلى شخصيات سياسية، بدت له آراؤها صالحة لتدعيم موضوعات فكرة الإفريقية الآسيوية، ومع ذلك فهو لم يعمد إلى ربط هذه الموضوعات بالأشخاص، وإنما بالأفكار وحدها: فإن الأشخاص قد تدفعهم بعض الأسباب- وخاصة ما يسمى مصلحة الدولة- إلى أن يتوقفوا في الطريق أو يتراجعوا، وعلى الرغم من هذا، فالتاريخ لا يقف ولا يعود أبداً للوراء، إلى المواقف التي سبق أن شغلها. ففكرة باندونج هي أحد هذه المواقف، التي لن يتخلى عنها التاريخ، فهي تمثل - بالنسبة لجزء من الإنسانية- قاعدة الإنطلاق نحو تقرير مصيره)).

القاهرة في 1956/ 11/3

ص: 97

فعندما كنت أحرر هذا التنبيه كنت أشعر بمسؤوليتي كاتباً، نحو فكرة أدرك ما سوف يجند ضدها الإستعمار من الوسائل الجبارة، وكنت من خلال تجربة ربع قرن، أدرك أن الإستعمار سوف يحاول قتل تلك الفكرة بكل ما لديه من الوسائل.

ومرت أيام ومرت معها فعلاً بعض معارك الصراع الفكري، كان الإستعمار يستهدف خلالها الاستيلاء على حصون الفكرة، ولكن أبت الاقدار أن تتركهما لشراسته .. حتى تغيرت الظروف وأتت في أفق السياسة الدولية بادرة نستبشر بها، ألا وهي مؤتمر الدول غير المنحازة.

وكما ذكرت في كتاب (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة)، فإن الإستعمار

لا يخرج من معركة لقتل فكرة، إلا ليدخل ضدها في معركة ثانية في صورة مجددة.

وقد تعودنا أن الإستعمار يحاول قتل الأفكار بكل ما لديه من الوسائل، ولكن يبدو أنه جدد خطته، وقرر هذه المرة أن يوحي بطرقه لأحد الأقلام، كي يكتب على هامش مؤتمر عدم الإنحياز- كي يخلق منه مسوّغا وحجة- أن فكرة باندونج ماتت.

وكتب سعادة الصحفي أن باندونج مرحلة مرت بدياجي التاريخ.

وهكذا كشفت لنا الأيام صورة جديدة في الصراع الفكري.

ولكن كما قلنا في التنبيه الذي نقلناه إلى القارئ، إن فكرة باندونج دخلت التاريخ وهي حية ترزق .. بل تلد أفكاراً مثل التي عبر عنها مؤتمر عدم الإنحياز

فهل يقال على أم ولدت وليدا أنها ماتت .. وأن الوليد هو الذي أصبح يقوم بدوره التاريخي

يا سعادة الصحفي.

مصر الجديدة في 1961/ 6/15

ص: 98

سيداتي سادتي

اسمحوا لي أن أشكر أولا وزارة الثقافة والإرشاد القومي، لأنها تتيح لي أن أتحدث إليكم، وأريد أن أشكر خاصة السيد الوزير الذي وضع هذا الحديث تحت إشرافه وشرفه بحضوره الشخصي، بعد أن اختار هو نفسه أن يكون موضوعه في (التضامن الإفريقي الآسيوي)، معبرا بذلك عن القيمة التي يعطيها رجل الدولة مثله، إلى هذا التضامن بوصفه مركزا من أهم مراكز استقطاب القوات السياسية في العالم اليوم.

وإنني لأشكر أيضاً حضراتكم شكرا شرفتموني معه بحضوركم. ولا شك أن موضوع حديثنا اليوم، يكون في نطاق الصراع الفكري حلقة مهمة من حلقات هذه المعركة، إلا أن جدة موضوع كهذا يحفه، في النظرة الأولى إليه، شيء من الغموض نود توضيحه بقدر الإمكان في هذا الحديث، حتى يتيسر للشباب العربي أن يدرك محتواه الاجتماعي والفكري، أي أن يدرك (التضامن الإفريقي الآسيوي) تعبيرا عن واقع إنساني، هو واقع الشعوب الإفريقية الآسيوية اليوم، ومفهوماً يحاول منذ مؤتمر باندونج، الدخول في عالم المفاهيم.

إن العواصف الجوية والأعاصير تجر معها غالبا سيولاً هائلة من الماء، سيولاً تترك وراءها في البلد الذي تجتاحه الخراب والموت، ولكنها تترك أيضاً على وجه الأديم طمياً تتجدد به الحياة في هذا البلد، فتنشط وتنمو فيه الطبيعة الجديدة بأنواع النبات والحيوان المتجدد.

فكذلك شأن الأحداث الكبرى في التاريخ: إنها تجر وراءها الموت والخراب، وتخلف طميا مخصبا، طميا من دماء الشهداء والابطال، ولكنها

ص: 99

تخلف أيضاً طمياً من نوع آخر تخلفه في العقول، حيث تترك بذوراً تنبعث منها الأفكار التي تغير مجرى التاريخ ووجه العالم.

فهكذا شأن الحرب العالمية الثانية: إنها حصدت عشرات الملايين من البشر وتركت على الأديم سيلا من الدماء في ساحات القتال، وفي المدن المحطمة، ولكنها خلفت أيضاً في العقول بذور أفكار بدأت تظهر آثارها في اتجاه العالم اليوم.

إن التضامن الإفريقي الآسيوي من هذه الأفكار وهذه الأحداث التي انطلقت إثر الحرب العالمية الثانية، وظهرت في حلبة السياسة الدولية منذ مؤتمر باندونج، الذي كشف للرأي العالمي عن وجود قوى جديدة دخلت التاريخ لتغير مجراه، كما كشف عن الشعور العميق في العالم إزاء هذه القوى كشفاً بدأ أثره يظهر غداة المؤتمر، عند بعض الكتاب في الغرب، حتى إن أحدهم عبر، أو على الأصح، ترك لمؤرخ في سنة 2000 ميلادية أن يعبر عن وجهة نظره في الموضوع، فيقول المؤرخ ((إن مؤتمر باندونج لم يحقق أي نتيجة عاجلة، ولكنه كان المركب للقوى التي خطت الطريق لتطور التاريخ، وشكلت العالم الذي نعيش فيه اليوم)) (1).

وعلى فرض أن باندونج ((لم يحقق أي نتيجة عاجلة)) كما يقول هذا الكاتب، ونحن على خلاف ذلك نرى أن شعوره نفسه يعبر بكل وضوح عن (نتيجة عاجلة)، حققها المؤتمر في المجال النفسي على الأقل، فإننا نعد باندونج من الوجهة الشكلية أول تعبير صريح عن دخول القوى الإفريقية الآسيوية في التاريخ وفي حلبة النضال السياسي العالمي، وإذا ما أضفينا على هذا الحادث التقدير، الذي يعيره له مؤرخ سنة 2000 في الجملة التي ذكرناها، أدركنا أن

(1) ولا شك أن القوى التى تجمعت تحت راية عدم الإنحياز هي من هذه القوى.

