الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[وقال أيضاً قوله تعالى] : {
…
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين َ}
…
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضآلُّون"1.
1 شرح العقيدة الطحاوية، ص (800) . والحديث أخرجه الترمذي برقم (2954) ، والإمام أحمد في المسند (4/378، 379) ، وأبو داود الطيالسي برقم (1040) ، وابن جرير في جامع البيان (1/185، 193) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (1/23) ، وابن حبان في صحيحه مع الإحسان (16/183، 184) كلهم من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. والحديث صحح أحمد شاكر إسناده. انظر جامع البيان الموضع المتقدم. وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافاً. يعني تفسير الآية بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر تفسيره (1/23) .
سورة البقرة
[قوله تعالى: {الم} 2]
…
وقعت الإشارة بالحروف المقطَّعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب كلامهم، وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن3؟، كما في قوله تعالى: {الم ذَلِك َ
2 سورة البقرة، الآية:1.
3 هذا أحد الأقوال على قول من قال: إنه يُعرف تفسيرها وهو منسوب إلى قطرب والمبرد. انظر معاني القرآن وإعرابه (1/55، 56) ، والمحرر الوجيز (1/95)، والتفسير الكبير (2/7) . وإلى هذا القول ذهب الزمخشري في الكشاف (1/95-97) . قال الرازي: واختاره جمع عظيم من المحققين. انظر التفسير الكبير (2/7) . وإن أردت الاطلاع على جميع الأقوال في الحروف المقطعة فانظر التفسير الكبير (2/3-8) ، والبحر المحيط (1/156) وما بعدها، والبرهان في علوم القرآن (1/172-176) ، والتحرير والتنوير (1/207)، وقد ذكر العلامة ابن كثير في تفسيره (1/39) ما يفيد ترجيح هذا القول أعني الذي ذكره المؤلف هنا ثم قال:"وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية".
الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} 1.
{الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ} 2 الآية {المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} 3 {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} 4. وكذلك الباقي يُنبِّههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل خاطبكم بلسانكم5.
[قوله تعالى] : {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} 6وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} 7
…
هذا مرض الشبهة وهو أردأ من مرض الشهوة؛ إذ مرض الشهوة يُرجى له الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض الشبهة لا شفاء له، إن لم يتداركه الله برحمته8.
1 سورة البقرة، الآية: 1، 2.
2 سورة آل عمران، الآية: 1-3.
3 سورة الأعراف، الآية: 1، 2.
4 سورة يونس، الآية:1.
5 شرح العقيدة الطحاوية، ص (205) .
6 سورة البقرة، الآية:10.
7 سورة التوبة، الآية:125.
8 شرح العقيدة الطحاوية، ص (258) . وقد فسر المؤلف الآيتين في معرض بيانه أن النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب، فالنفاة والمشبهة خرجوا عن حد الاعتدال الصحيح بسبب الشبهة التي ألقاها إبليس في قلوبهم، فكان لهما نصيب مما تضمنته هاتان الآيتان. وقد قال السمعاني عند آية البقرة: أراد بالمرض الشك والنفاق بإجماع المفسرين. ونحو هذا ذكر الواحدي. انظر تفسير القرآن للسمعاني (1/48) ، والوسيط للواحدي (1/87) .
وكأن من حكى الإجماع لم يعتد بقول من قال: إن المقصود الزنا. انظر تفسير ابن أبي حاتم (1/47) . ولا شك أن سياق الآية التي في سورة البقرة يشهد لقول من حكى الإجماع. وكذلك الآية التي في سورة التوبة المقصود بالمرض فيها مرض النفاق الاعتقادي، المخرج من الملة؛ ولذلك قال في آخرها:{وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} . وانظر في تفسير آية التوبة جامع البيان (14/578) ، وتفسير القرآن للسمعاني (2/361) .
.. قوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} 1
…
المراد المقارنة بالفعل، وهي الصلاة جماعة؛ لأن الأمر بالصلاة قد تقدم، فلا بد من فائدة أُخرى. وتخصيص الركوع؛ لأن بإدراكه تدرك الصلاة، فمن أدرك الركعة أدرك السجدة2.
[قوله تعالى] : {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَاّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ} 3 والأماني: التلاوة المجردة4 أي: إلَاّ تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه بعضه، فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" 5 فامتثل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم6.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} 7 أي: صلاتكم إلى بيت المقدس8
1 سورة البقرة، الآية:43.
