الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحداث السنة السادسة
غزوة الغابة
…
أحداث السنة السادسة:
قَالَ البكّائي، عَنِ ابن إِسْحَاق: ثُمَّ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ذا الْحَجَّةِ والمحرَّم وصَفَرًا وشهرَيْ ربيع، وخرج فِي جُمَادى الأولى إلى بني لحْيان يطلب بأصحاب الرَّجيع: خُبَيْب بْن عَدِيّ وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوة غرة، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤس الجبال. فقال: لو أن هبطنا عُسْفان لرأى أهلُ مكة أنّا قد جئنا مكة. فهبط فِي مائتي راكب من أصحابه حتى نزلوا عسفان. ثم بعث فارسَيْن من أصحابه حتى بلغا كِراعَ الغَمِيم، ثُمَّ كَرّا. وراح قافلًا.
غزوة الغابة:
أو غزوة ذي قرد: ثم قدم فأقام بِهَا ليالي، فأغار عُيَيْنَة بْن حصْن فِي خيل من غَطفان عَلَى لِقَاحِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بالغابة1، وفيها رَجُل من بني غِفار وامرأة، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة فِي اللّقاح.
وكان أوّل من نذر بهم سَلَمَةُ بْن الأكْوَع، غدا يريد الغَابة ومعه غلام لطلحة بْن عُبَيْد الله معه فَرَسه، حتى إذا علا ثَنِيَّةَ الوداع2 نظر إلى بعض خيولهم فأشرف فِي ناحية من سَلْع، ثم صرخ: وا صباحاه، ثُمَّ خرج يشتدّ فِي آثار القوم، وكان مثل السّبع، حتى لحق بالقوم، وجعل يردّهم بنَبْله، فإذا وُجّهت الخيل نحوه هرب ثُمَّ عارضهم فإذا أمكنه الرمْي رمى. وبلغ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ فصرخ بالمدينة: الفزع الفَزَعَ. فنزلت الخيول إِلَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وكان أول من انتهى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ الفرسان المِقداد وعَبّاد بْن بشْر، وأسيد بْن ظُهَيْر، وعُكّاشة بْن مِحْصَن وغيرهم. فأمر عليهم سعدَ بْن زيد، ثُمَّ قَالَ:"أخرج فِي طلب القوم حتى ألحقك بالنّاس". وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لأبي عَيّاش: "لو أعطيت فرسك رجلًا منك". فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أفرس النّاس، وضربت الفرسَ فَوَالله ما مشى بي إلّا خمسين ذراعًا حتى طرحني فعجبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لو أعطيته أفرس منك وجوابي لَهُ".
ولم يكن سَلَمَةَ بْن الأكْوَع يومئذٍ فارسًا، وكان أوّل من لحق القومَ عَلَى رِجْلَيْه. وتلاحق الفُرسان فِي طلب القوم، فأول من أدركهم محرز بن نضلة الأسدي.
1 موضع قرب المدينة من ناحية الشام، بينه وبين سلع ثمانية أميال.
2 ثنية الوداع: هي ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة.
فأدركهم ووقف بين أيديهم ثُمَّ قَالَ: قفوا يا معشر بني اللّكيعَة حتى يلحق بكم من وراءكم من المسلمين. فحمل عَلَيْهِ رَجُل منهم فقتله، ولم يُقتل من المسلمين سواه.
قَالَ عَبْد الملك بْن هشام: وَقُتِل من المسلمين وقاص بْن مجزّز المُدْلجِي. وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَنْ لا أَتَّهِمُ عَنْ عبد الله بْن كعب بْن مالك، أَنَّ مُجَزِّزًا إِنَّمَا كَانَ عَلَى فَرَسِ عُكَّاشَةَ يُقَالُ لَهُ الْجنَاحُ، فَقُتِلَ مُجَزِّزٌ وَاسْتُلِبَ الْجنَاحُ. وَلَمَّا تَلاحَقَتِ الْخَيْلُ قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ، حَبِيبَ بْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَغَشَّاهُ بِبُرْدِهِ، ثُمَّ لَحِقَ بِالنَّاسِ. وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَرْجَعُوا وَقَالُوا: قُتِلَ أَبُو قَتَادَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ بِأَبِي قَتَادَةَ وَلَكِنَّهُ قَتِيلٌ لأَبِي قَتَادَةَ وَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ لِيَعْرِفُوا بِهِ صَاحِبَهُ".
وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أوبَارًا وَابْنَهُ عَمْرَو بْنَ أوبَارٍ، كِلاهُمَا عَلَى بَعِيرٍ، فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعًا. واستنقذوا بَعْضَ اللِّقَاحِ.
وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى نَزَلَ بِالْجَبَلِ مِنْ ذِي قَرَدٍ، وَتَلاحَقَ النَّاسُ بِهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَقَالَ سَلَمَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بَقِيَّةَ السَّرْحِ وَأَخَذْتُ بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: "إِنَّهُمُ الآنَ لَيُغْبَقُونَ فِي غَطَفَانَ". فَقَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَصْحَابِهِ، فِي كُلِّ مِائَةِ رَجُلٍ، جَزُورًا. وَأَقَامُوا عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ: وَانْفَلَتَتِ امْرَأَةُ الْغِفَارِيِّ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ أَنْ أَنْحَرَهَا إِنْ نَجَّانِي اللَّهُ عَلَيْهَا. قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: "بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا أَنْ حَمَلَكِ اللَّهُ عَلَيْهَا وَنَجَّاكِ بِهَا ثُمَّ تَنْحَرِينَهَا، إِنَّهُ لا نَذْرَ فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ إِنَّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إِبِلِي، ارْجِعِي عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ".
قُلْتُ: هَذِهِ الْغَزْوَةُ تُسمَّى غَزْوَةَ الْغَابَةِ، وَتُسمَّى غَزْوَةَ ذِي قَرَدٍ1.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، إِنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَنَّهَا زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ2.
قَالَ أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ: أَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سلمة بن
1 ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر.
2 أخرجه مسلم "1807" في "كتاب الجهاد والسير".
الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَباحٌ -غُلَامُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَخَرَجْتُ بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُنَدِّيَهُ1 مَعَ الْإِبِلِ. فَلَمَّا كَانَ بِغَلَسٍ، أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَتَلَ رَاعِيهَا وَخَرَجَ يَطْرُدُهَا وَأُنَاسٌ مَعَهُ فِي خَيْلٍ. فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ اقْعُدْ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فَأَلْحِقْهُ بِطَلْحَةَ وَأَخْبِرْ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر. فَقُمْتُ عَلَى تَلٍّ فَجَعَلْتُ وَجْهِي مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: يَا صَبَاحَاهُ. ثُمَّ اتَّبَعْتُ الْقَوْمَ مَعَ سَيْفِي وَنَبْلِي فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ وَذَلِكَ حِينَ يَكْثُرُ الشَّجَرُ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ جَلَسْتُ لَهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَمَيْتُ، فَلَا يُقْبِلُ عَلِيَّ فَارِسٌ إِلَّا عَقَرْتُ بِهِ. فَجَعَلَتْ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الْأكْوَعِ
…
وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَلْحَقُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَرْمِيهِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَةِ رَحْلِهِ، فَيَقَعُ سَهْمِي فِي الرَّحْلِ حَتَّى انْتَظَمَتْ كَتِفُهُ، فَقُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ.
وَكُنْتُ إِذَا تَضَايَقَتِ الثَّنَايَا عَلَوْتُ عَلَى الْجَبَلِ فَرَدَأْتُهُمْ2 بِالْحِجَارَةِ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ شَأْنِي وَشَأْنُهُمْ أَتَّبِعُهُمْ فَأَرْتَجِزُ، حتى ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ سَرْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَائِي وَاسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ. ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا3، وَلَا يُلْقُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ حِجَارَةً وَجَمَعْتُهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا مُدَّ الضُّحَاءُ4 أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ مَدَدًا لَهُمْ، وَهُمْ فِي ثَنِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ. ثُمَّ عَلَوْتُ الْجَبَلَ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحِ، مَا فَارَقَنَا سَحَرًا حَتَّى الْآنَ وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ فِي أَيْدِينَا وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَوْلَا أَنَّ هَذَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَهُ مَدَدًا لَقَدْ تَرَكَكُمْ، لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ. فَقَامَ إِلَيَّ أَرَبَعَةٌ فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ. فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمُ الصَّوْتَ قُلْتُ: أَتَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني.
1 أنديه: أي يوردها فتشرب قليلا ثم يرعاها قليلا ثم يردها إلى الماء.
2 أي: رماهم بها.
3 أي: يخففون من أحمالهم.
4 الضحاء: أكلة الضحى.
قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنِّي أَظُنُّ؛ يَعْنِي كَمَا قَالَ. فَمَا بَرِحْتُ مَقْعَدِي ذَلِكَ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى فَوَارِسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، وَإِذَا أَوَّلُهُمُ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ، وَعَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقدَادُ. فَوَلَّى الْمُشْرِكوُنَ. فَأنْزلُ مِنَ الْجَبَلِ فَأعْرضُ لِلأَخْرَمِ فَآخذُ عِنَانَ فَرَسِهِ فَقُلْتُ: يَا أَخْرَمُ أَنْذِرِ الْقَوْمَ يَعْنِي أُحَذْرُهُمْ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَقْطَعُوكَ، فَاتَّئِدْ حَتَّى يَلْحَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عِنانَ فَرَسِه فَيَلْحَقُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ الْأَخْرَمُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ. وَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ فَيَلْحَقُ أَبُو قَتَادَةَ بِهِ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعقَرَ بِأَبِي قَتَادَةَ، وَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ. ثُمَّ خَرَجْتُ أَعْدُو فِي أَثَرِ الْقَوْمِ حَتَّى مَا أَرَى مِنْ غُبَارِ أَصْحَابِي شَيْئًا.