ص: 100

موضوع حديثنا يتضمن جوانب كثيرة، تفرض علينا في خطوة أولى ترتيب عناصره وتحديد إطاره حتى لا نتيه في رحابه المتسعة، ينبغي إذن أن نتناوله من زاوية معينة، وهذا يعني أن يجب في الخطوة الأولى أن نوضح حدود هذا الحديث.

فلو أننا وجدنا وجهاً لموازنة كي نتخذ منه مقياساً نقدر به المفهوم الذي يتضمنه حديثنا، والذي عبر عنه مؤتمر باندونج بالمصطلح السياسي، أعني مقياساً بمفهوم آخر من الفاهيم التي لديها أسبقية في إدراكنا وفي ثقافتنا، لو استطعنا ذلك لكنا على جانب من التوفيق، وإنني أعتقد أن القانون يعطينا هذا المقياس في بعض مصطلحه مثل (العقد) و (التعاقد) حيث يمكننا القياس عليه.

إن أهل القانون يعرفون العقد بصفة عأمة بأسبابه وبغاياته، أي بالأسباب

التي يجري بمقتضاها التعاقد بين طرفين أو بين أطراف متعددة، وبالغايات التي تمثل مصلحة مشتركة بين هذه الأطراف التي يتم بينها إبرام العقد.

فلو أضفينا هذا المعنى القانوني على عنوان حديثنا، أي على مصطلح (التضامن)، لوجدنا أن عناصره تترتب، طبقاً لموازنة التي نريدها، في عمودين يتضمن أحدهما أسباب التضامن الإفريقي الآسيوي، ويتضمن الآخر غاياته، مع العلم بالفوارق التي يجب مراعاتها بين ما يقتضيه مفهوم قانوني بسيط، تنتج كل خصائصه أي كل أسبابه وغاياته، عن إرادة الأطراف المتعاقدين، وبينما يقتضيه مفهوم معقد كونته ظروف تاريخية واجتماعية مختلفة، ولا تصدر أسبابه كلها وغاياته عن إرادة معينة، حتى إنه يمكننا من الآن القول إن مؤتمر باندونج الذي كان- كما ذكرنا- أول تعبير عن (التضامن الإفريقي الآسيوي) في التاريخ، لم يكن واعيا الأسباب التي دعت إليها كلها، ولا الغايات التي اجتمع من أجلها كلها، لأنه لم يكن معداً لتناول القضية الإفريقية الآسيوية

ص: 101

من الوجهة النظرية، أي من أجل وضع فلسفة عأمة تدرس وتعالج في ضوئها تلك القضية.

ومهما يكن الأمر، فإن الخطوة الأولى التي خطوناها تدعونا إلى ترتيب موضوعنا، حسب العناصر التي يتضمنها المصطلح المألوف عند أهل القانون، كما ذكرنا، مع ما يجب مراعاته من الفوارق التي أشرنا إليها، أي مراعاة الجانب الذي لا يقع تحت إرادة وإدراك الأطراف التي يشكلها مفهوم التضامن الإفريقي الآسيوي.

فهذه الملاحظة تجعلنا نعد الأسباب التي دعت إلى التضامن الإفريقي الآسيوي من نوعين:

1 -

الأسباب التي تتصل مباشرة بواقع الشعوب الإفريقية الآسيوية ذاتها.

2 -

الأسباب التي تتصل بالحالة العأمة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

ويجب علينا، من ناحية أخرى، اعتبار الغايات التي يهدف إليها هذا التضامن من نوعين أيضاً:

1 -

الغايات التي تتصل بمصير الشعوب الإفىريقية الآسيوية كما تحدده هي لنفسها، بإرادة واضحة، صادرة عن واقعها مباشرة أي عن ظروف حياتها اليومية.

2 -

الغايات التي تتصل بمصير العالم وبتوقعات التاريخ بصورة عأمة أي بالتوقعات التي لا تدخل في نطاق الإرادة مباشرة.

فهذه في نظري هي صورة الموضوع إذا ما حللناه إلى عناصره النظرية، ولكن كل عملية تحليل تؤدي بالشيء المحلل إلى أن يفقد جانباً من حقيقته، وإذا كان موضوع التحليل كائناً حيا من شأنه أن يفقد هذا الكائن صورته الحية بهذا

ص: 102

التحليل، فربما يفقد كذلك موضوعنا حيويته، وتفقد الفكرة التي يتضنها قيمتها بوصفها تعبيراً عن ملحمة الشعوب الإفريقية الآسيوية، التي بدأت تشعر منذ باندونج بقيمة دورها في العالم، وبالدوافع التي تحركها في هذه الملحمة.

وعليه فمن الصواب أن نخصص خطوتنا الثانية لعرض العناصر النظرية، التي يشملها الترتيب التحليلي السابق في صورة أخرى، تشكلها مع روابطها العضوية التي تربطها بواقع الحياة مباشرة، وتعبر عن تفاعلها المباشر في عملية التاريخ ذاتها، حتى تدرك مباشرة قيمتها في حياة الشعوب الإفريقية الآسيوية، ومعناها في مصيرها وفي مصير الإنسانية عأمة.

إنني أعتقد أن هذه الصورة قد يمكننا اقتباسها من أسطورة الغار الشهورة، التي وضعها أفلاطون للتعبير بطريقة رمزية عن اختلاف الإدراك عند الأفراد في مراحل فكرية معينة، فنحن نريد صورة رمزية تعبر عن اختلاف المجتمعات في أطوار تاريخية مختلفة.

يمكننا أن نقتبس بهذه الطريقة ما يعطي للترتيب التحليلي الذي قدمناه قيمته في واقع الحياة مباشرة.

فلنتصور إذن زائراً من السماء هبط للاستكشاف في الأرض، فمن الطبيعي أن جميع المصطلحات الخاصة بتنظيم الأرض تكون غريبة عنه، إذ أنه في عالم مجهول لا يعرف عنه شيئاً، ولكي نعطي لفرضنا زيادة من الدقة، يمكننا أن نتصور فضلا عن ذلك أن زائرنا أصم وأخرس، فمن البين في هذه الحالة أنه لن يدرك أي اختلاف اصطلح عليه أهل الأرض، أو أي حقيقة تاريخية أو شيئاً من الحقائق الدينية والسياسية واللغوية، وعأمة هو لا يدرك الخصائص الطارئة على الحياة الإنسانية، الخصائص التي تميز في نظرنا- نحن- أهل الأرض بلغاتها وأديانها وتاريخها، إنه لا يرى في الأشياء الأرضية ما يعبر عن تاريخها

ص: 103

ومصيرها، وإنما يراها مجرد موجودات في الصورة التي تقع تحت نظره مباشرة، دون أي تعليق مجرد، فكل الأشياء التي ندركها عن طريق التجريد، لا تلفت نظره ولا تخاطب فكره، كما لا تلفت نظره، في حدود فرضنا- أي في زيارته الأولى- الأوضاع الأخلاقية والسياسية وحدود الأنفس والدول، فهذه الأشياء كلها لا مفهوم لها عنده، فهو لا يرى من وراء الأشياء ماضيها أو مستقبلها، وإنما يراها في واقعها، كما هي الآن، ولا يرى في هذا الواقع نتيجة عمليات تاريخية مطردة مترابطة كما يراها ابن الأرض، فهو لا يكتشف في كل ما يقع تحت بصره تطورا وأسبابا، وإنما يراه مباشرة في حالة معينة، فنظرته لا تتجاوز الشكل السطحي أو الجلدي- إن صح التعبير- ولا تصل (بطبيعة الحال ومقتضى الفرض) إلى اللب الداخلي للمشهد الأرضي الذي يمر تحت بصره مر السحاب.

