الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استيلاء الإفرنج عَلَى كثير من الشام:
وفيها نازلت الإفرنج الرستن1، ثم ترحلوا، وجرت لهم وقعات، واستولوا عَلَى شيء كثير من الشام، وهادنهم أمراء البلاد عَلَى مالٍ يؤدُّونه كلّ عام، فلا قوة إلّا باللَّه2.
1 الرستن: هي الاستراحات في الطرق عبر المسافات الطويلة.
2 انظر: شذرات الذهب "3/ 404-407".
أحداث سنة سبع وتسعين وأربعمائة:
الصلح بين بَركيَارُوق وأخيه محمد:
في ربيع الآخر، وقع الصلح بين السلطانين بَركيَارُوق ومحمد؛ وسببه أنّ الحرب لما تطاولت بينهما وعم الفساد، وصارت الأموال منهوبة، والدّماء مسفوكة، والبلاد مخرَّبة، والسلطنة مطموعًا فيها، محكومًا عليها، وأصبح الملوك مقهورين بعد أنّ كانوا قاهرين. وكان بَركيَارُوق حاكمًا حينئذٍ عَلَى الرّيّ، والجبال، وطبرستان، وفارس، وديار بَكْر، والجزيرة، والحَرَمين، وهو بالرَّيّ. وكان محمد بأذربيجان وهو حاكم عليها وعلى إرمينية، وأران، وأصبهان، والعرق جميعه سوى تكريت، وبعض البطائح. وأما خراسان فإن السلطان سَنْجَر كَانَ يخطب لَهُ فيها جميعها، ولأخيه محمد، وبقي بَركيَارُوق ومحمد كفَّتي رهان، فدخل العقلاء بينهم بالصلح، وكتبت بينهم أَيْمان وعُهُود ومواثيق، فيها ترجيح جانب بَركيَارُوق، واقيمت له الخطبة ببغداد، وتسلم لأصبهان بمقتضى الصُّلْح، وأرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بَركيَارُوق.
حصار الإفرنج لطرابلس ورفعه:
وفيها جاءت الإفرنج في البحر، فأعانوا صَنْجيل عَلَى حصار طرابلس، وبالغوا في الحصار أيامًا، فلم يغن شيئًا، ففارقوه.
استيلاء الإفرنج عَلَى جبيل:
ونازلوا مدينة جبيل أيامًا، وجدوا في القتال، فعجز أهلُها وتسلموها بالأمان، فغدروا بأهلها، وأخذوا أموالهم وعذبوهم.
استيلاء الإفرنج عَلَى عكّا:
ثمّ ساروا إلى عكا نجدةً لبردوين صاحب القدس، فحاصروها برًّا وبحرًا، وأميرها زهر الدّولة بنا الجيوشي، فزحفوا عليها مرّةً غير مرّة، إلى أنّ عجز بنا عن عكا، ففارقها ونزل إلى البحر، وأخذتها الإفرنج بالسيف، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقدم واليها إلى دمشق، ثمّ رحل إلى مصر، وعفا عَنْهُ أمير الجيوش الأفضل.
وقعة نهر البَلِيخ:
وفيها نازلت الإفرنج حران، فسار لجهادهم سُقْمان وجكرمش في عشرة الآف فارس، فكانت الواقعة عَلَى نهر البَلِيخ، فانهزم المسلمون أوّلًا، وتبعتهم الإفرنج فرسخين، ثمّ عاد المسلمون عليهم فقتلوهم كيف شاؤوا، وغنموا أسلابهم، وكان فتحًا عظيمًا أذلّ نفوس الإفرنج بالمرة.
هرب صاحب أنطاكية وصاحب الساحل:
وكان بيمند صاحب أنطاكيّة وتنكري صاحب السّاحل قد كمنا وراء جبل، فلما خرجا رَأيا أصحابهم منهزمين، فتسحبّا باللّيل، وفطن بهم المسلمون فتبعوهم، وقتلوا وأسروا. وأَفْلَت المَلِكان في ستة فرسان.
وقوع قُمْص الرُّها في الأسر:
وأسروا قُمْص الرُّها، وحاز الغنيمة عسكرُ سُقْمان، ولم يَظْفِرْ عسكرُ جَكَرْمِش صاحب المَوْصِل بطائل.
تملك سُقْمان الحصون من الإفرنج:
ورحل سُقْمان وألبس أصحابه أسلاب الإفرنج، ورفع أعلامهم، وكان يأتي
الحصن فتخرج الإفرنج منه، ظنًّا أنّ هَؤُلَاءِ أصحابهم، فيقتلونهم، وتملك سُقْمان الحصن فعل ذَلِكَ بعدّة حصون.
سير جَكَرْمِش إلى حران ومحاصرته الرُّها:
وأمّا جَكَرْمِش فإنّه سار إلى حَرّان وتسلّمها، وقرّر بها نائبه، وسار فحاصر الرُّها خمسة عشر يومًا وبها الإفرنج.
مفاداة القُمص بالمال والأسرى:
ثمّ ترحّل إلى المَوْصِل وفي أسره القُمْص، ففاداه بخمسة وثلاثين ألف دينار، ومائة وستّين أسيرًا من المسلمين. حكاها ابن الأثير، وقال: كَانَ عدّة القَتْلَى تُقارب اثني عشر ألف قتيل.
وفاة شمس الملوك دُقَاق صاحب دمشق:
وفيها مات صاحب دمشق شمس الملوك دُقاق بْن تتش، وأُقيم ولده بتدبير الأتابك طُغْتِكِين.
وفاة أرتاش أخي دُقاق:
وقيل: بل لمّا مات دُقَاق أحضر طُغْتِكِين أرتاش أخا دقاق من بعلبك، كان أخوه حَبَسه بقلعتها، فلمّا قدِم سَلْطَنَه طُغْتِكِين، فبقي في المُلْك ثلاثة أشهر، ثمّ هرب سرًّا لأمرٍ توهَّمه من طُغْتِكِين. فذهب إلى بَغْدَوِين الّذي ملك القدس مستنصرًا بِهِ، فلم يحصل منه عَلَى أملٍ، فتوجه إلى العراق عَلَى الرَّحْبة فهلك في طريقه.
حصن صَنْجيل ومهاجمة ابن عمّار لَهُ:
وأمّا صَنْجيل -لعنه اللَّه- فطال مُقامُه عَلَى طرابلس، حتّى أَنَّهُ بنى عَلَى ميلٍ منها حصناٍ صغيرًا، وشحنه بالرّجال والسّلاح. فخرج صاحب طرابلس ابن عمّار في ذي الحجّة، فهجم أهل الحصن وملكه، وقتل كل من فيه، وهدم بعضه، ودخل البلد