وَيَعْرِضُونَ قَبْلَ الْمَغِيبِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالَ لَهُ ذُو قَرَدٍ، فأرادوا أن يشربوا منه، فأبصروني أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَعَطَفُوا عَنْهُ وَاشْتَدُّوا فِي الثَّنِيَّةِ، ثَنِيَّةِ ذِي دَبْرٍ، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَلْحَقُ رَجُلا فَأَرْمِيهِ فَقُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَع. قَالَ فَقَالَ: يَا ثُكْلَ أُمِّي، أَكْوَعِيٌّ بُكْرَةً؟ 1 قُلْتُ: نَعَمْ يَا عُدوَّ نَفْسِهِ، وَكَانَ الَّذِي رَمَيْتُهُ بُكْرَةً، فَأَتْبَعْتُهُ سَهْمًا آخَرَ فَعَلِقَ بِهِ سَهْمَانِ. وَيُخَلِّفُونَ فَرَسَيْنِ فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ ذُو قَرَدٍ؛ فَإِذَا نَبِيُّ اللَّهِ فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ قَدْ نَحَرَ جَزُورًا مِمَّا خَلَّفْتُ، فَهُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنْ أَصْحَابِكَ مِائَةً وَاحِدَةً فَآخُذُ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْعَشْوَةِ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ قَالَ: "أكُنْتَ فَاعِلا يَا سَلَمَةُ"؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمْ يُقْرَوْنَ الآنَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ قَالَ: مُرُّوا عَلَى فُلانٍ الْغَطَفَانِيِّ فَنَحَرَ لَهُمْ جَزُورًا، فَلَمَّا أَخَذُوا يَكْشِطُونَ جِلْدَهَا رَأَوْا غَبَرَةً فَتَرَكُوهَا وَخَرَجُوا هِرَابًا.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ. وَأَعْطَانِي سَهْمَ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ جَمِيعًا. ثُمَّ أَرْدَفَنِي وَرَاءَهُ على العصباء راجعين إلى المدينة.
1 أكوعي بكرة؛ أي: أأنت الأكوع الذي كنت تتبعنا بكرة اليوم؟
فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا قَرِيبًا مِنْ صَحْوَةٍ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لا يُسْبَقُ، فَجَعَلَ يُنَادِي: هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ وَكَرَّرَ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا وَلا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لا، إِلا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي خَلِّنِي فَلأُسَابِقْهُ. قَالَ: "إِنْ شِئْتَ".
قُلْتُ: أذْهَبُ إِلَيْكَ. فَطَفَرَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ عَنِ النَّاقَةِ. ثُمَّ إِنِّي رَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ؛ يَعْنِيَ اسْتَبْقَيْتِ نَفْسِي، ثُمَّ إِنِّي غَدَوْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ فَأَصُكَّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِيَدِي. قُلْتُ: سَبَقْتُكَ وَاللَّهِ. فَضَحِكَ وَقَالَ: أَنَا أَظُنُّ. فَسَبَقْتُهُ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هَاشِمٍ1.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْحَرَّانِيِّ بِمِصْرَ، وَعَلَى أَبِي حَسَنِ علي بن أَحْمَدَ الْهَاشِمِيِّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَةِ، وَعَلَى أَبِي سَعِيدٍ سُنْقُرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِحَلَبَ، وَعَلَى أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَقْدِسِيِّ بِقَاسِيُونَ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَقِيهِ، وَأَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ مَحَاسِنَ، وَعُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَدِيبُ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ رُوزَبَةَ.
ح وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ الْيُونِينِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ الْعَبَّاسِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عُثْمَانَ الْفَقِيهُ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حَازِمِ، وَعَلِيِّ بْنِ بَقَاءٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَزِيزٍ، وَخَلْقٍ سِوَاهُمْ؛ أَخْبَرَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الزُّبَيْدِيِّ؛ قَالُوا: أَنْبَأَنَا أَبُو الْوَقْتِ السِّجْزِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَمَّوَيْهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، ثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قُلْتُ: وَيْحُكَ مَا بِكَ؟ قَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ. فَصَرَخْتُ ثَلاثَ صَرَخَاتٍ أسمعت ما بين لابتيها: يا صباحاه، يَا صَبَاحَاهُ. ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ
…
وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا. فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رسول الله إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ، وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ، فَابْعَثْ فِي أَثَرِهِمْ فَقَالَ:"يَابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِعْ، إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ"1.
1 أخرجه مسلم في "صحيحه""1807" كتاب: الجهاد والسير.