2 التنبيه على مشكلات الهداية، ص (220) تحقيق عبد الحكيم. وانظر المحرر الوجيز (1/ 203) ، والجامع لأحكام القرآن (1/ 348، 349) ففيهما ما ذكر المؤلف من الاحتجاج بالآية على الصلاة جماعة.
3 سورة البقرة، الآية:78.
4 شرح العقيدة الطحاوية، ص (504) . وهذا أحد الأقوال، التي قيلت في معنى ((أماني)) . انظر هذا القول وغيره في تفسير القرآن لأبي الليث (1/131) ، وتفسير القرآن للسمعاني (1/99) ، ومعالم التنزيل (1/88) ، والمحرر الوجيز (1/271) .
5 هذا اللفظ أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/181) ، والبخاري في خلق أفعال العباد، ص (43) ، والبغوي في شرح السنة (1/260) كلهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحكم محققا شرح السنة بأن إسناده حسن. انظر شرح السنة الموضع المتقدم.
6 شرح العقيدة الطحاوية، ص (785، 786) .
7 سورة البقرة، الآية:143.
8 يشهد لهذا القول بالصحة ما أخرجه الإمام الترمذي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما وُجِّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي الحديث رقم (2964) وقد أخرجه غيره من الأئمة، وكلهم أخرجوه من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس. وإن كان في رواية سماك عن عكرمة شيء، فهناك شواهد للحديث، لا ينزل بمجموعها عن درجة الحسن. وقد قال الإمام ابن القيم: "وفيه قولان يعني في معنى {إِيمَانُكُمْ} أحدهما: ما كان ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس
…
والثاني: ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها. وأكثر السلف والخلف على القول الأول، وهو مستلزم للقول الآخر". بدائع التفسير (1/342) .
سميت إيماناً مجازاً1؛ لتوقف صحتها على الإيمان، أو لدلالتها على الإيمان؛ إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمناً؛ ولهذا يُحكم بإسلام الكافر إذا صلى كصلاتنا2.
…
عن عروة قال: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} 3 فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت بئسما قلت ياابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أوّلتها كانت: لا جناح عليه ألا يطوّف بهما، ولكنها أُنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يُهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقالوا يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أنطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الصَّفَا
1 انظر التفسير الكبير (4/98) ، وروح المعاني (2/7) .
2 شرح العقيدة الطحاوية، ص (445)، وأحسن من تعليل المؤلف هنا ما ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (2/157) بقوله:"فسمّى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل".
3 سورة البقرة، الآية:158.
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية1
…
[قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} 2]
…
لمَّا قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} قال بعده: {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى:{لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} 3 وقد اعترض صاحب المنتخب4 على النحويين في تقدير الخبر في {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} فقالوا: تقديره لا إله في الوجود إلا الله. فقال: يكون ذلك نفياً لوجود الإله، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصِّرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره، والإعراض عن هذا الإضمار أولى5.
وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي6 في ((ري الظمآن)) فقال:
هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن ((إله)) في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم ((لا)) وعلى التقديرين، فلابد من خبر للمبتدأ،
1 التنبيه على مشكلات الهداية، ص (486، 487) تحقيق عبد الحكيم. وسبب النزول هذا أخرجه الإمام البخاري في صحيحه مع الفتح برقم (1643) ومسلم في صحيحه تحت رقم (1277) .
2 سورة البقرة، الآية:163.
3 ذكر أبو حيان هذا منسوباً إلى صاحب المنتخب. انظر البحر (1/637) .
4 لعله: الحسن بن صافي بن عبد الله الملقب بملك النحاة (ت: 568 ?) ذكر القفطي في مؤلفاته ((المنتخب)) . انظر معجم الأدباء (2/866) ، وإنباه الراوة (1/340) ، وبغية الوعاة (1/504) .
5 نحو هذا الاعتراض في التفسير الكبير (4/157) من غير نسبة. وهو بتمامه في البحر (1/637) منسوباً لصاحب المنتخب.
6 محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل المرسي، العلامة شرف الدين، النحوي الأديب، الزاهد المفسِّر، المحدث الفقيه الأصولي، (ت: 655 ?) . انظر بغية الوعاة (1/144) .
وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد.
وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفياً للماهية، فليس بشيء؛ لأن نفي الماهية هو نفي الوجود لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية، ولا وجود وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة1 فإنهم يثبتون ماهية عارية من الوجود. و ((إلا الله)) مرفوع، بدلاً من ((لا إله)) لا يكون خبراً لـ ((لا)) ، ولا للمبتدأ، وذكر الدليل على ذلك2.