وخاصة، فالنظر البشري على سطح الأرض لا يوحي له بأي مضمون روحي بطبيعة الحال، إن بصره لا يرى من واقع البشر إلا صورته الاجتماعية، فجميع ملاحظاته ومذكراته لا يمكن أن تتصل إلا بغلاف الأشياء: فهو على هذا الفرض لا يميز بين الأشياء التي تعترض بصره إلا بالاختلاف الرئيسي، بالتباين الصريح الذي يثير اهتمامه.

ومما يقتضيه فرضنا: أنه ما كان لزائرنا السماوي خاصة أن يلتفت إلى لون

علم يرمز به عن خط صوري يمثل في مصطلح أهل الأرض الحدود السياسية لبلد معين: فهو لا يرى أمماً ولا دولاً، وإنما يشاهد ريفاً ومدناً وخطوطاً للمواصلات بينها وتجمعات بشرية، ولا شك أنه يسجل التغيرات التي تطرؤ على المنظر من مكان إلى آخر كلما تغير ما يسمى (اللون المحلي).

ولكن الأنتقال الذي يثير انتباهه بلا ريب، هو التحول الذي ينتج عن انفصال حقيقي في النظر الواقعي، بالنسبة له أي تبعاً لمعادلته الشخصية-كما

ص: 104

يحددها فرضنا- أي عندما يحدث في نفسه انفصال داخلي، لأن كل تغيير خارجي في مظهر الحياة وفي نسق هذا المظهر وفي أشكاله، يؤدي حتما إلى تغير داخلي في نفوسنا.

ولنفترض الآن، وفي محيط هذا الفرض الذي وضعناه، أن زائرنا السماوي يقطع المسافة بين واشنطن وموسكو، على طبق طائر أو بوسيلة أخرى، فمن الواضح أن المشهد البشري على طول هذا الطريق لا يحتوي على أي فاصل جوهري، بالنسبة إلى معادلته الشخصية كما حددناها: فربما تستلفت نظره لحظة رؤية ناطحات السماء الرائعة في شوارع نيويورك عندما يمر فوقها، ولكن هذه التفاصيل ستذوب حتما في مجموعة تفاصيل من النوع نفسه، إذ أنه سيرى في موسكو أيضاً (الناطحات) التي أنشأها ما سمي بعد الحرب العالمية الثانية (أسلوب ستالين).

فمكتشفنا سيصادف إذن، من أول الخط إلى نهايته اللوحة نفسها التي سجل

فيها الإنسان، الذي يعيش على هذا الخط نتائج كفاحه وعبقريته. فمن أقصى هذا الخط غرباً إلى أقصاه شرقاً يرى زائر السماء شبكات الطرق الحديدية والنهرية والجوية نفسها. والطابع نفسه الذي يكسو وجه الريف الذي تتدفق منتجاته على المدن الصناعية، المدن الكبيرة ذات الشوارع الواسعة، التي يخيل له أنها تنشط فيها الحياة في ساعات النهار نفسها وتتحرك فيها المجموعات البشرية نفسها، من أطفال ذاهبين إلى مدارسهم، ومن رجال ذاهبين إلى مصانعهم وورشهم ومكاتبهم. ويبدو فيها التنظيم نفسه للوقت تدل عليه هذه الحركة التنظيمية، التي تحتل الشوارع وتغادرها في ساعات محددة، والتنظيم المدني نفسه بمداخن مصانعه، ومدنه العمالية وقطارات المترو التي تلي حاجة هذا النشاط الزاخر إلى السرعة، ونظم التنوير وكيفية التنوير وكيفية الإضاءة في شوارع التجارة والملاهي بالليل.

ص: 105

وموجز القول إن نظرة زائر السماء ستصادف الدرجة نفسها من واشنطن إلى موسكو. فهو يرى خاصة هذا العامل في مصانع فورد في مدينة Détroit بأميركا، وزميله في مصانع رونولت بباريس، وزميلهما في مصانع كروب Krupp بمدينة إيسن أو في مصانع مولوتوف بموسكو.

فقبل أي تمييز سياسي أو ديني وقبل أي اعتبار خاص بالعنصر وبالصنف البشري الذي يصادفه نظره، فإنه يرى وجهاً واحداً في كل هؤلاء العمال، لأنهم يمثلون النموذج الاجتماعي نفسه، ولو أنه مد خطواته واستكشافه في الاتجاه نفسه حتى ضواحي طوكيو، فإنه لا يرى العنصر الأصفر في ملامح العامل الذي يشتغل في مصانع ميتسوي، بل يرى النموذج الاجتماعي نفسه الذي يتحرك داخل اللوحة، التي رسمها نشاط الإنسان على طول الخط من واشنطن إلى موسكو.

وحتى الآن ليس لدى زائرنا أي سبب يدفع عقله إلى أن يعقد أي صلة سببية، بين هذا النموذج الاجتماعي والنظر الذي يحوطه، إذ ليس لديه حتى الآن مقياس منطقي يربط هذين العنصرين في ذهنه، أي يربط بين صورة الفرد في محيط معين وبين هذا المحيط، ولكن ستسجل في ذاكرته بصفة آلية، هذه المطابقة في صورة فكرة تضم هذين العنصرين في وحدة معينة، ربما تتبلور في ذهنه بوصفها مقياسا وسوف يرجع إليها بصفتها قاعدة تمييز بعد أن تتم مشاهداته لظروف الأرض وخصائص الحياة على سطحها، فتصبح إذن هذه القاعدة مميزة في نظرية لتنوع هذه الظروف وهذه الخصائص.

وبالفعل فلنتبع الآن خطوات زائرنا في اتجاه آخر على طول الخط الممتد من طنجة إلى جاكارتا: إن النظر البشري سوف يتغير فجأة وبصورة كلية في نظره، إنه سوف يرى منذ الخطوات الأولى في هذا الاتجاه (مدن الأكواخ) المتناثرة هنا وهناك في ضواحي الدار البيضاء، وضواحي بومباي مثلاً، فتغير هذه الأكواخ تأثراته وانطباعاته جذريا، كأنه عبر الحدود الفاصلة بين عالمين مختلفين

ص: 106

اختلافاً، يحدث في نفسه انفصالا تاماً عن تأثراته وانطباعاته السابقة، ويأخذ هذا الأنفصال يتأكد في نفسه كما تابع مشاهاداته في الاتجاه الجديد، يتأكد بقدر ما يجمع في نفسه من آثار المشهد الجديد، الذي يراه الآن بمختلف ألوانه المعبرة عن صورة الحياة البشرية الجديدة على طول هذا الخط.

إن النظر الإنساني لم يعد هو الأول، فلا مصانع هنا ولا مداخن، ولا مدنا صناعية ناشطة في ساعات معينة من النهار، ساهرة بالليل من أجل الدعاية واللهو؛ والإنسان في المنظر الجديد يبدو ساكنا لم يطبع إرادته في تنظيم إطاره اليومي طباعة ينظم معها التراب والوقت؛ فعلى مساحات شاسعة يبدو التراب وكأن اليد البشرية لم تسيطر عليه قط، فهو بقي في سلطة الطبيعة أو عاد إليها، كأنه بكر لم يمس، والوقت يبدو لا شكل له فيمضيى تائهاً مبعثراً خامداً، فهو ير سدى فوق رؤوس جماهير عاطلة، لا تشعر بقيمة الساعات الضائعة؛ واللون المحلي تغير كله. ولقد أصبح الإنسان الذي يتحرك داخل المنظر الجديد من نموذج اجتماعي يختلف الاختلاف كله عن النموذج الأول.

هنا تنتهي رحلة زائرنا ولا أدري هل سيجعل منها موضوع تأمل ودراسة،

أو هو أتى لمجرد التفسح والتسلية، لا أدري هل توحي له مدن الأكواخ وناطحات السماء بموازنات يستنتج منها بعض الاستنتاجات، إذا عد الكوخ وناطحة السماء أدوات تعريف لبيئتين تختلف فيهما الحياة تمام الاختلاف.

إنني لا أدري كيف سيتصرف في ملاحظاته، لأنني أجهل طرق التفكير لدى

أهل السماء، ولكن لنفترض أن زائرنا أراد أن يتفضل علينا، فترك لنا بجانب الطريق- قبل عودته إلى مقره- كراسة ملاحظاته لنتصرف فيها كيفما نشاء، حسب إدراكنا الخاص لشؤون الأرض وتاريخها.

إنه يمكننا أن نستفيد مما في الكراسة مباشرة، ومما يمكننا استنتاجه من

ص: 107

محتواها طبقاً لطريقة التفكير الخاص بأهل الأرض، ولا في أيدحهم من وسائل التحليل.

لا شك أن زائر السماء بدأ يشعر بأنه قد تخطى فعلاً حدوداً فاصلة، عندما انتقل من خط واشنطن موسكو إلى خط طنجة جاكارتا، وأنه قد دخل عالماً تعد (مدن الأكواخ) فيه عنصر تعريف في غاية الأهمية بالنسبة إليه، وعنصر تمييز أيضاً لأنه يمثل حد التمييز بينه وبين النظر الأول، الذي يتميز بناطحات السماء ومدن العمال.

وربما نزيد على ملاحظة زائرنا طبقاً لمنطقنا الخاص، أن عنصر التعريف

هذا يستمد قوته من النموذج الإجتماعي: قد يتساءل زائر السماء عما إذا لم يكن الإنسان الذي التقط صورته في ضواحي كلكتا، هو الذي يراه الآن- وكأنه أضناه بعد السفر- مستنداً إلى حائط هذا الكوخ، يسترد أنفاسه في ضواحي مدينة من مدن إفريقيا الشمالية.

وعلى كل، فلا يمكننا نحن، طبقاً لما يتطلبه صب هذه الملاحظات في قضية عقلية، لا يمكننا إلا أن نربط بين هذين الرجلين مهما كانت الفروق اللغوية والعنصرية والسياسية والدينية التي تفصل بينهما. إن وجه القرابة بينهما واضح حتى لنظرة زائر السماء، لأنه يتذكر أنه لم يصادف نموذجهما في أي بقعة من بقاع رحلته الأولى.

إن هذا النموذج الاجتماعي الذي يتمثل فيهما هو صورة الإنسان الإفريقي الآسيوي، الرمزية في مرحلته الراهنة، أي صورة الإنسان الذي يتضمن واقعه ومصيره معطيات التضامن الإفريقي الآسيوي كلها، ويتضمن كيانه خاصة العناصر النظرية كلها التي جمعناها- من أسباب وغايات- في الجدول التحليلي الذي قدمناه في صدر هذا الحديث. إن تلك الأسباب والغايات التي أشرنا إليها، ما هي بعد التحليل سوى الدوافع التي تحرك هذا الإنسان، عندما يفكر في

ص: 108

شؤونه الخاصة أو في شؤون وطنه أو في شؤون العالم، أي عندما يفكر في مشكلاته بوصفه أبا يكدح من أجل قوت أبنائه، ومواطنا يناضل من أجل. تحرير بلاده، ورجلاً يعمل ما في استطاعته لتأييد قضية من قضايا العالم الكبرى كقضية السلم على وجه المثال.

ولكن هذه المشكلات ليست- في صورتها العأمة- خاصة بالإنسان الإفريقي الآسيوي، فالإنسان الذي يعيش على محور واشنطن موسكو يواجه أيضاً المشكلات نفسها، فهو يكدح من أجل قوت أبنائه، ويناضل في سبيل وطنه، ويعمل بصورة ما لتدعيم السلم حسب منطقه الخاص، وإنما قد أدركنا من خلال مشاهدات زائر السماء أن مواقف الطرفين إزاء هذه المشكلات تختلف بنتائجها: فهذا يسكن كوخاً في إحدى مدن الأكواخ، والآخر يتمتع ببيت في إحدى مدن العمال، والأول عاطل في نسبة كبيرة لا يجد من يشغله، بينما يجد الثاني في المكتب أو المصنع ما يعطيه الشغل، وواحد يرى الأجنبي مستقراً في بلاده بحكم يفرضه الإستعمار على البلاد المستعمرة، والثاني لا يتوقع عدواناً إلا على حدود بلاده، وهذا يرى أن قضية السلم في العالم منوطة بالضمير العالمي والآخر يراها منوطة بقوة السلاح.

يجب إذن أن نغير وجهة نظرنا في الدوافع العأمة التي تحرك نشاط الإنسان،

وأن نعدها من الوجهة الواقعية لا من الوجهة النظرية، كي نزيد فكرة التضامن الإفريقي الآسيوي وضوحاً، أو بعبارة أخرى كي نزيد تعريفاً لأسبابه وأهدافه الواقعية.

فلنعد إلى ملاحظات زائر السماء مرة أخرى، كي نتقدم خطوة جديدة في حديثنا.