1 المعتزلة فرقة نشأت إثر قول واصل بن عطاء: إن فاعل الكبيرة لا مسلم ولا كافر، واعتزل مجلس شيخه الحسن البصري، فسُمي معتزلياً، وأتباعه معتزلة، ولهم أصول خمسة خالفوا فيها الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة. انظر الفرق بين الفرق، ص (14، 18، 19) ، والملل والنحل، ص (48) ، والمعتزلة وأصولهم الخمسة، ص (14) .
2 جواب أبي عبد الله المرسي منقول بتمامه في البحر (1/637) وعقب عليه أبو حيان بما يُفهم موافقته لأبي عبد الله المرسي. انظر البحر (1/637، 638) . وتقدير خبر (لا) بكلمة ((في الوجود)) قد قاله أيضاً أبو البركات ابن الأنباري في كتابه، البيان في غريب إعراب القرآن (1/131) . وقد قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: إن التقدير بكلمة ((في الوجود)) لا يحصل به المقصود من بيان أحقية ألوهية الله سبحانه وبطلان ما سواها؛ لأن لقائل أن يقول: كيف تقولون: (لا إله في الوجود إلا الله) ؟ وقد أخبر سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين، كما في قوله سبحانه: {
…
فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} وقوله: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة} فلا سبيل إلى التخلص من هذا الاعتراض، وبيان عظمة هذه الكلمة
…
إلا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النحاة، وهو كلمة ((حق)) ؛ لأنها هي التي توضح بطلان جميع الآلهة، وتبين أن الإله الحق والمعبود الحق هو الله وحده
…
انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص (74) حاشية (2) .
قلت ذكر الشيخ ابن باز أن شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم قد نبها على ما قاله هنا. وقد تنبه بعض المفسرين إلى هذا فقال العلامة الألوسي في روح المعاني (2/29) : ((وإضافة إله) إلى ضمير المخاطبين باعتبار الاستحقاق، لا باعتبار الوقوع؛ فإن الآلهة الغير مستحقة كثيرة". وقال الخفاجي في عناية القاضي وكفاية الراضي (2/434) :" {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} خطاب عام أي المستحق منكم العبادة واحد لا شريك له". وانظر أيضاً: التحرير والتنوير (2/74) .
وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد دفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة، وهو فاسد؛ فإن قولهم:((في الوجود)) ليس تقييداً؛ لأن العدم ليس بشيء؛ قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} 1.
ولا يقال: ليس قوله: ((غيره)) كقوله: ((إلا الله)) ؛ لأن ((غيراً)) تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد ((إلا)) فيكون التقدير للخبر فيهما واحداً؛ فلهذا ذكرتُ هذا الإشكال وجوابه هنا2.
ذُكر في أسباب النزول أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الآية {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} 3 الآيات4.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} 5 إلى أن قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب6، وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا
1 سورة مريم، الآية:9.
2 شرح العقيدة الطحاوية، ص (73-75) .
3 سورة البقرة، الآية:177.
4 شرح العقيدة الطحاوية، ص (485) وانظر أسباب النزول للواحدي، ص (49) ، ولباب النقول في أسباب النزول، ص (49) ففيهما أن سبب نزول الآية أنهم سألوا عن البر.
5 سورة البقرة، الآية:178.
6 انظر الوسيط (1/265) ، وتفسير القرآن للسمعاني (1/174) ، وزاد المسير (1/180) ، والتفسير الكبير (5/47) فقد ذكروا نحو ما قال المؤلف.
بَيْنَهُمَا} إلى أن قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} 1.
…
قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} 2 الآية
…
معنى { {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} فرض عليكم وألزمكم3
…
قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} 4قيل: معناه لا يطيقونه5 هذا التقدير على قول من قال من النحاة: بتقدير (لا) في مثل قوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} 6 والمبرد وغيره يأبون ذلك ويقدرون فيه كراهية أن تضلوا. وقولهم أولى؛ لأن تقدير العامل المناسب أولى من تقدير حرف النفي، مع أنه ليس قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} نظير قوله: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} 7 لأن هنا قرينة تدل على المقدر وهي قوله: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ} وليس في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ما يدل عليه ولا يجوز في مثله تقدير ما لايدل عليه من اللفظ دليل. وإلا لم يثق أحد بنص مثبت لاحتمال أن تكون (لا) مقدرة فيه. وقيل: معناه كانوا يطيقونه أي في حال الشباب فعجزوا عنه بعد الكبر، والآخر ظاهر
1 سورة الحجرات، الآية: 9، 10. وانظر شرح العقيدة الطحاوية، ص (442) ومقصود المؤلف من إيراد آية الحجرات أنها دلت على ما دلت عليه آية البقرة من بقاء أخوة الإسلام مع وجود الكبيرة وهي القتل، فدل ذلك على أن الكبيرة لا تخرج صاحبها من الإسلام.
2 سورة البقرة، الآية:180.
3 التنبيه على مشكلات الهداية، ص (485)(تحقيق عبد الحكيم) وانظر هذا المعنى في جامع البيان (3/384) وتفسير القرآن لأبي الليث (1/181) ، والنكت والعيون (1/231) ، والوسيط (1/268) ، وتفسير القرآن للسمعاني (1/174) .
4 سورة البقرة، الآية:184.
5 انظر الدر المصون (2/273) فقد ذكر السمين هذا القول وقال: إنه بعيد.
6 سورة النساء، الآية:176.
7 سورة النساء، الآية:176.
الضعف. وأقوى منه ما روى البخاري في صحيحه عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ (وعلى الذي يطوقونه فدية طعام مسكين) قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً1. مع أن هذه القراءة يمكن أن ترد إلى معنى القراءة الأخرى فإن معنى (يطوَّقونه) يكلفونه. وأكثر السلف على أن الآية منسوخة. عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت هذه الآية {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} متفق عليه2. وأخرجه البخاري أيضاً عن ابن عمر3 وأخرج أيضاً عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب محمد أنهم قالو ذلك4. وحكى البغوي عن قتادة أنها خاصة في الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم لكنه يشق عليه، رخص له أن يفطر ويفتدي ثم نسخ5.
وحكي أيضا عن الحسن أن هذا في المريض الَّذِي به ما يقع اسم المرض وهو مستطيع للصوم، خُيّر بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي ثم نسخ6.
1 صحيح البخاري مع الفتح برقم (4505) والقراءة المذكورة عن ابن عباس قراءة شاذة. انظر مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه، ص (11) .
2 صحيح البخاري مع الفتح برقم (4507) ، وصحيح مسلم برقم (1145) .
3 صحيح البخاري مع الفتح برقم (1949) .
4 صحيح البخاري مع الفتح (4/187) والخبر ذكره الإمام البخاري معلقاً. وقال ابن حجر في الفتح (4/188) وصله أبو نعيم في المستخرج والبيهقي من طريقه
…
واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، وطريق ابن نمير هذه أرجحها.
5 معالم التنزيل (1/150) وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني عن قتادة بإسناد صحيح. انظر تفسير القرآن لعبد الرزاق (1/69، 70) .
6 معالم التنزيل (1/150) وقد ذكر البغوي في مقدمة تفسيره (1/28) أنه يروي تفسير الحسن من طريق عمروبن عبيد. ومعلوم أن عمرو بن عبيد أحد رؤوس المعتزلة الدعاة إلى بدعتهم.
وإذا عرف هذا فالمسألة مسألة نزاع بين الصحابة رضي الله عنهم. ومن ادعى النسخ معه زيادة إثبات. كيف وهو قول جمهور الصحابة؟ ولعل قول ابن عباس رضي الله عنهما عن اجتهاد، وقول غيره عن نقل وهو الظاهر، فإن النسخ كان قبل ابن عباس رضي الله عنهما1.
…
قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} 2شاة. وعليه جمهور العلماء3، وجماعة الفقهاء4.
…
قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} 5المخاطبون بالنهي هم المحرمون، والضمير في قوله:"رؤوسكم" عائد إليهم، أي: لا يحلق بعضكم رؤوس بعض، كما في قَوْله تَعَالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى
1 التنبيه على مشكلات الهداية، ص (429،432) تحقيق عبد الحكيم. وما ذهب إليه المؤلف هو الراجح، لأن الآية صريحة في التخيير بين الصيام والإطعام لمن يطيق الصوم، وقد رُفع هذا التخيير باتفاق على وجوب الصوم بقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقد رجح القول بالنسخ جماعة من الأئمة، منهم أبو عبيد والطبري والنحاس ومكي وابن حزم وابن العربي وابن الجوزي وابن كثير. انظر جامع البيان (3/434) ، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد، ص (47) ، والناسخ والمنسوخ للنحاس (1/501،502) ، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، ص (125) ، والإحكام في أصول الأحكام (4/62) ، وأحكام القرآن (1/79) ، ونواسخ القرآن، ص (177) ، وتفسير القرآن العظيم (1/216) .