إن زائر السماء قد ترك لنا من بين ملاحظاته عن حياة أهالي المحورين،

وعن النموذجين اللذين يمثلأن صورتي الحياة على هذين المحورين، ما يكفينا من

ص: 109

المسوّغات كي نوحد كليهما بالمحيط الإنساني الذي يعيش فيه، فيكون هكذا لدينا مقياس نقيس به الأشياء من حيث تشابهها النظري واختلافها الواقعي، تشابها ندركه في وحدة المصير التي يبدو أنها مقررة على كل محور، واختلافا ندركه عندما ننتقل مثل زائر السماء من محور إلى آخر، إن ملاحظات زائرنا تجعلنا نقرر- قبل أي تفسير تاريخي- أن رباطا عضويا يربط بين مصير الإنسان والمحيط الذي يحيط بحياته، حتى إنه يمكن مسبقا تقدير نسبة البشر الذين سيولدون في محيط معين، معرضين للأمراض الإجتماعية مثل الفقر والجهل والعطلة، أو الأمراض الجسمية مثل الرمد والبلهارسيا، ونسبة الذين سيولدون في محيط آخر متمتعين بكل الضمانات الإجتماعية، التي تقدم إليهم أحيانا حتى قبل مولدهم، في صورة منحات تقدمها الحكومات إلى النساء الحوامل.

وإذن فإن حظ الفرد مقدر إلى حد ما قبل مولده، تقدره أوضاع عأمة خارجة عن نطاقه الشخصي أو العائلي، تكون في الوقت نفسه حتمية اجتماعية.

ولكي تكون هذه الملاحظة مفيدة من الناحية النظرية، يجب أن نستنتج منها سؤالاً في صميم موضوعنا: يجب أن نسأل لماذا يولد الإنسان الإفريقي الآسيوي محروماً؟

إن ملاحظات الزائر ستهدينا إلى الجواب.

لنتصور قبل أن نترجم هذه الملاحظات إلى لغة التاريخ والاجتماع، وقبل أن نفسر نوع (الوحدة) التي قررنا وجودها من خلال مشاهدات الزائر، وأدركنا أنها تربط بين مصير الإنسان والمحيط الذي يعيش فيه، لنتصور زائرنا - فضلاً عن وجوده في كل مكان طبقا لفرضنا الأساسي، أن لديه أيضا القدرة على أن يكون موجودا في كل زمان، ولنفرض أنه رجع ألف سنة إلى الوراء، مع الرجاء أن يتفضل علينا هذه المرة مثل الأولى بملاحظاته، إنه سيرجع على طول

ص: 110

الطريقين الأولين، وسيرى من النظرة الأولى أن المنظر الإنساني الذي شاهده في المرة السابقة قد تغير كلية، ولكنه بقي محتفظا بشيء ثابت: فهو يتمثل مرة أخرى في صورة وحدتين محددتين تماما في المكان، بالتوزيع الجغرافي نفسه، أي في صورة قارتين يحدد كليهما محور جغرافي، الأولى محدودة بمحور طنجة جاكرتا، والثانية بمحور واشنطن موسكو.

وسيشعر الزائر هذه المرة مثل الأولى بانفصال داخلي يحدث في نفسه، عندما ينتقل من محور إلى آخر كأنه عبر حدودا تفصل بين عالمين مختلفين: إن الأنطباعات التي ينطبع بها الزائر تتغير تماماً تبعاً للاوضاع التي تتغير فعلاً مع النموذج الاجتماعي الذي يعيش فيها.

ولكن الظاهرة تبدو الآن في ضوء جديد: إن نسبة الحظ والشر المادي، أو مستوى المعيشة كما نقول اليوم، كانت في المرحلة الأولى لحساب الإنسان الذي يعيش على محور واشنطن موسكو، فها هي ذي الآن لحساب الإنسان الذي يعيش على محور طنجة جاكرتا، فقبل ألف سنة نجد التوزيع الجغرافي نفسه في صورة قارتين، ولكن التوزيع الاجتماعي في المرة الثانية يختلف تماما عن الصورة التي رآها الزائر في المرة الأولى، وكأن هذا الاختلاف الذي وقع اليوم لحساب النموذج الاجتماعي، الذي يعيش في القارة الشمالية، كان قبل ألف سنة لحساب النموذج الذي يعيش في قارة الجنوب: إنه كان من الأنسب أن يولد الإنسان على محور طنجة- جاكرتا، إذ كان يجد في مهده حظاً أسعد وعيشاً أرغد ومصيراً أضمن، لأن الأوضاع الموجودة إذ ذاك على هذا المحور، كانت تحقق للفرد الذي يولد هناك الضمانات الاجتماعية، التي يتمتع بها الفرد الذي يولد اليوم على المحور الشمالي، وقد تزداد هذه الملاحظة دلالة إذا ما ذهب الزائر في استكشافه أبعد من ذلك على هذا المحور، إذ يشاهد أميركا الجنوبية قبل كريستوف كولومب، عندما كان يعيش فيها النموذج الاجتماعي، الذي صنع حضارة المكسيك وحضارة

ص: 111

البيرو، بينما معاصره الذي يعيش في الاراضي التي تكون اليوم الولايات المتحدة، كان على غاية من الأنحطاط الاجتماعي في درجة البداية.

وبهذه الملاحظات المكانية والزمانية، ندرك الآن بوضوح أكثر أن الفرد مقيد مقدما وإلى حد كبير بالظروف التاريخية والجغرافية، التي تفرض شروط حياته قبل أن تشرطها مواهبه الشخصية، وأن حظه مرتبط مقدما بالقانون العام الذي يسيطر على حياة كل فرد ينتسب إلى (الوحدة) التاريخية التي ينتسب إليها هو، وذلك مهما كانت معادلته الشخصية، وهذا يعني خاصة أن الإنسان الإفريقي الآسيوي، يعاني اليوم مهما كانت مواهبه الشخصية، العوامل السلبية كلها التي يفرضها على كيانه انتسابه إلى خطه الجغرافي، إلى وحدة تاريخية معينة، إلى قارة محددة بظروف اجتماعية متشابهة، تسيطر على حياة الإنسان من طنجة إلى جاكرتا، وتكون بالتالي الصورة السلبية للتضامن الإفريقي الآسيوي، لأنها تضع على كاهل الإنسان الذي يولد على هذا المحور، جميع أعباء الحرمان التي تنزل عليه المحن وتحرمه من النعم، ولكنها تكون في الوقت ذاته وعيه الجماعي، أي العلأمة الأولى على كيان موحد في بعض الحدود، التي عبر عنها بشيء من الوضوح مؤتمر باندونج ومؤتمر القاهرة.

كما ندرك أيضاً- من خلال مشاهدات زائر السماء- أن هذه الحتمية التاريخية الجغرافية، تتغير تبعاً للزمن في مكان واحد، وتبعاً لمكان في زمن واحد.

وبالتالي فإن هذه المشاهدات كشفت لنا بعض الحقائق العأمة التي يجب الوقوف عند مضمونها القانوني، في نطاق القوانين والسنن التي يسير بمقتضاها التاريخ العام، كي ندرك بوضوح أكثر معناها بالنسبة إلى التضامن الأفريقي الآسيوي، وخاصة بالنسبة إلى الأسباب التي بعثته وإلى الغايات التي تحدد مصيره في التاريخ.