2 سورة البقرة، الآية:196.
3 انظر الجامع لأحكام القرآن (2/378) .
4 التنبيه على مشكلات الهداية، ص (588) تحقيق عبد الحكيم.
5 سورة البقرة، الآية:196.
أَنْفُسِكُمْ} 1 الآية، وفي قوله تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} 2 وفي قوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} 3 هذا هو الظاهر في الآيات كلها، وإن كانت تحتمل أن المحرم لا يحلق رأس نفسه، أو لا يُمكّنُ من يحلقه، أو أن أحداً منكم لا يقتل نفسه، وأن من تمام توبتكم يا بني إسرائيل إن كل إنسان منكم يقتل نفسه، لكنه خلاف الظاهر، والقول بشمول كل من الآيات للمعنيين أحسن4.
…
…
البغي مجاوزة الحد6
…
قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} 7قال مجاهد: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} حتى ينقطع الدم {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} اغتسلن بالماء8.
1 سورة النور، الآية:61.
2 سورة النساء، الآية:29.
3 سورة البقرة، الآية:54.
4 انظر التنبيه على مشكلات الهداية، ص (544، 545) . تحقيق عبد الحكيم. وانظر جامع البيان (19/ 225، 226) ، وتفسير القرآن للسمعاني (1/418، 419) ، والنكت والعيون (1/475) ، والمحرر الوجيز (4/94) ، وفتح القدير (1/544) تجد أن أصحاب هذه المؤلفات قد ذكروا المعنيين. عند بعض هذه الآيات. وطائفة من المفسرين اقتصروا على ذكر المعنى الذي قال المؤلف إنه الظاهر، وذلك عند بعض هذه الآيات أيضاً انظر تفسير القرآن لأبي الليث (1/119، 349) ، وزاد المسير (1/82) وما رجحه المؤلف من القول بالعموم هو الصحيح.
5 سورة البقرة، الآية:213.
6 شرح العقيدة الطحاوية، ص (782) . وانظر هذا المعنى الذي ذكره المؤلف في جامع البيان (4/281) ، والمفردات في غريب القرآن، ص (55) ، وعمدة الحفاظ (1/243) .
7 سورة البقرة، الآية:222.
8 التنبيه على مشكلات الهداية، ص (106) تحقيق عبد الحكيم، والأثر أخرج بعضه ابن جرير في تفسيره برقم (4266) وبعضه برقم (4270) بسند واحد رجاله ثقات.
قال أهل التفسير في قوله تعالى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} 1 أي مطيعين. قاله الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاوس2.ويشهد لذلك قوله تعالى: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} 3 وقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} 4 وقوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ} 5 وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} 6 وقوله تعالى {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ} 7.
وقال أيضاً القيام المذكور في الآية ليس المراد به انتصاب القامة، بل المراد به فعل المأمور به، وأن يكون على وجه الطاعة لله، والإمتثال لأمره، فإن الرجل يقوم بأشياء ويكون هو قائم بأمر على وجه الطاعة تارة، وعلى وجه المعصية أخرى فأمروا أن يقوموا لله بما أمرهم به حال كونهم طائعين
…
ويحتمل أن يكون المراد بالقيام لله في الآية الصلاة بخصوصها8، ويكون المعنى: {حَافِظُوا
1 سورة البقرة، الآية:238.
2 أخرج ذلك الإمام الطبري عنهم في جامع البيان (5/230، 231) . والأسانيد إلى الشعبي وعطاء وقتادة وطاوس رجالها ثقات. وهذا القول ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر جامع البيان (5/ 229) .
3 سورة البقرة، الآية:116.
4 سورة النحل، الآية:120.
5 سورة التحريم، الآية:5.
6 سورة الأحزاب، الآية:35.
7 سورة النساء، الآية:34. وهذا التفسير في التنبيه على مشكلات الهداية، ص (259) تحقيق عبد الحكيم.
8 ذكر هذا القول أبو حيان في البحر المحيط (2/251) والأقوال في معنى ((قانتين)) كثيرة جداً، انظرها في التفسير الكبير (6/130، 131) ، والجامع لأحكام القرآن (3/213، 214)، والبحر المحيط (2/251) وأشهرها قولان: 1- القنوت الطاعة.2- القنوت السكوت. قال أبو جعفر النحاس بعد أن ذكر القولين: "هذان القولان يرجعان إلى شيء واحد؛ لأن السكوت في الصلاة طاعة" عاني القرآن الكريم (1/240) .
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} بالصلاة قانتين فيها {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} فإن قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} قد ذكرت الصلاة قبله وبعده، فكان الظاهر إرادة الصلاة هنا بخصوصها، وأما إرادة القيام في الصلاة بمجرده من هذه الآية فغير ظاهر1.
[قوله تعالى] : {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} 2 {لا يَؤُودُهُ} أي: لا يكرثه3 ولا يثقله ولا يعجزه4.
فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده5، كقوله تعالى:{وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} 6 لكمال عدله، {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي
1 التنبيه على مشكلات الهداية، ص (166) تحقيق عبد الحكيم. وهذا التفسير ذكره عندما رد على صاحب الهداية في احتجاجه بالآية على فرضية القيام في الصلاة المفروضة.
2 سورة البقرة، الآية:255. والمؤلف لم يذكر الآية كاملة في مكان واحد، وإنما ذكرها مفرقة.
3 أي: لا يشق عليه، ولا يغمه ولا يثقله. انظر تهذيب اللغة (10/175، 176)((كرث)) .
4 انظر مجاز القرآن (1/78) ، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة، ص (93) ، ومعاني القرآن وإعرابه (1/338) ، وجامع البيان (5/404، 405) .
5 انظر في هذه المسألة: الرسالة التدمرية، ص (40) وما بعدها، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (17/109) وما بعدها، وأيضاً (3/36) من مجموع الفتاوى.
6 سورة الكهف، الآية:49.
الأَرْضِ} 1 لكمال علمه، وقوله تعالى:{وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} 2 لكمال قدرته. {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} لكمال حياته وقيُّوميته. {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} 3لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلَاّ فالنفي الصِّرف لا مدح فيه، ألا يُرى أن قول الشاعر4:
قُبَيِّلةٌ لا يَغْدِرُونَ بذمةٍ
…
ولا يَظْلِمُونَ النَّاس حَبَّةّ خَرْدَلِ
لمَّا اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله ((قُبيِّلة)) عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم. وقول الآخر5:
لَكِنَّ قّوْمِي وإنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ
…
لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ في شَيءٍ وإنْ هَانَا
لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم، عُلم أن المرادعجزهم وضعفهم أيضاً6.
واعلم أن هذين الاسمين أعني: الحي القيوم مذكوران في القرآن معاً في ثلاث سور7 كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: إنهما
1 سورة سبأ، الآية:3.
2 سورة ق، الآية:38.
3 سورة الأنعام، الآية:103.
4 هو النجاشي: قيس بن عمرو بن مالك، أصله من نجران، رُوي أنه كان ضعيفاً في دينه (ت: نحو40?) . انظر خزانة الأدب (4/76) ، والأعلام (5/207) . والبيت من قصيدة هجا بها قيسٌ ابن أُبي بن مقبل من بني العجلان. انظر خزانة الأدب (1/231، 232) .
5 قال في خزانة الأدب (7/441) : إن البيت لقُرَيْط بن أُنيف العنبري. والبيت أيضاً في مغني اللبيب (1/257) .
6 شرح العقيدة الطحاوية، ص (68، 69) ، وانظر أيضاً، ص (89) .
7 سورة البقرة في الآية (255) وفي سورة آل عمران، الآية (2) وفي سورة طه، الآية (111) .
الاسم الأعظم1، فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم على معنى الأزلية، والأبدية2 ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضاً على كونه موجوداً بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود.
و ((القيوم)) أبلغ من ((القيام)) ؛ لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه، باتفاق المفسرين وأهل اللغة3، وهو معلوم بالضرورة.
وهل تفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان. أصحهما: أنه يفيد ذلك4، وهو يُفيد دوام قيامه وكمال قيامه؛ لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول، ولا يأفل5؛ فإن الآفل قد زال قطعاً، أي: لا يغيب، ولا ينقص، ولا يفنى، ولا يَعْدَمُ، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال.
واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على بقائها ودوامها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلاً وأبداً؛ ولهذا كان قوله: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ
1 انظر التفسير الكبير (7/4، 5) ، والجامع لأحكام القرآن (3/271) .