إن رحلة الزائر الأولى كشفت لنا عن وحدتين متقابلتين من واشنطن إلى

ص: 112

موسكو ومن طنجة إلى جاكرتا، وأدركنا دون أن نحدد طبيعة هاتين الوحدتين، أن كلتيهما تفرض قانونها العام على كيان ومصير الأفراد المرتبطين بإطارها، وهكذا يتحدد في نظرنا التضامن الإفريقي الآسيوي في صورته الاجتماعية، أي في صورة النموذج الموحد للحياة، وللمنظر الإنساني الذي يحيط بها من طنجة إلى جاكرتا، كما شاهده زائر السماء في رحلته الأولى.

أما الرحلة الثانية فإنها أكدت لنا وجود ظاهرة ذات أهمية بالغة، بالنسبة

إلى معنى الأحداث التي تؤثر على مجرى التاريخ، فالظاهرة هي وجود محورين، تنتقل معها من الواحد إلى الآخر القيم الحضرية بصورة دورية، كأنما تاريخ الإنسانية يصنع على محورين بينهما حركة مد وجزر مستمرة، تنقل القيم الحضرية المنوطة بهذا حظوظ الإنسان كما قدمنا، وكأنما التاريخ حوار مستمر بين المحورين، حوار ندرك معناه في بعض الأحاديث وفي بعض الأحداث: في بعض الأحاديث عندما ينشر مثلاً كتاب لغاندي بعنوان (حضارتهم وخلاصنا)، أو كتاب لرشاردوريت بعنوان (أنت أيها الرجل الأبيض).

وكأنما المهاتما غاندي والكاتب الزنجي كانا يعبران عن التضامن الإفريقي الآسيوي في أبسط صورته، وكأنهما كلاهما بلغته الخاصة يقومان بدور رجل محور طنجة جاكرتا عندما يخاطب رجل محور واشنطن موسكو، من أمثال (رويد يارد كيبلنج) شاعر النزعة الإستعمارية والتفرقة العنصرية عندما يتعالى على الإنسانية الملونة، فلم يتصور- على حد قوله- أن قرداً يستر عورته بقطعة قماش، سيصعد يوماً درجات السلم المرمري الأبيض، الموجود في مدخل قصر نائب جلالة ملك إنجلترة بنيودلهي، ليطالب بالحقوق، وهو يشير بكل وضوح إلى صورة غاندي المشهورة، وقد كان فعلاً لا يضع عليه إلا قطعة قماش أبيض يستر بها عورته، ولم يدرِ ذلك الشاعر المتكابر أن الأقدار كانت تهيئ لغاندي أن يصعد فعلاً ذلك السلم بعد الحرب العالمية الثانية، ليتحدث مع اللورد ماونتباتن

ص: 113

في شأن حق بلاده في الحرية والاستقلال، بل كانت تهيئ له أكثر من ذلك، وقد رأيناه يصعد قبل موته وبموته السلم الذهبي في ضمير الشعوب المهتمة بقضية السلام، كي يكون في قمة ذلك الضمير، رمز السلام في القرن العشرين.

إنما هذه الأحاديث لا تعبر وحدها عن هذا الحوار المستمر، بل نجده أحياناً

في لغة أخرى هي لغة الأحداث الكبرى، التي علمت طريق الإنسانية عبر القرون، من غزو الفرس بلاد اليونان إلى فتوحات الإسكندر المقدوني، ومن ملحمة هانيبال إلى انتصار غريمه سبيون الإفريقي، ومن الفتوحات الإسلامية إلى الموجة الصليبية والموجة الإستعمارية.

إنه الحوار في صور مختلفة .. الحوار الطويل بين محوري التاريخ .. وما الإستعمار إلا فقرة منه تقابل فقرة أخرى هي القابلية للاستعمار!!

وفي وسعنا أن نذكر فقرات أخرى منه سجلها التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية، وأن نضع أمام كل جملة تعبر عن إرادة إنسان محور واشنطن موسكو، جملة تعبر عن إرادة إنسان محور طنجة جاكرتا، بل بصورة أشمل إن المشكلات التي يعبر عنها الكبار على المحور الشمالي، والمشكلات التي تعبر عنها شعوب المحور الجنوبي، هي المتناقضات الرئيسية التي تصوغ جدلية القرن العشرين، وكل واحد من هاته التناقضات تعبر عن حلقة من الحوار، الذي تتتابع حلقاته في ترتيب منطقي، يتضمن أزواجا متقابلة الاجزاء كما تترتب الأسباب ونتائجها في اطراد تكويني معين، تبعاً للتطور الذي حدث في العالم منذ عام 1945؛ حتى إننا لو سجلنا هذه المتناقضات متقابلة في الترتيب الزمني، لصورنا وجه التاريخ وديناميكيته في الفترة التي نعيش فيها هكذا:

ص: 114

كبار شعوب المحور الشمالي .......... شعوب إفريقية آسيوية

التضامن الإستعماري الذي عبر عنه .......... التضامن الإفريقي الآسيوي الذي عبر

مؤتمر برلين في القرن الماضي .......... عنه مؤتمر باندونج لأول مرة

مشاكل القوة .......... مشاكل البقاء

سياسة القوة التي تمثلت في شخص دلاس .......... سياسة اللاعنف التي تمثلت في شخص نهرو

منطقة الحرب الباردة .......... منطقة السلم

الأحلاف العسكرية، استراتيجية التطويق .......... الحياد الإيجابي

فهذا الجدول يرسم في الواقع الصورة الراهنة للعالم، ويكشف عن جميع القوى التي توجه التاريخ وتكيف مصير الإنسان؛ والنظرة المتأملة فيه يمكنها أن تستخلص منه بعض الاستنتاجات، المتصلة بإمكان تلاقي التيارين اللذين يصورهما هذا الجدول، واجتماعها في تيار يوحد الإنسانية، أي في النقطة التي يبدو أنها قطب التاريخ، أي النقطة التي تتوق إليها كل قوى التاريخ على الرغم مما فيها من متناقضات، وإذا أدركنا أن التضامن الإفريقي الآسيوي في صورته السياسية، التي عبر عنها مؤتمر باندونج، هو إحدى هذه التناقضات التي تعبر عن البناء المزدوج للعالم، في الصورة التي كان ينظر إليها (جول فرن) عندما كان يكتب قصته المشهورة (ميشل ستروجف)، القصة التي كان يؤلفها هذا الكاتب الفرنسي لتمجيد البطولة في موجة الإستعمار الروسي، عندما انطلقت روسيا القيصرية تتوسع في القارة الآسيوية، فإذا كان التضامن الإفريقي الآسيوي في النظرة الأولى، يبدو وكأنه قوة تواجه التضامن الإستعماري، ويعيد هكذا للعالم بناءه المزدوج، فإن النظرة الفاحصة تبين أنه يعيد له هذه الصورة في نقطة انتقال فقط، أي في صورة مؤقتة ينتقل منها إلى صورة متحررة، من الإستعمار ومن القابلية للاستعمار، في مرحلة تطورية معينة، لابد أن تجتازها الإنسانية التي تهدف إلى توحيد بنائها.