2 انظر مجاز القرآن (1/78) ، وتفسير ابن أبي حاتم (2/28) .
3 ذكر طائفة من المفسرين وأهل اللغة نحو ما قاله المؤلف هنا، من أن القيوم يفيد قيامه بنفسه، وبعضهم يقول: هو القائم على كل نفس بما كسبت، أو هو القائم بتدبير أمر الخلق، وهذا يستلزم الأول، ولم يذكروا في ذلك خلافاً، مما يفيد صحة الاتفاق الذي ذكره المؤلف. انظر على سبيل المثال: جامع البيان (5/388) ، ومعاني القرآن وإعرابه (1/336، 337) ، وتفسير ابن أبي حاتم (2/25،26) ، وتهذيب اللغة (9/360) ، وتفسير القرآن للسمعاني (1/257) ، والمفردات، ص (417) ، وتفسير القرآن لأبي الليث (1/222) ، ومعالم التنزيل (1/238) ، والنكت والعيون (1/323) .
4 لم أر فيما اطلعت عليه مَنْ حكى خلافاً في أن ((القيوم)) يفيد إقامته لغيره.
5 الأفول الغياب، وقد فسره المؤلف بذلك، ومنه قوله تعالى:{فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} . انظر غريب القرآن وتفسيره لليزيدي، ص (138) .
الْقَيُّومُ} أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم1. فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما يرجع معانيها، فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة. وأما القيوم، فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام2.
وأما ((الكرسي))
…
[ف] 3 قد قيل: هو العرش4، والصحيح أنه غيره، نُقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. روى ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى:{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أنه قال: "لكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قَدْرَه إلا الله تعالى".5وقد
1 صحيح مسلم الحديث رقم (810) .
2 شرح العقيدة الطحاوية، ص (90-92) .
3 ما بين المعكوفين زيادة من عندي ليستقيم الكلام، وانظر نظام كلام المؤلف في شرح العقيدة الطحاوية ص (368) .
4 أخرجه الطبري في تفسيره (5/399) من طريق جويبر، عن الحسن. وهي طريق لا تقوم بها حجة؛ لضعف جويبر. انظر تقريب التهذيب رقم (987) .
5 كتاب العرش وما ورد فيه، ص (79) رقم (61) ، والمستدرك (2/ 310) في كتاب التفسير، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12/ 39) ، والدارقطني في كتاب النزول، ص (49)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/323) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
رُوي مرفوعاً1، والصواب أنه موقوف على ابن عباس. وقال السدي:"لسماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش"2. وقال ابن جرير: قال: أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد أُلقيت بين ظهري فلاة من الأرض"3. وقيل كرسيه علمه. ويُنْسب إلى ابن عباس4.
والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي شيبة، كما تقدم، ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن، والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم، كما قيل في العرش.
1 قال الدارقطني في كتاب النزول، ص (49) : رفعه شجاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرفعه الرمادي. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب، ص (264)، عندما ترجم لشجاع:"صدوق وهم في حديث واحد رفعه، وهو موقوف، فذكره بسببه العقيلي" قلت: يعني في كتابه ((ضعفاء الرجال)) . وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره، ص (1/310) :"أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر ابن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاسي، فذكره، وهو غلط". يعني رحمه الله رفعه غلط.
2 أخرجه الطبري في جامع البيان (5/398) من طريق أسباط عن السدي. قال الحافظ ابن حجر: "أسباط بن نصر الهمداني
…
صدوق كثير الخطأ يُغرب" التقريب رقم (321) . قلت: ولا يخفى عليك أنه من رجال صحيح مسلم.
3 جامع البيان (5/399) من طريق ابن زيد، عن أبيه قال: قال أبو ذر. فذكره. وعبد الرحمن بن زيد ضعيف. انظر التقريب رقم (3865) .
4 أخرجه الطبري في تفسيره (5/397) ، والبيهقي في الأسماء والصفات (2/134، 135) وقال: وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد بالكرسي المشهور المذكور مع العرش. وقال أبو منصور الأزهري بعد أن ذكر هذه الرواية ليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار. تهذيب اللغة (10/54)(كرس) . وطعن الحافظ القصاب في ثبوت هذه الرواية عن ابن عباس. انظر نكت القرآن الدالة على البيان (1/146) ، وكذلك فعل الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/176) .