ص: 115

فالتضامن الإفريقي الآسيوي لحظة معينة من الحوار التاريخي الذي أشرنا إليه، ولكنه اللحظة التي تغير مجرى هذا الحوار وتوجهه في اتجاه جديد، بين شعوب تواجه مشكلات البناء والبقاء، ودول تقدس القوة وتراها الحل الوحيد لجميع المشكلات القائمة في العالم.

ولكن لو تأملنا مرة أخرى جدول التناقضات الذي قدمناه، لأدركنا جانب الضعف في التضامن الإفريقي الآسيوي، لنرى من خلال هذا الجدول أن الوعي الذي يتمثل في ردود أفعاله، يتكون ويتطور طبقا للأسباب التي نشأت على محور واشنطن موسكو، المتصلة بمشاكل القوة، أكثر من الأسباب الناشئة على محوره، المتمثلة في مشاكل البقاء، أي أن هذا الوعي يتصل أكثر، بالأسباب السياسية الناتجة عن الحالة العأمة في العالم، كما تشكلها الأوضاع القائمة على المحور الآخر، أكثر مما يتصل بالأسباب التاريخية الاجتماعية المتكونة على محوره، وقرارات باندونج والمبادئ الخمسة، التي تكون التوجيهات الأساسية للتضامن الإفريقي الآسيوي، تعبر عن هذا الاتجاه المنحرف، انحرافا يجعل الأسباب الاجتماعية الماثلة في صورة النموذج البشري، الذي اكتشفه زائر السماء في رحلته من طنجة إلى جاكرتا في المرتبة الثانية من الأهمية، بينما يجب أن تكون هي المشكلات الأساسية التي يواجهها الوعي الإفريقي الآسيوي.

ويبدو فعلاً أن هذا الاتجاه لا زال قائماً، وأن الاهتمام لا زال منصرفاً إلى المشكلات السياسية منذ مؤتمر باندونج أكثر من المشكلات الاجتماعية، فنرى أن الأولى تدرس وتعالج على أعلى مستوى في المؤتمرات التي تعاقبت، وأعطت فعلاً مفهوم التضامن الإفريقي الآسيوي أقصى معناه في الاتجاه السياسي، بينما نعالج الثانية في نطاق الرسميات أو عن طريق المبادرة الفردية، أي في نطاق محدود الإشعاع من الناحية الأيديولوجية، أو بعبارة أوضح بوسائل لا تشكل التضمامن الإفريقي الآسيوي في أكمل معناه، وربما ينجر هكذا الوعي الإفريقي

ص: 116

الآسيوي، إلى الاهتمام بمشكلات القوة، أكثر من مشكلات البقاء، أي إلى الإنحراف ذاته الذي نؤاخذ عليه قادة السياسة على المحور الشمالي، الذين يكادون في كل لحظة يدفعون الإنسانية إلى كارثة عالية.

وهذا الإنحراف يسبب بالتالي تحويلاً للطاقات الاجتماعية وصرفها إلى القضايا الشكلية على حساب القضايا الحيوية، فيضيع هكذا الوقت الثمين الذي أصبح المادة الأولية في تنمية أي مجتمع، وخاصة إذا كان المجتمع في نقطة الإنطلاق، وتضيع بالتالي الحلول المناسبة لطبيعة المشكلات التي يواجهها اليوم الإنسان الأفروسيوي على المحور الجنوبي، أعني الحلول التي تحقق وحدها كيان ومصير هذا الإنسان ورسالته في العالم.

فلو كان لنا أو علينا، بموجب هذه الملاحظة، أن نعيد النظرة في الموضوع، لرجعنا مرة أخرى إلى كراسة زائر السماء، إلى ملاحظاته الوصفية، أي المجردة من كل تعليل، لنعطيها هذه المرة ما تستحق من التعليل في نطاق القوانين الاجتماعية.

إن هذه الملاحظة أعطتنا صورة صحيحة للإنسان، الذي يعيش اليوم على محور طنجة جاكرتا، ولكنها لم تعطنا معنى الواقع الذي يتجلى في هذه الصورة، بالكيفية التي تتيح لنا معالجته بطريقة منهجية وعلى أعلى مستوى، أي في نطاق التضامن الإفريقي الآسيوي في أقصى معناه.

فلا جدوى أن نذكر مرة أخرى ملاحظات زائر السماء، ولكن فلنتصرف في معناها في ضوء التاريخ وعلم الاجتماع.

فنحن نرى أولا أن هناك مشكلة خاصة للإنسان الإفريقي الآسيوي بالذات، أي مشكلة تخصه دون غيره من البشر في القرن العشرين، لأن المشكلات التي تواجه المجتمعات الأخرى سواء في أوربا أو في أمريكا تحدها حدود الدولة، ويمكن حلها في نطاقها، بينما المشكلة التي نضعها هنا موضوع الدراسة

ص: 117

تخص المصير المشترك الذي يخيم من طنجة إلى جاكرتا، وفي وضع عام يسود على طول هذا الخط وقد يسميه بعض الدارسين (التخلف)؛ وهو على كل حال وضع الفرد المحروم من الضمانات الاجتماعية، في نطاق وحدة تاريخية اجتماعية، تتجلى في النموذج الاجتماعي الذي اكتشفه زائر السماء على المحور الجنوبي.

ثم إننا مضطرون إلى أن نلاحظ أن هذا الوضع العام، وهذه الوحدة التي تفرض قانونها على مصير الفرد، مستقلان عن الظروف السياسية، والحدود القومية، والإطارات العنصرية، باعتبار أنها في مكان معين تتغير مع الزمن، وفي زمن معين تتغير حسب المحور الجغرافي.

فلو أننا- علاوة على الظروف التي تحدد مكانها بالنسبة لمحور أو لآخر- نأخذ

في اعتبارنا طبيعة العلاقة التي تربط حياة الفرد بهاته الوحدة، نكون مضطرين، بسبب خاصتها الجغرافية التاريخية وطابعها الاجتماعي، فيما يتعلق بالحتمية التي تفرضها على حياة الفرد المرتبط بها، ونكون مضطرين على اعتبار هاته (الوحدة) - التي لاحظها زائر السماء في صورتها القشرية، دون أن يفسرها لأنه يجهل ظروف الأرض- هي مجموعة الشروط التي تكون في المكان وفي الزمان حضارة معينة، أي الحضارة التي تطبع جميع حقائقها الثقافية، وخصائصها الأخلاقية والجمالية والصناعية، في أسلوب حياة يشمل النظر الإنساني، ويحدد سلوك النموذج الاجتماعي الذي يتحرك فيه.

وعليه فكل تفكير في مشكلة الإنسان بالنسبة إلى حظه في الحياة، هو في أساسه تفكير في مشكلة الحضارة، والمشكلة القائمة من طنجة إلى جاكارتا، وهي في جوهرها مشكلة حضارة، وهذا هو ما يفسر التغيير الجذري، الذي يشعر به زائر السماء عندما ينتقل من المحور الشمالي إلى المحور الجنوبي، فيرى الإنسان المعطل والتراب المعطَّل والوقت التائه، إنه يرى في الواقع حضارة معطلة، أو كما نقول بمصطلح العصر: إنه يرى مجتمعات متخلفة.

ص: 118

والآن يمكننا تفسير الحرمان الشامل الذي يطبع اليوم حياة الإنسان من طنجة إلى جاكرتا وتفسير عجز هذا الإنسان في مواجهة المشكلات العادية كما سبق أن بينا.

فمن البديهي إذن القول إن الإنسان الإفريقي الآسيوي يواجه اليوم أزمة حضارة، يجب عليه أن يحققها على محور تاريخه، أي أن يحقق وضعاً عاماً يتفق مع الشروط الفنية، التي من شأنها أن تخوله الضمانات الاجتماعية، التي يتمتع بها إنسان المحور الشمالي، فيتغير بذلك وضع الحياة البشرية من طنجة إلى جاكرتا، وتتغير معه كل القيم الحضارية، وينتج بالتالي تغيير كلي في طبيعة العلاقات ذاتها، بين المحورين تلك العلاقات التي يمكننا وصفها اليوم سياسياً وإقتصادياً واجتماعيا، بأنها علاقات الإستعمار بالقابلية للاستعمار، وعلاقات الإنتاج الصناعي بالزراعة والمادة الخام، وعلاقات مشكلات القوة بمشكلات البقاء، فتتغير هذه العلاقات حتى لا يبقى الحوار التاريخي بين الطرفين حواراً بين سيد ومسود، بين قوي وضعيف، بين متحضر دون مستوى الإنسانية الأخلاقي، ومتخلف دون مستوى الحضارة الاجتماعي، لأن كل تغيير اجتماعي على محور طنجة جاكرتا، يفرض تغييراً أخلاقياً وسياسيا على محور واشنطن موسكو، كما يمكننا أن ندرك ذلك من خلال تاريخ اليابان الحديث، إذ نراه على أثر الهجوم الإستعماري سنة 1853 يبادر منذ بداية العهد اليجي سنة 1868 بتغيير كل أوضاعه الاجتماعية بدخوله في دور حضارة جديدة. وإذا بهذا التغيير الداخلي يغير كل علاقاته السياسية بمحور القوة. فتأتي دول هذا المحور ترغب في صداقة ومحالفة الميكادو، وتعد إنجلترا معه فعلاً معاهدة صداقة دامت بين الدولتين ولم تلغها بريطانيا إلا سنة 1925. بعد أن كان لها أثرها الفعال في الحرب العالمية الأولى.

وبعد ما بدأت المنافسة الإقتصادية القاسية التي شرع فيها اليابان، عندما اكتسح أسواق جنوب آسيا، وهدد مراكز بريطانيا الإقتصادية في تلك النواحي، بما أطلق عليه الدنبنج الياباني Dumping.

ص: 119

ومهما يكن في هذه الطفرة من انحراف جذري لم نر معه اليابان يتطور في نطاق التضامن الإفريقي الآسيوي، بل على العكس نراه يتطور إلى دولة استعمارية، مندفعة في هذا الاتجاه بنزوع الروح القيصريه التي كانت تسيطر على الثقافة والسياسة في اليابان، الروح الذي يمثل في شخص الميكادو وفي شخصية الساموراي؛ ولكن على الرغم من هذا الإنحراف يبقى في تطور اليابان دلالة واضحة، على أن كل تغيير يحدث في الاوضاع الاجتماعية في صورة بناء حضارة، يؤدي حتما إلى تغيير في طبيعة العلاقات السياسية بين المحورين، كما يدل على ذلك مرة أخرى تاريخ اليابان، عندما نزلت بأرضه الجيوش الاجنبية على أثر الحرب العالمية الثانية، إنها نزلت للاحتلال العسكري، لا من أجل الاستغلال الإستعماري، لأن العهد الميجي قد محا نهائياً من النفس اليابانية، كل الاستعدادات السلبية التي نسميها القابلية للاستعمار.

فالطريقة إذن ناجحة مع التعديل الضروري، حتى لا تنجر الشعوب الإفريقية الآسيوية إلى انحراف اليابان الذي نشير إليه.

والطريقة تكون ناجحة بالنسبة إلى الشعوب الإفريقية الآسيوية من نواح متعددة، لأنها ترفع أولاً قيمة التضامن الإفريقي الآسيوي، من مستوى المفهوم السياسي المحدود الإشعاع، لأنه يخص في كل بلد القيادة السياسية، إلى مستوى المفهوم المطلق الذي لا يخص إشعاعه طائفة معينة، بل كل الأفراد في المجتمع الذي تبق فيه الحضارة بما فيهم الراعي ورجل العلم.

والحضارة تحقق هذا الشمول من وجهتين:

1 -

من الوجهة الديناميكية أولا، لأنها بوصفها فكرة سوف تضيف إلى الأسباب الناشئة على المحور الشمالي، التي تكوّن وحدها تقريباً كما بينا مضمون التضامن الإفريقي الآسيوي اليوم، تضيف إليها الأسباب الناشئة على المحور الجنوبي، التي بقيت تقريباً خارج هذا المضمون.

ص: 120

وهذا يعني أنها تعطي للتضامن الإفريقي الآسيوي أقصى معناه الفعال في إدراك الشعوب، لأنها تغرس روحه في كيانهم، محققة بذلك القاعدة الإيديولوجية التي لا كيان لسياسة بدونها.

2 -

ومن الوجهة العملية التطبيقية فإنها- بوصفها مشروعاً لعمل مخطط- تحرك أقصى ما يمكن من الطاقات الاجتماعية، لمواجهة أكثر ما يمكن من المشكلات الحيوية، المتصلة بواقع النموذج الاجتماعي، الذي اكتشفه زائر السماء على هذا المحور، فتغير بذلك وجه العالم كما يتوقع ذلك الكاتب الغربي الذي ذكرناه في صدر هذا الحديث.

لكن على شرط أن هذا العمل المخطط يحمل كل معناه، على أن يكون عمل

بناء لاعمل تكديس، لأن الحضارة لا تصنعها (كومة) من الأشياء المستوردة، وإنما هي بناء تطبعه فكرة معينة، كما تطبع فكرة المهندس المعماري العمارة التي شرع في بنائها، وإننا لنترك جانباً الحديث عن الشروط الفنية التي يقوم على أساسها هذا البناء.

ولكن إذا ما توافرت هذه الشروط كلها في تخطيط البناء الإفريقي الآسيوي، وفي المفهوم الأيديولوجي الذي تعبر عنه كلمة التضامن، فإن موجة جديدة ستغمر تاريخ الإنسانية من طنجة إلى جاكرتا، الموجة التي تدفعها ملحمة الإنسان الإفريقي الآسيوي في القرن العشرين، لتكون الكلمة الفاصلة في الحوار التاريخي بين المحورين.

حلب 29/ 12/ 1960

***

ص: 121